ندب إلى العفو والإغضاء من الزلات، ثم ذكر أنه لا مؤاخذة على من ينتصر لنفسه، وإنما المؤاخذة على من يظلم الناس، ويبغي في الأرض بغير الحق، وأن الصبر وغفران السيئة مما حث عليه الدين، وأجزل ثواب فاعله.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر أن الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، لهم عذاب أليم على ما اجترحوا من البغي، والعدوان بغير الحق .. أردف ذلك ببيان أن من أصله فلا هادي له، وأن الكافرين حين يرون العذاب يوم القيامة، يطلبون الرجوع إلى الدنيا، وأنهم يعرضون على النار، وهم خاشعون أذلاء، ينظرون من طرف خفي، وأن الذين آمنوا يقولون: إن الكافرين لفي خسران مبين، فقد أضاعوا النفس والأهل، ولا يجدون لهم، ناصرًا يخلصهم مما هم فيه من العذاب.
قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر ما سيكون يوم القيامة، من الأهوال وعظائم الأمور، حذر من هذا اليوم. فبين أن الكافرين لا يجدون حينئذٍ ملجأ يقيهم من عذاب الله تعالى، ولا ينكرون ما اقترفوه؛ لأنه مكتوب في صحائف أعمالهم. ثم أرشد رسوله إلى أنهم إن أعرضوا عن دعوتك، فلا تأبه بهم، ولا تهتم بشأنهم. ثم أعقب هذا بذكر طبيعة الإنسان، وأنه يفرح حين النعمة، ويجحد نعم ربه حين الشدة، ثم قسم هبته لعباده في النسل أربعة أقسام: فمنهم من وهب الإناث، ومنهم من وهب الذكران، ومنهم من أعطي الصنفين ومنهم العقيم الذي لا نسل له.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر تقسيم النعم الجسمانية التي يهبها لعباده .. أردفها تقسيم النعم الروحية، وأن الناس محجوبون عن
стр. 11868
ربهم؛ لأنهم في عالم المادة، وهو منزه عنها, ولكن من رق حجابه وخلصت نفسه، وأصبح في مقدوره أن يتصل بالملأ الأعلى .. يستطيع أن يكلم ربه على أحد أوجه ثلاثة:
١ - أن يحس بمعان تلقى في قلبه، أو يرى رؤيًا منامية، كرؤيا الخليل إبراهيم ﵇ ذبح ولده.
٢ - أن يسمع كلامًا من وراء حجاب، كما سمع موسى ﵇، من غير أن يبصر من يكلمه، فهو قد سمع كلامًا، ولم ير المتكلم.
٣ - أن يرسل إليه ملكًا، فيوحي ذلك الملك ما يشاء إلى النبي ﷺ ، ثم ذكر أنه كما أوحى إلى الأنبياء قبله، أوحى إليه القرآن، وما كان قبله يعلم ما القرآن، وما الشرائع التي بها هداية البشر، وصلاحهم في الدارين.
التفسير وأوجه القراءة
٤٠ - وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾؛ أي: جناية ﴿سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: جناية ﴿مِثْلُهَا﴾؛ أي: مماثلة للأولى في الكم والكيف، بيان لوجه كون الانتصار من الخصال الحميدة، مع كونه في نفسه إساءة إلى الغير، بالإشارة إلى أن البادىء هو الذي فعله لنفسه، فإن الأفعال مستتبعة لأجزيتها حتمًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرِّ، وفيه تنبيه على حرمة التعدي.
والمعنى: أي وجزاء سيئة المسيء، عقوبته بما شرعه الله من عقوبة مماثلة لجرمه. وإطلاق (١) السيئة على الثانية، مع أنها جزاء مشروع مأذون فيه، وكل مأذون حسن لا سيء, لأنها تسوء من نزلت به، كما في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، يريد ما يسؤهم من المصائب والبلايا، أو للمشاكلة، لتشابههما في الصورة. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ وعلى هذا فالسيئة مقابل الحسنة، بخلافها في الوجه الأول.
стр. 11869
والخلاصة: أنه يجب، إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، قال الحسن: إذا قال: لعنك الله، أو أخزاك الله، ذلك أن تقول: أخزاك الله، أو لعنك الله، وإذا شتمك فلك أن تشتمه بما شتم ما لم يكن فيه حد، كلفظ الزنا، أو كلمة لا تصلح، فلا تجري المقابلة في الكذب والبهتان، قال في "التنوير": لو قال لآخر: يا زاني، فقال له الآخر: لا بل أنت الزاني، حدا بخلاف ما لو قال له: مثلًا يا خبيث، فقال: أنت، تكافئا, ولو لم يجب، بل رفع الأمر إلى القاضي ليؤدبه جاز، وظاهر الآية العموم. وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان: إن هذا خاص بالمجروح، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره.
وفي الآية حث على العفو؛ لأن الانتصار إنما يحمد إذا حصلت المماثلة في الجزاء، وتقديرها عسر سياق، وربما صار المظلوم حين استيفاء القصاص ظالمًا.
ونحو الآية: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
وقد أمر ﷺ برد الشتم على الشاتم، أخرج النسائي وابن ماجه وابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي زينب وعندي رسول الله ﷺ ، فأقبلت علي تسبني، فردعها النبي ﷺ ، فلم تنته، فقال لي: "سبيها"، فسببتها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله ﷺ يتهلل سرورًا. وكان هذا بمنزلة التعزيز منه لزينب، بلسان عائشة، لما أن لها حقًا في الرد، وقد رأى فيه المصلحة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المستبان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم"، ثم قرأ: " ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ".
وقصارى ذلك (١): أن كل جناية على النفس، أو المال، تقابل بمثلها
стр. 11870
قصاصًا؛ لأن إهدارها يوجب فتح باب الشرور والمفاسد، إذ في طبع الإنسان الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزدجر عنه تمادى فيه ولم يتركه، والزيادة على قدر الذنب ظلم، والشرائع تنزه عن ذلك، ومن ثم شرع الله القصاص، وندب إلى الفضل، وهو العفو، فقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
وعن بعض الفقهاء في هذه الآية (١): وقد قيل: إنه الشافعي رحمه الله تعالى: أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه، مثل ما خانه من غير علمه، واستشهد على ذلك بقول النبي ﷺ لهند، زوجة أبي سفيان: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك"، فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه، كذا ذكره القرطبي في "تفسيره".
وجاء تتمة لهذه الآية، قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عن المسيء إليه جنايته؛ أي: ترك القصاص وسامح له ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبين من يعاديه، بالعفو والإغضاء عما صدر منه، قال في "الحواشي السعدية": الفاء للإفصاح؛ أي: إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة، وهي عسرة جدًّا، وأردتم بيان ما هو الأولى، فأقول: الأولى العفو، والإصلاح، إذا كان قابلًا للإصلاح بأن لم يصر على البغي. وفي الحديث: "ما زاد الله العبد بالعفو إلا عزًا".
﴿فَأَجْرُهُ﴾؛ أي: فأجر عفوه وإصلاحه حق واجب ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ، بطريق وعده المحتوم، فيجزيه أعظم الجزاء، وهذه عدة منبئة عن عظمة شأن الموعود، وخروجه عن الحد المعهود، وفي إبهام (٢) الأجر وجعله حقًا على العظيم الكريم جل شأنه، زيادة في الترغيب في العفو والحث عليه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة، أمر الله مناديًا ينادي: ألا، ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا وذلك قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا ...﴾ " الآية.
ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته، التي هي سبب الفوز والنجاة،
стр. 11871
فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المتجاوزين الحد في الانتقام، وفي هذا تصريح، بما تضمنه سالف الكلام، من حسن رعاية طريق المماثلة، وأنها قلما تخلو عن الاعتداد والتجاوز عن الواجب، ولا سيما حال الحرد والتهاب الحمية، وحينئذٍ، يدخل المنتقمون في زمرة من لا يحبهم الله .
وفي "الروح": قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: البادئين بالسيئة، والمتعدين في الانتقام، وهو استئناف تعليل، متعلق بقوله: ﴿وَجَزَاءُ﴾ إلخ. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ إلخ، اعتراض يعني: إنما شرعت المجازاة وشرطت المساواة؛ لأنه لا يحب الظالمين.
٤١ - واللام في قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾: لام (١) الابتداء، وجعلها الحوفي وابن عطية للقسم، وليس بجيد إذا جعلنا ﴿مَنِ﴾ شرطية، و ﴿مَنِ﴾ شرطية لدخول الفاء في جوابها، وهو قوله: (فأولئك)، أو موصولة، ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط، وقوله: بعد ظلمه من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: بعد ما ظلم. وقرىء به، وتذكير الضميرين باعتبار لفظ ﴿مَنْ﴾.
والمعنى: ولمن انتقم، واقتص بعد ظلم الظالم إياه، يعني: في الحقوق المالية ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المنتصرون. فهو إشارة إلى ﴿مَنْ﴾ والجمع باعتبار المعنى. ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ للمعاقب ولا للمعاتب والمعايب. والسبيل: الطريق الذي فيه سهولة، والآية دفع لما تضمنه السياق، من إشعار المسند باب الانتصار.
والمعنى: ولمن انتصر ممن ظلمه بعد ظلمه إياه، فأولئك المنتصرون، لا سبيل للمنتصر منهم أن يوجهوا إليهم عقوبة ولا أذى, لأنهم انتصروا منهم بحق، ومن أخذ حقه ممن وجب له عليه، ولم يتعد ولم يظلم، فلا سبيل لأحد عليه بالمعاتبة، أو المعاقبة.
٤٢ - ولما نفى السبيل على من انتصر بعد ظلمه .. بين من عليه
стр. 11872
السبيل، فقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ بالمعاقبة والمؤاخذة ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾؛ أي: يبتدئونهم بالإضرار، أو يعتدون في الانتقام ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يعملون في الأرض البغي والعدوان والإفساد بقتل الأنفس، وأخد الأموال ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بلا حق يكون لهم في ذلك، كذا قال الأكثر، وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي، وقيل: يتكبرون ويتجبرون ويتطاولون على الناس، وقيل: ظلم الناس صدُّهم عن سبيل الله، وبغيهم: أخذ أموالهم، وقتل أنفسهم بلا حق يكون لهم في ذلك، قيل (١): ويظلمون الناس، أي: يضعون الأشياء في غير مواضعها، من القتل وأخذ الأموال، والأذى باليد واللسان، والبغي بغير الحق، فهو نوع من أنواع الظلم، خصه بالذكر تنبيهًا على شدته، وسوء حال صاحبه.
والمعنى: أي إنما الحرج والإثم على الذين يبتدئون الناس بالظلم، أو يزيدون في الانتقام ويتجاوزون ما حد لهم، أو يتكبرون في الأرض تجبرًا وفسادًا ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الظلم، والبغي بغير الحق ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم بسبب بغيهم وظلمهم.
٤٣ - ثم رغب في الصبر والعفو، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الأذى، معطوف على قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾. وجملة قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ إلخ. اعتراض، اهـ "سمين". واللام فيه للابتداء، و ﴿من﴾ موصولة مبتدأ ﴿وَغَفَرَ﴾؛ أي: عما لمن ظلمه ولم ينتصر، وفوض أمره إلى الله تعالى، وكرره اهتمامًا بالصبر، ترغيبًا فيه، والصبر هنا: هو الإصلاح المتقدم. فأعيد هنا، وعبر عنه بالصبر؛ لأنه من شأن أولي العزم، وأشار إلى أن العفو المحمود ما نشأ عن التحمل لا عن العجز، اهـ "شهاب".
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور من الصبر والمغفرة ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: من معزومات الأمور ومهماتها وواجباتها؛ أي: من الأمور التي يجب عزم العبد عليها بإيجابها على نفسه، وتصميم قلبه عليها. لكونه من الأمور المحمودة عند
стр. 11873
الله ، فإن الصبر والعفو مندوب إليه، وقد ينعكس الأمر في بعض الأحوال، ويكون ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى.
وحكي: أن رجلًا سب رجلًا في مجلس الحسن، رحمه الله تعالى، فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام، فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فإن قلت: قاله هنا بلام التأكيد، وقاله في ﴿لُقْمَانَ﴾ بدونها، فما الفرق بين الموضعين.
قلت: لأن الصبر على مكروه حدث بظلم، كقتل ولد أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم، كموت ولد، كما أن العزم على الأول أوكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول، فكان أنسب لتوكيد وما في ﴿لُقْمَانَ﴾ من القبيل الثاني، فكان أنسب بعدمه اهـ "كرخي".
والمعنى: أي ولمن صبر عن الانتصار بغير انتقام ولا شكوى، وستر السيئة، فقد فعل ما يشكر عليه ويستحق به الأجر وجزيل الثواب، ورُوي أنه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة، فيفضي عنها إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة، يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة".
٤٤ - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ؛ أي: يخلق فيه الضلالة من الهوى، أو بتركه على ما كان عليه من ظلم الناس ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يلي أمره، وناصر ينصره ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد خذلانه تعالى إياه. وظاهر الآية: العموم، وقيل: هي خاصة بمن أعرض عن النبي ﷺ ، ولم يعمل بما دعاه إليه، من الإيمان بالله والعمل بما شرعه، والأول أولى.
والمعنى: أي أنه ما شاء الله كان، ولا راد له، وما لم يشأ لم يكن، فمن
стр. 11874
هداه الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له.
والخلاصة: أن من خذله الله لسوء استعداده، وتدسيته نفسه، باجتراح الآثام والمعاصي، فليس له من ولي يهديه إلى سبيل الرشاد، ويوصله إلى طريق الفوز والفلاح.
ثم ذكر تمني الكافرين الرجوع إلى الدنيا، فقال: ﴿وَتَرَى﴾ أيها المخاطب؛ لأن الخطاب (١) لكل من يتأتى منه الرؤبة البصرية ﴿الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المشركين المكذبين بالبعث ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي: حين يرون العذاب يوم القيامة، وينظرونه، وصيغة الماضي، للدلالة على التحقق، حال كونهم ﴿يَقُولُونَ﴾ فالجملة في موضع الحال من ﴿الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الرؤية هنا بصرية ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ﴾؛ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: طريق، فالمرد: مصدر ميمي بمعنى الرد، وهل للاستفهام المضمن معنى التمني
٤٥ - ﴿وَتَرَاهُمْ﴾؛ أي: تبصر الظالمين أيها الرائي حال كونهم ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على النار المدلول عليها بالعذاب، حال كونهم ﴿خَاشِعِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يُعْرَضُونَ﴾. و ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ للتعليل متعلقة بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾. وقرأ طلحة: ﴿من الذل﴾ بكسر الذال (٢). والجمهور: بالضم؛ أي: يعرضون عليها خاضعين حقيرين، بسبب ما لحقهم من الذل والهوان، ويصح تعلقها بينظرون، ويوقف على خاشعين، و ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾؛ أي: ضعيف. لابتداء الغاية.
والمعنى: حال كونهم يبتدىء نظرهم إلى النار، من تحريك لأجفانهم ضعيف، يعني: يسارقون النظر إلى النار، خوفًا منها، وذلة في أنفسهم، كالمقتول ينظر إلى السيف، فلا يقدر أن يملأ عينيه منه، وهكذا الناظر إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل في نظره إلى المحابِّ، وقيل: هل المراد بالطرف: العين، أو المصدر، قلنا: كلاهما يناسب المقام، وقال الكلبي: ينظرون بأبصار قلوبهم، ولا ينظرون بأبصار ظواهرهم؛ لأنهم
стр. 11875
يسحبون على وجوههم، أو لأنهم يحشرون عميًّا، فينظرون كنظر الأعمى إذا خاف حسًا، يقول الفقير: لا حاجة إلى حمل الآية على ما ذكر من الوجهين؛ لأن لهم يوم القيامة أحوالًا شتى، بحسب المواطن، فكل من النظر والسحب والحشر أعمى، ثابت صحيح. وقال يونس (١): إن ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ بمعنى الباء؛ أي: ينظرون بطرف ضعيف من الذل والخوف، وبه قال الأخفش.
وفي الآية: إشارة إلى أن النفوس التي لم تقبل الصلاح بالعلاج في الدنيا، تتمنى الرجوع إلى الدنيا يوم القيامة، لتقبل الصلاح، بعلاج الرياضات الشرعية، وتخشع، إذ لم تخشع في الدنيا من القهّار، فلا تنفعها ندامة، ولا تسمع منها دعوة، ولها نظر من طرف خفي، من خجالة المؤمنين، إذ يعيرونها بما ذكروها، فلم تسمع وهي نفوس الظالمين.
وحاصل المعنى (٢): أي وترى الكافرين بالله، حين يعاينون العذاب يوم القيامة، يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ويقولون: هل من رجعة لنا إليها، وتراهم أيضًا في ذلك اليوم، يعرضون على النار وهم خاشعون أذلاء؛ لأنهم عرفوا ذنوبهم وانكشف لهم عظمة من عصوه يسارقون النظر إليها خوفًا منها، وحذرًا من الوقوع فيها، كما ينظر من قدم للقتل إلى السيف، فلا يقدر أن يملأ عينيه منه، وإنما ينظر ببعضها.
ولما وصف حال الكفار، حكى ما يقوله المؤمنون فيهم، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجاهدوا في الله تعالى حق جهاده، وربحوا على ربهم، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: المتصفين بحقيقة الخسران، وهو انتقاص رأس المال، وينسب إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، ويستعمل ذلك في القنيات الخارجة، كالمال والجاه في الدنيا، وهو الأكثر. وفي القنيات النفيسة، كالصحة والسلامة والعقل والإيمان والثواب، وهو الذي جعله الله سبحانه الخسران، وكل خسران ذكره الله في القرآن
стр. 11876
الكريم، فهو على هذا المعنى الأخير، دون الخسران المتعلق بالقنيات الدنيوية، والتجارات البشرية، وخبر ﴿إن﴾ قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾؛ أي: إن الكاملين في الخسران، هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس والأهلين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ والظرف إما متعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾ فيكون القول في الدنيا، أو متعلق بـ ﴿قَالَ﴾؛ أي: يقولون لهم حين يرونهم على تلك الحالة، وعبر بالماضي، إشعارًا بتحققه، كما مر آنفًا، أما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما خسرانهم لأهليهم، فلأنهم إن كانوا معهم في النار. فلا ينتفعون بهم، وإن كانوا في الجنة، فقد حيل بينهم وبينهم، وقيل: خسران الأهل، أنهم لو آمنوا، لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين.
وفي "التأويلات النجمية": إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم، بإبطال استعدادهم، إذ صرفوه في طلب الدنيا وزخارفها والالتذاذ بها، وخسروا أهليهم، إذ لم يقوا أنفسهم وأهليهم نارًا، بقبول الإيمان, وأداء الشرائع ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المشركين الذين كانوا في جهنم، شهوات النفس جثيًا في الدنيا ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ في الآخرة؛ أي: دائم لا ينقطع إلى الأبد، وهذا إما من تمام كلام المؤمنين، أو من كلام الله سبحانه تصديقًا لهم.
والمعنى: أي ويقول المؤمنون يوم القيامة: إن المغبونين غبنًا لا غبن بعده، هم الذين خسروا أنفسهم، فأدخلوا في النار، وحرموا نعيم الأبد، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وذوي قراباتهم.
٤٦ - ثم صدقهم ربهم فيما قالوا، فقال: ألا إن الكافرين لفي عذاب سرمدي، لا مهرب لهم منه ولا خلاص، ثم أيأسهم من الفكاك منه بأي سبيل، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ﴾؛ أي: للظالمين ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ بدفع العذاب عنهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا؛ أي: لا يجدون لهم أعوانًا وأنصارًا ينقذونهم، مما حل بهم من العذاب، فأصنامهم التي كانوا يعبدونها لتشفع لهم، لا تستطيع أن تتقدم إليهم بشفاعة ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: يرد الله إضلاله بان يشغله بغيره ﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ يؤدي سلوكه إلى النجاة؛ أي:
стр. 11877
ومن يضلله الله تعالى، لما علم من استعداده للشر والفساد وارتكاب الشرور والآثام، فلا سبيل له إلى الوصول إلى الحق في الدنيا, ولا إلى الجنة في الآخرة.
حكي: أن شيخًا حج مع شاب، فلما أحرم قال: لبيك، فقيل له: لا لبيك، فقال الشاب للشيخ: ألا تسمع هذا الجواب، فقال: كنت أسمع هذا الجواب منذ سبعين سنة، قال: فلأي شيء تتعب، فبكى الشيخ، فقال: فإلى أي باب ألتجىء فقيل له: قد قبلناك. فهذا من هداية الله الخاصة، فافهم جيدًا.
٤٧ - ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ إذا دعاكم إلى الإيمان, على لسان نبيه ﷺ : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة، أو يوم الموت ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ و ﴿مِنْ﴾ إما متعلقة بـ ﴿يَأْتِيَ﴾؛ أي: من قبل أن يأتي من الله يوم، لا يقدر أحد على رده، ودفعه، أو متعلقة بـ ﴿مَرَدَّ﴾؛ أي: لا يرده الله، بعد أن حكم به على عباده، ووعدهم به.
والمعنى: أجيبوا داعي الله، وهو رسوله ﷺ وآمنوا به، واتبعوه فيما جاءكم به من عند الله تعالى، من قبل أن يأتي يوم لا يستطيع أحد أن يرده، إذا جاء به الله.
﴿اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ تلتجئون إليه، ولا مفر تفرون إليه؛ أي (١): ما لكم مخلص ما، من العذاب على ما دل عليه، تأكيد النفي بـ ﴿من﴾ الاستغراقية ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾؛ أي: إنكار ما لما اقترفتموه؛ لأنه مدون في صحائف أعمالكم، وتشهد عليكم جوارحكم، ولعل المراد: الإنكار المنجي، وإلا فهم يقولون ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وغير ذلك، ولذلك تشهد عليهم أعضاؤهم، أي: ما لكم من إنكار يومئذٍ، بل تعترفون بذنوبكم. والنكير: اسم مصدر بمعنى الإنكار، وقال مجاهد: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾؛ أي: ناصر ينصركم، وقيل: النكير بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم؛ أي: لا تجدون يومئذٍ منكرًا لما ينزل بكم من العذاب، قاله الكلبي وغيره، والأول أولى.
стр. 11878
والمعنى: أي ليس لكم حصن تتحصنون فيه، ولا تستطيعون إنكار ما اجترحتموه من السيئات؛ لأنه قد كتب في صحفكم، وتشهد به ألسنتكم وجوارحكم، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾
٤٨ - وقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ أعمالهم حتى تحاسبهم عليها, ولا موكلًا بهم رقيبًا عليهم، تلوين للكلام، وصرف له عن خطاب الناس بعد أمرهم بالاستجابة، وتوجيه منه إلى الرسول ﷺ أي: فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه، فما أرسلناك رقيبًا ومحاسبًا عليهم، وحافظًا لأعمالهم ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: ما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد فعلت فلا يهمنك إعراضهم، وهذا منسوخ بآية السيف.
والمعنى: أي فإن أعرض هؤلاء المشركون عما أتيتهم به من الحق، ودعوتهم إليه من الرشد، ولم يستجيبوا لك، وأبوا قبوله منك، فدعهم وشأنهم، فإنا لم نرسلك رقيبًا عليهم، تحفظ أعمالهم وتحصيها، فما عليك إلا أن تبلغهم، ما أرسلناك به إليهم، فإذا أنت بلغته فقد أديت ما كلفت به، ونحو الآية ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.
قال الغزالي رحمه الله تعالى في "شرح الأسماء": الحفيظ من العباد: من يحفظ جوارحه وقلبه، ويحفظ دينه من سطوة الغضب، وخلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان، فإنه على شفا جرف هار، وقد اكتنفته هذه المهلكات المفضية إلى النار، وقد عرف كلها من لسان الشارع ﷺ ، فليسارع العبد إلى دفع الموبقات، وجلب المنجيات بإصلاح النفس، والتخلق بالأخلاق الإلهية، فإن النفس طاغية مؤدية إلى الإفلاس والخسار.
وبعدئذٍ ذكر طبيعة الإنسان، وغريزته في هذه الحياة، فقال: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: إذا أعطينا الإنسان ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾؛ أي: نعمة صادرة من جهتنا، كالصحة والغنى ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ بطرًا لأجلها والمراد بالإنسان: الجنس لا الواحد، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾؛ أي: الإنسان ﴿سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: بلاءً وشدة ومرض
стр. 11879
وفقر ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب ما عملته أنفسهم من كفرانهم، بنعم الله تعالى وعصيانهم فيها، وذكر الأيدي؛ لأن أكثر الأعمال تباشر بها، فجعل كل عمل كالصادر بالأيدي على طريق التغليب. ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: جنسه ﴿كَفُورٌ﴾؛ أي: بليغ الكفر، ينسى النعمة بالكلية، وبذكر البلية ويستعظمها, ولا يتأمل سببها، بل يزعم أنها أصابته بغير استحقاق لها؛ أي: كثير الكفر لما أنعم به عليه من نعمه، غير شكور له عليها، وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص المجرمين، لغلبتهم فيما بين الأفراد، يعني: أنه حكم على الجنس بحال أغلب أفراده، للملابسة على المجاز العقلي، وتصدير الشرطية الأولى بإذا المفيدة للتحقق مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة، للتنبيه على أن إيصال النعمة محقق الوجود كثير الوقوع، وأنه مقتضى الذات، كما أن تصدير الثانية بـ ﴿إن﴾ وإسناد الإصابة إلى السيئة وتعليلها بأعمالهم، للإيذان بندرة وقوعها. وأنها بمعزل عن الانتظام في سلك الإرادة، والإظهار في مقام الإضمار للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما سيأتي جميع ذلك في مبحث البلاغة.
