فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا, ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم (١): ﴿يُنَزِّلُ﴾ بتشديد الزاي. وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف.
والمعنى (٢): أي ولو أعطى عباده من الرزق فوق حاجتهم، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وطلب ما ليس لهم طلبه؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون، عبرة لمن اعتبر، ولكن يرزقهم ما فيه صلاحهم، وهو أعلم بحالهم، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، بحسب ما يعلم من المصلحة في ذلك.
والخلاصة: أنه تعالى خبير بما يصلح عباده، من توسيع الرزق، وتضييقه، فيقدر لكل واحد منهم ما يصلحه. فيبسط ويقبض ويعطي ويمنع، ولو أغناهم جميعًا لبغوا. ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، فنظام العالم لا يستقر إلا على هذا الوضع القائم، الجامع بين الأمرين، فخوف الأغنياء يَزَعُهُم عن الظلم، وخوف الفقراء من الأغنياء، يدعوهم إلى التعاون معهم ليفوزوا بمبتغاهم، ويزعهم عن البغى، وقال قتادة: كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك.
٢٨ - وبعد أن بين أنه لا يعطي عباده ما زاد على حاجتهم؛ لأنه يعلم أن الزيادة تضرهم في دينهم، ذكر أنهم لو احتاجوا إلى الغيث، فهو لا يمنعه عنهم، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ الإله: ﴿الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ والمطر من السماء على الأرض، فيغيثهم به من الجدب، ولذلك خص بالنافع منه. فإن المطر قد يضر. وقد لا يكون في وقته. قال الراغب: الغيث يقال في المطر. والغوث في النصرة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: يئسوا منه. وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضًا، لتذكير كمال النعمة. فإن حصول النعمة بعد اليأس والبلية، أوجب لكمال الفرح. فيكون أدعى إلى الشكر. وقرأ الجمهور: ﴿قَنَطُوا﴾ بفتح النون، وقرأ الأعمش وابن وثاب بكسرها. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾؛ أي: يبسط بركات الغيث ومنافعه وما
стр. 11832
يحصل به من الخصب في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، وفي "فتح الرحمن": ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: وهي الشمس، وذاك تعديد نعمة غير الأولى. وذلك أن المطر إذا جاء بعد القنوط حسن موقعه، فإذا دام سئم، وتجيء الشمس بعده عظيمة الوقع ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْوَلِيُّ﴾؛ أي: السيد المالك، الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المستحق للحمد على ذلك وغيره، لا غيرُه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾؛ أي: متولي المطر، ومتصرفه، يرسده مرة بعد مرة ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: الأهل لأن يحمد على صنعه. إذ لا قبح فيه؛ لأنه بالحكمة. ودل الغيث على الاحتياج، وعند الاحتياج تتقوى العزيمة، والله تعالى يجيب دعوة المضطر. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال لعمر ﵁: اشتد القحط وقنط الناس. فقال: مطروا إذن، ثم قرأ هذه الآية.
والمعنى: أي وهو الذي ينزل المطر من السماء، فيغيثهم به من بعد يأسهم من نزوله حين حاجتهم إليه، وينشر بركات الغيث، ومنافعه، وما يحصل به من الخصب، وهو الذي يتولى عباده بإحسانه، ويحمد على ما يوصله إليهم من رحمته.
وعن ابن عباس ﵄: إن تحت العرش بحرًا، ينزل منه أرزاق الحيوانات، يوحي الله سبحانه إليه. فيمطر ما شاء من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا ويوحي إلى السماء أن غربليه. فتغربله فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك يضعها موضعها, ولا ينزل من السماء قطرة إلا بكيل معلوم، ووزن معلوم، إلا ما كان من يوم الطوفان من ماء، فإنه نزل بغير قيل ولا وزن.
وروي: أن الملائكة يعرفون عدد المطر، ومقداره في كل عام؛ لأنه لا يختلف فيه البلاد، وفي الحديث: كما من سنة بامطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي، حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار".
٢٩ - ثم أقام الأدلة على ألوهيته فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي:
стр. 11833
ومن دلائل قدرته تعالى، الموجبة لتوحيده، وصدق ما وعد به من البعث ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خلقهما على هذه الكيفية العجيبة والصنعة الغريبة، فإنهما بذاتهما وصفاتهما يدلان على شؤونه العظيمة، والإضافة (١) في ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: السموات المخلوقة، والأرض المخلوقة ﴿وَمَا بَثَّ﴾ وفرق ونشر ﴿فِيهِمَا﴾؛ أي: في السموات والأرض، معطوف على السموات؛ أي: وفي خلق ما بث فيهما، أو على الخلق؛ أي: في خلق السموات والأرض، وفي ما بث فيهما ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: من حي. فهو من إطلاق المسبب، وهو الدبيب وإرادة السبب، وهو الحياة. فتكون الدابة بمعنى الحي، فتتناول الملائكة، فإن الملائكة ذووا حركات طيارون في السماء، وإن كانوا لا يمشون في الأرض.
وفي "الخازن": فإن قلت: كيف (٢) يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟
قلت: الدبيب في اللغة: المشي الخفيف على الأرض، فيحتمل أن يكون للملائكة مشي مع الطيران، فيوصفون بالدبيب، كما يوسف به الإنسان. وقيل: يحتمل أن الله تعالى خلق في السموات أنواعًا من الحيوانات، يدبون دبيب الإنسان، وقيل: يحتمل أنه من إطلاق المثنى على المفرد، فيعود الضمير في ﴿فِيهِمَا﴾ إلى الأرض فقط، كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ وإنما يخرجان من أحدهما وهو الملح.
يقول الفقير: إن للملائكة أحوالًا شى، وصورًا مختلفة، لا يقتضي موطنهم الحصر، في شيء من المشي والطيران، فطيرانهم إشارة إلى قوتهم في قطع المسافة، وإن كان ذلك لا ينافي أن يكون لهم أجنحة ظاهرة، فلهم أجنحة يطيرون بها. ولهم أرجل يمشون بها. والله أعلم.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ﴾؛ أي: على جمع الأجسام وحشرهم بعد البعث للمحاسبة ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾؛ أي: في أي وقت شاء جمعهم ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي:
стр. 11834
قادر متمكن منه. وقوله: ﴿هُوَ﴾ (١) مبتدأ. و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبره. و ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ متعلق بقدير، وإذا مجردة عن معنى الشرط، متعلقة بجمعهم لا بقدير، لفساد المعنى. فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته، و ﴿إذا﴾ عند كونها بمعنى الوقت، مجردة عن الشرط كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾.
والمعنى (٢): أي ومن دلائل عظمته وقدرته وسلطانه القاهر، خلق السموات والأرض، وما نشر فيهما من دابة، تدب وتتحرك، وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوان على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وهو يجمعهم يوم القيامة، فيجمع الأولين والآخرين، وسائر الخلائق في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ثم يحكم بينهم بحكمه العدل، وهو اللطيف الخبير.
وقصارى ذلك: أنه قدير على جمع ما بث فيهما من دابة، إذا شاء جمعه، كما لم يتعذر خلقه وتفريقه.
٣٠ - ثم ذكر سبحانه دستورًا للناس في أعمالهم، إذا تأملوه .. أقلعوا عما يرتكبونه من الآثام، فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾؛ أي (٣): والذي وصل إليكم أيها الناس ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ أي مصيبة كانت، من الآلام والأسقام والقحط والخوف، حتى خدش العود وعثرة القدم واختلاج العرق وغير ذلك، في البدن، أو في المال، أو في الأهل والعيال، ويدخل فيه الحدود على المعاصي، كما أنه يدخل في قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ما لم يجعل له حد ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: فهو واقع بكم بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها، فإن ذكر الأيدي لكون أكثر الأعمال، مما يزاول بها، فكل نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق، أقله التقصير.
وفي الحديث: "لا يرد القدر إلا بالدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن
стр. 11835
الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وقوله: لا يرد القدر إلخ؛ لأن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لدفع البلاء، وجلب الشرح؛، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وقال الضحاك: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، وأي معصية أقبح من نسيان القرآن، وتلا الآية.
وقرأ نافع وابن عامر (١): ﴿بما كسبت﴾ بغير فاء، وقرأ الباقون بالفاء. و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ هي الشرطية، ولهذا دخلت الفاء في جوابها، على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند سيبويه والجمهور، وجوز الأخفش الحذف كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، وقول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ الله مِثْلَانِ
وقيل: هي الموصولة، فيكون الحذف والإثبات جائزين، والأول أولى، وقال الزجاج: إثبات الفاء أجود؛ لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، ومن حذف الفاء، فعلى أن ﴿ما﴾ في معنى الذي، وقال بعضهم: ﴿ما﴾ موصول مبتدأ، دخلت الفاء في خبره، لتضمنه معنى الشرط.
