← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11936–11975 · переход к 11941.

стр. 11936

﴿يَأْتِيهِمْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، من أعم الأحوال، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب على الحال، من أعم الأحوال؛ أي: وما يأتيهم من نبي في حال من الأحوال، إلا حال كونهم مستهزئين به. ﴿فَأَهْلَكْنَا﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿أهلكنا﴾ فعل وفاعل، ﴿أَشَدَّ﴾: مفعول به، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدَّ﴾، ﴿بَطْشًا﴾ تمييز منصوب باسم التفضيل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: وما يأتيهم من نبي، مفرعة على استهزائهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مضى مثلُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أهلكنا﴾. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: خبره، والجملة الاستفهامية في محل النصب، مفعول ثاني لـ ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ المعاقة عن العمل بالاستفهام. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم، مؤكدة الأولى؛ لأنه المتقدم كما هي القاعدة، ﴿يقولن﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد، ولو كان مجزومًا في جواب الشرط لكان الحذف للجازم، ولكنه لا يجوز للقاعدة، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ يقولوا: خلقهن العزيز العلم، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه، ﴿خَلَقَهُنَّ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْعَزِيزُ﴾: فاعل، ﴿الْعَلِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾، وكرر الفعل للتأكيد، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول ليقولن، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع،

стр. 11937

صفة ثانية لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾، أو بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى خلق، وإن كان بمعنى صير فيكون متعلقًا، بمحذوف حال من مهدًا، ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به أول و ﴿مَهْدًا﴾ مفعول ثان، أو حال، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، أو في موضع المفعول الثاني، ﴿فِيهَا﴾ حال من ﴿سُبُلًا﴾، و ﴿سُبُلًا﴾ مفعول به، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على الموصول الأول، وجملة ﴿نَزَّلَ﴾: صلته، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿مَا﴾: مفعول به، ﴿بِقَدَرٍ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾ أيضًا، أو صفة لـ ﴿مَا﴾، ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أنشرنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَزَّلَ﴾، وفيه التفات، وسيأتي سره في مبحث البلاغة. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أنشرنا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ مفعول به، ﴿مَيْتًا﴾: صفة ﴿بَلْدَةً﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل؛ أي: تخرجون من قبوركم بالبعث، إخراجًا. مثل إخراج النبات من الأرض، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف أيضًا على الموصول الأول. ﴿خَلَقَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: مفعول به، ﴿كُلَّهَا﴾: توكيد لـ ﴿الأزواج﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، داخل في حيز الصلة، ﴿لَكُمْ﴾: في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾، ﴿مِنَ الْفُلْكِ﴾ حال من ﴿مَا﴾ الموصولة المذكورة بعده، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ معطوف على ﴿الْفُلْكِ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، وجملة ﴿تَرْكَبُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما تركبونه. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.

стр. 11938

﴿لِتَسْتَوُوا﴾: اللام: لام كي، ﴿تستووا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة جوازًا، في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لاستوائكم على ظهوره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جعل﴾. ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ متعلقان به ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿تَذْكُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تستووا﴾، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: مفعول به، ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿تَذْكُرُوا﴾، ﴿اسْتَوَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إذَا﴾؛ أي: وقت استوائكم عليه. ﴿وَتَقُولُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَذْكُرُوا﴾، ﴿سُبْحَانَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا؛ أي: نسبح الذي سخر لنا هذا سبحانًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول تقولوا، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿سُبْحَانَ﴾، ﴿سَخَّرَ﴾: فعل وفاعل مستتر صلة الموصول، ﴿لَنَا﴾: متعلق به، ﴿هَذَا﴾: مفعول به، لـ ﴿سَخَّرَ﴾، ﴿وَمَا﴾: الواو حالية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُقْرِنِينَ﴾، ﴿مُقْرِنِينَ﴾: خبر ﴿كُنَّا﴾، وجملة ﴿كُنَّا﴾ في محل النصب، حال من ضمير لنا، ﴿وَإِنَّا﴾: الواو، حالية أيضًا، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿إِلَى رَبِّنَا﴾: متعلق بـ ﴿منقلبون﴾، ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿منقلبون﴾ خبر ﴿إنَّ﴾ مرفوع الواو، والجملة الاسمية في محل النصب، حال ثانية من ضمير لنا. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾. ﴿وَجَعَلُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿جعلوا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُ﴾ في محل المفعول الثاني. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من ﴿جُزْءًا﴾، و ﴿جُزْءًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكَفُورٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿كفور﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿كفور﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة، لتعليل ما قبلها، ﴿أَمِ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية،

стр. 11939

وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿اتَّخَذَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور، في موضع المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، وجملة ﴿يَخْلُقُ﴾. صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿بَنَاتٍ﴾ مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، وجملة ﴿اتَّخَذَ﴾ مستأنفة، ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿اتَّخَذَ﴾، ﴿بِالْبَنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أصفاكم﴾، ﴿وَإِذَا بُشِّر﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿بُشِّرَ﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: فعل ماض بمعنى ﴿جعل﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾، ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿مَثَلًا﴾، والمفعول الأول محذوف، تقديره: بما ضربه. ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثاني لـ ﴿ضَرَبَ﴾، وجملة ﴿ضَرَبَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير المفعول المحذوف، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُسْوَدًّا﴾ خبره، والجملة جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير وجهه؛ لأن المضاف كان جزءا للمضاف إليه ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو: عاطفة لفعل محذوف على ذلك المحذوف، والتقدير: أيجترؤون على الله، ويبالغون في إساءة الأدب، ويجعلون لله من ينشَّأ في الحلية، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿يجعلون﴾: فعل وفاعل، ﴿لله﴾: في محل المفعول الثاني، ﴿من﴾: اسم موصول، في محل النصب مفعول أول، لـ ﴿يجعلون﴾ المقدر، ﴿يُنَشَّأُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ الموصولة، ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَشَّأُ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية. هو: مبتدأ، ﴿فِي الْخِصَامِ﴾: متعلق بـ ﴿مُبِينٍ﴾ المذكور بعده، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ خبر المبتدأ، والجملة

стр. 11940

الاسمية في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿يُنَشَّأُ﴾، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾، ﴿هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول، ﴿إِنَاثًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعلوا﴾، ﴿أَشَهِدُوا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿شهدوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿خَلْقَهُمْ﴾: مفعول ﴿شهدوا﴾ ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة مستأنفة أيضًا، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿سَتُكْتَبُ﴾، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ويسألون شهادتهم في الآخرة. ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان نوع آخر من أنواع كفرهم، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾: فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: عدم عبادتنا الملائكة، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿عَبَدْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿بِذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾ المذكور بعده ﴿من﴾: زائدة، ﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، ولك أن تجعل ﴿مَا﴾ حجازية، على رأي من يجيز تقديم خبرها على اسمها، والجملة مستأنفة، ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، وجملة ﴿يَخْرُصُونَ﴾: خبر المبتدأ؛ أي: ما هم إلا خارصون كاذبون، والجملة مستأنفة، ﴿أَمْ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿كِتَابًا﴾: مفعول ثان، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿آتينا﴾، أو صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾، ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿هُمْ﴾:

стр. 11941

مبتدأ، ﴿بِهِ﴾: متعلق بما بعده، ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾ خبر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ مفرعة عليها، ﴿بَل﴾: حرف إضراب وابتداء، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿وَجَدْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿آبَاءَنَا﴾: مفعول أول لـ ﴿وَجَدْنَا﴾، ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ في موضع المفعول الثاني، وجملة ﴿وَجَدْنَا﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنّا﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿مُهْتَدُونَ﴾، و ﴿مُهْتَدُونَ﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كذلك﴾: جار ومجرور، خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: والأمر كائن كذلك، والجملة مستأنفة مستقلة جيء بها للتخلص، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان أن التقليد بهم ضلال قديم، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ أيضًا، أو حال من ﴿نَذِيرٍ﴾، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿نَذِيرٍ﴾: مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال، ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب على الحال؛ أي: وما أرسلنا من نذير في قرية، في حال من الأحوال، إلا حال كون مترفيها قائلين: إنا وجدنا آباءنا إلخ. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ في محل المفعول الثاني لـ ﴿وَجَدْنَا﴾، وجملة ﴿وَجَدْنَا﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿مُقْتَدُونَ﴾، و ﴿مُقْتَدُونَ﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى. ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾.

