ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا صالحًا، وقد عبد من دون الله، فأنزل الله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ...﴾ الآية.
قال الواحدي (١): وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزِّبَعْرَى السهمي، مع النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .. قال ابن الزِّبَعْرَى: خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود عزيرًا، وبنو مليح الملائكة، ففرح قومه بذلك من قوله فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، ونزلت هذه الآية المذكورة هنا. وقد مضى هذا في سورة الأنبياء، ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعرى مندفع من أصله، وباطل برمته، فإن الله سبحانه قال: إنكم وما تعبدون، ولم يقل: ومن تعبدون حتى يدخل في ذلك العقلاء، كالمسيح، وعزير، والملائكة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها قرشيان، وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا، فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت هذه الآية: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٥٧ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ﴾ وجعل عيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﵇ ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: مثالًا ومشابها للأصنام، من حيث إن النصارى اتخذوه إلهًا، وعبدوه من دون الله؛ أي: ضربه عبد الله بن الزبعرى السهمي مثلًا لأصنامهم، كان من مردة قريش قبل أن يسلم. قال في "القاموس": الزِّبَعْرَى بكسر الزاي وفتح الباء والراء والد عبد الله الصحابي القرشي الشاعر، انتهى. ومعنى ضربه مثلًا أي (٣): جعله مثالًا ونظيرًا
стр. 12007
ومقياسًا لأصنامهم في بيان إبطال ما ذكره رسول الله ﷺ ، من كون معبودات الأمم دون الله ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ ...﴾ الآية، حين قرأه على قريش فامتعضوا من ذلك امتعاضًا شديدًا؛ أي: غضبوا وشق عليهم ذلك، فقال ابن الزبعرى بطريق الجدال: هذا لنا ولآلهتنا خاصة، أم لجميع الأمم"؟ فقال النبي ﷺ : "هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيرًا، وبنو مليح الملائكة، فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون وآلهتنا معهم، ففرح به قومه، وضحكوا، وارتفعت أصواتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا﴾ فجائية ﴿قَوْمُكَ﴾ قريش يا محمد ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك المثل الذي ضربه ابن الزبعري؛ أي: لأجله وبسببه ﴿يَصِدُّونَ﴾؛ أي: يضجون ويصيحون ويرفعون أصواتهم بالضحك، فرحًا بذلك المثل المضروب، ظنا منهم أن الرسول ﷺ صار ملزمًا به، مغلوبًا محجوجًا عليه، وقرأ أبو جعفر (١) والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب وعامر ونافع والكسائي ﴿يصدون﴾ بضم الصاد؛ أي: يعرضون عن الحق من أجل ضرب المثل. وقرأ ابن عباس وابن جبير والحسن وعكرمة وباقي السبعة بكسرها؛ أي: يصيحون ويضحكون فرحًا بضرب المثل.
قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش (٢): هما لغتان، مثل: عكف يعكف، ويعكف بالكسر والضم، ومعناهما يضجون. قال الجوهري: صد يصد صديدًا؛ أي: ضج؛ وقيل: إنه بالضم الإعراض، وبالكسر الضجيج قاله قطرب قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لقال: إذا قومك منه يصدون، وقال الفراء: هما سواء منه وعنه. وقال أبو عبيدة: من ضم فمعناه: يعدلون، ومن كسر فمعناه: يضجون.
٥٨ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال قومك قريش ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ عندك من عيسى، فإن آلهتهم خير عندهم من عيسى ﴿أَمْ هُوَ﴾؛ أي: أم عيسى خير من آلهتنا، وظاهر
стр. 12008
أن عيسى خير من آلهتنا، فحيث كان هو في النار، فلا بأس بكوننا مع آلهتنا فيها، فالاستفهام إنكاري؛ لأن المعنى: ليست خيرًا منه، وقيل: معناه أآلهتنا خير أم هو؛ أي: محمد ﷺ فنعبده ونطيعه، ونترك آلهتنا، قاله قتادة، ويؤيد هذا المعنى قراءة ابن مسعود ﴿أآلهتنا خير أم هذا﴾، والأول أولى لتناسق الضمائر في قوله: إن هو إلا عبد، ذكره في "البحر". وقرأ الجمهور (١): ﴿ءَألِهَتُنَا﴾ بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكوفيون ويعقوب: بتحقيقها، وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر: بهمزة واحدة على مثال الخبر، فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام محذوفة لدلالة أم عليها، واحتمل أن يكون خبرًا محضًا، حكوا: أن آلهتهم خير ثم عن لهم أن يستفهموا على سبيل التنزل من الخبر إلى الاستفهام المقصود به الإفحام، وهذا يتضمن أن آلهتهم خير من عيسى ﵇، فعلى قراءة (٢) ورش تكون: ﴿أَمْ﴾ منقطعة لا عاطفة، تقدر ببل والهمزة، وأما على قراءة العامة، فتكون متصلة عاطفة على آلهتنا عطف المفردات، والتقدير: أآلهتنا أم هو خير؛ أي: أيهما خير، فالهمزة لطلب التعيين. وعلى قراءة ورش يكون هو مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: بل أهو خير، وليست ﴿أَمْ﴾ حينئذ عاطفة اهـ "سمين".
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾؛ أي: ما ضرب قومك لك هذا المثل في عيسى، وما ذكروه ﴿إِلَّا﴾ ليجادلوك ويخاصموك ﴿جَدَلًا﴾؛ أي: جدالًا وخصامًا، ونزاعًا في الحق على أنه منصوب على المصدرية، أو ما ضربوه لك إلا لأجل الجدال والخصام، لا لطلب الحق، حتى يذعنوا له عند ظهوره ببيانك، أو إلا حال كونهم مجادلين على أنه مصدر وقع موقع الحال. وقرأ ابن مقسم: ﴿إلا جدالا﴾ بكسر الجيم وبألف.
وقال بعضهم: مرادهم بهذا الكلام؛ إن قال محمد ﷺ : آلهتكم خير من عيسى، فقد أقر بأنها معبودة، ﷺ وإن قال: عيسى خير من آلهتكم، فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، ﷺ وإن قال: ليس واحد منهم خيرًا فقد نفى عيسى، فراموا
стр. 12009
بهذا السؤال أن يجادلوه ولم يسألوه للاستفادة، فبين الله سبحانه: أن جدالهم ليس لفائدة، إنما هو لخصومة نفس الإنسان فقال: ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: قومك قريش ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾؛ أي: لدد شداد الخصومة بالباطل، مجبولون على اللجاج والخلاف، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ وذلك لأنهم قد علموا أن المراد من قولهَ: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هؤلاء الأصنام بشهادة المقام، لكن ابن الزبعرى لما رأى الكلام محتملًا للعموم بحسب الظاهر، وجد مجالًا للخصومة. وفي الحديث: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أتوا الجدل"، ثم قرأ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ الآية، أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد في جماعة عن أبي أمامة.
ومعنى الآية (١): أي ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى بن مريم مثلًا، وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى له إذا قومك من هذا المثل، يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحًا وسرورًا، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا أعيوا في حجة، ثم فتحت عليهم، وقالوا: إن آلهتنا ليست خيرًا من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب جهنم، كان أمر آلهتنا أهون، ما ضربوا لك المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لإظهار الحق، فإن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إنما ينطبق على الأصنام والأوثان، ولا يتناول عيسى والملائكة، ولكنهم قوم ذوو لدد في الخصومة، مجبولون على سوء الخلق واللجاج.
قال الزمخشري (٢): إن ابن الزبعرى بخبه وخداعه، وخبث دخلته، لما رأى كلام الله ورسوله محتملًا لفظه وجه العموم، مع علمه بأن المراد به أصنامهم، لا غير، وجد للحيلة مساغًا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال، وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله ﷺ حتى أجاب عنه ربه، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ فدل به على أن الآية خاصة في الأصنام، انتهى.
стр. 12010
٥٩ - ثم بين أن عيسى عبد من عبيده، الذين أنعم الله عليهم بقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما عيسى بن مريم ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ مربوب ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بفضلنا (١) عليه بالنبوة، أو بخلقه بلا أب، أو بقمع شهوته لا ابن الله، والعبد لا يكون مولى ولا إلهًا، كالأصنام ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا﴾ أي: آية وعبرة ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعرفون به قدرة الله سبحانه حيث خلقه من غير أب، وكان يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، وكل مريض؛ أي: جعلناه أَمرًا عجيبًا حقيقًا، بأن يسير ذكره، كالأمثال السائرة.
والمعنى (٢): أي ما عيسى بن مريم إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة وروادفها، فهو رفيع المنزلة على القدر، وقد جعلناه آية على قدرتنا، بأن خلقناه من غير أب وشرفناه بالنبوة، وصيرناه عبرة سائرة تفتح للناس باب التذكر والفهم، وليست مخالفة العادة بموجبه لعبادته كما يزعم النصارى، بل مذكرة بعبادة الخالق الحكيم
٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ ﴿لو﴾ للمضي، وإن دخل على المضارع ولذا لا يجزمه، ويتضمن ﴿لَوْ﴾ معنى الشرط؛ أي: ولو شئنا ﴿لـ﴾ أهلكناكم يا كفار مكة و ﴿جعلنا﴾ بدلًا ﴿مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ يسكنون ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ عنكم؛ أي: يكونون خلفًا عنكم يعمرون الأرض، ويعبدونني، ويطيعونني، ومقصود الآية: أنا لو شئنا لأسكنا الملائكة الأرض، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم: بنات الله، قاله السدي. ونحوه عن مجاهد.