والمعنى: أي وإنا إذا أغنينا ابن آدم، فأعطيناه من لدنا سعة في الرزق، أو في الصحة، أو في الأمن سر بما آتيناه، وإن أصابته فاقة، أو مرض بما أسلف من معصية ربه، جحد نعمتنا، وأيس من الخير، والإنسان من طبعه الجحد والكفران بالنعم حين الشدة.
والخلاصة: أن الإنسان إن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن ابتلي بمحنة يئس وقنط.
واعلم: أن نعمة الله تعالى، وإن كانت في الدنيا عظيمة، إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة، كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سمي الإنعام بها إذاقة فالإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به، ووقع في العجب والكبر، وظن أنه فاز بكل المنى، ودخل في قصر السعادات، ولذا ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة، وإلا لاختار الباقي على الفاني؛ لأن الفاني كالخزف مع أنه قليل، والباقي كالذهب مع أنه كثير.
стр. 11880
٤٩ - ثم ذكر سبحانه سعة ملكه ونفاذ تصرفه، فقال: ﴿لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: له التصرف فيهما بما يريد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع؛ أي: يختص به سبحانه ملك العالم كله، لا يقدر أن يملكه أحد سواه، فله التصرف فيه، وقسمة النعمة والبلية على أهله، وليس عليهم إلا الشكر في النعمة، والصبر في البلية، والرضى والتسليم للأحكام الأزلية.
والمعنى: أي إنه تعالى خالق السموات والأرض، ومالكهما، والمتصرف فيهما، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مما يعلمونه، ومما لا يعلمونه على أي صورة شاء ﴿يَهَبُ﴾ ﴿لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ لا ذكور معهن مثل ما وهب لشعيب ولوط ﵉، والهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض، والوهاب هو الله ؛ لأنه يعطي كلًّا على قدر استحقاقه ولا يريد عوضًا، والجملة بدل من يخلق بدل البعض، وإنما قدم الإناث على الذكور مع شرفهم؛ لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لتطييب قلوب آبائهن، إذ في التقديم تشريف لهن، وإيناس بهن، ولذلك جعلن من مواهب الله تعالى مع ذكر اللام الانتفاعية أو لرعاية الترتيب الواقع أولًا في الهبة بنوع الإنسان، فإنه تعالى وهب لآدم أولًا زوجته حواء ﵉، بأن ولَّدها منه، وخلقها من قصيراه، وهي أسفل الأضلاع، أو آخر ضلع في الجنب، كما في "القاموس".
قال في "الكواشي": ويجوز أنهن قدمن توبيخًا لمن كان يئدهن، ونكرن إيماء إلى ضعفهن ليرحمن، فيحسن إليهن. وقال في "الشرعة وشرحه": وليزداد فرحًا بالبنات، مخالفة لأهل الجاهلية، فإنهم يكرهونها، بحيث يدفنونها في التراب في حال حياتها، وفي الحديث: "من بركة المرأة تبكيرها بالبنات"؛ أي: يكون أول ولدها بنتًا، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ الآية، حيث بدأ بالإناث ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ لا إناث معهم، كما وهب إبراهيم ﵇، من غير أن يكون في ذلك مدخل لأحد، ومجال اعتراض.
стр. 11881
وعرف الذكور للمحافظة على الفواصل، أو لجبر التأخير، يعني: أن الله تعالى أخر الذكور، مع أنهم أحقاء بالتقديم، فتدارك تأخيرهم بتعريفهم؛ لأن في التعريف العهدي تنويهًا وتشهيرًا، كأنه قيل: ويهب لمن يشاء الفرسان، الأعلام، الذين لا يخفون عليكم. وفي الحديث: "إن أولادكم هبة الله لكم، يهب لمن يشاء إناثًا، ويهب لمن يشاء الذكور، وأموالهم لكم إن احتجتم إليها".
٥٠ - ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾؛ أي: يقرن بين الإناث والذكور، فيجعلهم ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ فيصير أولاده ذكرانًا وإناثًا، فيهبهما جميعًا لمن يشاء، بأن يولد له الذكور والإناث، مثل ما وهب لنبينا محمد ﷺ ، إذ كان له من البنين ثلاثة على الصحيح، قاسم، وعبد الله، وإبراهيم. ومن البنات أربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة ﵅. قال مجاهد: معنى يزوجهم: هو أن تلد المرأة غلامًا، ثم تلد جارية. ثم تلد غلامًا، ثم تلد جارية، وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد توأمًا، غلامًا وجارية ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا يولد له ذكر ولا أنثى، فـ ﴿مَنْ﴾ عبارة عن الرجل والمرأة. فلا يلد ولا تلد. والعقيم: الذي لا يولد له، يقال: رجل عقيم؛ أي: لا يولد له، وامرأة عقيم؛ أي: لا تلد، كما في عيسى ويحيى ﵉، فإنهما ليس لهما أولاد، أما عيسى فلم يتزوج، وإن كان يتزوج حين نزوله في آخر الزمان، ويكون له البنات كما قيل: وأما يحيى فقد تزوج، ولكن لم يقرب لكونه عزيمةً في شريعته، وبعضهم لم يكن له أولاد، وإن حصل له قربان النساء.
ومعنى الآية: (١) أي يخلق ما يشاء، فيرزق من يشاء البنات فحسب، ويرزق من يشاء البنين فحسب، ويعطي من يشاء الزوجين الذكر والأنثى، ويجعل من يشاء لا نسل له، وفي هذا إيماء إلى أن الملك ملكه من غير منازع ولا مشارك، يتصرف فيه كيف يشاء، ويخلق ما يشاء، فليس لأحد أن يعترض عليه، أو يدبر بحسب هواه، وتصرفه لا يكون إلا على أكمل وجه وأتم نظام، وقد قيل: ليس في الإمكان أبدع مما كان ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق كل نوع من هذه
стр. 11882
الأنواع ﴿قَدِيرٌ﴾ على ما يريد أن يخلق، فيفعل ما يفعل بحكمة وعلم.
وفي "فتح الرحمن": فإن قلت (١): لم قدم الإناث مع أن جهتهن التأخير، ولم عرف الذكور دونهن؟.
قلت: لأن الآية سيقت لبيان عظمة ملكه ومشيئته، وأنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاء عبيده، كما قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ولما كان الإناث مما لا يختاره العباد، قدمهن في الذكر، لبيان نفوذ إرادته ومشيئته وانفراده بالأمر، ونكرهن وعرف الذكور لانحطاط رتبتهن، لئلا يظن أن التقديم كان لأحقيتهن به ثم أعطى كل جنس حقه من التقديم والتاخير، ليعلم أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، بل لمقتضى آخر فقال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾.
وقال أبو حيان: ولما (٢) ذكر الهبة في الإناث، والهبة في الذكور، اكتفى عن ذكرها في قوله: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾، ولما كان العقيم ليس بمحمود قال: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قسيم لمن يولد له، وتغيير العاطف في الثالث؛ لأنه قسيم المشترك بين القسمين، ولم يحتج إليه في الرابع لإفصاحه، بأنه قسيم المشترك بين الأقسام الثلاثة، ذكره "البيضاوي"، ولما كان الخنثى مما يحزن بوجوده لم يذكره ، قالوا: وكانت الخلقة مستمرة ذكرًا وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى، فسئل فارض العرب ومعمرها، عامر بن الظرب عن ميراثه، فلم يدر ما يقوله وأرجأهم، فلما جن عليه الليل، جعل يتقلب وتذهب به الأفكار، وأنكرت خادمته حاله، فسألته، فقال: بهرت لأمر لا أدري ما أقول فيه، فقالت له: ما هو، فقال شخص له ذكر وفرج، كيف يكون حاله في الميراث، قالت له الأمة: ورثه من حيث يبول، فعقلها وأصبح، فعرضها عليهم فرضوا بها، وجاء الإِسلام على ذلك، وقضى بذلك علي كرم الله وجهه.
٥١ - ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾؛ أي: وما صح لفرد من أفراد البشر يا محمد ﴿أَنْ
стр. 11883
﴿يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ سبحانه بوجه من الوجوه، إلا بإحدى طرق ثلاث:
١ - ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ استثناء من أعم الأحوال؛ أي: ما كان له أن يكلمه الله في حال من الأحوال، إلا حالة كونه وحيًّا وإلهامًا، وإلقاء من الله تعالى في روعه وقلبه، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده، وكما روى ابن حبان في "صحيحه"، أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي، إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب".
٢ - ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ أي: أو إلا حالة كونه من وراء حجاب، بأن يسمعه كلامه جهرة، من غير أن يبصر السامع من يكلمه، فهو تمثيل له بحال الملك المحتجب، الذي يكلم بعض خواصه من وراء الحجاب، يسمع صوته، ولا يرى شخصه، وإلا فالله تعالى منزه عن الاستتار بالحجاب، الذي هو من خواص الأجسام، فالحجاب يرجع إلى المستمع، لا إلى الله تعالى المتكلم، وذلك كما كلم الله تعالى موسى في طوى والطور، ولذا سمي كليم الله؛ لأنه سمع صوتًا دالًا على كلام الله تعالى، من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسبًا لأحد من الخلق.
٣ - ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾؛ أي: أو إلا حالة كونه بأن يرسل رسولًا؛ أي: ملكًا من الملائكة، إما جبرئيل أو غيره ﴿فَيُوحِيَ﴾ ذلك الرسول إلى المرسل إليه الذي هو الرسول البشري ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بأمره تعالى وتيسيره ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الله سبحانه أن يوحيه إليه من أمر أو نهي، كما كان جبريل ينزل على النبي ﷺ وعلى غيره من الأنبياء، وهذا هو الذي بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في عامة الأوقات من الكلام، فيكون إشارة إلى التكلم بواسطة الملك.
رُوي: أن النبي ﷺ قال: "من الأنبياء من يسمع الصوت، فيكون بذلك نبيًا، ومنهم من ينفث في أذنه وقلبه، فيكون بذلك نبيًا، وإن جبرئيل يأتيني فيكلمني، كما يكلم أحدكم صاحبه".
وروى البخاري في "صحيحه" عن عائشة ﵂: أن الحارث بن
стр. 11884
هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صلصة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول"، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي، في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد يسيل عرقًا.
قال الزجاج: المعنى أن كلام الله للبشر، إما أن يكون بإلهام يلهمهم، أو يكلمهم من وراء حجاب، كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم، وتقدير الكلام: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحيًّا، أو يكلمه من وراء حجاب، كما كلم موسى، أو يرسل رسولًا. وقرأ الجمهور: ﴿حِجَابٍ﴾: مفردًا. وابن أبي عبلة ﴿حجبًا﴾: جمعًا. وقرأ الجمهور بنصب ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾، وبنصب ﴿فَيُوحِيَ﴾ على تقدير أن، وتكون أن وما دخلت عليه معطوفين على وحيًّا، ووحيًا في محل الحال والتقدير: إلا موحيًا، أو مرسلًا، ولا يصح عطف ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ على ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ﴾؛ لأنه يصير التقدير: وما كان لبشر أن يرسل رسولًا، وهو فاسد لفظًا ومعنى. وقرأ نافع وأهل المدينة ﴿أو يرسل رسولًا فيوحي﴾. بالرفع فيهما، على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أو هو يرسل. وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾؛ أي: متعال عن صفات المخلوقين؛ لا يأتي جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، فيكلمه تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، إما إلهامًا، وإما خطابًا من وراء حجاب تعليل لما قبلها.
٥٢ - قال المفسرون: فلما قالت اليهود للنبي ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه، إن كنت نبيًا كما كلمه موسى، نزل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ والكاف صفة لمصدر محذوف. والروح (١): هو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان، حيث يحييها حياة طيبة؛ أي: يحصل لها به ما هو مثل الحياة،
стр. 11885
وهو العلم النافع، المزيل للجهل الذي هو كالموت. وقال الراغب: سمي القرآن روحًا لكونه مببًا للحياة الأخروية، الموصوفة في قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. ومعنى ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: روحًا ناشئًا، ومبتدأ من أمرنا، والمعنى: وإيحاء مثل إيحائنا إلى سائر رسلنا، أوحينا إليك روحًا وقرآنًا ناشئًا بأمرنا وإرادتنا، ونازلًا من عندنا رحمةً وحياةً لعبادنا.
وقيل: الروح هو جبرائيل ﵇، والمعنى: أوحينا إليك جبرائيل بأمرنا وإرادتنا، كما أوحيناه إلى سائر رسلنا، فإن قلت: كيف علم الرسول ﷺ في أول الأمر، أن الذي تجلى له جبرائيل، وأن الذي سمعه كلام الله تعالى؟
قلت: خلق الله تعالى له علمًا ضروريًا، علم به ذلك، والعلم الضروري يوجب الإيمان الحقيقي، ويتولد من ذلك اليقين، فإن الخشية على قدر المعرفة.
ثم ذكر سبحانه صفة رسوله، قبل أن يوحي إليه، فقال: ﴿مَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿تَدْرِي﴾ وتعلم قبل النبوة في أربعين سنة. وجملة ﴿مَا كُنْتَ﴾ حال من كاف ﴿إِلَيْكَ﴾ كما في تفسير "الكواشي" ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ والقرآن، أي: أي شيء هو.
والمعنى: ما تدري جواب هذا الاستفهام، والكلام على حذف مضاف؛ لأنه ﷺ كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، وأدل على صحة نبوته، والاستفهام معلق للفعل عن العمل، وما بعده ساد مسد المقعولين ﴿وَلَا﴾ تدري ما ﴿الْإِيمَانُ﴾ بتفاصيل ما في تضاعيف القرآن، من الأمور التي لا تهتدي إليها العقول، لا الإيمان بما يستقل به العقل والنظر، فإن درايته ﷺ له مما لا ريب فيه قطعًا، فإن أهل العلم اتفقوا على أن الرسل ﵈، كانوا مؤمنين قبل الوحي، معصومين من الكبائر، ومن الصغائر الموجبة، لنفرة الناس عنهم، قبل البعثة وبعدها، فضلًا عن الكفر، وهو مراد من قال: لا يعرف القرآن قبل الوحي، ولا شرائع الإيمان ومعالمه، وقيل: المراد بالإيمان: الكلمة التي بها دعوة الإيمان والتوحيد، وهي لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، والإيمان بهذا التفسير إنما علمه بالوحي لا بالعقل.
قال ابن قتيبة: لم تزل العرب على بقايا من دين إسماعيل، من الحج
стр. 11886
والختان والنكاح، وإيقاع الطلاق، والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والمصاهرة، وكان رسول الله ﷺ على ما كانوا عليه في مثل هذه الشرائع، وكان يوحد، ويبغض اللات والعزى، ويحج ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم ﵇، ويتعبد بها حتى جاءه الوحي، وجاءته الرسالة.
والمعنى: أي (١) ما كنت قبل الأربعين، وأنت بين ظهراني قومك، تعرف ما القرآن، ولا تفاصيل الشرائع، ومعالمها على النهج الذي أوحينا به إليك، وقيل: معنى الآية: ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: الروح الذي أوحينا إليك، والجعل بمعنى التصيير، لا بمعنى الخلق، وحقيقته أنزلناه؛ أي: ولكن جعلنا الروح والقرآن الذي أوحيناه إليك ﴿نُورًا﴾ وضياء، ودليلًا على التوحيد ﴿نَهْدِي﴾ ونرشد ﴿بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ هدايته ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ بالتوفيق، وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَهْدِي﴾ بهذا النور، وترشد من نشاء هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وطريق قويم الذي هو الإِسلام، وسائر الشرائع والأحكام، وقوله (٢): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ تقرير لهدايته تعالى، وبيان لكيفيتها ومفعول ﴿لَتَهْدِي﴾ محذوف ثقة بغاية الظهور، كما قدرناه.
والمعنى: أي ولكن جعلنا هذا القرآن نورًا عظيمًا، نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا، ونرشده إلى الدين الحق، وإنك لتهدي بذلك النور، من نشاء هدايته إلى الحق القويم. ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ الآية.
وقرأ الجمهور (٣) ﴿لَتَهْدِي﴾ مبنيًا للفاعل مضارع هدى، وقرأ ابن حوشب: مبنيًا للمفعول، إجابة سؤاله ﷺ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وقرأ ابن السميقع: بضم التاء وكسر الدال، من أهدى الرباعي، وعن الجحدري مثلها، ومثل قراءة
стр. 11887
حوشب، وفي قراءة أبي ﴿وإنك لتدعو﴾.
٥٣ - ثم بين الصراط المستقيم بقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ بدل من الصراط الأول، وفي إضافة الصراط إلى الاسم الشريف، من التعظيم له، والتفحيم لشأنه ما لا يخفى ووصف الجلالة بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا وعبيدًا لتقرير استقامته، وتأكيد وجوب سلوكه، فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى، خلقًا وملكًا وتصرفًا، مما يوجب ذلك أتم إيجاب.
وقال بعضهم (١): معنى الآية: دعونا يا محمد أقوامًا في الأزل، فأجابوا، فأنت تهديهم إلينا وتدلهم علينا، وإنما كان ﵇ هاديًا؛ لأنه نور كالقرآن، ولمناسبة نوره مع نور الإيمان والقرآن قيل: كان خلقه القرآن.
وحاصل المعنى: أي هذا الطريق، هو الطريق الذي شرعه الله، مالك السموات والأرض والمتصرف فيهما، والحاكم الذي لا معقب لحكمه.
﴿أَلَا﴾ كلمة تذكرة لتبصرة، أو تنبيه لحجة ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: ترجع أمور ما فيهما قاطبةً بارتفاع الوسائط والتعلقات، يعني: يوم القيامة، فيحمل لفظ تصير على الاستقبال؛ أي: انتبهوا وتذكروا أن أمور الخلائق يوم القيامة تصير إلى الله، لا إلى غيره، فيضع كلًّا منهم في موضعه الذي يستحقه من نعيم أو جحيم، وفي هذا وعد للمهتدين إلى الصراط المستقيم ووعيد للظالمين، وفيه وعد بالبعث المستلزم للمجازاة. وقال في "بحر العلوم": إلى الله سبحانه، تصير أمور الخلائق كلها، في الدنيا والآخرة، فلا يدبرها إلا هو، حيث لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره.
وعن سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف، فلم يبق إلا قوله تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ وغرق مصحف، فانمحى كل شيء إلا ذلك، كذا في "عين المعاني" للسجاوندي انتهى "قرطبي".
стр. 11888
الإعراب
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾.
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جزاء سيئة﴾: مبتدأ، ﴿سَيِّئَةٌ﴾ خبر، ﴿مِثْلُهَا﴾: صفة لـ ﴿سَيِّئَةٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ﴾، أو مستأنفة، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾: الفاء: فاء الإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن جزاء سيئة سيئة مثلها، وأردت بيان أجر من عما وأصلح .. فأقول لك: ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما كما مر مرارًا، ﴿عَفَا﴾: فعل ماض في محل الجزم فعل شرط، ﴿وَأَصْلَحَ﴾: معطوف عليه، ﴿فَأَجْرُهُ﴾ الفاء: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿أجره﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: خبر، والجملة الاسمية في محل الجزم جواب الشرط، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَلَمَنِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، ﴿انْتَصَرَ﴾ فعل ماض في محل الجزم فعل شرط، ﴿بَعْدَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿انْتَصَرَ﴾. ﴿ظُلْمِهِ﴾ مضاف إليه للظرف، وهو مضاف إلى الهاء، من إضافة المصدر إلى مفعوله، وتؤيده قراءة من قرأ: ﴿من بعد ما ظلم﴾ بالبناء للمفعول، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء: رابطة، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿ما﴾: نافية، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: مبتدأ مؤخر. و ﴿من﴾: زائدة، والجملة خبر عن اسم الإشارة، وجملة الإشارة في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر لـ ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿السَّبِيلُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ
стр. 11889
النَّاسَ﴾: صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة معترضة، ﴿وَيَبْغُونَ﴾: معطوف على ﴿يَظْلِمُونَ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿يبغون﴾، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿يبغون﴾؛ أي: حال كونهم غير محقين، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة خبر لاسم الإشارة. وجملة اسم الإشارة مستأنفة، أو حال من الموصول، ﴿وَلَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. كما مر نظيره، ﴿من﴾: اسم موصول مبتدأ، ﴿صَبَرَ﴾ صلته ﴿وَغَفَرَ﴾: معطوف عليه ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: اللام: مؤكدة للأولى. ﴿من عزم الأمور﴾ جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الرفع خبر لـ ﴿من﴾ الموصولة، وفي الرابط قولان:
أحدهما: هو اسم الإشارة إذا أريد به المبتدأ، ويكون حينئذٍ على حذف مضاف، تقديره: إن صبر ذلك لمن عزم الأمور.
الثاني: أنه ضمير محذوف، تقديره: لمن عزم الأمور منه أو له، وجملة قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾، وجملة قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ ...﴾ إلخ، معترضة، وجوز الحوفي وغيره أن تكون ﴿من﴾: شرطية، و ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: جوابها على حذف الفاء، على حد حذفها في البيت المشهور:
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
وعلى جعل اللام للقسم، فإن ذلك جواب القسم المقدر، وحذف جواب الشرط للدلالة عليه، وتقدر الفاء الرابطة للجواب.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل النصب مفعول مقدم، ﴿يُضْلِلِ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، ﴿فَمَا﴾ الفاء رابطة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿من﴾ زائدة، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: صفة لـ ﴿وَلِيٍّ﴾، والجملة الاسمية جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية. وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على الجمل التي قبلها، أو مستأنفة، ﴿وَتَرَى﴾
стр. 11890
﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ترى﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على أي مخاطب، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ مفعول به, لأن رأى هنا بصرية. ﴿لَمَّا﴾ ظرف بمعنى حين، متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به. والجملة مضاف إليه لـ ﴿لما﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ حال من ﴿الظَّالِمِينَ﴾، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام واستخبار مع الدهشة ﴿إِلَى مَرَدٍّ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿من﴾ زائدة. والجملة الاستفهامية مقول القول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿وَتَرَاهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿ترى الظالمين﴾، ﴿يُعْرَضُونَ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ وجملة ﴿يُعْرَضُونَ﴾ حال من مفعول ﴿تراهم﴾، حال أولى، أو حال من واو ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿خَاشِعِينَ﴾ حال ثانية. ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ متعلق بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حال ثالثة، أو من مرفوع ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، ﴿خَفِيٍّ﴾ صفة ﴿طَرْفٍ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قال الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول، ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾: معطوف على ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾، منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف، متعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾، ويصح أن يتعلق بـ ﴿قال﴾ كما مر. ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح وتنبيه، ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي عَذَابٍ﴾: خبره، ﴿مُقِيمٍ﴾ صفة ﴿عَذَابٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، إن قلنا من كلام الله سبحانه، تصديقًا لكلامهم، أو مقول لـ ﴿قال﴾ إن قلنا من تمام كلامهم.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص.
стр. 11891
﴿لَهُمْ﴾: خبرها مقدم. ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿من﴾ زائدة، وجملة ﴿يَنْصُرُونَهُمْ﴾ صفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل النصب، مفعول مقدم، ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَمَا﴾ الفاء: رابطة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿سَبِيلٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية جواب ﴿مَن﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية معطوفة على ما قبلها.
﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾.
﴿اسْتَجِيبُوا﴾: فعل وفاعل، بمعنى ﴿أجيبوا﴾. مبني على حذف النون، ﴿لِرَبِّكُمْ﴾ متعلق به، ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ متعلق به أيضًا؛ أي: أجيبوه بالتوحيد والعبادة. ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من قبل إتيان يوم. ﴿لَا﴾: نافية للجنس، ﴿مَرَدّ﴾: اسمها، ﴿لَهُ﴾: خبرها، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿مَرَدَّ﴾؛ لأنه مصدر ميمي، وأجاز بعضهم تعلقه بـ ﴿يَأْتِيَ﴾؛ أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يتاح لأحد رده. وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿يَوْمٌ﴾، ﴿مَا لَكُمْ﴾ ﴿ما﴾: نافية، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿مِنْ مَلْجَإٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿من﴾: زائدة. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف متعلق، بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، أو من ضمير المخاطبين، والجملة مستأنفة، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾: مبتدأ، و ﴿مِن﴾ زائدة، والجملة معطوفة على التي قبلها. ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾: الفاء: استئنافية، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿أَعْرَضُوا﴾: فعل ماض وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿فَمَا﴾ الفاء: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل
стр. 11892
وفاعل ومفعول به، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿حَفِيظًا﴾، و ﴿حَفِيظًا﴾ حال من مفعول ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، والأولى أن يكون جواب الشرط محذوفًا، والفاء عاطفة على الجواب المحذوف، المقدر بما يناسب المقام؛ أي: فلا تبتئس ولا تحاول اقتسارهم. ﴿إن﴾: نافية، ﴿عَلَيْكَ﴾: خبر مقدم، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، متعلق بالجواب الآتي، ﴿أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، ﴿مِنَّا﴾: حال من ﴿رَحْمَةً﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول ثان، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَرِحَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿فَرِحَ﴾، والجملة جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية. ﴿وإنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿تُصِبْهُمْ﴾: فعل مضارع، ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿سَيِّئَةٌ﴾ فاعل، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿تُصِبْهُمْ﴾، و ﴿ما﴾ موصولة، وجملة ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ صلة، والعائد محذوف؛ أي: قدمته. وعبر بالأيدي؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بها كما مر. ﴿فَإِنّ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، أو علة للجواب المقدر، والتقدير: وإن تصبهم سيئة نسوا النعمة فورًا؛ لأن الإنسان كثير كفران النعمة، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم جواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الشرطية.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.
﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة
стр. 11893
الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان سعة ملكه، ﴿يَخْلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر. و ﴿ما﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿يَخْلُقُ﴾: في محل النصب حال من الجلالة، ﴿يَهَبُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله تعالى، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ متعلق بـ ﴿يَهَبُ﴾، ﴿إِنَاثًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَهَبُ﴾: بدل من جملة ﴿يَخْلُقُ﴾: بدل مفصل من مجمل، وجملة ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: معطوفة على ما قبلها، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ مفعول به ثان، بدليل ما بعده، على تضمينه معنى التصيير؛ أي: يجعل أولاده ذكورًا وإناثًا. واختار أبو البقاء والخطيب إعراب ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ حالين. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول أول، و ﴿عَقِيمًا﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ثان له، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لِبَشَرٍ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾: فعل مضارع، ومفعول وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع مدخولها، في تأويل مصدر، مرفوع على كونه اسما لـ ﴿كَانَ﴾، والتقدير: وما كان تكليم الله سبحانه، إنسانًا كائنًا له، في حال من الأحوال، إلا في حالة كونه وحيًّا، إلخ. وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. مسوقة لبيان كيفية تكليم الله لعباده، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال، ﴿وَحْيًا﴾: مصدر واقع موقع الحال؛ أي: موحيًا، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: إلا أن يوحي إليه وحيًّا ﴿أَوْ﴾ حرف عطف، ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: متعلق بمقدر، معطوف على المقدر العامل في وحيًّا؛ أي: أو إلا أن يكلمه الله من وراء حجاب، أو مسمعًا من وراء حجاب، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ﴿يُرْسِلَ﴾: فعل مضارع، منصوب بأن
стр. 11894
مضمرة جوازًا بعد أو، العاطفة على اسم خالص، أعني: وحيًّا، كما قال ابن مالك:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ ... تَنْصِبُهِ إِنْ ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر، معطوف على وحيًّا تقديره: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًّا، أو إرسال رسول، فكأنه قال إلا موحيًا، أو مرسلًا رسولًا، أو إلا أن يوحي، أو ﴿يُرْسِلَ﴾ ﴿رَسُولًا﴾، ﴿فَيُوحِيَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿يُوحِيَ﴾: فعل مضارع، معطوف على يرسل، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولًا﴾، ﴿بِإِذْنِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يوُحِى﴾، ﴿ما﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، والكاف صفة لمصدر محذوف؛ أي: إيحاء مثل إيحائنا إلى غيرك، ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿رُوحًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾: نعت لـ ﴿رُوحًا﴾. وقيل: حال، و ﴿مِنْ﴾ تبعيضية؛ أي: حال كون هذا الروح، وهو القرآن بعض ما نوحيه إليك؛ لأن الموحى إليه لا ينحصر في القرآن، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه، والجملة حال من كاف إليك، ﴿ما﴾: استفهامية معلقة لـ ﴿تَدْرِي﴾ عن العمل، في محل رفع مبتدأ، و ﴿الْكِتَابُ﴾: خبر، والجملة الاسمية في محل نصب، سدت مسد مفعولي ﴿تَدْرِي﴾، ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: عطف على ﴿الْكِتَابُ﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، أو عاطفة، ﴿لَكِنْ﴾ حرف استدراك مهمل، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿نُورًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من ﴿الْكِتَابُ﴾، أو معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾،
стр. 11895
﴿نَهْدِي﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَهْدِي﴾. ﴿مَنْ﴾: مفعول به، وجملة ﴿نَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ حال من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، أو من عائده المحذوف، وجملة ﴿نَهْدِي﴾ في محل النصب، صفة لـ ﴿نُورًا﴾. ﴿وَإِنَّكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إنك﴾ ناصب واسمه، ﴿لَتَهْدِي﴾ اللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿تَهْدِي﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنّ﴾، وجملة ﴿إِنّ﴾ مستأنفة. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ متعلق بـ ﴿تهدي﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿صِرَاطٍ﴾: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿صِرَاطٍ﴾ الأول، بدل معرفة من نكرة ﴿الَّذِي﴾: نعت للجلالة، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿مَا﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الاسمية صلة الذي ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَصِيرُ﴾. ﴿الْأُمُورُ﴾: فاعل. والمراد بهذا المضارع الديمومة، كقولك: زيد يعطي ويمنع؛ أي: من شأنه ذلك، وليس المراد حقيقة المستقبل؛ لأن الأمور منوطة به تعالى كل وقت.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ والسيئة: فعيلة من السوء، وهو القبيح. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾؛ أي: سعي في نصر نفسه بجهده. ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: من عقاب وعتاب، والسبيل في الأصل: الطريق الذي فيه سهولة. ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: لمن الأمور المشكورة عند الله تعالى، والأفعال التي ندب إليها عباده، ولم يرخص بالتهاون فيها من العزم، والعزم: عقد القلب على إمضاء الأمر. والعزيمة: الرأي الجد كما في "المفردات" ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾؛ أي: أجيبوا، فالسين والتاء فيه زائدتان.
﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾؛ أي: لا يرده بعدما حكم به. أصله: مردد بوزن مفعل بفتح العين، نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء، فسكنت فأدغمت في الدال الثانية. ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قيل المراد به: العضو، وهو العين، وقيل المراد به: المصدر، يقال: طرفت عينه تطرف طرفًا؛ أي: ينظرون نظرًا خفيًا. وفي "المصباح": طرف البصر طرفًا، من باب ضرب تحرك، وطرف العين نظرها، ويطلق على الواحد وغيره, لأنه مصدر اهـ، وفي "المختار": وطرف بصره من باب ضرب، إذا أطبق
стр. 11896
أحد جفنيه على الآخر، والمرة منه طرفة، يقال: أسرع من طرفة العين ﴿خَفِيٍّ﴾ أصله: خفيي بوزن فعيل، أدغمت ياء فعيل في لام الكلمة ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ من الخسران، وهو انتقاص رأس المال، وينسب إلى الإنسان، فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، كما سبق. ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ قال ابن الملك في "شرح المشارق": الأهل يفسر بالأزواج والأولاد. وبالعبيد والإماء، وبالأقارب، وبالأصحاب، وبالمجموع. ﴿مِنْ مَلْجَإٍ﴾؛ أي: ملاذ تلجؤون إليه، ومهرب ومفر تفرون إليه، وفي "المصباح": لجأ إلى الحصين وغيره، لجأ من بابي نفع وتعب، والتجأ إليه اعتصم به، فالحصن ملجأ بفتح الميم والجيم، وألجأته إليه ولجأته بالهمزة والتضعيف، اضطررته إليه وأكرهته، اهـ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الملك بالضم: الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه، وفي "المصباح": وملك على الناس أمرهم ملكًا، من باب ضرب، إذا تولى السلطنة، فهو ملك، والاسم الملك بضم الميم اهـ.
﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ قال الراغب: كفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها. وأعظم الكفر: جحودهم الوحدانية والنبوة، فمعنى كفور: نسّاء للنعمة، ذكّار للبلية. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ والهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض، وفي "المختار": وهب له شيئًا يهبه وهبًا، بوزن وضع يضع وضعًا، ووهَبًا أيضًا بفتح الهاء، وهبة بكسر الهاء، والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء فيهما، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة اهـ. فأصل يهب: يوهب؛ لأنه حذفت فاؤه فوزنه يعل. ﴿إِنَاثًا﴾ جمع أنثى خلاف الذكر. ﴿الذُّكُورَ﴾ جمع ذكر، وهو ضد الأنثى، والخنثى: إنسان له ذكر وفرج، وأول ظهوره في الجاهلية الأولى، زمن عامر بن الظرب ملك العرب، كما سبق. ﴿ذُكْرَانًا﴾ جمع ذكر أيضًا. ﴿عَقِيمًا﴾ وفي "المصباح": العقيم الذي لا يولد له، يطلق على الذكر والأنثى، وفي "القاموس" العقم بالضم: هرمة تقع في الرحم، فلا تقبل الولد، يقال: عقمت كفرح ونصر وكرم عقمًا وعقمًا، ويضم، وعقمها الله تعقيمًا وأعقمها، ورحم عقيمة وامرأة معقومة، وامرأة عقيم، والجمع عقائم وعقم، ورجل عقيم كأمير لا يولد له، والجمع عقماء وعقام، اهـ. وفي "الروح": وأصل العقم:
стр. 11897
اليبس المانع من قبول الأثر، والعقيم من النساء التي لا تقبل ماء الفحل، فالعقم كما يقع صفة للمرأة، يقع صفة للرجل، بأن يكون في مائه ما يمنع العلوق من الأعذار. ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ قال الراغب: ومعنى الوحي: الإشارة السريعة، يقال: أمر وحي؛ أي: سريع، ثم اختص في عرف اللغة بالأمر الإلهي الملقى إلى الأنبياء، وفي "المصباح": الوحي: الإشارة، والرسالة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي كيف كان، قاله ابن فارس، وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعى، وأوحى إليه بالألف مثله، وجمعه وحي، أصله: وحوي بوزن فعول، مثل: فلوس، وبعض العرب تقول: وحيت إليه، ووحيت له، وأوحيت إليه وله، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى، ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف، اهـ.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والصراط من السبيل مالا التواء فيه؛ أي: لا اعوجاج بل يكون على سبيل القصد. ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أصله: تصير بوزن تفعل نقلت حركة الياء إلى الصاد، فسكنت الياء إثر كسرة فصارت حرف مد.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس المزاوجة اللفظي في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾؛ لأن إطلاق السيئة على الثانية، مع أنها جزاء وقصاص مشروع مأذون فيه، وكل مأذون حسن لا سيء لقصد المزاوجة، ويعبر عنها بعضهم بالمشاكلة، ومثله قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فسمى جزاء الاعتداء اعتداء، مع أنه مأذون فيه، ليكون في نظم الكلام مزاوجة؛ أي: مشاكلة.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ للدلالة على تحقق وقوعه؛ لأن مقتضى الظاهر أن يقال: لما يرون العذاب لاستقباله.
стр. 11898
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ اهتمامًا بشأن الصبر وترغيبًا فيه، والصبر هنا: هو الإصلاح المتقدم فأعيد هنا، وعبر عنه بالصبر؛ لأنه من شأن أولي العزم، وأشار إلى أن العفو المحمود ما نشأ عن التحمل، لا عن العجز، اهـ "شهاب".
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾؛ لأن مقتضى الظاهر: أن يقال: ألا إنهم في عذاب مقيم، تسجيلًا عليهم باسم الظلم.
ومنها: تلوين للكلام، وصرف له عن خطاب الناس بعد أمرهم بالاستجابة، وتوجيه له إلى الرسول ﷺ قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه، فما أرسلناك رقيبًا.
ومنها: تصدير الشرطية الأولى بإذا المفيدة للتحقيق، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة في قوله: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ للتنبيه على أن إيصال النعمة أمر محقق الوجود كثير الوقوع، وأنه مقتضى الذات، كما أن تصدير الشرطية الثانية في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بـ ﴿إن﴾ المفيدة للشك، مع إسناد الإصابة إلى السيئة وتعليلها بأعمالهم، للإيذان بندرة وقوعها، وأنها بمعزل عن الانتظام في سلك الإرادة بالذات.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، وفيه أيضًا المجاز العقلي، حيث أسند هذه الخصلة إلى الجنس والكل، مع كونها من صفات المجرمين فقط، نظرًا لغلبتهم فيما بين الأفراد، يعني: أنه حكم على الجنس بحال أغلب أفراده، لعلاقة الملابسة.
ومنها: التقسيم في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾.
ومنها: الطباق بين الذكور والإناث.
стр. 11899
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾؛ لأنه حقيقة فيما يحيي به الروح، فاستعير للقرآن بجامع حصول الحياة بكل منهما، وإن كانت مختلفة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾؛ لأنه كناية عن الأحكام المشروعية.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 11900
خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - إنزال الوحي على رسوله ﷺ .
٢ - اختلاف الأديان ضروري للبشر.
٣ - أصول الشرائع واحدة لدى جميع الرسل.
٤ - اختلاف المختلفين في الأديان بغي وعدوان منهم.
٥ - إنكار نبوة محمد ﷺ ، بعد أن قامت الأدلة على صدقه.
٦ - استعجال المشركين لمجيء الساعة، وإشفاق المؤمنين منها.
٧ - من يعمل للدنيا يؤت منها، وما له حظ في الآخرة، ومن يعمل للآخرة، يوفقه الله للخير.
٨ - ينزل الله الرزق بقدر، بحسب ما يرى من المصلحة.
٩ - من الأدلة على وجود الخالق خلق السموات والأرض، وجرى السفن في البحار.
١٠ - متاع الآخرة خير وأبقى من متاع الدنيا.
١١ - جزاء السيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله سبحانه.
١٢ - تمني المشركين يوم القيامة العودة إلى الدنيا، حين يرون العذاب.
١٣ - نظر المشركين إلى النار بطرف خفي، إذا عرضوا عليها خاشعين من الذل.
١٤ - ليس على الرسول إلا البلاغ.
١٥ - يهب الله سبحانه لمن يشاء الإناث، ولمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا، ويجعل من يشاء عقيمًا.
١٦ - أقسام الوحي إلى البشر.
стр. 11901
١٧ - الرسول ﷺ قبل الوحي، ما كان يدري شيئًا من الشرائع.
١٨ - هدايته إلى صراط مستقيم.
والله أعلم
* * *
стр. 11902
سورة الزخرف
سورة الزخرف: قال القرطبي: هي مكية بالإجماع، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة حم الزخرف بمكة، قال مقاتل: إلا قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ يعني: فإنها نزلت بالمدينة.
وآياتها (١): تسع وثمانون آية، وكلماتها: ثمان مئة وثلاث وثلاثون كلمة. وحروفها: ثلاثة آلاف وأربع مئة حرف.
التسمية: سميت سورة الزخرف، لما فيها من التمثيل الرائع، لمتاع الدنيا الزائل، وبريقها الخادع، بالزخرف اللامع الذي ينخدع به الكثيرون، مع أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة. ولهذا يعطيها الله تعالى للأبرار والفجار، وينالها الأخيار والأشرار، أما الآخرة فلا يمنحها الله تعالى إلا لعباده المتقين، فالدنيا دار الفناء، والآخرة دار البقاء.
ووجه مناسبتها لما قبلها (٢): أن مفتتح هذه يشاكل مختتم تلك.
والحاصل: أن مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حم من وجهين.
الأول: تشابه مطلع هذه السورة مع مطلع وخاتمة السورة المتقدمة، في وصف القرآن الكريم، وبيان مصدره، وهو الوحي الإلهي.
الثاني: التشابه في إيراد الأدلة، القاطعة على وجود الله ووحدانيته، ووصف أحوال الآخرة ومخاوفها، وأهوال النار التي تعرض لها الكفار، ومقارنته بنعيم الجنة، وإعداده للمؤمنين المتقين، انتهى من "التفسير المنير".
стр. 11903
فضلها: روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الزخرف، كان ممن يقال لهم يوم القيامة: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ولكن فيه مقال.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم (١): سورة الزخرف جميعها محكم غير آيتين:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ (الآية ٨٣) نسخت بآية السيف.
والثانية: قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ (الآية ٨٩) نسخت أيضًا بآية السيف.
والله أعلم
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر أن المشركين منهمكون في كفرهم، وإعراضهم عما جاء به القرآن، من توحيد الله تعالى والبعث .. أبان هنا أن أفعالهم تخالف أقوالهم، فإن سألتهم عن الخالق لهذا الكون، من سمائه وأرضه ليقولن الله، وهم مع اعترافهم به يعبدون الأصنام والأوثان، ثم ذكر جليل أوصافه، فأرشد إلى أنه هو الذي جعل الأرض فراشًا، وجعل فيها طرقًا لتهتدوا بها في سيركم، ونزل من السماء ماء بقدر الحاجة، يكفي زرع النبات وسقي الحيوان، وخلق أصناف المخلوقات، من حيوان ونبات، وسخر لكم السفن والدواب لتركبوها، وتشكروا الله على ما آتاكم، وتقولوا لولا لطف الله بنا ما كنا لذلك بمطيقين، وإنا يوم القيامة إلى ربنا راجعون، فيجازي كل نفس بما كسبت إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنهم يعترفون بالألوهية، وأنه خالق السموات والأرض .. أردف هذا ببيان أنهم متناقضون مكابرون، فهم مع اعترافهم لله بخلق السموات والأرض، يصفونه بصفات المخلوقين، المنافية لكونه خالقًا لهما، إذ جعلوا الملائكة بنات له، ولا غرو، فالإنسان من طبعه الكفران، وجحود الحق، ومن عجيب أمرهم أنهم أعطوه أخس صنفي الأولاد، وما لو بشر به أحدهم اسودَّ وجهًا وامتلأ غيظًا، ومن يتربى في الزينة، وهو لا يكاد يبين حين الجدل، فلا يظهر حجة، ولا يؤيد رأيًا، واختاروا لأنفسهم الذكران، ثم أعقبه بالنعي عليهم في جعلهم الملائكة إناثًا، وزاد في الإنكار عليهم ببيان أن مثل هذا الحكم لا يكون إلا عن مشاهدة، فهل هم شهدوا ذلك، ثم توعدهم على هذه المقالة، وأنه يوم القيامة يجازيهم بها.
ثم حكي عنهم شبهة أخرى، قالوا لو شاء الله أن لا نعبد الملائكة ما عبدناها, لكنه شاء عبادتها, لأنها هي المتحققة فعلًا، فتكون حسنة، ويمتنع