стр. 11942

﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر، يعود على إلى ﴿نَذِيرٍ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم، إلخ، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم ﴿جِئْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿بِأَهْدَى﴾ متعلق بـ ﴿جِئْتُكُمْ﴾، وجواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره: تقتدون بآبائكم، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مِمَّا﴾ متعلق بـ ﴿أهدى﴾. ﴿وَجَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾: في موضع المفعول الثاني لـ ﴿وَجَدْتُمْ﴾، ﴿آبَاءَكُمْ﴾ مفعول أول لـ ﴿وَجَدْتُمْ﴾، وجملة ﴿وجد﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾ المذكور بعده، ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾، وجملة ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿كَافِرُونَ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿انتقمنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالُوا﴾ مفرع عليه، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿انتقمنا﴾ ﴿فَانْظُرْ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، أو على أي مخاطب، والجملة معطوفة على جملة ﴿انتقمنا﴾، ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب، خبر كان مقدم عليه وجوبًا، ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: فعل ناقص واسمه، ومضاف إليه، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل النصب مفعول ﴿انظر﴾ معلق عنها باسم الاستفهام. التصريف ومفردات اللغة ﴿حم (١)﴾ هذه الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وعلى خطورة الأحكام المبينة في السورة. ﴿وَالْكِتَابِ﴾ القرآن. ﴿الْمُبِينِ﴾؛ أي: الموضح لطريق الهدى، المبعد من الضلالات، قال الراغب: قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ. والكتاب في الأصل: اسم للصحيفة مع المكتوب فيها. ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ يقال: ضربت عنه، وأضربت عنه؛ أي: تركته،

стр. 11943

﴿صَفْحًا﴾ الصفح: الإعراض، يقال: صفح كمنع أعرض وترك، وصفح عنه عما، وصفح السائل رده، كأصفحه، وسمي العفو صفحًا؛ لأنه إعراض عن الانتقام من صفحة الوجه؛ لأن من أعرض عنك، فقد أعطاك صفحة وجهه، والمعنى هنا: إعراضًا عنكم، كما مر. ﴿قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ السرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان. ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ قال الراغب: البطش تناول الشيء بصولة، والأخذ بشدة. ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ومضى فيه إعلال بالقلب، أصله: مضي بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا فصار مضى. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أصله: يقولونن، حذفت نون علامة الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء الساكنين، فصار يقولن. ﴿مَهْدًا﴾ والمهد والمهاد: المكان الممهد الموطأ ﴿سُبُلًا﴾ جمع سبيل، وهو من الطريق ما هو معتاد السلوك، وقال الراغب: السبيل: الطريق الذي فيه سهولة. ﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾؛ أي: بمقدار ما تحتاجون إليه، فلا يكون قليلًا لا ينفع، ولا يكون كثيرًا فيؤذي ويضر. ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾، وفي "المبصاح": ونشر الموتى نشورًا. أحياهم ونشرهم الله يتعدى ولا يتعدى، ويتعدى بالهمزة أيضًا، فيقال: أنشرهم الله، ونشرت الأرض نشورًا أيضًا حييت وأنبتت، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنشرتها إذا أحييتها بالماء، والإنشار: الإحياء. ﴿مَيْتًا﴾ مخفف من الميت بالتشديد؛ أي: خاليةً عن النماء والنبات بالكلية. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أصله: تستويون استثقلت الضمة على الياء، فحذفت تخفيفًا، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الواو، لمناسبة واو الجماعة بعدها، فوزنه لتفتعوا؛ لأن نون الرفع حذفت للناصب بعد لام التعليل. ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، يقال: أقرن الشيء إذا أطاقه. قال الزمخشري: وحقيقة أقرنه وجده قرينته وما يقرن به لأن الصعب لا يكون قرينةً للضعيف، وقال الأخفش وأبو عبيدة: ومقونين ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيدي، والقوة من قولهم: هو قرن فلان، إذا كان مثله في القوة، ويقال: فلان مقرن لفلان؛ أي: ضابط له، وأقرنت كذا؛ أي: أطقته، وأقرن له أطاقه وقوي عليه، كأنه صار له قرنًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين. قال في "القاموس": أقرن للأمر، أطاقه وقوي عليه، كاستقرن،

стр. 11944

وعن الأمر ضعف ضد انتهى. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ والجعل هنا، بمعنى: الحكم بالشيء، والاعتقاد به، يقال: جعلت زيدًا أفضل الناس؛ أي: حكمت به ووصفته. وقال في "القاموس": الجزء البعض، وأجزأت الأم ولدت الإناث، ويفتح، والجمع أجزاء، وبالضم موضع ورملٌ، وَجَزأَهُ كَجَعَلَهُ قَسَّمَهَ أجزاءً كَجَزّأَهَ بالتضعيف وبالشيء اكتفى، كاجتزأ وتجزأ. ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أصله: أصفوكم من الصفوة قلبت الواو ياءً. لوقوعها رابعةً، ثم قلبت ألفًا لتحركها بعد فتح، ومعناه: اختار لكم. ﴿ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾؛ أي: جعل ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: مشابهًا بنسبة البنات إليه؛ لأن الولد يشبه الوالد. ﴿كَظِيمٌ﴾؛ أي: ممتلىء غيظًا وغمًا. ﴿يُنَشَّأُ﴾؛ أي: يربى. ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ أي: في الزينة، والحلية ما يتحلى به الإنسان ويتزين، والجمع حلي بكسر الحاء وضمها وفتح اللام. ﴿يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذبون. وفي "المصباح": وخرص الكافر خرصًا، من باب قتل كذب فهو خارص. وفي "القاموس" و"التاج": الخراص الكذاب. وقال الراغب: الخرص: كل قول مقول عن ظن وتخمين، يقال له: خرص، سواء كان ذلك مطابقًا للشيء، أو مخالفًا له، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم، ولا غلبة ظن، ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين، كفعل الخارص في خرصه، وكل من قال قولًا على هذا النحو، يسمى كاذبًا. وإن كان مطابقًا للقول المخبر به. ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يقال: استمسك به إذا اعتصم به. وفي "المفردات": إمساك الشيء: التعلق به وحفظه، واستمسكت بالشيء، إذا تحريت الإمساك، انتهى. ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ الأمة: الدين والطريقة التي تؤم؛ أي: تقصد. قال الراغب: الأمة كل جماعة يجمعهم أمر، إما دين واحد أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا. ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ وفي "الروح": الأثر بفتحتين بقية الشيء. والآثار الأعلام، وسنن النبي ﷺ آثاره، قال الراغب: أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده، ومن هذا يقال للطريق المستدل به على

стр. 11945

من تقدم آثاره. ﴿مُهْتَدُونَ﴾ جمع مهتد، أصله: مهتديون استثقلت الحركة على الياء، فحذفت فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الدال لمناسبة الواو. ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ جمع مترف اسم مفعول. وفي "القاموس": وترف كفرح، تنعم، وأترفته النعمة أطغته، أو نعمته كترفته تتريفًا، والمترف كمكرم، المتروك، يصنع ما يشاء فلا يمنع، والمتنعم لا يمتنع من تنعمه، انتهى. ﴿مُقْتَدُونَ﴾ جمع مقتد، أصله: مقتديون استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الدال لمناسبة الواو، ومعناه: سالكون طريقتهم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: فن التناسب في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية، فقد أقسم سبحانه بالقرآن، وإنما يقسم بعظيم، ثم جعل المقسم عليه تعظيم القرآن، بأنه قرآن عربي، مرجو له أن يعقل به العالمون، فكان جواب القسم مصصحًا للقسم، وتم التناسب بين القسم والمقسم به؛ لأنهما من واد واحد. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ لأن لفظ الأم حقيقة في الأنثى الوالدة، فاستعار للوح المحفوظ، بجامع الأصالة في كل. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنه استعار كلمة ﴿لعل﴾ الموضوعة للترجي، والتوقع لمعنى كي، وهو التعليل لكون حقيقة الترجي والتوقع ممتنعةً في حقه تعالى، لكونها مختصةً بمن لا يعلم عواقب الأمور. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ شبه حال الذكر وتنحيته، بحال غرائب الإبل وذود هاشم، استعمل ما كان مستعملًا في تلك القصة هاهنا، بجامع التنحية والإبعاد في كل.

стр. 11946

ومنها: حكاية حال ماضية في قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾؛ لأن ﴿ما﴾ إنما تدخل على مضارع في معنى الحال، أو على ماض قريب منها. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾؛ أي: كالمهد والفراش، حذفت من الأداة، ووجه الشبه فأصبح بليغًا. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾؛ لأن الإنشار حقيقة في إحياء الصيت وبعثه، فاستعاره لإنبات الأرض فاستعير الإنشار بمعنى إحياء الأموات لإنبات الأرض، فاشتق منه أنشرنا، بمعنى: أنبتنا على طريقة الاستعارة التبعية. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم، حيث عبر بنون العظمة، لإظهار كمال العناية بأمر الإحياء، والإشعار بعظم خطره. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ حيث استعار الميت، الذي هو حقيقة فيمن خرجت روحه، للمكان الخالي من النبات. ومنها: التعبير عن إخراج النبات بالإنشار، الذي هو إحياء الموتى حيث قال: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ﴾، وعن إحياء الموتى بالإخراج حيث قال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تفخيمًا لشأن الإنبات، وتهوينًا لأمر البعث، لتقويم سند الاستدلال، وتوضيح منهاج القياس. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ فقد حذف الموصوف، وهو الله تعالى، وأقام صفاته مقامه؛ لأن الكلام مجزأ، فبعضه من قولهم، وبعضه من قول الله تعالى، فالذي هو من قولهم: خلقهن، وما بعده، هو من قول الله تعالى، وأصل الكلام أنهم قالوا: خلقهن الله، بدلالة قوله في آية أخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ثم لما قالوا: خلقهن الله، وصف الله تعالى ذاته بهذه الصفات، وأقيمت مقام الموصوف، كأنه كلام واحد، ونظير هذا أن تقول للوجل: من أكرمك من القوم؟ فيقول: أكرمني زيد، فتقول: أنت، واصفًا له، الكريم الجواد المفضال الذي من صفته كذا وكذا.

стр. 11947

ومنها: تنكير بنات في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ لتربية الحقارة. ومنها: تعريف البنين في قوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ لتربية الفخامة. ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم أن يعرض عنهم، ويحكي لغيرهم تعجبًا منها. ومنها: التأكيد بـ ﴿إنَّ﴾ واللام، مع صيغة المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُور﴾؛ لأن فعولًا وفعيلًا من صيغ المبالغة. ومنها: الأسلوب التهكمي للتوبيح والتقريع في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾. ومنها: الطباق بين لفظ البنين والبنات. ومنها: التجهيل لهم والتهكم بهم في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ فإنهم إنما سمعوه من آبائهم وهم أيضًا كذابون جاهلون. ومنها: فن الإلجاء في قوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ وهو أن يبادر المتكلم الخصم، بما يلجئه إلى الاعتراف بحقيقة نفسه، ودخيلة قلبه، فالتعبير في الآية بالتفضيل المقتضي أن ما عليه آباؤهم فيه هداية، لم يكن إلا لإلجائهم إلى الاعتراف بحقيقة نياتهم، التي يضمرونها، كأنه يتنزل معهم إلى أبعد الحدود، ويرخي لهم العنان إلى أقصى الآماد، ليعترفوا التالي بمكابرتهم التي لا تجدي معها المناصحة في القول، ولا ينفع في تذليلها الإتيان بالحجة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11948

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.

стр. 11949

المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر (١) في الآية السالفة أن الذي دعا الكفار إلى اعتناق العقائد الزائغة، هو تقليد الآباء والأجداد، وبين أنه طريق باطل ونهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من التقليد .. أردف هذا بأن ذكر لهم أن أشرف آبائهم، وهو إبراهيم ﵇، ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعتهم، فيجب عليكم تقليده، وحين عدل عن طريق آبائه، جعل الله دينه باقيًا في عقبه إلى يوم القيامة، وأديان آبائه درست وبطلت. ثم ذكر أن قريشًا وآباءهم مدَّ لهم في العمر والنعمة، فاغتروا بذلك واتبعوا الشهوات، وأعرضوا عن توحيد الله تعالى، وشكره على آلائه، حتى جاءهم الرسول منبهًا لهم، مذكرًا بالنظر إلى من فطرهم وفطر السموات والأرض، وآتاهم من فضله ما يتمتعون به من زينة هذه الحياة، فكذبوه وقالوا: ساحر كذاب، ثم حكى عنهم، قالوا: هلا نزل هذا القرآن على رجل عظيم الجاه، كثير المال، من إحدى القريتين، مكة والطائف، فرد عليهم مقالهم، بأنه قسم الحظوظ الدنيوية بين عباده، فجعل منهم الغني والفقير، والسيد والمسود، والملوك والسوقة، والأقوياء والضعفاء، ولم يغير أحد ما حكم به في أحوال دنياهم على حقارتها، فكيف يعترضون على حكمه فيما هو أرفع درجةً وأشرف غايةً وأعظم مرتبةً وهو منصب النبوة. ثم ذكر أن التفاوت في شؤون الدنيا هو الذي يتم به نظام المجتمع، والسير به على النهج القويم، فلولاه ما صرف بعضهم بعضًا في حوائجه، ولا تعاونوا في تسهيل وسائل المعيشة، ثم أعقب هذا ببيان أنه لولا أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة من الرزق، لمتعهم بكل وسائل النعيم، فجعل لبيوتهم

стр. 11950

أبوابًا من فضة ومسقفا وسرُرًا ومصاعد عليها يظهرون، وزينة في كل شيء، ولكن كل هذا متاع قليل زائل، والآخرة هي الباقية، وهي لمن يتقي الله تعالى، ويجتنب الكفر والمعاصي ولم يفعل ذلك بالمؤمنين، فيوسع عليهم جميعًا ليكون سبب اجتماعهم على الإيمان العقيدة المنبعثة عن الاطمئنان النفسي؛ لأنه لو فعل ذلك لاجتمعوا عليه طلبًا للدنيا، وهذا إيمان المنافقين، ومن ثم ضيق الرزق على بعض المسلمين ووسع على بعض، ليكون من يدخله فإنما يدخله للدليل والبرهان، وابتغاء رضوان الله ومثوبته. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بين أن المال متاع الدنيا، وهو عرض زائل، ونعيم الآخرة هو النعيم المقيم الدائم، الذي أعده الله سبحانه للمتقين .. ذكر هنا أن من فاز بالمال والجاه، صار كالأعشى عن ذكر الله، وصار من جلساء الشياطين، الضالين المضلين، الذين يصدونه عن السبيل القويم، ويظن أنه مهتد؛ لأنه يتلقى من الشياطين ما يلائم أخلاقه، فيألفه ولا ينكره، ثم ذكر أنه إذا جاء يوم القيامة، تبرأ الكافر من الشيطان قرينه، وقال له: ليت بيني وبينك بعدما بين المشرقين، ثم أعقب هذا ببيان أن اشتراك الكافر مع قرينه الشيطان في العذاب لا يخفف عنه شيئًا منه، لاشتغال كل منهما بن بنفسه. ثم ذكر لرسوله أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم، وقلما تجديهم المواعظ، فإذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم، وإذا أريتهم معجزاتك كانوا كالعمي، وإنما كانوا كذلك لضلالهم المبين، ثم سلى رسوله، وبين له أنه لا بد أن ينتقم منهم، إما حال حياته أو بعد موته، ثم أمره أن يستمسك بما أمره الله به، فيعمل بموجبه، فإنه الصراط المستقيم النافع في الدين والدنيا، وفيه الشرف العظيم له ولقومه، وسوف يسألون عما قاموا به من التكاليف التي أمرهم بها، ثم أرشد إلى أن بغض

стр. 11951

الأصنام وبغض عبادتها جاء على لسان كل نبي، فمحمد ﷺ ليس بدعًا من بينهم في الإنكار عليها، حتى يعارض ويبغض. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أن كفار قريش طعنوا في نبوة محمد ﷺ ، لكونه فقيرًا عدم المال والجاه .. بين هنا أن موسى بعد أن أورد المعجزات الباهرة، أورد فرعون هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش، فقال: إني غني كثير المال، عظيم الجاه، فلي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري تحتي، وموسى فقير مهين، وليس له بيان ولا لسان، وهذا شبيه بما قاله كفار قريش، وأيضًا فإنه لما قال ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ذكر هنا قصة موسى وعيسى ﵉، وهما أكثر الأنبياء أتباعًا، وقد جاءا بالتوحيد، ولم يكن فيما جاءا به، إباحة اتخاذ آلهة من دون الله تعالى. ثم ذكر سبحانه أن فرعون قال: هلا ألقي إلى موسى مقاليد الملك، فطوق بسوار من ذهب إن كان صادقًا، زعمًا منه أن الرياسة من لوازم الرسالة، أو جاء معه جمع من الملائكة يعينونه على من خالفه، وأعقب هذا، بأن ذكر أنه حين دعا قومه إلى تكذيب موسى في دعواه الرسالة، أطاعوه لضلالهم وغوايتهم، ولما لم تجد فيهم المواعظ غضبنا وانتقمنا منهم، وجعلناهم قدوةً للكافرين، وضربنا بهم الأمثال للناس ليكونوا عبرةً لهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما (١): ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس: أن العرب قالوا: وإذا كان النبي بشرًا، فغير محمد ﷺ أحق بالرسالة، حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ يكون أشرف من محمد ﷺ ، يعنون: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ

стр. 11952

رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يعني النبوة، فيضعونها حيث شاؤوا. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي: أن قريشًا قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلًا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر الصديق طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلام تدعوني، قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: ربنا، قال: وما العزى؟ قال: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهم فسكت طلحة فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأنزل الله سبحانه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ...﴾ سبب نزولها: ما رُوي: أنه كان رسول الله ﷺ يتعب نفسه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غيًّا، فنزلت الآية ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٢٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قريش، وقت قول إبراهيم ﵇، بعد الخروج من النار ﴿لِأَبِيهِ﴾ تارخ الشهير بآزر، وكان ينحت الأصنام ﴿وَقَوْمِهِ﴾ المنْكَبِّين على التقليد وعبادة الأصنام، كيف تبرأ مما هم فيه بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وتمسك بالبرهان ليسلكوا مسلك الاستدلال، أو ليقتدوا به إن لم يكن لهم بد من التقليد، فإنه أشرف آبائهم، وبراء مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: بريء، كما سيأتي في مبحث التصريف. والمعنى (٢): أني بريء من عبادتكم لغير الله، إن كانت ما مصدرية، أو من

стр. 11953

معبودكم إن كانت موصولة حذف عائدهما ٢٧ - ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وخلقني استثناء (١) منقطع إن كانوا عبدة الأصنام؛ أي: لكن الذي خلقني لا أبرأ منه، أو متصل على أن ما تعم أولي العلم وغيرهم، وأنهم يعبدون الله والأصنام، أو صفة على أن ما موصوفة؛ أي: إني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فإن ﴿إلا﴾، بمعنى غير، لا يوصف بها إلا جمع منكور غير محصور، وهو هنا آلهة، كما هو مذهب ابن الحاجب ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الذي فطرني ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيثبتني على الهداية، أو سيهديني إلى ما وراء الذي هداني إليه إلى الآن، ولذا أورد كلمة التسويف هنا، بعدما قال في الشعراء: فهو يهدين بلا تسويف، والأوجه أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار؛ أي: دوام الهداية حالًا واستقبالًا، فهو هاديه في المستقبل والحال. والمعنى: أي واذكر (٢) أيها الرسول لقومك قريش المنكبين على تقليد الآباء والأجداد في عبادة الأصنام، كيف تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه، حين رآهم عاكفين على عبادة الأصنام، حين قال لهم: إني بريء مما تعبدون إلا من عبادة الله الذي خلقني، وخلق الناس جميعًا، وإنه سيهديني إلى سبيل الرشاد، ويوفقني إلى اتباع الحق؟ وقد جزم بذلك لثقته بربه ولقوة يقينه. فينبغي لكم يا أهل مكة أن تقتدوا به في ترك تقليد آبائكم الأقربين وترجعوا إلى النظر واتباع الحق. وقرأ الجمهور (٣): ﴿بَرَاءٌ﴾ بفتح الباء وألف وهمزة بعد الراء، وهو مصدر يستوي فيه المفرد والمذكر ومقابلهما، يقال: نحن البراء منك، وهي لغة أهل العالية، وبها قرأ الأعمش. وقرأ الزعفراني والقورحي عن أبي جعفر وابن المناذري عن نافع بضم الباء بزنة طوال، يقال: طويل وطوال وبريء وبراء، وهي لغة نجد وقرأ الأعمش: ﴿إنِّي﴾ بنون مشددة دون نون الوقاية، والجمهور ﴿إِنَّنِي﴾ بنونين الأولى مشددة.

