لم يقدر .. صام عن كل مد يومًا حيث شاء، وله التحلل حالًا؛ أي: قبل الصوم وهذا الدم دم ترتيب وتعديل، هكذا قال الفقهاء، وليس لهم عليه حجة.
والظاهر من الآية: أنه إذا لم يتيسر له .. فلا شيء عليه.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾؛ أي: ولا تحللوا من إحرامكم أيها المحصورون بالحلق أو التقصير ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ أي: حتى يصل الهدي المكان الذي يحل فيه ذبحه، وهو الحرم عند أبي حنيفة، ومكان الإحصار عند الشافعي وهو الراجح؛ لأنه ﷺ ذبح عام الحديبية بها، وهي من الحل، فيذبح فيه بنية التحلل، ويفرق على مساكينه، ويحلق أو يقصر وبه يحصل التحلل والخروج من النسك، فبلوغ الهدي محله كناية عن ذبحه في مكان الإحصار، فتفيد الآية وجوب تقديم الذبح على الحلق، وهو كذلك كما هو مقرر في الفروع، و ﴿الْهَدْيُ﴾ (١) جمع هدية كجدي وجدية، وقرىء ﴿من الهدي﴾ جمع هدية كمطي جمع مطية، والمَحِل - بالكسر - يطلق على المكان والزمان، ويطلق (٢) الهدي على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المعتمر هدية لأهل الحرم من غير سبب يقتضيه، وهذا ليس مرادًا هنا، ويطلق على ما وجب على الحاج أو المعتمر بسبب، سواء كان محظورًا وهو الواجب بفعل حرام أو ترك واجب، أو لم يكن كالإحصار والتمتع، وهذا هو المراد هنا.
واقتصاره على الهدي (٣) دليل على عدم وجوب القضاء، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مرتب على محذوف؛ تقديره: ولا تحلقوا رؤسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى كقمل وصداع؛ أي: فمن كان منكم أيها المحرمون مريضًا في بدنه محتاجًا إلى المداواة واستعمال الطيب
стр. 1227
واللباس ﴿أَوْ﴾ كان ﴿بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾؛ أي: ألم في رأسه بسبب الجراحة، أو بسبب القمل والصئبان أو بسبب الصداع، أو كان عنده خوف من حدوث مرض أو ألم، فحلق أو تطيب أو لبس ﴿فـ﴾ عليه ﴿فدية من صيام﴾ ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ بثلاثة آصع من غالب قوت مكة على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع ﴿نُسُكٍ﴾؛ أي: ذبح شاة مجزئة في الأضحية، وهذه الفدية على التخيير لأن ﴿أَوْ﴾ في الآية للتخيير، إن شاء ذبح أو صام أو تصدق، وكل هدي أو طعام يلزم المحرم فإنه لمساكين الحرم إلا الهدي المحصر؛ فإنه يذبحه حيث أحصر، وأما الصوم: فله أن يصوم حيث شاء، وقد سبق لك أن هذه الآية نزلت في كعب بن عجرة ﵁ وقد بين في حديثه مقدار الصيام والصدقة والنسك.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ من العدو أو لم يكن من أول الأمر؛ أي: فإذا كنتم آمنين من العدو بعد ما وقع الإحصار، أو كنتم آمنين من أول الأمر ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾؛ أي: فمن تلذذ بمحظورات الإحرام كالطيب والدهن واللباس والنساء بسبب فراغه من أعمال العمرة ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾؛ أي: إلى إحرامه بالحج ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ أي: فعليه ذبح ما تيسر وسهل له من الدم، وهو شاة يذبحها يوم النحر، وهو الأفضل، فلو ذبح قبله بعد ما أحرم بالحج. أجزأه عند الشافعي كسائر دم الجبرانات، ولا يجزئه ذبحه عند أبي حنيفة قبل يوم النحر.
ولوجوب دم التمتع خمسة شرائط:
الأول: أن يقدم العمرة في أشهر الحج.
الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
الثالث: أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة.
الرابع: أن يحرم بالحج من جوف مكة، ولا يعود إلى ميقات بلده، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه .. لم يكن متمتعًا.
الخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. فهذه الشروط معتبرة
стр. 1228
في وجوب دم التمتع، ومتى فُقِد شيء منها لم يكن متمتعًا، ودمُ التمتعِ دمُ جبران عند الشافعي، فلا يجوز أن يأكل منه، وقال أبو حنيفة: هو دم نسك، فيجوز أن يأكل منه. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهدي لفقده أو فقد ثمنه ﴿فـ﴾ عليه ﴿صيام ثلاثة أيام في﴾ حال إحرامه بـ ﴿الحج﴾؛ أي: في أيام اشتغاله بأعمال الحج؛ يعني: بعد إحرامه وقبل التحلل منه، والأفضل أن يصومها قبل يوم عرفة؛ ليكون مفطرًا فيه بأن يصوم خامسه وسادسه وسابعه بعد ما أحرم بالحج في اليوم الرابع مثلًا، وقال أبو حنيفة: يصومها في أشهره بين الإحرامين، ولا يجوز صومها يوم النحر وأيام التشريق عند الأكثرين، وقرىء ﴿صيامَ﴾ - بالنصب - على تقدير: فليصم، والمصدر مضاف إلى ظرفه في المعنى، وهو في اللفظ مفعول به على السعة كما ذكره العكبري. ﴿و﴾ عليه أيضًا صيام ﴿سبعة﴾ أيام ﴿إذا﴾ فرغتم من الحج و ﴿رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكم ووطنكم مكة أو غيرها، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان مقتضى السياق أن يقول: إذا رجع، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿سبعةَ﴾ - بالنصب - عطفًا على محل ﴿ثلاثة﴾، أو بفعل محذوف تقديره: وصوموا سبعة أيام إذا رجعتم ﴿تِلْكَ﴾ الأيام الثلاثة والسبعة جملتها ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في الثواب والأجر، أو في مقامها مقام الهدي؛ لأنه قد يحتمل أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي، فأعلم الله أن العشرة بكمالها هي القائمة مقام الهدي.
وقيل: فائدة ذلك: الفذلكة في علم الحساب؛ وهو أن يعلم العدد مفصلًا، ثم يعلمه جملة؛ ليحتاط به من جهتين، و ﴿ذلك﴾ الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بأن يكونوا على مرحلتين فأكثر من الحرم عند الشافعي رحمه الله تعالى، أو يكونوا وراء المواقيت الخمسة: ذي الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم، وذات عرق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أو يكونوا من أهل الحل عند طاووس ﵁، أو يكونوا غير مكيين عند مالك رحمه الله تعالى، فحاضرو الحرم عند الشافعي رحمه الله تعالى من كان وطنه دون مرحلتين منه، ومن كان من أهل المواقيت أو دونها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأهل الحرم عند طاووس، وأهل مكة عند مالك رحمه الله تعالى.
стр. 1229
والمراد (١) بالأهل: الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والأخوة.
ومفهوم الآية: أن من كان من حاضري المسجد الحرام .. فلا هدي ولا صمام عليه وإن تمتع على ما قاله الشافعي ومن وافقه، وألحق بالتمتع في وجوب الدم أو بدله القارن بالسنة، وهو من أحرم بالحج والعمرة معًا، أو يدخل الحج عليها قبل الطواف كما مر.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في الحج وفي غيره. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن خالف أمره، وتهاون بحدوده، وارتكب مناهيه.
١٩٧ - ﴿الْحَجُّ﴾؛ أي: وقت الحج ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ أي: معروفات بين الناس، وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر عند الشافعي.
فإن قلتَ: ما وجه جمع الأشهر مع أن الوقت شهران وعشر ليال؟
قلتُ: إنما جمعه؛ لأن المراد بالجمع ما فوق الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، أو أنه نزل بعض الشهر منزلة كله.
وأما وقت العمرة: فجميع السنة، وهذه الآية مخصصة لعموم آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ حيث اقتضت أن جميع الأهلة وقت للحج.
تنبيه: واختلفت الأئمة في وقت الحج، وقال (٢) الشافعي رحمه الله تعالى: وقت الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فيخرج وقته بطلوع فجر يوم النحر، وبه قال عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير ﵃، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعليه الثوري، وأبو ثور رحمهم الله تعالى.
стр. 1230
وحجة الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه: أن الحج يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها، فدل على أن يوم النحر ليس من أشهر الحج، وأيضًا فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز، فدل على أنه وما بعده ليس من أشهر الحج.
وقال ابن عباس ﵄: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشرة أيامٍ من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وبه قال ابن عمر، وعروة بن الزبير، وطاووس، وعطاء، والنخعي، وقتادة، ومكحول، وأبو حنيفة؛ وأحمد بن حنبل، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وحجة هذا القول: أن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، ولأن فيه يقع طواف الإفاضة، وهو تمام أركان الحج، وهذا القول شاذ في مذهب الشافعي.
وقيل: إن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر وبه قال الزهري، وهي الرواية الأخرى عن مالك، وحجة هذا القول: أن الله تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك، وعلى هذا القول: يصح الإحرام في جميع ذي الحجة، وهذا القول أشذ وأبعد.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أي: فمن أوجب الحج على نفسه بالإحرام في هذه الأشهر عند الشافعي، أو بالتلبية، أو سوق الهدي عند أبي حنيفة؛ لأنه يقول لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى تنضم إليه التلبية أو سَوْق الهدي، ووجهه: أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم، فلا بد من انضمام شيء إلى النية كتكبيرة الإحرام مع النية في الصلاة، وفي الآية: دليل على أن الإحرام بالحج لا ينعقد إلا في أشهره. ﴿فَلَا رَفَثَ﴾؛ أي: فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾؛ أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب المحظورات.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج ولم يرفث ولم يفسق .. رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه. ﴿ولا جدال﴾؛ أي:
стр. 1231
ولا مراء ولا خصام مع الخدم والرفقة وغيرهما ﴿فِي﴾ أيام ﴿الْحَجِّ﴾ نفي الثلاثة على قصد النهي عنها للمبالغة، وإنما أمر باجتناب ذلك - وهو واجب الاجتناب - في كل حال؛ لأنه مع الحج أقبح، كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿فلا رفثٌ ولا فسوقٌ﴾ بالرفع والتنوين و ﴿ولا جدال﴾ بالفتح، والباقون قرؤوا الكل بالفتح، والمعنى على هذا: لا يكونن رفث ولا فسوق ولا خلاف في الحج، وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام، فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا بعرفات كسائر العرب، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله ﷺ : "من حج فلم يرفث ولم يفسق .. خرج من ذنبه كيوم ولدته أمه" فإنه ﷺ لم يذكر الجدال.
ويروى عن عاصم برفع الثلاثة والتنوين، والعطاردي - شذوذًا - بنصب الثلاثة والتنوين. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ كصدقة وكترك المنهي عنه ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ أي: يقبله منكم ويجازيكم عليه خير الجزاء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد، فيكونون كلًّا على الناس ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾؛ أي: خذوا من الزاد ما يكفيكم لسفركم، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ﴾ وأفضله ﴿التَّقْوَى﴾؛ أي: الاتقاء عن الإبرام، والتثقيل عليهم، والاستعفاف عن سؤالهم؛ أي: فإن خير الزاد ما يعفكم عن سؤال الناس، أو المعنى: تزودوا من التقوى لمعادكم، فإنها خير زاد، وهي فعل المأمورات وترك المنهيات ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: خافوا عقابي بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات يا أصحاب العقول الكاملة الذين يعلمون حقائق الأمور، وقيل معناه: واشتغلوا بتقواي، وفيه: تنبيه على كمال عظمة الله ﷻ .
واعلم: أن الإنسان لا بد له من سفر في الدنيا ولا بد فيه من زاد، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب، وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ولا بد فيه من
стр. 1232
زاد أيضًا، وهو تقوى الله والعمل بطاعته، وهذا الزاد أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة، وفي هذا المعنى قال الأعشى:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقوى ... ولاقيت بعد الموت مَنْ قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأَنَّك لم ترصد كما كان أرصدا
١٩٨ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولي الألباب ﴿جُنَاحٌ﴾؛ أي: حرج وذنب في ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ وتطلبوا ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: رزقًا من ربكم بالتجارة في الحج، وقرأها ابن عباس في الشاذ ﴿فضلًا من ربكم في مواسم الحج﴾.
وسبق لك في أسباب النزول ما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإِسلام فكأنهم تأثموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت هذه الآية، وعكاظ: سوق معروف بقرب مكة، ومَجِنة - بفتح الميم وكسرها -: سوق بقرب مكة أيضًا. قال الأزرقي: هي بأسفل مكة على بريد منها. وذو المجاز: سوق عند عرفة كانت العرب في الجاهلية يتجرون في هذه الأسواق ولها مواسم، فكانوا يقيمون بعكاظ عشرين يومًا من ذي القعدة، ثم ينتقلون إلى مجنة فيقيمون فيها ثمانية عشر يومًا، عشرة أيام من آخر ذي القعدة، وثمانية أيام من أول ذي الحجة، ثم يخرجون إلى عرفة في يوم التروية.
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾؛ أي: ذهبتم ورجعتم ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ وانصرفتم منها بعد الوقوف بها إلى مزدلفة، ففيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد الوقوف ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتلبية والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والثناء والدعوات بعد المبيت بمزدلفة ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهو جبل صغير في آخر مزدلفة يقف عليه الإِمام وعليه المِيقَدة يسمى قُرَح بوزن عُمَر، وفي الحديث: (أنه ﷺ وقف يذكر الله ويدعو حتى أسفر جدًّا). رواه مسلم.
وإنما سمي مشعرًا؛ لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته، ومعنى ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: مما يليه ويقرب منه، فإنه أفضل، وإلا فالمزدلفة كلها
стр. 1233
موقف إلا وادي محصر، ﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ بالتوحيد والتعظيم ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه، أو المعنى: واذكروه ؛ لأجل هدايته إياكم لمعالم دينه، فالكاف للتعليل، أو (١) نعت لمصدر محذوف؛ أي: اذكروه ذكرًا حسنًا كهدايته إياكم هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيدًا، وقيل: الأول: أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني: أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل: المراد بالثاني: تعديد النعمة عليهم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: وإن الشأن كنتم من قبل هدايته إياكم لمن الجاهلين بالإيمان والطاعة لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه، و ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، وقيل: بمعنى قد؛ أي: وقد كنتم، و ﴿الهاء﴾ (٢) في من قبله عائد إلى الهدى، وقيل: إلى الرسول؛ أي: من قبل إرسال الرسول لمن الضالين، وهو كناية عن غير مذكور، وقيل: يرجع إلى القرآن، والمعنى: واذكروه كما هداكم بكتابه الذي أنزله عليكم، وإن كنتم من قبل إنزاله لمن الضالين.
١٩٩ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد وقوفكم بعرفة وذكركم عند المشعر الحرام ﴿أَفِيضُوا﴾؛ أي: ارجعوا يا قريش ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ غيركم من سائر العرب وعامة الناس؛ أي: ارجعوا من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس للرمي والنحر إن قلنا: إنه خطاب لقريش، وأمرٌ لهم بالإفاضة من حيث أفاض غيرهم (٣)، وقرىء شذوذًا: ﴿الناسي﴾ يريد آدم، وهي صفة غلبت عليه كالعباس والحارث، ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
وعن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإِسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات فيقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فعلى هذا القول المراد بالناس:
стр. 1234
جميع العرب سوى الحمس، سموا حمسًا جمع أحمس؛ لتشددهم في دينهم من الحماسة؛ وهي الشدة والشجاعة، والقول الثاني: أنه خطاب لسائر المسلمين، والمراد بالناس: إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما، والمعنى على هذا القول: ثم بعد ذكركم أيها المسلمون عند المشعر الحرام ارجعوا من المزدلفة إلى منى حيث أفاض الناس؛ أي: ارجعوا إلى منى للرمي والنحر في الوقت الذي أفاض ورجع فيه الناس؛ أي: إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما؛ أي: ارجعوا قبل طلوع الشمس كما رجع منها إبراهيم وإسماعيل في ذلك الوقت على ما جاء به الرسول ﷺ ، وكان العرب الذين وقفوا بالمزدلفة يرجعون إلى منى بعد طلوع الشمس، وهذا القول اختاره الضحاك، لكن القول الأول هو الأصح الذي عليه جمهور المفسرين.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: واطلبوا من الله باللسان مغفرة ذنوبكم، وتقصيركم في أعمال الحج، مع التوبة بالقلب؛ وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله، ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد، ويقصد بذلك: تحصيل مرضاة الله تعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوب المستغفرين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بقبول توبتهم، ومنعم عليهم بإحساناته.
٢٠٠ - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ﴾؛ أي: أديتم ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: أعمال حجكم وعبادتكم، وفرغتم منها بأن رميتم جمرة العقبة، وطفتم واستقررتم بمنى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتحميد والتمجيد والتهليل والتكبير، وابذلوا جهدكم في الثناء عليه، وذكر نعمائه ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: كما كنتم تذكرون آبائكم عند فراغ حجكم بالمفاخر، وتبذلون جهدكم في الثناء عليهم ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ أي: بل اذكروا الله ذكرًا أكثر من ذكركم آباءكم؛ لأنه هو المنعم عليهم وعلى الآباء، فهو المستحق للذكر والثناء مطلقًا؛ لأن صفات الكمال لله تعالى غير متناهية.
وسئل ابن عباس عن معنى هذه الآية، فقيل له: قد يأتي على الرجل اليوم ولا يذكر فيه أباه، فقال: ليس المعنى كذلك، ولكن المعنى: أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شُتِمَا.
стр. 1235
قال أهل التفسير (١): كانت العرب في الجاهلية إذا فرغوا من حجهم .. وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل - وقيل: عند البيت - فيذكرون مفاخر آباءهم ومآثرهم وفضائلهم ومحاسنهم ومناقبهم، فيقول أحدهم: كان أبي كبير الجفنة رحب الفناء يقري الضيف، وكان كذا وكذا، يعدُّ مفاخره ومناقبه، ويتناشدون الأشعار في ذلك، ويتكلمون بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح، وغرضهم الشهرة والسمعة والرفعة بذكر مناقب سلفهم وآبائهم، فلما مَنَّ الله عليهم بالإِسلام .. أمرهم أن يكون ذكرهم لله لا لآبائهم، وقال: اذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبهم، وأحسنت إليكم وإليهم.
قال ابن عباس ﵄: فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، وذلك أن الصبي أول ما يفصح الكلام يقول: أبه أمه، لا يعرف غير ذلك، فأمرهم أن يذكروه كذكر الصبيان الصغار الآباء.
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ في الموقف وهم المشركون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾؛ أي: أعطنا ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ إبلًا وبقرًا وغنمًا، وعبيدًا أو إماء، ومالًا ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ أي: من حظ ولا نصيب في الجنة بِحَجِّه.
٢٠١ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ في الموقف: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾؛ أي: أعطنا ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؛ أي: علمًا وعبادة وعصمة من الذنوب، وشهادة وغنيمة وصحة وكفافًا، وتوفيقًا للخير ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾؛ أي: الجنة ونعيمها، وقيل: من آتاه الله الإِسلام والقرآن، وأهلًا ومالًا .. فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة؛ يعني: في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ "اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". متفق عليه. ﴿وَقِنَا﴾؛ أي: وادفع عنا ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ واحفظنا منها بالعفو والغفران.
٢٠٢ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ وافر في الجنة
стр. 1236
﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: لأجل ما عملوا من حجهم ودعائهم، أو بسبب ما كسبوا من أعمالهم الصالحة ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين، أو (١) المعنى: سريع المحاسبة والإحصاء، يحاسب العباد على العبادة على كثرتهم، وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس، فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات.
وهذا الكلام ذكره في الفريقين تفصيلًا لحال الذاكرين، إلى من لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا، وإلى من يطلب الدارين، والمراد به: الحث على الإكثار من الدعاء والذكر وسائر الطاعات، وطلب الآخرة.
٢٠٣ - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيها الحجاج وكذا غيرهم بالتكبير والتحميد والتسبيح والتهليل ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾؛ أي: في أيام معلومات العدد أيام التشريق الثلاثة عند رمي الجمرات، وخلف الصلوات، وعلى الأضاحى والهدايا، سميت معدودات لقلتهن، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
روى مسلم عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى، ومن الذكر في هذه الأيام التكبير".
وروى البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه كان يكبّر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي مجلسه، وفي ممشاه في تلك الأيام جميعًا.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أي: فمن استعجل بالنفر والذهاب من منى في ثاني أيام التشريق قبل الغروب بعد رمي جماره بعد الزوال؛ وهي إحدى وعشرون حصاة يرمي سبعة لكل جمرة يكبر مع كل حصاة، فإن غربت عليه الشمس وهو بمنى .. لزمه المبيت بها؛ ليرمي اليوم الثالث عند الشافعي، وقال أبو حنيفة (٢):
стр. 1237
يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر؛ لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا حرج عليه بتعجيله النفر ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ بها؛ أي: استمر وبقي بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره بعد الزوال عند الشافعي، وقال أبو حنيفة (١): يجوز تقديم رمية على الزوال ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بتأخره فهم مخيرون بين التعجيل والتأخير، ومعنى نفي (٢) الإثم بالتعجيل والتأخير: التخيير بينهما، والرد على أهل الجاهلية، فإن منهم من أثّم المتعجل، ومنهم من أثّم المتأخر، وقيل (٣): إنما قال: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لمشاكلة اللفظة الأولى، فهو كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
ذلك التخيير، ونفي الإثم ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الله في حجه باجتنابه محظورات الإحرام، وإتيانه بالمأمورات؛ لأنه المنتفع بحجه دون من سواه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المستقبل في مجامع أموركم بفعل الواجبات، وترك المحظورات ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ﴾ أيها العباد ﴿إِلَيْهِ﴾ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ وتجمعون يوم القيامة بالبعث من قبوركم، فيجازيكم بأعمالكم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وفيه حث على التقوى.
فصل
وأجمع العلماء (٤) على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هو التكبير عند رمي الجمار، وهو أن يكبر مع كل حصاة يرمي بها في جميع أيام التشريق.
وأجمعوا أيضًا على أن التكبير في عيد الأضحى، وفي هذه الأيام في أدبار الصلوات منه، واختلفوا في وقت التكبير، فاقيل: يُبتدأ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا القول في خمس عشر صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر ﵃ وبه قال
стр. 1238
الشافعي في أصح أقواله. قال الشافعي: لأن الناس فيه تبع للحاج، وذكر الحاج قبل هذا الوقت هو التلبية، ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر، وقيل: إنه يُبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر، ويختتم به بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق؛ وهو القول الثاني للشافعي، فيكون التكبير على هذا القول في ثمانية عشر صلاة.
والقول الثالث للشافعي: أنه يُبتدأ بالتكبير من صلاة الصبح يوم عرفة، يختتم به بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا القول في ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ ومكحول، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال ابن مسعود: يبتدأ به من صبح يوم عرفة، ويختم بصلاة العصر من يوم النحر، فعلى هذا القول يكون التكبير في ثمان صلوات، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد بن حنبل: إذا كان حلالًا كبّر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، أولها الصبح من يوم عرفة، وآخرها صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وإن كان محرمًا كبر عقيب سبع عشرة صلاة، أولها الظهر من يوم النحر، وآخرها أيام التشريق.
ولفظ التكبير عند الشافعي ثلاثًا نسقًا: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وهو قول سعيد بن جبير، والحسن، وهو قول أهل المدينة. قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن، ويروى عن ابن مسعود ﵁ أنه يكبر مرتين، فيقول: الله أكبر الله أكبر، وهو قول أهل العراق.
فائدة: فإن (١) قلتَ: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فيه إشكال، وهو أن الذي أتى بأفعال الحج كاملة تامة، فقد أتى بما يلزمه، فما معنى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إنما يخاف من الإثم من قصر فيما يلزمه؟.