وقيل المعنى (٣): ولو شئنا ﴿لَجَعَلْنَا﴾؛ أي: أولدنا؛ أي: لخلقنا بطريق التوالد ﴿مِنْكُمْ﴾ وأنتم رجال من الإنس ليس من شأنكم الولادة. كما ولدنا حواء من آدم، وعيسى من غير أب، وإن لم تجر العادة بذلك ﴿مَلَائِكَةً﴾ كما خلقناهم بطريق الإبداع ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مستقرين فيها كما جعلناهم مستقرين في السماء ﴿يَخْلُفُونَ﴾؛ أي: يخلفونكم، ويصيرون خلفاء بعدكم مثل أولادكم فيما تأتون وتذرون، ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم، مع أن شأنهم التسبيح، والتقديس في السماء، فمن شأنهم بهذه المثابة بالنسبة إلى القدرة الربانية، كيف
стр. 12011
يتوهم استحقاقهم للمعبودية، أو انتسابهم إليه بالولادة. يعني: أن الملائكة مثلكم في الجسمية واحتمال خلقها توليدًا لما ثبت أنهم أجسام، والأجسام كلها متماثلة، فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر، كما جاز خلقها إبداعًا، وذات القديم الخالق لكل شيء متعالية عن مثل ذلك.
فقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ ...﴾ إلخ، لتحقيق (١) أن مثل عيسى ليس ببدع من قدرة الله، وأنه تعالى قادر على أبدع من ذلك، وهو توليد الملائكة من الرجال، مع التنبيه على سقوط الملائكة أيضًا عن درجة المعبودية، والمعنى الأول أولى وفي الآية إشارة، إلى أن الإنسان لو أطاع الله تعالى؛ لأنعم الله عليه، بأن جعله متخلقًا باخلاق الملائكة، ليكون خليفة الله في الأرض بهذه الأخلاق، ليستعد بها إلى أن يتخلق باخلاق الله، فإنها حقيقة الخلافة.
والمعنى على القول الأول: ولو شئنا لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة يعمرونها ويعبدوننا، وفي الآية على هذا المعنى تهديد وتخويف لكفار قريش، وقد يكون المعنى: ولو شئنا لجعلنا ذريتكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما خلقنا عيسى من أنثى بلا ذكر، وجعلناه رجلًا.
والخلاصة (٢): أننا لو شئنا لجعلنا في الأرض عجائب، كأمر عيسى بحيث يلد الرجل ملكًا فيخلفه، فباب العجائب وتغير السنن لا حد له عندنا، فكم من نواميس خافية عليكم بيدنا تصريفها.
٦١ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن عيسى بن مريم ﵇ بنزوله في آخر الزمان ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي (٣): لشرط من أشراط الساعة، يعلم بنزوله قربها، وتسميته علمًا لحصوله به، فهي على المبالغة في كونه مما يعلم به، فكأنه نفس العلم بقربها، أو المعنى: إن حدوثه بغير أب، أو إحياءه الموتى دليل على صحة البعث، الذي
стр. 12012
هو معظم ما ينكره الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة، وهذا المعنى قاله (١) ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك وابن زيد، يعني: عود الضمير على عيسى ﵇. وقال الحسن وقتادة أيضًا وابن جبير: الضمير يعود على القرآن؛ أي: وإن هذا القرآن يدل إنزاله على قرب الساعة، أو إنه به تعلم الساعة وأهوالها. وقالت فرقة: الضمير يعود على النبي ﷺ إذ هو آخر الأنبياء تميزت به الساعة نوعًا وقدرًا من التمييز، ونفي التحديد التام الذي انفرد الله تعالى بعلمه، والأول أولى، إذ الظاهر في الضمائر السابقة أنها عائدة على عيسى.
وروي: أن عيسى ﵇، ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، يقال لها: أفيق بوزن أمير، قرية بين حوران والغور، وعليه ممصرتان، يعني: ثوبين مصبوغين بالأحمر، فإن العصر الطين الأحمر، والممصر المصبوغ به، كما في "القاموس" وشعر رأسه دهين، وبيده حربة وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة الصبح، وفي رواية في صلاة العصر، فيتأخر الإِمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد ﷺ ، ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل اليهود والنصارى إلا من آمن به. وفي حديث آخر: الأنبياء أولاد علات، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم ليس بيني وبينه نبي، وفي "صحيح مسلم": "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية"، وزاد غيره "وتهلك في زمانِه الملل كُلها إلا الإِسلام"، دل آخر الحديث، على أن المراد بوضع الجزية: تركها ورَفْعُها عن الكفار بأن لا يقبل إلا الإِسلام، صرح بذلك النووي. ولعل المراد بالكسر والقتل المذكورين ليس حيقتهما، بل إزالة آثار الشرك عن الأرض.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَعِلْمٌ﴾ بصيغة المصدر، جعل المسيح علمًا، مبالغة لما يحصل من العلم بحصولها عند نزوله. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة، وأبو مالك الغفاري وزيد بن علي وقتادة ومجاهد والضحاك ومالك بن دينار والأعمش
стр. 12013
والكلبي قال ابن عطية وأبو نصرة ﴿لعلم﴾ بفتحتين؛ أي: لعلامة. وقرأ عكرمة به. قال ابن خالويه وأبو نصرة: ﴿للعلم﴾ معرفًا بفتحتين.
﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾؛ أي: فلا تشكن يا كفار مكة في وقوع الساعة، ولا تكذبن بها، فإنها كائنة لا محالة من الامتراء، وهو المحاجة فيما فيه مرية ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾؛ أي: واتبعوا هداي وشرعي فيما آمركم به، وأنهاكم عنه من التوحيد وبطلان الشرك، والمعنى: قل لهم يا محمد: اتبعوني ﴿هَذَا﴾ الذي أدعوكم إليه وآمركم به من التوحيد وفرائض الله تعالى ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: قويم لا اعوجاج فيه، موصل إلى الحق وإلى رضا الله .
وقرأ الجمهور (١): بحذف الياء من ﴿اتبعون﴾ وصلًا ووقفًا، وكذلك قرؤوا بحذفها في الحالين في ﴿أطيعون﴾. وقرأ يعقوب باثباتها وصلًا ووقفًا فيهما. وقرأ أبو عمرو وهي رواية عن نافع بحذفها في الوصل دون الوقف.
٦٢ - ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: لا يمنعنكم الشيطان، ولا يصرفنكم عن اتباعي؛ أي: لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم، فيمنعكم عن اتباعي، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه رسله وكتبه، ثم علل نهيهم، عن أن يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: لبني آدم لا لغيركم ﴿عَدُوٌّ﴾؛ أي: شديد العداوة ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: بيِّن العداوة حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور، وعرضكم للبلية.
فائدة: وحكي (٢): أنه لما خرج آدم ﵇ من الجنة، قال إبليس: أخرجته من الجنة بالوسوسة، فماذا أفعل به الآن، فذهب إلى السباع والوحوش فأخبرهم بخبر آدم، وما يولد منه حتى قالت الوحوش والسباع: ما التدبير والرأي في ذلك قال إبليس: ينبغي أن تقتلوه، وقتل واحد أسهل من قتل ألف، فأقبلوا إلى آدم وإبليس أمامهم، فلما رأى آدم أن السباع قد أقبلت إليه رفع يده إلى
стр. 12014
السماء، وتضرع إلى الله تعالى، فقال الله: يا آدم امسح بيدك على رأس الكلب، فمسح فكرَّ الكلب على السباع والوحوش حتى هزمها، ومن ذلك اليوم صار الكلب عدو للسباع، التي هي أعداء لآدم وأولاده، وأصله: أن إبليس بصق على آدم حين كان طينًا، فوقع بصاقه على موضع سرته، فأمر الله جبرئيل حتى قور ذلك الموضع، فخلق من القوارة الكلب، ولذا أنس بآدم وصار حاميًا له. ويقال: المؤمن بين خمسة أعداء: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وعدو يقتله، ونفس تغويه، وشيطان يضله.
والمعنى (١): أي إنه مظهر لعداوته لكم غير متحاش، ولا متكتم لها، كما يدل على ذلك ما وقع بينه وبين أبيكم آدم، من امتناعه عن السجود له، وما ألزم به نفسه من إغواء جميع بني آدم إلا عباد الله المخلصين.
٦٣ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾ إلى بني إسرائيل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحة والشرائع الربانية، وقال قتادة: البينات هنا الإنجيل ﴿قَالَ﴾ لهم عيسى ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ يا بني إسرائيل وبعثت إليكم ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: بالإنجيل أو بالشريعة لأعلمكم، وقيل: الحكمة كل ما يرغب في الجميل، ويكف عن القبيح ﴿وَ﴾ جئتكم ﴿لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أحكام التوراة، قيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم، وقيل: ذلك البعض ما يتعلق بأمور الدين، وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من وظائف الأنبياء، كما قال ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم", لأن اختلافهم يكون فيها وفي غيرها من الأمور التي لا تتعلق بالديانات، فأمور الديانات بعض ما يختلفون فيه، وبين لهم في غيره ما احتاجوا إليه، واللام في قوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ معطوفة على مقدر، كأنه قال: قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها, ولأبين لكم.
فإن قلت (٢): كيف قال عيسى ﵇ لأمته ذلك، مع أن كل نبي يلزمه أن يبين لأمته كل ما يختلفون فيه؟.
стр. 12015
قلت: المرادُ: أنه يبين لهم مما اختلفوا فيه ما يحتاجونه دون ما لا يحتاجونه، وقال أبو عبيدة: المراد بالبعض: الكل، كما في قوله: يصبكم بعض الذي يعدكم، ورده الناس عليه، وقال مقاتل: هو كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في الإنجيل من لحم الإبل والشحم من كل حيوان، وصيد السمك يوم السبت من كل ما حرم عليهم في التوراة.
والمعنى (١): ولما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحة قال: قد جئتكم بالشرائع التي فيها صلاح البشر، ولأبين لكم بعض ما اختلف فيه قوم موسى، من أحكام الدين دون أمور الدنيا، كطرق الفلاحة والتجارة، فإن الأنبياء لم يبعثوا لبيانها، كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ حين نهاهم عن تأبير النخل - تلقيحه بطلع الذكر - ففقد الثمر ولم يغل شيئًا نافعًا: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم".
ولما بين لهم أصول الدين وفروعه قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؛ أي: اتقوا عقابه في مخالفتي أن يحل بكم ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: أطيعوني فيما أبلغه عنه تعالى من الشرائع والتكاليف، فإن طاعتي طاعة الله ، كما قال من يطع الرسول فقد أطاع الله.