стр. 11954

فإن قلت: قال هنا: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ بزيادة سين التسويف، وقال في الشعراء: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ بلا زيادة سين الاستقبال، فما الفرق بين الموضعين. قلت: زاد السين للتأكيد؛ لأن المقام قام التبرُّؤ من عبادة الأصنام، فهو أْشد حاجة إلى التأكيد، وما في الشعراء بيان لعداوة الأصنام له، فلا حاجة إلى التأكيد، هكذا ظهر الفرق لي بعد تأمل شديد، والله أعلم باسرار كتابه. ٢٨ - ﴿وَجعَلَهَا﴾؛ أي (١): وجعل إبراهيم كلمة التوحيد، التي كان ما تكلم به من قوله: إنني براء إلى سيهدين عبارةً عنها، يعني: أن البراءة من كل معبود سوى الله تعالى، توحيد للمعبود بالحق، وقول بلا إله إلا الله ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؛ أي: دائمة مستمرة جارية ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ وذريته حيث وصاهم بها، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ الآية، فالقول المذكور بعد الخروج من النار، وهذا الجعل بعد حصول الأولاد الكبار، فلا يزال فيهم نسلًا بعد نسل، من يوحد الله سبحانه، ويدعو إلى توحيده، وتفريده إلى قيام الساعة، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ علة (٢) للجعل، والضمير للعقب، وإسناد الرجوع إليهم من وصف الكل بحال الأكثر، والترجي راجع إلى إبراهيم ﵇؛ أي: جعلها باقيةً في عقبه وخلفه، رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم بدعاء الموحد منهم. فائدة: قال بعضم في سبب تكريم وجه علي بن أبي طالب؛ بأن يقال: كرم الله وجهه، أنه نقل عن والدته فاطمة بنت أسد بن هاشم: أنها كانت إذا أرادت أن تسجد للصنم، وهو في بطنها، يمنعها من ذلك. وقرأ حميد بن قيس ﴿كلمة﴾ بكسر الكاف وسكون اللام، وقرىء ﴿في عقبه﴾ بسكون القاف؛ أي: في ذريته، وقرىء ﴿في عاقبه﴾؛ أي: من عقبه؛ أي: من خلفه، ذكره في "البحر".

стр. 11955

والمعنى: أي (١) وجعل إبراهيم ﵇ كلمة التوحيد، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، جعلها دائمةً في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى منهم، فلا يزال فيهم من يوحد الله سبحانه إلى يوم القيامة، رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم، كأهل مكة، بدعاء الموحد منهم، فإنهم إذا ذكروا أباهم الأعظم الذي بني لهم البيت، وأورثهم ذلك الفخر، تبعوه في ملته الحنفية، وتأثروا بأبوته إن كانوا يدعون تقليد الآباء. قال قتادة: لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة، وقال ابن العربي (٢): إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالأحقاب، بدعوتيه المجابتين، إحداهما قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد قال: إلا من ظلم منهم فلا عهد له. ثانيتهما قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. وقيل (٣): الفاعل في جعلها الله ؛ أي: وجعل الله كلمة التوحيد باقيةً في عقب إبراهيم، وقيل: الضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ راجع إلى أهل مكة؛ أي: لعل أهل مكة يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها إلخ، قال السدي: لعلهم يتوبون فيرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله تعالى. ٢٩ - ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش، ومن وافقهم من الكفار المعاصرين لهم، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ إضراب عن محذوف؛ أي: فلم يحصل ما رجاه، بل متعت وأنعمت منهم هؤلاء المعاصرين لمحمد ﷺ من أهل مكة ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ بالمد في العمر والبسط في النعمة، فاغتروا بالمهلة وانهمكوا في الشهوات، وشغلوا بها عن كلمة التوحيد ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ﴾؛ أي: جاء هؤلاء المعاصرين لمحمد ﷺ ﴿الْحَقُّ﴾ أي: القرآن ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، محمد ﷺ ظاهر الرسالة واضحها بالمعجزات الباهرة، أو مبين التوحيد بالآيات البينات والحجج الواضحات، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فلم يجيبوه ولم يعملوا بما أنزل عليه، فحتى ليست

стр. 11956

غاية للتمتع، بل لما تسبب عنه من الاغترار المذكور وما يليه. والمعنى (١): أي بل متعت هؤلاء المشركين، من أهل مكة وآباءهم من ذرية إبراهيم بطول العمر، والسعة في الرزق، وأنعمت عليهم في كفرهم فاغتروا بالمهلة، وأكبوا على الشهوات وطاعة الشيطان، وشغلوا بالتنعم عن كلمة التوحيد، إلى أن جاءهم الحق وهو القرآن العظيم، والرسول المبين، الذي أوضح مبدأ التوحيد بالبراهين الساطعة، وشرع الله وأحكامه بالأدلة القاطعة، وهو محمد ﷺ . وقرأ الجمهور (٢): ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ بتاء المتكلم، وقرأ قتادة والأعمش: ﴿بل متعت﴾ بتاء الخطاب، ورواها يعقوب عن نافع، قال صاحب "اللوامح": وهي من مناجاة إبراهيم ﵇ ربه تعالى، والظاهر: أنه من مناجاة محمد ﷺ ؛ أي: قال: يا رب بل متعت، وقرأ الأعمش: ﴿بل متعنا﴾ بنون العظمة، وهي تعضد قراءة الجمهور، قال الزمخشري: فإن قلت: فما وجه من قرأ: ﴿بل متعت﴾ بفتح التاء؟. قلتُ: كأن الله خاطب نفسه، واعترض على ذاته في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾، فقال مخاطبًا لنفسه: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم؛ لأنه إذا متعهم بزيادة النعم، وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك، بمعروفك وإحسانك، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله. ٣٠ - ثم بين سبحانه ما صنعوه عند مجيء الحق، فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: ولما جاء أهل مكة القرآن العظيم، الذي هو الحق من الله، لينبههم عما هم

стр. 11957

فيه من الغفلة، ويرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا كفرًا وعتوا، وضموا إلى كفرهم السابق معاندة الحق، والاستهانة به حيث ﴿قَالُوا هَذَا﴾ الحق والقرآن ﴿سِحْرٌ﴾ وهو (١) إراءة الباطل في صورة الحق؛ أي: هذا القرآن كلام باطل، ليس من عند الله تعالى: ﴿وَإِنَّا بِهِ﴾؛ أي: يكون هذا القرآن من عند الله تعالى ﴿كَافِرُونَ﴾؛ أي: جاحدون منكرون، فسموا القرآن سحرًا وكفروا به واستحقروا رسول الله ﷺ . والمعنى (٢): أي وحينما جاءهم القرآن والرسول المؤيد بالمعجزات دليلًا على صدقه، وصفوا ما جاء به بأنه سحر وأباطيل، وليس بوحي من عند الله تعالى، وقالوا: إنا بما أرسل به جاحدون، مكابرةً وعنادًا وحسدًا وبغيًا، فضموا إلى شركهم وضلالهم تكذيب الحق ورفضه والاستهزاء به، والتصريح بالكفر برسالته وإنكار نبوته. ٣١ - ثم ذكر فنًا آخر من أفانين كفرهم فقال: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال كفار مكة ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيف؛ أي: هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ إن كان حقًا من عند الله تعالى ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿الْقَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ ذلك الرجل بالمال والجاه، كالوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، فهو على نهج قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾؛ أي: من أحدهما، وذلك (٣) لأن من للابتداء، وكون الرجل الواحد من القريتين بعيد، فقدر المضاف، ومنهم من لم يقدر مضافًا وقال: أراد على رجل كائن من القريتين كلتيهما، والمراد به: عروة المذكور؛ لأنه كان يسكن مكة والطائف جميعًا. وكان له في مكة أموال يتَّجرُ بها، وكان له في الطائف بساتين وضياع، فكان يتردد إليهما، فصار كأنه من أهلهما، يقول الفقير: هنا وجه خفي، وهو أن النسبة إلى القريتين قد تكون بالمهاجرة من إحداهما إلى الأخرى، كما يقال: المكي، المدني، والمصري، الشامي وذلك بعد الإقامة في إحداهما أربع سنين، صرح