قلتُ: فيه أجوبة:
стр. 1239
أحدها: أنه تعالى لما أذن في التعجيل على سبيل الرخصة، احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم .. فأزال الله تعالى هذه الشبهة، وبين أنه لا إثم عليه في الأمرين، فإن شاء عجل، وإن شاء أخَّر.
الجواب الثاني: أن مِنَ الناس مَنْ كان يتعجل، ومنهم مَنْ كان يتأخر، وكل فريق يصوب فعله على فعل الآخر، فبين الله تعالى أن كل واحد من الفريقين مصيب في فعله، وأنه لا إثم عليه.
الجواب الثالث: إنما قال: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لمشاكلة اللفظة الأولى، فهو كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ومعلوم أن جزاء السيئة ليست سيئة.
الجواب الرابع: أن فيه دلالة على جواز الأمرين، فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل، ولا في التأخير. انتهى.
الإعراب
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
﴿وَأَتِمُّوا﴾: الواو: استئنافية، ﴿أتموا الحج﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتموا﴾، أو بمحذوف حال من ﴿الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾؛ تقديره: حالة كونهما كائنين لله، وفي قراءة برفع ﴿العمرةُ﴾ على الابتداء، والجار والمجرور خبره؛ تقديره: والعمرة كائنة لله، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الحج والعمرة واجب إتمامهما إذا كنتم غير معذورين، وأردتم بيان حكم ما إذا أحصرتم عنهما، أو كنتم مرضى، أو بكم أذى في الرأس .. فأقول لكم: ﴿إن أحصرتم﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿أحصرتم﴾: فعل ماضٍ
стр. 1240
مغيَّر ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ. ﴿اسْتَيْسَرَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل، وخبر المبتدأ محذوف جوازًا؛ تقديره: واجب عليكم، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة استئنافية استئنافًا بيانيًّا.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَحْلِقُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿رُءُوسَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَبْلُغَ الْهَدْيُ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾. ﴿مَحِلَّهُ﴾: ظرف مكان ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿يَبْلُغَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾؛ تقديره: إلى بلوغ الهدي محله، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿لا تحلقوا﴾.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح. ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿مِنكُم﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال مقدمة من قوله ﴿مَرِيضًا﴾. ﴿مَرِيضًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف معطوف على ﴿مَرِيضًا﴾؛ تقديره: أو كائنًا به. ﴿أَذًى﴾: فاعل للجار والمجرور. ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿أَذًى﴾؛ تقديره: أو
стр. 1241
كائنًا به أذى كائن في رأسه.
وعبارة الكرخي (١) قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى﴾ يجوز أن يكون هذا من باب عطف المفردات، وأن يكون من باب عطف الجمل.
أما الأول: فيكون الجار والمجرور في قوله ﴿بِهِ﴾ معطوفًا على ﴿مَرِيضًا﴾ الذي هو خبر ﴿كان﴾، فيكون في محل نصب، ويكون ﴿أَذًى﴾ مرفوعًا به على سبيل الفاعلية؛ لأن الجار إذا اعتمد رفع الفاعل عند الكل، فيصير التقدير: فمن كان كائنًا به أذى من رأسه.
وأما الثاني: فيكون ﴿بِهِ﴾ خبرًا مقدمًا، ومحله على هذا رفعٌ. ﴿أَذًى﴾: مبتدأ مؤخر، وتكون هذه الجملة في محل نصب؛ لأنها معطوفة على ﴿مَرِيضًا﴾ الواقع خبرًا لـ ﴿كان﴾، وهي وإن كانت جملة لفظًا، فهي في محل مفرد؛ إذ المعطوف على المفرد مفرد، لا يقال: إنه عاد إلى عطف المفردات، فيتحد الوجهان لوضوح الفرق. انتهت.
﴿فَفِدْيَةٌ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية، ﴿فدية﴾: مبتدأ خبره محذوف؛ تقديره: واجب عليه، والجملة من المبتدأ والخبر المحذوف في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب معطوفه على جملة قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿فِدْيَةٌ﴾؛ تقديره: فدية كائنة من صيام واجبة عليه. ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: معطوفان على ﴿صِيَامٍ﴾ و ﴿أَوْ﴾: فيهما للتخيير.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾ (٢): عاطفة، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿أَمِنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها.
стр. 1242
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية، ﴿من﴾: اسم شرط جازم، أو موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿تَمَتَّعَ﴾ فعل ماضٍ في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمَتَّعَ﴾. ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾: جار ومجرور (١) متعلق بمحذوف معطوف على ﴿تَمَتَّعَ﴾؛ تقديره: واستمر تمتعه إلى الحج. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية، ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف؛ تقديره: فما استيسر من الهدي واجب عليه، والجملة من المبتدأ والخبر المحذوف في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ على كونها مقولًا لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿اسْتَيْسَرَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل، وجملة ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن من تمتع بالعمرة .. فعليه ما استيسر من الهدي، وأردتم بيان حكم من لم يتيسر له فأقول: ﴿من لم يجد﴾، ﴿من﴾: اسم شرط جازم، أو اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط إن قلنا شرطية، أو جملة قوله ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ إن قلنا موصولة. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَجِدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها، أو صلة الموصول، ومفعول ﴿يَجِدْ﴾ محذوف؛ تقديره: فمن لم يجد الهدي؛ لأن (وجد) هنا بمعنى (أصاب)، فيتعدى
стр. 1243
لواحد. ﴿فَصِيَامُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ إن قلنا ﴿من﴾ موصولة. ﴿صيام﴾: مبتدأ، والخبر محذوف؛ تقديره: واجب عليه، والجملة في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، أو خبر ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية، أو المبتدأ والخبر في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿صيام﴾: مضاف. ﴿ثَلَاثَةِ﴾: مضاف إليه وهو مضاف. ﴿أَيَّامٍ﴾: مضاف إليه. ﴿فِي الْحَجِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿صيام﴾. ﴿وَسَبْعَةٍ﴾: معطوف على ﴿ثَلَاثَةِ﴾، وعلى قراءة النصب الشاذة: منصوب بفعل محذوف؛ تقديره: وصوموا سبعة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿صيام﴾ أيضًا. ﴿رَجَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾؛ تقديره: فصيام سبعة وقت رجوعكم إلى وطنكم ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿عَشَرَةٌ﴾: خبر. ﴿كَامِلَةٌ﴾: صفة لـ ﴿عَشَرَةٌ﴾، والجملة في محل الجر صفة مؤكدة لـ ﴿ثَلَاثَةِ﴾ و ﴿سَبْعَةٍ﴾.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: ذلك كائن لمن لم يكن، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿أَهْلُهُ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾، ومضاف إليه. ﴿حَاضِرِي﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾ منصوب بـ ﴿الياء﴾ المحذوفة وهو مضاف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة للمسجد، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد ضمير ﴿أَهْلُهُ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿اعلموا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اتقوا﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿شَدِيدُ﴾: خبرها، وهو مضاف. ﴿الْعِقَابِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي
стр. 1244
﴿اعلموا﴾؛ تقديره: واعلموا شدة عقاب الله .
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
﴿الْحَجُّ﴾: مبتدأ. ﴿أَشْهُرٌ﴾: خبر، ولكن على تقدير مضاف؛ تقديره: وقت الحج؛ لئلا يلزم علينا الإخبار باسم الزمان عن اسم المعنى، والجملة مستأنفة. ﴿مَعْلُومَاتٌ﴾: صفة ﴿أَشْهُرٌ﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت أن الحج أشهر معلومات، وأردت بيان حكم من أحرم الحج فيها .. فأقول لك: ﴿من فرض﴾، ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم، أو موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ إن قلنا: ﴿من﴾ موصولة، ﴿فَرَضَ﴾: في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿فِيهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَضَ﴾. ﴿الْحَجَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا، أو رابطة الخبر بالمبتدأ، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إنّ ﴿رَفَثَ﴾: في محل النصب اسمها، ومثله في الإعراب قوله ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾. ﴿فِي الْحَجِّ﴾: جار ومجرور تنازع فيه كل من قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾، ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ على كونه خبرًا لـ ﴿لا﴾؛ تقديره: فلا رفث جائز في الحج، ولا فسوق كذلك، ولا جدال كذلك، والجمل الثلاث في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية، ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، أو في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل الشرط لها، والخبر جملة الشرط إن قلنا ﴿ما﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿ما﴾. ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: فعل
стр. 1245
ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾ على كونه جواب الشرط لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ الواو: عاطفة أو استئنافية، ﴿تزودوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾، أو مستأنفة. ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿خَيْرَ الزَّادِ﴾: اسم ﴿إن﴾، ومضاف إليه. ﴿التَّقْوَى﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة المدلول عليها بـ ﴿الفاء﴾ التعليلية. ﴿وَاتَّقُونِ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اتقوا﴾: فعل وفاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف في محل النصب مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أُولِي﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أُولِي﴾: منادى مضاف منصوب بـ ﴿الياء﴾ المحذوفة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف. ﴿الْأَلْبَابِ﴾: مضاف إليه، وجملة النداء جواب الطلب السابق.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسمها مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَبْتَغُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿فَضْلًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿فَضْلًا﴾؛ تقديره: فضلًا كائنًا من ربكم، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ تقديره: في ابتغاء فضل من ربكم، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله.
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أنه لا جناح عليكم في ابتغاء فضل الله، وأردتم بيان ما هو المطلوب لكم .. فأقول: ﴿إذا أفضتم﴾: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَفَضْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة
стр. 1246
في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿فَاذْكُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، ﴿اذكروا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿اذكروا﴾. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة لـ ﴿الْمَشْعَرِ﴾. ﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ الواو: عاطفة، ﴿اذكروه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذكروا الله﴾. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتعليل، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿هَدَاكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية و ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ المتعلقة بـ ﴿اذكروا﴾؛ تقديره: واذكروه لهدايته إياكم. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة أو استئنافية، ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ تقديره: و ﴿إنه﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الضَّالِّينَ﴾، أو بمحذوف مماثل له. ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿من الضالين﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾؛ تقديره: وإنه كنتم لكائنين مع الضالين قبله، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة المخففة معطوفة على جملة ﴿اذكروا﴾، أو مستأنفة.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف بمعنى الواو. ﴿أَفِيضُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إن جرينا على القول بأن المراد بهذه الإفاضة الإفاضة من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، كما قاله الضحاك. ﴿مَنْ يَقُولُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَفِيضُوا﴾. و ﴿حَيْثُ﴾ إما ظرف زمان أو مكان. ﴿أَفَاضَ النَّاسُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَفِيضُوا﴾.
стр. 1247
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أحكام مناسككم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم بعد قضائها .. فأقول لكم: ﴿إذا قضيتم﴾. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قَضَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، ﴿اذكروا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مفعول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. ﴿آبَاءَكُمْ﴾: مفعول المصدر، ومضاف إليه، الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: فاذكروا الله ذكرًا كائنًا كذكركم آباءكم. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف بمعنى (بل). ﴿أَشَدَّ﴾: منصوب على الحالية من ﴿ذِكْرًا﴾ المذكور بعده، المنصوب بـ ﴿اذكروا﴾؛ لأنه نعت نكرة قدمت عليها، فينصب على الحال. ﴿ذِكْرًا﴾: مفعول مطلق لـ ﴿اذكروا﴾ منصوب به؛ لأن القاعدة: أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالًا، وتعرب النكرة بحسب العوامل، فيكون التقدير: فاذكروا الله ذكرًا كائنًا كذكركم آباءكم، بل اذكروه ذكرًا أشد من ذكركم آباءكم؛ أي: أكثر منه.
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
﴿فَمِنَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم من المناسك وما هو الأصلح لكم بعد قضاء
стр. 1248
المناسك، وأردتم بيان أحوال الناس في الدعاء .. فأقول لكم: ﴿من الناس﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿من﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب، مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿رَبَّنَا﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف منصوب، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿آتِنَا﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبَّنَا﴾، والجملة الفعلية جواب النداء في محل النصب مقول القول. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آتِنَا﴾، ومفعول ﴿آتِنَا﴾ الثاني محذوف؛ تقديره: مطلوبنا. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿خَلَاقٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والتقدير: وما خلاق كائن له في الآخرة، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ والواو: عاطفة، ﴿منهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾، وجملة يقول صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿آتِنَا﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبَّنَا﴾، والجملة جواب النداء في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آتِنَا﴾. ﴿حَسَنَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿آتِنَا﴾. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله ﴿فِي الدُّنْيَا﴾. ﴿حَسَنَةً﴾: معطوف على ﴿حَسَنَةً﴾ الأولى، على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿آتِنَا﴾. ﴿وَقِنَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿قِ﴾ فعل أمر مبني
стр. 1249
على حذف العلة، وهي الياء، ﴿نا﴾: مفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبَّنَا﴾. ﴿عَذَابَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿قنا﴾. ﴿النَّارِ﴾: مضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آتِنَا﴾.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ﴾: مبتدأ ثان مؤخر. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾؛ والتقدير: أولئك نصيب مما كسبوا كائن لهم، والجملة مستأنفة. ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: مما كسبوه. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ: ﴿سَرِيعُ﴾ خبر. ﴿الْحِسَابِ﴾: مضاف إليه، والجملة مستأنفة.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا﴾ الواو: استئنافية، ﴿اذكروا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿فِي أَيَّامٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اذكروا﴾. ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾: صفة لـ ﴿أَيَّامٍ﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط قدر؛ تقديره: إذا عرفتم مشروعية الذكر لكم، وأردتم بيان حكم من تعجل ومن تأخر .. فأقول لكم: ﴿من تعجل﴾، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿تَعَجَّلَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَعَجَّلَ﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿إِثْمَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾؛ تقديره: فلا إثم كائن عليه، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿وَمَن﴾: الواو: عاطفة، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط.
стр. 1250
﴿تَأَخَّرَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، وجملة فلا إثم عليه في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الأولى.
﴿لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿لِمَنِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: ذلك الحكم المذكور كائن لمن اتقى الله، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره مستأنفة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ الواو: عاطفة، ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَاتَّقُوا﴾. ﴿أَنَّكُمْ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿الكاف﴾: اسمها. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾، ﴿تُحْشَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾؛ تقديره: أنكم محشورون إليه، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾؛ تقديره: واعلموا حشركم إليه للمجازاة بالبعث من القبور. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ استيسر وتيسر بمعنى واحد، مثل صعب واستصعب، وغنى واستغنى، وليست السين للطلب، وذلك لأن العرب لا تزيد حرفًا غالبًا إلا للدلالة على معنى زائد لا يدل عليه الأصل كما هو مقرر في التصريف. ﴿الْهَدْيِ﴾: بتخفيف الياء مصدر في الأصل، وهو بمعنى المهدي، ويقرأ بتشديد الياء، وهو جمع هدية، وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول. ﴿مَحِلَّهُ﴾: وهو بالكسر يطلق على الزمان والمكان، وبالفتح على المكان فقط. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: من باب إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها.
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: الرفث: الإفحاش في الكلام، يقال: رفث يرفُث بكسر الفاء وضمها، والفسوق: الخروج عن حدود الشرع،
стр. 1251
الجدال: (١) بوزن فِعال مصدر جادل، من باب فاعل الذي هو من مزيد الثلاثي، وهو المخاصمة الشديدة، مشتق من الجدل، وهو الفتل، ومنه قيل: زمام مجدول، وقيل: له جديل لفتله، وقيل للصقر: الأجدل لشدته واجتماع حلقه، كأن بعضه فتل في بعض فقوي. ﴿الزَّادِ﴾ (٢) معروف؛ وهو ما يستصحبه الإنسان للسفر من مأكول ومشروب ومركوب وملبوس إن احتاج إلى ذلك، وألفه منقلبة عن واو يدل على ذلك قولهم: تزود تفعل من الزاد.
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ وأصل أفضتم: أفيضتم؛ لأنه من فاض السيل يفيض إذا سال، وإذا كثر الناس في الطريق كان مشيهم كجريان للسيل.
﴿عَرَفَاتٍ﴾: اسم (٣) لتلك البقعة؛ أي: موضع الوقوف، وقرأه الجماعة بالتنوين، وليس التنوين فيه للفرق بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين، وسميت عرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل: لأن آدم التقى هو وحواء فيها فتعارفا، وقيل: غير ذلك. قال ابن عطية: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع.
وقال أبو السعود (٤): وعرفات جمع سمي به كأذرعات، وإنما صرف وفيه العلتان لأن تنوينه تنوين المقابلة لا تنوين التمكين، وهذا الاسم من الأسماء المرتجلة إلا على القول بأن أصله جمع.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ السين والتاء فيه للطلب على بابها، والمفعول الثاني محذوف للعلم به؛ أي: من ذنوبكم التي فرطت منكم، واستغفر يتعدى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بمن، نحو استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر كقوله:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ وَالعَمَلُ
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: أديتم؛ لأن قضى إذا علق بفعل النفس
стр. 1252
فالمراد منه الإتمام والفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾: جمع (١) منسَك بفتح السين وكسرها، والجمهور على إظهار الكاف الأولى، وأدغمها بعضهم؛ شبه حركة الإعراب بحركة البناء فحذفها.
البلاغة
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾: فيه مجاز في الفاعل وفي المفعول:
أما في الفاعل: ففي إسناد الحلق إلى الجميع، وإنما يحلق بعضهم رأس بعض، وهو مجاز شائع كثير، تقول: حلقت رأسي والمعنى: أن غيره حلقه له.
وأما المجاز في المفعول: فإنه على حذف مضاف تقديره: شعر رؤوسكم، والخطاب يخص الذكور؛ لأن الحلق مثلةً (٢) للنساء في الحج وفي غيره، وإنما التقصير سنتهن في الحج.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: كناية عن ذبحه في مكان الإحصار.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾: فيه مجاز بالحذف؛ لأن الأصل فمن كان منكم مريضًا فحلق، أو به أذى من رأسه فحلق .. فعليه فدية.
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: فيه من مباحث البلاغة شيئان: أحدهما: الإلتفات، والآخر: الحمل على المعنى.
أما الإلتفات: فإن قبله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، فجاء بضمير الغيبة عائدًا على ﴿من﴾ فلو نسق هذا على نظم الأول .. لقيل: إذا رجع، بضمير الغيبة.
وأما الحمل على المعنى: فلأنه أتى بضمير الجمع اعتبارًا بمعنى ﴿من﴾، ولو روعي اللفظ لأفرد، فقيل: إذا رجع.
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾: فيه إجمال بعد التفصيل، وهذا من باب الإطناب، وفائدته زيادة التأكيد والمبالغة في المحافظة على صيامها وعدم التهاون بها، أو
стр. 1253
تنقيص عددها، والتنبيه على أنها كاملة في الثواب؛ يعني: أن ثواب صيام العشرة كثواب الذبح لا ينقص عنه شيئًا.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: فيه إظهار في مقام الإضمار؛ لتربية المهابة في روع السامع.
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: فيه إظهار في مقام الإضمار، ونكتته كمال الاعتناء بشأنه، والإشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي، والدلالة على أن ذلك حقيق بأن لا يقع، فإن ما كان منكرًا مستقبحًا في نفسه، ففي خلال الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة؛ لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: ومن شر ففيه اكتفاء، وهو ذكر أحد المتقابلين، وحذف الآخر لعلمه من المذكور.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: فيه تشبيه تمثيلي، يسمى: مرسلًا مجملًا.
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾: فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، ولو جاء على الخطاب .. لكان: فمنكم من يقول ومنكم من يقول. وحكمة هذا الالتفات: أنهم لما وجهوا بهذا الذي لا ينبغي أن يسلكه عاقل، وهو الاقتصار على الدنيا .. أبرزوا في صورة أنهم غير المخاطبين بذكر الله، بأن جعلوا في صورة الغائبين، وهذا من التقسيم الذي هو من جملة ضروب البيان.
والله أعلم
* * *
стр. 1254
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.
المناسبة
ومناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة العبادات التي تطهر القلوب، وتزكي النفوس كالصيام والصدقة والحج، وقسم السائلين له إلى مقتصر على أمر الدنيا وطلبها، وسائل حسنة الدنيا والآخرة والوقاية من النار .. أتى هنا بذكر النوعين، فذكر من النوع الأول من هو حلو المنطق مظهر الود، وليس ظاهره كباطنه، وعطف عليه من يقصد رضى الله تعالى، ويبيع نفسه في طلبه، وقدم الأول هنا؛ لأنه هناك هو المقدم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾، وأحال هنا على إعجاب قوله دون غيره من الأوصاف؛ لأن القول هو الظاهر منه أولًا في قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا﴾ فكان من حيث توجهه إلى الله تعالى في الدعاء ينبغي أن يكون لا يقتصر على الدنيا، وأن يسأل ما ينجيه من عذابه، وكذلك هذا الثاني ينبغي أن لا يقتصر على حلاوة منطقه، بل كان يطابق في سريرته لعلانيته، ثم حذر ﵎ من اتباع خطوات الشيطان، وبين لنا عداوته الشديدة.
стр. 1255
أسباب النزول
قوله (١) تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ...﴾ الآية، أخرج ابن جرير عن السدي قال: نزلت في الأخنس بن شريق، أقبل إلى النبي ﷺ ، وأظهر له الإِسلام، فأعجبه ذلك منه، ثم خرج فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر؛ فأنزل الله الآية.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ...﴾ أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرًا إلى النبي ﷺ ، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني مِنْ أرماكم رجلًا، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم منه، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وخليتم سبيلي. قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ﷺ المدينة قال: ربح البيع أبا يحيى، ربح أبا يحيى، ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ...﴾ الآية.
أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: قال عبد الله بن سلام، وثعلبة، وابن يامين، وأَسد وأُسد ابنا كعب، وسعيد بن عمرو، وقيس بن زيد، كلهم من يهود: يا رسول الله، يوم السبت يوم نعظمه، فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها الليل؛ فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٢٠٤ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ...﴾ إلخ، هذان (٢) قسمان يضمان لقوله
стр. 1256
سابقًا: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ...﴾ إلخ. فأول الأربعة: راغب في الدنيا فقط ظاهرًا وباطنًا، والثاني: راغب فيها وفي الآخرة كذلك، والثالث: راغب في الآخرة ظاهرًا وفي الدنيا باطنًا، والرابع: راغب في الآخرة ظاهرًا وباطنًا معرض عن الدنيا كذلك؛ أي: ومن بعض الناس - يا محمَّد - من يعجبك ويحبك، ويشوقك ويعظم في نفسك قوله وكلامه وحديثه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: يعجبك ما يقوله في أمور الدنيا، وأسباب المعاش وما يتكلم به لطلب مصالح الدنيا؛ لأنه يطلب بادعاء المحبة حظ الدنيا، ولا يريد به الآخرة، هذا إن قلنا: إن الجار والمجرور متعلق بالقول، ويصح تعلقه بـ ﴿يعجبك﴾.
والمعنى حينئذ: أي يعجبك كلامه في الدنيا حلاوة وفصاحة، ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه في الموقف من الدهشة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أنه موافق لقوله؛ أي: يحلف بالله على أن ما في قلبه من محبتك أو من الإِسلام موافق لكلامه، ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإِسلام، وقرأ ابن محيصن (١) شذوذًا ﴿وَيشهدُ اللهُ﴾ بفتح حرف المضارعة ورفع الاسم الشريف على أنه فاعل، والمعنى: ويعلم الله منه خلاف ما قال، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ وقراءة الجماعة أبلغ في الذم، وقرأ ابن عباس شذوذًا ﴿واللهَ يُشْهِدُ على ما في قَلْبِهِ﴾، وقرأ أبي، وابن مسعود شذوذًا أيضًا: ﴿وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ على ما في قلبه﴾.
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾؛ أي: والحال أنه شديد الخصومة والعداوة لك وللمسلمين، وهو الأخنس بن شريق الثقفي، واسمه أبي كان منافقًا حسن العلانية خبيث الباطن، أقبل إلى النبي ﷺ وأظهر الإِسلام، وحلف بالله إنه يحبه ويتابعه في السر، وكان النبي ﷺ يدنيه من مجلسه، وعن ابن عباس (٢) أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع - موضع بين مكة والمدينة - وعابوهم؛ فأنزل الله في ذم المنافقين، ومدح خبيب وأصحابه.
стр. 1257
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" يعني: الشديد في الخصومة. متفق عليه.
٢٠٥ - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ وانصرف وذهب من عندك يا محمَّد بعد إلانة القول، وإحلاء المنطق ﴿سَعَى﴾ ومشى ﴿في﴾ بقاع ﴿الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾؛ أي: ليوقع الفساد فيها بقطع الأرحام، وسفك دماء المسلمين، وإيقاع الاختلاف بينهم وتفريق كلمتهم ﴿و﴾ لـ ﴿يهلك﴾ ويعدم ﴿الْحَرْثَ﴾ والزرع بالإحراق ﴿و﴾ يهلك ﴿النسل﴾؛ أي: نسل الدواب والحمر وأولادها بالقتل، فقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ عطف خاص على عام كما أشرنا إليه في الحل، فإن الأخنس هذا لما انصرف من بدر مر على بني زهرة، وكان بينهم وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلًا، فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم، وقيل: معناه إذا تولى؛ أي: إذا صار واليًا وملك الأمر .. سعى في الأرض؛ ليفسد فيها بالظلم والعدوان، كما يفعله ولاة السوء والظلمة، وقيل: يظهر ظلمه حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر، فهلك الحرث والنسل بسبب منع المطر، وهذه الآية وإن نزلت في الأخنس، فهي عامة في كل منافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه.
يُعْطِيْكَ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ حَلاَوَةً ... وَيرُوغُ عَنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
وفي (١) قراءة شاذة عن أبيّ ﴿وليهلك﴾، وقرأه قتادة بالرفع، وروي عن ابن كثير ﴿ويَهلكُ﴾ بفتح الياء وضم الكاف ورفع الحرث والنسل، وهي قراءة الحسن وابن محيصن، وما عدا قراءة الجمهور شاذ لا يقرأ به. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾؛ أي: لا يرضى به ويعاقب صاحبه، يشمل كل نوع من أنواعه من غير فرق بين ما فيه فساد الدين، وما فيه فساد الدنيا.
٢٠٦ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ﴾؛ أي: لذلك الإنسان ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: خَفْ عقاب الله في فعلك ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾؛ أي: حملته الأنفة وحمية الجاهلية ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: على فعل الإثم والفساد الذي أُمر باتقائه، ولزمه التكبر الحاصل بالإثم الذي في قلبه،
стр. 1258
فإن التكبر إنما حصل بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل، وعدم النظر في الدلائل، ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: كافيه جهنم جزاء وعذابًا، وجهنم: اسم من أسماء النار التي يعذب بها الكفار في الآخرة، وقيل: هي اسم أعجمي، وقيل: بل هي عربي، سميت النار بذلك لبعد قعرها، ﴿وَلَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿الْمِهَادُ﴾؛ أي: الفراش جهنم، والمهاد: التوطئة أيضًا، والمعنى: أن العذاب بالنار يجعل تحته وفوقه.
قال ابن مسعود ﵁: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك.
وروي أنه قيل لعمر: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعًا لله.
ونزل في صهيب بن سنان الرومي حين أسلم وتعرض له المشركون وأرادوا قتله، فاشترى نفسه منهم بماله وأتى المدينة، أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن
٢٠٧ - المنكر حتى يقتل، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي﴾؛ أي: يشتري ﴿نَفْسَهُ﴾ من الكفار بماله ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾؛ أي: لأجل طلب رضا الله بالهجرة إلى الله ورسوله، وهو صهيب بن سنان، لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة، وترك لهم ماله، فعلى هذا: فالشراء على معناه الأصلي.
وقيل معناه: ومن الناس من يبيع ويبذل نفسه في طاعة الله من صلاة وصيام وجهاد، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فكان ما يبذله من نفسه كالسلعة، فصار كالبائع، والله تعالى هو المشتري، والثمن هو رضا الله تعالى وثوابه المذكور في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾. ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: محسن إليهم ومكرم لهم بالنعم الجسام، حيث أرشدهم لما فيه رضاه، ومن (١) رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن المصر على الكفر ولو مئة سنة إذا تاب ولو لحظة ... أسقط عنه
стр. 1259
عقاب تلك السنين، وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس والمال له، ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلًا منه ورحمة وإحسانًا، ومن رأفته مضاعفة الحسنات، وعدم مضاعفة السيئات.
٢٠٨ - ونزل في عبد الله بن سلام وأضرابه حين عظموا السبت، وكرهوا الإبل بعد الإِسلام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ بفتح السين وكسرها الإِسلام؛ أي: تلبسوا بالإِسلام ﴿كَافَّةً﴾؛ أي: جميعًا، واعملوا بجميع أحكامه واتركوا ما كنتم عليه من شريعة موسى المخالفة لملة الإِسلام؛ لأنها صارت منسوخة، والسلم (١) هنا قرأها بالفتح نافع، والكسائي، وابن كثير، والباقون بكسرها، والتي في (الأنفال) لم يقرأها بالكسر إلا أبو بكر وحده عن عاصم، والتي في القتال، فلم يقرأها بالكسر إلا حمزة، وأبو بكر أيضًا، وقرأ الأعمش السَلَم بفتح السين واللام.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: ولا تتبعوا طرق تزيين الشيطان ووسوسته بتفريق الأحكام بالعمل ببعضها الموافق لشريعة موسى، وعدم العمل بالبعض الآخر المخالف لها كعدم تعظيم السبت، وعدم كراهة الإبل؛ يعني: لا تتبعوا طرق الشيطان التي يزينها بوسوسته لكم، وقيل المعنى: ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية والأهواء المضلة؛ لأن من اتبع سنة إنسان .. فقد تبع أثره ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿لَكُمْ﴾ يا بني آدم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: بيّن العداوة وظاهرها بالنسبة لمن أنار الله قلبه، وأما غيره:
٢٠٩ - فهو حليف له ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ وملتم عن الدخول في كافته وجميعه، وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به، وقرىء شذوذًا ﴿زللتم﴾ بكسر اللام ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ﴾ وظهرت لكم ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: الدلالات الواضحات من البراهين القطعية، والدلائل النقلية كالمعجزة الدالة على الصدق، وكالبيان الحاصل بالقرآن والسنة.
стр. 1260
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: قوي لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم، ولا يمنعه مانع عنكم، ولا يفوته ما يريده منكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه لا ينتقم إلا بحق، أو حكيم فيما شرعه لكم من الدين.
٢١٠ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينتظر هؤلاء التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ يوم القيامة بلا كيف ولا تشبيه، لفصل القضاء بين الأولين والأخرين ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ أي: في سحاب رقيق ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾؛ أي: من السحاب الأبيض ﴿و﴾ إلا أن تأتيهم ﴿الملائكة﴾ الموكلون بتعذيبهم، وقيل: إن قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ فيه تقديم وتأخير بدليل ما في بعض القراءات شاذة: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام﴾ قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية (١) يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيىء فيما يشاء بدليل هذه القراءة.
وقال ابن كثير: وقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير ها هنا حديث الصوَر بطوله من أوله عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: "إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات .. تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم، فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمَّد ﷺ ، فإذا جاؤوا إليه قال: أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا، وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون (٢)، قال: وينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة". الحديث.
قال ابن أبي حاتم، وحدثنا أبي قال: حدثنا محمَّد بن الوزير الدمشقي،
стр. 1261
حدثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمَّد عن قول الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت مكلل بالجواهر والزبرجد، وقال ابن أبي نجيح وعن مجاهد: في ظلل من الغمام قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيه حين تاهوا.
والقول الأسلم (١) الذي عليه سلف الأمة وأعلام أهل السنة في آيات الصفات وأحاديثها: الإيمان والتسليم لما جاء فيها من الصفات، فيجب علينا الإيمان بظاهرها، وأن نؤمن بها كما جاءت، ونكل علمها إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ ، مع الإيمان والاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن سمات الحدوث، وعن الحركة والسكون. قال الكلبي: هذا من الذي لا يفسر، وقال سفيان بن عيينه: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله.
وكان الزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها: اقرؤوها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، هذا مذهب أهل السنة، ومعتقد سلف الأمة، وأنشد بعضهم في المعنى:
عَقِيْدَتُنَا أَنْ لَيْسَ مِثْلُ صِفَاتِهِ ... وَلاَ ذَاتِهِ شَيءٌ عَقِيْدَةُ صَائِبِ
نُسَلِّمُ آيَاتِ الصِّفَاتِ بِأَسْرِهَا ... وَأَخْبَارَهَا للظَّاهِرِ المُتَقَارِبِ
وَنُؤْيِسُ عَنْهَا كُنْهَ فَهْمِ عُقُوْلِنَا ... وَتَأْوِيْلُنَا فِعْلُ اَللَّبِيْبِ الْمُغَالِبِ
وَنَرْكَبُ لِلتَسْلِيْمِ سُفْنًا فَإِنَّهَا ... لِتَسْلِيْمِ دِيْنِ الْمَرْءِ خَيْرُ الْمَركَبِ
والظلل: جمع (٢) ظلة كقلة وقلل، وهي ما أظلك، وقرأ قتادة، ويزيد بن القعقاع ﴿ظلال﴾ كقلال، والغمام: السحاب الأبيض، وقرأ يزيد (٣) أيضًا
стр. 1262
﴿والملائكةِ﴾ بالجر عطفًا على ﴿الْغَمَامِ﴾ أو على ﴿ظُلَلٍ﴾. قال الأخفش: والملائكة بالخفض بمعنى: وفي الملائكة، قال: والرفع أجود، وقال الزجاج: التقدير في ظلل من الغمام، ومن الملائكة.
والمعنى: هل ينتظرون إلا أن يأتيهم بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة؟.
وقوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: معطوف على ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾، داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه، فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جيء بها للدلالة على أن مضمونها واقع لا محالة؛ أي: وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم. وقرأ معاذ بن جبل شذوذًا: ﴿وقضاء الأمر﴾ بالمصدر عطفًا على الملائكة، وقرأ يحيى بن يعمر شذوذًا أيضًا: ﴿وقضى الأمور﴾ بالجمع؛ أي: فهل ينتظرون إلا أن يُقضى الأمر بين الخلائق، ويفصل بينهم بأخذ الحقوق لأربابها، وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته، إما في الجنة وإما في النار، وذلك يوم القيامة. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يوم النشور؛ أي: ترد إليه أمور الخلائق وشؤونهم؛ ليقضي بينهم القضاء الفاصل، ويجازي كلًّا على عمله.
فإن قلتَ (١): هل كانت الأمور ترجع إلى غيره تعالى؟.
قلت: إن أمور جميع العباد ترجع إليه في الدنيا والآخرة، ولكن المراد من هذا: إعلام الخلق بأنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب.
وفيه جواب آخر، وهو أنه لمّا عبد قوم غيره تعالى في الدنيا .. أضافوا أفعاله تعالى إلى طاغوتهم، فإذا كان يوم القيامة، وانكشف الغطاء .. ردوا إلى الله أضافوه إلى غيره في الدنيا.
وقرأ ابن كثير (٢)، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم على البناء للمفعول على أنه بمعنى: ترد، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي على البناء للفاعل بالتأنيث على
стр. 1263
أنه بمعنى: تصير، وقرىء أيضًا بالتذكير، وبناء المفعول.
٢١١ - ﴿سَلْ﴾ يا محمَّد ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: أولاد يعقوب الحاضرين منهم توبيخًا لهم وتقريعًا ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: أيُّ عدد أعطيناهم ﴿مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: من معجزة واضحة، وحجج باهرة تدل على صدق أنبيائهم؛ أي: سلهم كم من المعجزات أعطينا لموسى نبيهم تدل على صدقه؟ كيَده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربه الحجر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك، فبدلوها كفرًا؛ أي: أخذوا بدل موجبها وهو الإيمان كفرًا، فاستوجبوا العقاب من الله تعالى، فإنكم لو زللتم عن آيات الله تعالى .. لوقعتم في العذاب كما وقع أسلافكم فيه، وهذا تسلية لرسول الله ﷺ ؛ أي: فلا غرابة في عدم إيمانهم بك، فإننا آتيناهم آيات بينات على يد موسى، فلم يؤمنوا ولم ينقادوا ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: ومن يغير آيات الله الباهرة الدالة على نبوة محمَّد ﷺ بالكفر؛ أي: بدل موجبها الذي هو الإيمان بها بالكفر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾؛ أي: من بعد ما وصلت إليه وعرفها، أو المعنى: ومن يغير دين الله وكتابه بالكفر من بعد ما جاء به محمد ﷺ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له فيعاقبه أشد عقوبة؛ لأنه ارتكب أشد جريمة، وفي هذا من الترهيب والتخويف ما لا يقادر قدره.
وقال ابن جرير الطبري (١): النعمة هنا الإِسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنًا من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها، ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: حسنت (٢) في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا فيها، وأعرضوا عن غيرها، والمزين لهم في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة ﴿زيَّن﴾ بالبناء
стр. 1264
للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهوية مزين بالعرض، وإنما لم (١) يلحق الفعل علامة التأنيث لكونه مؤنثًا مجازيًا، وحسن ذلك الفصل، وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا: ﴿زينت﴾ بالتأنيث مراعاة للفظ، وقرأ مجاهد، وأبو حيوة شذوذًا أيضًا ﴿زَين﴾ - بفتح الزاي مبنيًّا للفاعل، الحياة مفعول، والفاعل هو الله تعالى، والمعتزلة (٢) يقولون: إنه الشيطان، وهذا تأويل ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يتناول جميع الكفار، فيدخل فيه الشيطان وغواة الجن والإنس، وإن كلهم مزين لهم، وهذا المزين لا بد وأن يكون مغايرًا لهم، فثبت بهذا ضعف قول المعتزلة.
وقيل: إن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا حتى أقبلوا عليها وأحبوها، فكان هذا الإمهال هو التزيين.
قيل: نزلت هذه الآية (٣) في مشركي العرب، أبي جهل وأضرابه؛ لأنهم كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويكذبون بالمعاد، وقيل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: نزلت في رؤساء اليهود، ويحتمل أنها نزلت في الكل ﴿و﴾ هم ﴿يسخرون من الذين آمنوا﴾ ويستهزؤون بفقراءهم بضيق معيشتهم، قال ابن عباس ﵄: مثل عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، ونظرائهم ﵃، وقيل: كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمَّد أنه يغلب بهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عن الشرك، وعن الدنيا الشاغلة عن الله تعالى، وهم فقراء المؤمنين ﴿فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: فوق الكفار حسًّا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأن المؤمنين في عليين، والكافرين في سجين، والمعنى: لأنهم في أوج الكرامة، وهم في حضيض المذلة، ولأن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا.
стр. 1265
وعن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلّ جواظ جعظري مستكبر". متفق عليه. العتل: الفظ الغليظ الشديد في الخصومة، الذي لا ينقاد لخير، والجواظ: الفاجر المختال في مشيته، وقيل: هو القصير البطين، والجعظري: الفظ الغليظ، وقيل: هو الذي يتمدح بما ليس فيه أو عنده.
وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء". متفق عليه. الجَد - بالفتح -: الحظ والغنى وكثرة المال. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: والله يعطي من يشاء من عباده في الدنيا من مؤمن أو كافر، أو في الآخرة لمؤمن رزقًا واسعًا ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: رزقًا لا حساب فيه، ولا عد ولا ضبط لكثرته، فلا يضبطه عد، ولا كيل، ولا وزن من غير تكلف من المرزوق، ومن حيث لا يحتسب، وقد أغنى الله المؤمنين بما أفاض عليهم من أموال صناديد قريش، ورؤساء اليهود حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، ولكن البسط في الدنيا لا يخلو: إما من الاستدراج، أو من الابتلاء.
الإعراب
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَمِنَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿من الناس﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَن﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿يُعْجِبُكَ﴾: فعل ومفعول. ﴿قَوْلُهُ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿من﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير في ﴿قَوْلُهُ﴾. ﴿الْحَيَاةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾، أو بـ ﴿القول﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.