← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

صببنا في مسامع قلبه رصاص الشقاء والحرمان، لا يمكنك يا محمد مع كمال نبوتك هدايته، وإسماعه من غير عنايتنا السابقة، ورعايتنا اللاحقة، وكان ﷺ يتعب نفسه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غيًّا وتعاميًا عما يشاهدونه من شواهد النبوة، وتصامًّا عما يسمعونه من بينات القرآن، فنزلت الآية، وهو إنكار تعجب، من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، بعد تمرنهم على الكفر، واستغراقهم في الضلال، بحيث صار عشاهم عمى مقرونًا بالصمم، فنزل منزلة من يدعي أنه قادر على ذلك لإصراره على دعائهم قائلًا: أنا أسمع وأهدي، على قصد تقوي الحكم، لا التخصيص، فعجب تعالى منه. ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط، بحيث لا ارعواء له عنه، لا توهم القصور من قبل الهادي، ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وحده بالقسر والإلجاء، يعني: لا يقدر على إسماع الصم وهداية العمي، وجعل الكافر مؤمنًا إلا الله وحده، لعظم قدرته وإحاطة تعلقها بكل مقدور. ومعنى الآية: أي أفانت (١) تسمع من قد سلبهم الله استماع حججه التي ذكرها في كتابه، أو تهدي إلى طريق الحق، من أعمى قلوبهم عن أبصارها، واستحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم طريق الردى. والخلاصة: أن ذلك ليس إليك إنما ذلك إلى من بيده تصريف القلوب، وتوجيهها إلى حيث شاء، فعليك البلاغ وعلينا الحساب. ٤١ - وبعد أن أيأسه من إيمانهم، سلاه بالانتقام منهم لأجله، إما حال حياته، أو بعد مماته، فقال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أصله (٢): إن ما على أن ﴿إن﴾ للشرط و ﴿ما﴾ مزيدة للتأكيد، بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة؛ أي: فإن قبضناك وأمتناك يا محمد، وأذهبناك من الدنيا، قبل أن نبصرك عذابهم، ونشفي بذلك صدرك، وصدر المؤمنين ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء المشركين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ لا محالة في الدنيا والآخرة ٤٢ - ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ أو إن أردنا أن

стр. 11972

نريك العذاب الذي وعدناهم ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ لا يفوتوننا؛ لأنهم تحت قهرنا وقدرتنا. وفي الآية تسلية النبي ﷺ ، بأنه تعالى ينتقم من أعدائه ومنكريه، إما في حال حياته، وإما بعد مماته، وإنه قادر على انتقامهم بواسطته كما كان في يوم بدر، أو بغير واسطة، كما كان في زمن أبي بكر ﵁ وغيره. وقرىء ﴿نرينك﴾ بالنون الخفيفة. ومعنى الآية (١): أي فإن نذهب بك أيها الرسول من بين أظهر المشركين، بموت أو غيره، فإنا منهم منتقمون، كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم، المكذبة لرسلها، أو نرينك الذي وعدناك من الظفر بهم، وعلائك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون، فنظهرك عليهم، ونخزيهم بيديك، وأيدي المؤمنين، وفي التعبير بالوعد، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، إشارة إلى أن ذلك سيقع حتمًا، وهكذا كان، فإنه لم يقبض رسوله ﷺ حتى أقر عينيه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم، قاله السدي، واختاره ابن جرير. ٤٣ - ثم أمر رسوله ﷺ أن يستمسك بما أوحى به إليه، فيعمل به، فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾ يا محمد ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: تمسك بالقرآن الذي أنزل عليك بمراعاة أحكامه، وإن كذب به من كذب، سواء عجلنا لك الموعود، أو أخرناه إلى يوم الآخرة ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: طريق سوي لا عوج له، وهو طريق التوحيد ودين الإسلام، والجملة تعليل لقوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾. وفي "التأويلات النجمية": فاعتصم بالقرآن، فإنه حبل الله المتين، بأن تتخلق بخلقه وتدور معه حيث يدور، وقف حيث ما أمرت، وثق بربك فإنك على صراط مستقيم، تصل به إلى حضرة جلالنا ٤٤ - ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن هذا القرآن الذي أوحي إليك ﴿لَذِكْرٌ﴾؛ أي: لشرف عظيم ﴿لَكَ﴾ خصوصًا ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾؛ أي: لأمتك عمومًا كما قال ﵇: "إن لكل شيء شرفًا يباهى به، وإن أمتي تباهي وشرفها القرآن"

стр. 11973

فالمراد بالقوم (١): الأمة، كما قال مجاهد، وقال بعضهم: ولقومك من قريش حيث يقال: إن هذا الكتاب العظيم، أنزله الله على رجل من هؤلاء، قال في "الكواشي": أولاهم بذلك الشرف الأقرب، فالأقرب منه ﷺ ، كقريش، ثم بني هاشم، وبني المطلب. قال ابن عطاء: شرف لك بانتسابك إلينا، وشرف لقومك بانتسابهم إليك؛ أي: لأن الانتساب إلى العظيم عظم، وإلى الشريف شرف. ثم جمع الله النبي ﷺ مع قومه فقال: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه، وعن تعظيمكم وشرككم على أن رزقتموه، وخصصتم به من بين العالمين. وقال القرطبي والصحيح: أنه شرف لمن عمل به كان من قريش، أو من غيرهم، انتهى. ومعنى الآية (٢): أي فخذ يا محمد بهذا القرآن، المنزل على قلبك، فإنه هو الحق المفضي إلى الصراط المستقيم، والموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم، وإنه لشرف عظيم لك، ولقومك؛ لأنه نزل بلغتهم على رجل منهم، فهم أفهم الناس به، فينبغي أن يكونوا أسبق الناس إلى العمل به، وسوف تسألون يوم القيامة عن حقه، وأداء شكر النعمة فيه. أخرج الطبراني وابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ فقال: "ألا إن الله تعالى، علم ما في قلبي من حبي لقومي، فبشرني فيهم"، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الآية، فجعل الذكر والشرف لقومي، إلى أن قال: "فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومي، والشهيد من قومي، وإن الله قلب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة". ثم قال عدي: ما رأيت رسول الله ﷺ ذكرت عنده قريش بخير، إلا سره، حتى يتبين ذلك السرور في وجهه للناس كلهم اهـ. ونظير الآية، قوله في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾؛

стр. 11974

أي: شرفكم، فالقرآن نزل بلسان قريش وإياهم خاطب، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم، وصاروا عيالًا عليهم، حتى يقفوا على معانيه من أمر ونهي، وأنباء وقصص، وحكمة وأدب. وروى الترمذي عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا ينازعهم فيه أحد، إلا أكبه الله تعالى على وجهه، ما أقاموا الدين"، وفي الآية، إيماء إلى أن الذكر الجميل، والثناء الحسن، أمر مرغوب فيه، ولولا ذلك ما امتن الله على نبيه محمد ﷺ به، ولما طلبه إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ وقال ابن دريد: إِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيْثٌ بَعْدَهُ ... كُنْ حَدِيْثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى وقال المتنبي: ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِيْ وَحَاجَتُهُ ... مَا قَاتَهُ وَفُضُوْلُ الْعَيْشِ أَشْغَالُ وخلاصة ما سلف: أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد وعد الله بنشر هذا الدين، وأبناء العرب هم العارفون بهذه اللغة، فهم الملزمون بنشرها، ونشر هذا الدين للأمم الأخرى، فمتى قصروا في ذلك، أذلهم الله تعالى في الدنيا، وأدخلهم النار في الآخرة، فعسى أن يقرأ هذا أبناء العرب، ويعلموا أنهم هم المعلمون للأمم، فينشروا هذا القرآن، ويكتبوا المصاحف باللغة العربية، ويضعوا على هوامشها تفاسير بلغات مختلفة، كالإنجليزية والألمانية والروسية والأرومية، تعرِّف الأمم كلها هذا الدين، معرفةً حقةً خاليةً من الخرافات، التي ألصقها به المبتدعون ويعود سيرته الأولى، وما ذلك على الله بعزيز. ٤٥ - ثم وبخ مشركي قريش، بأن ما هم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، لم يأت في شريعة من الشرائع فقال: ﴿وَاسْأَلْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ في محل النصب على أنه مفعول ﴿اسأل﴾، وهو على حذف المضاف. لاستحالة السؤال من الرسل حقيقةً، والمعنى: واسأل أمم من أرسلنا ﴿مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ وعلماء دينهم.