٦٤ - ثم فصل ما يأمرهم به بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ الذي يستحق إفراده بالألوهية، وإخلاص العبادة له ﴿هُوَ رَبِّي﴾ ومالكي ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ ومالككم، فأنا وأنتم عبيد له فقراء إليه، فخصوه بالعبادة والتوحيد، وهذا بيان (٢) لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد، والتعبد بالشرائع ﴿هَذَا﴾ الذي جئتكم به من التوحيد، والتعبد بالشرائع، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يضل سالكه، وكل الديانات جاءت بمثله، فما هو إلا اعتقاد بوحدانية الله تعالى، وتعبد بشرائعه، وفي "التأويلات النجمية": فاعبدوه ولا تعبدوني، فإني في العبودية شريك معكم، وإنه متفرد بربوبيته إيانا، وتعبدنا إياه صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، وهذا تتمة كلام عيسى ﵇،
стр. 12016
أو استئناف من الله، يدل على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك،
٦٥ - ولما كان الطريق القويم يجب الاجتماع عليه، والاتفاق على سلوكه، بين أنهم خالفوا ذلك فاختلفوا فيه، فقال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾؛ أي: فاختلفت الفرق المتخربة من اليهود والنصارى في شأن عيسى ﵇، بعد رفعه إلى السماء اختلافًا ناشئًا ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾؛ أي: من قبل أنفسهم لم يدخلهم الاختلاف من غيرهم، فقالت اليهود لعنهم الله تعالى: ابن زانية زنت أمه بيوسف النجار، وقالت اليعقوبية من النصارى: هو الله، وقالت النسطورية: وابن الله، وقالت الملكانية: هو شريك الله، وقالت المرقوسية: هو ثالث ثلاثة.
وفي "التأويلات النجمية": تفرق قومه الذين بعث إليهم أحزابًا وفرقًا، حزب آمنوا به أنه عبد الله ورسوله، وحزب آمنوا به أنه ثالث ثلاثة فعبدوه بالألوهية، وحزب اتخذوه ولدًا لله وابنًا له، تعالى الله عما يقول الظالمون، وحزب كفروا به وجحدوا نبوته، وظلموا عليه، وأرادوا قتله. وقيل: المراد بالأحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ ، وكذبوه وهم المرادون بقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾. والأول أولى. فقال الله في حق الظالمين المشركين: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: فشدة عذاب ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من هؤلاء المتحزبين، الذين وضعوا القول في غير موضعه، ففيه إظهار في مقام الإضمار، تسجيلًا عليهم باسم الظلم ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: وجيع عذابه، وهو يوم القيامة، والمراد: يوم أليم العذاب، كقوله: في يوم عاصف؛ أي: عاصف الريح.
٦٦ - والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ للإنكار، والضمير لكفار مكة؛ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون، وقيل: للأحزاب المختلفة؛ أي: ما ينتظر هؤلاء الأحزاب المتفرقة، وهذا أوفق بمقتضى السياق، وقيل: جميع الكفرة، وهذا أولى لعمومه؛ أي: ما ينتظر الكفار ولا يرتقبون ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ والقيامة ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ بدل (١) من الساعة؛ أي: إلا إتيانَ الساعة، ولما كانت الساعة تأتيهم لا محالة كانوا كأنَّهم ينتظرونها، وانتصاب ﴿بَغْتَةً﴾ على المصدرية؛ أي: إتيان بغتة وفجأة. قال في "الإرشاد":
стр. 12017
فجأةً لكن لا عند كونهم مترقبين لها، بل غافلين عنها مشتغلين بأمور الدنيا، منكرين لها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ولا يعلمون بإتيانها، فيجازي كل الناس على حسب أعمالهم، فلا تؤدي ﴿بَغْتَةً﴾ مؤدى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، حتى لا يستغنى بها عنه؛ لأنه ربما يكون إتيان الساعة بغتةً مع الشعور بوقوعه، والاستعداد له؛ لأنه إذا لم يعرف وقت مجيئه ففي أي وقت جاء أتي بغتةً، وربما يجيء والشخص غافل عنه منكر له، والمراد هنا: هو الثاني، فلذا وجب تقييد إتيان الساعة بمضمون الجملة الحالية، فعلى العاقل الخروج عن كل ذنب، والتوبة لكل جريمة، قبل أن يأتي يوم أليم عذابه، وهو يوم الموت، فإن ملائكة العذاب ينزلون فيه على الظالمين، ويشددون عليهم حتى تخرج أرواحهم الخبيثة بأشد العذاب.
والمعنى (١): أي هل ينتظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في شأن عيسى، القائلون فيه الباطل من القول إلا أن تقوم الساعة بغتةً، وهم غافلون عنها, لا يعلمون بمجيئها لاشتغالهم بأمر دنياهم وانكارهم لها، فيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يدفع ذلك عنهم شيئًا، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾.
روى ابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "تقوم الساعة والرجلان يحلبان الشاة، والرجلان يطويان الثوب"، ثم قرأ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.
واعلم (٢): أن القيامة ثلاث:
الكبرى: وهي حشر الأجساد، والسوق إلى المحشر للجزاء.
والصغرى: وهي موت كل أحد، كما قال ﷺ : "من مات فقد قامت قيامته" ولذا جعل القبر روضةً من رياض الجنة، أو حفرةً من حفر النيران.
стр. 12018
والوسطى: وهي موت جميع الخلائق، وقيام هذه الوسطى لا يعلم وقته يقينا، وإنما يعلم بالعلامات المنقولة عن الرسول ﷺ ، مثل: أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، والزنا، وشرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأةً القيم الواحد.
وعن علي ﵁: "يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإِسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه، ولا من القرآن إلا درسه، يعمرون مساجدهم، وهي خراب عن ذكر الله تعالى، شر أهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود"، يعني: يهدى به ولا يهتدي، فنعوذ بالله من علم بلا عمل.
٦٧ - ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ والأصدقاء؛ أي (١): المتحابون في الدنيا على الإطلاق، أو في الأمور الدنيوية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تأتيهم الساعة، وهو ظرف لقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾. والفصل بالمبتدأ غير مانع، والتنوين فيه عوض عن الجملة المحذوفة التي أضيف إليها إذ ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾؛ أي: يعادي بعضهم بعضًا؛ لأنه قد انقطعت بينهم علائق الخلة والتحاب، واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسبابًا للعذاب، فصاروا أعداء، ثم استثنى المتقين فقال ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فإن خلتهم في الدنيا، لما كانت في الله بقيت على حالها, ولم تنقطع، بل تزداد بمشاهدة كل منهم آثار الخلة، من الثواب ورفع الدرجات. والاستثناء على الأول متصل، وعلى الثاني منقطع.
وفي "التأويلات النجمية": يشير سبحانه إلى أن كل خلة وصداقة تكون في الدنيا مبنية على الهوى والطبيعة الإنسانية، وتكون في الآخرة عداوةً يتبرأ بعضهم من بعض. والأخلاء في الله خلتهم باقية إلى الأبد، وينتفع بعضهم من بعض، ويشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، وهم المتقون الذين استثناهم الله سبحانه، وشرائط الخلة في الله أن يكونا متحابين في الله محبةً خالصة لوجه الله، من غير شوب بعلة دنيوية، هوائية، متعاونين في طلب الله،
стр. 12019
ولا يجري بينهم مداهنة، فبقدر ما يرى بعضهم في بعض من صدق الطلب والجد، والاجتهاد يساعده، ويوافقه، ويعاونه، فإذا علم منه شيئًا لا يرضاه الله تعالى، لا يرضاه من صاحبه، ولا يداريه، فقد قيل: المداراة في الشريعة كفر، بل ينصحه بالرفق والموعظة الحسنة، فإذا عاد إلى ما كان عليه وترك ما تجدد لديه يعود إلى صدق مودته وحسن صحبته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ انتهى.
٦٨ - ثم ذكر ما يتلقى الله به عباده المتقين، المتحابين في الله تشريفًا لهم، وتسكينًا لروعتهم مما يرون من الأهوال فقال: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ من لقاء المكاره ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ من فوت المقاصد، كما يخاف ويحزن غير المتقين، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو: ﴿يَا عِبَادِي﴾ بإثبات الياء، ساكنة وصلًا ووقفا. وقرأ أبو بكر وزر بن حبيش بإثباتها وفتحها في الحالين. وقرأ الباقون بحذفها في الحالين. وقرأ الجمهور: ﴿لَا خَوْفٌ﴾: مرفوعًا منونًا، وابن محيصن بالرفع من غير تنوين، والحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى وابن يعمر بفتحها من غير تنوين، ذكره في "البحر"؛ أي (١): ونقول لهم يومئذ: يا عبادي لا تخافوا من عقابي. فإني قد أمنتكم منه برضاي عنكم، ولا تحزنوا على فراق الدنيا، فإن الذي تقدمون عليه خير لكم مما فارقتموه منها.
٦٩ - ثم بين من يستحق هذا النداء وذلك التكريم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ وعملوا بجميع ما فيها ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: منقادين لتكاليفنا بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. وجملة ﴿كَانُوا﴾ حال من ﴿الواو﴾ في ﴿آمَنُوا﴾، أو عطف على الصلة؛ أي: مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمةً لطاعتنا، وفي الآية إشارة إلى الإيمان بالآيات التنزيلية، والتكوينية.
والمعنى: أي الذين آمنت قلوبهم، وصفت نفوسهم، وانقادت لشرع الله بواطنهم وظواهرهم، والموصول يجوز أن يكون نعتًا لعبادي، أو بدلًا منه، أو
стр. 12020
عطف بيان له، أو مقطوعًا عنه في محل نصب على المدح، أو في محل رفع على الابتداء،
٧٠ - وخبره قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ على تقدير يقال لهم: ادخلوا الجنة، والأول أولى، وبه قال الزجاج؛ أي: ويقال لهم على سبيل البشرى: ادخلوا الجنة أيها المؤمنون ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾؛ أي: نساؤكم المؤمنات، وقيل: قرناؤهم من المؤمنين. وقيل: زوجاتهم من الحور العين، والأول أولى. حال كونكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾؛ أي: تسرون سرورًا يظهر حباره، بفتح الحاء وكسرها؛ أي: أثره على وجوهكم لقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾، أو تزينون من الحبرة، وهو حسن الهيئة،
٧١ - وبعدئذ ذكر طرفًا مما يتمتعون به من النعيم فقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على العباد المؤمنين بعد دخولهم الجنة، والطائف (١): الخادم ومن يدور حول البيت حافظًا، والإطافة كالطوف والطواف؛ أي: يدار عليهم بأيدي الغلمان والولدان ﴿بِصِحَافٍ﴾ وقصاع وجفان مخلوقة ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مملوءة بألوان من الطعام والحلوى، جمع صحفة كجفان جمع جفنة، وهي القصعة العريضة الواسعة، قال السدي: ليست لها آذان، قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة، وهي تشبع عشرةً ثم الصحفة، وهي تشبع خمسة، ثم المكيلة، وهي تشبع الرجلين والثلاثة.