стр. 11958

بذلك أهل أصول الحديث. ثم إنهم لم يتفوهوا (١) بهذه الكلمة العظيمة، حسدًا على نزوله على الرسول ﷺ ، دون من ذكر من عظمائهم، من اعترافهم بقرآنيته، بل استدلالًا على عدمها، بمعنى أنه لو كان قرآنا، لنزل على أحد هذين الرجلين، بناءً على ما زعموا، من أن الرسالة منصب جليل. لا يليق به إلا من له جلالة من حيث المال والجاه، ولم يدروا أن العظيم من عظّمه الله، وأعلى قدره في الدارين، لا من عظمه الناس، إذ رب عظيم عندهم حقير عند الله تعالى، وبالعكس، وأن الله يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته. وفي قوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ عظيم لرسول الله ﷺ ، وعظم شأنه وفخم. والمعنى (٢): أي وقال كفار قريش وأمثالهم: هلا أنزل هذا القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو الطائف، وهما الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف. ٣٢ - وهذا اعتراض منهم على الله، الذي أنزل القرآن على رسوله، فأنكر الله سبحانه عليهم ذلك، وجهلهم، وعجب من حالهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ استفهام إنكار، وتجهيل لهم، وتعجب من تحكمهم، والمراد بالرحمة: النبوة، أو ما هو أعم، يعني: أبيدهم مفاتيح الرسالة والنبوة، فيضعونها حيث شاؤوا. ثم بين سبحانه: أنه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الأرض ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾؛ أي: أسباب معيشتهم، والمعيشة: ما يعيش به الإنسان ويتغذى به، ويجعله سببًا في قوام بنيته، إذ العيش الحياة المختصة بالحيوان، وهو يعم الحلال والحرام عند أهل السنّة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قسمةً تقتضيها مشيئتنا، المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرنا إليهم، علمًا منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية، كما دل عليه

стр. 11959

تقديم المسند إليه، وهو نحن، إذ هو للاختصاص. والحاصل (١): نحن قسمنا أرزاقهم فيما بينهم، وهو أدنى من الرسالة، فلم نترك اختيارها إليهم وإلا لضاعوا وهلكوا فما ظنهم في أمر الدين؛ أي: فكيف نفوض اختيار ما هو أفضل وأعظم، وهو الرسالة، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء، بل الحكم لله وحده؟ وإذا كان الله سبحانه، هو الذي قسم بينهم أرزاقهم، ورفع درجات بعضهم على بعض، فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر الرسالة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟ قال مقاتل: يقول تعالى: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا! وفي قوله (٢): ﴿قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾ تزهيد في الإكباب على طلب الدنيا، وحث على التوكل على الله تعالى. وقرأ الجمهور: ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾ بالإفراد، وعبد الله والأعمش وابن عباس ومجاهد وابن محيصن وسفيان ﴿معائشهم﴾ على الجمع. ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الرزق وسائر مبادىء المعاش ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب (٣) بنزع الخافض؛ أي: إلى درجات متفاوتة، بحسب القرب والبعد، حسبما تقتضيه الحكمة، فمن ضعيف وقوي وفقير وغني وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم، أو تمييز محول عن المفعول ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ أي: خادمًا وعاملًا وأجيرًا من التسخير، بمعنى: الاستخدام، ولكون المراد هنا الاستخدام دون الهزء؛ لأنه لا يليق التعليل به، أجمع القراء على ضم السين في الرواية المشهورة عنهم، فما كان من التسخير فهو مضموم، وما كان من الهزء فهو مكسور، وقرأ الجمهور (٤): ﴿سُخْرِيًّا﴾ بضم السين، وعمرو بن ميمون وابن محيصن وابن أبي ليلى وأبو رجاء والوليد بن مسلم، وابن عامر بكسرها، وهو من التسخير بمعنى الاستعباد والاستخدام والاستعمال. ويبعد أن يكون ﴿سُخْرِيًّا﴾ هنا من الهزء، وقد قال بعضهم؛ أي: يهزأ الغني بالفقير، وهذا وإن كان مطابقًا

стр. 11960

للمعنى اللغوي، ولكنه بعيد من معنى القرآن، ومناف لما هو مقصود السياق. والمعنى (١): فاضلنا بينهم فجعلنا بعضهم أفضل من بعض، في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والحلم، ليستخدم بعضهم بعضًا، فيستخدم الغني الفقير والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف والحر العبد والعاقل من هو دونه في العقل، والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجًا إلى البعض لتحصيل المساواة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا ويعطي هذا هذا. وحاصل معنى الآية (٢): أي إن هؤلاء المشركين تجازوا حدودهم وأقدارهم، فأرادوا أن يجعلوا ما لله لأنفسهم، وليس الأمر مردودًا إليهم، بل إلى الله ، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فإنه لا ينزلها إلا على من بلغ مرتبة روحانية خاصةً، وكان ذا فضائل قدسية، وكمالات خلقية، مستهينًا بالزخارف الدنيوية التي انغمسوا فيها، فهم ليسوا لها بأهل، فضلًا عن أن يهبوها لمن يشاؤون، ونحن الذين قسموا الأرزاق والحظوظ بين العباد، ونفضل بعضهم على بعض درجات في القوة، والضعف والعلم والجهل والشهرة والخمول والغنى والفقر؛ لأنا لو سوينا بينهم في هذه الأحوال لم يتعاونوا فيما بينهم، ولم يتمكنوا من استخدام بعضهم بعضًا، فيكون بعضهم سببًا لمعاش بعض، وإلا فسد نظام العالم، وليس المعنى في الاستخدام أو الاستئجار، أو الاستعمال على عمل شيء من الذل والمهانة؛ لأن حقوق العامل مصونة في الإسلام، وعلى صاحب العمل واجبات خلقية ومادية كثيرة، توجب عليه الترفع عن الغبن، والظلم والأذى والإساءة، فإذا عجزوا عن تغيير نظام الدنيا، فكيف يعترضون على حكمنا بتخصيص الرسالة والنبوة في بعض العباد، وقصارى ذلك: أنا قسمنا بينهم أرزاقهم، أفلا يقنعون بقسمتنا في أمر النبوة وتفويضها إلى من نشاء من عبادنا؟

стр. 11961

ثم علل ما سلف بقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ وفضله بالنبوة، وما يتبعها من وحي وكتاب ينزل ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾؛ أي: مما يجمع هؤلاء الكفار من حطام الدنيا الدنية الفانية، فالدنيا على شفا جرف هار، ومظاهرها فانية لا قيمة لها، فهو قد أغدقها على الدواب والأنعام، وكثير من جهلة بني آدم، والعظيم من رزق من تلك الرحمة العظيمة، لا مما يجمعون من الدنيء الحقير، يظنون أن العظمة به. وفيه (١): إشارة إلى أن الله يعطي الفقير من فقراء البلد، لا يؤبه به ما لا يعطي لعلمائه، وأفاضله من حقائق القرآن، وأسراره، فإن قسمة العلم والمعرفة بيده سبحانه، كقسمة النبوة والرسالة، فما لا يحصل بالدرس قد يحصل بالوهب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ ترسم (٢) هذه التاء مجرورةً في الموضعين من هذه السورة، اتباعًا لرسم مصحف الإمام عثمان ﵁، وكذا ترسم مجرورةً في سورة الأعراف في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي سورة الروم في قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ وفي سورة هود في قوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، وفي سورة مريم في قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، وفي البقرة في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، وفيما عدا هذه السبعة المواضع، ترسم مربوطةً على صورة الهاء، وأبو عمرو وابن كثير والكسائي يقفون عليها بالهاء كسائر الهاءات الداخلة على الأسماء، كفاطمة وقائمة، وهي لغة قريش، والباقون يقفون عليها بالتاء تغليبًا لجانب الرسم، وهي لغة طيء. ٣٣ - ثم بين الله ، حقارة الدنيا وخستها بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وهنا لا بد (٣) من تقدير مضاف، فإن لولا لانتفاء الثاني، لوجود الأول، ولا تحقق لمدلول لولا ظاهرًا؛ أي: ولولا كراهة أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا، وتوهم أن ذلك لفضيلة

стр. 11962

في الكفار، ويجتمعوا على الكفر، ويكونوا في الكفر أمةً واحدة ﴿لَجَعَلْنَا﴾ لحقارة الدنيا، وهوانها عندنا ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ لشر الخلائق وأدناهم منزلة، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال (١) من ﴿لِمَن﴾ أو اللام بمعنى على، وجمع الضمير باعتبار معنى من، كما أن إفراد المستكن في ﴿يَكْفُرُ﴾ باعتبار لفظها، والبيوت جمع بيت، وهو اسم لمبني مسقف، مدخله من جانب واحد، كما سيأتي في مبحث اللغة ﴿سُقُفًا﴾ متخذة ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ جمع سقف، وهو سماء البيت. وقرأ الجمهور (٢): ﴿سُقُفًا﴾ بضمتين، كرهن ورهن، قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما، وقرأ أبو رجاء بضم فسكون وهي لغة تميم، وهي أيضًا جمع سقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين وسكون القاف على الإفراد. وقال الفراء: جمع سقيف كرغيف ورغف وكثيب وكُثُب، وقرىء بفتحتين، كأنه لغة في سقف، وقرىء سقوفًا جمعًا على فعول، نحو: كعب وكعوب، والفضة: جسم ذائب، صابر، منطرق، أبيض رزين، كما سيأتي في مبحث اللغة ﴿وَمَعَارِجَ﴾ معطوف على ﴿سُقُفًا﴾، جمع معرج بفتح الميم وكسرها، بمعنى: السلم، والمعارج: المصاعد، والسلالم، وقرأ الجمهور: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ جمع معرج، وطلحة ﴿ومعاريج﴾ جمع معراج، والمعنى: وجعلنا لهم مصاعد ومراقي من فضة، حذف لدلالة الأول عليه. ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ﴾؛ أي: يصعدون إلى العلالي والسطوح ٣٤ - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾؛ أي: وجعلنا لبيوتهم، ولعل تكرير ذكر بيوتهم لزيادة التقرير ﴿أَبْوَابًا﴾ جمع باب، وهو مدخل الشيء ومخرجه؛ أي: مداخل ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو الذي يجلس عليه أو ينام فيه؛ أي: وجعلنا لبيوتهم أبوابًا وسررًا من فضة ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على السرر ﴿يَتَّكِئُونَ﴾؛ أي: يعتمدون ويجلسون عليها من الاتكاء، وهو الاعتماد على الشيء والاستناد إليه، وقرأ الجمهور ﴿سُررًا﴾ بضم السين. وقرىء بفتحها، وهي لغة لبعض تميم وبعض كلب، وذلك في جمع فعيل المضعف، إذا كان اسمًا باتفاق، وصفةً نحو: ثوب

стр. 11963

جديد وثياب جدد، باختلاف بين النحاة ذكره في "البحر" ٣٥ - ﴿وَزُخْرُفًا﴾ إما معطوف على ﴿سُقُفًا﴾، والزخرف حينئذ بمعنى ما يزين به البيت من أثاث وأمتعة ومواعين كالأواني والمفارش وما يزين به الجدار؛ أي: ولجعلنا لبيوتهم زينةً تزوق بها البيوت من الأثاث والمواعين، أو معطوف على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ فيكون بمعنى الذهب، فيكون أصل الكلام: ولجعلنا لبيوتهم سقفًا من فضة ومن زخرف يعني: بعض السقف من فضة وبعضها من ذهب، فيكون نصبه على هذا بنزع الخافض؛ أي: أبوابًا وسررًا من فضة ومن ذهب، فلما حذف الخافض انتصب. والمعنى (١): أي ولولا كراهية أن يكون الناس كلهم على ملة الكفر ميلا إلى الدنيا وزخرفها، فلا يبقى في الأرض مؤمن، لأعطينا الكفار ثروات طائلةً، وجعلنا سقف بيوتهم وسلالمهم ومصاعدهم التي يرتقون ويصعدون عليها، وأبواب البيوت والسرر التي يتكئون عليها من فضة خالصة وذهب خالص وزينةٍ ونقوش، فائقة لهوان الدنيا عند الله تعالى. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إن نافية، ولما بالتشديد بمعنى إلا؛ أي: وما كل ذلك المذكور من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا لا دوام له ولا حاصل إلا الندامة والغرامة، وقرىء بتخفيف لما على أنّ ﴿إن﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وما صلة، والتقدير: وإن الشأن كل ذلك لمتاع الحيياة الدنيا ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ بما فيها من فنون النعم التي يقصر عنها البيان حال كونها مدخرة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ كائنةً ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك والمعاصي؛ أي: لمن اتقى الشرك والمعاصي، وآمن بالله وحده، وعمل بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى ونعيمها الدائم الذي لا يزول. وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَمَّا﴾ بفتح اللام وتخفيف الميم، وإن: هي المخففة من الثقيلة، واللام: هي الفارقة بين الإيجاب والنفي، و ﴿ما﴾: زائدة، و ﴿مَتَاعُ﴾: خبر ﴿كُلُّ﴾، وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وعيسى وعاصم وحمزة ﴿لمّا﴾

стр. 11964

بتشديد الميم، و ﴿إن﴾: نافية، و ﴿لما﴾ بمعنى إلا، كما مر آنفًا. وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة ﴿لما﴾ بكسر اللام، وخرجوه على أن ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف تقديره: للذي هو متاع الحياة الدنيا، كقوله: تمامًا على الذي هو أحسن، وإن في هذا التخريج هي المخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ وخبره في المجرور؛ أي: وإنه كل ذلك كائن، أو مستقر للذي هو متاع الحياة الدنيا ذكره في "البحر المحيط". وعبارة "المراغي" في معنى هذه الآية؛ أي: ولولا أن يعتقد كثير من الجهلة، أن إعطاءنا المال للكفار دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر ويرغبوا فيه، إذا رأوا سعة الرزق عندهم لجعلنا لبيوتهم سقفًا من فضة، ومصاعد من فضة وسررًا من فضة عليها يتكئون، وزينةً في كل ما يرتفق به من شؤون الحياة. ثم بين أن هذه المتعة قصيرة الأمد، سريعة الزوال، فهي متاع الحياة الفانية، فقال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلخ؛ أي: وما كل ذلك إلا متاع قصير زائل، والآخرة بما فيها من ضروب النعيم التي لا يحيط بها عد ولا إحصاء، أعدها الله لمن اتقى الشرك والمعاصي، وعمل بطاعته، وآثر الآخرة على الدنيا. وكذلك لو أعطيت هذه النعم والسرر والأبواب المصنوعة من الذهب والفضة للؤمنين، حتى يصير الناس كلهم مبسوطين، لأخلت بالمقصود من الإيمان؛ لأن الترف والنعيم يحجب العقول عن عالم الروحانيات، والرقي العقلي، فقل من يتخلص من شرك هذه الآفات، فالشهوات والزينة والزخارف للعقول، أشبه بالقاذورات للأجسام، والأجسام القذرة يحوم حولها الذباب، فيلقي فيها بيوضه لتفرخ في القروح والعيون، ويخرج ذباب يعيش من تلك القاذوات، وهكذا النفوس الضعيفة تعيش فيها النفوس المماثلة لها من عالم الشياطين، وتلقي إليها بذور الفساد، فتزرع فيها وتحصدها النفوس خزيًا وعارًا في الدنيا والآخرة، وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ...﴾ إلخ. وأخرج الترمذي وابن ماجه والبغوي والطبراني عن سهل بن سعد رضي الله

стр. 11965

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء". ومعنى هوان الدنيا على الله، أنه سبحانه، لم يجعلها مقصودةً لنفسها، بل جعلها طريقًا موصلًا إلى ما هو المقصود لنفسه، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاءٍ، وإنما جعلها دار رحلة وبلاء، وأنه ملّكها في الغالب الجهلة والكفرة، وحماها الأنبياء والأولياء، وأبغضها وأبغض أهلها، ولم يرض العاقل فيها إلا بالتزود للارتحال عنها. ٣٦ - ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ هذه الآية متصلة بقوله أول السورة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾، أي: لا نضربه عنكم، بل نواصله لكم، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه، إلى تأويل المضلين وأباطيلهم، نقيض له شيطانًا. و ﴿يَعْشُ﴾: من عشا يعشو عشًا إذا تعاشى بلا آفة وتعامى؛ أي: نظر نظر العشا، ولا آفة في بصره، والعشا بالفتح والقصر ظلمة تعرض في العين، كما سيأتي. و ﴿من﴾ فيه شرطية؛ أي: ومن يتعام عن القرآن ويعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ سبحانه ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾؛ أي: نهيىء له ﴿شَيْطَانًا﴾ ونسلطه عليه ونضمه إليه ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وهو القشر الأعلى اليابس ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: ذلك الشيطان ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك العاشي والمعرض ﴿قَرِينٌ﴾؛ أي: مصاحب وملازم له، لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه، ويزين له العمى على الهدى، والقبيح بدل الحسن، أو هو ملازم للشيطان لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يوسوس به إليه، والعشا في العين ضعف البصر، والمراد هنا: عشا البصيرة. رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أراد الله بعبد شرًا، قيض له شيطانًا قبل موته بسنة، فلا يرى حسنًا إلا قبحه عنده، حتى لا يعمل به، ولا يرى قبيحًا إلا حسنه حتى يعمل به، وينبغي أن يكون هذا الشيطان غير قرينه الجني الكافر، وإلا فكل أحد له شيطان هو قرينه، كما قال ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: "وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" أخرجه مسلم بمعناه.

стр. 11966

والمعنى: أي ومن يتعام عن ذكر الله، ويعرض عنه، وينهمك في لذات الدنيا وشهواتها .. نسلط عليه شياطين الإنس والجن، يزينون له أن يرتع في الشهوات، ويلغ في اللذات، فلا يألو جهدًا في ارتكاب الآثام، والمحرمات على ما جرت به سنتنا الكونية، كما نسلط الذباب على الأجسام القذرة، ونخلق الحيات والعقارب والحشرات في المحالّ العفنة، لتلطف الجو وترحم الناس والحيوان، وهكذا النفوس الموسوسة للضعفاء توقعهم في الذنوب لاستعدادهم لها، فينالون جزاءهم من عقاب الله وعقوبات البشر واحتقارهم لهم إلى ما ينالهم من الأمراض الفتاكة، والأدواء التي لا يجدي فيها علاج، فيكون ذلك عبرة لهم ولغيرهم، وأنّى لهم أن تنفعهم تلك الذكرى، فقد فات الأوان ولا ينفع الندم على فائت. نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ قال الزجاج: معنى الآية: إن من أعرض عن القرآن، وما فيه من الحكم إلى أباطيل المضلين، يعاقبه الله بشيطان يقيضه له حتى يضله، ويلازمه قرينًا له، فلا يهتدي مجازاةً له، حين آثر الباطل على الحق المبين اهـ. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ بضم الشين من عشا يعشو كدعا يدعو؛ أي: يتعام بلا آفة في بصره، كعرج بفتح الراء، ويتجاهل عن ذكره وهو يعرف الحق، وقيل: يقل نظره في شرع الله، ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الله، والذكر هنا يجوز أن يراد به القرآن، ويحتمل أن يكون مصدرًا أضيف إلى المفعول؛ أي: يعش عن أن يذكر الرحمن. وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن سلام البصري: ﴿ومن يعش﴾ بفتح الشين، يقال: عشي الرجل يعشى عشيًا، من باب رضي إذا عمي وكان في بصره آفة، كعرج بكسر الراء، وقرأ زيد بن علي ﴿يعشو﴾ بالواو. قال الزمخشري: على أن ﴿من﴾: موصولة غير متضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارىء أن يرفع ﴿نُقَيِّضْ﴾ انتهى، ولا يتعين ما قاله، بل يصح أن تكون ﴿مَنْ﴾ شرطية، ﴿يعشو﴾ مجزوم بحذف الحركة تقديرًا، وقرأ الجمهور:

стр. 11967

﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ بالنون. وقرأ السلمي وعلي بن زيد وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن عاصم وعن الأعمش وأبو عمرو بخلاف عنه، والعليمي عن أبي بكر ﴿يقيض﴾ بالياء مبنيًا للفاعل؛ أي: يقيض الرحمن. وقرأ ابن عباس ﴿يقيض له﴾ بالبناء للمفعول ﴿شيطان﴾ الرفع؛ أي (١): ييسر له شيطان ويعد له، وهذا عقاب على الكفر بالختم ٣٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإن الشياطين الذين قيض كل واحد منهم، لكل واحد ممن يعشو ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ أي: ليمنعون قرناءهم، فمدار جمع الضميرين اعتبار معنى من، كما أن مدار إفراد الضمائر السابقة اعتبار لفظها ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن الطريق المستبين الذي من حقه أن يسبل، وهو الذي يدعو إليه القرآن ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾؛ أي: والحال أن العاشين يظنون ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: أن الشياطين ﴿مُهْتَدُونَ﴾؛ أي: إلى السبيل المستقيم؛ أي: يحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم، وإلا لما اتبعوهم، أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة، أنهم في أنفسهم مهتدون؛ لأن اعتقاد كون الشياطين مهتدين، مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك، لاتحاد مسلكهما. والمعنى (٢): أي وإن هؤلاء الشياطين، الذين يقيضهم الله لكل من يعشو عن ذكر الرحمن، ليحولن بينهم وبين سبيل الحق، ويوسوسن لهم، أنهم على الجادة، وسواهم على الباطل، فيطيعونهم ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته. ٣٨ - ثم ذكر حال الكافر مع القرين يوم القيامة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ حتى ابتدائية داخلة على الجملة الشرطة، ومع هذا غاية لما قبلها، فإن الابتدائية لا تنافيها. والمعنى: يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين والصد والحسبان الباطل، حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينه يوم القيامة، وقرأ أبو جعفر (٣) وشيبة وقتادة والزهري والجحدري وأبو بكر والحرميان - نافع وابن كثير - ﴿حتى إذا جاآنا﴾ على التثنية؛ أي: العاشي والقرين إعادةً على لفظ ﴿من﴾، والشيطان:

стр. 11968

القرين وإن كان من حيث المعنى صالحًا للجمع. وقرأ الأعمش (١) والأعرج وعيسى وابن محيصن والأخوان - حمزة والكسائي - ﴿جاءنا﴾ على الإفراد، والضمير عائد على لفظ ﴿من﴾، أعاد أولًا على اللفظ، ثم جمع على المعنى، ثم أفرد على اللفظ، ونظير ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أفرد أولًا، ثم جمع في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ثم أفرد في قوله: ﴿رِزْقًا﴾. رُوي: أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة، فلا يفترقان حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار ﴿قَالَ﴾ العاشي الكافر، مخاطبًا لشيطانه ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؛ أي: يا هذا القرين، أتمنى لو كان بيني وبينك في الدنيا بعد كالبعد الذي بين المشرق والمغرب، حتى لا تصدني عن سبيل الله سبحانه، أو تمنى ذلك في الآخرة وهو الظاهر؛ لأنه جواب إذا التي للاستقبال؛ أي: بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق، فغلب المشرق فثناهما، كما قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، والقمران في الشمس والقمر، واختار تغليب المشرق على المغرب لمناسبة الشيطان؛ لأنه حيث يطلع قرن الشيطان، كما في الحديث الصحيح. وقال مقاتل: أي مشرقي الشمس، مشرقها في أقصر يوم من السنة، ومشرقها في أطول يوم من السنة، قاله ابن السائب أيضًا، يعني: أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة، من مشرق أقصر يوم في السنة، والأول (٢) أولى، وبه قال الفراء ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾؛ أي: الصاحب المقارن لي، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: أنت أيها الشيطان. والمعنى (٣): أي يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين، حتى إذا وافى الكافر يوم القيامة إلينا، وعرض عليها، أعرض عن قرينه، الذي وكل به، وتبرأ منه، وقال: ليت بيني وبينك بعدما بين المشرق والمغرب، فبئس القرين، أنت أيها الشيطان؛ لأنك قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العذاب المهين،

стр. 11969

والخزي الدائم، والعيش الضنك، والمحل المقض المضجع. ٣٩ - ثم حكى ما سيقال لهم حينئذ، توبيخًا وتأنيبًا، فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: في هذا اليوم، يعني: يوم القيامة، فهو حكاية لما سيقال لهم حينئذ، من جهة الله تعالى، توبيخًا وتقريعًا؛ أي: لن ينفعكم اليوم تمنيكم لمباعدتهم ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾؛ أي: لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، باتباعكم إياهم في الكفر والمعاصي، وإذ للتعليل، متعلق بالنفي، كما قال سيبويه، إنها بمعنى التعليل، حرف بمنزلة لام العلة ﴿أَنَّكُمْ﴾؛ أي: أنتم وشياطينكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل لنفي النفع؛ أي: لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم القرناء في العذاب، كما كنتم في الدنيا مشتركين في سببه، ويؤيد هذا المعنى قراءة ابن عامر، على اختلاف عليه فيها، بكسر همزة ﴿إنّ﴾. وقرأ الجمهور: بفتح همزة ﴿إنّ﴾ على أنها وما بعدها في محل رفع على الفاعلية لينفعكم؛ أي: لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، بمعنى لن يحصل لكم التشفي، يكون قرنائكم معذبين مثلكم، حيث كنتم تدعون عليهم بقولكم: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾، ونظائره: لتشفوا بذلك، قال المفسرون: لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب؛ لأن لكل أحد الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه. وفي الآية (١): إشارة إلى حال التابع والمتبوع، من أهل الأهواء والبدع، فإن المتبوع منهم، كان شيطان التابع في الإضلال عن طريق السنة، فلما فات الوقت وأدرك المقت، وقعوا في التمني الباطل، قيل: فَضِّلِ الْيَوْمَ عَلَى الْغَدِ ... إِنَّ لِلتَّأْخِيْرِ آفَاتِ فعلى العاقل تدارك حاله وتفكر مآله، والهرب من الشيطان الأسود والأبيض، قبل أن يهرب هو منه. ومعنى الآية: أي (٢) ولن ينفعكم في هذا اليوم اشتراككم في العذاب، أنتم

стр. 11970

وقرناؤكم، كما كان ينفع في الدنيا الاشتراك في المهام الدنيوية، إذ يتعاونون في تحمل أعبائها، ويتقاسمون شدتها وعناءها، فإن لكل منهم من العذاب ما لا تبلغه طاقته ولا قدرة له على احتماله وقد يكون المعنى: ولن ينفعكم ذلك من حيث التأسي، فإن المكروب في الدنيا يتأسى ويستروح بوجدان المشارك في البلوى، فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا: يُذَكِّرُنِيْ طُلُوْعُ الشَّمْسِ صَخْرَا ... وَأَذْكرُهُ بِكُلِّ مَغِيْبِ شَمْسِ فَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِيْن حَوْلِيْ ... عَلَى إِخْوانِهِمْ لقَتَلْتُ نَفْسِيْ وَمَا يَبْكوْنَ مِثْلَ أَخِيْ وَلَكِنْ ... أعَزِّيْ النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّيْ وقصارى ذلك: أنه لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب، إذ لكل منهم الحظ الأوفر منه، وقد يكون المعنى: ولن ينفعكم اليوم الاعتذار والندم، فأنتم وقرناؤكم مشتركون في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا، ٤٠ - ولما وصفهم فيما سلف بالعشى، وصفهم هنا بالعمى والصمم، من قبل أن الإنسان لاشتغاله بالدنيا يكون كمن حصل بعينه ضعف في البصر، وكلما زاد انهماكه فيها، كان ميله إلى الجسمانيات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل، فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت تتعب نفسك يا محمد، في دعاء قومك إلى التوحيد، فأنت تسمع الحق الصم؛ أي: الذين تصامّوا عن سماعه ﴿أَوْ تَهْدِي﴾ وترشد إلى الحق ﴿الْعُمْيَ﴾؛ أي: الذين تعاموا عن إبصاره ﴿و﴾ تهدي ﴿مَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بين لا يخفى على أحد؛ أي: ومن كان في علم الله، أنه يموت على الضلالة، فهو معطوف على العمى، باعتبار تغاير الوصفين؛ أي: أنت لا تسمعهم؛ أي: لا ينتفعون بسماعك، يشير (١) إلى أن من سددنا بصيرته، ولبسنا عليه رشده، ومن

стр. 11971

صببنا في مسامع قلبه رصاص الشقاء والحرمان، لا يمكنك يا محمد مع كمال نبوتك هدايته، وإسماعه من غير عنايتنا السابقة، ورعايتنا اللاحقة، وكان ﷺ يتعب نفسه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غيًّا وتعاميًا عما يشاهدونه من شواهد النبوة، وتصامًّا عما يسمعونه من بينات القرآن، فنزلت الآية، وهو إنكار تعجب، من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، بعد تمرنهم على الكفر، واستغراقهم في الضلال، بحيث صار عشاهم عمى مقرونًا بالصمم، فنزل منزلة من يدعي أنه قادر على ذلك لإصراره على دعائهم قائلًا: أنا أسمع وأهدي، على قصد تقوي الحكم، لا التخصيص، فعجب تعالى منه. ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط، بحيث لا ارعواء له عنه، لا توهم القصور من قبل الهادي، ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وحده بالقسر والإلجاء، يعني: لا يقدر على إسماع الصم وهداية العمي، وجعل الكافر مؤمنًا إلا الله وحده، لعظم قدرته وإحاطة تعلقها بكل مقدور. ومعنى الآية: أي أفانت (١) تسمع من قد سلبهم الله استماع حججه التي ذكرها في كتابه، أو تهدي إلى طريق الحق، من أعمى قلوبهم عن أبصارها، واستحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم طريق الردى. والخلاصة: أن ذلك ليس إليك إنما ذلك إلى من بيده تصريف القلوب، وتوجيهها إلى حيث شاء، فعليك البلاغ وعلينا الحساب. ٤١ - وبعد أن أيأسه من إيمانهم، سلاه بالانتقام منهم لأجله، إما حال حياته، أو بعد مماته، فقال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أصله (٢): إن ما على أن ﴿إن﴾ للشرط و ﴿ما﴾ مزيدة للتأكيد، بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة؛ أي: فإن قبضناك وأمتناك يا محمد، وأذهبناك من الدنيا، قبل أن نبصرك عذابهم، ونشفي بذلك صدرك، وصدر المؤمنين ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء المشركين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ لا محالة في الدنيا والآخرة ٤٢ - ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ أو إن أردنا أن

стр. 11972

نريك العذاب الذي وعدناهم ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ لا يفوتوننا؛ لأنهم تحت قهرنا وقدرتنا. وفي الآية تسلية النبي ﷺ ، بأنه تعالى ينتقم من أعدائه ومنكريه، إما في حال حياته، وإما بعد مماته، وإنه قادر على انتقامهم بواسطته كما كان في يوم بدر، أو بغير واسطة، كما كان في زمن أبي بكر ﵁ وغيره. وقرىء ﴿نرينك﴾ بالنون الخفيفة. ومعنى الآية (١): أي فإن نذهب بك أيها الرسول من بين أظهر المشركين، بموت أو غيره، فإنا منهم منتقمون، كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم، المكذبة لرسلها، أو نرينك الذي وعدناك من الظفر بهم، وعلائك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون، فنظهرك عليهم، ونخزيهم بيديك، وأيدي المؤمنين، وفي التعبير بالوعد، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، إشارة إلى أن ذلك سيقع حتمًا، وهكذا كان، فإنه لم يقبض رسوله ﷺ حتى أقر عينيه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم، قاله السدي، واختاره ابن جرير. ٤٣ - ثم أمر رسوله ﷺ أن يستمسك بما أوحى به إليه، فيعمل به، فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾ يا محمد ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: تمسك بالقرآن الذي أنزل عليك بمراعاة أحكامه، وإن كذب به من كذب، سواء عجلنا لك الموعود، أو أخرناه إلى يوم الآخرة ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: طريق سوي لا عوج له، وهو طريق التوحيد ودين الإسلام، والجملة تعليل لقوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾. وفي "التأويلات النجمية": فاعتصم بالقرآن، فإنه حبل الله المتين، بأن تتخلق بخلقه وتدور معه حيث يدور، وقف حيث ما أمرت، وثق بربك فإنك على صراط مستقيم، تصل به إلى حضرة جلالنا ٤٤ - ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن هذا القرآن الذي أوحي إليك ﴿لَذِكْرٌ﴾؛ أي: لشرف عظيم ﴿لَكَ﴾ خصوصًا ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾؛ أي: لأمتك عمومًا كما قال ﵇: "إن لكل شيء شرفًا يباهى به، وإن أمتي تباهي وشرفها القرآن"

стр. 11973

فالمراد بالقوم (١): الأمة، كما قال مجاهد، وقال بعضهم: ولقومك من قريش حيث يقال: إن هذا الكتاب العظيم، أنزله الله على رجل من هؤلاء، قال في "الكواشي": أولاهم بذلك الشرف الأقرب، فالأقرب منه ﷺ ، كقريش، ثم بني هاشم، وبني المطلب. قال ابن عطاء: شرف لك بانتسابك إلينا، وشرف لقومك بانتسابهم إليك؛ أي: لأن الانتساب إلى العظيم عظم، وإلى الشريف شرف. ثم جمع الله النبي ﷺ مع قومه فقال: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه، وعن تعظيمكم وشرككم على أن رزقتموه، وخصصتم به من بين العالمين. وقال القرطبي والصحيح: أنه شرف لمن عمل به كان من قريش، أو من غيرهم، انتهى. ومعنى الآية (٢): أي فخذ يا محمد بهذا القرآن، المنزل على قلبك، فإنه هو الحق المفضي إلى الصراط المستقيم، والموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم، وإنه لشرف عظيم لك، ولقومك؛ لأنه نزل بلغتهم على رجل منهم، فهم أفهم الناس به، فينبغي أن يكونوا أسبق الناس إلى العمل به، وسوف تسألون يوم القيامة عن حقه، وأداء شكر النعمة فيه. أخرج الطبراني وابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ فقال: "ألا إن الله تعالى، علم ما في قلبي من حبي لقومي، فبشرني فيهم"، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الآية، فجعل الذكر والشرف لقومي، إلى أن قال: "فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومي، والشهيد من قومي، وإن الله قلب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة". ثم قال عدي: ما رأيت رسول الله ﷺ ذكرت عنده قريش بخير، إلا سره، حتى يتبين ذلك السرور في وجهه للناس كلهم اهـ. ونظير الآية، قوله في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾؛

стр. 11974

أي: شرفكم، فالقرآن نزل بلسان قريش وإياهم خاطب، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم، وصاروا عيالًا عليهم، حتى يقفوا على معانيه من أمر ونهي، وأنباء وقصص، وحكمة وأدب. وروى الترمذي عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا ينازعهم فيه أحد، إلا أكبه الله تعالى على وجهه، ما أقاموا الدين"، وفي الآية، إيماء إلى أن الذكر الجميل، والثناء الحسن، أمر مرغوب فيه، ولولا ذلك ما امتن الله على نبيه محمد ﷺ به، ولما طلبه إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ وقال ابن دريد: إِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيْثٌ بَعْدَهُ ... كُنْ حَدِيْثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى وقال المتنبي: ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِيْ وَحَاجَتُهُ ... مَا قَاتَهُ وَفُضُوْلُ الْعَيْشِ أَشْغَالُ وخلاصة ما سلف: أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد وعد الله بنشر هذا الدين، وأبناء العرب هم العارفون بهذه اللغة، فهم الملزمون بنشرها، ونشر هذا الدين للأمم الأخرى، فمتى قصروا في ذلك، أذلهم الله تعالى في الدنيا، وأدخلهم النار في الآخرة، فعسى أن يقرأ هذا أبناء العرب، ويعلموا أنهم هم المعلمون للأمم، فينشروا هذا القرآن، ويكتبوا المصاحف باللغة العربية، ويضعوا على هوامشها تفاسير بلغات مختلفة، كالإنجليزية والألمانية والروسية والأرومية، تعرِّف الأمم كلها هذا الدين، معرفةً حقةً خاليةً من الخرافات، التي ألصقها به المبتدعون ويعود سيرته الأولى، وما ذلك على الله بعزيز. ٤٥ - ثم وبخ مشركي قريش، بأن ما هم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، لم يأت في شريعة من الشرائع فقال: ﴿وَاسْأَلْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ في محل النصب على أنه مفعول ﴿اسأل﴾، وهو على حذف المضاف. لاستحالة السؤال من الرسل حقيقةً، والمعنى: واسأل أمم من أرسلنا ﴿مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ وعلماء دينهم.

стр. 11975

وفائدة هذا المجاز: التنبيه على أن المسؤول عنه، عين ما نطقت به ألسنة الرسل، لا ما يقوله أممهم وعلماؤهم من تلقاء أنفسهم ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾؛ أي: هل حكمنا بعبادة الأوثان، وهل جاءت في ملة من مللهم، والمراد به: الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس بباع ابتدعه، حتى يكذب ويعادى له، فإنه أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة. قال ابن الشيخ: السؤال يكون لرفع الالتباس، ولم يكن رسول الله يشك في ذلك، وإنما الخطاب له والمراد غيره، قالت عائشة ﵂: لما نزلت هذه الآية، قال ﷺ : "ما أنا بالذي أشك، وما أنا بالذي أساس". والمعنى (١): أي واسأل أمم من أرسلنا من قبلك من الرسل، هل حكمنا بعبادة غير الله؟ وهل جاء ذاك في ملة من الملل، أو المراد بهذا الاستشهاد بيان إجماع المسلمين على التوحيد، والتنبيه على أن محمدًا ﷺ ليس ببدع من بين الرسل في الأمر، حتى يكذب ويعادى له؟ وقصارى ذلك: أن الرسل جميعًا دعوا إلى ما دعا إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام، ونحو الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وجعل الزمخشري السؤال في الآية مجازًا على النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، على أنه نظير قولهم: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك. وللآية وجه آخر (٢)، بحملها على ظاهرها من غير تقدير مضاف، وهو ما روى أنه ﷺ ، لما أُسري به إلى المسجد الأقصى، حشر إليه الأنبياء، والمرسلون من قبورهم، ومثلوا له، فأذّن جبرائيل، ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل بإخوانك الأنبياء والمرسلين، فلما فرغ من الصلاة، قال له جبرائيل: زعمت قريش، أن لله شريكًا، وزعمت اليهود والنصارى، أن لله ولدًا، سل يا محمد، هؤلاء النبيين، هل كان لله شريك؟ ثم قرأ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾
следующие страницы →