стр. 11975

وفائدة هذا المجاز: التنبيه على أن المسؤول عنه، عين ما نطقت به ألسنة الرسل، لا ما يقوله أممهم وعلماؤهم من تلقاء أنفسهم ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾؛ أي: هل حكمنا بعبادة الأوثان، وهل جاءت في ملة من مللهم، والمراد به: الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس بباع ابتدعه، حتى يكذب ويعادى له، فإنه أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة. قال ابن الشيخ: السؤال يكون لرفع الالتباس، ولم يكن رسول الله يشك في ذلك، وإنما الخطاب له والمراد غيره، قالت عائشة ﵂: لما نزلت هذه الآية، قال ﷺ : "ما أنا بالذي أشك، وما أنا بالذي أساس". والمعنى (١): أي واسأل أمم من أرسلنا من قبلك من الرسل، هل حكمنا بعبادة غير الله؟ وهل جاء ذاك في ملة من الملل، أو المراد بهذا الاستشهاد بيان إجماع المسلمين على التوحيد، والتنبيه على أن محمدًا ﷺ ليس ببدع من بين الرسل في الأمر، حتى يكذب ويعادى له؟ وقصارى ذلك: أن الرسل جميعًا دعوا إلى ما دعا إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام، ونحو الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وجعل الزمخشري السؤال في الآية مجازًا على النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، على أنه نظير قولهم: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك. وللآية وجه آخر (٢)، بحملها على ظاهرها من غير تقدير مضاف، وهو ما روى أنه ﷺ ، لما أُسري به إلى المسجد الأقصى، حشر إليه الأنبياء، والمرسلون من قبورهم، ومثلوا له، فأذّن جبرائيل، ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل بإخوانك الأنبياء والمرسلين، فلما فرغ من الصلاة، قال له جبرائيل: زعمت قريش، أن لله شريكًا، وزعمت اليهود والنصارى، أن لله ولدًا، سل يا محمد، هؤلاء النبيين، هل كان لله شريك؟ ثم قرأ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾

стр. 11976

الآية، فقال ﷺ : لا أسأل، وقد اكتفيت، ولست بشاكّ فيه، فلم يشك فيه، ولم يسأل، وكان أثبت يقينًا من ذلك. قال أبو القاسم، المفسر في كتاب "التنزيل" له: إن هذه الآية أنزلت على النبي ﷺ ببيت المقدس، ليلة المعراج، فلما أنزلت وسمعها الأنبياء ﵈، أقروا لله تعالى بالوحدانية، وقالوا: بعثنا بالتوحيد، انتهى. قصة موسى ﵇ مع فرعون اللعين ٤٦ - ولما أعلم سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوه، وذكر اتفاق الأنبياء على التوحيد، أتبعه بذكر قصة موسى وفرعون، وبيان ما نزل بفرعون وقومه من النقمة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد بعثنا موسى بن عمران ﵇، حال كونه متلبسًا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ومعجزاتنا التسع الدالة على صحة نبوته ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ اللعين ﴿وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: أشراف قومه، والإرسال إلى الأشراف إرسال إلى الأراذل؛ لأنهم تابعون لهم ﴿فَقَالَ﴾ موسى لهم ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليكم فاتبعوني وأطيعوا أمري ٤٧ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ موسى ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ليسعدوا وينتهوا وينتفعوا بها، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ مرتب على محذوف، تقديره: فطلبوا منه الآيات الدالة على صدقه، فلما جاءهم إلخ، كما يدل عليه ما في سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ إلخ. ﴿إِذَا﴾ فجائية رابطة لجواب لما الشرطية ﴿هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك الآيات ﴿يَضْحَكُونَ﴾ استهزاء بها، ويسخرون منها، ويهزؤون بها؛ أي: فاجؤوا المجيء بها بالضحك، سخرية من غير توقف، ولا تأمل، وإذا هنا حرف فجأة لا ظرف، كما زعمه الزمخشري؛ أي: استهزؤوا بها، وكذبوها أول ما رأوها، ولم يتأملوا فيها، وقالوا: سحر وتخييل ظلمًا وعلوًا. والمعنى (١): أي فلما جاءهم موسى بالأدلة على صدق قوله، فيما يدعوهم إليه من توحيد الله، وترك عبادة الآلهة، إذا فرعون وقومه يضحكون من تلك

стр. 11977

المعجزات، كما أن قومك يسخرون مما جئتهم به، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ على، ما كان يلقاه من قومه المشركين، وإعلام له بأن قومه لن يعدوا أن يكونوا كسائر الأمم، الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله، وتكذيب. رسله، وندب له أن يستن بسنة أولي العزم من الرسل، في الصبر على أذي أقوامهم، وتكذيبهم لهم، وإخبار بأن عقبى أمرهم الهلاك، كسنته في الكافرين قبلهم، وظفره بهم، وعلو أمره، كما فعل بموسى ﵇ وقومه، الذين آمنوا معه من إظهارهم على فرعون وملئه. ٤٨ - ﴿وَمَا نُرِيهِمْ﴾؛ أي: وما أرينا فرعون وملأه ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ من تلك الآيات؛ أي: حجة من حججنا الدالة على صدق رسولنا في دعواه الرسالة ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾؛ أي: إلا كانت أعظم من سابقتها في الحجية عليهم، وآكد في الدلالة على صحة ما يأمر به من توحيد الله؛ أي: كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها، وأعظم قدرًا، مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها. وقيل المعنى (١): إن الأولى تقتضي علمًا، فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح، ومعنى الأخوة بين الآيات: أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوة موسى، كما يقال: هذه صاحبة هذه؛ أي: هما قرينتان في المعني، وقيل: المعني أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظن الظان أنها أكبر أو سائر الآيات، ومثل هذا: قول القائل: مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لَاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ ... مِثْلُ النَّجُوْمِ الَّتِيْ يَسْرِيْ بِهَا السَّارِيْ وجملة قوله: ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ في محل جر، صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾. ثم بين ما جوزوا به على تكذيبهم، فقال: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ﴾؛ أي: أخذنا فرعون وقدمه ﴿بِالْعَذَابِ﴾ وعاقبناهم بالسنين، والطوفان والجراد والدم والطمس ونحوها، وكانت هذه الآيات دلالات ومعجزات لموسى، وزجرًا وعذابًا للكافرين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: لكي يرجعوا (٢) عما هم عليه أو الكفر، فإن من جهولية نفس

стр. 11978

الإنسان، أن لا يرجع إلى الله على أقدام العبودية، إلا أن يجر بسلاسل البأساء والضراء إلى الحضرة الإلهية، فكلمة لعل، مستعارة لمعنى كي، وهو التعليل كما سبق في أول هذه السورة؛ أي: عاقبناهم بالعذاب لكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر إلى الإيمان بالله وطاعته، والتوبة مما هم عليه مقيمون من المعاصي، ٤٩ - ولما عاينوا ما جاءهم به من الآيات البينات، والدلالات الواضحات، ظنوا أن ذلك من قبيل السحر ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: فرعون وقدمه في كل مرة أو العذاب، لما ضاق نطاق بشريتهم ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ نادوه بذلك في مثل تلك الحالة؛ أي: عند طلب كشف العذاب بدعائه، لغاية عتوهم وغاية حماقتهم، أو سبق ذلك إلى لسانهم، على ما ألفوه من تسميتهم إياه بالساحر لفرط حيرتهم، قال سعدي المفتي: والأظهر: أن النداء كان باسمه العلم، كما في الأعراف، لكن حكى الله تعالى هذا كلامهم لا بعبارتهم، بل على وفق ما أضمرته قلوبهم، من اعتقادهم أنه ساحر، لاقتضاء مقام التسلية ذلك، فإن قريشًا أيضًا سموه ساحرًا، وسموا ما أتى به سحرًا، وعن الحسن قالوه على الاستهزاء، وقال بعضهم: قالوه تعظيمًا، فإن السحر كان عندهم علمًا عظيمًا، وصفةً ممدوحةً والساحر فيهم عظيم الشأن، فكأنهم قالوا: يا أيها العالم بالسحر الكامل، الحاذق فيه، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ليكشف عنا العذاب ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أي: بسبب ما أخبرتنا من عهده إليك، أنا من آمنا به كشفه عنا، أو بعهده عندك، وهو النبوة، فإن النبوة تسمى عهد الله، والباء حينئذ للقسم؛ أي: ادع الله بحق ما عندك من النبوة، أو بما عهده عندك من استجابة دعوتك في كل شيء. قال في "التأويلات النجمية": ما قالوا مع هذا الاضطرار: يا أيها الرسول، وما قالوا: ادع لنا ربنا؛ لأنهم ما رجعوا إلى الله بصدق النية، وخلوص العقيدة. ليروه بنور الإيمان رسولًا، ويروا الله ربهم، وإنما رجعوا بالاضطرار لخلاص أنفسهم، لا لخلاص قلوبهم ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾؛ أي: لمؤمنون على تقدير كشف العذاب عنا بدعوتك وعد منهم، معلق بشرط الدعاء، ولهذا تعرضوا للنبوة على تقدير صحتها، وقالوا: ربك، لا ربنا، فإنه إنما يكون ربهم بعد الإيمان؛ لأنهم قائلون بربوبية فرعون.