والمعنى: أن لهم في الجنة أطعمةً، يطاف عليهم بها في صحاف الذهب ﴿و﴾ لهم فيها أشربة، يطاف عليهم بها في ﴿أَكْوَابٍ﴾ وكاسات من ذهب، جمع كوب، وهو كوز لا عروة له ولا خرطوم، ليشرب الشارب من حيث شاء، قال سعدي المفتي: قللت الأكواب، وكثرت الصحاف؛ أي: كما دل عليهما الصيغة لأن المعهود قلة أواني الشرب بالنسبة إلى أواني الأكل.
والمعنى (٢): أي وبعد أن استقروا في الجنة، وهدأ روعهم، يطاف عليهم بجفان من الذهب. مترعة بألوان الأطعمة والحلوى، وبأكواب فيها أصناف الشراب مما لذ وطاب.
стр. 12021
وبعد أن فصل بعض ما في الجنة من نعيم، عمم في ذلك فقال: ﴿وَفِيهَا﴾؛ أي: وفي الجنة ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وتطلبه؛ أي: أنفس أهل الجنة من فنون الملاذ والمشتهيات النفسانية، كالمطاعم والمشارب والمناكح والملابس، والمراكب، ونحو ذلك. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وابن عباس وحفص: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بإثبات الضمير العائد على الموصول، وقرأ الجمهور (١)، وباقي السبعة: بحذف الهاء.
قال في "الأسئلة المقحمة": أهل الجنة هل يعطيهم الله جميع ما يسألونه، وتشتهي أنفسهم ولو اشتهت أنفسهم شيئًا من مناهي الشريعة كيف يكون حاله؟
والجواب: معنى الآية أن نعيم الجنة كله مما تشتهيه الأنفس، وليس فيها ما لا تشتهيه النفوس، ولا تصل إليه، وقد قيل: يعصم الله سبحانه أهل الجنة من شهوة محالٍ، أو منهي عنه، يقول الفقير: دل هذا على أنه ليس في الجنة اللواطة المحرمة في جميع الأديان والمذاهب، ولو في دبر امرأته، فإن الإِمام مالكًا رحمه الله تعالى رجع عن تجويز اللواطة في دبر امرأته، وليس فيها اشتهاء اللواطة، لكونها مخالفة للحكمة الإلهية، وقد جوزها بعضهم في "شرح الأشباح"، وغلط فيه غلطًا فاحشًا، وأما الخمر فليست كاللواطة لكونها حلالًا على بعض الأمم.
والحاصل: أنه ليس في الجنة ما يخالف الحكمة كائنًا ما كان، ولذا تستر فيها الأزواج عن غير محارمهن، وإن كان لا حل ولا حرمة هناك؛ أي: وفيها (٢) ما تشتهيه الأنفس من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة، جزاءً لهم بما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾؛ أي: تستلذه الأعين، وتقر بمشاهدته من الأشياء المبصرة، جزاء ما تحملوه من منع أعينهم، من نظر ما لا يجوز شرعًا، وفي مصحف عبد الله: ﴿ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين﴾ بإثبات الهاء فيهما.
стр. 12022
قال جعفر (١): شتان بين ما تشتهي الأنفس، وبين ما تلذ الأعين؛ لأن ما في الجنة من النعيم والشهوات واللذات في جنب ما تلذ الأعين، كأصبع يُغمس في بحر؛ لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية؛ لأنها مخلوقة، ولا تلذ الأعين في الدار الباقية إلا بالنظر إلى الوجه الباقي الذي لا حد له ولا نهاية.
﴿وَأَنْتُمْ﴾ يا عبادي ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: باقون دائمون، لا تخرجون ولا تموتون، إذ لولا البقاء والدوام لنغص العيش، ونقص السرور، والاشتهاء، واللذة فلم يكن التنعم كاملًا، والخوف والحسرة زائلًا بخلاف الدنيا، فإنها لفنائها عيشها مشوب بالكدر، ونفعها مخلوط بالضرر.
والمعنى (٢): أي وفي الجنة ما تشتهيه أنفس أهلها من صنوف الأطعمة والأشربة، والأشياء المعقولة والمسموعة ونحوها، مما تطلبه النفوس وتهواه، كائنًا ما كان، جزاءً لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات، وفيها ما تقر أعينهم بمشاهدته، وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، وأنتم لا تخرجون منها, ولا تبغون عنها حولًا.
أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل في الجنة خيل، فإني أحب الخيل، قال: "إن يدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن تركب فرسًا من ياقوتة حمراء، فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت". وسأله آخر فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل، فإني أحب الإبل، فقال: "إن يدخلك الله الجنة، يكن لك ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
٧٢ - ثم ذكر أن هذا كان فضلًا من ربكم، آتاكموه كفاء أعمالكم التي أسلفتموها فقال: ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، إشارة إلى الجنة المذكورة ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبره ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾؛ أي: أعطيتموها، وجعلتم ورثتها، وصارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث ﴿بِمَا﴾ الباء سببية؛ أي: بسبب ما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من
стр. 12023
الأعمال الصالحة وقيل: اسم الإشارة مبتدأ، والجنة صفته، والتي أورثتموها صفة للجنة، والخبر بما كنتم تعملون، وقيل: الخبر الموصول مع صلته، والأول أولى، وعليه أكثر المفسرين.
والمقصود (١): أن دخول الجنة بمحض فضل الله تعالى ورحمته، واقتسام الدرجات بسبب الأعمال، والخلود فيها بحسب عدم السيئات، شبه جزاء العمل بالميراث؛ لأن العامل يكون خليفة العمل على جزائه، يعني: يذهب العمل ويبقى جزاؤه مع العامل، فكان العمل كالموروث، وجزاؤه كالميراث.
والمعنى: أي وهذه الجنة جعلها الله تعالى لكم باقية، كالميراث الذي يبقى عن المورث جزاء ما قدمتم من عمل صالح، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ ".
٧٣ - وبعد أن ذكر الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال: ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون المتقون ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة سوى الطعام والشراب ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بحسب (٢) الأنواع، والأصناف لا بحسب الأفراد فقط. والفواكه من أشهى الأشياء للناس، وألذها عندهم، وأوفقها لطباعهم وأبدانهم، ولذلك أفردها بالذكر ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: بعضها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ في نوبة لكثرتها، وأما الباقي فعلى الأشجار على الدوام، لا ترى فيها شجرة خلت من ثمرها لحظةً، فهي مزينة بالثمار أبدًا موفرة بها، وفي الحديث: "لا ينزع رجل في الجنة ثمرةً من ثمرها، إلا نبت مثلاها مكانها"، فمن تبعيضية، والتقديم للتخصيص، ويجوز أن تكون ابتدائيةً، وتقدم الجار للفاصلة، أو للتخصيص، كالأول فيكون فيه دلالة على أن كل ما يأكلون للتفكه ليس فيها تقوت، إذ لا تحلل حتى يحتاج إلى الغذاء.
стр. 12024
والمعنى (١): لكم فيها صنوف من الفواكه لا حصر لها، تأكلون منها حيثما شئتم، وكيفما اخترتم.
٧٤ - ولما ذكر سبحانه حال أهل الجنة، وما يقال لهم من لذائذ البشارة .. أعقب ذلك بذكر حال الكفرة، وما يجاوبون به عند سؤالهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إن المشركين الراسخين الكاملين في الإجرام والإشراك حسبما ينبىء عنه إيرادهم في مقابلة المؤمنين بالآيات ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيه أبدًا لا ينقطع عذابهم في جهنم، كما ينقطع عذاب عصاة المؤمنين، على تقدير دخولهم فيها
٧٥ - ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا يخفف عنهم العذاب، ولا ينقص من قولهم: فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلًا، ونقص حرها. والجملة في محل النصب على الحال ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: المجرمون ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾؛ أي: آيسون من النجاة والراحة، وخفة العقوبات، وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من النار، ثم يردم عليه فيبقي فيه خالدًا، لا يرى ولا يرى. وقيل: ساكتون سكوت بأس، وقرأ عبد الله ﴿وهم فيها﴾؛ أي: في جهنم، والجمهور ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾؛ أي: في العذاب.
وفي "التأويلات النجمية": في الآية إشارة، إلى أن أهل التوحيد وإن كان بعضهم في النار، لكن لا يخلدون فيها، ويفتر عنهم العذاب بدليل الخطاب، وقد ورد في الخبر: "إنه يميتهم الحق إماتةً إلى أن يخرجهم من النار، والميت لا يحيى ولا يألم" وذكر في الآية وهم مبلسون؛ أي: خائبون، وهذه صفة الكفار، والمؤمنون وإن كانوا في بلائهم، فهم على وصف رجائهم، يعدون أيامهم إلى أن تنتهي أشجانهم
٧٦ - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بذلك؛ أي: ما عذبناهم بغير ذنب، ولا بزيادة على ما يستحقونه ﴿وَلَكِنْ كَانُوا﴾؛ أي: المجرمون ﴿هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بما فعلوا من الإشراك والمعاصي لتعريض أنفسهم للعذاب الخالد، بالكفر والمعاصي. و ﴿هُمُ﴾ ضمير (٢) فصل عند البصريين، من حيث إنه فصل به بين كون ما بعده خبرًا أو
стр. 12025
نعتًا، وتسمية الكوفيين له عمادًا، لكونه حافظًا لما بعده، حتى لا يسقط عن الخبرية، كعماد البيت، فإنه يحفظ سقفه من السقوط، وقرأ الجمهور (١): ﴿الظَّالِمِينَ﴾ بالنصب، على أنه خبر كان، والضمير ضمير فصل، وقرأ عبد الله وأبو زيد النحوي: ﴿الظالمون﴾ بالرفع على أنه خبر ﴿هُمُ﴾، و ﴿هُمُ﴾: مبتدأ، وذكر أبو عمرو الجرمي أن لغة تميم جعل ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ، ويرفعون ما بعده على الخبر، وقال أبو زيد: سمعتهم يقرؤون ﴿تجدوه عند الله هو خيرٌ وأعظمُ أجرا﴾، يعني: برفع خير وأعظم.