والمعنى: والذي أصابكم، فواقع بما كسبت أيديكم، قال الحسن: المصيبة هنا: الحدود على المعاصي، والأولى العمل على العموم، كما يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ من الذنوب التي يفعلها العباد، فلا يعاقب عليها، ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة، وهذا من تتمة قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
والمعنى (٢): أي وما يحل بكم أيها الناس، من المصائب في الدنيا، فإنما تصابون به عقوبة لكم، على ما اجترحتم من الآثام، واقترفتم من الشرور والمعاصي، ويعفو لكم عن كثير من جرائمكم، فلا يعاقبكم بها، وقد ثبتت الأدلة
стр. 11836
الصحيحة، أن جميع ما يصاب به الإنسان في الدنيا. يؤجر عليه، أو يكفر عنه من ذنوبه، وقيل: هذه الآية مختصة بالكافرين، على معنى أن ما يصابون به، بسبب ذنوبهم، من غير أن يكون ذلك مكفرًا عنهم لذنب، ولا محصلًا لثواب، ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم، فلا يعاجلهم في الدنيا، بل يمهلهم إلى الدار الآخرة، والأولى حمل الآية على العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة، كما يصدق على هو الذنب ورفع الخطاب به.
فالله سبحانه (١) جعل للذنوب أسبابًا، لها نتائجها ومسبباتها، فشارب الخمر، يصاب بكثير من الأمراض الجسمية، والعقلية في الدنيا، وهي أثر من آثار ما اجترح من الذنوب، والتاجر غير الأمين، أو الكذاب، تصاب تجارته بالكساد، ويشهر بين الناس بالخيانة، فيحجمون عن معاملته، والحكام المرتشون، الظلمة، الذين يجمعون أموالهم بالسحت، يصابون بالفقر والعدم، ويصبحون مثلًا بين الناس، وإن لم يصبهم الفقر .. يصب أولادهم، فيصبحوا بحال يرثى لها، ويصيروا أحاديث الخاصة والعامة، والأمم الظالمة، التي لا تناصر بين أفرادها، بل بينها التقاطع، ويبتز بعض أفرادها أموال بعض آخر، تصاب بالمهانة بعد العظمة، والذلة بعد العزة، وما الأمثال في ذلك بعزيزة.
وقد تقدم أن قلنا في غير موضع: إن عقاب الأفراد في الدنيا ليس بالمطرد، إذ كثيرًا ما نرى سكيرًا عربيدًا، لا يصاب بأذى مما يفعل، ونرى تاجرًا يخون الأمانة، ولا يصاب بكساد في تجارته، وحينئذٍ يكون عقاب كل منهما مؤجلًا ليوم الحساب، إن شاء ربك عاقب، وإن شاء عفا بعد التوبة, عما فرط منهما من الذنوب، والآثام.
وأما عقاب الأمم على ما تجترح من السيئات، فهو محقق في الدنيا، ولدينا عظة التاريخ في القديم والحديث، فما من أمة تركت أوامر دينها، وخالفت نواميس العمران، إلا زالت وصارت كأمس الدابر، وأصبحت عبرة للباقين. ومثلًا
стр. 11837
للآخرِين ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وفي الحديث الصحيح: "والذي نفسي بيده، ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها".
ولما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر". وروى الترمذي، وجماعة عن علي - كرم الله وجهه - قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله، حدثنا بها رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قال ﷺ : "وسأفسرها لك يا علي، ما أصابكم من مرض، أو عقوبة، أو بلاءً في الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يعود بعد عفوه"، والآثار في هذا الباب كثيرة.
وقال الواحدي: وهذه أرجى آية في كتاب الله؛ لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين، صنف كفره عنهم بالمصائب، وصنف عما عنه في الدنيا، وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله مع المؤمنين، وأما الكافر فإنه لا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة انتهى.
والخلاصة: أنه يكفر عن العبد بما يصيبه من المصائب، ويعفو عن كثير من الذنوب.
٣١ - ولما كان من يعاقب بدون الموت، ربما ظن أنه عاجز فائت، قال: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ أيها الناس، أجمعون عربكم وعجمكم ﴿بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بفائتين عليه تعالى. هربًا في الأرض. ولا في السماء، لو كنتم فيها, لو أراد محقكم بالكلية، يعني: لو أراد الله سبحانه، ابتلاءكم وعقوبتكم .. فلا تفوتونه حيثما كنتم، ولا تسبقونه، ولا تقدرون أن تمنعوه من تعذيبكم، بل ما قضاه عليكم من المصائب واقع عليكم، نازل بكم ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها الناس، عند الاجتماع. فكيف عند الانفراد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ المحيط بكل شيء عظمة وكبرًا وعزة ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يوالي أموركم بالاستقلال، فيحميكم مما قضاه الله
стр. 11838
من المصائب ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفعها عنكم، أو يمنعكم من عذاب الله، في الدنيا والآخرة.
والمعنى (١): أي وما لكم من دون الله ولي يليكم، بالدفاع عنكم، إذا أراد عقوبتكم على معصيتكم، ولا لكم نصير ينصركم، إذا هو عاقبكم فينتصر لكم، فاحذروا معاصيه، واتقوا مخالفة أوامره، فإنه لا دافع لعقوبته إذا أحلها بعبد من عباده.
٣٢ - ثم ذكر سبحانه، آية أخرى من آياته العظيمة، الدالة على توحيده، وصدق ما وعد به، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن دلائل قدرته وباهر حكمته وعظيم سلطانه ﴿الْجَوَارِ﴾؛ أي: السفن الجارية ﴿فِي الْبَحْرِ﴾؛ أي: في الماء الكثير العميق؛ أي: تسخيره البحر، لتجري فيه الفلك بأمره، حالة كون تلك الجواري ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ في عظمها وارتفاعها؛ أي: كالجبال الشاهقة، والمدن العالية.
أي (٢): ومن دلائل قدرته تعالى، السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة، من جهة أن الماء جسم لطيف، شفاف، يغوص فيه الثقيل، والسفن تشخص بالأجسام الثقيلة الكثيفة. ومع ذلك جعل تعالى، للماء قوة يحملها بها، ويمنع من الغوص، ثم جعل الرياح سببًا لسيرها، فإذا أراد أن ترسو، أسكن الريح فلا تبرح عن مكانها، والجواري جمع جارية، وأصله: السفن الجواري، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وحسن ذلك قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ فدل ذلك على أنها صفة للسفن. وإلا فهي صفة غير مختصة. فكان القياس أن لا يحذف الموصوف، ولا يقام مقامه. ويمكن أن يقال: إنها صفة غالبة، كالأبطح فجاز أن تلي العوامل، بغير ذكر الموصوف، وقرىء ﴿الجواري﴾ بالياء ودونها، وسمع من العرب الإعراب في الراء. و ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ متعلق بالجواري، و ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ في موضع الحال، والأعلام: الجبال، ومنه قول الخنساء:
стр. 11839
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِيْ رَأْسِهِ نَارُ
قال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. وقال مجاهد: الأعلام القصور، واحدها علم.
٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ الله . وهو شرط، جوابه قوله: ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ التي تجريها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾؛ أي: فيصرن (١) تلك السفن من ظل، بمعنى صار، أي: يصرن تلك السفن، بعدما كانت جواري بريح طيبة ﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾؛ أي: ثوابت على ظهر البحر. غير جاريات ولا متحركات أصلًا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَشَأْ﴾ بالهمزة، وقرأ ورش عن نافع بلا همزة، وقرأ جمهور السبعة: ﴿الرِّيحَ﴾: بالإفراد، وقرأ نافع ﴿الرياح﴾ بالجمع، وقرأ الجمهور: ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾: بفتح اللام الأولى، وقرأ قتادة بكسرها، وهي لغة قليلة، والقياس الفتح لأن الماضي بكسر العين، فالكسر في المضارع شاذ.
والمعنى: إن يشأ الله، الذي قد أجرى هذه السفن في البحر، أن لا تجري فيه، أسكن الريح التي تجري بها، فتثبت في موضع واحد، وتقف على ظهر الماء، لا تتقدم ولا تتأخر.
ثم أتى بجملة معترضة بين ما مضى وما سيأتي فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من أمر السفن، اللاتي يجرين تارة، ويركدن تارة أخرى، على حسب مشيئة الله تعالى ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دالة على ما ذكر من شؤونه ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾؛ أي: لكل من كان كثير الصبر على احتمال البلايا في طاعة الله تعالى ﴿شَكُورٍ﴾؛ أي: كثير الشكر على نعمائه، باستعمال كل عضو من الأعضاء، فيما خلق له، قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، قال عون بن عبد الله:
فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرُ شَاكِرِ ... وَكَمْ مِنْ مُبتَلَىً غَيْرُ صَابِرِ
стр. 11840
ويجوز أن يكون (١) مجموع صبار، شكور كناية عن الآتي بجميع ما كلف من الأفعال والتروك، فالمعنى: لكل مؤمن كامل في خصائل الإيمان، وثمراتها ترجع كلها إلى الصبر والشكر، فإن الإيمان نصفه صبر عن المعاصي، ونصفه شكر، وهو الإتيان بالواجبات.