стр. 11979

٥٠ - وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ مرتب على محذوف تقديره: فدعا موسى ربه فكشف عنهم العذاب، فلما كشفنا وأزلنا عنهم العذاب النازل بهم ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾؛ أي: فاجؤوا نقص عهدهم بالاهتداء، وهو الإيمان؛ أي: بادروا النكث ولم يؤخروه، وعادوا إلى كفرهم، وأصروا عليه، ولما نقضوا عهودهم صاروا ملعونين، ومن آثار لعنهم الغرق كما يأتي، فعلى العاقل الوفاء بالعهد، وقرأ أبو حيوة ﴿يَنْكُثُونَ﴾ بكسر الكاف. والمعنى: فدعانا موسى فكشفنا عنهم العذاب فلم يؤمنوا، ونقضوا العهد، وقد كان هذا ديدنهم مع موسى، يعدونه في كل مرة أن يؤمنوا به، إذا كشف الرجز، ثم ينقضون ما عاهدوا الله عليه، ونحو الآية: ما جاء في سورة الأعراف من قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾. ٥١ - ثم أخبر سبحانه، عن تمرد فرعون وعتوه وعناده، فقال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ﴾ بنفسه، أو بمناد أمره بالنداء ﴿فِي قَوْمِهِ﴾؛ أي: في مجمعهم وفيما بينهم، بعد أن كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمنوا فـ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾ يريد الأقباط ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام التقريري. لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني مخالف، وهي أربعون فرسخًا في أربعين، وفي "فتح الرحمن": وهو من نحو الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل، وأسوان بالضم، بلد بصعيد مصر، كما في "القاموس". قال في "روضة الأخبار": مصر بلدة معروفة، بناها مصر بن حام بن نوح، وبه سميت مصر مصرًا. ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: أنهار (١) النيل، فاللام عوض عن المضاف إليه، والمراد بها: الخلجان الكبار الخارجة من النيل، ومعظمها أربعة أنهر، نهر

стр. 11980

الملك وهو نهر الإسكندرية، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس، وهو بوزن سكين بلدة بجزيرة من جزائر بحر الروم، قرب دمياط، ينسب إليها الثياب الفاخرة، كما في "القاموس" ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾؛ أي: من تحت قصري، أو بأمري، والواو في قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ إما عاطفة لهذه الأنهار على ملك، فجملة ﴿تَجْرِي﴾ حال منها، أو ﴿الواو﴾ للحال، فـ ﴿هذه﴾ مبتدأ و ﴿الأنهار﴾ صفتها، و ﴿تجري﴾ خبر للمبتدأ. قال في "خريدة العجائب": ليس في الدنيا نهر أطول من النيل؛ لأن مسيرته شهران في الإِسلام، وشهران في الكفر، وشهران في البرية، وأربعة أشهر في الخراب، ومخرجه أو بلاد جبل القمر، خلف خط الاستواء، وسمي جبل القمر؛ لأن القمر لا يطلع عليه أصلًا، لخروجه عن خط الاستواء، وميله عن نوره، وضوءه يخرج في بحر الظلمة؛ أي: البحر الأسود، ويدخل تحت جبل القمر، وليس في الدنيا نهر يشبه النيل إلا نهر مهران، وهو نهر السند، وقال الضحاك (١): أراد بالأنهار القوّاد والرؤساء والجبابرة، وأنهم تحت لوائه، وقيل: أراد بالأنهار الأموال، والأول أولى؛ لأن هذن التفسيرين يشبهان تفسير الباطنية، والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتتعامون فلا تبصرون عظمتي وقدرتي، وعجز موسى، ٥٢ - و ﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ منقطعة، تقدر ببل الإضرابية، وبهمزة الاستفهام التقريري؛ لأن غرضه حملهم على الإقرار بخيريته، كأنه قال إثر ما عدد أسباب فضله، ومبادىء خيريته، أَثَبَت عندكم واستقر لديكم، أنى أنا خير من هذا الذي هو مهين؛ أي: بل أنا خير ﴿مِنْ هَذَا﴾ الساحر ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾؛ أي: ضعيف، حقير، فقير، ذليل، لا قدر ولا ملك له، من المهانة، وهي الذلة ﴿وَلَا يَكَادُ﴾؛ أي: لا يقرب ﴿يُبِينُ﴾ الكلام، ويوضحه ويبينه للكنة، ورتة في لسانه، فكيف يصلح للنبوة والرسالة، يريد أنه ليس معه من آيات الملك والسياسة، ما يعتضده ويتقوى به، كما قالت

стр. 11981

قريش: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وهو في نفسه، خال عما يوصف به الرجال من الفصاحة والبلاغة، وكان الأنبياء كلهم فصحاء بلغاء، قاله افتراءً على موسى، وتنقيصا له في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه من نوع رتة، حدثت بسبب الجمرة، وقد كانت ذهبت عنه لقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)﴾ والرتة: غير اللثغة، وهي حبسة في اللسان، تمنعه من الجريان، وسلاسة التكلم، واللثغة: إبدال حرف بحرف، كإبدال الراء غينًا، والسين ثاء مثلثة. وفي "التأويلات النجمية": تشير الآية، إلى أن من تعزز بشيء من دون الله، فحتفه وهلاكه في ذلك الشيء، فلما تعزز فرعون بملك مصر، وجري النيل بأمره، كان فيه هلاكه، وكذلك من استصغر أحدًا سلط عليه، كما أو فرعون استصغر موسى ﵇ وحديثه، وعابه بالفقر واللكنة، فقال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾، فسلطه الله عليه، وكان هلاكه على يديه، وفيه إشارة أخرى، وهي أن قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾، هو من خصوصية صفة إبليس، فكانت هذه الصفة توجد في فرعون، وكان من صفة فرعون قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ولم توجد هذه الصفة في إبليس، وقرأ الباقر ﴿يبين﴾ بفتح الياء، من بان إذا ظهر. والمعنى (١): أي بل أنا ولا شك خير وأفضل بما لي من الملك والسلطة والسعة والجاه من هذا؛ أي: من موسى الذي هو ضعيف، حقير ممتهن في نفسه، لا عز له، ولا يكاد يبين الكلام، ويفصح عما يريد، لما في لسانه من العقدة بسبب الجمرة، وهذا حكم عليه بما يعلى منه في الماضي، دون أو يعلم أو الله الكريم، أزال عنه عقدته حين دعاه، فقال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ فحل عقدة لسانه، كما جاء في قوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾. قال الحسن البصري: إنه قد بفتح منها شيء، يسأل زواله، وإنما سأل زوال ما يمنع الإبلاغ والإفهام اهـ. والأشياء الخلقية لا يعاب بها المرء ولا يذم،

стр. 11982

لكنه أراد الترويج على رعيته، وصدهم عن الإيمان به. ٥٣ - ثم ذكر شبهةً مانعة له من الرياسة، وهي أنه لا يلبس لبس الملوك، فلا يكون رئيسًا ولا رسولًا لتلازمهما في زعمه، فقال: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قاله توبيخًا (١) ولومًا على ترك الفعل، على ما هو مقتضى حرف التحضيض، الداخل على الماضي، والأسورة جمع سوار بالكسر والضم، وهو ما يلبس في الساعد، والذهب جسم ذائب صاف، منطرق، أصفر، كما سيأتي. والمعنى: فهلا أُلقي على موسى، وأُعطي مقاليد الملك، إن كان صادقًا في مقالته في رسالته، فيكون حاله خيرًا من حالي، والملقي هو رب موسى من السماء، وإلقاء الأسورة كناية عن إلقاء مقاليد الملك؛ أي: أسبابه التي هي كالمفاتيح له، وكانوا إذا سودوا رجلًا سوروه بسوارين، وطوقوه بطوق من ذهب علما على رياسته، ودلالة لسيادته؛ أي: فهلا ألقى رب موسى عليه أساور من ذهب، فيتحلى بها إن كان صادقًا، في أن له ربًا أرسله إلينا، كما جرت عادتهم بذلك، وهذا شبيه بما قال كفار قريش في عظيم القريتين. وقرأ الضحاك (٢): ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ﴾: مبنيا للفاعل؛ أي: الله ﴿أساورة﴾: بالنصب، وقرأ الجمهور: ﴿أساورة﴾: بالرفع. وقرأ أبي وعبد الله: ﴿أساوير﴾ جمع إسوار، لغة في سوار، وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء والأعرج ومجاهد وأبو حيوة وحفص: ﴿أَسوِرَةٌ﴾ جمع سوار، نحو: خمار وأخمرة، وقرأ الأعمش ﴿أساوير﴾، ورويت عن أبي وعن أبي عمرو. ثم ذكر شبهةً أخرى، وهي أنه ليس له خدم أو الملائكة تعينه، فقال: ﴿أَوْ﴾ هلا ﴿جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾؛ أي: حالة كونهم متقارنين متتابعين، أو مقرونين بموسى منضمين إليه: إن كان صادقًا يعينونه على أمره، ويشهدون له بالنبوة، ويمشون أمه، كما نفعل نحو، إذا أرسلنا رسولًا في أمر هام يحتاج إلى دفاع، وفيه خصام ونزاع، وهو بهذا، أوهم قومه أن الرسل لا بدّ أن يكونوا على

стр. 11983

هيئة الجبابرة، أو يكونوا محفوفين بالملائكة. ٥٤ - ثم ذكر أن هذه الخدع قد غلبت عليهم، وسحرت ألبابهم لغفلتهم، وضعف عقولهم، فاعترفوا بربوبيته، وكذبوا بنبوة موسى، فقال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾؛ أي: فاستجهل قومه، واستحمق عقولهم بقوله وكيده، وبما أبداه لهم من عظمة الملك والرياسة، وجعلها مناطًا للعلم والنبوة، وأنه لو كانت هناك نبوة، لكان هو أولى بها ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: فامتثلوه فيما أمرهم به من تكذيب موسى وإقرار ربوبيته، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؛ أي: خارجين عن طاعة الله تعالى، تعليل لطاعتهم له؛ أي: أطاعوه فيما أمرهم به؛ لأنهم كانوا قومًا ذوي فسق وضلال وغي، ومن ثم أسرعوا إلى تلبية دعوة ذلك الفاسق، الغوي، اللعين. ٥٥ - ذم ذكر جزاءهم على ما اجترحوا من تكذيب رسوله، على وضوح الدليل، وظهور الحق، فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾؛ أي: أغضبونا بعنادهم وعظيم استكبارهم، وبغيهم في الأرض، والأسف محركًا: الغضب، وقيل: مسند الغضب، وقيل: السخط (١)، وحقيقته ثوران دم القلب إرادة الانتقام، فمتى كان ذلك على من دونه، انتشر فصار غضبًا، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنًا. والمعنى: فلما أغضبنا فرعون وقومه مسند الغضب، بالإفراط في العناد والعصيان، وغضب الله نقيض الرضى، أو إرادة الانتقام، أو تحقيق الوعيد، أو الأخذ الأليم، أو البطش الشديد، أو هتك الأستار والتعذيب بالنار، أو تغيير النعمة، وقيل: المعنى: أغضبوا رسولنا موسى ﵇. بتكذيبه وعدم طاعته ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: أردنا أن نعجل لهم انتقامنا وعذابنا، وأن لا نحلم عنهم، وفي "كشف الأسرار": أحللنا بهم النقمة والعذاب ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ في "البحر"، تفسير للانتقام؛ أي: فأهلكناهم المطاع والمطيعين له ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بالإغراق في

стр. 11984

اليم، لم نترك منهم أحدًا، وإنما أهلكوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به، وهو الماء في قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في "الشعب"، وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه .. فإنما ذلك استدراج منه له"، وقرأ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾. ٥٦ - ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾؛ أي: قدوة لمن عمل بعلمهم من الكفار، في استحقاق العذاب ككفار قومك. وقرأ الجمهور (١): ﴿سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام جمع سالف، كخدم وخادم وحرس وحارس، يعني: اسم جمع له؛ لأن فَعَلًا ليس من أبنية المجموع المكسرة، قال ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة؛ أي: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. وقرأ (٢) أبو عبد الله. وأصحابه، وسعيد بن عياض والأعمش وطلحة والأعرج وحمزة والكسائي: ﴿وسلفا﴾ بضم السين وضم اللام جمع سليف، كسرر وسرير، وقال أبو حاتم: هو جمع سلف، كخشب وخشب، وقرأ علي وابن مسعود ومجاهد وأبو وائل والنخعي وحميد بن قيس والأعرج أيضًا ﴿وسلفا﴾ بضم السين وفتح اللام جمع سلفة، كغرفة وغرف، وهي الفرقة المتقدمة والقطيعة من الناس. ﴿و﴾ جعلناهم أيضًا ﴿مثلًا﴾ وعبرةً وتذكرةً ﴿لِلْآخِرِينَ﴾؛ أي: لمن يأتي بعدهم من الكافرين؛ أي: جعلناهم حديثًا عجيب الشأن، سائرًا مسير المثل، يحدث به الآخرون من الكفار، يقال لهم: مثلكم مثل قوم فرعون، فاللام متعلق بكل من ﴿سَلَفًا﴾ ﴿وَمَثَلًا﴾ على سبيل التنازع. الإعراب ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ

стр. 11985

سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر إذ قال إبراهيم، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿لِأَبِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَوْمِهِ﴾: معطوف على ﴿أَبِيهِ﴾، ﴿إِنَّنِي﴾: ناصب واسمه، والنون نون الوقاية، ﴿بَرَاءٌ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿بَرَاءٌ﴾، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة لما الموصولة ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الَّذِي﴾ مستثنى في محل النصب على الاستثناء، والاستثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، بناء على أنهم كانوا يشركون مع الله الأصنام، ورجح أبو حيان كون الاستثناء منقطعًا، إذ كانوا لا يعبدون الله مع الأصنام، ﴿فَطَرَنِي﴾: فعل وفاعل مستتر، ونون وقاية ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فَإِنَّهُ﴾ الفاء: تعليلية. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿سَيَهْدِينِ﴾ خبره، والسين للتأكيد، لا للاستقبال كما مر؛ أي: يديم هدايتي في المستقبل والحال، والمفعول به محذوف؛ أي: سيهديني لرعاية الفاصلة، وجملة ﴿إن﴾ جملة تعليلة، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَجَعَلَهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جعلها﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، أو على الله، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾، ﴿كَلِمَةً﴾: مفعول ثان، ﴿بَاقِيَةً﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾، ﴿في عَقِبِهِ﴾ متعلق بـ ﴿بَاقِيَةً﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾ تعليلية، لا محل لها من الإعراب، ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب عن محذوف، تقديره: فلم يحصل ما رجاه إبراهيم. ﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على الجملة المحذوفة، ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾: معطوف على هؤلاء، أو مفعول معه ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: فعل، ومفعول، وفاعل في محل النصب بأن المضمرة بعد حتى الجارة، ﴿وَرَسُولٌ﴾: معطوف على ﴿الْحَقُّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة رسول، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى

стр. 11986

مجيء الحق إياهم ورسول مبين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَتَّعْتُ﴾. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب لما، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾، أو مستأنفة، ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَإِنَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، و ﴿كَافِرُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على ما قبلها، على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿قَالُوا﴾ الأولى ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا. ﴿نُزِّلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿هَذَا﴾: نائب فاعل، ﴿الْقُرْآنُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ متعلق بـ ﴿نُزِّلَ﴾، ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ صفة أولى لـ ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة ثانية له، ﴿أَهُمْ﴾: الهمزة: للاستفام الإنكاري التجهيلي، ﴿أَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقْسِمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة إنشائية. ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿قَسَمْنَا﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿قَسَمْنَا﴾، ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾: مفعول به، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: حال من ضمير ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾؛ لأن المضاف كالجزء من المضاف إليه، ﴿وَرَفَعْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَسَمْنَا﴾، ﴿بَعْضَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿رَفَعْنَا﴾، ﴿دَرَجَاتٍ﴾: تمييز محول عن المفعول، أو منصوب بنزع الخافض، كما مر، ﴿لِيَتَّخِذَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل. ﴿يَتَّخِذَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة

стр. 11987

بعد لام كي، ﴿بَعْضُهُمْ﴾ فاعل، ﴿بَعْضًا﴾: مفعول أول لـ ﴿يَتَّخِذَ﴾. ﴿سُخْرِيًّا﴾: مفعول ثان له، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لاتخاذ بعضهم بعضًا سخريًا، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿رفعنا﴾، ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿رحمت ربك﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿خَيْرٌ﴾: خبر، والجملة مستأنفة، ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، وجملة ﴿يَجْمَعُونَ﴾: صلة لما الموصولة، والعائد محذوف تقديره: مما يجمعونه. ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿أَن﴾ حرف مصدر ونصب، ﴿يَكُونَ﴾: فعل ناقص منصوب بـ ﴿أَن﴾، ﴿النَّاسُ﴾: اسمها. ﴿أُمَّةً﴾: خبرها، ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة ﴿أُمَّةً﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر، مجرور بإضافة المبتدأ المقدر إليه، وخبر ذلك المبتدأ محذوف وجوبًا، والتقدير: ولولا كراهية كون الناس أمة واحدة موجود، والجملة الاسمية شرط لـ ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَجَعَلْنَا﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لولا﴾. ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿لِمَنْ﴾: في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وجملة ﴿يَكْفُرُ﴾: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْفُرُ﴾، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ﴾ بإعادة الجار، ﴿سُقُفًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿سُقُفًا﴾، وجملة ﴿جعلنا﴾ جواب ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة، ﴿وَمَعَارِجَ﴾ معطوف على ﴿سُقُفًا﴾، ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَظْهَرُونَ﴾، وجملة ﴿يَظْهَرُونَ﴾ صفة لـ ﴿مَعَارِجَ﴾. ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾. ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾: معطوف على قوله ﴿لبيوتهم﴾، وكرر لفظ البيوت لزيادة التقرير، ﴿أَبْوَابًا﴾ معطوف بعاطف مقدر على ﴿سُقُفًا﴾، أو منصوب بفعل محذوف،

стр. 11988

مماثل للأول، فيكون من عطف الجمل؛ أي: ولجعلنا لبيوتهم أبوابًا ﴿وَسُرُرًا﴾: معطوف على أبوابًا، ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَتَّكِئُونَ﴾، وجملة ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ صفة لـ ﴿سُرُرًا﴾، ﴿وَزُخْرُفًا﴾: معطوف على أبوابًا، أو مفعول به لفعل محذوف؛ أي: ولجعلنا لهم زخرفًا، وعطفه الزمخشري على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾، كأنه قال: سقفًا من فضة وذهب؛ أي: بعضها من فضة وبعضها من ذهب. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد، حرف بمعنى إلا الاستثنائية، استثناء مفرغًا، ﴿مَتَاعُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿الْحَيَاةِ﴾: مضاف إليه، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، وقرىء بتخفيف لما، و ﴿إِنْ﴾ حينئذ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿لَمَّا﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿ما﴾: زائدة، ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ﴾: خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر خبر لـ ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة مستأنفة، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ مبتدأ، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿الْآخِرَةُ﴾ أو من الضمير المستكن في الخبر، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يَعْشُ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿نُقَيِّضْ﴾، ﴿شَيْطَانًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿فَهُوَ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿لَهُ﴾ حال من ﴿قَرِينٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿قَرِينٌ﴾ خبر هو، والجملة الاسمية معطوفة على جملة جواب الشرط، ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿يصدونهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ متعلق بـ ﴿يصدونهم﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿من﴾ الشرطية، أو على جملة