والمعنى (٢): أي: إن الذين اجترموا الكفر بالله في الدنيا، يجازيهم ربهم بعذاب جهنم خالدين فيه أبدًا لا ينفك عنهم، ولا يجدون عنها حولًا، ولا يخفف عنهم لحظةً، وهم فيه ساكتون سكوت بأس من النجاة والفرج، ولا منافاة بين هذا وبين قوله الآتي: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ إلخ؛ لأن تلك أزمنة متطاولة، وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون تارة لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج، ويشتد عليهم العذاب أخرى فيستغيثون.
ثم ذكر أن ذلك العذاب جزاء ما كسبت أيديهم، فقال: وما ظلمنا هؤلاء المجرمين بفعلنا بهم، ما أخبرناكم أننا فاعلون بهم، ولكن هم الذين أساؤوا إلى أنفسهم، فكذبوا الرسل وعصوهم، بعد أن أقاموا الحجة عليهم فأتوهم بباهر المعجزات.
٧٧ - ثم ذكر ما يقوله أهل النار، وما يجيبهم به خزنتها، فقال: ﴿وَنَادَوْا﴾؛ أي: ونادى المجرمون من شدة العذاب، فقالوا: ﴿يَا مَالِكُ﴾ هو خازن النار، قرأ (٣) الجمهور: ﴿يَا مَالِكُ﴾ بدون ترخيم، وقرأ عبد الله وعلي وابن وثاب والأعمش: ﴿يا مالِ﴾ بالترخيم، على لغة منم ينتظر الحرف المحذوف، وقرأ أبو السرار الغنوي: ﴿يا مالُ﴾ بالبناء على الضم، جعله اسمًا على حياله على لغة من لا
стр. 12026
ينتظر، واللام في ﴿لِيَقْضِ﴾ لام الطلب والرغبة؛ أي: ليقض ﴿عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ بالموت حتى لا يتكرر عذابنا؛ أي: ليمتنا حتى نستريح من ألم العذاب، من قضى عليه إذا أماته، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: أماته، توسلوا بمالك إلى الله ، ليسأله لهم أن يقضي عليهم بالموت، فيستريحوا من العذاب.
والمعنى (١): سل ربك يا مالك، أن يقضي علينا، وهذا لا ينافي ما ذكر من إبلاسهم أولًا كما مر؛ لأنه جؤار؛ أي: صياح وتمن للموت، لفرط الشدة ﴿قَالَ﴾ مالك مجيبًا لهم بعد أربعين سنة، يعني: ينادون مالكًا أربعين سنة، فيجيبهم بعدها، كما قاله عبد الله بن عمرو، أو بعد مئة سنة، كما قاله نوف، أو بعد ألف سنة، كما قاله ابن عباس، وميل: بعد ثمانين سنة؛ لأن تراخي الجواب أحزن لهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ المكث ثبات مع انتظار؛ أي: إنكم مقيمون في العذاب أبدًا، لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره، فليس بعدها إلا جؤار كصياح الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
والمعنى (٢): أي ونادى المجرمون من شدة العذاب، فقالوا: يا مالك، ادع لنا ربك أن يقبض أرواحنا ليريحنا مما نحن فيه، فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ لا خروج لكم منها, ولا محيص لكم عنها. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، وقوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
٧٨ - ثم خاطبهم خطاب تقريع وتوبيخ، وبين سبب مكثهم فيها بقوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ﴾ أيها المجرمون في الدنيا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بإرسال، وإنزال الكتب. وهو خطاب توبيخ من جهة؛ الله تعالى مقرر لجواب مالك، ومبين لسبب مكثهم، ويحتمل (٣) أن يكون من كلام مالك، والأول أولى.
стр. 12027
والمعنى: أنا أرسلنا إليكم الرسل، وأنزلنا عليهم الكتب فدعوكم إلى التوحيد فلم تقلبوا ولم تصدقوا، وهو معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ أيها المجرمون ﴿لِلْحَقِّ﴾ أي حق كان ﴿كَارِهُونَ﴾؛ أي: لا يقبلون، وينفرون منه مشمئزين منه.
والمعنى: أي لقد بينا لكم الحق على ألسنة رسلنا، وأنزلنا إليكم الكتب مرشدة إليه، ولكن سجاياكم وطبائعكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل، وتعظمه وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة.
٧٩ - وبعد أن ذكر كيفية عذابهم في الآخرة، بين سببه، وهو مكرهم، وسوء طويتهم في الدنيا، فقال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا﴾ و ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة التي تقدر بمعنى بل والهمزة؛ أي: بل أأبرم كفار قريش ﴿أَمْرًا﴾ وأحكموا كيدًا، واحتالوا حيلة للرسول ﷺ في فتكه، كما فعلوا في اجتماعهم على قتله ﷺ في دار الندوة إلى غير ذلك، وفي ذلك انتقال من توجع أهل النار إلى حكاية ما يقع من هؤلاء. والإبرام (١): الإتقان والإحكام، يقال: أبرمت الشيء أحكمته وأتقنته، وأبرم الحبل إذا أحكم قتله.
والمعنى: بل أأحكموا كيدًا للنبي ﷺ ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾؛ أي: محكمون لهم كيدًا قاله مجاهد وقتادة وابن زيد، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾. وقيل: المعنى أم قضوا أمرًا فإنا قاضون عليهم أمرنا بالعذاب، قاله الكلبي.
٨٠ - والخلاصة: بل هم تحيلوا في رد الحق بالباطل بوجوه من الحيل والمكر، فكادهم الله تعالى، ورد عليهم سوء كيدهم بتخليدهم في النار، معذبين فيها أبدًا ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾؛ أي: بل أيحسب كفار مكة ويظنون ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾؛ أي: ما يسرون به في أنفسهم من حديث النفس، أو ما يتحدثون به سرًا في مكان خال
стр. 12028
من كيد النبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا مجاهرين بتكذيب الحق ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾؛ أي: ما يتناجون ويتحدثون به فيما بينهم بطريق التناجي، والتشاور في شأن النبي ﷺ ﴿بَلَى﴾ نحن نسمعهما، ونطلع عليهما ﴿وَرُسُلُنَا﴾ الذين يحفظون عليهم أعمالهم، ويلازمونهم أينما كانوا ﴿لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: عندهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾؛ أي: يكتبونهما، أو يكتبون كل ما صدر منهم من الأفعال والأقوال، التي من جملتها ما ذكر من سرهم ونجواهم، ثم تعرض عليهم يوم القيامة، فإذا كان خفاياهم غير خفية علي الملائكة، فكيف على عالم السر والنجوى، ولقد أجاد من قال:
إِنِّيْ لَمُسْتَتِرٌ مِنْ عَيْنِ جِيْرَانِيْ ... وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارِيْ وَإِعْلاَنِيْ
والجملة (١) معطوفة على ما يترجم عنه بلى، وفي "التأويلات النجمية": خوفهم بسماعه أحوالهم، وكتابة الملك عليهم أعمالهم لغفلتهم عن الله تعالى، ولو كان لهم خبر عن الله لما خوفهم بغير الله، ومن علم أن أعماله تكتب عليه، ويطالب بمقتضاها، قل إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه. قال يحيى بن معاذ: من ستر من الناس ذنوبه، وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من أمارات النفاق، ولما قدم في أول السورة تبكيتهم والتعجب منهم في ادعائهم لله ولدًا من الملائكة، وهددهم بقوله: ستكتب شهادتهم ويسألون ..
٨١ - أمر الله سبحانه رسوله ﷺ ، أن يقول للكفار قولًا يلزمهم به الحجة، ويقطع ما يوردونه من الشبهة، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للكفرة ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ﴾ فرضًا، كما تقولون: الملائكة بنات الله ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ لذلك الولد، وأسبقكم إلى تعظيمه والانقياد له، وذلك لأنه ﷺ أعلم الناس بشؤونه تعالى، وبما يجوز عليه، وبما لا يجوز، وأولاهم بمراعاة حقوقه، ومن موجب تعظيم الوالد تعظيم ولده؛ أي: إن يثبت بحجة قطعية كون الولد للرحمن، كما تزعمون فأنا أولكم في التعظيم، وأسبقكم إلى الطاعة تعظيمًا لله تعالى، وانقيادًا لأن الداعي إلى طاعته وتعظيمه أول وأسبق في ذلك، وكون الولد له تعالى، مما هو مقطوع بعدم وقوعه، ولكن نزل منزلة ما لا جزم لوقوعه، واللاوقوعه على
стр. 12029
المساهلة، وإرخاء العنان لقصد التبكيت، والإسكان والإلزام، فجيء بكلمة إن المفيدة للشك، فلا يلزم من هذا الكلام صحة كينونة الولد، وعبادته، لأنها محال في نفسها يستلزم المحال، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد، والإطناب مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: وأول ما جرى به القلم لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: فانا أول العابدين أحق بتوحيد الله، وذكر الله سبحانه.
