١٧ - الرسول ﷺ قبل الوحي، ما كان يدري شيئًا من الشرائع.
١٨ - هدايته إلى صراط مستقيم.
والله أعلم
* * *
стр. 11902
سورة الزخرف
سورة الزخرف: قال القرطبي: هي مكية بالإجماع، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة حم الزخرف بمكة، قال مقاتل: إلا قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ يعني: فإنها نزلت بالمدينة.
وآياتها (١): تسع وثمانون آية، وكلماتها: ثمان مئة وثلاث وثلاثون كلمة. وحروفها: ثلاثة آلاف وأربع مئة حرف.
التسمية: سميت سورة الزخرف، لما فيها من التمثيل الرائع، لمتاع الدنيا الزائل، وبريقها الخادع، بالزخرف اللامع الذي ينخدع به الكثيرون، مع أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة. ولهذا يعطيها الله تعالى للأبرار والفجار، وينالها الأخيار والأشرار، أما الآخرة فلا يمنحها الله تعالى إلا لعباده المتقين، فالدنيا دار الفناء، والآخرة دار البقاء.
ووجه مناسبتها لما قبلها (٢): أن مفتتح هذه يشاكل مختتم تلك.
والحاصل: أن مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حم من وجهين.
الأول: تشابه مطلع هذه السورة مع مطلع وخاتمة السورة المتقدمة، في وصف القرآن الكريم، وبيان مصدره، وهو الوحي الإلهي.
الثاني: التشابه في إيراد الأدلة، القاطعة على وجود الله ووحدانيته، ووصف أحوال الآخرة ومخاوفها، وأهوال النار التي تعرض لها الكفار، ومقارنته بنعيم الجنة، وإعداده للمؤمنين المتقين، انتهى من "التفسير المنير".
стр. 11903
فضلها: روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الزخرف، كان ممن يقال لهم يوم القيامة: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ولكن فيه مقال.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم (١): سورة الزخرف جميعها محكم غير آيتين:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ (الآية ٨٣) نسخت بآية السيف.
والثانية: قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ (الآية ٨٩) نسخت أيضًا بآية السيف.
والله أعلم
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر أن المشركين منهمكون في كفرهم، وإعراضهم عما جاء به القرآن، من توحيد الله تعالى والبعث .. أبان هنا أن أفعالهم تخالف أقوالهم، فإن سألتهم عن الخالق لهذا الكون، من سمائه وأرضه ليقولن الله، وهم مع اعترافهم به يعبدون الأصنام والأوثان، ثم ذكر جليل أوصافه، فأرشد إلى أنه هو الذي جعل الأرض فراشًا، وجعل فيها طرقًا لتهتدوا بها في سيركم، ونزل من السماء ماء بقدر الحاجة، يكفي زرع النبات وسقي الحيوان، وخلق أصناف المخلوقات، من حيوان ونبات، وسخر لكم السفن والدواب لتركبوها، وتشكروا الله على ما آتاكم، وتقولوا لولا لطف الله بنا ما كنا لذلك بمطيقين، وإنا يوم القيامة إلى ربنا راجعون، فيجازي كل نفس بما كسبت إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنهم يعترفون بالألوهية، وأنه خالق السموات والأرض .. أردف هذا ببيان أنهم متناقضون مكابرون، فهم مع اعترافهم لله بخلق السموات والأرض، يصفونه بصفات المخلوقين، المنافية لكونه خالقًا لهما، إذ جعلوا الملائكة بنات له، ولا غرو، فالإنسان من طبعه الكفران، وجحود الحق، ومن عجيب أمرهم أنهم أعطوه أخس صنفي الأولاد، وما لو بشر به أحدهم اسودَّ وجهًا وامتلأ غيظًا، ومن يتربى في الزينة، وهو لا يكاد يبين حين الجدل، فلا يظهر حجة، ولا يؤيد رأيًا، واختاروا لأنفسهم الذكران، ثم أعقبه بالنعي عليهم في جعلهم الملائكة إناثًا، وزاد في الإنكار عليهم ببيان أن مثل هذا الحكم لا يكون إلا عن مشاهدة، فهل هم شهدوا ذلك، ثم توعدهم على هذه المقالة، وأنه يوم القيامة يجازيهم بها.
ثم حكي عنهم شبهة أخرى، قالوا لو شاء الله أن لا نعبد الملائكة ما عبدناها, لكنه شاء عبادتها, لأنها هي المتحققة فعلًا، فتكون حسنة، ويمتنع
стр. 11906
النهي عنها، ثم رد مقالهم بأن المشيئة إنما هي ترجيح بعض الأشياء على بعض، ولا دخل لها في حسن أو قبح، وبعد أن أبطل استدلالهم العقلي .. نفى أن يكون لهم دليل نقلي على صحة ما يدعون، ثم أبان أن ما فعلوه إنما هو بمحض التقليد عن الآباء، دون حجة ولا برهان، وهم ليسوا ببدع في ذلك، فكثير من الأمم قبلهم، قالوا مثل مقالهم، مع أن الرسل بينوا لهم الطريق السويّ، فكفروا به واتبعوا سنن من قبلهم حذو القذة بالقذة، فكان عاقبة أمرهم أن حل بهم نكالنا، كما يشاهدون ويرون من آثارهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ...﴾ الآيات، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن المنذر عن قتادة قال: قال ناس من المنافقين: إن الله صاهر الجن فخرجت من بينهم الملائكة، فنزل فيهم: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ...﴾ الآيات.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿حم (١)﴾ (٢) كونه اسمًا للقرآن؛ أي: هذا القرآن يسمى بـ ﴿حم﴾، أو اسمًا للسورة؛ أي: هذه السورة تسمى بـ ﴿حم﴾، وقيل: ﴿حم﴾ إشارة إلى الاسمين الجليلين من أسمائه تعالى، وهما: الحنان والمنان.
فالحنان: هو الذي يقبل على من أعرض عنه. وفي "القاموس": الحنان كشداد، اسم لله تعالى ومعناه: الرحيم انتهى.
والمنان: هو الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، كما في "القاموس": المنان من أسماء الله تعالى، المعطي ابتداء، انتهى. وقد جعل في داخل الكعبة ثلاث اسطوانات. الأولى: اسطوانة الحنان. والثانية: اسطوانة المنان، والثالثة: اسطوانة الديان، وإنما أضيفت إلى الله تعالى تعظيمًا لها، كما قيل: بيت الله،
стр. 11907
وناقة الله، فأشار بهذه الأسماء الثلاثة، حيث جعلت في داخل الكعبة، المشار بها إلى الذات الأحدية، إلى أن مقتضى الذات هو الرحمة، والعطاء في الدنيا، والمجازاة والمكافأة في الآخرة، وبرحمته أنزل القرآن،
٢ - كما قال مقسمًا به: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ بالجر على أنه مقسم به، إما ابتداء أو عطفًا على ﴿حم (١)﴾ على تقدير كونه مجرورًا بإضمار باء القسم، على أن مدار العطف المغايرة في العنوان، ومناط تكرير القسم المبالغة في تأكيد مضمون الجملة القسمية، ومعنى إقسام الله بالأشياء: استشهاده بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، اهـ "بيضاوي". ﴿الْمُبِينِ﴾؛ أي: البين لمن أنزل عليهم، لكونه بلغتهم وعلى أساليبهم، فيكون من أبان بمعنى بان؛ أي: ظهر، أو المبين لطريق الهدى من طرق الضلالة، الموضح لكل ما يحتاج إليه في أبواب الديانة، فيكون من أبان بمعنى أظهر وأوضح.
وقال سهل: بين فيه الهدى من الضلالة، والخير من الشر، وبين سعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، وقال بعضهم (١): المراد بالكتاب: الخط والكتابة، يقال: كتبه كتبًا وكتابًا خطه، أقسم به تعظيمًا لنعمته فيه، إذ فيه كثرة المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط والكتابة، فالمتقدم إذا استنبط علمًا وأثبته في كتاب، وجاء المتأخر وزاد عليه، تكاثرت به الفوائد، يقول الفقير: لعل السبب في حمل الآية على هذا المعنى الغير الظاهر، لزوم اتحاد المقسم به والمقسم عليه، على تقدير حملها على القرآن، وليس بذلك، كما سيأتي،
٣ - وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: أقسمت لك بالكتاب المبين، إنا صيرنا ذلك الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بإنزاله بلغة العرب ولسانها, ولم نصيره أعجميًا بإنزاله بلغة العجم، مع كونه كلامنا وصفتنا قائمة بذاتنا، عرية عن كسوة العربية، منزهة عنها وعن توابعها ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تفهموا القرآن العربي، وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق، والمعنى الفائق، ولتقفوا على ما تضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر، وتعرفوا حق النعمة في ذلك، وتنقطع أعذاركم بالكلية،
стр. 11908
إذ لو أنزلناه بغير لغة العرب ما فهمتموه، فلعل هنا مستعارة لمعنى كي، وهو التعليل، وسببية ما قبلها لما بعدها, لكون حقيقة الترجي والتوقع ممتنعة في حقه تعالى. لكونها مختصة بمن لا يعلم عواقب الأمور.
وحاصل معناها: الدلالة على أن الملابسة بالأول لأجل إرادة الثاني، من شبه الإرادة بالترجي، فقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في موضع النصب على المفعول له، وإنما سمي ﴿قُرْآنًا﴾؛ لأنه جعل بعض سوره مقرونًا بآخر.
فإن قلت: إن قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يدل على أن القرآن مجعول، والمجعول مخلوق، وقد قال ﷺ : "القرآن كلام الله غير مخلوق".
قلت: المراد بالجعل هنا: تصيير الشيء على حالة دون حالة، وقال بعضهم: أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنًا عربيًا، فالقسم والمقسم عليه من بدائع الأقسام لكونهما من واحد، فالمقسم به ذات القرآن العظيم، والمقسم عليه وصفه، وهو جعله قرآنًا عربيًا، فتغايرا، فكأنه قيل: والقرآن إنه ليس بمجرد كلام مفترى على الله وأساطير، بل هو الذي تولينا إنزاله على لغة العرب، فهذا هو المراد بكونه جوابًا لا مجرد كونه عربيًا، إذ لا يشك فيه.
وإنما جعله مقسمًا به إشارة إلى أنه ليس عنده شيء أعظم قدرًا، وأرفع منزلة منه حتى يقسم به، فإن المحب لا يؤثر على محبوبه شيئًا، فأقسم به، ليكون قسمه في غاية الوكادة، وكذا لا أهم من وصفه فيقسم عليه.
والمعنى (١): أي أقسمت بالكتاب المبين، لطريق الهدى والرشاد، الموضح لما يحتاج إليه البشر في دنياهم ودينهم، ليفوزوا بالسعادة على أننا جعلناه قرآنًا عربيًا، إذ كنتم أيها المنذرون به عربًا لتعقلوا ما فيه من عبر ومواعظ، ولتتدبروا معانيه، ولم ينزله بلسان العجم حتى لا تقولوا: نحن عرب، وهذا كلام أعجمي لا نفقه شيئًا مما فيه.
٤ - ثم بين شرفه في الملأ الأعلى تعظيمًا له، وليطيعه أهل الأرض، فقال:
стр. 11909
﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وان ذلك الكتاب يعني: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ وهو خبر أول لـ ﴿إن﴾، والجملة معطوفة على جواب القسم، وسمي (١) اللوح المحفوظ أم الكتاب؛ لأنه أصل الكتب السماوية، فإن جميعها مثبتة فيه على ما هي عليه عند الأنبياء، ومأخوذة مستنسخة منه. وقوله: ﴿لَدَيْنَا﴾ بدل من الجار والمجرور قبله، أو حال من الضمير المستكن فيه.
والمعنى: وإن هذا القرآن مثبت في اللوح المحفوظ، ومحفوظ لدينا، أو حال كونه محفوظًا لدينا عن تبديل وتغيير. وقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ خبران آخران لـ ﴿إن﴾ أيضًا؛ أي: وإن هذا الكتاب لعليّ؛ أي: لرفيع القدر من بين الكتب السماوية شريف حكيم؛ أي: ذو حكمة بالغة، أو محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، أو محكم لا يتطرق إليه نسخ بكتاب آخر، ولا تبديل.
والمعنى (٢): أي وإن هذا الكتاب في علمه الأزلي رفيع الشأن، لاشتماله على الأسرار والحكم التي فيها سعادة البشر، وهدايتهم إلى سبيل الحق، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ بضم الهمزة، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي بكسرها، وعزاها ابن عطية يوسف بن عمرو إلى العراق غفلة منه، وقال ابن جريج: المراد بقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾: أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، وقال قتادة: أخبر عن منزلته وشرفه وفضله؛ أي: إن كذبتم به يا أهل مكة، فإنه عندنا شريف رفيع، محكم من الباطل، انتهى.
٥ - وبعدما بين سبحانه علو شأن القرآن العظيم، وحقق أن إنزاله على لغتهم ليعقلوه، ويؤمنوا به، ويعملوا بموجبه، عقب ذلك بإنكار أن يكون بخلافه، فقال: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ والهمزة (٣) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على مقدر
стр. 11910
يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير؛ أي: أنهملكم يا أهل مكة إهمالًا، فننحي عنكم الذكر والقرآن، ونبعده عنكم، ونمسك عن إنزاله لكم.
والمعنى: أنمسك عن إنزال ما لم ينزل منه، ونرفع ونزيل ما نزل منه، ونترك عنكم الأمر والنهي والوعد والوعيد، مأخوذ من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض؛ أي: طردها عنه. والمراد بالغرائب: البعران الأجانب؛ لأن الإبل إذا وردت الماء ودخلت فيها ناقة غريبة من غيرها ذبت وطردت عن الحوض، وقوله: ﴿صَفْحًا﴾ مفعول لأجله؛ أي: أفنضرب عنكم الذكر ونرفعه صفحًا وإعراضًا عنكم، أو حال من فاعل نضرب، أي: نضرب عنكم الذكر صافحين؛ أي: معرضين عنكم، أو مصدر معنوي لنضرب، فإن تنحية الذكر عنهم إعراض؛ أي: أفنعرض عنكم بترك إنزال الذكر صفحًا وإعراضًا لأجل ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾؛ أي: منهمكين في الإسراف، مجاوزين الحد في المعاصي، مصرين عليها على معنى: أن حالكم وإن اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة، وتبقوا في العذاب الخالد، لكنا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل نهديكم إلى الحق بإرسال الرسول الأمين ﷺ ، وإنزال الكتاب المبين. قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا, ولكن عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة، أو ما شاء الله سبحانه. وقرأ (١) نافع وحمزة والكسائي ﴿إن كنتم قومًا مسرفين﴾ بكسر الهمزة على أنها الشرطية. والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، وقد تشكل هذه القراءة بأن إسرافهم كان متحققًا. فكيف دخلت عليه إن الشرطية التي لا تدخل إلا على غير المتحقق، أو على المتحقق الذي انبهم زمانه. وقرأ الجمهور ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ بفتح الهمزة؛ أي: من أجل أن كنتم، واختار أبو عبيد قراءة الفتح لما ذكر. وقرأ زيد بن علي ﴿إذ كنتم﴾ بالذال مكان النون.
والمعنى (٢): أي أنترك إنذاركم وتذكيركم بالقرآن لانهماككم في الكفر والإعراض عن أوامره ونواهيه، كلا لا نفعل ذلك رحمةً بكم، وقد كانت حالكم
стр. 11911
تدعو إلى تخليتكم، وما تريدون حتى تموتوا على الضلال، أراد أنه تعالى من رحمته ولطفه بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي من قدر له الهداية، وتقوم الحجة على من كتب له الشقاوة.
٦ - ثم قال مسليًا رسوله ﷺ على تكذيب قومه، آمرًا له بالصبر، مهددًا للمشركين، منذرًا لهم بشديد العقاب: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ ﴿كَمْ﴾ خبرية (١) بمعنى عدد كثير في موضع النصب، على أنه مفعول مقدم لأرسلنا، و ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ تمييز و ﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، أو بمحذوف مجرور على أنه صفة لنبي.
والمعنى: كثيرًا من الأنبياء أرسلنا في الأمم الأولين والقرون الماضين.
٧ - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ ضمير يأتيهم إلى الأولين، وهو حكاية حال ماضية مستمرة، كما سيأتي؛ لأن ﴿مَا﴾ إنما تدخل على مضارع في معنى الحال، أو على ماض قريب منها؛ أي: وما أتى وجاء أولئك الأولين نبي من الأنبياء والمرسلين ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي إلا كانوا يستهزؤون بذلك النبي ويكذبونه؛ أي: إلا كانوا مستمرين على التكذيب. يعني: أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق، هو التكذيب والاستهزاء، كما استهزأ قومك بك، فلا ينبغي لك أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم واستهزائهم إياك؛ لأن المصيبة إذا عمت خفت
٨ - ﴿فَأَهْلَكْنَا﴾ واستأصلنا بسبب تكذيبهم أنبياءهم قومًا ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾؛ أي: أشد بطشًا وأخذًا وصولة، من هؤلاء القوم المسرفين. وهم قريش؛ أي: أهلكنا قومًا أشد قوة وجلدًا، وأكثر عُددًا وعَددًا، من هؤلاء القوم الذين كذبوك، بسبب تكذيبهم أنبياءهم، و ﴿بَطْشًا﴾ تمييز، وهو الظاهر، أو حال من فاعل ﴿أَهْلَكْنَا﴾؛ أي: باطشين. والبطش: تناول الشيء بصولة، والأخذ بشدة، كما سيأتي في مبحث المفردات. وهذا وعد له ﷺ ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين، ووصفهم بأشدية البطش؛ لإثبات حكمهم لهؤلاء المشركين بطريق
стр. 11912
الأولوية.
والمعنى: أي (١) وكثيرًا ما أرسلنا في الأمم الغابرة رسلًا قبلك، كما أرسلناك إلى قومك قريش، وكلما أتى نبي أمته يدعوهم إلى الهدى وطريق الحق، استهزؤوا به، وسخروا منه، كما يفعل قومك بك، فقومك ليسوا ببدع في الأمم، ولا أنت بباع في الرسل، فلا تأس على ما تجد منهم، ولا يشقن ذلك عليك، فهم قد سلكوا سبيل من قبلهم، واحتذوا حذوهم، ونهجوا نهجهم حذو القذة بالقذة، وكن كما كان أولو العزم من الرسل، واصبر كما صبروا على ما أوذوا في سبيل الله.
ثم ذكر عقبى تكذيبهم واستهزائهم برسله، تسلية لرسوله وتحذيرًا لهم، فقال: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾؛ أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، ولم يقدروا على دفع بأسنا إذ أتاهم، وقد كانوا أشد بطشًا من قومك، وأشد قوة، فأحرى بهؤلاء أن لا يعجزونا، ونحو الآية: قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ الآية. ﴿وَمَضَى﴾؛ أي: سلف، وسبق في القرآن غير مرة ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: ذكر صفتهم وبيان قصتهم وخبرهم وشديد عقوبتهم، التي حقها أن تسير مسير المثل، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم.
وفي هذا كما مر، تهديد شديد؛ لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به، هلكوا مثلهم، وفي الآية (٢) إشارة إلى كمال ظلومية نفس الإنسان وجهوليته، وكمال حلم الله سبحانه وكرمه، وفضل ربوبيته، بأنهم وإن بالغوا في إظهار أوصافهم الذميمة، وأخلاقهم اللئيمة، بالاستهزاء من الأنبياء والمرسلين، والاستخفاف بهم إلى أن كذبوهم، وسعوا في قتلهم من أهل الأولين والآخرين، وكذلك يفعل أهل كل زمان مع ورثة الأنبياء، من العلماء العاملين الناصحين لهم، والداعين إلى الله،
стр. 11913
والهادين لهم، فالله تعالى لم يقطع عنهم مراحم فضله وكرمه، وكان يبعث إليهم الأنبياء، وينزل عليهم الكتب، ويدعوهم إلى جنابه، وينعم عليهم بعفوه وغفرانه، ومن غاية إفضاله وإحسانه تأديبًا وترهيبًا بعباده، أهلك بعض المتمردين المتمادين في الباطل، ليعتبر المتأخرون من المتقدمين.
والخلاصة: أي وقد مضت سنتنا في المكذبين لرسلهم من قبلكم، ورأيتم ما حل بهم، فاحذروا أن يحل بكم مئل ما حل بهم، ونحو الآية: قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
٩ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن سالت يا محمد هؤلاء الكفار من قومك ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية ﴿لَيَقُولُنَّ﴾؛ أي: ليقولن هؤلاء المشركون من قومك اعترافًا بالصانع، وإقرارًا بربوبيته ﴿خَلَقَهُنَّ﴾؛ أي: خلق هذه الأجرام المذكورة، وأوجدها الخالق ﴿الْعَزِيزُ﴾ في حكمه وملكه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوال خلقه، وذلك أسوأ لحالهم وأشد لعقوبتهم؛ لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله، وجعلوه شريكًا له، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات، وهي الأصنام، فجعلوها شركاء لله سبحانه.
قال في "الإرشاد": ليسندن خلقها، وينسبنه إلى من هذا شأنه في الحقيقة، وفي نفس الأمر، لا أنهم يعبرون عنه بهذا العنوان، وقد جوز أن يكون ذلك عين عبارتهم. وفي "فتح الرحمن": ومقتضى جواب قريش أن يقولوا: خلقهن الله، فلما ذكر الله تعالى المعنى، جاءت العبارة عن الله بالعزيز العلم، ليكون ذلك توطئة لما عدده بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها، وقطعها عن الكلام الذي حكي معناه عن قريش، وهو قوله: الذي ... إلخ.
والمعنى (١): أي ولئن سألت أيها الرسول هؤلاء المشركين من قومك: من
стр. 11914
خلق السموات والأرض؟ لأجابوك بقولهم: خلقهن العزيز في سلطانه، وانتقامه، من أعدائه، العلم بهن، وما فيهن، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
والخلاصة: أنهم يعترفون بأنه لا خالق لهما سواه، وهم مع هذا، يعبدون معه تعالى غيره من الأصنام والأوثان.
١٠ - ثم وصف سبحانه نفسه، بما يدل على عظيم نعمته على عباده، وكمال قدرته في مخلوقاته، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وصير ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾؛ أي: فراشًا وبساطًا، وهذا كلام مستأنف غير متصل بما قبله، ولو كان متصلًا بما قبله من جملة مقول الكفار .. لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهادًا. وقرأ (١) الجمهور: ﴿مِهَدًا﴾. وقرأ الكوفيون ﴿مهدا﴾. والمهد والمهاد: المكان الممهد الموطأ، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾؛ أي: بسطها لكم تستقرون فيها، وفي "بحر العلوم" جعل الأرض مسكنًا لكم تقعدون عليها، وتنامون، وتتقلبون كما يتقلب أحدكم على فراشه ومهاده. وفي "الخازن": معناه: جعلها واقفة ساكنة يمكن الانتفاع بها, ولما كان المهد موضع راحة الصبي، شبهها به، وسمى الأرض مهادًا لكثرة ما فيها من الراحة للخلق، انتهى. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿سُبُلًا﴾؛ أي: طرقًا تسلكونها في أسفاركم، إلى حيث تريدون، لقضاء حوائج الدين والدنيا، وقيل: معايش تعيشون بها ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بها، وتصلون إلى مقاصدكم ومنافعكم، أو بالتفكر فيها إلى التوحيد الذي هو المقصد الأصلي.
والمعنى (٢): والعزيز العليم هو الإله الذي مهد لكم الأرض، وجعلها لكم وطاءًا تطؤونها بأقدامكم. وتمشون عليها بأرجلكم، وجعل لكم فيها طرقًا تنتقلون فيها من بلد إلى آخر، ومن إقليم إلى إقليم لمعاشكم ومتاجركم وابتغاء رزقكم.
والخلاصة: أن الخلق كلهم يتربون على الأرض، وهي موضع راحتهم كما يربي الصبي على مهده.
стр. 11915
١١ - ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: وهو الإله الذي نزل من السماء ماء ﴿بِقَدَرٍ﴾؛ أي: بمقدار ووزن ينفع العباد والبلاد ولا يضرهم؛ أي: ينزله بقدر الحاجة، وحسبما تقتضيه المصلحة، ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زروعكم، ويهدم منازلكم، ويهلككم بالغرق كما في الطوفان، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة، والتقتير أخرى.
وهذه (١) عادة الله سبحانه في عامة الأوقات، وقد ينزل بحسب الحكمة ما يحصل به السيول فيضرهم، وذلك في عشرين أو ثلاثين سنة مرة ابتلاء منه لعباده، وأخذًا لهم بما اقترفوا كما جرب ذلك ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ﴾؛ أي: فأحيينا بذلك الماء ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: أرضًا مقفرة من النبات والنماء، خالية منه بالكلية، والإنشار: إحياء الميت، شبه زوال النماء عنها بزوال الحياة عن البدن، وتذكير ميتا؛ لأن البلدة في معنى البلد، أو المكان، أو الفضاء. وقال سعدي المفتي: لا يبعد، والله تعالى أعلم أن يكون تأنيث البلدة، وتذكير الميت إشارة إلى بلوغ ضعف حاله الغاية. والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال العناية بأمر الإحياء والإشعار بعظم خطره كما سيأتي في مبحث البلاغة، وميتًا مخففًا من الميت مشددًا، قرأ الجمهور (٢): ميقال بالتخفيف. وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الإحياء الذي هو في الحقيقة إخراج النبات من الأرض ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم، وتبعثون أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، فتشبيه إحيائهم بإحياء البلدة الميت، كما يدل على قدرة الله تعالى وحكمته مطلقًا، فكذلك يدل على قدرته على القيامة والبعث. وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات، وتهوين لأمر البعث لتقويم سند الاستدلال، وتوضيح منهاج القياس.
стр. 11916
وقرأ الجمهور (١): ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مبنيًا للمفعول، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وعبد الله بن جبير المصبح وعيسى وابن عامر والأخوان حمزة والكسائي: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مبنيًا للفاعل.
والمعنى: أي (٢) وهو الإله الذي ينزل من السماء ماء بقدر الحاجة، فلا يجعله كثيرًا حتى لا يكون عذابًا، كالطوفان الذي أنزل على قوم نوح، ولا قليلًا لا يكفي النبات والزرع، لئلا تهلكوا جوعًا، فتحي به الأقاليم التي كانت خالية من النبات والشجر، وكما أحيينا الأرض بعد موتها بالماء نحييكم ونخرجكم من قبوركم أحياء
١٢ - ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾؛ أي: خلق أصناف المخلوقات بأسرها، كما قال: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يشذ شيء منها عن إيجاده واختراعه، وعن ابن عباس ﵄: الأزواج: الضروب والأنواع، كالحلو والحامض، والأبيض والأسو د. والذكر والأنثى، وقيل: كل ما سوى الله فهو زوج كفوق وتحت، ويمين وشمال، وقدام وخلف، وماض ومستقبل، وذات وصفات، وأرض وسماء، وبر وبحر، وشمس وقمر، وليل ونهار، وصيف وشتاء، وجنة ونار إلى غير ذلك مما لا يحصى، وكونها أزواجًا يدل على أنها ممكنة الوجود، وأن محدثها فرد منزه عن المقابل والمعارض ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾؛ أي: من السفن الجارية في البحر ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾؛ أي: من الإبل والدواب، أعني: الخيل والبغال والحمير ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾؛ أي: ما تركبونه في البحر والبر على تغليب إحدى اعتباري الفعل لقوته على الآخر، فإن ركب يعدى إلى الأنعام بنفسه، يقال: ركبت الدابة وإلى الفلك بواسطة حرف الجر، يقال: ركبت في الفلك، وتقديم البيان على المبين للمحافظة على الفاصلة النونية. وتقديم الفلك على الأنعام, لأن الفلك أدل دليل على القدرة الباهرة، والحكمة البالغة.
والمعنى: أي وهو الإله الذي خلق سائر الأصناف، مما تنبت الأرض من
стр. 11917
نبات، وأشجار، وثمار، وأزاهير، ومن الحيوان على اختلاف أجناسها وألوانها ولغاتها، وجعل لكم من السفن ما تركبونه في البحار، إلى حيث تقصدون لمعايشكم ومتاجركم، ومن الأنعام ما تركبونه في البر، كالإبل والخيل والبغال والحمير، ومما سَيَجِدُّ من وسائل المواصلات، وطرق النقلة برًا وبحرًا، كما جاء في سورة النحل، من قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ من الباخرة، والطائرة، والسيارة إلى غير ذلك.
١٣ - ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ أي: لتستعلوا على ظهور ما تركبونه من الفلك والأنعام، والظهور للأنعام حقيقة لا للفلك، فدل على تغليب الأنعام على الفلك، وإيراد لفظ ظهور بصيغة الجمع، مع أن ما أضيف إليه مفرد، نظرًا للمعنى؛ لأن مرجع الضمير جمع في المعنى، وإن كان مفردًا في اللفظ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلوبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ عليكم ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ﴾ وارتفعتم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ظهر ما تركبونه. والمراد: الذكر بالقلوب؛ لأنه هو الأصل، وله الاعتبار، فقد ورد "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، بل إلى قلوبكم ونياتكم"، وبه يظهر وجه إيثار تذكروا على تحمدوا.
والمعنى: ثم تذكروا نعمة ربكم بقلوبكم إذا استعليتم عليه، معترفين بها مستعظمين لها، ثم تحمدوا عليها بألسنتكم ﴿وَتَقُولُوا﴾ متعجبين من ذلك ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ وذلل ﴿لَنَا هَذَا﴾ المركوب، وقرأ علي بن أبي طالب ﴿سبحان من سخر لنا هذا﴾ ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ﴾؛ أي: لهذا المركوب ﴿مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين بتذليلها، وقرىء ﴿مقترنين﴾ اسم فاعل من اقترن، يعني: ليس عندنا من القوة والطاقة، أن نقرن هذه الدابة والفلك، وأن نضبطها، فسبحان من سخر لنا هذا بقدرته وحكمته، وهذا من (١) تمام ذكر نعمته تعالى، إذ بدون اعتراف المنعم عليه، بالعجز عن تحصيل النعمة، لا يعرف قدرها، ولا حق المنعم بها
١٤ - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾ ومالك أمرنا، لا إلى غيره ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: راجعون بالموت، فيجازي كل نفس بما عملت، فاستعدوا لهذا اليوم، ولا تغفلوا عن ذكره في حلكم وترحالكم
стр. 11918
يوم ظعنكم وإقامتكم، وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة، وفيه إقرار بالرجوع إلى الله بالبعث، لأن الراكب في مظنة الهلاك بالغرق إذا ركب الفلك، وبعثور الدابة، إذ ركوبها أمر فيه خطر، ولا تؤمن السلامة فيه.
وجاء في الحديث: أنه ﷺ كان إذا وضع رجله في الركاب قال: "بسم الله"، فهذا استوى على الدابة قال: "الحمد لله على كل حال، سبحان الذي سخر لنا هذا" إلى قوله: "لمنقلبون"، وكبر ثلاثًا، وهلل ثلاثًا.
وقالوا: إذا ركب في السفينة، أو الباخرة، أو الطائرة، أو السيارة قال ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. ويقال عند النزول منها: "اللهم أنزلنا منزلًا مباركًا، وأنت خير المنزلين"، كما يدل عليه قصة ركوب نوح ﵇ السفينة، ونزوله منها.
ومعنى الآية (١): أي لكي تستووا، على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، ثم تذكروا نعمة ربكم، الذي أنعم بها عليكم، فتعظموه وتمجدوه، وتقولوا تنزيهًا له عما يصفه المشركون: سبحان الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه، وما كنا لولا تسخيره وتذليله بمطيقين ذلك، فالأنعام مع قوتها ذللها للإنسان، ينتفع بها حيث شاء وكيفما أراد، ولولا ذلك ما استطاع الانتفاع بها، ولقد أشار إلى نحو من هذا العباس بن مرداس، فقال في وصف الجمل:
وَتَضْرِبُهُ الوَليْدة بالهَرَاوى ... فلا غيرٌ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيْرُ
واعلم: أنه سبحانه وتعالي، عين لنا ذكرًا خاصًا حين ركوب السفينة، وهو قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، وذكرًا آخر حين ركوب الأنعام، وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾، وذكرًا ثالثًا حين دخول المنازل، وهو قوله: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
стр. 11919
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر ركب راحلته، ثم كبر ثلاثًا، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال القرطبي: علمنا (١) ما نقول، إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح ﵇ ما نقول إذا ركبنا السفن، فكم من راكب دابة عثرت به، أو شمست، أو تقحمت (٢) أو طاح عن ظهرها، فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق.
فلما كان الركوب مباشرة أمر محظور، واتصالًا بسبب من أسباب التلف، أمر أن لا ينسى عند اتصاله به موته، وأنه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله ، غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه، حتى يكون مستعدًا للقاء الله والحذر من أن يكون ركوبه ذلك، من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه، انتهى.
١٥ - ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار، الذين تقدم ذكرهم، فقال: ﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: وجعل بعض مشركي العرب ﴿لَهُ﴾ ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ ومخلوقاته، والمراد بالعباد: الملائكة، وهو حال من ﴿جُزْءًا﴾؛ أي بنات وإناثًا، والجاعلون (٣) هم قبائل من العرب قالوا: إن الله صاهر الجن فولدت له الملائكة وقال بعضهم: الآية ردٌّ علي بني مليح حيث قالوا: الملائكة بنات الله ومليح بالحاء المهملة مصغرًا كزبير حي من خزاعة كما في "القاموس" والجعل هنا بمعنى الحكم بالشيء والاعتقاد به قال في "القاموس": الجزء البعض، وأجزأت الأم ولدت الإناث.
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾؛ أي: إناثًا انتهى. وإنما عبر عن الولد بالجزء لأنه بعض أبيه وجزء منه كما قال ﷺ : "إن فاطمة مني"؛ أي: قطعة منى وقال
стр. 11920
أيضًا: "فاطمة بضعة مني" والبضعة القطعة والجزء عند أهل العربية البنات، يقال: قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات ومنه قول الشاعر:
إذا اجزأت حرة يومًا فلا عجب ... قد تجزىء الحرة المذكار أحيانًا
وقد جعل صاحب "الكشاف" تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير وصرح بأنه مكذوب على العرب. ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد، وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وقيل: المراد بالجزء هنا: الملائكة، فإنهم جعلوهم أولاد الله ، قاله مجاهد والحسن.
ومعنى الآية (١): واعتقد المشركون، وحكموا، وأثبتوا له تعالى ولدًا حال كون ذلك الولد من الملائكة الذين هم عباده، فقالوا: الملائكة بنات الله بعد اعترافهم بألسنتهم، واعتقادهم أن خالق السموات والأرض هو الله، فكيف يكون له ولد، والولادة من صفات الأجسام، وهو خالق الأجسام كلها، ففيه تعجب من جهلهم، وتنبيه على قلة عقولهم حيث وصفوه بصفات المخلوقين، وإشارة إلى أن الولد لا يكون عبد أبيه، والملائكة عباد الله فكيف تكون البنات عبادًا، وقيل: الجزء هاهنا بمعنى النصيب، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ أي: نصيب.
ومعنى الآية: معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ وذلك أنهم جعلوا البنات لله والبنين لأنفسهم كما سيأتي.
والحاصل (٢): أن مقالتهم هذه، أعني قولهم: إن الملائكة بنات الله، تقتضي الكفر من وجهين:
стр. 11921
الأول: كون الخالق جسمًا محدثًا، لمشابهة الولد له، فلا يكون إلهًا ولا خالقًا.
والثاني: الاستخفاف به، إذ جعلوا له أضعف نوعي الإنسان وأخسهما.
ثم أكد كفرهم بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: إن الكافر، يعني: قائل ذلك ﴿لَكَفُورٌ﴾؛ أي: لجحود بنعم ربه التي أنعمها عليه ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر كفره لمن تأمل حاله وتدبر أمره؛ لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله، ولذلك يقولون ما يقولون سبحانه وتعالى عما يصفون.
١٦ - ثم زاد في الإنكار عليهم والتعجب من حالهم، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وأم (١) منقطعة، مقدرة ببل الإضرابية، وبالهمزة، على أنها للإنكار والتوبيخ، والتعجب من شأنهم، وتنكير بنات لتربية الحقارة، كما أن تعريف البنين في قوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ لتربية الفخامة، وقدم البنات لكون المنكر عليهم نسبتهن إلى الله تعالى، فكان ذكرهن أهم بالنظر إلى مقصود المقام، والالتفات إلى خطابهم لتأكيد الإلزام وتشديد التوبيخ، والإصفاء: الإيثار.
والمعنى (٢): بل أأتخذ من خلقه البنات، التي هي أخس الصنفين، واختار لكم البنين، الذين هم أفضلهما على معنى: هبوا أنكم اجترأتم على إضافة جنس الولد إليه ، مع ظهور استحالته وامتناعه، أما كان لكم شيء من العقل، ونبذة من الحياء، حتى اجترأتم على ادعاء أنه تعالى آثركم على نفسه، بخير الصنفين وأعلاهما، وترك لنفسه شرهما وأدناهما، فإن الإناث كانت أبغض الأولاد عندهم، ولذا وأدوهن، ولو اتخذ لنفسه البنات، وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل، وأفضل من حال الله، ويدفعه بديهة العقل، فما أنتم إلا حمقى جهلاء، ونحو الآية قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ جائرة.
стр. 11922
١٧ - ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم والإنكار عليهم، فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: أخبر أحد المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله، كبني مليح ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾؛ أي: بولادة ما جعله شبهًا للرحمن، والالتفات هنا إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم، أن يعرض عنهم ويحكي لغيرهم تعجبًا منها، وضرب هنا بمعنى جعل، المتعدي إلى مفعولين، حذف الأول منهما، لا بمعنى بين، ومثلًا بمعنى شبيه، لا بمعنى القصة العجبة، كما في قولهم: ضرب له المثل بكذا.
والمعنى: وإذا أخبر أحد المشركين بولادة ما جعله مثلًا للرحمن، وشبيهًا له تعالى، إذ الولد لا بد أن يجانس الوالد ويماثله ﴿ظَلَّ﴾ من الظلول بمعنى الصيرورة؛ أي: صار ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾؛ أي: شديد السواد من سوء ما بشر به، ولذا قيل: من رأى في المنام أن وجهه أسود، ولدت له بنت، ويحتمل أن يكون اسوداد الوجه عبارة عن الكراهة، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ أي: حزين؛ أي: والحال أنه مملوء من الكرب والكآبة، يقال: رجل كظيم ومكظوم؛ أي: مكروب كما في "القاموس".
وقرىء (١): ﴿مسود ومسواد﴾ بالرفع، واسم ظل حينئذٍ إما ضمير يعود على أحد، وجملة ﴿وجهه مسود﴾ من المبتدأ والخبر خبرها، وإما وجه فمسود، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو مسود، فتقع هذه الجملة موقع خبر ظل.
والمعنى (٢): أي وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين، بما جعله مشابهًا للرحمن، وهو الأنثى .. أنف من ذلك، واغتم، وعلته الكآبة من سوء ما بشر به، فصار وجهه متغيرًا، وأضحى ممتلئًا غيظًا، شديد الحزن، كثير الكرب، فكيف تأنفون أنتم من البنات، وتنسبونها إلى الله .
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)
стр. 11923
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ الآية ورُوي (١): أن بعض العرب وضعت امرأته أنثى، فهجر البيت الذي ولدت فيه، فقالت:
مَا لأَبِي حَمْزَةَ لَا يَأْتِيْنَا ... يَظَلُّ فِيْ الْبَيْتِ الَّذِيْ يَلِينَا
غَضْبَانَ أَنْ لَا نَلِدَ الْبَنِيْنَا ... لَيْسَ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا شِيْنَا
وَإِنَّمَا نَأُخُذُ مَا أُعْطِيْنَا
يقول الفقير: هذه (٢) صفة المشركين، فإنهم جاهلون بالله، غافلون عن خفي لطفه، تحت جلي قهره، وأما الموحدون فحالهم الاستبشار، بما ورد عن الله أيا كان، إذ لا يفرقون بين أحد من رسله، كما أن الكريم لا يغلق بابه على أحد من الضيفان، والفاني عما سوى الله تعالى ليس له مطلب، وإنما مطلبه ما أراد الله تعالى.
١٨ - ثم كرر الإنكار وأكده، فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري الاستقباحي داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مَن﴾ واقعة على الأنثى، والتنشئة: التربية، والحلية ما يتحلى به الإنسان ويتزين، والتقدير (٣): أيجترئون ويبلغون الغاية في إساءة الأدب ويجعلون لله تعالى الأنثى التي تنشأ وتربى وتكبر في الحلية والزينة لنقصها، إذ لو كملت في نفسها، لما تكملت بالزينة، وهي أيضًا ناقصة العقل، لا تقدر على إقامة الحجة عند الخصام كما قال ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: ذلك المنشأ في "الحلية" ذكر الضمير باعتبار لفظ من؛ أي: وهو مع ما ذكر من نقص ذاتها ﴿فِي الْخِصَامِ﴾؛ أي: مع من يخاصمه ويجادله؛ أي: في الجدال الذي لا يكاد يخلو الإنسان منه في العادة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾؛ أي: غير قادر على تقرير دعواه، وإقامة حجته، كما يقدر الرجل عليه، لنقصان عقله وضعف رأيه، وربما يتكلم عليه، وهو يريد أن يتكلم له، وهذا بحسب الغالب، وإلا فمن الإناث من هو أهل الفصاحة، والفاضلات على الرجال.
стр. 11924
قال الأحنف: سمعت كلام أبي بكر ﵁ حتى مضى، وكلام عمر ﵁ حتى مضى، وكلام عثمان ﵁ حتى مضى، وكلام علي ﵁ حتى مضى، لا والله، ما رأيت أبلغ من عائشة ﵂ وقال معاوية ﵁: ما رأيت أبلغ من عائشة، ما أغلقت بابًا، فأرادت فتحه، إلا فتحته، ولا فتحت بابًا، فأرادت إغلاقه إلا أغلقته، ويدل عليه قوله ﷺ في حقا: "إنها ابنة أبي بكر" إشعارا بحسن فهمها، وفصاحة منطقها.
والمعنى (١): أي أو قد جعلوا لله الأنثى التي تتربى في الزينة، وإذا خوصمت لا تقدر على إقامة حجة، ولا تقرير دعوى، لنقصان عقلها وضعف رأيها، وما كان ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك.
وفي قوله ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ إيمأ (٢) إلى ما فيهن من الدعة والراحة ورخاوة الخلق، بضعف المقاومة الجسمية واللسانية، كما أن فيه دلالة على أن النشوء في الزينة، ونعومة العيش من المعايب والمذام للرجال، وهو من محاسن ربات الحجال، فعليهم أن يجتنبوا ذلك، ويأنفوا منه، ويربؤوا بأنفسهم عنه، قال شاعرهم:
كُتِبَ القَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذَّيُوْلِ
ورُوي عن عمر ﵁ أنه قال: اخشوشنوا في الطعام، واخشوشنوا في اللباس، وتمعددوا؛ أي: تزيوا بزي معد في تقشفهم، وفي الآية، دلالة على أن التحلي بالذهب والحرير مباح للنساء، وأنه حرام على الرجال؛ لأنه تعالى جعل ذلك عنوانا على الضعف والنقصان، وإنما زينة الرجال الصبر على طاعة الله تعالى، والتزين بزينة التقوى.
وفيها إشارة (٣) إلى أن المرء المتزين كالمرأة، فالعاقل يكتفي بما يدفع الحر والبرد، ويجتهد في تزيين الباطن، فإنه المنظر الإلهي، ولو كانت للنساء عقول
стр. 11925
راجحة، لما ملن إلى التزين بالذهب والفضة والحلي والحلل.
وقرأ الجمهور (١): ﴿ينشأ﴾ مبنيا للفاعل؛ أي: بفتح الياء وإسكان النون. وقرأ الجحدري في رواية مبنيا للمفعول مخففا. وقرأ ابن عباس وزيد بن علي والحسن ومجاهد والجحدري في رواية والأخوان - حمزة والكسائي - وحفص والمفضل وأبان وابن مقسم وهارون، عن أبي عمرو وخلف: بضم الياء، وفتح النون، وتشديد الشين، مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن في رواية ﴿يناشؤ﴾ على وزن يفاعل، مبنيا للمفعول، والمناشاة بمعنى: الإنشاء. كالمعالاة بمعنى الإعلاء، واختار قراءة الجمهور أبو حاتم، واختار أبو عبيد قراءة ابن عباس، قال الهروي الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد
١٩ - ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: سموا الملائكة ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وحكموا لهم بذلك، وهذا بيان لتضمن كفرهم المذكور لكفر آخر، وتقريع لهم بذلك، وهو جعلهم أكمل العباد، وأكرمهم على الله، أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا، وفيه رد لقولهم: الملائكة بنات الله، وفي قولهم هذا كفر من ثلاثة أوجه:
١ - أنهم نسبوا إلى الله الولد.
٢ - أنهم أعطوه أخس النصيبين.
٣ - أنهم استخفوا بالملائكة بجعلهم إناثا، وقرأ الجمهور: ﴿إِنَاثًا﴾، وقرأ زيد بن علي ﴿أنثا﴾: جمع الجمع.
وقرأ عمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر وشيبة والأعرج والابنان - ابن كثير وابن عامر - ونافع: ﴿عند الرحمن﴾ بالنون ظرفا، وهو أدل على رفع المنزلة، وقرب المكانة، لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقرأ عبد الله وابن عباس وابن جبير وعلقمة وباقي السبعة: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ جمع عبد لقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، وقرأ الأعمش ﴿عباد الرحمن﴾ جمعًا، وبالنصب
стр. 11926
حكاها ابن خالويه، قال: وهي في مصحف ابن مسعود كذلك، والنصب على إضمار فعل، أي: الذين هم خلقوا عباد الرحمن، وأنشؤوا عباد الرحمن إناثًا، وقرأ أبي: ﴿عبد الرحمن﴾ مفردًا، ومعناه الجمع؛ لأنه اسم جنس.
وقد رد الله مقالهم، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ والهمزة للاستفهام الإنكاري، وهو من الشهود (١) بمعنى الحضور، لا من الشهادة؛ أي: أحضروا خلق الله تعالى إياهم، فشاهدوهم إناثًا حتى يحكموا بأنوثتهم، فإن ذلك إنما يعلم بالمشاهدة، وهو تجهيل لهم وتهكم بهم، فإنهم إنما سمعوه من آبائهم، وهم أيضًا كذابون جاهلون، وفيه تخطئة للمنجمين، وأهل الحكمة المموهة في كثير من الأمور، فإنهم بعقولهم القاصرة حكموا على الغيب.
قال العماد الكاتب: أجمع المنجمون في سنة اثنتين وثمانين، وخمس مئة في جميع البلاد، على خراب العالم في شعبان، عند اجتماع الكواكب الستة، في الميزان، بطوفان الريح، وخوفوا بذلك ملوك الأعاجم والروم، فشرعوا في حفر مغارات، ونقلوا إليها الأزواد، والماء، وتهيؤوا، فلما كانت الليلة التي عينها المنجمون، بمثل ريح عاد، ونحن جلوس عند السلطان، والشموع تتوقد فلا تتحرك، ولم نر ليلة في ركودها مثلها.
ونحو الآية قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ وفي هذا تجهيل لهم، ورمي لهم بالسفه والحمق، وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَشَهِدُوا﴾: بهمزة الاستفهام، داخلة على شهدوا، ماضيًا مبنيًا للفاعل؛ أي: أحضروا خلقهم، وليس ذلك من شهادة تحمل المعاني التي تطلب أن تؤدى، وقرأ نافع بهمزة استفهام، داخلة على أشهدوا رباعيًا، مبنيًا للمفعول ﴿أشهدوا﴾: بلا مد بين الهمزتين، ورُوي عنه بمدة بينهما، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد، وفي رواية أبي عمرو، ونافع بتسهيل الثانية بلا مد، وقرأ جماعة كذلك بمد بينهما، وعن علي والمفضل عن عاصم، تحقيقهما بلا مد، وقرأ الزهري وناس
стр. 11927
﴿اشهدوا﴾ بغير استفهام مبنيًا للمفعول رباعيًا، فقيل: المعنى على الاستفهام، حذفت الهمزة لدلالة المعنى عليها.
وقيل: سألهم الرسول ﷺ : "ما يدريكم أنهم إناث"، فقالوا: سمعنا ذلك من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة؛ أي: ستكتب شهادتهم هذه، التي شهدوا بها في الدنيا، أي: يكتب الملك ما شهدوا به على الملائكة، في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها يوم القيامة، ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن يجدوا لذلك سبيلًا.
وقال سعدي المفتي (١): السين في ﴿سَتُكْتَبُ﴾ للتأكيد، ويحتمل أن تكون للاستعطاف إلى التوبة، قبل كتابة ما قالوه، وفي الحديث: "كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح الله أو يستغفره". وفي هذا دليل على أن القول بغير برهان منكر، وأن التقليد لا يغني من الحق شيئًا، ثم في الآية إشارة إلى أن الله تعالى أمهل عباده، ولم يأخذهم بغتة في الدنيا، ليرى العباد أن العفو والإحسان، أحب إليه من الأخذ والانتقام، وليتوبوا من الكفر والمعاصي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَتُكْتَبُ﴾ بالتاء من فوق، مبنيًا للمفعول، ﴿شَهَادَتُهُمْ﴾ بالرفع مفردًا، وقرأ الزبيري كذلك، إلا أنه بالياء، وقرأ الحسن كذلك إلا أنه بالتاء، وجمع شهادتهم، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجحدري والأعرج ﴿سنكتب﴾ بالنون مبنيًا للفاعل. ﴿شهادتهم﴾: على الإفراد، وقرأت فرقة ﴿سيكتب﴾ بالياء مبنيًا للفاعل؛ أي: الله ﴿شهادتهم﴾ بالنصب.
٢٠ - ثم حكى الله عنهم، فنًّا آخر من فنون كفرهم بالله، جاؤوا به
стр. 11928
للاستهزاء والسخرية، فقال: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال (١) المشركون العابدون للملائكة: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾ عدم عبادتنا للملائكة مشيئة ارتضاء ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾؛ أي: ما عبدنا الملائكة، أرادوا بذلك أن ما فعلوه حق مرضي عنده تعالى، وأنهم إنما يفعلونه بمشيئة الله تعالى، لا الاعتذار من ارتكاب ما ارتكبوه، بأنه بمشيئة الله إياه منهم، مع اعترافهم بقبحه، ومبنى كلامهم الباطل على مقدمتين:
إحداهما: أن عبادتهم لهم بمشيئة الله تعالى.
والثانية: أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى، ولقد أخطؤوا في الثانية. حيث جهلوا أن المشيئة عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على بعض كائنًا ما كان، من غير اعتبار الرضى والسخط في شيء من الطرفين.
والمعنى (٢): أي وقال عباد الملائكة: لو أراد الله تعالى عدم عبادتنا للملائكة ما عبدناهم، فإنه قادر على أن يحول بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صورة الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك، وهو قد أقرنا عليه، فنحن لا نؤاخذ بذلك، إذ هو وفق مشيئته تعالى، ويريدون بذلك القول أن الله راض بعبادتهم للأصنام، وهو احتجاج بالقدر، وكلمة حق يراد بها باطل، لأن المشيئة لا تستلزم الأمر إذ هي بترجيح بعض الممكنات على بعض بحسب ... ؟ والله يأمر بالخير والإيمان ونحن لا نعلم مشيئته أو إرادته إلا بعد وقوع الفعل منا، وقد جمعوا في هذا القول أفانين من الكفر وضروبًا من الترهات والأباطيل ذكره ابن كثير ومنها:
١ - أنهم جعلوا لله ولدًا، تقدس عن ذلك.
٢ - دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، إذ جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.
٣ - عبادتهم لهم بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله ، بل بالرأي
стр. 11929
والهوى وتقليد الأسلاف وتخبط الجاهلية.
٤ - احتجاجهم بتقدير الله ذلك، وقد جهلوا في هذا جهلًا كبيرًا، فإنه تعالى أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، فإنه منذ أن بعث الرسل وأنزل الكتب، يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾. وقال : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. ونحو الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
ثم رد الله سبحانه عليهم مقالهم، وبين جهلهم بقوله: ﴿مَا لَهُم﴾؛ أي: ما لهؤلاء المشركين ﴿بِذَلِكَ﴾؛ أي (١): بصحة ما قالوا، واحتجوا به من كون ما فعلوه بمشيئة الارتضاء، لا بمطلق المشيئة، فإن ذلك أمر محقق، ينطق به ما لا يحصى من الآيات الكريمة ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ ويقين يستند إلى دليل وبرهان ما ﴿إِنْ هُمْ﴾؛ أي: ما هم ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذبون، فإن الخرص: الكذب، وكل قول بالظن والتخمين سواء طابق الواقع أو لا؛ أي: ما هم إلا كاذبون فيما قالوا، متمحلون تمحلًا باطلًا، متقولون على الله ما لم يقله، فإن الله يأمر بالحق والإيمان والخير، ولا يرضى لعباده الكفر والفحشاء، والآية دليل على جهلهم الفاضح وكذبهم وافترائهم الباطل، وقاله هنا بلفظ ﴿يَخْرُصُونَ﴾، وفي الجاثية بلفظ ﴿يَظُنُونَ﴾؛ لأن ما هنا متصل بقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية؛ أي: قالوا: الملائكة بنات الله، وأن الله سبحانه قد شاء منا عبادتنا إياهم، وهذا كذب، فناسبه ﴿يَخْرُصُونَ﴾، وما هناك متصل بخلطهم الصدق بالكذب، فإن قولهم: نموت ونحيا صدق، وكذبوا في إنكارهم البعث، وقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر، فناسبه ﴿يَظُنُونَ﴾؛ أي: يشكون فيما يقولون، اهـ "كرخي".
стр. 11930
يقول الفقير: إسناد المشيئة إلى الله إيمان وتوحيد، إن صدر من المؤمن، وإلا فكفر وشرك؛ لأنه من العناد والعصبية والجهل بحقيقة الأمر فلا يعتبر.
٢١ - وبعد أن بين بطلان قولهم بالعقل، أتبعه ببطلانه بالنقل، فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ أم منقطعة، تقدر ببل الإضرابية وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أأعطيناهم ﴿كِتَابًا﴾ ينطق بصحة ما يدعونه من عبادة غير الله، وكون الملائكة بناته ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن، أو من قبل الرسول ﷺ أو من قبل ادعائهم هذه الدعوى ﴿فَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الكتاب المعطى لهم ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾؛ أي: متمسكون آخذون عاملون به، وعليه معولون.
والمعنى (١): أي بل أأعطيناهم كتابًا من قبل هذا القرآن ينطق بصحة ما يدّعون مكتوبًا فيه اعبدوا غير الله فهم بذلك الكتاب متمسكون وعليه معولون؛ أي: وليس الأمر كذلك.
٢٢ - والخلاصة: أنه لا كتاب لهم، ولما بين أنهم لا حجة لهم على ذلك من عقل ولا نقل .. ذكر أن الحامل لهم على ما جنحوا إليه إنما هو التقليد، فقال: ﴿بَلْ قَالُوا﴾؛ أي: بل لا حجة لهم يتمسكون بها، لا من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع إلا قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ وأسلافنا ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على دين وطريقة ساروا عليها في عبادتهم الأصنام فقلدناهم ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ ورأيهم؛ أي: على دينهم وطريقتهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾؛ أي: سائرون سالكون، و ﴿مهتدون﴾ خبر ﴿إنا﴾ والظرف صلة له، قدم عليه للاختصاص واستعمل بعلى لتضمنه معنى الثبوت؛ أي: ثابتون مستمرون على طريقتهم، وهذا اعتراف صريح منهم بأنه ليس لهم مستند ولا حجة.
والمعنى: أي ليس لهم مستند على ما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، وقد قالوا: إنهم أرجج منا أحلامًا وأصح أفهامًا ونحن سائرون على طريقتهم وسالكون نهجهم ولم نأت بشيء من عند أنفسنا ولم نغلط في الاتباع
стр. 11931
واقتفاء الآثار، كما قال قيس بن الخطيم:
كُنَّا عَلَى أُمَّةِ ابائِنَا ... وَيَقْتَدِيْ بِالأوّلِ الآخِرُ
والخلاصة: أنهم اعترفوا بأن لا مستند لهم من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث النقل، وإنما يستندون إلى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أمة﴾ بضم الهمزة أي على دين. وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والجحدري بكسر الهمزة وهي الطريقة الحسنة، لغة في الأمة بالضم، قاله الجوهري. وقرأ ابن عباس ﴿أمة﴾ بفتح الهمزة؛ أي: على قصد وحال، والخلاف في الحرف الثاني كهو في الأول.
٢٣ - ثم بين سبحانه، أن مقال هؤلاء قد سبقهم إلى مثله أشباههم، ونظراؤهم من الأمم السالفة، المكذبة للرسل، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي (٢): والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة، وتشبثهم بذيل التقليد، فهو خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرنا، وما بعده مستأنف ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ من القرى ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ أي: من نبي منذر قومه من عذاب الله ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾؛ أي: متنعموها وأغنياؤها وجبابرتها ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ وأسلافنا ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على طريقة ودين ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ وطريقتهم ﴿مُقْتَدُونَ﴾؛ أي: متبعون وقوله: ﴿مَا أَرْسَلْنَا﴾ كلام مستأنف قال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم أيضًا سند غيره، وخص (٣) المترفين بتلك المقالة، للإيذان بأن التنعيم وحب الطالة، هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد، يقال: أترفته النعمة أطغته، والمراد بالمترفين: الأغنياء والرؤساء، الذين أبطرتهم النعمة وسعة العيش في الدنيا، وأشغلتهم عن نعيم الآخرة، ويدخل فيهم كل من يتمادى في الشهوات، ويتبالغ في النفرة من لوازم الدين، من الشرائع والأحكام، ويحتمل كون كذلك صفةً لمصدر محذوف مع فعله، والمعنى عليه؛ أي (٤): ومثل هذا
стр. 11932
المقال الشنيع، المتناهي في الشناعة، قالت الأمم السالفة لأخوانك الأنبياء، فلم نرسل قبلك في قرية رسولًا، إلا قال رؤساؤها وكبراؤها لرسولهم المرسل، للإنذار من عذاب الله، إنا وجدنا آباءنا على ملة ودين، وإنا على منهاجهم سائرون، نفعل مثل ما فعلوا، ونعبد ما كانوا يعبدون، فقومك أيها الرسول، ليسوا ببدع في الأمم، فهم قد سلكوا نهج من قبلهم، من أهل الشرك، في جواباتهم، بما أجابوك به، واحتجاجهم بما احتجوا به، لمقامهم على دينهم الباطل.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ وإنما قال أولًا: ﴿مُهْتَدُونَ﴾. وثانيًا: ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾؛ لأن الأول وقع في محاجتهم النبي ﷺ ، وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه ذكر ﴿مُهْتَدُونَ﴾ والثاني، وقع حكاية عن قوم، ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه ذكر ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾، وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ ، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك، ضلال قديم.
٢٤ - ثم ذكر تعالى جواب الرسل لأقوامهم عن التقليد، فقال: ﴿قَالَ﴾ كل نذير من أولئك المنذرين لأممهم، عند تعللهم بتقليد آبائهم ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف. والواو: عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم ﴿بِأَهْدَى﴾؛ أي: بدين أهدى وأرشد ﴿مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإنما عبر عنها بذلك، مجاراة معهم على مسلك الإنصاف؛ أي: قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم، وتسيرون على طريقتهم، ولو جئتكم من عند ربكم بدين أهدى إلى طريق الحق، وأدل على سبيل الرشاد، مما وجدتم عليه آباءكم من الدين والملة.
وتلخيص ذلك: أتتبعون آباءكم وتقلدونهم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، وقرأ ابن عامر وحفص: ﴿قال أولو جئتكم﴾ بصيغة الماضي، وقرأ الجمهور ﴿قل﴾ بصيغة الأمر؛ أي: قل يا محمد لقومك: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين، الذي وجدتم عليه آباءكم. وهذا تجهيل لهم، حيث
стр. 11933
يقلدون ولا ينظرون في الدلائل، وقرأ الجمهور (١): ﴿جِئْتُكُمْ﴾: بتاء المتكلم، وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن مقسم والزعفراني وأبو شيخ الهتائي وخالد ﴿جئناكم﴾: بنون المتكلمين، وقيل: إن كلا القراءتين حكاية لما جرى بين الأنبياء وقومهم، كأنه قال لكل نبي قل بدليل قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾؛ أي: قال كل أمة لنذيرها، مجيبين إجابة تيئيس من اتباعهم له على كل حال، ﴿إنا بما أرسلتم به كافرون﴾، وإن كان أهدى مما كنا فيه؛ أي: ثابتون على دين آبائنا، لا ننفك عنه، ولو جئتنا بما هو أهدى منه، فكأنهم يقولون: إنهم لو علموا صحة ما جئتهم به، ما انقادوا لك لسوء قصدهم، ومكابرتهم للحق وأهله، وحينئذ لم يبق لهم عذر،
٢٥ - ومن ثم قال: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء المكذبين لرسلهم الجاحدين بربهم بالاستئصال، وذلك الانتقام مثل ما أوقعه بقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأمم المكذبة لرسلها، أو بالقحط والقتل والسبي، كما في هذه الأمة ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها الرسول ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ من الأمم المذكورة؛ أي: كيف كان عاقبة أمرهم ومآله، حين كذبوا بآياتنا، ألم نهلكهم ونجعلهم عبرة لغيرهم، فأنت لا تكترث بتكذيب قومك، فإن الله ينتقم منهم باسم المنتقم، القاهر القابض، كما انتقم من أولئك الأمم المكذبة لرسلها.
وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ ، وإرشاد له إلى عدم الاكتراث بتكذيب قومه له، ووعيد وتهديد لهم.
وحاصل معنى الآية (٢): أي قالوا: لا نعمل برسالتك، ولا سمع لك، ولا طاعة، وإنا كافرون جاحدون بما أرسلتم به، ومستمرون ثابتون على دين الآباء والأسلاف، والمراد: أنهم لو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به أيها الرسول، لما انقادوا لذلك، لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله، وقوله: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ يعني: بكل ما أرسل به الرسل، فالخطاب للنبي ﷺ ، ولفظه لفظ الجمع؛ لأن
стр. 11934
تكذيبه تكذيب لمن سواه، وما بعد الإصرار على الكفر، إلا النقمة والإهلاك، فقال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ إلخ؛ أي: فانتقمنا من الأمم المكذبة للرسل، بأنواع من العذاب كعذاب قوم نوح وعاد وثمود، فانظر أيها المخاطب كيف كان مصير أمر المكذبين من تلك الأمم، كيف بادوا وهلكوا، وإن آثارهم موجودة عبرة للناظر المعتبر، وهذا وعيد وتهديد لأهل مكة، وسلوة للرسول ﷺ ، وإرشاد له، إلى عدم الاكتراث بشأن قومه من رسالته.
الإعراب
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾.
﴿حم (١)﴾: تقدم القول فيه معنى وإعرابًا، فلا عود ولا إعادة، ﴿وَالْكِتَابِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم، ﴿الكتاب﴾: مقسم به، مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم، محذوف وجوبًا، وجملة القسم مسأنفة، أو معطوفة على القسم قبله، إن قلنا إن ﴿حم﴾ قسم أيضًا، ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة لـ ﴿الكتاب﴾، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿قُرْآنًا﴾: مفعول ثان، ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة ﴿قُرْآنًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾ حرف نصب وتعليل، مستعارة لكي التعليلية، والكاف: اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾: جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب، أو مجرورة بلام التعليل، المقدرة المتعلقة بـ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنّه﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: متعلق بمحذوف خبر ﴿إنّ﴾؛ أي: مثبت ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾، ﴿لَدَيْنَا﴾ ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أو بدل من الجار والمجرور قبله؛ أي: محفوظ الدينا، ﴿لَعَلِيٌّ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿عليّ﴾: خبر ثان لـ ﴿إنّ﴾، ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثالث لها، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى، على كونها جوابًا
стр. 11935
ثانيًا للقسم، واعترض بعضهم على هذا الإعراب؛ لأن فيه تقديم الخبر غير المقرون باللام على المقرون بها، وقال أبو البقاء: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ يتعلق بـ ﴿عليّ﴾، واللام: لا تمنع من ذلك، و ﴿لَدَيْنَا﴾ بدل من الجار والمجرور، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الكتاب﴾، ﴿أو من أم﴾، ولا يجوز أن يكون واحد من الظرفين خبرًا لـ ﴿إن﴾ الخبر قد لزم أن يكون ﴿علي﴾: من أجل اللام، ولكن يجوز أن يكون كل واحد منهما صفة للخبر، فصارت حالًا يتقدمها، انتهى. ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿نضرب﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عَنْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿نضرب﴾، ﴿الذِّكْرَ﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿صَفْحًا﴾ مفعول مطلق معنوي لنضرب، أو حال من فاعل نضرب؛ أي: صافحين، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه في محل النصب بأن المصدرية، ﴿قَوْمًا﴾ خبرها، ﴿مُسْرِفِينَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر، مجررو بلام التعليل المقدرة، والتقدير: أفنضرب عنكم الذكر لأجل كونكم قومًا مسرفين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نضرب﴾، وقرىء بكسر الهمزة، فهي حينئذ شرطية، جوابها محذوف، تقديره: إن كنتم قومًا مسرفين، نضرب عنكم الذكر، وجملة الشرط مستأنفة.
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.
﴿وَكَمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كم﴾: خبرية، بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ وجوبًا، مبني على السكون لشبهها بالحرف شبهًا معنويًا، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾: تمييز لـ ﴿كم﴾ الخبرية، ﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَأْتِيهِمْ﴾: فعل مضارع، ومفعول به، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَبِيٍّ﴾: فاعل
стр. 11936
﴿يَأْتِيهِمْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، من أعم الأحوال، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب على الحال، من أعم الأحوال؛ أي: وما يأتيهم من نبي في حال من الأحوال، إلا حال كونهم مستهزئين به. ﴿فَأَهْلَكْنَا﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿أهلكنا﴾ فعل وفاعل، ﴿أَشَدَّ﴾: مفعول به، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدَّ﴾، ﴿بَطْشًا﴾ تمييز منصوب باسم التفضيل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: وما يأتيهم من نبي، مفرعة على استهزائهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مضى مثلُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أهلكنا﴾. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: خبره، والجملة الاستفهامية في محل النصب، مفعول ثاني لـ ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ المعاقة عن العمل بالاستفهام. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم، مؤكدة الأولى؛ لأنه المتقدم كما هي القاعدة، ﴿يقولن﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد، ولو كان مجزومًا في جواب الشرط لكان الحذف للجازم، ولكنه لا يجوز للقاعدة، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ يقولوا: خلقهن العزيز العلم، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه، ﴿خَلَقَهُنَّ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْعَزِيزُ﴾: فاعل، ﴿الْعَلِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾، وكرر الفعل للتأكيد، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول ليقولن، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع،
стр. 11937
صفة ثانية لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾، أو بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى خلق، وإن كان بمعنى صير فيكون متعلقًا، بمحذوف حال من مهدًا، ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به أول و ﴿مَهْدًا﴾ مفعول ثان، أو حال، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، أو في موضع المفعول الثاني، ﴿فِيهَا﴾ حال من ﴿سُبُلًا﴾، و ﴿سُبُلًا﴾ مفعول به، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾.
﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على الموصول الأول، وجملة ﴿نَزَّلَ﴾: صلته، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿مَا﴾: مفعول به، ﴿بِقَدَرٍ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾ أيضًا، أو صفة لـ ﴿مَا﴾، ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أنشرنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَزَّلَ﴾، وفيه التفات، وسيأتي سره في مبحث البلاغة. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أنشرنا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ مفعول به، ﴿مَيْتًا﴾: صفة ﴿بَلْدَةً﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل؛ أي: تخرجون من قبوركم بالبعث، إخراجًا. مثل إخراج النبات من الأرض، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف أيضًا على الموصول الأول. ﴿خَلَقَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: مفعول به، ﴿كُلَّهَا﴾: توكيد لـ ﴿الأزواج﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، داخل في حيز الصلة، ﴿لَكُمْ﴾: في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾، ﴿مِنَ الْفُلْكِ﴾ حال من ﴿مَا﴾ الموصولة المذكورة بعده، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ معطوف على ﴿الْفُلْكِ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، وجملة ﴿تَرْكَبُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما تركبونه.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.
стр. 11938
﴿لِتَسْتَوُوا﴾: اللام: لام كي، ﴿تستووا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة جوازًا، في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لاستوائكم على ظهوره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جعل﴾. ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ متعلقان به ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿تَذْكُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تستووا﴾، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: مفعول به، ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿تَذْكُرُوا﴾، ﴿اسْتَوَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إذَا﴾؛ أي: وقت استوائكم عليه. ﴿وَتَقُولُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَذْكُرُوا﴾، ﴿سُبْحَانَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا؛ أي: نسبح الذي سخر لنا هذا سبحانًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول تقولوا، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿سُبْحَانَ﴾، ﴿سَخَّرَ﴾: فعل وفاعل مستتر صلة الموصول، ﴿لَنَا﴾: متعلق به، ﴿هَذَا﴾: مفعول به، لـ ﴿سَخَّرَ﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو حالية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُقْرِنِينَ﴾، ﴿مُقْرِنِينَ﴾: خبر ﴿كُنَّا﴾، وجملة ﴿كُنَّا﴾ في محل النصب، حال من ضمير لنا، ﴿وَإِنَّا﴾: الواو، حالية أيضًا، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿إِلَى رَبِّنَا﴾: متعلق بـ ﴿منقلبون﴾، ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿منقلبون﴾ خبر ﴿إنَّ﴾ مرفوع الواو، والجملة الاسمية في محل النصب، حال ثانية من ضمير لنا.
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.
﴿وَجَعَلُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿جعلوا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُ﴾ في محل المفعول الثاني. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من ﴿جُزْءًا﴾، و ﴿جُزْءًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكَفُورٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿كفور﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿كفور﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة، لتعليل ما قبلها، ﴿أَمِ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية،
стр. 11939
وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿اتَّخَذَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور، في موضع المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، وجملة ﴿يَخْلُقُ﴾. صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿بَنَاتٍ﴾ مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، وجملة ﴿اتَّخَذَ﴾ مستأنفة، ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿اتَّخَذَ﴾، ﴿بِالْبَنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أصفاكم﴾، ﴿وَإِذَا بُشِّر﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿بُشِّرَ﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: فعل ماض بمعنى ﴿جعل﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾، ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿مَثَلًا﴾، والمفعول الأول محذوف، تقديره: بما ضربه. ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثاني لـ ﴿ضَرَبَ﴾، وجملة ﴿ضَرَبَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير المفعول المحذوف، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبره، والجملة جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير وجهه؛ لأن المضاف كان جزءا للمضاف إليه
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو: عاطفة لفعل محذوف على ذلك المحذوف، والتقدير: أيجترؤون على الله، ويبالغون في إساءة الأدب، ويجعلون لله من ينشَّأ في الحلية، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿يجعلون﴾: فعل وفاعل، ﴿لله﴾: في محل المفعول الثاني، ﴿من﴾: اسم موصول، في محل النصب مفعول أول، لـ ﴿يجعلون﴾ المقدر، ﴿يُنَشَّأُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ الموصولة، ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَشَّأُ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية. هو: مبتدأ، ﴿فِي الْخِصَامِ﴾: متعلق بـ ﴿مُبِينٍ﴾ المذكور بعده، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ خبر المبتدأ، والجملة
стр. 11940
الاسمية في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿يُنَشَّأُ﴾، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾، ﴿هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول، ﴿إِنَاثًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعلوا﴾، ﴿أَشَهِدُوا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿شهدوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿خَلْقَهُمْ﴾: مفعول ﴿شهدوا﴾ ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة مستأنفة أيضًا، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿سَتُكْتَبُ﴾، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ويسألون شهادتهم في الآخرة.
﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان نوع آخر من أنواع كفرهم، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾: فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: عدم عبادتنا الملائكة، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿عَبَدْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿بِذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾ المذكور بعده ﴿من﴾: زائدة، ﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، ولك أن تجعل ﴿مَا﴾ حجازية، على رأي من يجيز تقديم خبرها على اسمها، والجملة مستأنفة، ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، وجملة ﴿يَخْرُصُونَ﴾: خبر المبتدأ؛ أي: ما هم إلا خارصون كاذبون، والجملة مستأنفة، ﴿أَمْ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿كِتَابًا﴾: مفعول ثان، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿آتينا﴾، أو صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾، ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿هُمْ﴾: