← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

متعلق بـ ﴿أبين﴾، ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾: مفعول به، ومضاف إليه، وجملة أبين مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: ولتبييني لكم بعض الذي فيه تختلفون، الجار والمجرور متعلق بمقدر، معطوف على ﴿جِئْتُكُمْ﴾، تقديره: قد جئتكم بالحكمة وجئتكم لتبييني لكم، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله، ليؤذن بالاهتمام بالعلة، حتى جعلت كأنها كلام برأسه، ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿اتقوا الله﴾، فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾: على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أطيعوا﴾: فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب، مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ويجوز أن تجعل الفاء في ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: استئنافية، فيكون الكلام مستأنفًا من الله، للدلالة على طريق الطاعة ومحجتها الواضحة. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿رَبِّي﴾: خبر، ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبِّي﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مفسرة لما تقدم من قوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كون الله ربي وربكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اعبدوه. ﴿اعبدوه﴾ فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿صِرَاطٌ﴾: خبر، ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ صفة ﴿صِرَاطٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. ﴿فَاخْتَلَفَ﴾: الفاء: استئنافية، ﴿اختلف الأحزاب﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من الأحزاب؛ أي: حال كونهم

стр. 12042

مختلفين من قبل أنفسهم وباختيارهم، أو حال كون الأحزاب بعضهم؛ أي: بعض النصارى، إذ بقي منهم فرقة أخرج مؤمنة، يقولون: إنه عبد الله ورسوله، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿ويل﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿اختلف﴾، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول؛ أي: فعذاب شديد كائن وحاصل للذين ﴿ظَلَمُوا﴾، ﴿مِنْ عَذَابِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه، ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾ أي: فعذاب شديد، كائن للذين ظلموا، حال كون ذلك العذاب من عذاب يوم أليم عذابه، وهو يوم القيامة. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾. ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا ينظرون، ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿السَّاعَةَ﴾ مفعول به، ﴿أَن﴾ حرف مصدر، ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿السَّاعَةَ﴾، ومفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلًا من الساعة؛ أي: هل ينظرون إلا الساعة إلا إتيانها إياهم، ﴿بَغْتَةً﴾ حال من فاعل ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾؛ أي: حال كونها باغتة، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ مبتدأ أول، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله، متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، ﴿لِبَعْضٍ﴾ حال من عدو؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مستثنى منصوب بـ ﴿إِلَّا﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿عباد﴾ منادى مضاف إلى يا المتكلم، المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة المناسبة، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: يا عباد لا

стр. 12043

خوف عليك، ﴿لَا﴾: نافية، تعمل عمل ليس، ﴿خَوْفٌ﴾ اسمها، ﴿عَلَيْكُمُ﴾ خبرها، أو ﴿لَا﴾ مهملة، ﴿خَوْفٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه بعد النفي ﴿عَلَيْكُمُ﴾: خبرها، والجملة الاسمية مقول للقول المحذوف. ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية مهملة، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَحْزَنُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿الذِينَ﴾ صفة لـ ﴿عباد﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾: على كونها صلة الموصول. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾. ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به، منصوب على السعة، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تُحْبَرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾، أو في محل النصب مقول القول، ﴿يُطَافُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: في موضع رفع نائب فاعل، ﴿بِصِحَافٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُطَافُ﴾، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: صفة ﴿صحاف﴾، ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ معطوف على ﴿صحاف﴾، وذكر الذهب في الصحاف، واستغنى به عن الإعادة في الأكواب، كقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. ﴿وَفِيهَا﴾: خبر مقدم، ﴿مَا﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يُطَافُ﴾. ﴿تَشْتَهِيهِ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْأَنْفُسُ﴾ فاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على صلة ﴿مَا﴾، والعائد محذوف، تقديره: تلذه الأعين، ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْتُمْ

стр. 12044

وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ وهو من جملة ما يقال لهم، وما بينهما اعتراض اعترض به، لبيان صفات الجنة. ﴿وَتِلْكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿تلك﴾: مبتدأ. ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، أو المصدرية. ﴿لَكم﴾: خبر مقدم، ﴿فِيهَا﴾: حال من فاكهة، لـ ﴿فَاكِهَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿كَثِيرَةٌ﴾ صفة أولى لـ ﴿فَاكِهَةٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مرفوع ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾، وجملة ﴿تَأْكُلُونَ﴾ صفة ثانية لـ ﴿فَاكِهَةٌ﴾، ولكنها سببية، والرابط ضمير ﴿مِنْهَا﴾. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُفَتَّرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على العذاب. ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُفَتَّرُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من عذاب جهنم، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾، لـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿خَالِدُونَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على جملة ﴿إنّ﴾، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك مهمل. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾. ﴿وَنَادَوْا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿نادوا﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة معطوفة

стр. 12045

على جملة ﴿إنّ﴾ وعبر بالماضي عن المضارع إيذانًا بتحقق وقوعه، فهو من باب أتى أمر الله، ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾: مقول محكي لـ ﴿نادوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿مالك﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿نادوا﴾؛ لأنه بمعنى قالوا. ﴿لِيَقْضِ﴾ اللام: لام الأمر، ﴿يقض﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به، ﴿رَبُّكَ﴾ فاعل، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مالك﴾، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿مَاكِثُونَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول قال، ﴿لَقَدْ﴾ اللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿جِئْنَاكُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول، ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق به، والخطاب لأهل مكة عام لمؤمنهم وكافرهم، والقائل هو الله تعالى، على لسان رسوله ﷺ ، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، مقررة لجواب مالك لأهل النار، ومبينة لسبب مكثهم، كما قاله أبو السعود، ويحتمل أن يكون هذا، من قول مالك لأهل النار؛ أي: إنكم ماكثون في النار؛ لأنا جئناكم بالحق في الدنيا، ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكنّ﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَكُمْ﴾: اسمها، ﴿لِلْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿كَارِهُونَ﴾، و ﴿كَارِهُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لكنّ﴾ معطوفة على ما قبلها، على كونها جواب القسم. ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿أَبْرَمُوا﴾: فعل ماض وفاعل، ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إنّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مُبْرِمُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿أبرموا﴾، ﴿أَمْ﴾: منقطعة كما ذكرنا آنفًا. ﴿يَحْسَبُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾: معطوف على ﴿سِرَّهُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي

стр. 12046

﴿حسب﴾، ﴿بَلَى﴾: حرف جواب، يجاب بها لإثبات نفي ما قبلها، قائم مقام جملة الجواب، تقديره: نسمع ذلك، والجملة الجوابية المحذوفة مستأنفة، ﴿وَرُسُلُنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿رسلنا﴾: مبتدأ، ﴿لَدَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَكْتُبُونَ﴾ وجملة ﴿يَكْتُبُونَ﴾: خبر ﴿رسلنا﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الجواب، ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: خبرها مقدم، ﴿وَلَدٌ﴾: اسمها مؤخر، ﴿فَأَنَا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿أنا﴾: مبتدأ، ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿سُبْحَانَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، وجملة ﴿سُبْحَانَ﴾: مستأنفة، ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مضاف إليه، ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾: بدل من ﴿رَبِّ﴾ الأول، ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿يَصِفُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾. ﴿فَذَرْهُمْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت تعنتهم وتمردهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك ذرهم، ﴿ذرهم﴾: فعل، ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿يَخُوضُوا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بالطلب السابق، والجملة جملة جوابية، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَيَلْعَبُوا﴾: معطوف على ﴿يَخُوضُوا﴾، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُلَاقُوا﴾: فعل مضارع، وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى الجارة، ﴿يَوْمَهُمُ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى؛ أي: إلى ملاقاتهم يومهم، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ على سبيل التنازع، ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿يَوْمَهُمُ﴾، وجملة

стр. 12047

﴿يُوعَدُونَ﴾ من الفعل المغير ونائبه صلة الموصول، والعائد حذوف تقديره: يوعدونه، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة مستأنفة، ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: متعلق بإله؛ لأنه في تأويل معبود، ﴿إِلَهٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: وهو الذي هو إله في السماء، والجملة الاسمية صلة الموصول، ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ معطوف على قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿هو﴾ مبتدأ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر أول، ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ ﴿وَتَبَارَكَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿تبارك الذي﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها. ﴿لَهُ﴾، خبر مقدم، ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَمَا﴾: معطوف على السموات، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَعِنْدَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وجملة ﴿تُرْجَعُونَ﴾: معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يدعونهم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ مفعول يملك. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ويحتمل كون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: ولا يملك آلهتهم الأصنام والأوثان الشفاعة كما زعموا، ولكن من شهد، وأقر بالتوحيد كعيسى، وعزير يملك الشفاعة في مستحقيها، وأن يكون متصلا، والمعنى: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق، فهو استثناء من المفعول المحذوف، ﴿شَهِدَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿شَهِدَ﴾، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿شَهِدَ﴾، والجمع باعتبار معنى

стр. 12048

﴿مَنْ﴾؛ أي: شهدوا بالحق بألسنتهم، حال كونهم يعلمون بقلوبهم حقية ما شهدوا بألسنتهم. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ثان. ﴿خَلَقَهُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول، صلة مَن الموصولة. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: موطئة للقسم، مؤكدة للأولى، ﴿يقولن﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل، والنون المشددة نون التوكيد؛ لأن أصله: ليقولونن، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن سألتهم: من خلقهم، يقولون: الله، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل بفعل محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: خلقهم الله، أو مبتدأ، خبره محذوف تقديره: الله خلقهم، والأول أولى؛ لأن الجملة الفعلية في هذا الباب أكثر، فالحمل عليها أولى، والجملة الفعلية أو الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقولن﴾، ﴿فَأَنَّى﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أنى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف، في محل النصب على الحال من مرفوع ﴿يُؤْفَكُونَ﴾، و ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة القسم، ﴿وَقِيلِهِ﴾؛ أي: وقوله ﷺ بالجر، يقال في إعرابه ﴿الواو﴾ حرف جر وقسم، ﴿قيله﴾ مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بقول محمد ﷺ . ﴿يَا رَبِّ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول لـ ﴿قيله﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ ناصب واسمه، ﴿قَوْمٌ﴾: خبره، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم

стр. 12049

مع جوابه، معطوفة على جملة القسم الأول، وهذا أحسن الأعاريب في هذا المقام، وقرىء بالنصب على المصدرية بفعله المقدر، تقديره: وقال محمد ﷺ قوله يا رب إلخ. وقيل: معطوف على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾، كما مر ذلك كله مبسوطًا في مبحث التفسير. وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر ما بعده، أو أن الخبر محذوف تقديره: وقوله مسموع أو مقبول. ﴿فَاصْفَحْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم قوم لا يؤمنون، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اصفح عنهم. ﴿اصفح﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَقُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿فَاصْفَحْ﴾، ﴿سَلَامٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري وشاني ومطلبي، سلامة من إذايتكم، وبراءة من دينكم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾، ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس واستبقال. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، ومفعوله محذوف للتفخيم تقديره: عاقبة أمرهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاصْفَحْ﴾: على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: جعل، ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: حجة وبرهانًا على شبهتهم. ﴿يَصِدُّونَ﴾ قال في "القاموس": صد يصد ويصد صديدًا، إذا ضج وارتفع صوته، فالمكسور من باب ضرب، والمضموم من باب رد، يقال: صد عنه يصد بالضم صدودًا إذا أعرض عنه، وقد فلانًا عن كذا صدا، منعه وصرفه، كأصد، فالصديد بمعنى الضجيج، والصدود بمعنى الإعراض، والصد بمعنى المنع. ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي: خصومةً بالباطل، والجدل محركًا فتل الخصم عن قصده لطلب صحة قوله، وإبطال غيره، وهو مأمور به على وجه الإنصاف، وإظهار الحق بالاتفاق. وقوله: ﴿ابْنُ﴾ أصله: بنو حذفت لامه الواو، وعوض عنها همزة الوصل، وقوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قرىء بكسر الصاد من صد اللازم، وقرىء بضمها

стр. 12050

من صد المتعدي، وأصله على كلتا القراءتين: يصددون بوزن يفعلون بكسر العين، أو يصددون بوزن يفعلون بضم العين، نقلت حركة الدال فيهما إلى الصاد فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية. ﴿خَصِمُونَ﴾؛ أي: شديدوا الخصومة، مجبولون على اللجاج، وسوء الخلق. ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: أمرًا عجبًا حقيقًا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة. ﴿يَخْلُفُونَ﴾ يقال: خلف فلان فلانًا إذا قام بالأمر عنه، إما معه وإما بعده. ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أصله: تمتريون حذفت نه نون الرفع للجازم، وهو لا الناهية، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت فسكنت فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت الراء لمناسبة الواو، ثم دخلت نون التوكيد على الفعل، فصار تمترون، فالتقى ساكنان الواو وأولي نوني التوكيد المشددة، فحذفت الواو لبقاء داله، فصار تمترن بوزن تفتعن. ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ بحذف الياء خطًا؛ لأنها من ياءات الزوائد، وأما في اللفظ فيجوز إثباتها وحذفها وصلًا ووقفًا. ﴿يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أصله: يصددنكم، نقلت حركة الدال الأولى إلى الصاد فسكنت، فأدغمت في الثانية، وبني الفعل على الفتح وإن كان في محل جزم لاتصال نون التوكيد به. ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب بكسر الحاء بمعنى جماعة الناس. ﴿بَغْتَةً﴾ والبغت مفاجأة الشيء من حيث لا يحسب، كما في "المفردات". ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ جمع خليل، وهو الصديق. وفي "المصباح": الخليل الصديق، والجمع أخلاء كأصدقاء، وفي "القاموس": والخل بالكسر والضم الصديق المختص، أو لا يضم إلا مع ود، يقال: كان لي ودًا وخلا، والجمع أخلال كالخليل وخلان، أو الخليل الصادق، أو من أصفى المودة وأصحها، واستدرك في "التاج" فقال: قال ابن سيده: وكسر الخاء أكثر، ويقال للأنثى: خل أيضًا. وأصل ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾: الأخللاء، بوزن أفعلاء جمع خليل، كصديق وأصدقاء، نقلت حركة اللام الأولى إلى الخاء فسكنت، فأدغمت في اللام الثانية، فصار أخلاء بوزن أفلاء. ﴿يُطَافُ﴾ أصله: يطوف، بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت

стр. 12051

ثم أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرون سرورًا يظهر حباره؛ أي: أثره على وجوهكم. وقال الزجاج: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه، والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل. وفي "القاموس": والحبر بفتحتين الأثر كالحبار، بكسر أوله وفتحه، والحبر بالكسر الأثر أو أثر النعمة، والحسمن، والوشي وبالفتح السرور، وحبره سره، والنعمة، والحبرة بالفتح السماء في الجنة، وكل نعمة حسنة. وقال الراغب: الحبر الأثر المستحسن، ومنه ما روي: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره؛ أي: جماله وبهاؤه، والحبر: العالم لما يبقى عن أثر علومه في قلوب الناس، ومن آثار أفعاله الحسنة المقتدى بها. ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع صحفة، كجفان جمع جفنة، وقصاع جمع قصعة. قال الكسائي: وأعظمها الجفنة، وهي القصعة العريضة الواسعة، ثم القصعة، وهي التي تشبع العشرة، ثم الصحفة وهي تشبع الخمسة، ثم المئكلة، وهي التي تشبع الرجلين أو الثلاثة ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب، كعود وأعواد، وهو كوز لا عروة له ولا خرطوم، وإنما كانت بغير عروة ليشرب الشارب من أي جانب شاء؛ لأن العروة ترد الشارب من بعض الجوانب. وقال عدي: مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أَبْوَابُهُ ... يَسْعَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْكُوْبِ ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ يقال: لذذت الشيء بالكسر لذاذًا ولذاذة؛ أي: وجدته لذيذًا، أصله: تلذذ بوزن تفعل، مضارع لذذ بكسر العين، من باب فعل المكسور، نقلت حركة الذال الأولى إلى اللام فسكنت، فأدغمت في الذال الثانية ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ من قولهم: فترت الحمى عنه إذا سكنت قليلًا ونقص حرها. قال الراغب: الفتر: سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة. ﴿مُبْلِسُونَ﴾ وفي "المفردات": الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس، ومنه اشتق إبليس، ولما كان المبلس كثيرًا ما يلزم السكون وينسى ما يعنيه .. قيل: أبلس فلان إذا سكت وانقطعت حجته. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ أصله: ناديوا بوزن فاعلوا، قلبته الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿لِيَقْضِ﴾ وزن يقض يفع لحذف لامه للجازم. ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: نجويهم

стр. 12052

قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ أصله: يخوضون بوزن يفعلون، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الخاء فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد، ثم حذفت نون الرفع لما وقع الفعل جوابًا للأمر، فوزنه يقولوا، وأصل الخوض: الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار للأمور. وقوله: ﴿يُلَاقُوا﴾ أصله: يلاقيون، حذفت نون الرفع للناصب، ثم حذفت حركة الياء تخفيفًا، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين وضمت القاف لمناسبة الواو. ﴿كَارِهُونَ﴾ من الكراهة مصدر كره الشيء بالكسر؛ أي: لم يرده فهو كاره. ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ من الإبرام، وهو إحكام الأمر، وأصله: من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله. ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ يقال: ناجيته؛ أي: ساررته، وأصله: أن تخلو في نجوة من الأرض؛ أي: مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله، والسر هو ما يحدث به الإنسان نفسه، أو غيره في مكان خال، والنجوى التناجي والتحادث فيما بينهم. ﴿وَقِيلِهِ﴾ قال أبو عبيدة: يقال: قلت قولًا وقالًا وقيلًا. وفي الخبر: "نهى عن قيل وقال". فالقول والقيل والقال كلها مصادر، وفيه إعلال بالقلب، أصله: قِوْلِه من القول، قلبت الواو ياءً لوقوعها ساكنةً إثر كسرة، فصارت حرف مد. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: اعف عنهم عفو المعرض، ولا تقف عن التبليغ. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾؛ أي: سلام متاركةٍ لكم بسلامتكم منى وسلامتي منكم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإبهام في فاعل ضرب في قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ للإهانة والتحقير له. ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾. ومنها: الحصر في قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، وفي قوله: ﴿إِنْ هُو

стр. 12053

إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾. ومنها: الحذف في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ أي: إن نزوله لعلامة لقرب الساعة. ومنها: تأكيد النهي في قوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ إيذانًا بأنه لا محالة منها. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ إن، وضمير الفصل، وتعريف الطرفين. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ تسجيلًا عليهم باسم الظلم؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: فويل لهم. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾؛ أي: ما ينظرون. ومنها: النداء في قوله: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ إلخ، تشريفًا لهم، وناداهم بأربعة أمور: الأول: نفي الخوف، والثاني: نفي الحزن، والثالث: الأمر بدخول الجنة، والرابع، البشارة بالسرور، في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ اهـ شيخنا. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾؛ أي: أكواب من ذهب، وحذف لدلالة السابق عليه. ومنها: ذكر العام، في قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ بعد الخاص، في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾. ومنها: الحصر المستفاد من قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ فقد حصر أنواع النعم في أمرين اثنين، إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ للتشريف والتفخيم لشأنهم.

стр. 12054

ومنها: إفراد الخطاب في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ حيث لم يقل: وتلكم الجنة، مع أن مقتضى أورثتموها أن يقال: وتلكم، للإيذان بأن كل واحد من أهل الجنة مقصود بالذكر لذاته، وبالخطاب. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ فقد شبه الجنة بالمال الموروث، والتلاد الموفور، ثم استعار له الإرث على طريق الاستعارة المكنية؛ لأن كل عامل لا بد أن يلقى جزاءه، إذ يذهب العمل ويبقى جزاؤه مع العامل، أو إنما شبهت في بقائها على أهلا، وإفاضة النعم السوابغ عليهم، بالميراث الباقي، لا ينضُب له معين، ولا ينتهي إلى نفاد. ومنها: الطباق في قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ لأن المراد: سرهم وعلانيتهم. ومنها: الحذف للاختصار في قوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: بلى نسمع سرهم ونجواهم، لدلالة ﴿بلى﴾ على المحذوف. ومنها: تكرير اسم الرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ تفخيمًا لشأن العرش؛ لأنه أعظم مخلوقات الله سبحانه. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾؛ لأن حقيقة الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، فاستعير لشروعهم في أباطيلهم، وأكاذيبهم. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12055

خلاصة ما تضمنته هذه السورة من المقاصد ١ - وصف القرآن الكريم. ٢ - الأمر بإنذار قومه ﷺ ، مع غفلتهم وإسرافهم في لذات الدنيا. ٣ - شأن هؤلاء المشركين في تكذيبهم للرسول، شأن غيرهم من المكذبين من قبلهم. ٤ - اعترافهم بأن الله هو خالق السموات والأرض، مع عبادتهم للأوثان والأصنام. ٥ - اعتقادهم أن الملائكة بنات الله، ثم نعي ذلك عليهم. ٦ - تمسكهم بتقليد الآباء والأجداد في شؤونهم الدينية. ٧ - قصص الأنبياء من أولي العزم، كإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈. ٨ - وصف نعيم الجنة. ٩ - الأهوال التي يلقاها أهل النار، حتى يتمنوا الموت ليستريحوا مما هم فيه. ١٠ - متاركة أهل الباطل والصفح عنهم، حتى يأتي وعد الله تعالى. والله أعلم * * *

стр. 12056

سورة الدخان سورة الدخان مكية، قال القرطبي مكية بالاتفاق، إلا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ الآية. وآياتها (١): سبع أو تسع وخمسون آية. وكلماتها: ثلاث مئة وست وأربعون كلمة. وحروفها: ألف وأربع مئة واحد وثلاثون حرفًا. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها من وجوه (٢): ١ - أنه تعالى حكى فيما قبلها قول رسوله ﷺ : يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، وحكى في هذه عن أخيه موسى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾. ٢ - أنه تعالى ختم ما قبلها بالوعيد والتهديد، وافتتح هذه بالإنذار الشديد. ٣ - أنه تعالى قال فيما سلف: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، وحكى هنا عن موسى ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ وهو قريب من ذلك. وقال أبو حيان: مناسبة هذه السورة لما قبلها (٣): أنه تعالى ذكر في أواخر ما قبلها: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾، فذكر يومًا غير معين ولا موصوفًا، فبين في أوائل هذه السورة ذلك اليوم، بوصف وصفه، فقال: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، وأن العذاب هو ما يأتيهم من قبلك، ويحل بهم من الجدب والقحط، ويكون العذاب في الدنيا، وإن كان العذاب في الآخرة، فيكون ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ يوم القيامة، انتهى. تسميتها: سميت سورة الدخان؛ لأن الله تعالى جعله - أي: الدخان - آية لتخويف الكفار، حيث أصيبوا بالقحط والمجاعة، بسبب تكذيبهم للرسول ﷺ ،

стр. 12057

وبعث الله عليهم الدخان حتى كادوا يهلكون، ثم نجاهم بعد ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ . الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة الدخان جميعها محكم، غير آية واحدة، وهي قوله تعالى في آخرها: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ نسخت بآية السيف. فضلها: ومما ورد في فضلها، ما أخرجه الترمذي والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ "من قرأ حم الدخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن أبي خثعم أحد رواته ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث. ومنها: ما أخرجه الترمذي ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ حم الدخان في ليلة جمعة، أصبح مغفورًا له". قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام بن المقدام أحد رواته ضعيف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة، كذا قال أيوب ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، ويشهد له ما أخرجه ابن الضريس عن الحسن مرفوعًا بنحوه، وهو مرسل. وما أخرجه الدارمي ومحمد بن نصر عن أبي رافع قال: "من قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفورًا له، وزوج من الحور العين". وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة حم الدخان في ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، بني الله بها بيتًا في الجنة". وعبارة الشهاب في سورة الواقعة: ولم يذكر البيضاوي، في فضائل السور، حديثًا غير موضوع من أول القرآن إلى هنا، غير ما ذكره هنا، وما مر في سورة يس والدخان. والله أعلم * * *

стр. 12058

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾. المناسبة قد تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة وما قبلها آنفًا، والله أقسم في مبدأ هذه السورة بكتابه الكريم المبين، كما أقسم به في السابقة، لما فيه من صلاح البشر، على أنه أنزل القرآن في ليلة القدر، لإنذار العباد، وتخويفهم من عقابه، وأن هذه الليلة يفصل فيها كل أمر حكيم، فيبين فيها التشريع النافع للعباد في دنياهم وآخرتهم، وهو رب السموات والأرض وما بينهما، فلا تخفى عليه خافية من أمرهم، وهو الذي بيده إحياؤهم وإماتتهم، وهو

стр. 12059

ربهم ورب آبائهم الأولين، ولكنهم يمترون بعد أن وضح الحق وأفصح الصبح لذي عينين. قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه (١) الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر حال كفار قريش إذ قابلوا الرحمة بالكفران، ولم ينتفعوا بالمنزل ولا بالمنزل عليه .. أردف هذا بأن أمر نبيه ﷺ بالانتظار، حتى يحل بهم بأسه؛ لأنهم أهل الخذلان والعذاب، لا أهل الإكرام والغفران، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ ، وتهديد للمشكرين. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله يسبحانه وتعالى، لما ذكر أن مشركي مكة أصروا على كفرهم، ولم يؤمنوا برسولهم .. أردف هذا، ببيان أن هؤلاء ليسوا ببدع في الأمم، فكثير قبلهم كذبوا رسلهم، فها هم أولاء قوم فرعون، قد كان منهم مع موسى مثل ما كان من قومك معك، بعد أن أتاهم بالبينات التي كانت تدعو إلى تصديقه، فكذبوه، فنصره الله عليهم، أغرق فرعون وقومه، وجعلهم مثلًا للآخرين. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود، قال: إن قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ فأتي رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت فاستسقى فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، حين أصابتهم، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ قال: يعني يوم بدر. والحديث أخرجه مسلم وأحمد.

стр. 12060

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿حم (١)﴾؛ أي: أقسمت (١) بحق ﴿حم﴾، وهي هذه السورة، أو مجموع القرآن ٢ - ﴿وَالْكِتَابِ﴾؛ أي: وبالكتاب الكريم، وهو القرآن، معطوف على ﴿حم﴾، إذ لو كان قسمًا آخر، لزم اجتماع قسمين على مقسم عليه واحد، ومدار العطف على تقدير كون ﴿حم (١)﴾ اسمًا لمجموع القرآن المغايرةُ في العنوان ﴿الْمُبِينِ﴾؛ أي: البين معانيه لمن أنزل عليهم، وهم العرب لكونه بلغتهم، وعلى أساليبهم؛ أو المبين لطريق الهدى من طرق الضلالة، الموضح لكل ما يحتاج إليه في أبواب الديانة، وقال بعضهم: معنى الكلام: أقسمت بحق الحي القيوم، وبحق القرآن الفاصل بين الحق والباطل، فالحاء إشارة إلى الاسم الحي، والميم إلى الاسم القيوم، وهما أعظم الأسماء الإلهية لاشتمالهما على ما يشتمل عليه كل منها من المعاني والأوصاف والحقائق. ويجوز (٢) أن يراد بالكتاب المبين هاهنا: الكتب المتقدمة، التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، والضمير في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ عائد عليه بمعنى الكتب؛ لأنها كلها أنزلت في رمضان، كما سيأتي، أو على القرآن، ويجوز أن يكون المراد به: اللوح المحفوظ، والأول أولى. وقال النسفي: والواو في ﴿وَالْكِتَابِ﴾: واو القسم إن جعلت ﴿حم (١)﴾ تعديدًا للحروف، أو اسمًا للسورة، مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف، وواو العطف إن كانت ﴿حم (١)﴾ مقسمًا بها، وجواب القسم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ وفي "عرائس البقلي" الحاء من ﴿حم (١)﴾ الوحي الخاص إلى محمد ﷺ ، والميم محمد ﷺ ، وذلك ما كان بلا واسطة، فهو سر بين المحب والمحبوب، لا يطلع عليه أحد غيرهما، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾. ويحتمل (٣) أن يكون ﴿حم (١)﴾ إشارةً إلى حمد الله على إنزاله القرآن،

стр. 12061

الذي هو أجل النعم الإلهية. فـ ﴿حم (١)﴾ منحوت من الحمد، والمعنى: وحق الحق، الذي يستحق الحمد في مقابلة إنزال القرآن ٣ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: الكتاب المبين الذي هو القرآن، وهو جواب القسم؛ أي: إنا أنزلنا القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في مكان يقال له: بيت العزة دفعةً واحدة، وأملاه جبرائيل على السفرة، ثم كان ينزله على النبي ﷺ نجومًا؛ أي: مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع؛ أي: أنزلناه ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ أي: ذات بركة وخير كثير، إذ فيها الرحمة والمغفرة ومضاعفة الحسنات، واستجابة الدعوات، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركةً، وهي ليلة القدر في شهر رمضان، أو ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، ولية الصك، وليلة الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة، والجمهور (١) على الأول، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان، وقيل: ابتداء نزوله إلى النبي ﷺ في ليلة القدر. قال القرطبي: ومن قال (٢): أقسم بسائر الكتب المنزلة فقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ كنى به عن غير القرآن، وروى قتادة عن واثلة، أن النبي ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزلت الزبور لاثني عشرة من رمضان، وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان، ثم قال: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أنزل نجمًا نجمًا في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب"، وقيل: كانَ ينزل من اللوح المحفوظ في كل ليلة القدر، ما ينزل في سائر السنة، وقيل: كان ابتداء الإنزال من اللوح المحفوظ في هذه الليلة، انتهى. والحكمة في نزوله ليلًا (٣): أن الليل زمان المناجاة، ومهبط النفحات، وفي الليل فراغ القلوب بذكر حضرة المحبوب، فهو أطيب من النهار عند المقربين

стр. 12062

والأبرار، ووصف الليلة بالبركة، لما أن نزول القرآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة، وإجابة الدعوة ونحوها، وإلا فأجزاء الزمان متشابهة بحسب ذواتها وصفاتها، فيمتنع أن يتميز بعض أجزائه عن بعض، بمزيد القدر والشرف لنفس ذواتها. ثم بين السبب في إنزاله، فقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾؛ أي: ومبشرين، ففيه اكتفاء استئناف مبين لما يقتضي الإنزال، كأنه قيل: إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب، والتبشير بالجنة؛ أي: وإنما أنزلناه لأنا كنا معلمين الناس ما ينفعهم، فيعملون به، وما يضرهم فيجتنبونه لتقوم حجة الله على عباده. ٤ - ثم بين سبب تخصيص نزوله بتلك الليلة، فقال: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الليلة المباركة ﴿يُفْرَقُ﴾؛ أي: يكتب، ويفصل، ويبين، ويظهر للملائكة، الموكلين بالتصرف في العالم ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾؛ أي: كل أمر محكم، متقن، مبرم، مقضي من الله سبحانه، في تلك السنة من أرزاق العباد، وآجالهم، وجميع أمورهم إلا السعادة والشقاوة، من هذه الليلة إلى الأخرى من السنة القابلة، وقيل: يبدأ في انتساخ ذلك من اللوح المحفوظ، في ليلة البراءة: ليلة النصف من شعبان ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى مكيائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، حتى أن الرجل ليمشي في الأسواق، وأن الرجل لينكح ويولد له، ولقد أدرج اسمه في الموتى، وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة، وما بينهما اعتراض، أو مستأنفة لتقرير ما لبلها، قال الزمخشري (١): فإن قلت: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ﴾ ما موقع هاتين الجملتين. قلت: هما جملتان مستانفتان ملفوفتان، فسر بهما جواب القسم، الذي هو

стр. 12063

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، كأنه قيل: أنزلناه؛ لأن من شأننا الإنذار والتحذير، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصًا؛ لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم. قلتُ: وهذا من محاسن هذا الرجل، اهـ "سمين". وقرأ الجمهور (١): ﴿يُفْرَقُ﴾ بضم الياء وفتح الراء مخففًا، مبنيًا للمفعول. وقرأ الحسن والأعمش والأعرج: ﴿يُفْرَقُ﴾ بفتح الياء وضم الراء. ﴿كل﴾: بالنصب ﴿حكيم﴾. بالرفع على الفاعلية، وقرأ زيد بن علي فيما ذكر الزمخشري: ﴿نفرق﴾ بالنون ﴿كل﴾ بالنصب، وفيما ذكر أبو علي الأهوازي عينه ﴿يفرق﴾ بفتح الياء وكسر الراء ونصب ﴿كل﴾، ورفع ﴿حكيم﴾ على أنه الفاعل بيفرق. وقرأ الحسن وزائدة عن الأعمش ﴿يفرق﴾ بالتشديد مبنيًا للمفعول. قال الشوكاني: والحق (٢) ما ذهب إليه الجمهور، من أن هذه الليلة المباركة، هي ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان؛ لأن الله سبحانه أجملها هنا، وبينها في سورة البقرة، بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وبقوله في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ فلم يبق بعد هذا البيان الواضح، ما يوجب الخلاف ولا ما يقتضي الاشتباه. ٥ - ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال الزجاج والفراء: انتصاب ﴿أَمْرٍ﴾ على المصدرية بـ ﴿يُفْرَقُ﴾؛ أي: يفرق فرقًا؛ لأن ﴿أَمْرٍ﴾ بمعنى فرقًا، مثل قولك: قعدت جلوسًا، والمعنى: إنا نأمر ببيان ذلك، ونسخه من اللوح المحفوظ، وقال المبرد: ﴿أَمْرٍ﴾ في موضع المصدر لـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والتقدير: ﴿أنزلناه﴾ إنزالًا من عندنا. وقال الأخفش انتصابه على الحال من فاعل أنزلناه؛ أي: أنزالناه آمرين، أو من مفعول أنزلناه؛ أي: مأمورًا به، وقيل: هو منصوب على الاختصاص؛ أي: أعني بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا على مقتضى حكمتنا، وهو بيان لفخامته الإضافية، بعد بيان فخامته الذاتية؛ أي: فيه تفخيم لشان القرآن، وتعظيم

стр. 12064

له، وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب ﴿أَمْرٍ﴾ اثني عشر وجهًا، أظهرها ما ذكرناه. وقرأ زيد بن علي ﴿أمر﴾ بالرفع؛ أي: هو أمر. ولما ذكر إنزال القرآن، ذكر المرسل، فقال ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ هذه الجملة إما بدل من قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ بدل الكل، أو جواب ثالث للقسم، أو مستأنفة، قال الرازي: المعنى إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل أنا كنا مرسلين للأنبياء. ٦ - وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ مفعول لأجله للإرسال. والمعنى (١): إنا أنزلنا القرآن؛ لأن عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد، لأجل إفاضة رحمتنا عليهم، فيكون قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ غايةً للإرسال، متأخرةً عنه على أن المراد منها: الرحمة الواصلة إلى العباد، أو لاقتضاء رحمتنا السابقة إرسالهم، فيكون باعثًا متقدمًا للإرسال، على أن المراد: مبدؤها، ووضع الرب موضع الضمير، للإيذان بأن ذلك من أحكام الربوبية ومقتضياتها، وإضافته إلى ضميره ﷺ للتشريف، وقرأ الحسن وزيد بن علي ﴿رحمة﴾ بالرفع على تقدير: هي رحمة؛ أي: تلك رحمة من ربك التفاتًا من مضمر إلى ظاهر، إذ لو روعي ما قبله، لكان التركيب رحمةً منا، لكنه وضع الظاهر موضع المضمر، إيذانًا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين، كما مر آنفًا. والمعنى (٢): أي في هذه الليلة بدأ سبحانه، يبين ما ينفع عباده، من أمور محكمة لا تغيير فيها ولا تبديل، بإنزاله ذلك التشريع الكامل، الذي فيه صلاح البشر، وهدايتهم، وسعادتهم في دنياهم وآخرتهم، ولا غرو، فهي من لدن حكيم عليم بما يصلح شؤون عباده في معاشهم ومعادهم. ثم بين السر في نزول القرآن على لسان رسوله، فقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إلخ؛ أي: إنا (٣) أرسلنا الرسول به، رحمة منا لعبادنا، حتى يستبين لهم ما يضرهم وما ينفعهم، وحتى لا يكون لهم حجة بعد إرسال الرسول به.

стр. 12065

ثم أكد ربوبيته، بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمن دعاه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيته، يسمع كل شيء من شأنه أن يسمع، خصوصًا أنين المشتاقين، ويعلم كل شيء من شأنه أن يعلم، خصوصًا حنين المحبين، فلا يخفى عليه شيء من أقوال العباد وأفعالهم، وأحوالهم، وهو تحقيق لربوبيته تعالى، وأنها لا تحق إلا لمن هذه نعوته الجليلة؛ أي: إنه إنما فعل تلك الرحمة؛ لأنه هو السميع لأقوالهم، العليم بما يصلح أحوالهم، فلا عجب أن أرسله إليهم لحاجتهم إليه. ٧ - ثم أكد العلة في سمعه للأشياء وعلمه بها، فقال: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بدل من ربك؛ أي: مالك جميع الموجودات العلوية والسفلية ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿مُوقِنِينَ﴾ بشيء، فهذا أولى ما توقنون به، لفرط ظهوره، أو إن كنتم مريدين لليقين فاعلموا ذلك. والمعنى: إنه هو السميع لكل شيء، العليم به؛ لأنه مالك السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، إن كنتم تطلبون معرفة ذلك، معرفة يقين لا شك فيه؛ أي: إن كنتم موقنين بأنه ربّ السموات والأرض وما بينهما .. فأقرّوا بتوحيده، ولا تكذبوا رسوله فيما دعاكم إليه، وقد أقروا بذلك، كما حكاه الله عنهم، في غير موضع. وقرأ ابن محيصن (١) والأعمش وأبو حيوة والكوفيون: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ بالخفض، بدلًا من ﴿رَبِّكَ﴾، أو بيانًا له، أو نعتًا، وقرأ باقي السبعة والأعرج وابن أبي إسحاق وأبو جعفر وشيبة بالرفع على القطع؛ أي: هو رب السموات، أو على البدل من السميع العلم، أو على أنه مبتدأ، وخبره ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ٨ - وبعد أن أثبت ربوبيته ووحدانيته، ذكر فذلكة لذلك، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا خالق سواه، جملة مستأنفة مقررة لما قبلها، أو خبر ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما مر، وكذلك جملة ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فإنها مستأنفة مقررة لما قبلها؛ أي (٢): يوجد الحياة في الجماد، ويوجد الموت في الحيوان بقدرته، كما يشاهد

стр. 12066

ذلك؛ أي: يعلم علمًا جليًا يشبه المشاهدة؛ أي: هو سبحانه الإله الذي لا تصلح العبادة إلّا له، وهو المحيي المميت، فيحيي ما يشاء مما يقبل الحياة، ويميت ما يشاء عند انتهاء ما قدر له ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أي: هو ربكم أيها العباد، وخالقكم ورازقكم ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: رب آدم ومن دونه من الأولين. وقرأ الجمهور (١): ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ﴾ برفعهما على الاستئناف، بتقدير مبتدأ؛ أي: هو ربكم، أو على أنه بدل من ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾، أو بيان، أو نعت له، وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم والحسن وأبو موسى عيسى بن سليمان، وصالح الناقط كلاهما عن الكسائي بالجر، على أنه بدل ثان من ﴿رَبِّكَ﴾، أو بيان له، وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي ﴿ربكم ورب آبائكم﴾ بالنصب على المدح. والمعنى (٢): هو مالككم والمتصرّف فيكم، ومالك آبائكم الأولين، ومدبر شؤونهم، فاعبدوه دون آلهتكم التي لا تقدر على ضر ولا نفع. ٩ - ثم بين أنهم، ليسوا بموقنين بالجواب، بعد أن تبين لهم الرشد من الغي، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ مما ذكر من شؤونه تعالى، غير موقنين في إقرارهم بأنه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما ﴿يَلْعَبُونَ﴾ لا يقولون ما يقولون عن جدّ وإذعان، بل مخلوطًا بهزء ولعب، وهو خبر آخر للمبتدأ. وفي "كشف الأسرار" الظرف متعلق بالفعل، أو حال من فاعل ﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: بل هم يلعبون في شك، ويتحيرون فيه، مثل قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أو بل هم حال كونهم في شك مستقر في قلوبهم يلعبون؛ أي: بل هم في شك من التوحيد والبعث والإقرار، بأن الله خالقهم، وإن قالوا ذلك، فإنما يقولونه تقليدًا لآبائهم، من غير علم، إذ هم قابلوه وبالهزء والسخرية، فعل اللاعب العابث الذي يأخذ الجد، وما لا مرية فيه، أخذ الهزل الذي لا فائدة فيه.

стр. 12067

١٠ - والفاء، في قوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره إذا عرفت حالهم هذا، وأردت بيان عاقبتهم ... فأقول لك: انتظر يا محمد لكفار مكة ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: ظاهر لا شك فيه، و ﴿يَوْمَ﴾ مفعول ﴿ارتقب﴾ والباء للتعدية، ويجوز أن يكون ظرفًا له، والمفعول محذوف؛ أي: ارتقب وعد الله في ذلك اليوم، أطلق الدخان على شدة القحط، وغلبة الجوع على سبيل الكناية، أو المجاز المرسل. والمعنى (١): فانتظر لهم يوم شدةٍ ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، إما لضعف بصره، أو لأن في عام القحط يظلم الهواء، لقلة الأمطار وكثرة الغبار، ولذا يقال لسنة القحط السنة الغبراء، كما قالوا: عام الرمادة، والظاهر أن السنة الغبراء ما لا تنبت الأرض فيها شيئًا، وكانت الريح إذا هبت ألقت ترابًا كالرماد، أو لأن العرب تسمي الشر الغال دخانًا، وإسناد الإتيان إلى السماء لأن ذلك يكفها عن الأمطار، فهو من قبيل إسناد الشيء إلى سببه. ١١ - وذلك أن قريشًا لما بالغوا في الأذية له ﷺ دعا عليهم، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر؛ أي: عقابك الشديد. يعني: خذهم أخذًا شديدًا. واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وهي السبع الشداد، فاستجاب الله دعاءه، فأصابتهم سنة؛ أي: قحط حتى أكلوا الجيف، والجلود، والعظام، والعلهز وهو الوبر والدم المخلوطان؛ أي: يخلط الدم بأوبار الإبل، ويشوى على النار، كان الرجل منهم يرى بين السماء والأرض الدخان من الجوع، وكان يحدث الرجل، ويسمع كلامه، ولا يراه من الدخان، وذلك قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ صفة ثانية لـ ﴿دُخَانٍ﴾؛ أي: يحيط ذلك الدخان بهم، ويشملهم من جميع جوانبهم حال عونهم قائلين: ﴿هَذَا﴾ الجوع، أو الدخان ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فمشى إليه ﷺ أبو سفيان ونفر معه، وناشدوه الله والرحم؛ أي: قالوا: نسألك يا محمد بحق

стр. 12068

الله وبحرمة الرحم أن تستسقي لنا، ١٢ - ووعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم القحط أن يؤمنوا، وذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾؛ أي: وقائلين: ربنا اكشف وارفع عنا هذا العذاب؛ أي: عذاب الجوع، أو عذاب الدخان، ومآلهما واحد، فإن الدخان إنما ينشأ من الجوع ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ بعد رفعه عنا. قال الشوكاني: وقد اختلف (١) في هذا الدخان، المذكور في الآية متى يأتي، فقيل: إنه من أشراط الساعة، وأنه يمكث في الأرض أربعين يومًا، وقد ثبت في "الصحيح": أنه من جملة العشر الآيات، التي تكون قبل قيام الساعة، وقيل: إنه أمر قد مضى، وهو ما أصاب قريشًا بدعاء النبي ﷺ كما بينا آنفًا، وهذا ثابت في "الصحيحين". وغيرهما، وقيل: إنه يوم فتح مكة، فقد قال الأعرج: إن المراد بالدخان: هو الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام جنود الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء، فحينئذ فالمراد بالعذاب: في قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾: الجوع الذي كان بسبه، ما يرونه من الدخان، أو الدخان الذي هو من أشراط الساعة، أو يرونه يوم فتح مكة، على اختلاف الأقوال، والراجح منها: أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه، مما نزل بهم من الجهد وشدة الجوع، ولا ينافي ترجيح هذا القول ما ورد أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضًا ما قيل: إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان على تقدير صحة وقوعه، اهـ. بتصرف واختصار. والمعنى (٢): أي فانتظر يوم يأتيهم الجدب والمجاعة، التي تجعل الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، المنتشر في الفضاء، يغشى ذلك الدخان، ويحيط بهم من كل جانب، فيقولون: ربنا هذا عذاب مؤلم، يقض المضاجع، وينتهي إلى موت محقق إن دام، فاكشفه عنا إنا مؤمنون، إن كشفته عنا، وهذه هي طبيعة البشر، إذا هم وقعوا في شدة أيا كانت، أن يعدوا بالتوبة والإقلاع عما هم فيه، ولكن النفوس الشريرة لا تتجه إلى فعل الخير، ولا تفعل ما تتقرب به

стр. 12069

إلى ربها انتظارًا لمثوبته ورجاءًا في غفرانه ورحمته. ١٣ - ثم نفى صدقهم في الوعد، وبين أن غرضهم كشف العذاب فحسب، فقال: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: من أين يحصل لهم التذكر والاتعاظ، فهو بعيد عنهم غير ممكن منهم، فهو رد (١) لكلامهم، واستدعائهم الكشف، وتكذيب لهم في الوعد بالإيمان، المنبىء عن التذكر والاتعاظ بما اعتراهم من الداهية، والمراد بالاستفهام: الاستبعاد، لا حقيقته، وهو ظاهر؛ أي: كيف يتذكرون، أو من أين يتذكرون؟ ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم ﴿وَ﴾ الحال أنه ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يبين لهم كلَّ شيء يحتاجون إلى بيانه، من أمر الدين، والدنيا؛ أي: والحال أنهم شاهدوا من دواعي التذكر، وموجبات الاتعاظ، ما هو أعظم منه في إيجابهما، حيث جاءهم رسول عظيم الشأن، وبين لهم مناهج الحق بإظهار آيات ظاهرة، ومعجزات قاهرة، تحرك صم الجبال ١٤ - ﴿ثُمَّ﴾ كلمة ﴿ثم﴾ هنا للاستبعاد ﴿تَوَلَّوْا﴾؛ أي: أعرضوا ﴿عَنْهُ﴾؛ أي: عن ذلك الرسول فيما شاهدوا منه من العظائم، الموجبة للإقبال إليه، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل جاوزوه ﴿وَقَالُوا﴾ تارةً هذا الرجل ﴿مُعَلَّمٌ﴾ يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، واسمه عداس أو أبو فكهة، أو جبر أو يسار. وقرأ زر بن حبيش ﴿معلم﴾ بكسر اللام، قاله في "البحر" وتارة أخرى ﴿مَجْنُونٌ﴾؛ أي: مغلوب العقل ناقصه، أو يقول بعضهم: كذا، وآخرون: كذا، فهل يتوقع من قوم هذه صفاتهم، أن يتأثروا منه بالعظة والتذكير، وما مثلهم إلا كمثل الكلب إذا جاع ضغا، دواذا شبع طغا. ١٥ - وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ جواب من جهته تعالى عن قولهم: ربنا اكشف عنا العذاب؛ أي: إنا نكشف العذاب المعهود عنكم، بدعاء النبي ﷺ ، وإنزل المطر كشفًا ﴿قَلِيلًا﴾ وهو دليل على كمال خبث سريرتهم، فإنهم إذا عادوا إلى الكفر بكشف العذاب كشفًا قليلًا، فهم بالكشف رأسًا أعود، أو زمانًا قليلًا، وهو ما بقي من أعمارهم ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾؛ أي: تعودون إثر ذلك إلى ما كنتم عليه من العتو والإصرار على الكفر، وتنسون هذه الحالة، وصيغة (٢) الفاعل في الموضعين

стр. 12070

للدلالة على تحققهما لا محالة، ولقد وقع كلاهما، حيث كشفه الله سبحانه، بدعاء النبي ﷺ ، فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا فيه من العتو والعناد؛ لأن من مقتضى فساد طينتم واعوجاج طبيعتهم، المبادرة إلى خلف الوعد ونقض العهد، والعود إلى الإشراك إذا زال المانع على ما بينه الله تعالى، فيمن ركب الفلك إذا أنجاه إلى البر، والمراد بعودهم إليه: عودهم إلى العزم على الاستمرار عليه؛ لأنه لم يوجد منهم إيمان بالفعل، إنما وجد منم الوعد به، إذا انكشف عنهم العذاب. ومعنى الآيات (١): أي كيف يتذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوا به من الإيمان حين يكشف عنهم العذاب، وقد جاءهم الرسول بما هو كاف في رجوعهم إلى الحق، فلم يرجعوا بل قال بعضهم: إن القرآن إنما يعلمه له غلام رومي لبعض ثقيف. وقال آخرون: إنه أصيب بخبل، إذ تلقي إليه الجن هذه الكلمات، حين يعرض له الغشي. والخلاصة: أن التوبة إما أن تكون بما ينال الناس من النوائب، وإما أن تكون بما يتضح لهم من الحقائق، وهؤلاء قد اتضحت لم وجوه الصواب فلم يفقهوا، فأخذناهم بالعذاب، ولكن كيف يرجعون به وقد ذكرناهم بالآيات، وأريناهم الحقائق، وهو أنجع أثرًا من العقاب فلم يؤمنوا، وقالوا ما قالوا. ثم نبه إلى أنهم لا يوفون بعهدهم، بل إذا زال الخوف نكصوا على أعقابهم، ورجعوا إلى سيرتهم الأولى، وعضوا على الكفر بالنواجذ، وساروا على طريق الأباء والأجداد، فقال: إنا كاشفوا العذاب، إلخ؛ أي: إنا رافعوا هذا الضر النازل بهم، بالخصب الذي نوجده لهم زمنًا يسيرًا، وإنا لنعلم أنهم عائدون إلى سيرتهم الأولى من تمسكهم بالكفر، وترك الحق وراءهم ظهريًا لما في طباعهم من الميل إلى عبادة الأوثان، وتقليد الآباء والأجداد. ١٦ - ولما كان العذاب الأليم لم يؤثر، والإصلاح بالعلم والإيمان لم يفد

стр. 12071

أمهلناهم إلى يوم البطشة الكبرى، حيث لا توبة بعدها فينتقم الله منهم، وهذا ما عناه سبحانه، بقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ ونأخذهم ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾؛ أي: الأخذة الشديدة ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ منهم أشد الانتقام؛ أي: يوم القيامة ننتقم منهم، ونعاقبهم العقوبة العظمى، فيوم ظرف لما دل عليه قوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، وهو ننتقم، لا بمنتقمون؛ لأن ما بعد ﴿إِنَّ﴾ لا يعمل فيما قبلها، أو منصوب بمحذوف. تقديره: اذكر يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون منهم في ذلك اليوم، ويوم البطشة الكبرى هو يوم القيامة. كما ذكرنا آنفا، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس. والمعنى عليه: أي إننا يوم القيامة لنسلطن عليهم بأسنا، وننتقمن منهم أشد الانتقام، ولا يجدن شفيعًا ولا وليًا ولا نصيرًا يمنع عنهم عقابنا، فيندمن ولات حين مندم، وقيل: البطشة الكبرى هي يوم بدر، قاله الأكثر. والمعنى عليه: إنهم لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم، انتقم الله منم بوقعة بدر. والظاهر: أن ذلك يوم القيامة. وان كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضًا. قال الشوكاني: بل الظاهر: أنه يوم بدر وإن كان يوم القيامة يوم بطشة كبرى من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم، أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل من الإنس والجن. وقرأ الجمهور (١): ﴿نَبْطِشُ﴾ بفتح النون وكسر الطاء؛ أي: نبطش بهم، وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء، وهي لغة فيه. وقرأ الحسن أيضًا وأبو رجاء وطلحة بضم النون وكسر الطاء. بمعنى: نسلط عليهم من يبطش بهم، والبطشة على هذه القراءة ليس منصوبًا بنبطش، بل بمقدر؛ أي: نبطش ذلك المسلط البطشة، أو يكون البطشة في معنى الإبطاشة، فينتصب بنبطش. والخلاصة: أن الله ، أخذهم بالجوع والدخان، ثم أذاقهم القتل والأسر يوم بدر، وكل ذلك من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، فإذا كان يوم القيامة، يأخذهم أخذًا شديدًا، لا يقاس على ما كان في الدنيا، نسأل

стр. 12072

الله العصمة من عذابه وجحيمه، والتوفيق لما يوصل إلى رضاه ونعمته، وقال بعض المفسرين: المراد بالدخان: ما هو من أشراط الساعة كما مر، وهو دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة، فيدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ؛ أي: المشوي، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه، ليس فيه خصاص؛ أي: فرجة يخرج منها الدخان، وفي الحديث: "أول الآيات الدخان، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين"، وهو بفتح الهمزة على ما هو المشهور، اسم رجل بني هذه البلدة باليمن، وأقام بها، تسوق الناس إلى المحشر؛ أي: إلى الشام والقدس، قال حذيفة: فما الدخان؟ "فتلا الآية، فقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلةً، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره". وقال حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁: اطلع رسول الله ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال ﷺ : "ما تذاكرون"؟ فقالوا: نذكر الساعة، فقال ﷺ : "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها آيات"؛ أي: علامات، فذكر الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم. ١٧ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ﴾ وقرىء ﴿فتنا﴾ بتشديد التاء للمبالغة في الفعل، أو لتكثير متعلقه؛ أي: وعزتي وجلالي لقد فتنا وابتلينا قبل كفار مكة ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: القبط، وامتحناهم؛ أي: فعلنا بهم فعل الممتحن بإرسال موسى ﵇ إليهم ليؤمنوا، ويظهر منهم ما كان مستورًا، فاختاروا الكفر على الإيمان. فالفعل حقيقة، أو المعنى (١): أوقعناهم في الفتنة بالإمهال، وتوسيع الرزق

стр. 12073

عليهم، فهو مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى سببه؛ لأن المراد بالفتنة حينئذ: ارتكاب المعاصي، وهو تعالى كان سببًا لارتكابها بالإمهال والتوسيع المذكورين ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ على الله تعالى، وهو موسى ﵇، بمعنى: أنه استحق على ربه أنواعًا كثيرة من الإكرام، أو كريم على المؤمنين، أو في نفسه، لأن الله تعالى لم يبعث نبيًا إلا من كان أفضل نسبًا، وأشرف حسبًا على أن الكرم بمعنى الخصلة المحمودة، وقال بعضهم: لمكالمته مع الله تعالى، واستماع كلامه من غير واسطة، وقال مقاتل: حسن الخلق بالتجاوز والصفح، وقال الفراء: كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة. وفي الآية: إشارة إلى أنه تعالى جعل فرعون وقومه فيما فتنهم فداء أمة محمد ﷺ ، لتعتبر هذه الأمة بهم، فلا يصرون على جحودهم كما أصروا، ويرجعوا إلى طريق الرشد، ويقبلوا دعوة نبيهم، ويؤمنوا بما جاء به لئلا يصيبهم مثل ما أصابهم بعد أن جاءهم رسول كريم ١٨ - ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ ﴿أن﴾ إما مصدرية؛ أي: بأن أدوا، وادفعوا ﴿إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾؛ أي: بني إسرائيل، وسلموهم، وأرسلوهم معي لأذهب بهم إلى الشام موطن آبائهم، ولا تستعبدوهم، ولا تعذبوهم؛ أي: جئتكم من الله تعالى لطلب تأدية عباد الله إلى. يقول الفقير: فتكون التأدية بعد الإيمان، كما قالوا في آية اخرى: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ونظيره قول نوح ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: آمن واركب، فإن الراكب إنما هم المؤمنون، والركوب متفرع على الإيمان. وقال بعضهم: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ منصوب بحرف النداء المحذوف؛ أي: بأن أدوا إلى يا عباد الله حقه من الإيمان، وقبول الدعوة، وقيل: المعنى أدوا إلى يا عباد الله سمعكم، حتى أبلغكم رسالة ربكم، وإما مفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول، وهو رسول كريم، أو مخففة من الثقيلة، والمعنى: أن الشأن والحال. أدوا إلى عباد الله، والأول أولى وأوضح. وقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله ﴿أَمِينٌ﴾ على وحيه ورسالته، صادق في دعواه بالمعجزات، تعليل للأمر بالتأدية، وفيه إشارة إلى أنّ بني إسرائيل، كانوا

стр. 12074

أمانة الله في أيدي فرعون وقومه، يلزمهم تأديتهم إلى موسى لكونه أمينًا، فخانوا تلك الأمانة حتى آخذهم الله تعالى على ذلك. والمعنى (١): أي ولقد اختبرنا قبل مشركي قومك قوم فرعون، وهم مثال قومك في جبووتهم وطغيانهم وعتوهم، واستكبارهم، فأرسلنا إليهم الرسول الكريم موسى ﵇، فقال لهم: أيها القوم أرسلوا معي بني إسرائيل، وأطلقوهم من أسركم وتعذيبكم إني رسول من الله مأمون على ما أبلغكم غير متهم فيه ونحو الآية: قوله : ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. ١٩ - ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: وبأن لا تتكبروا عليه تعالى، بالاستانة بوحيه وبرسوله، واستخفاف عباده وإهانتهم وقال يحيى بن سلام: لا تستكبروا عن عبادة الله. وقال ابن جريج: لا تعظموا على الله، قيل: والفرق بينهما: أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر ذكره الماوردي. وقوله ﴿إِنِّي آتِيكُمْ﴾؛ أي: من جهته تعالى، يحتمل أن يكون اسم فاعل، وأن يكون فعلًا مضارعًا ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة واضحة في نفسها، وموضحة صدق دعواي، لا سبيل إلى إنكارها، يعني: المعجزات، تعليل للنهي. وفي إيراد (٢) الأداء مع الأمين، والسلطان مع العلو، من الجزالة ما لا يخفى، وقرأ الجمهور ﴿إِنِّي﴾ بكسر الهمزة على سبيل الإخبار. وقرأت فرقة بفتح الهمزة. والمعنى عليه: لا تعلوا على الله من أجل أني آتيكم، فهذا توبيخ لهم، كما تقول: أتغضب أن قال لك الحق؛ أي: وأن لا تطغوا وتبغوا على ربكم، فتكفروا به وتعصوه، فتخالفوا أمره؛ لأني آتيكم بحجة وأضحة على حقية ما أدعوكم إليه لمن تأملها وتدبر فيها ٢٠ - ﴿وَإِنِّي عُذْتُ﴾ والتجأت ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ وتوكلت عليه من ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ ـي فهو العاصم من شركم من الرجم، وهو الرمي بالرجام بالكسر، وهي الحجارة، أو تؤذوني ضربًا أو شتمًا بأن تقولوا: هو ساحر ونحوه، أو

стр. 12075

تقتلوني. قيل: لما قال: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ توعدوه بالقتل. وفي "التأويلات النجمية". وإني عذت بربي من شر نفسي، وبربكم من شر نفوسكم، أن ترجموني بشيء من الفتن، انتهى. والمعنى: وإني التجىء إلى الله الذي خلقني وخلقكم، أن لا تصلوا إلبم بسوء من قول أو فعل، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي (١): ﴿عُتُّ﴾. ٢١ - ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾؛ أي: وإن لم تصدقوني، وتقروا نبوتي ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾؛ أي: فاتركوني، ولا تتعوضوا لي بأذى. قال مقاتل: دعوني كفافًا لا علي ولا لي. وقيل: كونوا بمعزل عني، وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا، وقيل: فخلوا سبيلي، والمعنى متقارب، والإيمان يتعدى باللام باعتبار معنى الإذعان والقبول، وبالباء باعتبار معنى الاعتراف، وحقيقة آمن به أمن المخبر من التكذيب والمخالفة، وقال ابن الشيخ: اللام للأجل بمعنى: لأجل ما أتيت به من الجحة. والمعنى (٢): وإن كابرتم مقتضى العقل، ولم تصدقوني فكونوا بمعزل منى، لا علي ولا لي، ولا تتعوضوا إلى بشر ولا أذى، لا باليد ولا باللسان، فليمعى ذلك من جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلاحُكم، فالاعتزال كناية عن الترك، ولا يراد به الاعتزال بالأبدان. قال القاضي عبد الجبار - من متأخري المعتزلة -: كل موضع جاء فيه لفظ الاعتزال في القرآن، فالمراد به: الاعتزال عن الباطل، وبهذا صار اسم الاعتزال اسم مدح، وهو منقوض، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾، فإن المراد بالاعتزال هنا: العزلة عن الإيمان التي هي الكفر، لا العزلة عن الكفر والباطل. وخلاصة المعنى (٣): أي وإن لم تصدقوني فيما جئتكم به، من عند ربكم فخلوا سبيلي، ولا ترجموني باللسان ولا باليد، ودعوا الأمر بيني وبينكم

стр. 12076

مسالمةً، إلى أن يقضي الله بيننا، ٢٢ - ولما طال مقامه ﵇، بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، ولم يزدهم ذلك إلا كفرًا وعنادًا .. دعا عليهم، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾، إذ كذبوه، ولم يؤمنوا به، ولم يؤدوا إليه عباد الله، وهموا بقتله بـ ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ القبطيين ﴿قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾؛ أي: مصرون على الإجرام والكفر، مشركون بك، مكذبون لرسلك، متبعون أهواءهم، وأنت أعلم بهم، فافعل بهم ما يستحقونه، ٢٣ - والفاء في قوله: (٤) ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ عاطفة ما (١) بعدها على محذوف ولكنه مع إضمار القول بعدها، لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر. والإسراء وكذا السرى لا يكون إلا بالليل، لكنه أتى بالليل للتأكيد، وسماه دعاءً مع أنه لم يذكر إلا مجرد كونهم مجرمين؛ لأنهم قد يستحقون بذلك الدعاء عليهم، والتقدير: فأجاب الله دعاءه، فقال له: أسر وَامْشِ يا موسى ببني إسرائيل ومن آمن معك من القبط، من مصر ليلًا، على غفلة من العدو. ثم علل السرى ليلًا، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾؛ أي: إن فرعون وقومه يتبعونكم إذا علموا بخروجكم ومسيركم ليلًا ليقتلوكم، وأؤخر علمهم بذلك، فلا يدركونكم. ونحو الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾. وقرأ الجمهور (٢): بفتح همزة: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ على إضمار حرف الجر، كما قدرنا آنفًا، وقرأ الحسن في رواية، وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وزيد بن علي بكسرها، على إضمار القول. وقرأ الجمهور: ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة وقرأ أهل الحجاز بالوصل، ووافقهم ابن كثير، فالقراءة الأولى من أسرى، والثانية: من سرى، يقال: سرى وأسرى لغتان. ٢٤ - ﴿وَاتْرُكِ﴾ يا موسى ﴿الْبَحْرَ﴾؛ أي: بحر القلزم، وهو الأظهر الأشهر، أو النيل، حال كونه ﴿رَهْوًا﴾؛ أي: ساكنًا، مصدر (٣) سمي به البحر للمبالغة، وهو

стр. 12077

بمعنى الفرجة الواسعة؛ أي: ذا رهو أو راهيًا، مفتوحًا على حاله منفرجًا، ولا تخف أن يتبعك فرعون وقومه، أو ساكنًا على هيئته بعدما جاوزته، ولا تضرب بعصاك لينطبق، ولا يغيره عن حاله ليدخله القبط، فإذا دخلوا فيه أطبقه الله عليهم، فيكون معنى ﴿رَهْوًا﴾ ساكنًا غير مضطرب، وذلك لأن الماء وقف له كالطود العظيم، حتى جاوز البحر ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ علة للأمر بترك البحر رهْوًا، والجند جمع معد للحرب، والإغراق والغرق الرسوب في الماء، والتسفل فيه؛ أي: وإذا قطعت البحر أنت وأصحابك، فاتركه منفرجًا، ساكنًا على حاله التي كان عليها حين دخلته، حتى يدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه؛ لأنهم جند مغرقون، في سابق علمنا، أخبر تعالى موسى بذلك ليسكن قلبه، ويطمئن جأشه. وقرأ الجمهور (١): بكسر همزة ﴿إنَّ﴾ على الاستئناف، لقصد الإخبار بذلك، وقرىء بالفتح على تقدير لأنهم ٢٥ - ﴿كَمْ﴾ هي الخبرية، المفيدة للتكثير، في محل النصب على أنه مفعول ﴿تَرَكُوا﴾، وقوله: ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بيان لإبهامها ﴿وَعُيُونٍ﴾ معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: ترك آل فرعون في مصر كثيرًا من بساتين كثيرة الأشجار، وعيون نابعة بالماء، وكانت بساتينهم متصلةً من رشيد إلى أسوان، وقدر المسافة بينهما أكثر من عشرين يومًا. ولعل (٢) المراد بالعيون: الأنهار الجارية، المتشعبة من النيل، إذ ليس في مصر آبار ولا عيون، كما قال بعضهم في ذمها هي بين بحر رطب، عفن، كثير البُخارات الرديئة، التي تولد الأدواء، وتفسد الغذاء، وبين جبل وبر يابس صلد. ولشدة يبسه لا تنبت فيه خضراء، ولا تنفجر فيه عين ماء، انتهى. وفي الآية (٣) اختصار، والمعنى: فعل موسى ما أمر به، بأن ترك البحر رهوًا. فدخله فرعون فأغرقوا، وتركوا بساتين كثيرةً وعيونًا نابعةً، قال بعضهم: لما كان فرعون يفتخر بالماء وجريان الأنهار من تحت قصره، وأشجار بساتينه جاء الجزاء من جنس العمل، ولذا أمر الله تعالى موسى ﵇، بأن يسير

стр. 12078

إلى جانب البحر دون البر، وإلا فالله قادر على إهلاك العدو في البر أيضًا، بسبب من الأسباب، كما فعل بأكثر الكفار، ممن كانوا قبل القبط ٢٦ - ﴿و﴾ كم تركوا من ﴿زُرُوعٍ﴾ كثيرة الأقوات، جمع زرع، وهو ما استنبت بالبذر، تسميةً بالمصدر من زرع الله الحرث إذا أنبته وأنماه. قال في "كشف الأسرار"؛ أي: وفنون الأقوات، وألوان الأطعمة؛ أي: كانوا أهل ريف وخصب، خلاف حال العرب ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾؛ أي: محافل مزينة، ومنازل محسنة، وقرأ الجمهور (١): ﴿وَمَقَامٍ﴾ بفتح الميم، قال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: أراد المقام، وهو اسم مكان للقيام، وقرأ ابن هرمز وقتادة وابن السميقع ونافع، في رواية خارجة، وقتادة بضمها، اسم مكان الإقامة، قال قتادة: أراد المواضع الحسان من المجالس، والمساكن وغيرها. ٢٧ - ﴿وَنَعْمَةٍ﴾؛ أي: تنعم (٢) ونضارة عيش ولذاذة حياة، يقال: كم ذي نعمة لا نعمة له؛ أي: كم ذي مال لا تنعم له، فالنعمة بالكسر ما أنعم به الله عليك، والشعمة بالفتح التنعم، وهو استعمال ما فيه النعومة، واللين، من المأكولات والملبوسات؛ أي: وكم تركوا من نعمة ﴿كَانُوا﴾؛ أي: فرعون وقومه ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك النعمة ﴿فَاكِهِينَ﴾؛ أي: متنعمين متلذذين، ومنه الفاكهة، وهي ما يتفكه به؛ أي: يتنعم ويتلذذ بأكله، وقرأ أبو رجاء ﴿ونعمة﴾ بالنصب عطفًا على ﴿كَمْ﴾ وقرأ الجمهور: ﴿فَاكِهِينَ﴾ بالألف؛ أي: طيبي الأنفس، أصحاب فاكهة كلابن وتامر؛ أي: كانوا فيها متنعمين طيبةً بها أنفسهم، وقرأ (٣) أبو رجاء والحسن، وأبو الأشهب، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة ﴿فكهين﴾ بغير ألف؛ أي: أشرين بطرين، وقال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه، إذا كان مزاحًا، والفكه أيضًا لأشر. وقال القشيري: فاكهين لاهين، ٢٨ - وقوله: ﴿كَذلِكَ﴾ في محل (٤) رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، قال الزجاج: الأمر، وهو إهلاك فرعون وقومه، وتخليفهم وراءهم كذلك، ويجوز أن تكون في محل نصب،

стр. 12079

والإشارة إلى مصدر فعل يدل عليه ﴿تَرَكُوا﴾؛ أي: مثل ذلك السلب سلبناهم إياها، وقيل: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وقيل: مثل ذلك الإهلاك أهلكناهم، فعلى الوجه الأول يكون قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ معطوفًا على ﴿تَرَكُوا﴾، وعلى الأوجه الأخيرة يكون معطوفًا على الفعل المقدر، والمراد بالقوم الآخرين: بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه ملكهم أرض مصر، بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين؛ أي: إنها وصلت إليهم كما يصل الميراث إلى الوارث بلا كلفة، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾. أي (١): جعلنا أموال القبط لقوم، ليسوا منهم في شيء، من قرابة، ولا دين، ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، كانوا مسخرين لهم مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله تعالى، وأورثهم ديارهم وملكهم وأموالهم، وقيل: غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر. قال قتادة: لم يروَ في مشور التواريخ، أنهم رجعوا إلى مصر، ولا ملكوها قط، ورد بأنه لا اعتبار بالتواريخ فالكذب فيها كثير، والله تعالى أصدق قيلًا، وقد جاء في الشعراء التنصيص بإيراثها بني إسرائيل، هذا في "حواشي" سعدي المفتي. قال المفسرون عند قوله تعالى (٢): ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يجعلكم خلفاء في أرض مصر، أو في الأرض المقدسة، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾؛ أي: أرض الشام، ومشارقها ومغاربها، جهاتها الشرقية والغربية، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة. والعمالقة، بعد انقضاء مدة التيه، وتمكنوا في نواحيها، فاضطرب كلامهم، فتارةً حملوا الأرض على أرض مصر، وأخرى على أرض الشام، والظاهر: الثاني ولأن المتبادر استخلاف أنفس المستضعفين لا أولادهم، ومصر إنما ورثها أولادهم؛ لأنها فتحت في زمان

стр. 12080

داوود ﵇، ويمكن أن يحمل على أرض الشام ومصر جميعًا والمراد بالمستضعفين: هم وأولادهم، فإن الأبناء ينسب إليهم ما ينسب إلى الآباء، والله أعلم. وعبارة "المراغي" هنا: أي كم (١) ترك فرعون وقومه، بعد مهلكهم من بساتين فيحاء، وحدائق غناء، وزروع ناضرة، وقصور شاهقة، فقد كانوا في بُلَهْنِيَّةٍ من العيش، وسعة في الرزق، وخفض ودعة، وسرور، وحبور، ثم أكد هذا بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: هكذا فعلنا بهؤلاء الذين كذبوا رسلنا، وهكذا نفعل بكل من عصانا، وخالف أمرنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾؛ أي: وأورثنا تلك البلاد بما فيها من خير عميم ونعيم عظيم، قومًا غير أهلها ممن لا يمتون (٢) - لا ينسبون - إليهم بقرابة ولا دين، فقد تغلب على مصر الآشوريون، والبابليون حينًا، والحبش حينًا آخر، ثم الفرس مدةً، واليونان أخرى، ثم الرومان من بعدهم، ثم العرب، ثم الطولونيون، والإخشيديون، والفاطميون، والمماليك البرية والبحرية، والترك والفرنسيون، والإنكليز، وها نحن أولاء نجاهد لنحظى بخروجهم من ديارنا، ونتمكن من استقلال بلادنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾. ٢٩ - ثم سخر منهم، واستهزأ بهم حين هلكوا، فقال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ مجاز مرسل عن عدم الاكتراث بهلاكهم. والاعتداد بوجودهم؛ لأن سبب البكاء على الشيء هو المبالاة بوجوده، قال المفسرون؛ أي (٣): إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا تبكي عليهم به، ولم يصعد لهم إلى السماء عمل طيب يُبْكَى عليهم به.
следующие страницы →