وقال ابن عباس (١): ﴿إِنْ كَانَ﴾؛ أي: ما كان للرحمن ولد ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؛ أي: الشاهدين له بذلك. وقيل: العابدين بمعنى الآنفين؛ أي: أنا أول الجاحدين المنكرين لما قلتم، وأنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد. وهو (٢) تكلف لا ملجىء إليه، ولكنه قرأ أبو عبد الرحمن اليماني ﴿العبدين﴾ بغير ألف، يقال: عبد يعبد عبدًا، بالتحريك من باب فرح، إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، ولعل الحامل لمن قرأ هذه القراءة على هذه القراءة الشاذة البعيدة هو استبعاد معنى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وليس بمستبعد ولا مستنكر، وقد حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أنه من الأنف والغضب، وحكاه الماوردي عن الكسائي والقتيبي، وبه قال الفراء، وكذا قال ابن الأعرابي: إن معنى العابدين الغضاب الآنفين، وقال أبو عبيدة: معناه: الجاحدين، وحكي عبدني حقي؛ أي: جحدني. وقد أنشدوا على هذا المعنى الذي قالوه قول الفرزدق:
أُولَئِكَ آبَائِيْ فَجِئْنِيْ بِمِثْلِهِمْ ... وَأَعْبُدُ أَنْ أَهْجُوْ كُلَيْبًا بِدَارِمِ
وقوله أيضًا:
أُوْلَئِكَ نَاسٌ لَوْ هَجَوْنِيْ هَجَوْتُهُمْ ... وَأَعْبُدُ أَنْ يُهْجَى كُلَيْبٌ بِدَارِمِ
ولا شك أن عبد وأعبد بمعنى أنف، أو غضب ثابت في لغة العرب، وكفى
стр. 12030
بنقل هؤلاء الأئمة حجةً، ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا مجلىء إليه، ومن التعسف الواضح، وقد رد ابن عرفة ما قالوه فقال: إنما يقال: عبد يعبد فهو عبد، وقيل ما يقال: عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ. وقرأ الجمهور: ﴿ولد﴾ بفتح اللام بالإفراد، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصمًا ﴿ولد﴾ بضم ﴿الواو﴾ وسكون اللام.
والمعنى: أي قل يا محمد لكفار قريش: إن ثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجة واضحة تدلون بها، أن للرحمن ولدًا كنت أنا أسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ابن الملك تعظيمًا لأبيه، ولا شك أن هذا أبلغ أسلوب في نفي الولد، كما يقول الرجل لمن يناظره ويجادله: إن ثبت ما تقول بالدليل، فأنا أول من يعتقده، ويقول به، وهذا ما اختاره ابن جرير ورجحه.
٨٢ - ثم نزه سبحانه نفسه، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: تنزيها له وتقديسًا عما يقولون من الكذب، بأن له ولدًا، ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه، وهذا إن كان من كلام الله سبحانه، فقد نزه نفسه عما قالوه، وإن كان من تمام كلام رسوله ﷺ ، الذي أمره بأن يقوله .. فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم، بزعمهم الباطل، تنزيه ربه وتقديسه، وفي إضافة اسم الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها، تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات حيث كانت تحت ملكوته وربوبيته، كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزءًا منه سبحانه ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ في تكرير اسم الرب، تفخيم لشأن العرش ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: يصفونه به، وهو الولد، قال في "بحر العلوم" أي: سبحوا رب هذه الأجسام العظام؛ لأن مثل هذه الربوبية توجب التسبيح على كل مربوب فيها، ونزهوه عن كل ما يصفه الكافرون به من صفات الأجسام، فإنه لو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم، وتدبير أمره.
والمعنى: أي تنزه مالك السموات والأرض وما فيهما من الخلق، ورب العرش المحيط بذلك كله، عما يصفه به المشركون كذبًا، وعما ينسبون إليه من الولد إذ كيف تكون هذه العوالم كلها ملكًا له، ويكون شيء منها جزءًا منه، تعالى ربنا عن ذلك علوًا كبيرًا.
стр. 12031
٨٣ - ولما ذكر الدليل القاطع على نفي الولد، أمره أن يتركهم وشأنهم فيما يقولون، فقال: ﴿فَذَرْهُمْ﴾؛ أي: اترك أيها الرسول هؤلاء الكفرة، حيث لم يذعنوا للحق بعدما سمعوا هذا البرهان الجلي، ولم يهتدوا بما هديتهم به، ولا أجابوك إلى ما دعوتهم إليه ﴿يَخُوضُوا﴾ بالجزم في جواب الطلب؛ أي: يشرعوا في أباطيلهم وأكاذيبهم والخوض (١): هو الشروع في الماء، والمرور فيه، ويستعار للأمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه، كما في "المفردات" ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم، ويلهوا فيها، فإن ماهم فيه من الأقوال والأفعال ليست إلا من باب الجهل واللعب يقال: لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدًا صحيحًا، قالوا: كل لعب لا لذة فيه فهو عبث، وما كان فيه لذة فهو لعب ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ ويعاينوا ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ على لسانك، وهو يوم القيامة، فإنهم يومئذ يعلمون ما فعلوا وما يفعل بهم، قال سعدي المفتي: والأظهر: يوم الموت، فإن خوضهم ولعبهم إنما ينتهي به.
يقول الفقير: وفيه أن الموعود هو يوم القيامة؛ لأنه الذي كانوا ينكرونه، لا يوم الموت الذي يشكون فيه، ولما كان يوم الموت متصلًا بيوم القيامة، على ما أشار إليه قوله ﷺ : "من مات فقد قامت قيامته" جعل الخوض واللعب منتهيين بيوم القيامة.
وفي الآية: إعلام بأنهم من الذين طبع الله على قلوبهم، فلا يرجعون عما هم عليه أبدًا، وإشارة إلى أن الله سبحانه، خلق الخلق أطوارًا مختلفة، فمنهم من خلقه للجنة، فيستعده للجنة بالإيمان والعمل الصالح وانقياد الشريعة ومتابعة النبي ﷺ ، ومنهم من خلقه للنار، فيستعده للنار، برد الدعوة والإنكار والجحود والخذلان، ويكله إلى الطبيعة النفسانية الحيوانية، التي تميل إلى اللهو واللعب والخوض فيما لا يعنيه، ومنهم من خلقه للقربة والمعرفة، فيستعده لهما بالمحبة والصدق والتوكل واليقين.
واعلم: أن الاشتغال بما سوى الله تعالى من قبيل اللهو واللعب إذ ليس فيه
стр. 12032
مقصد صحيح وإنما المطلب الأعلى هو الله ، ولذا خرج السلف عن الكل، ووصلوا إلى مبدأ الكل، جعلنا الله وإيَّاكم من المشتغلين به.
وقال عكرمة وغيره (١): هو يوم بدر، وأضاف اليوم إليهم؛ لأنه الذي فيه هلاكهم وعذابهم، قيل: وهذا الأمر بتركهم منسوخ بآية السيف، وقيل: هو غير منسوخ، وإنما أخرج مخرج التهديد. وقرأ الجمهور: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾. وقرأ مجاهد وأبو جعفر وابن محيصن وحميد وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو وابن السميقع ﴿حتى يلقوا﴾ بفتح الياء وإسكان اللام من غير ألف، مضارع لقي من باب رضي.
وحاصل معنى الآية (٢): أي فاترك أيها الرسول هؤلاء المفترين على الله الواصفيه، بأن له ولدًا، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم حتى يأتي ذلك اليوم، الذي لا محيص عنه، وحينئذ يعلمون عاقبة أمرهم، ويذوقون الوبال والنكال، جزاء ما اجترحوه من الشرك والآثام، ولا يخفى ما في هذا من شديد الوعيد والتهديد.
٨٤ - ثم أكد هذا التنزيه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾؛ أي (٣): مستحق لأن يعبد فيها؛ أي: هو معبود أهل السماء من الملائكة، وبه تقوم السماء وليس حالًا فيها ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ أي: مستحق لأن يعبد فيها؛ أي: فهو معبود أهل الأرض من الإنس والجن، واله الآلهة التي تدعون، ولا قاضي لحوائج أهل الأرض إلا هو، وبه تقوم الأرض وليس حالًا فيها.
فالظرفان متعلقان بـ ﴿إِلَهٌ﴾ لأ نه بمعنى المعبود بالحق، أو متضمن معناه كقولهم: هو حاتم؛ أي: جواد لاشتهاره بالجود، وكذا في قراءة من قرأ ﴿وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله﴾، ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: وهو الواجب الوجود المعبود المستحق للعبادة
стр. 12033
فيهما، والعائد إلى الموصول مبتدأ محذوف لطول الصلة بمتعلق الخبر، وهو ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ والعطف عليه، والتقدير: وهو الذي هو في السماء إله، وهو في الأرض إله، قاله أبو علي الفارسي قال: والمعنى على الإخبار بإلاهيته فيهما، لا على الكون والحلول فيهما، وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى على؛ أي: هو القادر على السماء والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِلَهٌ﴾ في الموضعين، وقرأ عمر وعبد الله وأبي وعلي والحكم بن أبي العالي وبلال بن أبي بردة وابن يعمر وجابر وابن زيد وعمر بن عبد العزيز وأبو الشيخ الهنائي وحميد وابن مقسم وابن السميقع ﴿الله﴾ فيهما كما مر آنفًا بيانه.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما دبره لخلقه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمصالحهم، فهو كالدليل على ما قبله والتعليل له؛ لأنه المتصف بكمال الحكمة والعلم، المستحق للألوهية لا غيره؛ أي: وهو الحكيم في تدبير العالم وأهله، العلم بجميع الأحوال من الأزل إلى الأبد.
فإن قلت: ما في هذه (٢) الآية يقتضي تعدد الآلهة؛ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت، كقولك: أنت طالق وطالق.
قلت: لا إله هنا بمعنى المعبود، وهو تعالى معبود فيهما، والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء ومعبوديته في الأرض؛ لأن المعبودية من الأمور الإضافية، فيكفي التغاير فيها من أحد الطرفين، فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض مع أن المعبود واحد.