стр. 11989

الجواب ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿إنّ﴾، ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿مُهْتَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي حسب؛ أي: يحسبون اهتداءهم. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء وغاية، لدخولها على الجملة ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿جَاءَنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على العاشي، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على العاشي، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ الجارة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: فهو له قرين، إلى قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وقت مجيئه إيانا. ﴿يَا لَيْتَ﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا هذا القرين، ﴿لَيْتَ﴾: حرف تمن ونصب، ﴿بَيْنِي﴾ ظرف متعلق بمحذوف، خبر ﴿لَيْتَ﴾ مقدم على اسمها، ﴿وَبَيْنَكَ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾، ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾: اسم ﴿لَيْتَ﴾ مؤخر، ومضاف إليه، وجملة النداء مع جملة التمني في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾: الفاء: استئنافية. ﴿بِئْسَ﴾ فعل ماض من أفعال الذم. ﴿الْقَرِينُ﴾: فاعل، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا تقديره: أنت، وجملة ﴿بِئْسَ﴾ في محل الرفع خبر لهذا المخصوص، المحذوف، والجملة الاسمية جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾. ﴿وَلَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لن﴾ حرف نصب، ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾ فعك مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾، والكاف مفعول به، وفاعله ضمير مستتر يعود على التمني المفهوم من ﴿ليت﴾، والجملة مستأنفة، ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾، ﴿إِذْ﴾: حرف تعليل بمعنى اللام، أو ظرف لما مضى من الزمان، بدل من اليوم، ﴿ظَلَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف

стр. 11990

لـ ﴿إِذْ﴾، أو في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بـ ﴿إِذْ﴾ التعليلية؛ أي: ولن ينفعكم تمنيكم اليوم، وندمكم لظلمكم في الدنيا، ﴿أَنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ متعلق بـ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾، و ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أَنّ﴾ مسوقة لتعليل الظلم، لا محل لها من الإعراب، وقرىء أنكم بفتح الهمزة، ففاعل النفع حينئذ المصدر، المؤول من ﴿أَنّ﴾ والتقدير: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، لظلمكم في الدنيا. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت تتعب نفسك، فأنت تسمع الصم، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتسليته ﷺ ، ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿تُسْمِعُ﴾، ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، معطوف على العمي، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: خبرها، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكر، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك: ﴿إما نذهبن بك﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿ما﴾ زائدة ﴿نَذْهَبَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف، لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير يعود على الله سبحانه، ﴿بِكَ﴾: متعلق بـ ﴿نَذْهَبَنَّ﴾، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، و ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة،

стр. 11991

﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتفصيل، ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية معطوف على ﴿نَذْهَبَنَّ﴾ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على الله، والكاف مفعول أول، ﴿الَّذِي﴾ مفعول ثان لـ ﴿أرى﴾؛ لأنها بصرية تعدت بالهمزة إلى مفعولين، ﴿وَعَدْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وعدناهموه، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾، و ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية المقدرة بالعطف على كونها جوابًا لها. ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك استمسك. ﴿استمسك﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ﴿بِالَّذِي﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أُوحِيَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ خبره ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة ﴿صِرَاطٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَذِكْرٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿ذِكْرٌ﴾ خبر ﴿إن﴾. ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿ذِكْرٌ﴾، أو صفة له، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾: معطوف على ﴿لَكَ﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى، ﴿وَسَوْفَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿سوف﴾: حرف تسويف، ﴿تُسْأَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ عطف فعلية على اسمية، ﴿وَاسْأَلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اسأل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة معطوفة على جملة ﴿استمسك﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل

стр. 11992

النصب مفعول أول لـ ﴿اسْأَلْ﴾، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من أرسلناه. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿مِنْ رُسُلِنَا﴾: حال من ﴿مِنْ﴾ الموصولة، أو من العائد المحذوف، ﴿أَجَعَلْنَا﴾: الهمزة: للاستفهام الاستخباري ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾: في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿آلِهَةً﴾: مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، وجملة ﴿يُعْبَدُونَ﴾: صفة لـ ﴿آلِهَةً﴾، وجملة ﴿جعلنا﴾ في محل النصب سدت مسد المفعول الثاني، لـ ﴿سأل﴾ المعلق عنها بهمزة الاستفهام. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: حال من موسى، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿وَمَلَئِهِ﴾ معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ﴿فَقَالَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ناصب واسمه وخبره، ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة على مقدر تقديره: فطلبوا منه الآيات، ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَهُمْ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿إِذَا﴾: حرف فجأة رابطة لجواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المقدرة. ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾.

стр. 11993

﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿نُرِيهِمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول، والجملة مستأنفة أو معطوفة على ما قبلها، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿آيَةٍ﴾ مفعول ثان لـ ﴿نُرِي﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هِيَ أَكْبَرُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿مِنْ أُخْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَكْبَرُ﴾، والجملة الاسمية صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾، ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿بِالْعَذَابِ﴾ متعلق بـ ﴿أخذنا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿نُرِيهِمْ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿أخذناهم﴾، ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة في محل النصب، مبني على الضم. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة، مبني بسكون على الألف المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين. ﴿السَّاحِرُ﴾ بدل من أي، أو نعت لها، وجملة النداء في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿ادْعُ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ﴿لَنَا﴾: متعلق به، ﴿رَبَّكَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ادْعُ﴾، و ﴿ما﴾ إما موصولة أو مصدرية، ﴿عَهِدَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عِنْدَكَ﴾ متعلق بـ ﴿عَهِدَ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، أو لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿إِنَّنَا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿مُهْتَدُونَ﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء، عاطفة على مقدر، يقتضيه المقام تقديره: فدعا موسى، فكشفنا عنهم العذاب، فلما كشفنا عنهم العذاب إلخ، ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿كَشَفْنَا﴾ فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿كَشَفْنَا﴾، ﴿الْعَذَابَ﴾ مفعول به ﴿إِذَا﴾: فجائية رابطة لجواب ﴿لَمَّا﴾ الشرطية، حرف لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، كما قدرنا آنفًا ﴿هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾.

стр. 11994

﴿وَنَادَى﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿نادى فرعون﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿فِي قَوْمِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نادى﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، والجملة مفسرة لجملة ﴿نادى﴾، ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري. لدخولها على النافي، ﴿لَيْسَ﴾: فعل ناقص، ﴿لِى﴾: خبرها مقدم، ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿ليس﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَهَذِهِ﴾: في محل الرفع معطوف على اسم ﴿ليس﴾، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ بدل من اسم الإشارة، ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَنْهَارُ﴾، ﴿مِنْ تَحْتِي﴾ متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، والجملة الفعلية حال من الأنهار، ويحتمل كون اسم الإشارة مبتدأ، و ﴿الْأَنْهَارُ﴾ بدل منه، وجملة تجري خبره، والجملة الاسمية حال من ياء المتكلم في ﴿لِي﴾، والعامل فيه الاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور في ﴿لِي﴾، ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتتعامون فلا تبصرون، والجملة المحذوفة في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُبْصِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾ خبره، ﴿مِنْ هَذَا﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿الَّذِي﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة معطوفة على ما قبلها، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿هُوَ مَهِينٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَكَادُ﴾: فعل مضارع من أفعال المقاربة، واسمها ضمير يعود على الموصول، وجملة ﴿يُبِينُ﴾: خبرها، وجملة ﴿يَكَادُ﴾: معطوفة على الجملة الابتدائية، على كونها صلة الموصول، ﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿لولا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا،

стр. 11995

﴿أُلْقِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُلْقِيَ﴾، ﴿أَسْوِرَةٌ﴾: نائب فاعل لـ ﴿أُلْقِيَ﴾، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: صفة لـ ﴿أَسْوِرَةٌ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿جَاءَ﴾: فعل ماض، ﴿مَعَهُ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾: فاعل، ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾: حال من الملائكة، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُلْقِيَ﴾، ﴿فَاسْتَخَفَّ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿ستخف﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿قَوْمِهِ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَادَى﴾، ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿استخف﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمًا﴾ خبره، ﴿فَاسِقِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل إطاعتهم. ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكر من طاعتهم له، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك، ﴿لَمَّا آسَفُونَا﴾، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿آسَفُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، ﴿انْتَقَمْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿انْتَقَمْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾: الفاء: عاطفة ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿انْتَقَمْنَا﴾ عطفا تفسيريا، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد لضمير المفعول، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿سَلَفًا﴾ مفعول ثان، ﴿وَمَثَلًا﴾: معطوف على ﴿سَلَفًا﴾. ﴿لِلْآخِرِينَ﴾ صفة لـ ﴿مَثَلًا﴾ و ﴿سَلَفًا﴾ على سبيل التنازع، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بفتح الباء وألف وهمزة بعد الراء، وهو في الأصل وقع موقع الصفة مبالغة، ولذلك استوى فيه المذكر والمؤنث، والواحد والاثنان والجمع، يقال: نحن البراء. وأما البريء فهو يؤنث ويجمع، يقال: بريء وبريؤون وبريئة وبريئات. وفي "المختار": وتبرأ من كذ فهو براء منه بالفتح والمد، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر. وفي "القاموس": وأنا براء منه، لا يثنى ولا يجمع ولا

стр. 11996

يؤنث؛ أي: بريء. ﴿فَطَرَنِي﴾ خلقني، والفطر: ابتداء خلق من غير مثال، من قولهم: فطرت البئر إذا أنشات حفرها من غير أصل سابق. ﴿فِي عَقِبِهِ﴾؛ أي: في ذريته، قال الراغب: العقب مؤخر الرجل، واستعير للولد وولد الولد، انتهى. وفي "القاموس": العقب ككتف الجري بعد الجري، والولد وولد الولد. ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ والسحر: إراءة الباطل في صورة الحق. ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾ والمعيشة: ما يعيش به الإنسان، ويتغذى، ويجعله سببًا في قوام بنيته، إذ العيش الحياة المختصة بالحيوان، كما سبق. وأصل معيشة: بوزن مفعلة، نقلت حركة الياء إلى العين فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مد. ﴿سُخْرِيًّا﴾ والسخري: هو الذي يقهر على العمل، وهو بضم السين نسبة إلى السخرة، وهي العمل بلا أجرة، وفي "القاموس": وسخره كمنعه سخريًا بالكسر، ويضم كلفه ما لا يريد وقهره، ويبعد أن تكون من السخرية التي هي بمعنى الاستهزاء؛ أي: ليستهزىء الغني بالفقير، وهو هنا من التسخير، بمعنى الاستخدام والاستعمال. ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ والبيوت والأبيات جمع بيت، وهو اسم لمبنى مسقف، مدخله من جانب واحد، بني للبيتوتة، قال الراغب: أصل البيت مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه، والبيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر، ومن صوف ووبر، وبه شبه بيت الشعر. ﴿سُقُفًا﴾ جمع سقف، كرهن ورهن، وهو سماء البيت وعلوه. ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ والفضة: جسم ذائب، صابر، صاف، منطرق، أبيض، رزين بالقياس إلى باقي الأجساد، سميت فضة لتفضضها وتفرقها في وجوه المصالح. ﴿وَمَعَارِجَ﴾ جمع معرج بفتح الميم وكسرها بمعنى: السلم، وهو المسمى الآن: سنسير، وهذا من معجزات القرآن، إذ لم يكن معروفًا في عصر التنزيل، قال الراغب: العروج: ذهاب في صعود، والمعارج المصاعد، وسميت المصاعد من الدرج معارج؛ لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج. ﴿يَظْهَرُونَ﴾ يقال: ظهر على الشيء، إذا علاه وارتقى إليه، وأصل ظهر الشيء أن يحصل شيء على ظهر الأرض فلا يخفى، ثم صار مستعملًا في كل بارز للبصر والبصيرة، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ جمع باب، والباب: يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار

стр. 11997

والبيت. ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، قال الراغب: السرير الذي يجلس عليه من السرور إذا كان ذلك لأولي النعمة، وسرير الميت تشبيه به في الصورة، وللتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى الله، وخلاصه من السجن المشار إليه بقوله ﷺ : "الدنيا سجن للمؤمن". ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ من الاتكاء، وهو الاعتماد. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هو في الأصل: بمعنى الذهب، ويستعار لمعنى الزينة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾. قال الراغب: الزخرف الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب زخرف، كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾؛ أي: ذهب مزوق. قال ابن زيد: الزخرف هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة، والأثاث. قال الحسن: النقوش، وأصله: الزينة، يقال: زخرفت الدار؛ أي: زينتها، وتزخرف فلان؛ أي: تزين. وأوردت معاجم اللغة معاني عديدة للزخرف، منها: الذهب، وحسن الشيء، وزخرف الكلام أباطيله المموهة، وزخرف الأرض ألوان نباتها، والجمع زخارف. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ويعش بضم الشين، من عشا يعشو عشا إذا تعاشى بلا آفة وتعامى؛ أي: نظر نظر العشا, ولا آفة في بصره، ويقال: عشي يعشى، كرضي يرضى إذا كان في بصره آفة مخلة بالرؤية. قال الراغب: العشا بالفتح والقصر ظلمة تعرض في العين، يقال: رجل أعشى، وامرأة عشواء. وفي "القاموس": العشا سوء البصر بالليل والنهار، وخبطه خبط عشواء، ركبه على غير بصيرة، والناقة العشواء التي لا تبصر أمامها. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نسبب ونقدر ونسلط ونضمه إليه ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وهو القشر الأعلى اليابس، ويقال قيض الله كذا، قدره له، وقيض الله فلانًا لفلان، جاءه به. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أصله: يصددونهم بوزن يَفْعُلُون، نقلت حركة الدال الأولى إلى الصاد فسكنت، وأدغمت في الدال الثانية ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: بعد المشرق، وكثيرًا ما تسمي العرب الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، قال الفرزدق: أَخَذْنَا بِآفَاقِ السّمَاءِ عَلَيْكُمُ ... لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُوْمُ الطَّوَالِعُ يريد الشمس والقمر، وبعد المشرقين بعد أحدهما من الآخر. ﴿فَاسْتَمْسِكْ

стр. 11998

بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أصله أؤحي بهمزتين الأولى مضمومة والثانية ساكنة، أبدلت الساكنة حرف مدٍّ مجانسًا لحركة الأولى المضمومة فأبدلت واوًا. ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ الأخت تأنيث الأخ، وجعلت التاء فيها كالعوض عن المحذوف منه. ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا﴾ ﴿يَا أَيُّهَ﴾ حذف الألف التي بعد الهاء من رسم المصحف العثماني هنا كما حذفت من قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ من سورة النور اتباعًا للخط تحت اللفظ. ﴿ادْعُ﴾ وزنه أنْ لحذف لامه الواو، لبناء الأمر من معتل الآخر على ذلك، ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ وأصل العهد بمعنى التوصية أن يتعدى بإلى إلا أنه أورد هنا بدلها لفظ ﴿عِنْدَكَ﴾ إشعارًا بأن تلك الوصية مرعية محفوظة عنده، لا مضيعة ملغاة. قال الراغب: العهد حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال وعهد فلان إلى فلان بعهد؛ أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه. ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾؛ أي ينقضون العهد، والنكث في الأصل: نقض الحبل والغزل ونحوه ذلك، واستعير هنا لنقض العهد كما سيأتي. ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ وفي "القاموس": مصّروا المكان تمصيرًا: جعلوه مصرًا فتمصّر، ومصر: علم للمدينة المعروفة، سميت لتمصّرها، أو لأنه بناها مصر بن حام بن نوح، وقال بعضهم: مصر بلد معروف، من مَصَرَ الشيء يمصره، إذا قطعه، سمي به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة، انتهى. ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ مهين صفة مشبهة بوزن فعيل بمعنى ضعيف وحقير. ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أصله يبين بوزن يفعل، نقلت حركته الياء إلى الباء فسكنت إثر كسرة. فصارت حرف مدٍّ. قال ابن عباس ﵄: كان بموسى لثغة في لسانه، واللثغة بالضم أن تصير الراء غينًا أو لامًا، والسين ثاءً، وقد لثغ من باب ضرب فهو ألثغ: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ﴾ جمع سوار، كاخمرة جمع الخمار، على تعويض التاء من ياء أساوير، يعني الياء المقابلة لألف أسوار، ونظيره: زنادقة وبطارقة، فالهاء فيهما عوض عن ياء زناديق وبطاريق، المقابلة لياء زنديق وبطريق، قال في "القاموس": السوار بالكسر والضم القلب، كالأسوار بالضم. والجمع أسورة وأساور وأساورة. وفي "المفردات": سوار المرأة أصله: دستوراه، فهو فارسي

стр. 11999

معرب عند البعض، انتهى. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ والذهب: جسم ذائب، صاف، منطرق، أصفر، رزين بالقياس إلى سائر الأجسام. ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾؛ أي: مقرونين به يعينونه على من خالفه. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ وجد أحلامهم خفيفة يغترون بالتلبيسات الباطلة، وقال الراغب: حملهم على أن يخفوا معه، أو وجدهم خفافًا في أبدانهم وعزائمهم. وفي "القاموس": استخفه ضد استثقله، واستخف فلانًا عن رأيه حمله على الجهل والخفة، وأزاله عما كان عليه من الصواب. وأصله: استخفف بوزن استفعل، نقلت حركة الفاء الأولى إلى الخاء فسكنت، وأدغمت في الفاء الثانية. ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ فيه إعلال بالنقل والتمسكين والقلب، أصله: فأطوعوه، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الطاء، فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها، في الحال. ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ منقول من أسف يأسف، كعلم يعلم إذا اشتد غضبه. وفي "القاموس": الأسف محركة أشد الحزن، وأسف عليه غضب. وقال الراغب: الأسف الحزن والغضب معًا، وقد يقال: لكل منهما على الانفراد، وحقيقته ثوران دم القلب إرادة الانتقام، كما مر. وأصله: أأسفونا بهمزتين الأولى همزة التعدية، والثانية فاء الفعل، فأبدلت الثانية الساكنة حرف مد مجانسًا لحركة الأولى المفتوحة، والمجانس لها هو الألف. ﴿سَلَفًا﴾ إما مصدر سلف يسلف، كطلب يطلب، بمعنى التقدم وصف به الأعيان للمبالغة، فهو بمعنى متقدمين ماضين، أو جمع سالف كخدم جمع خادم، ولما لم يكن المتقدم متعديًا باللام، فسروه بالقدرة مجازًا لأن المتقدمين يلزمهم غالبًا أن يكونوا قدوةً لمن بعدهم. ﴿لِلْآخِرِينَ﴾ اللام متعلق بكل من ﴿سَلَفًا﴾ و ﴿مَثَلًا﴾ على سبيل التنازع؛ أي: عظةً للكفار المتأخرين عنهم، والعظة ليس من لوازمها الاتعاظ، أو قصة عجيبةً تسير مسير الأمثال لهم، فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون كما مر. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

стр. 12000

فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾؛ لأن المراد بالكلمة الجملة التي قالها بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ففيه إطلاق اسم الجزء على الكل. ومنها: صيغة المضارع في قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ للدلالة على الاستمرار؛ أي: دوام الهداية حالًا واستقبالًا. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لما فيه من إسناد ما للبعض إلى الكل نظرًا بحال الأكثر؛ لأن الرجوع إنما يحصل من البعض لا من الكل. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ لأن العقب حقيقة في مؤخر الرجل، فاستعير للولد وولد الولد، كما قاله الراغب. ومنها: التكرير في قوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ لزيادة التقرير. ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ رعاية للفاصلة. ومنها: الجناس المماثل بين ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾، وبين ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لأن حق العبارة، ليتخذوهم سخريًا لغرض الإيضاح والبيان. ومنها: التجهيل والتعجيب من تحكمهم في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. ومنها: إطلاق العام دارادة الخاص في قوله: ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ لأن المراد بالرحمة هنا النبوة. ومنها: تقديم المسند إليه، وهو نحن على المسند، وهو قسمنا، في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ لإفادة الاختصاص. ومنها: التخصيص في قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ لغرض التأكيد.

стр. 12001

ومنها: التعريض إلى تعظيمه ﷺ ، في وصف رجل بعظيم، في قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لأنه في تقدير ولولا، كراهية أن يكون الناس ... إلخ. ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾؛ لأن الزخرف في الأصل اسم لكل ما يتزين به، والمراد به هنا: الذهب. ومنها: الطباق بين ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ لأنه مستعار للإعراض عنه. ومنها: النكرة الواقعة في سياق الشرط في قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ لإفادة العموم، ولذلك أعاد عليه الضمير مجموعًا، في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ومنها: التغليب في قوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؛ لأن فيه تغليب المشرق على المغرب، كالعمرين والقمرين. ومنها: إعادة النكرة معرفة في قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ إفادة بأنه نفس الأول، كما قال السيوطي في "عقود الجمان": ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَهْ ... إِذَا أَتَتْ نَكِرَةً مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَتْ، وإنْ يُعَرَّفْ ثَانِ ... تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ وفيه أيضًا الاستعارة التصريحية، حيث شبه الكفار بالصم العمي، بجامع عدم الاهتداء إلى المقصود في كل. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾؛ لأنه كناية عن الموت.

стр. 12002

ومنها: الإبهام في قوله: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ لغرض التفخيم والتعظيم. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ لتغيير الشكل، وبعض الحروف بينهما، وفيه أيضًا المجاز المرسل، فقد أوقع السؤال على الرسل، مع أن المراد أممهم، لعلاقة الهداية المفضية بهم إلى معرفة اليقين، وقيل: هو على حذف مضاف، ففيه مجاز بالحذف؛ أي: واسأل أمم من أرسلنا من قبلك. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ لأن كلمة لعل مستعارة لمعنى كي، وهو التعليل. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾؛ لأن النكث في الأصل: نقض الحبل والغزل مثلًا، فاستعير لنقض العهد بجامع الانفكاك في كل. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ علاقته المحلية، فقد جعل قومه محلًا لندائه وموقعًا له، والمعنى: أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأماكنهم، وفيه أيضًا الإسناد المجازي؛ لأنه أسند النداء إلى نفسه، مع أن المنادى غيره كقولهم: قطع الأمير اللص إذا أمر بقطعه. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12003

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات

стр. 12004

لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) طرفًا من قصة موسى ﵇، ذكر طرفًا من قصة عيسى ﵇، وعن ابن عباس ﵄ وغيره لما نزل ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، ونزل: كيف خلق من غير فحل، قالت قريش: ما أراد محمد ﷺ من ذكر عيسى إلا أن نعبده، كما عبدت النصارى عيسى ﵇، فهذا كان صدودهم من ضربه مثلًا. قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف: أن يوم القيامة سيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون .. أردف ذلك ببيان أحوال ذلك اليوم: فمنها: أن الأخلاء يتعادون فيها، إلا من تخالوا على الإيمان والتقوى. ومنها: أن المؤمنين لا يخافون من سلب نعمة يتمتعون بها, ولا يحزنون على فقد نعمة قد فاتتهم. ومنها: أنهم يتمتعون بفنون من الترف والنعيم، فيطاف عليهم بصحاف من ذهب، فيها ما لذ وطاب من المآكل، وبأكواب وأباريق فيها شهي المشارب، ويقال لهم: هذا النعيم كفاء ما قدمتم، من عمل بأوامر الشرع ونواهيه، وأسلفتم من إخلاص لله وتقوى له. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (٢) ما أعد لأهل الجنة من النعيم المقيم، والتمتع بفنون اللذات، من المآكل والمشارب والفواكه .. أعقب ذلك، بذكر ما يكون فيه الكفار من العذاب الأليم، الدائم، الذي لا يخفف عنهم أبدًا، وهم في حزن لا ينقطع، ثم ذكر أن هذا ليس إلا جزاءً وفاقًا، لما دسوا به أنفسهم من سيء الأعمال، ثم أردف ذلك، بمقال أهل النار، لخزنة جهنم وطلبهم من ربهم، أن يموتوا حتى يستريحوا مما هم فيه من العذاب، ثم إجابته لهم عن ذلك، ثم وبخهم على ما عملوا في الدنيا واستحقوا به العذاب. ثم ذكر

стр. 12005

ما أحكموا تدبيره من رد الحق، دماعلاء شأن الباطل، ظنًا منهم أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، وقد وهموا فيما ظنوا، فإن الله عليم بذلك، ورسله يكتبون كل ما صدر عنهم من قول، أو فعل. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر مقال أهل النار لخزنة جهنم، وطلبهم من ربهم أن يموتوا حتى يستريحوا مماهم فيه من العذاب، وحسبانهم أن الله لا يسمع سرهم ونجواهم: أمر هنا نبيه ﷺ أن يقول للمشركين إحقاقًا للحق: إن مخالفته لهم في عبادة ما يعبدون، لم يكن بغضًا منه لهم، ولا عداوة لمعبوديهم، بل لاستحالة نسبة ما نسبوه إليهم، وبنوا عليه عبادتهم لهم، من كونهم بنات الله، تنزه ربنا عما يقولون. ثم أمره أن يتركهم وشأنهم حتى يأتي اليوم الذي يلاقون فيه جزاء أعمالهم وأقوالهم. ثم أخبر بأن لا معبود في السماء، ولا في الأرض سواه، وهو الحكيم العلم بكل شيء، وأن من يعبدونهم لا يشفعون لهم حين الجزاء والحساب. ثم ذكر أن أقوالهم تناقض أفعالهم، فهم يعبدون غير الله ويقولون: إن الخالق للكون سمائه وأرضه، هو الله سبحانه، ثم أردف هذا، بأنه لا يعلم الساعة إلا هو سبحانه، وأنه يعلم شديدَ حزنك على عدم إيمانهم وعدم استجابتهم لدعوتك، ثم ختم السورة بأمر رسوله بالإعراض عنهم وتركهم وشأنهم، وسيأتي اليوم الذي يلقون فيه الجزاء على سوء صنيعهم، وقبيح فعالهم من عبادة غير الله ، والإشراك به ما لا ينفع ولا يضر من مخلوقاته. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه أحمد بسند صحيح، والطبراني عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال لقريش: "إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير"، فقالوا:

стр. 12006

ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا صالحًا، وقد عبد من دون الله، فأنزل الله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ...﴾ الآية. قال الواحدي (١): وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزِّبَعْرَى السهمي، مع النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .. قال ابن الزِّبَعْرَى: خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود عزيرًا، وبنو مليح الملائكة، ففرح قومه بذلك من قوله فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، ونزلت هذه الآية المذكورة هنا. وقد مضى هذا في سورة الأنبياء، ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعرى مندفع من أصله، وباطل برمته، فإن الله سبحانه قال: إنكم وما تعبدون، ولم يقل: ومن تعبدون حتى يدخل في ذلك العقلاء، كالمسيح، وعزير، والملائكة. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها قرشيان، وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا، فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت هذه الآية: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٥٧ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ﴾ وجعل عيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﵇ ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: مثالًا ومشابها للأصنام، من حيث إن النصارى اتخذوه إلهًا، وعبدوه من دون الله؛ أي: ضربه عبد الله بن الزبعرى السهمي مثلًا لأصنامهم، كان من مردة قريش قبل أن يسلم. قال في "القاموس": الزِّبَعْرَى بكسر الزاي وفتح الباء والراء والد عبد الله الصحابي القرشي الشاعر، انتهى. ومعنى ضربه مثلًا أي (٣): جعله مثالًا ونظيرًا

стр. 12007

ومقياسًا لأصنامهم في بيان إبطال ما ذكره رسول الله ﷺ ، من كون معبودات الأمم دون الله ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ ...﴾ الآية، حين قرأه على قريش فامتعضوا من ذلك امتعاضًا شديدًا؛ أي: غضبوا وشق عليهم ذلك، فقال ابن الزبعرى بطريق الجدال: هذا لنا ولآلهتنا خاصة، أم لجميع الأمم"؟ فقال النبي ﷺ : "هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيرًا، وبنو مليح الملائكة، فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون وآلهتنا معهم، ففرح به قومه، وضحكوا، وارتفعت أصواتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا﴾ فجائية ﴿قَوْمُكَ﴾ قريش يا محمد ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك المثل الذي ضربه ابن الزبعري؛ أي: لأجله وبسببه ﴿يَصِدُّونَ﴾؛ أي: يضجون ويصيحون ويرفعون أصواتهم بالضحك، فرحًا بذلك المثل المضروب، ظنا منهم أن الرسول ﷺ صار ملزمًا به، مغلوبًا محجوجًا عليه، وقرأ أبو جعفر (١) والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب وعامر ونافع والكسائي ﴿يصدون﴾ بضم الصاد؛ أي: يعرضون عن الحق من أجل ضرب المثل. وقرأ ابن عباس وابن جبير والحسن وعكرمة وباقي السبعة بكسرها؛ أي: يصيحون ويضحكون فرحًا بضرب المثل. قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش (٢): هما لغتان، مثل: عكف يعكف، ويعكف بالكسر والضم، ومعناهما يضجون. قال الجوهري: صد يصد صديدًا؛ أي: ضج؛ وقيل: إنه بالضم الإعراض، وبالكسر الضجيج قاله قطرب قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لقال: إذا قومك منه يصدون، وقال الفراء: هما سواء منه وعنه. وقال أبو عبيدة: من ضم فمعناه: يعدلون، ومن كسر فمعناه: يضجون. ٥٨ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال قومك قريش ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ عندك من عيسى، فإن آلهتهم خير عندهم من عيسى ﴿أَمْ هُوَ﴾؛ أي: أم عيسى خير من آلهتنا، وظاهر

стр. 12008

أن عيسى خير من آلهتنا، فحيث كان هو في النار، فلا بأس بكوننا مع آلهتنا فيها، فالاستفهام إنكاري؛ لأن المعنى: ليست خيرًا منه، وقيل: معناه أآلهتنا خير أم هو؛ أي: محمد ﷺ فنعبده ونطيعه، ونترك آلهتنا، قاله قتادة، ويؤيد هذا المعنى قراءة ابن مسعود ﴿أآلهتنا خير أم هذا﴾، والأول أولى لتناسق الضمائر في قوله: إن هو إلا عبد، ذكره في "البحر". وقرأ الجمهور (١): ﴿ءَألِهَتُنَا﴾ بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكوفيون ويعقوب: بتحقيقها، وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر: بهمزة واحدة على مثال الخبر، فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام محذوفة لدلالة أم عليها، واحتمل أن يكون خبرًا محضًا، حكوا: أن آلهتهم خير ثم عن لهم أن يستفهموا على سبيل التنزل من الخبر إلى الاستفهام المقصود به الإفحام، وهذا يتضمن أن آلهتهم خير من عيسى ﵇، فعلى قراءة (٢) ورش تكون: ﴿أَمْ﴾ منقطعة لا عاطفة، تقدر ببل والهمزة، وأما على قراءة العامة، فتكون متصلة عاطفة على آلهتنا عطف المفردات، والتقدير: أآلهتنا أم هو خير؛ أي: أيهما خير، فالهمزة لطلب التعيين. وعلى قراءة ورش يكون هو مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: بل أهو خير، وليست ﴿أَمْ﴾ حينئذ عاطفة اهـ "سمين". ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾؛ أي: ما ضرب قومك لك هذا المثل في عيسى، وما ذكروه ﴿إِلَّا﴾ ليجادلوك ويخاصموك ﴿جَدَلًا﴾؛ أي: جدالًا وخصامًا، ونزاعًا في الحق على أنه منصوب على المصدرية، أو ما ضربوه لك إلا لأجل الجدال والخصام، لا لطلب الحق، حتى يذعنوا له عند ظهوره ببيانك، أو إلا حال كونهم مجادلين على أنه مصدر وقع موقع الحال. وقرأ ابن مقسم: ﴿إلا جدالا﴾ بكسر الجيم وبألف. وقال بعضهم: مرادهم بهذا الكلام؛ إن قال محمد ﷺ : آلهتكم خير من عيسى، فقد أقر بأنها معبودة، ﷺ وإن قال: عيسى خير من آلهتكم، فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، ﷺ وإن قال: ليس واحد منهم خيرًا فقد نفى عيسى، فراموا

стр. 12009

بهذا السؤال أن يجادلوه ولم يسألوه للاستفادة، فبين الله سبحانه: أن جدالهم ليس لفائدة، إنما هو لخصومة نفس الإنسان فقال: ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: قومك قريش ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾؛ أي: لدد شداد الخصومة بالباطل، مجبولون على اللجاج والخلاف، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ وذلك لأنهم قد علموا أن المراد من قولهَ: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هؤلاء الأصنام بشهادة المقام، لكن ابن الزبعرى لما رأى الكلام محتملًا للعموم بحسب الظاهر، وجد مجالًا للخصومة. وفي الحديث: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أتوا الجدل"، ثم قرأ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ الآية، أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد في جماعة عن أبي أمامة. ومعنى الآية (١): أي ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى بن مريم مثلًا، وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى له إذا قومك من هذا المثل، يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحًا وسرورًا، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا أعيوا في حجة، ثم فتحت عليهم، وقالوا: إن آلهتنا ليست خيرًا من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب جهنم، كان أمر آلهتنا أهون، ما ضربوا لك المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لإظهار الحق، فإن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إنما ينطبق على الأصنام والأوثان، ولا يتناول عيسى والملائكة، ولكنهم قوم ذوو لدد في الخصومة، مجبولون على سوء الخلق واللجاج. قال الزمخشري (٢): إن ابن الزبعرى بخبه وخداعه، وخبث دخلته، لما رأى كلام الله ورسوله محتملًا لفظه وجه العموم، مع علمه بأن المراد به أصنامهم، لا غير، وجد للحيلة مساغًا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال، وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله ﷺ حتى أجاب عنه ربه، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ فدل به على أن الآية خاصة في الأصنام، انتهى.

стр. 12010

٥٩ - ثم بين أن عيسى عبد من عبيده، الذين أنعم الله عليهم بقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما عيسى بن مريم ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ مربوب ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بفضلنا (١) عليه بالنبوة، أو بخلقه بلا أب، أو بقمع شهوته لا ابن الله، والعبد لا يكون مولى ولا إلهًا، كالأصنام ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا﴾ أي: آية وعبرة ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعرفون به قدرة الله سبحانه حيث خلقه من غير أب، وكان يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، وكل مريض؛ أي: جعلناه أَمرًا عجيبًا حقيقًا، بأن يسير ذكره، كالأمثال السائرة. والمعنى (٢): أي ما عيسى بن مريم إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة وروادفها، فهو رفيع المنزلة على القدر، وقد جعلناه آية على قدرتنا، بأن خلقناه من غير أب وشرفناه بالنبوة، وصيرناه عبرة سائرة تفتح للناس باب التذكر والفهم، وليست مخالفة العادة بموجبه لعبادته كما يزعم النصارى، بل مذكرة بعبادة الخالق الحكيم ٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ ﴿لو﴾ للمضي، وإن دخل على المضارع ولذا لا يجزمه، ويتضمن ﴿لَوْ﴾ معنى الشرط؛ أي: ولو شئنا ﴿لـ﴾ أهلكناكم يا كفار مكة و ﴿جعلنا﴾ بدلًا ﴿مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ يسكنون ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ عنكم؛ أي: يكونون خلفًا عنكم يعمرون الأرض، ويعبدونني، ويطيعونني، ومقصود الآية: أنا لو شئنا لأسكنا الملائكة الأرض، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم: بنات الله، قاله السدي. ونحوه عن مجاهد. وقيل المعنى (٣): ولو شئنا ﴿لَجَعَلْنَا﴾؛ أي: أولدنا؛ أي: لخلقنا بطريق التوالد ﴿مِنْكُمْ﴾ وأنتم رجال من الإنس ليس من شأنكم الولادة. كما ولدنا حواء من آدم، وعيسى من غير أب، وإن لم تجر العادة بذلك ﴿مَلَائِكَةً﴾ كما خلقناهم بطريق الإبداع ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مستقرين فيها كما جعلناهم مستقرين في السماء ﴿يَخْلُفُونَ﴾؛ أي: يخلفونكم، ويصيرون خلفاء بعدكم مثل أولادكم فيما تأتون وتذرون، ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم، مع أن شأنهم التسبيح، والتقديس في السماء، فمن شأنهم بهذه المثابة بالنسبة إلى القدرة الربانية، كيف
следующие страницы →