والمعنى: أي إن في جري هذه الجواري في البحر، بقدرته تعالى، لحجة بينة على قدرته على ما يشاء، لكل ذي صبر على طاعته، شكور لنعمه وأياديه عنده، والمؤمن إذا كان في ضراء كان من الصابرين، وإذا كان في السراء كان من الشاكرين.
٣٤ - وقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ معطوف على ﴿يُسْكِنِ﴾؛ أي: يُهلكهن الله تعالى بالغرق، والمراد: أهلهن بما كسبوا من الذنوب، وقيل: بما أشركوا. والأول أولى، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك، يقال: أوبقه إذا أهلكه كما في "القاموس".
والمعنى: إن يشأ يسكن الريح، فيركدن على ظهره، أو يرسلها بشدة، فيغرقهن بعدله، وإيقاع الإيباق عليهن، مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل، يعني: أن المراد إهلاك أهلها بسبب ما كسبوا من الذنوب الموجبة للهلاك.
قال سعدي المفتي (٢): والظاهر أنه لا مانع من إبقاء الكلام على حقيقته فالآية مثل قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ إلخ؛ أي: يوبق سفائنهم بشؤم ما كسبوا ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فلا يوبق أموالهم، انتهى. وإجراء حكمه على العفو، في قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ لما أن المعنى: أو يرسلها فيوبق ناسًا، وينجي آخرين، بطريق العفو.
وقرأ الأعمش (٣): ﴿ويعفو﴾ بالواو، وعن أهل المدينة ﴿ويعفو﴾ بنصب
стр. 11841
الواو، وقرأ الجمهور: ﴿وَيَعْفُ﴾: مجزومًا، عطفًا على ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾، فأما قراءة الأعمش، فإنه أخبر تعالى، أنه يعفو عن كثير؛ أي: لا يؤاخذ بجميع ما اكتسب الإنسان، فهو كلام مستأنف، وأما النصب، فبإضمار أن بعد الواو، كالنصب بعد الفاء في قراءة من قرأ ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾، وبعد ﴿الواو﴾ في قول الشاعر:
فَإِنْ يَهْلِكْ أَبْوْ قَابُوْسَ يَهْلِكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ
وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهْ سَنَامُ
رُوي بنصب (ونأخذ) ورفعه وجزمه، وفي هذه القراءة يكون العطف على مصدر متوهم؛ أي: يقع إيباق، وعفو عن كثير، وأما الجزم فإنه داخل في حكم جواب الشرط. إذ هو معطوف عليه. وهو راجع في المعنى إلى قراءة النصب، لكن هذا عطف فعل على فعل، وفي النصب عطف مصدر مقدر على مصدر متوهم.
والمعنى (١): أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف، فيغرق السفن بذنوب راكبيها, ولكنه يعفو عن كثير من ذنوبهم، ولو آخذهم بجميع ما يجترحون منها، لأهلك كل من ركب البحر.
والخلاصة: أنه لو شاء أسكن الريح. فوقفت السفن رواكد على ظهر البحر، ولو شاء لأرسلها عاتية قوية، فأخرتها عن سيرها، وصرفتها ذات اليمين، وذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا تصل إلى مقصد حتى تغرق، ولكن من رحمته ولطفه يرسلها بقدر الحاجة، لينتفع بها الملاحون لقضاء أوطارهم.
٣٥ - وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ بالرفع. مستأنف على أنه جملة فعلية، ويكون الموصول فاعلًا. أو على أنه جملة اسمية، فيكون خبرًا لمبتدأ محذوف، يعود على الله، ويكون الموصول مفعولًا؛ أي: وهو سبحانه يعلم الذين يجادلون إلخ. وهذه قراءة ظاهرة المعنى واضحة اللفظ، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر
стр. 11842
للإغراق؛ أي: يغرقهم لينتقم منهم، ويعلم الذين يجادلون ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ بالتكذيب ويسعون في دفعها ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: من مهرب من عذاب الله، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل، وبالجزم عطفًا على المجزوم قبله على معنى: وإن يشأ يجمع بين أمور ثلاثة: إهلاك قوم، ونجاة قوم، وتحذير آخرين؛ لأن قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ إلخ يتضمن تحذيرهم من عقاب الله تعالى. وعلى هذه القراءة، فلا يوقف على كثير، بخلاف القراءتين الأوليين، فالوقف عليه تام. أما القراءة الأولى، أعني (١): قراءة الرفع، فقرأ بها الأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وزيد بن علي، وأما الثانية أعني: قراءة النصب، فقرأ بها الجمهور، وأما القراءة الثالثة فشاذة.
والمعنى (٢): أي وليعلم الذين ينازعون في آياتنا على جهة التكذيب، لها أنه لا مخلص لهم، ولا مهرب إذا وقفت السفن، أو إذا عصفت الريح، فيكون ذلك سببًا لاعترافهم، بأن الإله النافع الضار، ليس إلا الله .
والخلاصة: فكما لا مخلص لهم إذا وقفت، أو عصفت الرياح؛ كذا لا مهرب لهم من عذابه بعد البعث، فلا بد من الاعتراف بأن الضار والنافع ليس إلا الله، وأن كل أمر حدث فإنما هو بتأثيره.
٣٦ - ولما ذكر سبحانه دلائل التوحيد .. ذكر التنفير عن الدنيا، فقال: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ﴾؛ أي: أعطيتم أيها الناس ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مما ترغبون فيه، وتتنافسون به، من الغنى، والسعة في الرزق، والمال، والبنين ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: فهو متاعها ومنفعتها، تتمتعون وتنتفعون به مدة حياتكم القليلة، فيزول ويفنى؛ ولله در القائل:
إِنَّمَا الدُّنْيَا فَنَاءٌ ... لَيْسَ للدُّنْيَا ثُبُوْتْ
إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ ... نَسَجَتْهُ الْعَنْكَبُوْتْ
وفي هذا، تحقير لشأن هذه الحياة، وزينتها، وما فيها من النعيم الزائل،
стр. 11843
﴿فما﴾ (١) موصولة، متضمنة لمعنى الشرط، من حيث إن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع به في الحياة الدنيا, ولذا دخلت الفاء في جوابها، وقدر المبتدأ لأن الجواب لا يكون إلا جملة. يعني: أن سببيته مقصود فيها الإعلام لتضمنها الترغيب في الشكر، بخلاف الثانية أعني: قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلخ، فان المقصود فيها، بيان حال أن ما عند الله، سبب للخيرية والدوام، وقيل: إن ﴿ما﴾ شرطية، على أنها مفعول ثان لـ ﴿أُوتِيتُمْ﴾ بمعنى أعطيتم، والأول هو ضمير المخاطبين، قائم مقام الفاعل، ومن شيء بيان لها، لما فيها من الإبهام.
ثم رغبهم في ثواب الآخرة، وما عند الله من النعيم المقيم فقال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يسبحانه وتعالى، من ثواب الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ ذاتًا، لخلوص نفعه من المكدرات ﴿وَأَبْقَى﴾ زمانًا، حيث لا يزول ولا يفنى، بخلاف ما في الدنيا، أي: وما عند الله تعالى من ثواب الطاعات والجزاء عليها، والنعيم المقيم خير من زهرة الدنيا؛ لأنه باق سرمدي، وما في الدنيا زائل فانٍ، والعقل قاض بترجيح الباقي على الفاني، وفيه إشارة إلى أن الراحات في الدنيا لا تصفو، ومن الشوائب لا تخلو، وإن اتفق لبعضهم منها في الأحايين، فإنها سريعة الزوال وشيكة الارتحال، وما عند الله من الثواب الموعود، خير وأبقى من هذا القليل الموجود، بل ما عند الله من الألطاف الخفية والمقامات العلية، والمواهب السنية خير وأبقى مما في الدنيا والآخرة.
ثم بين سبحانه، أنه لا يكون خيرًا إلا لمن اتصف بصفات:
١ - ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تنازع فيه كل من خير، وأبقى؛ أي: ما عند الله تعالى خير، للذين صدقوا وحدانية الله، وآمنوا برسوله، وعملوا على ما يوجبه الإيمان.
٢ - ﴿وَ﴾ خير للدَّين ﴿عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي وخير للذين على من رباهم بإحسانه يعتمدون، وإليه يفوضون أمورهم. ولا يلتفتون إلى غيره في مهام أمورهم. رُوي: أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ حين تصدق
стр. 11844
بماله. فلامه المسلمون، وخطأه الكافرون.
٣ - ٣٧ ﴿وَ﴾ خير لـ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ ويبتعدون ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ وعظائم الذنب، كالقدف والشرب والسرقة والغيبة والنميمة ﴿وَ﴾ يبتعدون ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ التي ينكرها الشرع والعقل والطبع السليم، من قول أو فعل، اختص بصيغة الفحش، وهي فوق الكبائر، كالزنا واللواط، والموصول في محل الجر، معطوف (١) على الذين آمنوا عطف الصفة على الصفة؛ لأن الذات واحدة، والعطف إنما هو بين الصفات، والكبائر: جمع كبيرة، وهي ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا. والعذاب في الآخرة، كالقدف والشرب والسرقة. والفواحش: جمع فاحشة، بمعنى قبيحة مفرطة في القبح، وهي ما اختص من الكبائر بصفة الفحش، فكأنها فوقها كالشرك، والقتل والزنا واللواط وعقوق الوالدين، فيكون عطف الفواحش على الكبائر، من عطف البعض على الكل، إيذانًا بكمال شناعته، وقيل: هما واحد، والعطف لتغاير الوصفين، وقرأ الجمهور ﴿كَبَائِرَ﴾ بالجمع هنا وفي النجم، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿كبير الإثم﴾ بالإفراد، وهو يفيد مفاد الكبائر، لأن الإضافة للجنس كاللام.
و ﴿وَإِذَا﴾ في قوله:
٤ - ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ظرفية مجردة عن معنى الشرط، متعلقة بيغفرون، و ﴿ما﴾ زائدة، و ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَغْفِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية هي المعطوفة على الصلة، وهي ﴿يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف اسمية على فعلية، والتقدير: والذين يجتنبون كبائر الإثم وهم يغفرون، لا أنها شرطية، والاسمية جوابها لخلوها عن الفاء الرابطة. والغضب: ثوران دم القلب إرادَة الانتقام، ولذلك قال ﵇: "اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم. ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه". والمغفرة هنا بمعنى العفو والتجاوز والحلم وكظم الغيظ، والمعنى والذين هم، يعفون ويتجاوزون ويحلمون ويكظمون الغيظ،
стр. 11845
وقت غضبهم على أحد، ويتجرعون كاسات الغضب النفسانية، بأفواه القلوب الروحانية الربانية ويسكنون صورة الصفة الشيطانية، وفيه دلالة على أنهم الأخصاء بالمغفرة حال الغضب لعزة منالها, لا يزيل الغضب أخلاقهم، كسائر الناس، وذلك لأن تقديم الفاعل المعنوي، أو التقديم مطلقًا يفيد الاختصاص.
والخلاصة: أي (١) وإذا ما غضبوا كظموا غيظهم، إذ من سجاياهم الصفح والعفو، وليس من طباعهم الانتقام، وقد ثبت في "الصحيح": أن رسول الله ﷺ ، ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله.
وقوله:
٥ - ٣٨ ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، أي: أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه من توحيده. والبراءة من عبادة كل ما يعبد من دونه، معطوف (٢) على الموصول الأول عطف خاص على عام، لمزيد التشريف، وذلك لأن الاستجابة داخلة في الإيمان, قيل: نزلت الآية في الأنصار، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإيمان, فاستجابوا له من صميم القلب، ولا يلزم منه أن تكون الآية مدنية، فإن كثيرًا منهم أسلموا بمكة قبل الهجرة، وفيه إشارة إلى أن الاستجابة للرسول استجابة للمرسل.
وقوله:
٦ - ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة؛ أي: أدوها لموا قيتها بشروطها وأركانها وهيئاتها، معطوف على استجابوا، فهو من أوصاف الأنصار أيضًا، وخص الصلاة من بين أركان الدين، كالزكاة والصوم والحج لما لها من الخطر في صفاء النفوس، وتزكية القلوب، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولأنه (٣) ما بين العبد والإيمان إلا إقامة الصلاة كما أنه ما بينه وبين الكفر إلا ترك الصلاة، فإذا أقام الصلاة فقد آمن، وأقام الدين، كما أنه إذا تركها فقد كفر وهدم الدين، وفي
стр. 11846
الحديث: "أول ما يحاسب العبد يوم القيامة بصلاته، فإن صلحت أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر".
وقوله:
٧ - ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ معطوف على الصلة. أعني: استجابوا عطف اسمية على فعلية. وشورى مصدر. كالفتيا بمعنى التشاور؛ أي: وأمرهم ذو تشاور بينهم لا ينفردون برأي، حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه.
قال سعدي المفتي: فإن قلت: لا حاجة إلى إضمار المضاف لظهور صحة: وشأنهم تشاور بينهم.
قلت: المصدر المضاف من صيغ العموم، فيكون المعنى: جميع أمورهم تشاور، ولا صحة له إلا أن يقصد المبالغة في كثرة ملابستهم به، وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله: ذو شورى لبيان حاصل المعنى انتهى.
وكانوا قبل الهجرة وبعدها إذا حزبهم أمر اجتمعوا وتشاوروا، وذلك من فرط تدبرهم وتفقههم في الأمور، وفي "عين المعاني": ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ حين (١) سمعوا بظهوره ﷺ ، فاجتمع رأيهم في دار أبي أيوب، على الإيمان به والنصر له، وقيل: لها العموم؛ أي: لا يستبدون برأيهم فيما لا وحي فيه من أمر الدين، بل يشاورون الفقهاء، وقيل: في كل ما يعرض من الأمور، انتهى.
وقال علي ﵁: نعم الموازنة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد قال حكيم: اجعل سرك إلى واحد، ومشورتك إلى ألف، وقيل: من بدأ بالاستخارة وثني بالاستشارة لحقيق أن لا يضل رأيه، وقال الإسكندر: لا يستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير، فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها، يقال: أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة أولي الألباب، وأفره الدواب لا يستغني عن السوط، وأورع النساء لا يستغني عن الزوج.
وعن الحسن (٢): ما تشاور قوم؛ إلا هدوا لأرشد أمرهم. وقال ابن
стр. 11847
العربي: الشورى ألفة للجماعة، وصقال للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا, ولأمرٍ ما أصبحت الحكومات في العصر الحاضر، لا تبتُّ في مهام الأمور، إلا إذا عرضت على مجالس الشورى - البرلمان، مجلس الشيوخ، والنواب - وكأني بك قد سمعت قول بشار بن برد في فوائد الشورى:
إِذَا بَلَغَ الرَّأيُ الْمَشُوْرَةَ فَاسْتَعِنْ ... بِرَأيِ لَبِيْبٍ أَوْ مَشوْرَةِ حَازِمِ
وَلاَ تَجْعَلِ الشُّوْرَى عَلَيْكَ غَضَاضَةً ... فَرِيْشُ الْخَوَافِيْ قُوَّةٌ لِلْقَوَادِمِ
وَمَا خَيْرُ كَفٍّ أَمْسَكَ الْغِلُّ أُخْتَهَا ... وَمَا خَيْرُ كَفٍّ لَمْ تُؤَيَّدْ بِقَائِمِ
وقد كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الكثير من الأمور، ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند الله تعالى. أما الصحابة فكانوا يتشاورون فيها، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي ﷺ لم ينص عليها حتى انتهى أمرهم إلى أبي بكر، وتشاوروا في قتال من ارتدوا، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وقد كان فيه الخيرة للإسلام والمسلمين، وشاور عمر ﵁ الهرمزان حين وقد. ونحو الآية قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
وقوله:
٨ - ﴿وَ﴾ الذين ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الخير، ويتصدقون منه على المحاويج، معطوف على الصلة أيضًا، ولالتفات إلى إنفاق الكافر، فإنه لم يستجب لربه بالإيمان والطاعة، فخيره محبط بكفره.
ولعل (١) فصله عن قرينه بذكر المشاورة، لوقوعها عند اجتماعهم للصلوات، كما في "الإرشاد". قال سعدي المفتي: ثم إن إدخال هذه الجملة يعني: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ بين خصال الإيمان, لعله لمزيد الاهتمام بشأن المشاورة، للمبادرة إلى التبيه على أن استجابتهم للإيمان كانت عن بصيرة، ورأي سديد، انتهى.
стр. 11848
ثم ذكر ، الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها، فقال:
٩ - ٣٩ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾؛ أي: وصل إليهم الظلم ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾؛ أي: ينتقمون ممن ظلمهم معطوف على الموصول الأول.
والمعنى: إذا وصل إليهم الظلم، والتعدي من ظالم متعد، ينتقمون ويقتصون ممن بغى عليهم، على الوجه الذي جعله الله، ورخصه لهم، لا يتجاوزون ذلك الحد المعين، وهو رعاية المماثلة، وأما غيرهم فليسوا كذلك، فهذا هو معنى التخصيص هنا، وقد ذكر (١) سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح، كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح؛ لأن التذلل لمن بغى، ليس من صفات من جعل الله له العزة، حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة. وقال في "الروح": وهذا وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم، بسائر أمهات الفضائل، من الدين والتيقظ، والحلم والسخاء. وذلك لأن البغي إنما يصيبهم من أهل الشوكة والغلبة، فإذا انتقموا منهم على الحد المشروع، كراهة التذلل، باجتراء الفساق عليهم، وردعًا للجاني عن الجراءة على الضعفاء، فقد ثبت شجاعتهم وصلابتهم في دين الله، وكان النخعي رحمه الله تعالى، إذا قرأ هذه الآية يقول: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فتجترىء عليهم السفهاء. قال الشاعر:
وَلَا يُقِيْمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إِلَّا الأَذَلَّانِ عِيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسفِ مَرْبُوْطٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يشَجُّ فَلَا يَرْثِيْ لَهُ أَحَدُ
أي: لا يصبر على ظلم يراد في حقه، إلا الأذلان هما في غاية الذل، وهما الحمار المربوط على الذل، بقطعة حبل بالنية، والوتد الذي يدق ويشق رأسه، فلا يرحم له أحد. ولفظ البيت خبر، والمعنى: نهي عن الصبر على الظلم، وتحذير وتنفير للسامعين عنه.
واعلم (٢): أن المؤمنين فريقان:
стр. 11849
أ - فريق يعفو اتباعًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.
ب - فريق ينتصر ممن ظلمه، وهو المذكور في هذه الآية.
والخلاصة: أن العفو ضربان:
١ - ضرب يكون فيه العفو سببًا لتسكين الفتنة، وتهدئة النفوس، ومنع استفحال الشر، وهذا محمود، وحثت عليه الآيات الكريمة، التي ذكرت آنفًا.
٢ - ضرب يكون فيه العفو سببًا لجراءة الظالم، وتماديه في غيه، وهذا مذموم، وعليه تحمل الآية، التي نحن بصدد تفسيرها، فالعفو عن العاجز المعترف بجرمه محمود، والانتصار من المخاصم العصر على جرمه، والمتمادي في غيه محمود، وإلى هذا أشار المتنبي:
إِذَا أنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيْمَ مَلَكْتَهُ ... وَإِنْ أنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيْمَ تَمَرَّدَا
فَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السِّيْفِ بِالعُلَا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السِّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى
الإعراب
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿لَطِيفٌ﴾ خبر. ﴿بِعِبَادِهِ﴾ متعلق: بـ ﴿لَطِيفٌ﴾ والجملة مستأنفة، وجملة ﴿يَرْزُقُ﴾: خبر ثان. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به لـ ﴿يَرْزُقُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلتها، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾: مبتدأ وخبر ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر ثان، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، وجملة ﴿يُرِيدُ﴾: خبرها،
стр. 11850
﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾: مفعول يريد. ﴿نَزِدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جواب الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿نَزِدْ﴾، ﴿فِي حَرْثِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نَزِدْ﴾ أيضًا، وجملة ﴿مَنْ﴾ هو الشرطية، مستأنفة، مسوقة لبيان الفرق بين عملي العاملين، ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، ﴿كَانَ﴾: فعل شرط لها. وجملة ﴿يُرِيدُ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿حَرْثَ الدُّنْيَا﴾: مفعول ﴿يُرِيدُ﴾، ﴿نُؤْتِهِ﴾ جواب الشرط ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿نُؤْتِهِ﴾، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة من الأولى، ﴿وَمَا لَهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو حالية ﴿مَا﴾: نافية، أو حجازية عند من يجيز تقدم خبرها على اسمها، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ حال، ﴿مَنْ﴾ حرف جر زائد، ﴿نَصِيبٍ﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم ﴿مَا﴾ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة من الشرطية، أو حال من ضمير المفعول في ﴿نُؤْتِهِ﴾، أي: نؤته منها حال كونه عادم النصيب في الآخرة.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التوبيخي. ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿شُرَكَاءُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿شَرَعُوا﴾ صفة لـ ﴿شُرَكَاءُ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿شَرَعُوا﴾، ﴿مِنَ الدِّينِ﴾: حال من ﴿مَا﴾ الموصولة، المذكورة بعده، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول ﴿شَرَعُوا﴾، وجملة ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ﴾ صلة لما الموصولة ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْذَنْ﴾، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، ﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود، و ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف وجوبًا والجملة الاسمية شرط لـ ﴿لَوْلَا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَقُضِيَ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْلَا﴾، ﴿قضي﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف في محل الرفع، نائب فاعل لقضي، وجملة ﴿قضي﴾ جواب ﴿لَوْلَا﴾، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: ناصب
стр. 11851
واسمه ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، وجملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.
﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على أي مخاطب، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: مفعول به؛ لأن رأى بصرية، والجملة مستأنفة. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ حال من الظالمين، ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿مُشْفِقِينَ﴾، وجملة ﴿كَسَبُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: مما كسبوه، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ﴾: ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هو واقع﴾: مبتدأ وخبر ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَاقِعٌ﴾، والجملة حال من العائد المحذوف، ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الذين﴾، مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿مَا﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، وجملة ﴿يَشَاءُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بالاستقرار العامل فأنهم، ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَضْلُ﴾ خبر ﴿الْكَبِيرُ﴾ صفة لـ ﴿الْفَضْلُ﴾، والجملة مستأنفة.
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِي﴾ خبره، والجملة مستأنفة، ﴿يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿عِبَادَهُ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يبشر الله به عباده، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للعباد، ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول،
стр. 11852
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول، ﴿عَلَيْهِ﴾: حال من ﴿أَجْرًا﴾. و ﴿أَجْرًا﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الْمَوَدَّةَ﴾: منصوب على الاستثناء، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: لا أسألكم عليه أجرًا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعًا؛ أي: لا أسألكم أجرًا ماليًا، ولكني أسألكم أن تودوا أهل قرابتي، الذين هم قرابتكم، ﴿فِي الْقُرْبَى﴾: متعلق بـ ﴿الْمَوَدَّةَ﴾، أو حال منها، ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما، ﴿يَقْتَرِفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿حَسَنَةً﴾: مفعول به، ﴿نَزِدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿نَزِدْ﴾، ﴿فِيهَا﴾: حال من ﴿حُسْنًا﴾، و ﴿حُسْنًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾: خبران له، وجملة إن مستأنفة. مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿افْتَرَى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على محمد ﷺ . ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول ﴿إِنْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول القول. ﴿فَإِنْ يَشَإِ﴾: الفاء: استئنافية. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَشَإِ اللَّهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿يَخْتِمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿إن﴾
стр. 11853
على كونه جواب الشرط. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: متعلق بـ ﴿يَخْتِمْ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَمْحُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو المحذوفة لفظًا، لالتقاء الساكنين، المحذوفة خطًا، تبعًا للفظ، منع من ظهورها الثقل، ولفظ الجلالة فاعل، والجملة مستأنفة غير داخلة في جواب الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقًا. ﴿الْبَاطِلَ﴾: مفعول به، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُحِقُّ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبره، ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان قبول التوبة. ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْبَلُ﴾. ﴿وَيَعْفُو﴾: معطوف على يقبل، ﴿عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾: متعلق به. ﴿وَيَعْلَمُ﴾: معطوف على ﴿يَقْبَلُ﴾ أيضًا، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَفْعَلُونَ﴾: صلة الموصول.
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾.
﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَسْتَجِيبُ﴾؛ فعل مضارع معطوف على ﴿يَقْبَلُ﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب بنزع الخافض؛ أي: ويستجيب للذين آمنوا دعاءهم، فحذف الجار، كما حذف في قوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾؛ أي: كالوا لهم، وأجاز "السمين" أن يكون اسم الموصول فاعلًا، والجملة مستأنفة، والسين والتاء زائدتان؛ أي: يجيبون ربهم إذا دعاهم إلى طاعته، ويجوز أن يكون الموصول مفعولًا به، بعد أن تقررت زيادة السين والتاء؛ أي: يجيب الله الذين آمنوا، والأول أقوم، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، معطوف على ﴿يستجيب﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَزِيدُهُمْ﴾، ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾: مبتدأ، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ
стр. 11854
مؤخر، ﴿شَدِيدٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية خبر لـ ﴿الْكَافِرُونَ﴾، وجملة ﴿الْكَافِرُونَ﴾ مستأنفة.
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿لِعِبَادِهِ﴾: متعلق ببسط، ﴿لَبَغَوْا﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿بَغَوْا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿لو﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾: الشرطية مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدراك مهمل، ﴿يُنَزِّلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿بِقَدَرٍ﴾: حال من ﴿ما﴾ الموصولة، المذكورة بعده. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول ﴿يُنَزِّلُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿بِعِبَادِهِ﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، و ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾: خبران لـ ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فعل وفاعل مستتر. ومفعول به، والجملة صلة الموصول ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿قَنَطُوا﴾: فعل وفاعل، صلة ما المصدرية، وهي مع مدخولها في تأويل مصدر، مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من بعد قنوطهم، ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿الْحَمِيدُ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿يَنْشُرُ﴾ و ﴿يُنَزِّلُ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾.
стр. 11855
﴿وَمِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان بعض الأدلة على توحيده وقدرته تعالى. ﴿وَمَا﴾: في محل رفع، معطوف على ﴿خَلْقُ﴾، أو في محل جر، معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وهذا الأخير أرجح، لسلامته من التقدير، إذ لا بد من تقدير مضاف على الأول؛ أي: خلق ما بث، و ﴿بَثَّ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، ﴿فِيهِمَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: وما بثه فيهما، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: حال من العائد المحذوف. ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿جَمْعِهِمْ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: في محل جر بإضافة الظرف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿بَثَّ﴾.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿أَصَابَكُمْ﴾: فعل ومفعول به، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿مَا﴾، ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: حال من فاعل ﴿أَصَابَكُمْ﴾، ﴿فَبِمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بواجب الحذف، لوقوعه خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: فذلك كائن بما كسبت أيديكم، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماض، ﴿أَيْدِيكُمْ﴾: فاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: فبما كسبته أيديكم، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ موصولة، والفاء: داخلة في الخبر، تشبيهًا للموصول بالشرط. ﴿وَيَعْفُو﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿يَعْفُو﴾: فعل مضارع،
стр. 11856
وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْفُو﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿ما﴾ الشرطية، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: حجازية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسمها، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء زائدة، معجزين خبر لـ ﴿مَا﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾. أو حال من الضمير المستكن في ﴿مُعْجِزِينَ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية، أو حجازية ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من ﴿وَلِيٍّ﴾ و ﴿نَصِيرٍ﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم ما مؤخر، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: معطوف عليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿ما﴾ الأولى.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الْجَوَارِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لفظًا وخطًا. أو خطًا فقط، ﴿فِي الْبَحْرِ﴾: حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، أو متعلق بالجوار، ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: حال ثانية على الوجه الأول، وعلى الوجه الثاني هي حال من الضمير في ﴿الْجَوَارِ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿يَشَأْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿يُسْكِنِ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونه جواب شرط لها، ﴿الرِّيحَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾: الفاء عاطفة، ﴿يَظْلَلْنَ﴾: فعل مضارع ناقص، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، لكونه معطوفًا على ﴿يُسْكِنِ﴾، مبني على السكون، لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة في محل الرفع اسمها؛ لأنه من ظل الناقصة. ﴿رَوَاكِدَ﴾: خبرها. ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾: متعلق بـ ﴿رَوَاكِدَ﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿آيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، ﴿شَكُورٍ﴾: صفة
стр. 11857
﴿صَبَّارٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾.
﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾: فعل مضارع، معطوف على ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾؛ أي: يفرقهن بعصف الريح عليهن، قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف يوبقهن، قلت: على ﴿يُسْكِنِ﴾؛ لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح، فيركدن على ظهره، أو يعصفها فيفرقن بعصفها، أو بطروء خلل على أجهزتها، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾، و ﴿ما﴾ إما موصولة أو مصدرية، والباء للسببية؛ أي: بسبب ما كسبوه من الذنوب، أو بسبب كسبهم، وجملة ﴿كَسَبُوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: بما كسبوه، أو صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿وَيَعْفُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُسْكِنِ﴾ أيضًا، مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْفُ﴾، والمعنى: أو إن يشأ يهلك ناسًا، وينج ناسًا، على طريق العفو عنهم. ﴿وَيَعْلَمَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يَعْلَمَ﴾: فعل مضارع، معطوف على تعليل مقدر تقديره: يفرقهم لينتقم منهم ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ وللمعطوف حكم المعطوف عليه، تبعه بالنصب، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل. ﴿يُجَادِلُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿فِي آيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُونَ﴾، وقرىء ﴿يَعْلَمَ﴾: بالرفع على الاستئناف، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وهو سبحانه يعلم الذين، ويكون الموصول مفعولًا به، والفاعل ضمير يعود على المبتدأ المحذوف، وتكون الجملة اسمية، أو على أن الفاعل هو الموصول، وتكون الجملة فعلية، وقرىء بالجزم عطفًا على الجواب السابق، كأنه قال: وإن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم، ونجاة آخرين، وتحذير آخرين. ﴿مَا﴾: نافية أو حجازية. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿مَحِيصٍ﴾: مبتدأ مؤخر، أو اسم ما مؤخر. وجملة النفي، سدت مسد مفعولي يعلم المعلقة بالنفي عن العمل.
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ
стр. 11858
يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾.
﴿فَمَا﴾: الفاء: استئنافية، ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم، في محل النصب، مفعول ثان مقدم لـ ﴿أُوتِيتُمْ﴾. ﴿أُوتِيتُمْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، والمفعول الأول، هو ضمير المخاطبين، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيان لـ ﴿مَا﴾، متعلق بمحذوف حال من ﴿مَا﴾، ﴿فَمَتَاعُ﴾ الفاء: رابطة لجواب الشرط ﴿مَتَاعُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فهو متاع الحياة الدنيا. ﴿الْحَيَاةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، ﴿وَأَبْقَى﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿مَا﴾ الشرطية، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَبْقَى﴾ أو بـ ﴿خَيْرٌ﴾ على الخلاف المذكور في محله، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَعَلَى﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، و ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ على كونه صلة الموصول.
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الجر معطوف على ﴿لِلَّذِينَ﴾، وجملة ﴿يَجْتَنِبُونَ﴾: صلة الموصول. و ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾: مفعول به، ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: معطوف على ﴿كَبَائِرَ﴾. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَغْفِرُونَ﴾، ﴿مَا﴾: زائدة، ﴿غَضِبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَغْفِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يَجْتَنِبُونَ﴾ على كونها صلة الموصول، عطف اسمية على فعلية، والتقدير: والذين يجتنبون كبائر الإثم، وهم غافرون وقت
стр. 11859
غضبهم، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول، وجملة ﴿اسْتَجَابُوا﴾ صلة له. ﴿لِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَجَابُوا﴾، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿اسْتَجَابُوا﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أَمْرُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿شُورَى﴾: خبر. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿شُورَى﴾؛ لأنه مصدر. كالرجعى والبشرى، أو صفة لـ ﴿شُورَى﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿اسْتَجَابُوا﴾، ﴿وَمِمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مِمَّا﴾ متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما رزقنا هموه ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿اسْتَجَابُوا﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول أيضًا. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾، ﴿أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول، والتقدير: والذين هم منتصرون وقت إصابة البغي إياهم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال أبو علي ﵀: معنى اللطيف هو الذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليهم المثالب، وعلى هذا قول النبي ﷺ : "يا من أظهر الجميل وستر القبيح". وقيل: هو الذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل، وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير، وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله، وقيل: هو الذي يعين على الخدمة، ويكثر المدحة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه، ولا يخيب من رجاه، وقيل: هو الذي لا يرد سائله، ولا يؤيس آمله، وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو، وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقد ذكرنا هذه المعاني في "الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى"، عند اسمه اللطيف، ولله الحمد، اهـ. وقيل: هو العالم بخفيات الأمور، وقيل: هو معطي الإحسان في صورة الامتحان. كإعطاء يوسف الصديق، الملك في صورة الابتلاء برقه؛ لأنه من اللطف، وهو إيصال النفع على وجه فيه دقة، كما ذكرناه في كتابنا: "هدية الأذكياء في شرح طيبة الأسماء".
стр. 11860
﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ من القوة، والقوة في الأصل: صلابة البنية وشدتها المضادة للضعف، وهي محالة على الله ، فهي في حقه تعالى بمعنى القدرة، لكونها مسببة عن القوة، فمعنى القوي: هو ذو القدرة التامة، التي يوجد بها كل شيء من الكائنات، ويعدمه على طبق مراده، كما ذكرناه في كتابنا المذكور.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها، بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال، الحاصلة من البذور، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور، اهـ "أبو السعود". من حيث إنها فائدة تحصل بعمل الدنيا.
﴿نَزِدْ لَهُ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين، أصله: نزيد فعل مضارع جزم لوقوعه جواب الشرط. فلما سكن آخره التقى ساكنان، فحذفت الياء بعد نقل حركتها إلى الزاي، فصار وزنه نفل. ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ وزنه نفعه لحذف لامه، لمناسبة جزم الفعل، الواقع جوابًا للشرط.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾؛ أي: في الكفر، وهم الشياطين. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾؛ أي: زينوا لهم. ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا فحسب. ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ هي القضاء، والحكم السابق منه بالنظرة إلى يوه القيامة. ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ جمع روضة، والروضة: مستنقع الماء والخضرة، وروضات الجنات أطيب بقاعها وأنزهها. ﴿يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ والبشارة الإخبار بحصول ما يسر في المستقبل. ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ المودة: مودة الرسول ﷺ . والقربى: مصدر، كالزلفى بمعنى القرابة التي هي بمعنى الرحم.
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ قال الراغب: أصل القرف والاقتراف: قشر اللحاء عن الشجرة والجليدة عن الجذع، وما يؤخذ منه قرف، واستعير الاقتراف للاكتساب حسنيًا كان أو سوئيًا، وفي الإساءة أكثر استعمالًا، ولهذا يقال: الاعتراف يزيل الاقتراف. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ والفرق بين الافتراء والكذب: أن الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه، والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه.
стр. 11861
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ وزنه يفع، حذفت منه الواو في رسم المصحف لغير داع، ولا يصح عطفه على ﴿يَخْتِمْ﴾؛ لأن الباطل ممحو لا محالة، فالمشيئة تتعلق بمحوه لا محالة، ولهذا الحذف نظائر في المصحف، كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ الإسراء، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ القمر. وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ العلق. وقوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ التحريم.
قوله: ﴿لَبَغَوْا﴾ أصله: لبغيوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ أصله: أصوبكم بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى الصاد، ثم قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال. ﴿مُصِيبَةٍ﴾ أصله: مصوبة بوزن مفعلة، نقلت حركة الواو إلى الصاد، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أصله: يعفو، بوزن يفعل، سكنت ﴿الواو﴾ لوقوعها متطرفة إثر ضمة. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهل اللغة: أعجزته: أي: صيرته عاجزًا، وأعجزته فيه سبقته. ﴿الْجَوَارِ﴾ السفن، وهي بحذف الياء في الخط؛ لأنها من ياءات الزوائد، وبإثباتها وحذفها في اللفظ في كل من الوصل والوقف، وقد قرىء بها جميعها. قال أبو حيان: جمع جارية، وهي صفة جرت مجرى الأسماء، فوليت العوامل.
وقال الشهاب الحلبي: فإن قلت: الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها، امتنع حذف الموصوف، فلا تقول: مررت بماش؛ لأن المشي عام، وتقول: مررت بمهندس وكاتب، والجري ليس من الصفات الخاصة بالموصوف، وهو السفن، فلا يجوز حذفه.
والجواب: أن محل الامتناع إذا لم تجر الصفة مجرى الجوامد، بأن تغلب عليها الاسمية، كالأبطح والأبرق، وإلا جاز حذف الموصوف، وعلى هذا فقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ حالان، انتهى. وإلى هذا يشير صنيع الجلال، حيث فسر الجوار بالسفن فقط، ولم يفسرها بالسفن الجارية، ففيه إشارة إلى أن المراد
стр. 11862
بالجواري ذاتُ السنفن، لا مع وصف الجري. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ جمع عَلَم بفتحتين، كسبب وأسباب، وهو الجبل، وكل مرتفع. قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِيْ رَأْسِهِ نَارُ
﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ من ظل، بمعنى صار. ﴿رَوَاكِدَ﴾؛ أي: ثوابت لا تجري، يقال: ركدت السفينة إذا سكنت وثبتت، وركد الماء ركودًا من باب قعد، وسكن، والشمس إذا قامت مقام الظهيرة، وكل ثابت في مكان فهو راكد، وركد الميزان استوى، وركد القوم هدؤوا، والمراكد: المواضع التي يركد فيها الإنسان وغيره اهـ "قرطبي". ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ يهلكهنّ يقال: وبق يبق مثل: وعد يعد، ووبق يبق من باب تعب يتعب وبقًا، بسكون الباء ووبق يوبق وبقًا، بفتح الباء ووبوقًا وموبقًا، واستوبق هلك، فهو وبق، وأوبقه إيباقًا، أهلكه وذلَله وحبسه. ﴿مَحِيصٍ﴾ أصله: محيص بوزن مفعل، اسم مكان، نقلت حركة الياء إلى الحاء، فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مد.
﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ والإثم الذنب، والكبائر جمع كبيرة، والهمزة فيه مبدلة من الياء الموجودة في المفرد، لوقوعها حرف مد ثالثًا، زائدًا في اسم مؤنث ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ جمع فاحشة، وهي القبيحة، أو المفرطة في القبح، قال في "القاموس": الفاحشة الزنا، وما يشتد قبحه من الذنوب، فيكون عطف الفواحش على الكبائر من عطف البعض على الكل، إيذانًا بكمال شناعته، وقيل: هما واحد، والعطف لتغاير الوصفين، كأنه قيل: يجتنبون المعاصي، وهي عظيمة عند الله تعالى في الوزن، وقبيحة في العقل والشرع.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ والغضب: ثوران دم القلب إرادة الانتقام، والمغفرة هنا بمعنى: العفو والتجاوز والحلم وكظم الغيظ.
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مصدر كالفتيا، بمعنى التشاور، وأصله: من الشور: وهو الإخراج، سميت المشاورة به؛ لأن كل واحد من المتشاورين في الأمر، يستخرج من صاحبه ما عنده.
стр. 11863
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاكتفاء في قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: ويحرم من يشاء.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ حيث شبه ما يعمله العامل من العمل الصالح بالحرث، الذي هو إلقاء البذر في الأرض، أو الزرع الحاصل منه، ثم حذف المشبه، وهو العمل الصالح، وأبقي المشبه به، وهو الحرث، للدلالة على نتائج الأعمال وثمراتها، وشبه بالزرع، من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا, ولذلك قيل: الدنيا مزرعة الآخرة.
ومنها: الطباق بين ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ و ﴿حَرْثَ الدُّنْيَا﴾.
ومنها: المشاكلة أو التهكم في قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾؛ لأن ذكر الدين للمشاكلة؛ لأنه في مقابلة دين الله تعالى، أو للتهكم بهم.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿شَرَعُوا﴾ حيث أسند التشريع إلى الشركاء التي هي الأصنام، مع كونها بمعزل عن الفاعلية، فهو من قبيل إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تسجيلًا عليهم بالظلم، ودلالة على أن العذاب الأليم، الذي لا يكتنه كنهه، إنما يلحقهم بسبب ظلمهم وإنهماكهم فيه.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إلا المحبة لأهل قرابتي حيث أطلق الحال، وهو القرابة، وأراد المحل، وهو أهلها فقد جعلوا مكانًا ومقرًا لها.
ومنها: الطباق بين ﴿يَمْحُ﴾ و ﴿يُحِقُّ﴾ وبين ﴿الْحَقَّ﴾ و ﴿الْبَاطِلَ﴾ في قوله
стр. 11864
تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾.
ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ حيث أثبت الإشفاق في الظالمين، أولًا: دليلًا على حذف الأمن, ثانيًا: في الذين آمنوا، وأثبت الجنات ثانيًا في الذين آمنوا، دليلًا على حذف النيران أولًا في الظالمين.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية، في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾؛ لأن الاقتراف حقيقة في قشر اللحاء عن الشجرة، والجليدة عن الجذع، فاستعير للاكتساب مطلقًا، حسنًا كان أو سوءًا.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في شكور، من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ حيث شبهت الإثابة والتفضل بالشكر، الذي هو فعل ينبيء عن تعظيم المنعم لكونه منعمًا، لامتناع أن ينعم عليه تعالى أحد حتى يقابل بالشكر؛ أي: شبهت الإثابة بالشكر، من حيث إن كل واحد منهما يتضمن الاعتداد بفعل الغير، وإكرامًا لأجله، فاستعير اسم المشبه به الذي هو الشكر، للمشبه الذي هو الإثابة، ثم اشتق من الشكر، بمعنى الإثابة شكور، بمعنى: مثيب على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ دلالة على الاستمرار.
ومنها: صحة التفسير، في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ وهو أن يأتي المتكلم في أول كلامه بمعنى، لا يستقل اللهم بمعرفة فحواه، لكونه مجملًا يحتاج إلى بيان المراد منه، وقد يكون بيانه بعد الجار والمجرور، كما في هذه الآية، وقد جاءت صحة التفسير فيها مؤذنة بمجيء الرجاء بعد اليأس، والفرج بعد الشدة، والمسرة بعد الحزن، ليكون ذلك أحلى موقعًا في القلوب.
стр. 11865
ومنها: عطف العام على الخاص، في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ فالغيث خاص، والرحمة عام.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية، في قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: يثيبهم على أعمالهم؛ لأن الإجابة مجاز عن الإثابة؛ لأن الطاعة لما شبهت بدعاء ما يترتب عليها من الثواب، كانت الإثابة عليها بمنزلة إجابة الدعاء، فعبر بها عنها.
ومنها: إطلاق اسم المسبب، وهو الدابة على السبب، في قوله تعالى: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ فإن الدبيب مجاز أريد به سببه، وهو الحياة، فتكون الدابة بمعنى الحي، فتتناول الملائكة أيضًا كما مر. وقيل: إنه من نسبة الشيء إلى الكل مرادًا به البعض؛ لأن الدابة إنما تكون في الأرض، والمراد بضمير التثنية: الأرض فقط، كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ وإنما يخرجان من البحر الملح لا العذب.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل، في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾؛ أي: كالجب الذي الضخامة والعظم.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾؛ أي: عظيم الصبر كبير الشكر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
ندب إلى العفو والإغضاء من الزلات، ثم ذكر أنه لا مؤاخذة على من ينتصر لنفسه، وإنما المؤاخذة على من يظلم الناس، ويبغي في الأرض بغير الحق، وأن الصبر وغفران السيئة مما حث عليه الدين، وأجزل ثواب فاعله.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر أن الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، لهم عذاب أليم على ما اجترحوا من البغي، والعدوان بغير الحق .. أردف ذلك ببيان أن من أصله فلا هادي له، وأن الكافرين حين يرون العذاب يوم القيامة، يطلبون الرجوع إلى الدنيا، وأنهم يعرضون على النار، وهم خاشعون أذلاء، ينظرون من طرف خفي، وأن الذين آمنوا يقولون: إن الكافرين لفي خسران مبين، فقد أضاعوا النفس والأهل، ولا يجدون لهم، ناصرًا يخلصهم مما هم فيه من العذاب.
قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر ما سيكون يوم القيامة، من الأهوال وعظائم الأمور، حذر من هذا اليوم. فبين أن الكافرين لا يجدون حينئذٍ ملجأ يقيهم من عذاب الله تعالى، ولا ينكرون ما اقترفوه؛ لأنه مكتوب في صحائف أعمالهم. ثم أرشد رسوله إلى أنهم إن أعرضوا عن دعوتك، فلا تأبه بهم، ولا تهتم بشأنهم. ثم أعقب هذا بذكر طبيعة الإنسان، وأنه يفرح حين النعمة، ويجحد نعم ربه حين الشدة، ثم قسم هبته لعباده في النسل أربعة أقسام: فمنهم من وهب الإناث، ومنهم من وهب الذكران، ومنهم من أعطي الصنفين ومنهم العقيم الذي لا نسل له.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر تقسيم النعم الجسمانية التي يهبها لعباده .. أردفها تقسيم النعم الروحية، وأن الناس محجوبون عن
стр. 11868
ربهم؛ لأنهم في عالم المادة، وهو منزه عنها, ولكن من رق حجابه وخلصت نفسه، وأصبح في مقدوره أن يتصل بالملأ الأعلى .. يستطيع أن يكلم ربه على أحد أوجه ثلاثة:
١ - أن يحس بمعان تلقى في قلبه، أو يرى رؤيًا منامية، كرؤيا الخليل إبراهيم ﵇ ذبح ولده.
٢ - أن يسمع كلامًا من وراء حجاب، كما سمع موسى ﵇، من غير أن يبصر من يكلمه، فهو قد سمع كلامًا، ولم ير المتكلم.
٣ - أن يرسل إليه ملكًا، فيوحي ذلك الملك ما يشاء إلى النبي ﷺ ، ثم ذكر أنه كما أوحى إلى الأنبياء قبله، أوحى إليه القرآن، وما كان قبله يعلم ما القرآن، وما الشرائع التي بها هداية البشر، وصلاحهم في الدارين.
التفسير وأوجه القراءة
٤٠ - وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾؛ أي: جناية ﴿سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: جناية ﴿مِثْلُهَا﴾؛ أي: مماثلة للأولى في الكم والكيف، بيان لوجه كون الانتصار من الخصال الحميدة، مع كونه في نفسه إساءة إلى الغير، بالإشارة إلى أن البادىء هو الذي فعله لنفسه، فإن الأفعال مستتبعة لأجزيتها حتمًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرِّ، وفيه تنبيه على حرمة التعدي.
والمعنى: أي وجزاء سيئة المسيء، عقوبته بما شرعه الله من عقوبة مماثلة لجرمه. وإطلاق (١) السيئة على الثانية، مع أنها جزاء مشروع مأذون فيه، وكل مأذون حسن لا سيء, لأنها تسوء من نزلت به، كما في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، يريد ما يسؤهم من المصائب والبلايا، أو للمشاكلة، لتشابههما في الصورة. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ وعلى هذا فالسيئة مقابل الحسنة، بخلافها في الوجه الأول.
стр. 11869
والخلاصة: أنه يجب، إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، قال الحسن: إذا قال: لعنك الله، أو أخزاك الله، ذلك أن تقول: أخزاك الله، أو لعنك الله، وإذا شتمك فلك أن تشتمه بما شتم ما لم يكن فيه حد، كلفظ الزنا، أو كلمة لا تصلح، فلا تجري المقابلة في الكذب والبهتان، قال في "التنوير": لو قال لآخر: يا زاني، فقال له الآخر: لا بل أنت الزاني، حدا بخلاف ما لو قال له: مثلًا يا خبيث، فقال: أنت، تكافئا, ولو لم يجب، بل رفع الأمر إلى القاضي ليؤدبه جاز، وظاهر الآية العموم. وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان: إن هذا خاص بالمجروح، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره.
وفي الآية حث على العفو؛ لأن الانتصار إنما يحمد إذا حصلت المماثلة في الجزاء، وتقديرها عسر سياق، وربما صار المظلوم حين استيفاء القصاص ظالمًا.
ونحو الآية: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
وقد أمر ﷺ برد الشتم على الشاتم، أخرج النسائي وابن ماجه وابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي زينب وعندي رسول الله ﷺ ، فأقبلت علي تسبني، فردعها النبي ﷺ ، فلم تنته، فقال لي: "سبيها"، فسببتها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله ﷺ يتهلل سرورًا. وكان هذا بمنزلة التعزيز منه لزينب، بلسان عائشة، لما أن لها حقًا في الرد، وقد رأى فيه المصلحة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المستبان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم"، ثم قرأ: " ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ".
وقصارى ذلك (١): أن كل جناية على النفس، أو المال، تقابل بمثلها
стр. 11870
قصاصًا؛ لأن إهدارها يوجب فتح باب الشرور والمفاسد، إذ في طبع الإنسان الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزدجر عنه تمادى فيه ولم يتركه، والزيادة على قدر الذنب ظلم، والشرائع تنزه عن ذلك، ومن ثم شرع الله القصاص، وندب إلى الفضل، وهو العفو، فقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
وعن بعض الفقهاء في هذه الآية (١): وقد قيل: إنه الشافعي رحمه الله تعالى: أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه، مثل ما خانه من غير علمه، واستشهد على ذلك بقول النبي ﷺ لهند، زوجة أبي سفيان: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك"، فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه، كذا ذكره القرطبي في "تفسيره".
وجاء تتمة لهذه الآية، قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عن المسيء إليه جنايته؛ أي: ترك القصاص وسامح له ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبين من يعاديه، بالعفو والإغضاء عما صدر منه، قال في "الحواشي السعدية": الفاء للإفصاح؛ أي: إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة، وهي عسرة جدًّا، وأردتم بيان ما هو الأولى، فأقول: الأولى العفو، والإصلاح، إذا كان قابلًا للإصلاح بأن لم يصر على البغي. وفي الحديث: "ما زاد الله العبد بالعفو إلا عزًا".
﴿فَأَجْرُهُ﴾؛ أي: فأجر عفوه وإصلاحه حق واجب ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ، بطريق وعده المحتوم، فيجزيه أعظم الجزاء، وهذه عدة منبئة عن عظمة شأن الموعود، وخروجه عن الحد المعهود، وفي إبهام (٢) الأجر وجعله حقًا على العظيم الكريم جل شأنه، زيادة في الترغيب في العفو والحث عليه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة، أمر الله مناديًا ينادي: ألا، ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا وذلك قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا ...﴾ " الآية.
ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته، التي هي سبب الفوز والنجاة،