وحاصل معنى الآية (٣): أي: وهو الله الذي يعبده أهل السماء وأهل الأرض، ولا تصلح العبادة إلا له، وهو الحكيم في تدبير خلقه، وتسخيرهم لما
стр. 12034
يشاء، العليم بمصالحهم، فالحكمة المقترنة بالعلم تخللت كل رطب ويابس، وجليل وحقير، فمن يشاهد إتقان العالم وحسن تنسيقه وإبداعه، يجد الحكمة فيه على أتم وجوهها، ويعجب مما فيه من جمال وكمال، ويدهش لما يجد فيه من غرائب يحار فيها اللب، فأفردوا له العبادة، ولا تشركوا به شيئًا سواه
٨٥ - ﴿وَتَبَارَكَ﴾؛ أي: تعالى وتقدس عن الولد والشريك، وجل عن الزوال والانتقال، الإله ﴿الَّذِي﴾ فاعل تبارك ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: سلطنتهما ﴿و﴾ سلطنة ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾ إما على الدوام كالهواء، أو في بعض الأوقات كالطير والسحاب؛ أي: تزايد خيره، وعمت بركته، وتبارك: تفاعل من البركة، وهي كثرة الخير معنى ﴿و﴾ تبارك الذي ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ﴾ وقت قيام ﴿السَّاعَةِ﴾؛ أي: القيامة لا يعلمها إلا هو ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالموت ثم البعث، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر، والالتفات فيه للتهديد، وقرأ الجمهور (١): ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بتاء الخطاب مبنيا للمفعول، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بياء الغيبة كذلك، وقرىء بفتح تاء الخطاب مبنيًا للفاعل.
والمعنى: أي وتقدس خالق السموات والأرض وما فيهما من عوالم لا ندري كنهها، ولا نعلم حقيقتها، المتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة من أحد، وعنده علم وقت مجيء الساعة، لا يجليها لوقتها إلا هو، وإليه المرجع، فيجازي كل أحد بما يستحق إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرٌ.
٨٦ - ﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: لا يقدر ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أي: يدعو الكفار ويعبدونهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ عند الله تعالى، كما يزعمون ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ﴾ وأقر، واعتقد ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي هو التوحيد. والاستثناء (٢) إما متصل والموصول عام، لكل ما يعبد من دون الله تعالى، كعيسى وعزير والملائكة وغيرهم، أو منقطع على أنه خاص بالأصنام، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بما يشهدون به عن بصيرة وإيقان وإخلاص، حال من فاعل ﴿شَهِدَ﴾، والجمع باعتبار معنى ﴿من﴾، كما أن الإفراد أولًا باعتبار لفظها، والمعنى (٣) على الاتصال: إلا
стр. 12035
من شهد بالحق، وهم المسيح، وعزير، والملائكة، فإنهم يملكون الشفاعة لمن يستحقها. وعلى الانقطاع: لكن من شهد بالحق يشفع في هؤلاء، ويجوز أن يكون المستثنى منه محذوفًا؛ أي: لا يملكون الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق، قال سعيد بن جبير وغيره: معنى الآية: أنه لا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة. وقال قتادة: لا يشفعون لعابديهم بل يشفعون لمن شهد بالوحدانية، وقرأ الجمهور: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالتحتية، وقرأ السلمي وابن وثاب بالفوقية.
والمعنى (١): ولا تقدر الأصنام والأوثان التي يعبدونها على الشفاعة لهم، كما زعموا أنهم شفعاء عند ربهم، ولكن من نطق بكلمة التوحيد، وكان على بصيرة وعلم من ربه، كالملائكة، وعيسى تنفع شفاعتهم عنده بإذنه لمن يستحقها.
٨٧ - ثم بين أن هؤلاء المشركين، متناقضوا الأقوال والأفعال، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن سألت يا محمد العابدين والمعبودين ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ﴾؛ أي: من أوجدهم، وأخرجهم من العدم إلى الوجود ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: ليقرون جميعًا، ويعترفون بأن خالقهم الله، ولا يقدرون على الإنكار والجحود لتعذر الإنكار، لغاية ظهوره ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فمع إقرارهم بأن خالقهم هو الله سبحانه، كيف يصرفون عن عبادته تعالى إلى عبادة غيره؟ فهو (٢) استفهام تعجيب من جحودهم التوحيد، مع ارتكازه في فطرتهم، فإن المعترف بأن الله خالقه، إذا عمد إلى صنم أو حيوان، وعبده مع الله، أو عبده وحده فقد عبد بعض مخلوقات الله، وفي هذا من الجهل ما لا يقادر قدره، وقيل: المعنى ولئن سألت هؤلاء المشركين، العابدين للأصنام، ليقولن: الله. وقيل: ولئن سألت المسيح، وعزيرًا، والملائكة من خلقهم؟ ليقولن: الله، فأنى يؤفك هؤلاء الكفار عن عبادة الله تعالى، باتخاذهم آلهة.
قال في "الأسئلة المقحمة": فإن قلت: هذا دليل على أن معرفة الله
стр. 12036
ضرورية، ولا تجب بالسمع الضروريات؛ لأنه تعالى أخبر عن الكفار، أنهم كانوا يقرون بوحدانية الله قبل ورود السمع.
قلتُ: إنهم يقولون ذلك تقليدًا لا دليلًا، وضرورةً، ومعلوم أن في الناس من أهل الإلحاد من ينكر الصانع، ولو كان ضروريًا لما اختلف فيه اثنان، انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: بياء الغيبة مناسبًا لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: كيف يصرفون عن عبادة من أقروا أنه موجد العالم. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بتاء الخطاب.
ومعنى الآية: أي ولئن سألت أيها الرسول هؤلاء المشركين بالله، العابدين غيره تعالى، من خلق الخلق جميعًا؟ ليعترفن بأنه هو الله تعالى وحده، لا شريك له في ذلك، ولا يستطيعون الجحود لظهور الأمر وجلائه، فكيف ينقلبون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وينصرفون عنها مع هذا الاعتراف، وفي هذا تعجب شديد من إشراكهم بعد هذا.
٨٨ - وقرأ الجمهور (٢): ﴿وقيلَه﴾ بالنصب عطفًا على محل الساعة، كأنه قيل: إنه يعلم الساعة ويعلم قيله، أو عطفًا على سرهم ونجواهم؛ أي: يعلم سرهم ونجواهم ويعلم قيله؛ أي: قول محمد ﷺ : إن هؤلاء قوم إلخ، أو عطفًا على مفعول يكتبون المحذوف؛ أي: يكتبون ذلك ويكتبون قيله، أو عطفًا على مفعول يعلمون المحذوف؛ أي: يعلمون ذلك ويعلمون قيله أو منصوب على المصدرية بفعله المحذوف؛ أي: قال قيله، أو منصوب على حذف حرف القسم، ومن المجوزين للوجه الأول: المبرد وابن الأنباري، ومن المجوزين للثاني: الفراء والأخفش، ومن المجوزين للنصب على المصدرية الفراء والأخفش أيضًا. وقرأ حمزة وعاصم: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالجر عطفًا على لفظ الساعة؛ أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله، أو على أن ﴿الواو﴾ للقسم، وقرأ قتادة ومجاهد والحسن وأبو قلابة والأعرج وابن هرمز ومسلم بن جندب ﴿وقيله﴾ بالرفع عطفًا على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾؛
стр. 12037
أي: وعنده علم الساعة وعنده قيله، أو على الابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، أو خبره محذوف تقديره: وقيله كيت وكيت، أو وقيله مسموع.
قال بعضهم (١): والأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، يعني: أن الجر على إضمار حرف القسم، كما في قولك: اللَّهِ لأفعلن، النصب على حذفه وإيصال فعله إليه، كقولك: الله لأفعلن، كأنه قيل: وأقسم قيله، أو بقيله. والفرق بين الحذف والإضمار أنه في الحذف لا يبقى للذاهب أثر. نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وفي الإضمار يبقى له الأثر نحو: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، والتقدير: افعلوا خيرًا لكم.
ويجوز الرفع في ﴿قيله﴾ على أنه قسم مرفوع بالابتداء، محذوف الخبر كقولهم: أيمن الله، ويكون ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ إلخ جواب القسم؛ أي: وقيله يا رب قسمي إن هؤلاء إلخ، وذلك لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، بما لا يحسن اعتراضًا إن كان مرفوعًا معطوفًا على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، بتقدير مضاف مع تنافر النظم، ورجح الزمخشري احتمال القسم لسلامته عن وقوع الفصل وتنافر النظم، ولكن في القسم التزام حذف وإضمار بلا قرينةٍ ظاهرة في اللفظ الذي لم يشتهر استعماله في القسم.
قال أبو عبيد (٢): يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالًا. والضمير في ﴿وَقِيلِهِ﴾ راجع إلى النبي ﷺ ، قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. وقيل: الضمير عائد إلى المسيح، وعلى الوجهين فالمعنى: أنه قال مناديًا لربه ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ الذين أرسلتني إليهم ﴿قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
والمعنى (٣): أي ويعلم سبحانه علم الساعة، وقوله ﷺ لربه شاكيًا قومه، الذين كذبوه، ولقي منهم شديد الأذى: يا رب إن هؤلاء المشركين الذين أمرتني بإنذارهم، وأرسلتني إليهم لتبليغهم دينك الحق قوم لا يؤمنون؛ أي: لا يريدون الإيمان.
٨٩ - ولما شكا الرسول ﷺ إلى ربه عدم إيمانهم، أجابه الله
стр. 12038
بقوله: ﴿فَاصْفَحْ﴾ يا محمد، وأعرض ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن هؤلاء المشركين؛ أي: أعرض عن دعوتهم، واقنط من إيمانهم، ﴿وَقُلْ﴾ لهم أمري وشأني ﴿سَلَامٌ﴾ منكم؛ أي: سلامتي منكم، وتبّر منكم ومن دينكم، ومتاركة لكم، ولا تجبهم بمثل ما يخاطبونك به من سيء الكلام، بل تألفهم، واصفح عنهم قولًا وفعلًا، فليس المأمور به السلام عليهم والتحية، بل البراءة كقول إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، وقال قتادة: أمره بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم،. فصار الصفح منسوخًا بالسيف، وقيل: محكمة لم تنسخ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم وسوء كفرهم، فإنك ستنصر عليهم، ويحل بهم بأسنا الذي لا يرد وإن تأخر، ففيه تهديد شديد، ووعيد عظيم من الله ، وقد أنجز الله وعده، وأنفذ كلمته، وأعلى دينه، وشرع الجهاد والجلاد، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فله الحمد والمنة على إظهار الحق، وإعلاء مناره، وإزهاق الباطل، وكبح جماحه. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَعْلَمُونَ﴾ بياء الغيبة مناسبًا قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾. وقرأ أبو جعفر والحسن والأعرج ونافع وهشام وابن عامر ﴿تعلمون﴾ بالفوقية.
الإعراب
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿ضُرِبَ﴾؛ لأن ﴿ضُرِبَ﴾ ضمن معنى جعل، ويجوز أن يعرب حالًا؛ أي: ذكر ممثلًا به، ﴿إذَا﴾: حرف فجأة رابطة جواب ﴿لمّا﴾ وجوبًا، ﴿قَوْمُكَ﴾ مبتدأ، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿يَصِدُّونَ﴾، وجملة
стр. 12039
﴿يَصِدُّونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿لمّا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لمّا﴾ مستأنفة. ﴿وَقَالُواْ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جواب ﴿لما﴾، ﴿أَآلِهَتُنَا﴾ الهمزة: للاستفهام، لطلب تعيين أحد الأمرين، ﴿آلهتنا﴾: مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾ خبره، ﴿أَمْ﴾ حرف عطف متصلة، ﴿هُوَ﴾ معطوف على آلهتنا، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿مَا﴾ نافية، ﴿ضَرَبُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿ضَرَبُوهُ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿جَدَلًا﴾ مفعولا لأجله؛ أي: ما ذكروه لك إلا لأجل الجدال، والمراء واللجاج، لا لإظهار الحق، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال؛ أي: ما ذكروه لك إلا حال كونهم مجادلين لك، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وانتقال، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿قَوْمٌ﴾: خبر، ﴿خَصِمُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾: عطف اسمية على فعلية، ﴿أن﴾: نافية، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿عَبْدٌ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْعَمْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْعَمْنَا﴾، وجملة ﴿أَنْعَمْنَا﴾ صفة لـ ﴿عَبْدٌ﴾، ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جعلناه مثلًا﴾: فعل وفاعل، ومفعولان، ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ صفة لـ ﴿مَثَلًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْعَمْنَا﴾.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لو﴾ حرف شرط، ﴿نَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، ﴿لَجَعَلْنَا﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع المفعول الثاني إن كان ﴿جعلنا﴾ بمعنى صيرنا، وإن كان بمعنى خلقنا، فالجار والمجرور متعلق بـ ﴿جعلنا﴾، ﴿مَلَائِكَةً﴾ مفعول أول، أو مفعول به، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْلُفُونَ﴾، وجملة ﴿يَخْلُفُونَ﴾ صفة لـ ﴿مَلَائِكَةً﴾، وجملة ﴿جعلنا﴾ جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ ...﴾ إلخ، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، واللام: حرف ابتداء، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿لِلسَّاعَةِ﴾ صفة ﴿علم﴾، ﴿فَلَا﴾: الفاء: فاء
стр. 12040
الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كونه علمًا للساعة، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم، فأقول لكم ﴿لا تمترن بها﴾، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَمْتَرُنَّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل، والنون المشددة نون التوكيد، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَمْتَرُنَّ﴾، ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اتبعوا﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على حذف النون، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل النصب مفعول به، والجمل معطوفة على جملة النهي، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿صِرَاطٌ﴾ خبر ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ صفة ﴿صِرَاطٌ﴾، والجملة الاسمية مسوقة لتعليل الأمر بالاتباع.
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿يَصُدَّنَّكُمُ﴾: فعل مضارع، في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعول به، ﴿الشَّيْطَانُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكم﴾ متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، أو حال منه، ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿عَدُوٌّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿جَاءَ عِيسَى﴾: فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، وجملة ﴿قَالَ﴾ جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جِئْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَلِأُبَيِّنَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام لام كي، ﴿أبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، ﴿لَكمُ﴾
стр. 12041
متعلق بـ ﴿أبين﴾، ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾: مفعول به، ومضاف إليه، وجملة أبين مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: ولتبييني لكم بعض الذي فيه تختلفون، الجار والمجرور متعلق بمقدر، معطوف على ﴿جِئْتُكُمْ﴾، تقديره: قد جئتكم بالحكمة وجئتكم لتبييني لكم، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله، ليؤذن بالاهتمام بالعلة، حتى جعلت كأنها كلام برأسه، ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿اتقوا الله﴾، فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾: على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أطيعوا﴾: فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب، مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ويجوز أن تجعل الفاء في ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: استئنافية، فيكون الكلام مستأنفًا من الله، للدلالة على طريق الطاعة ومحجتها الواضحة.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿رَبِّي﴾: خبر، ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبِّي﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مفسرة لما تقدم من قوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كون الله ربي وربكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اعبدوه. ﴿اعبدوه﴾ فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿صِرَاطٌ﴾: خبر، ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ صفة ﴿صِرَاطٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾.
﴿فَاخْتَلَفَ﴾: الفاء: استئنافية، ﴿اختلف الأحزاب﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من الأحزاب؛ أي: حال كونهم
стр. 12042
مختلفين من قبل أنفسهم وباختيارهم، أو حال كون الأحزاب بعضهم؛ أي: بعض النصارى، إذ بقي منهم فرقة أخرج مؤمنة، يقولون: إنه عبد الله ورسوله، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿ويل﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿اختلف﴾، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول؛ أي: فعذاب شديد كائن وحاصل للذين ﴿ظَلَمُوا﴾، ﴿مِنْ عَذَابِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه، ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾ أي: فعذاب شديد، كائن للذين ظلموا، حال كون ذلك العذاب من عذاب يوم أليم عذابه، وهو يوم القيامة.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾.
﴿هَلْ﴾ حرف استفهام للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا ينظرون، ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿السَّاعَةَ﴾ مفعول به، ﴿أَن﴾ حرف مصدر، ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿السَّاعَةَ﴾، ومفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلًا من الساعة؛ أي: هل ينظرون إلا الساعة إلا إتيانها إياهم، ﴿بَغْتَةً﴾ حال من فاعل ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾؛ أي: حال كونها باغتة، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ مبتدأ أول، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله، متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، ﴿لِبَعْضٍ﴾ حال من عدو؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مستثنى منصوب بـ ﴿إِلَّا﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿عباد﴾ منادى مضاف إلى يا المتكلم، المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة المناسبة، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: يا عباد لا
стр. 12043
خوف عليك، ﴿لَا﴾: نافية، تعمل عمل ليس، ﴿خَوْفٌ﴾ اسمها، ﴿عَلَيْكُمُ﴾ خبرها، أو ﴿لَا﴾ مهملة، ﴿خَوْفٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه بعد النفي ﴿عَلَيْكُمُ﴾: خبرها، والجملة الاسمية مقول للقول المحذوف. ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية مهملة، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَحْزَنُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿الذِينَ﴾ صفة لـ ﴿عباد﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾: على كونها صلة الموصول.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾.
﴿ادْخُلُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به، منصوب على السعة، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تُحْبَرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾، أو في محل النصب مقول القول، ﴿يُطَافُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: في موضع رفع نائب فاعل، ﴿بِصِحَافٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُطَافُ﴾، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: صفة ﴿صحاف﴾، ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ معطوف على ﴿صحاف﴾، وذكر الذهب في الصحاف، واستغنى به عن الإعادة في الأكواب، كقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. ﴿وَفِيهَا﴾: خبر مقدم، ﴿مَا﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يُطَافُ﴾. ﴿تَشْتَهِيهِ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْأَنْفُسُ﴾ فاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على صلة ﴿مَا﴾، والعائد محذوف، تقديره: تلذه الأعين، ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْتُمْ
стр. 12044
وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ وهو من جملة ما يقال لهم، وما بينهما اعتراض اعترض به، لبيان صفات الجنة. ﴿وَتِلْكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿تلك﴾: مبتدأ. ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، أو المصدرية. ﴿لَكم﴾: خبر مقدم، ﴿فِيهَا﴾: حال من فاكهة، لـ ﴿فَاكِهَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿كَثِيرَةٌ﴾ صفة أولى لـ ﴿فَاكِهَةٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مرفوع ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾، وجملة ﴿تَأْكُلُونَ﴾ صفة ثانية لـ ﴿فَاكِهَةٌ﴾، ولكنها سببية، والرابط ضمير ﴿مِنْهَا﴾.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُفَتَّرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على العذاب. ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُفَتَّرُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من عذاب جهنم، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾، لـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿خَالِدُونَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على جملة ﴿إنّ﴾، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك مهمل. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾.
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.
﴿وَنَادَوْا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿نادوا﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة معطوفة
стр. 12045
على جملة ﴿إنّ﴾ وعبر بالماضي عن المضارع إيذانًا بتحقق وقوعه، فهو من باب أتى أمر الله، ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾: مقول محكي لـ ﴿نادوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿مالك﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿نادوا﴾؛ لأنه بمعنى قالوا. ﴿لِيَقْضِ﴾ اللام: لام الأمر، ﴿يقض﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به، ﴿رَبُّكَ﴾ فاعل، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مالك﴾، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿مَاكِثُونَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول قال، ﴿لَقَدْ﴾ اللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿جِئْنَاكُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول، ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق به، والخطاب لأهل مكة عام لمؤمنهم وكافرهم، والقائل هو الله تعالى، على لسان رسوله ﷺ ، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، مقررة لجواب مالك لأهل النار، ومبينة لسبب مكثهم، كما قاله أبو السعود، ويحتمل أن يكون هذا، من قول مالك لأهل النار؛ أي: إنكم ماكثون في النار؛ لأنا جئناكم بالحق في الدنيا، ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكنّ﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَكُمْ﴾: اسمها، ﴿لِلْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿كَارِهُونَ﴾، و ﴿كَارِهُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لكنّ﴾ معطوفة على ما قبلها، على كونها جواب القسم.
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿أَبْرَمُوا﴾: فعل ماض وفاعل، ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إنّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مُبْرِمُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿أبرموا﴾، ﴿أَمْ﴾: منقطعة كما ذكرنا آنفًا. ﴿يَحْسَبُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾: معطوف على ﴿سِرَّهُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي