← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

مسالمةً، إلى أن يقضي الله بيننا، ٢٢ - ولما طال مقامه ﵇، بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، ولم يزدهم ذلك إلا كفرًا وعنادًا .. دعا عليهم، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾، إذ كذبوه، ولم يؤمنوا به، ولم يؤدوا إليه عباد الله، وهموا بقتله بـ ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ القبطيين ﴿قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾؛ أي: مصرون على الإجرام والكفر، مشركون بك، مكذبون لرسلك، متبعون أهواءهم، وأنت أعلم بهم، فافعل بهم ما يستحقونه، ٢٣ - والفاء في قوله: (٤) ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ عاطفة ما (١) بعدها على محذوف ولكنه مع إضمار القول بعدها، لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر. والإسراء وكذا السرى لا يكون إلا بالليل، لكنه أتى بالليل للتأكيد، وسماه دعاءً مع أنه لم يذكر إلا مجرد كونهم مجرمين؛ لأنهم قد يستحقون بذلك الدعاء عليهم، والتقدير: فأجاب الله دعاءه، فقال له: أسر وَامْشِ يا موسى ببني إسرائيل ومن آمن معك من القبط، من مصر ليلًا، على غفلة من العدو. ثم علل السرى ليلًا، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾؛ أي: إن فرعون وقومه يتبعونكم إذا علموا بخروجكم ومسيركم ليلًا ليقتلوكم، وأؤخر علمهم بذلك، فلا يدركونكم. ونحو الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾. وقرأ الجمهور (٢): بفتح همزة: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ على إضمار حرف الجر، كما قدرنا آنفًا، وقرأ الحسن في رواية، وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وزيد بن علي بكسرها، على إضمار القول. وقرأ الجمهور: ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة وقرأ أهل الحجاز بالوصل، ووافقهم ابن كثير، فالقراءة الأولى من أسرى، والثانية: من سرى، يقال: سرى وأسرى لغتان. ٢٤ - ﴿وَاتْرُكِ﴾ يا موسى ﴿الْبَحْرَ﴾؛ أي: بحر القلزم، وهو الأظهر الأشهر، أو النيل، حال كونه ﴿رَهْوًا﴾؛ أي: ساكنًا، مصدر (٣) سمي به البحر للمبالغة، وهو

стр. 12077

بمعنى الفرجة الواسعة؛ أي: ذا رهو أو راهيًا، مفتوحًا على حاله منفرجًا، ولا تخف أن يتبعك فرعون وقومه، أو ساكنًا على هيئته بعدما جاوزته، ولا تضرب بعصاك لينطبق، ولا يغيره عن حاله ليدخله القبط، فإذا دخلوا فيه أطبقه الله عليهم، فيكون معنى ﴿رَهْوًا﴾ ساكنًا غير مضطرب، وذلك لأن الماء وقف له كالطود العظيم، حتى جاوز البحر ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ علة للأمر بترك البحر رهْوًا، والجند جمع معد للحرب، والإغراق والغرق الرسوب في الماء، والتسفل فيه؛ أي: وإذا قطعت البحر أنت وأصحابك، فاتركه منفرجًا، ساكنًا على حاله التي كان عليها حين دخلته، حتى يدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه؛ لأنهم جند مغرقون، في سابق علمنا، أخبر تعالى موسى بذلك ليسكن قلبه، ويطمئن جأشه. وقرأ الجمهور (١): بكسر همزة ﴿إنَّ﴾ على الاستئناف، لقصد الإخبار بذلك، وقرىء بالفتح على تقدير لأنهم ٢٥ - ﴿كَمْ﴾ هي الخبرية، المفيدة للتكثير، في محل النصب على أنه مفعول ﴿تَرَكُوا﴾، وقوله: ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بيان لإبهامها ﴿وَعُيُونٍ﴾ معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: ترك آل فرعون في مصر كثيرًا من بساتين كثيرة الأشجار، وعيون نابعة بالماء، وكانت بساتينهم متصلةً من رشيد إلى أسوان، وقدر المسافة بينهما أكثر من عشرين يومًا. ولعل (٢) المراد بالعيون: الأنهار الجارية، المتشعبة من النيل، إذ ليس في مصر آبار ولا عيون، كما قال بعضهم في ذمها هي بين بحر رطب، عفن، كثير البُخارات الرديئة، التي تولد الأدواء، وتفسد الغذاء، وبين جبل وبر يابس صلد. ولشدة يبسه لا تنبت فيه خضراء، ولا تنفجر فيه عين ماء، انتهى. وفي الآية (٣) اختصار، والمعنى: فعل موسى ما أمر به، بأن ترك البحر رهوًا. فدخله فرعون فأغرقوا، وتركوا بساتين كثيرةً وعيونًا نابعةً، قال بعضهم: لما كان فرعون يفتخر بالماء وجريان الأنهار من تحت قصره، وأشجار بساتينه جاء الجزاء من جنس العمل، ولذا أمر الله تعالى موسى ﵇، بأن يسير

стр. 12078

إلى جانب البحر دون البر، وإلا فالله قادر على إهلاك العدو في البر أيضًا، بسبب من الأسباب، كما فعل بأكثر الكفار، ممن كانوا قبل القبط ٢٦ - ﴿و﴾ كم تركوا من ﴿زُرُوعٍ﴾ كثيرة الأقوات، جمع زرع، وهو ما استنبت بالبذر، تسميةً بالمصدر من زرع الله الحرث إذا أنبته وأنماه. قال في "كشف الأسرار"؛ أي: وفنون الأقوات، وألوان الأطعمة؛ أي: كانوا أهل ريف وخصب، خلاف حال العرب ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾؛ أي: محافل مزينة، ومنازل محسنة، وقرأ الجمهور (١): ﴿وَمَقَامٍ﴾ بفتح الميم، قال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: أراد المقام، وهو اسم مكان للقيام، وقرأ ابن هرمز وقتادة وابن السميقع ونافع، في رواية خارجة، وقتادة بضمها، اسم مكان الإقامة، قال قتادة: أراد المواضع الحسان من المجالس، والمساكن وغيرها. ٢٧ - ﴿وَنَعْمَةٍ﴾؛ أي: تنعم (٢) ونضارة عيش ولذاذة حياة، يقال: كم ذي نعمة لا نعمة له؛ أي: كم ذي مال لا تنعم له، فالنعمة بالكسر ما أنعم به الله عليك، والشعمة بالفتح التنعم، وهو استعمال ما فيه النعومة، واللين، من المأكولات والملبوسات؛ أي: وكم تركوا من نعمة ﴿كَانُوا﴾؛ أي: فرعون وقومه ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك النعمة ﴿فَاكِهِينَ﴾؛ أي: متنعمين متلذذين، ومنه الفاكهة، وهي ما يتفكه به؛ أي: يتنعم ويتلذذ بأكله، وقرأ أبو رجاء ﴿ونعمة﴾ بالنصب عطفًا على ﴿كَمْ﴾ وقرأ الجمهور: ﴿فَاكِهِينَ﴾ بالألف؛ أي: طيبي الأنفس، أصحاب فاكهة كلابن وتامر؛ أي: كانوا فيها متنعمين طيبةً بها أنفسهم، وقرأ (٣) أبو رجاء والحسن، وأبو الأشهب، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة ﴿فكهين﴾ بغير ألف؛ أي: أشرين بطرين، وقال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه، إذا كان مزاحًا، والفكه أيضًا لأشر. وقال القشيري: فاكهين لاهين، ٢٨ - وقوله: ﴿كَذلِكَ﴾ في محل (٤) رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، قال الزجاج: الأمر، وهو إهلاك فرعون وقومه، وتخليفهم وراءهم كذلك، ويجوز أن تكون في محل نصب،

стр. 12079

والإشارة إلى مصدر فعل يدل عليه ﴿تَرَكُوا﴾؛ أي: مثل ذلك السلب سلبناهم إياها، وقيل: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وقيل: مثل ذلك الإهلاك أهلكناهم، فعلى الوجه الأول يكون قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ معطوفًا على ﴿تَرَكُوا﴾، وعلى الأوجه الأخيرة يكون معطوفًا على الفعل المقدر، والمراد بالقوم الآخرين: بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه ملكهم أرض مصر، بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين؛ أي: إنها وصلت إليهم كما يصل الميراث إلى الوارث بلا كلفة، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾. أي (١): جعلنا أموال القبط لقوم، ليسوا منهم في شيء، من قرابة، ولا دين، ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، كانوا مسخرين لهم مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله تعالى، وأورثهم ديارهم وملكهم وأموالهم، وقيل: غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر. قال قتادة: لم يروَ في مشور التواريخ، أنهم رجعوا إلى مصر، ولا ملكوها قط، ورد بأنه لا اعتبار بالتواريخ فالكذب فيها كثير، والله تعالى أصدق قيلًا، وقد جاء في الشعراء التنصيص بإيراثها بني إسرائيل، هذا في "حواشي" سعدي المفتي. قال المفسرون عند قوله تعالى (٢): ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يجعلكم خلفاء في أرض مصر، أو في الأرض المقدسة، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾؛ أي: أرض الشام، ومشارقها ومغاربها، جهاتها الشرقية والغربية، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة. والعمالقة، بعد انقضاء مدة التيه، وتمكنوا في نواحيها، فاضطرب كلامهم، فتارةً حملوا الأرض على أرض مصر، وأخرى على أرض الشام، والظاهر: الثاني ولأن المتبادر استخلاف أنفس المستضعفين لا أولادهم، ومصر إنما ورثها أولادهم؛ لأنها فتحت في زمان

стр. 12080

داوود ﵇، ويمكن أن يحمل على أرض الشام ومصر جميعًا والمراد بالمستضعفين: هم وأولادهم، فإن الأبناء ينسب إليهم ما ينسب إلى الآباء، والله أعلم. وعبارة "المراغي" هنا: أي كم (١) ترك فرعون وقومه، بعد مهلكهم من بساتين فيحاء، وحدائق غناء، وزروع ناضرة، وقصور شاهقة، فقد كانوا في بُلَهْنِيَّةٍ من العيش، وسعة في الرزق، وخفض ودعة، وسرور، وحبور، ثم أكد هذا بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: هكذا فعلنا بهؤلاء الذين كذبوا رسلنا، وهكذا نفعل بكل من عصانا، وخالف أمرنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾؛ أي: وأورثنا تلك البلاد بما فيها من خير عميم ونعيم عظيم، قومًا غير أهلها ممن لا يمتون (٢) - لا ينسبون - إليهم بقرابة ولا دين، فقد تغلب على مصر الآشوريون، والبابليون حينًا، والحبش حينًا آخر، ثم الفرس مدةً، واليونان أخرى، ثم الرومان من بعدهم، ثم العرب، ثم الطولونيون، والإخشيديون، والفاطميون، والمماليك البرية والبحرية، والترك والفرنسيون، والإنكليز، وها نحن أولاء نجاهد لنحظى بخروجهم من ديارنا، ونتمكن من استقلال بلادنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾. ٢٩ - ثم سخر منهم، واستهزأ بهم حين هلكوا، فقال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ مجاز مرسل عن عدم الاكتراث بهلاكهم. والاعتداد بوجودهم؛ لأن سبب البكاء على الشيء هو المبالاة بوجوده، قال المفسرون؛ أي (٣): إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا تبكي عليهم به، ولم يصعد لهم إلى السماء عمل طيب يُبْكَى عليهم به.

стр. 12081

والمعنى: أنه لم يصب بفقدهم وهلاكهم أحد من أهل السماء، ولا من أهل الأرض، وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض؛ أي: عمت مصيبته، ومن ذلك قول جرير: لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُوْرُ الْمَدِيْنَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ وقال الحسن: في الكلام حذف مضاف، تقديره: أي ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض من الملائكة والناس، وقال مجاهد: الكلام على حقيقته، فإن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحًا، وقيل: إنه يبكي على المؤمن مواضع صلاته، ومصاعد عمله، وفي الحديث: "إن المؤمن يبكي عليه من الأرض مصلاه، وموضع عبادته، ومن السماء مصعد عمله"، ورُوي: إذا مات كافر استراح منه السماء والأرض، والبلاد، والعباد، فلا تبكي عليه أرض ولا سماء ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾؛ أي: ممهلين إلى وقت آخر، بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم، وشدة عنادهم؛ أي: ما أمهلوا لتوبة، أو تدارك تقصير، بل عجل لهم العذاب. ٣٠ - ولما بين كيفية إهلاك فرعون وقومه أردف ذلك، بذكر إحسانه إلى موسى، وقومه فبدأ بدفع الضرر عنهم، وهو نجاتهم مما كانوا فيه من العذاب، ثم ذكر اتصال النفع لهم من اختيارهم على العالمين، وإيتائهم الآيات، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد خلصنا أولاد يعقوب بإغراق القبط في اليم ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾؛ أي: من العذاب الشديد من استعباد فرعون إياهم، وقتل أبنائهم، واستخدام نسائهم وبناتهم، وتكليفه إياهم بالأعمال الشاقة. ٣١ - وقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من العذاب، إما على جعله نفس العذاب لإفراطه في التعذيب، وإما على حذف المضاف؛ أي: من عذاب فرعون، أو حال من المهين؛ أي: حال كونه واقعًا من جهة فرعون واصلًا إليهم من جانبه. وقرأ عبد الله (١): ﴿من عذاب المهين﴾ وهو من إضافة الموصوف إلى

стр. 12082

صفته، كبقلة الحمقاء، أو من عذاب فرعون المهين إياهم؛ لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين، وقرأ ابن عباس ﴿من فرعون﴾، من اسم استفهام مبتدأ، و ﴿فرعون﴾ خبره لما وصف فوعون بالشدة والفظاعة، قال ﴿من فرعون﴾ على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته. ثم عرف حاله في ذلك. بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾؛ أي: متكبرًا عن الإيمان وقبول الحق، ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان؛ أي: من الذين أسرفوا على أنفسهم بالظلم والعدوان، وتجاوز الحد في الكفر والعصيان، ومن إسرافه أنه على حقارته، وخسة شأنه ادعى الإلهية، وكان أكفر الكمار، وأطغاهم، وهو أبلغ من أن يقال: مسرفًا لدلالته على أنه معدود في زمرتهم، مشهور بأنه في جملتهم، وفيه ذم لفرعون، ولمن كان مثله في العلو والإصراف، كنمرود وغيره، وبيان أن من أهان المؤمن، أهلكة الله تعالى، وأذله، ومن يهن الله فما له من مكرم، وأن النجاة من أيدي الأعداء، من نعم الله الجليلة على الأحباب، فإن من نكد الدنيا ومصائبها على الحر، أن يكون مغلوبًا للأعداء، وأن يرى عدوًا له، ما من صداقته بد، وأن الله تعالى إذا أراد للمرء ترقيًا في دينه ودنياه، يقدم له البلايا ثم بنجيه. والمعنى: أي ولقد خلصناهم بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد، وقتل الأبناء، واستحياء النساء، وتكليفهم بالأعمال الشاقة إلى نحو ذلك، من وسائل الخسف والضيم، إذ كان جبارًا مستكبرًا مسرفًا في الشر والفساد، ولا أدل على ذلك من ادعائه الألوهية إذ قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. ٣٢ - وبعد أن بين طريق دفعه التفسير عنهم، أردف ذلك، ذكر ما أكرمهم به، فقال: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد اصطفينا بني إسرائيل ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في محل النصب على الحال من فاعل ﴿اخترنا﴾؛ أي (١): حالة كوننا

стр. 12083

عالمين، بأنهم أحقاء بالاختيار، والاصطفاء، وفضلناهم ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: على عالمي زمانهم، أو على العالمين جميعًا في زمانهم وبعدهم في كل عصر، لكثرة الأنبياء فيهم حيث بعث فيهم يومًا ألف نبي، ولم يكن هذا في غيرهم، ولا ينافيه قوله تعالى في حق أمة محمد ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، لتغاير جهة الخيرية. وقال هنا (١): ﴿عَلَى عِلّمٍ﴾؛ أي: منا وقال في الجاثية: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بحذفه جريًا هنا على الأصل في ذكر ما لا يغني عنه غيره، واكتفاءً، ثم بقوله بعد: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. يقول الفقير: والحق أن هذه الأمة المرحومة، خير من جميع الأمم من كل وجه، فإن خيرية الأمم إن كانت باعتبار معجزات أنبيائهم، فالله تعالى قد أعطى لنبينا ﷺ جميع ما أعطاه للأولين، وإن كانت باعتبار كثرة الأنبياء في وقتٍ واحد، فعلماؤنا الذين كأنبياء بني إسرائيل أكثر، وأزيد، وذلك لأنه لا تخلو الدنيا كل يوم من أيام هذه الأمة إلى قيام الساعة من مئة ألف وليٍّ وأربعة وعشرين ألف ولي، فانظر كم بينهم من الفرق، وهدانا الله وإياكم أجمعين انتهى، وقال الواسطي رحمه الله تعالى (٢): اخترناهم على علم منا بجناياتهم، وما يقترفون من أنواع المخالفات، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا بهم، ليعلموا أن الجنايات لا تؤثر في الرعايات، ومن هذا القبيل أولاد يعقوب ﵇، فإنهم مع ما فعلوا بيوسف من إلقائه في الجب ونحوه، اختارهم الله تعالى للنبوة على قول. والمعنى (٣): أي ولقد اصطفيناهم على عالمي زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتب، وأرسلنا فيهم من الرسل، ونحن عالمون بأنهم أهل لكل مكرمة وفضل ٣٣ - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: وأعطينا بني إسرائيل ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾؛ أي: من الأمور ذوات الخطر والشرف، الدالة على كرامتهم عندنا، وهي معجزات موسى ﵇،

стр. 12084

﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: اختبار ظاهر، وامتحان واضح، لننظر كيف يعملون، كفلق البحر، وإنجائهم من الغرق، وتظليل الغمام، وانزال المن والسلوى، وغيرها من عظائم الآيات التي لم يعهد مثلها في غيرهم. وفي "كشف الأسرار": ابتلاهم بالرخاء والبلاء، فطالبهم بالشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء. الإعراب ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾. ﴿حم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه السورة الآتية سورة ﴿حم (١)﴾؛ أي: مسماة بـ ﴿حم (١)﴾ إن قلنا إنه اسم للسورة، والجملة مستأنفة، وإن قلنا: إنه مما استأثر الله سبحانه بعلمه، فلا محل له من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع عن إدراك المعنى، والمعنى: لم يعلم ﴿الْكِتَابِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الكتاب﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، ﴿الْمُبِينِ﴾ صفة لـ ﴿الكتاب﴾، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا، تقديره: أقسم والكتاب المبين، وجملة القسم مستأنفة. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿فِي لَيْلَةٍ﴾: متعلق به، ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ صفة ﴿لَيْلَةٍ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مُنْذِرِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جواب ثان للقسم أيضًا، أو مستأنفة، أو تفسيرية لجواب القسم. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يُفرَقُ﴾، ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ﴾: فعل مغير الصيغة، ونائب فاعل، ومضاف إليه ﴿حَكِيمٍ﴾: صفة أمر، والجملة الفعلية مستأنفة، أو صفة ثانية لـ ﴿لَيْلَةٍ﴾، وما بينهما اعتراض ﴿أَمْرٍ﴾: مفعول مطلق لـ ﴿يُفْرَقُ﴾ لأنه مصدر معنوي له؛ أي: يفرق فرقًا من عندنا، أو مفعول مطلق لفعله المحذوف؛

стр. 12085

أي: أمرنا أمرًا ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ صفة لـ ﴿أَمْرًا﴾، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿رَحْمَةً﴾ أجازوا فيه خمسة أوجه، متساوية الرجحان: الأول: المفعول لأجله والعامل فيه إما ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، وإما ﴿أَمْرًا﴾، وإما ﴿يُفرَقُ﴾، وإمَّا ﴿مُنْذِرِينَ﴾. والثاني: أنه مصدر منصوب بفعل مقدر؛ أي: رحمنا رحمة. والثالث: أنه مفعول بـ ﴿مُرْسِلِينَ﴾. والرابع: أنه حال من ضمير ﴿مُرْسِلِينَ﴾؛ أي: ذوي رحمة. والخامس: أنه بدل من ﴿أَمْرًا﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، أو متعلق بنفس الرحمة، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿هو﴾ ضمير فصل ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبران لـ ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾: بالجر بدل من ﴿رَبِّكَ﴾، وبالرفع خبر ثالث لـ ﴿إنّ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف صلة لما، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كنُتُم﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها: ﴿مُوقِنِينَ﴾: خبر ﴿كاَنَ﴾، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كنتم موقنين، فايقنوا بأن محمدًا ﷺ رسوله، وجملة الشرط معترضة ﴿لَا إلَهَ﴾: ناصب واسمه وخبره محذوف جوازًا، تقديره: موجود، وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع خبر ثالث أو رابع لـ ﴿إنّ﴾، ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع، بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾: المحذوف، ﴿يُحْيِي﴾: فعل، وفاعل مستتر، والجملة خبر رابع لـ ﴿إنّ﴾. ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوف على ﴿يُحْيِي﴾، ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر خامس لـ ﴿إنّ﴾. ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ﴾: معطوف على

стр. 12086

﴿رَبُّكُمْ﴾، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: صفة لـ ﴿آبَائِكُمُ﴾، ﴿بَلّ﴾: حرف إضراب عن محذوف، تقديره: فليسوا بموقنين بل هم، و ﴿هُمّ﴾: مبتدأ، ﴿فِي شَكٍ﴾: خبره، وجملة ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل النصب، حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، والجملة الإضرابية معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾. ﴿فَارْتَقِبْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت تعنتهم وتمردهم في الكفر، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك: ﴿ارتقب﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿يَوْمَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿تَأْتِي السَّمَاءُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿بِدُخَانٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْتِي﴾، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿دخان﴾. ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾. ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿دخان﴾، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر، صفة ثانية لـ ﴿دخان﴾. ﴿هَذَا عَذَابٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لقول محذوف، وجملة القول المحذوف حال من الناس، تقديره: يغشى الناس، حال كونهم يقولون لربك هذا عذاب أليم، ربنا اكشف عنا العذاب، ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب، مقول القول. ﴿اكْشِفْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عَنَّا﴾: متعلق به، ﴿العَذَابٌ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة في محل النصب، مقول القول مسوقة لتعليل الدعاء بالكشف، ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف، أو أين، في محل النصب على الظرفية، مبني على السكون، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي، ﴿الذِّكْرَى﴾ مبتدأ،

стр. 12087

والتقدير: الذكرى حاصل؛ أي: حال كونه كائنًا لهم، والاستفهام هنا لاستبعاد حصول الذكرى لهم، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَقَدّ جَآءَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ حالية، ﴿قد﴾ حرق تحقيق ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ومفعول به، ﴿رَسُولٌ﴾: فاعل، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من ضمير ﴿لَهُمُ﴾. ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾. ﴿ثُمَ﴾: حرف عطف وتأخير، ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على مقدر تقديره: فلم يذكروا ثم تولوا عنه، ﴿وَقَالُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿تَوَلَّوْا﴾، ﴿مُعَلَّمٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو معلم، ﴿مَجْنُونٌ﴾: خبر ثان للمبتدأ، والجملة الاسمية مقول لـ ﴿قالوا﴾، ﴿إنَا﴾ ناصب واسمه ﴿كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾: خبره، ومضاف إليه، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، ﴿قَلِيلًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: كشفًا قليلًا، أو على الظرفية الزمانية؛ لأنه صفة لزمان محذوف؛ أي: زمنًا قليلًا، ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَائِدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولي بعاطف مقدر، تقديره: إنا كاشفوا العذاب قليلًا ثم إنكم عائدون، ﴿يَوْمَ﴾ منصوب باذكر مقدر، أو بننتقم منهم، ﴿نَبْطِشُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه ليوم، و ﴿الْبَطْشَةَ﴾ مفعول مطلق، ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة له، ﴿إنَا﴾ ناصب واسمه، ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)﴾. ﴿وَلَقَدّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿فَتَنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿قَبْلَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿فَتَنَّا﴾، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿وَجَاءَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جاءهم﴾: فعل ومفعول به، ﴿رَسُولٌ﴾: فاعل، ﴿كَرِيمُ﴾ صفة ﴿رَسُولٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَتَنَّا﴾.

стр. 12088

﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾. ﴿أَنْ﴾ يجوز أن تكون مفسرة؛ لأن مجيء الرسل متضمن معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي مع مدخولها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: بأدائكم إلى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جاءهم﴾، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾: خبرها. ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، فيكون المراد بعباد الله: القبط. واختار الزمخشري أن يكون ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعولًا به، وهم بنو إسرائيل، يقول أدوهم إلى، وأرسلوهم معي، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في سورة الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكُم﴾: حال من رسول؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿رَسُولٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالأداء. ﴿وَأَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أن﴾: معطوفة مع مدخولها على ﴿أن﴾ الأولى، ويجوز فيها من الأوجه ما جاز في الأولى. ﴿لا﴾ ناهية. ﴿تَعْلُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَعْلُوا﴾؛ أي: وبعدم علوكم على الله. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿آتِيكُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ متعلق بـ ﴿آتِيكُمْ﴾، ﴿مُبِينٍ﴾: صفة لـ ﴿سلطان﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي قبلها. ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾. ﴿وَإِنِّي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿عُذْتُ﴾: خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ قبلها، ﴿بِرَبِّي﴾: متعلق بـ ﴿عُذْتُ﴾، ﴿وَرَبِّكُمْ﴾: معطوف على ﴿ربي﴾، ﴿أنّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَرْجُمُونِ﴾: فعل مضارع، منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل،

стр. 12089

والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية مفعول به، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع مدخولها، في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: من رجمكم إياي بلا جرم، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿عُذْتُ﴾، ﴿وَإن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿لم﴾: حرف جزم ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، والواو فاعل، ﴿لِي﴾: متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾، واللام بمعنى الباء، كقوله: فآمن له لوط؛ أي: به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا ﴿اعتزلون﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة الشرط معطوفة على مقدر معلوم من السياق، تقديره: فآمنوا بي ولا تؤذون، وإن لم تؤمنوا فاعتزلون. ﴿فَدَعَا﴾ الفاء عاطفة على مقدر معلوم من السياق، تقديره: فلم يتركوه، ﴿دعا ربه﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على موسى ومفعول به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾: ناصب واسمه، ﴿قَوْمٌ﴾: خبر. ﴿مُجْرِمُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ ومدخولها في محل نصب بنزع الخافض؛ أي: بأن هؤلاء إلخ، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿دعا﴾. ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾. ﴿فَأَسْرِ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان أمرهم وشأنهم كما قلت، وأردت النصر عليهم .. فأقول لك: أسر بعبادي، ﴿أسر﴾: فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة، وهي الياء، وفاعله ضمير مستتر يعود على موسى ﴿بِعِبَادِي﴾: متعلق بـ ﴿أسر﴾، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿لَيْلًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أسر﴾. ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿مُتَّبَعُونَ﴾ خبره،

стр. 12090

﴿وَاتْرُكِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أترك﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على موسى، ﴿الْبَحْرَ﴾: مفعول به، ﴿رَهْوًا﴾: حال من البحر، أو مفعول ثان لـ ﴿اترك﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَسْرِ﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿جُنْدٌ﴾ خبره ﴿مُغْرَقُونَ﴾ صفة ﴿جُنْدٌ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب، وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا ...﴾ إلخ، مرتبط بمقدر لا بد من تقديره: ليلتئم نظام الكلام، تقديره: فأطمأن موسى بذلك، فتم إغراقهم، وكم تركوا إلخ، ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير، في محل النصب، مفعول به مقدم لـ ﴿تركوا﴾، ﴿تَرَكُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾: تمييز لـ ﴿كَمّ﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، وجملة ﴿تَرَكُوا﴾: معطوف على ذلك المقدر. ﴿وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ﴾: معطوفات على ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿كَرِيمٍ﴾ صفة ﴿مَقَامٍ﴾، ﴿وَنَعْمَةٍ﴾؛ معطوف أيضًا على ﴿جَنَّاتٍ﴾ عطف عام على خاص؛ لأن النعمة تشمل جميع ما ذكر وغيره، مما لم يذكر هنا، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿فَاكِهِينَ﴾، و ﴿فَاكِهِينَ﴾: خبره، وجملة؛ ﴿كَانُوا﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿نعمة﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: الأمر كذلك، والجمله معترضة لا محل لها من الإعراب، وقال الزمخشري: الكاف صفة لمصدر محذوف؛ أي: أخرجناهم منها إخراجًا مثل ذلك الإخراج، وقال أبو البقاء: صفة للترك؛ أي: وتركوها تركًا مثل ذلك الترك، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أورثناها﴾: فعل، وفاعل، ومفعول أول، ﴿قَوْمًا﴾ مفعول ثان، ﴿آخَرِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾، ﴿فَمَا﴾ الفاء: عاطفة على مقدر، تقديره: فأغرقوا فما بكت، ﴿ما﴾: نافية ﴿بَكَتْ﴾ فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق بـ ﴿بَكَتْ﴾، ﴿السَّمَاءُ﴾: فاعل، ﴿وَالْأَرْضُ﴾: معطوف عليه، والجملة معطوفة على تلك المقدرة، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: نافية، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُنْظَرِينَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَكَتْ﴾ أو على أغرقوا المقدر، وما بينهما اعتراض. ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾. ﴿وَلَقَدِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف

стр. 12091

تحقيق، ﴿نَجَّيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول به، ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: متعلق بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾، ﴿الْمُهِينِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَذَابِ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، مسوقة لتسلية رسول الله ﷺ ، على ما يكابده من قريش، من الأذى، ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور، في قوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص واسمه ضمير يعود على فرعون، ﴿عَالِيًا﴾: خبره ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان لـ ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾. ﴿وَلَقَدِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾: فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على القسم المذكور قبلها، ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾ و ﴿عَلَى﴾ بمعنى مع؛ أي: مع علمنا بأنهم يزيغون، وتفرط منهم الفرطات، ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول أول، معطوف على ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾، ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: حال مقدم على صاحبها؛ لأنه حال من ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، ﴿فِيهِ﴾ خبر مقدم، ﴿بَلَاءٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿بَلَاءٌ﴾، والجملة الاسمية صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ أي: ذات بركة وخير كثير، اسم مفعول من بارك الرباعي، بوزن فاعل لا مصدر، والمفاعلة ليست على بابها، وهي ليلة القدر على الصحيح المشهور. وقال النووي في "شرح مسلم": والقول بأنها ليلة النصف من شعبان خطأ. ﴿مُنْذِرِينَ﴾؛ أي: مخوفين ﴿يُفْرَقُ﴾؛ أي: يفصل ويبين ﴿أَمْرٍ

стр. 12092

حَكِيمٍ﴾؛ أي: محكم مبرم لا يقبل التغيير والتبديل. ﴿مُوقِنِينَ﴾؛ أي: مريدين اليقين، كما يقال: منجد، متهم؛ أي: يريد نجدًا وتهامة: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أصله: يموت بوزن يفعل، مضارع أمات الرباعي، نقلت حركة الباء إلى الميم فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مد، وفيه حذف همزة أفعل من المضارع كما في أكرم. ﴿فَارْتَقِبْ﴾؛ أي: انتظر من قولهم: رقبته؛ أي: انتظرته وحرسته. ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ في "المختار": دخان النار معروف، ودخنت النار ارتفع دخانها، وبابه دخل وخضع، وأدخنت مثله، ودخنت النار إذا فسدت بإلقاء الحطب عليها حتى هاج دخانها، ودخن الطبيخ، إذا تدخنت القدر، وبابه طرب، وقياس جمعه في القلة أدخنة، وفي الكثرة دخنان، نحو: غراب وأغربة وغربان، وشذوا في جمعه على فواعل، فقالوا؛ دواخن، كأنه جمع داخنة، كما شذوا في عنان، فقالوا في جمعه: عوانن. وفي "القاموس": والدخان كغراب وجبل، ورمان العُثَانُ، والجمع أدخنة ودواخن ودواخين، وقال أبو عبيدة: والدخان الجدب، قال القتيبي: سمي دخانًا ليبس الأرض منه، حتى يرتفع منها كالدخان. ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: يغشي بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، والمراد بالدخان هنا: ما أصابهم من الظلمة في أبصارهم من شدة الجوع، حتى كأنهم كانوا يرون دخانًا، فإن الإنسان إذا اشتد خوفه، أو ضعفه، أظلمت عيناه، ورأى الدنيا كالمملوءة دخانًا ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: يحيط بهم ﴿اكْشِفْ عَنَّا﴾؛ أي: ارفع عنا ﴿أَنَّي﴾؛ أي: كيف يكون، ومن أين يحصل ﴿مُعَلَّمٌ﴾؛ أي: يعلمه غلام رومي لبعض ثقيف. ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أصله: تولّيوا بوزن تفعلوا قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة فحذفت الألف وبقيت الفتحة دالة عليها. ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ جمع عائد، وفيه إعلال بالإبدال أصله: عاودون، أبدلت الواو همزة في الوصف، حملًا له في الإعلال على فعله حيث أعل الفعل عود بقلب الواو ألفًا، لتحركها بعد فتح. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ يقال: بطش به أخذه بالعنف والسطوة، كأبطشه، والبطش الأخذ الشديد في كل شيء، والبأس قاله في "القاموس". وفي "المصباح": بطش بطشًا من باب ضرب، وبها قرأ السبعة، وفي

стр. 12093

لغة من باب قتل، وبها قرأ الحسن البصري، وأبو جعفر المدني، والبطش: هو الأخذ بعنف، وبطشت اليد إذا عملت فهي باطشة اهـ. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: بلونا، وامتحنا؛ أي: فعلنا بهم فعل الممتحن الذي يريد أن يعلم بحقيقة ذلك الشيء، وذلك الامتحان كان بزيادة في الرزق، والتمكين في الأرض، ففسدوا واستطالوا في الغي، وركوب متن الضلال ﴿كَرِيمُ﴾؛ أي: جامع لخصال الخير، والأفعال المحمودة قاله الراغب. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾ أصله: أديوا، أمر من أدى يؤدي، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت المتقي ساكنان، فحذف الياء وضمت الدال، لمناسبة الواو؛ أي: أطلقوا، وسلموا إلى ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: ائتمنه الله على وحيه ورسالته. ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: لا تستكبروا على الله بالاستهانة بوحيه، أصله: تعلووا بوزن تفعلوا، سكنت الواو الأولى لوقوعها إثر ضمة، لتكون حرف مد، فالتقى ساكنان فحذفت الواو الأولى، لام الكلمة فوزنه تفعوا. ﴿إِنِّي آتِيكُمْ﴾ اسم فاعل من أتى الثلاثي، فالمدة فيه مدة فاعل، اتصلت بفاء الكلمة، وسكنت الياء لوقوعها إثر كسرة، ويحتمل أن يكون مضارع أتى، فاجتمعت همزتان، همزة المضارع للمتكلم، وهمزة فاء الفعل، فأبدلت الثانية ألفًا حرف مد، من جنس حركة الأولى. ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها. ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾؛ أي: التجأت إليه، وتوكلت عليه، وأصله: عوذ قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، فصار عاذ فاتصلت بالفعل تاء الفاعل فبني على السكون، فصار عاذت فالتقى ساكنان، فحذفت الألف فصار عَذت، فحذفت حركة فاء الفعل، وعوض عنها حركة تجانس العين المحذوفة، وهي الضمة؛ لأن عين الفعل واو فقيل: ﴿عُذْتُ﴾ بوزن قلت ﴿أَن تَرجْمُوُنِ﴾؛ أي: تؤذونني ضربًا، أو شتمًا. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾؛ أي: كونوا بمعزل منى، لا علي ولا لي، ولا تتعرضوا لي بسوء ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ أي: سربهم ليلًا ﴿مُتَّبَعُونَ﴾؛ أي: يتبعكم فرعون وقومه. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾؛ أي: حال كونه رهوًا، فهو منصوب على الحال من البحر. والرهو في الأصل، مصدر رها يرهو رهوًا، كعدا يعدو عدوًا، إما بمعنى سكن؛ أي: ساكنًا، وإما بمعنى انفرج وانفتح؛ أي: منفرجًا منفتحًا.

стр. 12094

وفي "المختار": رها بين رجليه؛ أي: فتح، وبابه عدا ورها البحر سكن، وبابه عدا أيضًا، اهـ. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ والجند الجمع المعد للحرب، ﴿مُغْرَقُونَ﴾؛ أي: متمكنون في هذا الوصف، وإن كان لهم وصف القوة، والتجمع الذي شأنه النجدة الموجبة للعلو في الأمور. والغرق: الرسوب في الماء، والتسفل فيه حتى يغرق ويهلك، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾؛ أي: مجالس محفلة، ومنازل مزينة، وأصله: مقوم بوزن مفعل، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال، مصدر ميمي، أو اسم مكان. ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ قال صاحب "الكشاف": النعمة بالفتح من التنعم، وبالكسر من الإنعام؛ أي: حسن حياة، ونضرة عيش. ﴿كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾؛ أي: طيبي الأنفس ناعمين، أو أصحاب فاكهة، كلابن وتامر، وقد مرت هذه الصيغة، وعبارة "القاموس": الفاكهة الثمر كله، والفاكهاني بائعها وكخجل آكلها، والفاكه صاحبها، وفكههم تفكيهًا أطرفهم بها، والاسم الفكيهة والفكاهة بالضم، وفكه كفرح فكهًا فهو فكه وفاكه طيب النفس ضحوك، أو يحدث صحبه، فيضحكهم انتهى. ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾؛ أي: لم تكترث لهلاكهم، ولا اعتدت بوجودهم، وقد جرى الناس أن يقولوا حين هلاك الرجل العظيم الشأن؛ إنه قد أظلمت الدنيا لفقده، وكسفت الشمس والقمر له، وبكت عليه السماء والأرض، كما قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: الشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ ... تَبْكِيْ عَلَيْكَ نُجُوْمَ اللَّيْلِ والْقَمَرَا أي: يا نجوم الليل والقمر، وأصله: بكي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم اتصلت بالفعل تاء التأنيث الساكنة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فوزنه فعت. ﴿مُنْظَرِينَ﴾؛ أي: ممهلين مؤخرين ﴿الْمُهِينِ﴾؛ أي: الشديد الإهانة والإذلال ﴿عَالِيًا﴾؛ أي: جبارًا متكبرًا. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: في الشر والفساد. و ﴿عَالِيًا﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: عالوا من العلو، قلبت الواو ياء

стр. 12095

لوقوعها متطرفةً إثر كسرة. ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾؛ أي: اصطفيناهم. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: عالمين باستحقاقهم ذلك. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: عالمي زمانهم، وقوله: ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾ أصل اختار اختير، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم لما أسند الفعل إلى ضمير الرفع التقى ساكنان، فحذفت الألف فوزنه افتلناهم ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾؛ أي: المعجزات، كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى ﴿بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: اختبار ظاهر، أصل بلاء بلاو، أبدلت الواو همزة لتطرفها بعد ألف زائدة، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أصله: مبين بوزن مفعل نقلت حركة الياء إلى الباء، فسكنت إثر كسرة وصارت حرف مد. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: وضع الرب موضع الضمير في قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ للإيذان بأن ذلك من أحكام الربوبية ومقتضياتها؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: رحمة منا، وفيه أيضًا الإضافة إلى ضميره ﷺ للتشريف، وفيه أيضًا الالتفات من التكلم إلى الغيبة، ولو جرى على منوال ما تقدم لقال: رحمةً منا كما في "السمين". ومنها: الطباق في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ومنها: تكرار لفظ الرب، اعتناءً بشأن الربوبية. ومنها: الإسناد العقلي في قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ حيث أسند الإتيان إلى السماء؛ لأن كلها عن الإمطار كان سببًا في الدخان، فهو من قبيل إسناد الشيء إلى سببه. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِدُخَانٍ﴾ حيث أطلق الدخان على شدة القحط، وفلبة الجوع على سبيل الكناية، أو المجاز المرسل. ومنها: صيغة الفاعل في قوله: ﴿كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ للدلالة على تحقق الكشف والمعاودة لا محالة، ولقد وقع كلاهما، حيث كشفه الله تعالى بدعاء النبي ﷺ ، فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا فيه من

стр. 12096

العتو والعناد. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ﴾ لما فيه من إسناد الفعل إلى سببه؛ لأن المراد بالفتنة: ارتكاب المعاصي، وهو تعالى كان سببًا لارتكابها بالإمهال، وتوسيع الرزق عليهم. ومنها: إيراد الأداء مع الأمين، والسلطان مع العلو، في قوله: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾، وفي قوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾؛ لأن في ذلك من الجزالة، والمناسبة ما لا يخفى. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾؛ لأن الاعتزال هنا كناية عن الترك، ولا يراد به الاعتزال بالأبدان. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ أي: وقلنا له: أن أسر بعبادي. ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾: لأن النعمة تشمل الأربعة قبلها، وغيرها من أنواع النعم، كالنظر إلى وجه الله . ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾؛ لأن الإيراث هنا مجاز عن تمليكها مخلفة عليهم، أو عن تمكينهم من التصرف فيها، تمكين الوارث فيما يرثه. ومنها: الاستعارة المكنية التخييلية في قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ حيث شبه السماء والأرض بمن يصح منه الاكتراث، ثم حذف المشبه به، وهو من يصح منه الاكتراث، واستعار له شيئًا من لوازمه، وهو البكاء، فإسناد البكاء إليهما على سبيل التخييل، والمعنى: أنهم لم يكونوا يعملوا عملًا صالحًا ينقطع بهلاكهم، فتبكي الأرض لانقطاعه، وتبكي السماء؛ لأنه لم يصعد إليها شيء من ذلك العمل الصالح بعد هلاكهم، وجعله بعضهم مجازًا مرسلًا عن الاكتراث بهلاك الهالك، والعلاقة السببية، فذكر المسبب، وأراد السبب، فإن الاكتراث

стр. 12097

المذكور سبب يؤدي إلى البكاء عادة. ومنها: أن الإضافة في قوله: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ للتشريف، وفي قوله: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ للتهويل والتهديد، وفي قوله: ﴿فَأَسّرِ بِعِبَادِي﴾ للتشريف. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿لَيْلًا﴾ لأن الإسراء، وكذا السرى، لا يكون إلا في الليل. ومنها: أن التنكير والإبهام في قوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ وما بعده للتكثير والتعظيم؛ لأن جناتهم، وبساتينهم كانت كبيرةً واسعةً جدًّا؛ لأنها كانت متصلة من رشيد إلى أسوان، وقدر المسافة بينهما أكثر من عشرين يومًا. ومنها: الإيجاز والاختصار في هذه الاية، والتقدير: وفعل موسى ما أمر به من ترك البحر رهوًا، فدخله فرعون وقومه فأغرقوا، وتركوا بساتين كثيرة كما مرّ. ومنها: تسمية الشيء بالمصدر لكونه سببه في قوله: ﴿وَزُرُوعٍ﴾؛ لأنه مصدر زرع الله الحرث زرعًا، إذا أنبته وأنماه. ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ بين المعطوف والمعطوف عليه، للتفخيم والتعجيب. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ دلالةً على فخامتهم، ونباهتهم. ومنها: التهكم بالكفار، وبحالهم المنافية لحال من يعظم، فيقال له: بكت عليه السماء والأرض، في قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12098

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) ...﴾ الآيات، عود (١) على بدءٍ، كان الكلام أولًا في كفار قريش، إذ قال فيهم: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾؛ أي: إنهم في شك من البعث والقيامة، ثم بين كيف أصروا على كفرهم، ثم ذكر أن قوم فرعون كانوا في إصرارهم على الكفر كهؤلاء، وقد أهلكهم الله، وأنجى بني إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول، وهو إنكارهم للبعث، وقولهم: إنه لا حياة بعد هذه الحياة فإن كنتم صادقين، فاسألوا ربكم، يعجل لنا إحياء من مات، حتى يكون ذلك دليلًا على صدق دعواكم النبوة، والبعث والقيامة، ثم توعدهم بأنه سيستن بهم سنة من قبلهم من المكذبين، فقد أهلك من هم أقوى منهم

стр. 12099

بطشًا، وأكثر جندًا، وهم قوم تبع ملوك اليمن من قحطان، فحذار أن تصروا على الكفر، حتى لا يحيق بكم بأس ربكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر وعيد الكافرين، وما يرونه من الأهوال في ذلك اليوم .. أعقب هذا بوعد المتقين، بما يلاقونه في جنات النعيم، من ضروب التكريم في الملبس، والزوجات، والمآكل، ثم ببيان أن هذا النعيم أبدي، خالد، لا يعقبه موت ولا تحول ولا انتقال، ثم ختم السورة بالمنة على العرب في نزول القرآن بلغتم لعلهم يعتبرون، ويتعظون به، ثم توعدهم إذا هم كذبوا بما جاء به الرسول بحلول النقمة بهم، والنصر له عليهم، كما هي سنته في أمثالهم من المكذبين ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه سعيد بن منصور عن أبي مالك، قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر، والزبد، فيقول: تزقموا، فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد ﷺ ، فنزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾. قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ سبب نزوله (٢): ما أخرجه الأموي في "مغازيه" عن عكرمة، قال: لقي النبي ﷺ أبا جهل، فقال: "إن الله أمرني أن أقول لك: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ قال فنزع ثوبه من يده، فقال: ما تستطيع لي أنت وصاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله يوم بدر، وأذله، وعيره بكلمته، ونزل فيه. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾، وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه.

стр. 12100

التفسير وأوجه القراءة ٣٤ - والإشارة بقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ إلى كفار قريش؛ لأن الكلام فيهم، وقصة فرعون مسوقة للدلالة على استوائهم في الإصرار على الكفر؛ أي: إن هؤلاء المشركين من قومك ﴿لَيَقُولُونَ ٣٥ - إِنْ هِيَ﴾؛ أي: ما العاقبة، ونهاية الأمر ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ التي نموتها في الدنيا، وتزيل حياتنا الدنيوية، ولا حياة بعدها ولا بعث. قال الرازي: المعنى أنه لا يأتينا من الأحوال الشديدة إلا الموتة الأولى، اهـ، ووصفها بالأولى لا يستدعي أن يثبت الخصم موتةً ثانية، فيقصدوا بذلك إنكارها؛ لأن كون الشيء أولًا، يستلزم وجود ما كان آخرًا بالنسبة إليه، كما لو قال أول عبد أملكه حر، فملك عبدًا عتق، سواء كان ملك بعده عبدًا آخر، أو لا، ولا يبعد (١) أن يحمل على حذف المضاف، على أن يكون التقدير: إن الحياة إلا حياة موتتنا الأولى، فالأولى صفة للمضاف، والقرينة عليه قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾، فالآية مثل قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾؛ أي: بمبعوثين بعد الموت، من أنشر الله الموتى، إذا بعثهم، وغرضهم من هذا القول، المبالغة في إنكار حشر الموتى، ونشرهم من القبور، والمعنى؛ أي: إن هؤلاء المشركين من أهل مكة يقولون ماثم إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث، ولا نشور. ٣٦ - ثم خاطبوا من وعدوهم بالنشور، وهم النبي ﷺ وأصحابه، وقالوا لهم ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾؛ أي: ارجعوهم إلى الدنيا بعد موتهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تقولونه، وتخبروننا به من البعث؛ أي: إن كان البعث والنشور حقًا ممكنًا معقولًا كما تقولون، فعجلوا لنا بإحياء آبائنا الذين ماتوا، وذهبوا ولم يرجعوا، إن كنتم صادقين فيما تدعون من البعث، قيل: وكانوا يطلبون إليهم أن يدعوا الله تعالى، فينشر لهم قصي بن كلاب ليشاوروه، ويسألوا منه عن أحوال الموت، وكان كبيرهم ومفزعهم في المهمات والملمات.

стр. 12101

٣٧ - وهذه حجة داحضة، فإن المعاد يوم القيامة، بعد إنقضاء دار الدنيا، حين يعيد الله تعالى العالمين خلقًا جديدًا، ومن ثم لم يتعرض الكتاب الكريم لرد ما قالوا، بل قال لهم متوعدًا منذرًا بأسه الذي لا يرد ﴿أَهُمْ﴾؛ أي: أكفار قريش ﴿خَيْر﴾ في القوة، والشوكة اللتين يدفع بهما أسباب الهلاك، لا في الدين حتى يردانه ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ الحميري الذي دار في الدنيا بجيوشه، وغلب أهلها وقهرهم خير، لا خيرية في واحد من الفريقين، وفيه وعيد شديد والمراد بتبع هنا: واحد من ملوك اليمن، معروف عند قريش، وخصه بالذكر لقرب الدار، وسيأتي بقية الكلام فيه، وقيل: المراد بتبع: جميع ملوكه لا واحد بعينه، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل قوم تبع، معطوف على ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، والمراد بهم: عاد، وثمود، وأضرابهم من كل جبار عنيد، أولي بأس شديد. والاستفهام (١) لتقرير أن أولئك أقوى من هؤلاء المشركين، ومع ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ لما كذبوا رسلنا، وهذا كلام مستأنف لبيان عاقبة أمرهم؛ أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إن قوم تبع ومن قبلهم كانوا كاملين في الإجرام والآثام، مستحقين للهلاك، تعليل لإهلاكهم، ليعلم أن أولئك، حيث أهلكوا بسبب إجرامهم، مع ما كانوا في غاية القوة والشدة، فلأن يهلك هؤلاء، وهم شركاء لهم في الإجرام، وأضعف منهم في الشدة والقوة أولى. ومعنى الآية (٢): أي إن نظراءهم المشركين، المنكرين للبعث، كقوم تبع، أهلكهم الله تعالى، وخرب ديارهم، وشردهم في البلاد شذر مذر، وقد كانوا أقوى منهم جندًا، وأكثر عددًا، وكانت لهم دولة وصولة، وهؤلاء ليسوا في شيء من ذلك، وكذلك فعل بمن قبلهم كعاد، وثمود، إذ كانوا في خسران مبين بكفرهم، وإنكارهم للبعث والنشور، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.

стр. 12102

وقولنا: تبع الحميري منسوب إلى حمير، وهم أهل اليمن، وقد كانت حمير وهم أولاد سبأ، كلما ملك فيهم رجل سموه تبعًا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من الألقاب السلطانية، وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: لا تسبوا تبعًا، فإنه قد أسلم، وكان يكتب إذا كتب بسم الله الذي ملك برًا وبحرًا، والمراد به هنا: تبع الأكبر، اسمه أسعد بن ملكيكون، وقيل: ابن حسان (١) الحميري، وكنيته أبو كرب الذي كسا البيت بعدما أراد غزوه، وبعدما غزا المدينة، وأراد خرابها ثم انصرف عنها، لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد، وقال شعرًا أودعه عند أهلها، وكانوا يتوارثونه كابرًا عن كابر، إلى أن هاجر النبي ﷺ ، فدفعوه إليه، ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد، وفيه: شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدٍ أَنَّهُ ... رَسُوْلٌ مِنَ اللَّهِ بَارِيْ النَّسَمْ فَلَوْ مُدَّ عُمْرِيْ إِلَى عُمْرِهِ ... لَكُنْتُ وَزِيْرًا لَهُ وَابْنَ عَمْ وروى ابن إسحاق وغيره: أنه كان في الكتاب الذي كتبه، أما بعد: فإني آمنت بك وبكتابك الذي ينزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإِسلام، فإن أدركتك فيها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي، ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين، وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم ﵇، ثم ختم الكتاب ونقش عليه لله الأمر من قبل ومن بعد، وكتب على عنوانه، إلى محمد بن عبد الله، نبي الله ورسوله، خاتم النبيين ورسول رب العالمين، ﷺ ، من تبع الأول، وكان من اليوم الذي مات فيه تبع، إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ، ألف سنة، لا يزيد ولا ينقص. وفي "أوائل السيوطي": أول من كسا الكعبة أسعد الحميري، وهو تبع

стр. 12103

الأكبر، وذلك قبل الإسلام بتسع مئة سنة، كساها الثياب الحبرة، وهي بوزن عنبة ضرب من برود اليمن، وفي رواية: وكسا بها الوصائل، وهي برود حمر، فيها خطوط خضر تعمل باليمن، وعن بعضم: أول من كسا الكعبة كسوةً كاملة، تبع كساها العصب وهي ضرب من البرود، وجعل لها بابًا يغلق، وقال في ذلك: وَكَسَوْنَا الْبَيْتَ الَّذِىْ حَرَّمَ اللَّـ ... ـهُ مَلاَءً مُعَصَّبًا وَبُرُوْدَا وَأقَمْنَا بِهِ مِنَ الشَّهْرِ عَشْرًا ... وَجَعَلْنَا لِبَابِهِ إِقْلِيْدَا وَخرَجْنَا مِنْهُ نَؤُمُّ سُهَيْلًا ... قَدْ رَفَعْنَا لِوَائَنَا مَعْقُوْدَا وكان تبع هذا مؤمنا بالاتفاق، وقومه كانوا كافرين، ولذلك ذمهم الله تعالى دونه، واختلف هل كان نبيًا أو ملكًا، فقال ابن عباس: كان تبع نبيًا وقال كعب: كان تبع ملكًا من الملوك، وكان قومه كهانًا، وأهل كتاب فأمر الفريقين أن يقرب كل منهما قربانًا ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب، فأسلم، وقالت عائشة ﵄: لا تسبوا تبعًا فإنه كان رجلًا صالحًا، والله أعلم. وفي "فتح الرحمن": فإن قلت: القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية، فكان حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى؟. قلت: لما قيل لهم: إنكم تموتون موتةً يعقبها حياة كما تقدمتكم موتة، لذلك قالوا: إن هي إلا موتتنا الأولى؛ أي: ما الموتة التي من شأنها أن يعقبها الحياة إلا الموتة الأولى. ٣٨ - ثم أقام تعالى على قدرته القاهرة دليلًا، ليستدل بذلك على إمكان البعث، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: وما بين جنس السماء والأرض من المخلوقات، قرأ الجمهور: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ نظرًا إلى الجنس، وقرأ عمرو بن عبيد ﴿وما بينهن﴾ نظرًا إلى مجموع السموات والأرض حالة كوننا ﴿لَاعِبِينَ﴾؛ أي: عابثين من غير أن يكون لخلقهما غرض صحيح، وغاية حميدة، يقال: لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدًا صحيحًا. وفي "التعريفات": اللعب فعل الصبيان، يعقبه التعب من غير فائدة، وفي "فتح الرحمن": قاله هنا

стр. 12104

بالجمع، موافقة لقوله أول السورة: ﴿رَبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ٣٩ - ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا﴾ وما بينهما في حال من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حالة كوننا متلبسين ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي (١): محقين، لنا فيه حكمة، وذلك ليستدل به على قدرتنا ووحدانيتنا، فهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أو ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء، فهو استثناء من أهم الأسباب، وقال الكلبي: إلا للحق، وكذا قال الحسن، وقيل: إلا لإقامة الحق وإظهاره ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس، وهم كفار مكة، وسائر الكفرة بسبب الغفلة، وعدم الفكرة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الأمر كذلك فينكرون البعث، والجزاء. والآية دليل على ثبوت الحشر ووقوعه، ووجه الدلالة أنه لو لم يحصل البعث والجزاء، لكان هذا الخلق عبثًا؛ لأنه تعالى خلق نوع الإنسان، وما ينتظم به أسباب معايشهم من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما فيهما وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع الأحوال، ثم كلفهم بالإيمان والطاعة ليتميز المطيع من العاصي، بأن يكون المطيع متعلقَ فضله وإحسانه، والعاصي متعلقَ عدله وعقابه، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها، وعدم الاعتداد بمنافعها، لكونها مشوبة بأنواع المضار والمحن، فلا بد من البعث والجزاء لتجزى كل نفس بما كسبت، فالجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم في رأسها، إذ لو لم يكن الجزاء كما يقول الكافرون، لاستوت عند الله تعالى أحوال المؤمن والكافر، وهو محال. ومعنى الآية (٢): أي وما خلقنا الخلق عبثًا بأن نوجدهم ثم نفنيهم بغير امتحان بطاعتنا، واتباع أمرنا ونهينا، وبغير مجازاة للمطيع على طاعته، والعاصي على معصيته، بل خلقناهم لنبتلي من أردنا امتحانه منهم بما شئنا، ولنجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ولنجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وقد سبق نحو هذا في سورة

стр. 12105

يونس، وسورة المؤمنين حيث قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، وفي سورة ص، إذ قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾، ما خلقناهما إلا خلقًا متلبسًا بالحق، وهو الدلالة بهما على وحدانية الخالق لهما، ووجوب طاعته والإنابة إليه لعظمته وجبروته، كما جاء في الحديث القدسي: "كنت كنزًا مخفيًا، فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق فبي عرفوني" ولكن أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون ذلك، فهم لا يخافون من سخطه، عقوبةً لهم على ما اجترحوا من السيئات، ولا يرجون ثوابًا على خير فعلوه، لتكذيبهم بالميعاد، والعودة إلى دار أخرى، بعد هذه الدار. وخلاصة ما تقدم (١): أن هؤلاء لقلة تدبرهم، لا يعتقدون أن الأمر كذلك، وهم واهمون فيما يظنون، إذ لو لم توجد دار للجزاء، لما امتاز مطيع من عاص، ولا محسن من مسيء، والعقل قاض بغير هذا. ٤٠ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾؛ أي: إن يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق من الباطل، ويميز المحق من المبطل، ويقضى بين الخلائق، بين الأب والابن، والزوج والزوجة، ونحو ذلك ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾؛ أي: وقت موعد الخلائق ﴿أَجْمَعِينَ﴾ من الأولين والآخرين؛ أي: الوقت المجعول لتمييز المحسن منهم من المسيء، والمحق من المبطل، لا يتخلف عنه أحد منهم أجمعين، وقال بعضهم: يوم الفصل يوم يفصل فيه بين كل عامل وعمله، ويطلب بإخلاص ذلك وبصحته، فمن صح له مقامه وأعماله، قبل منه وجزي عليه، ومن لم تصح له أعماله، كانت أعماله عليه حسرةً وندامةً. وقد اتفق (٢) القراء على رفع ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾ على أنه خبر ﴿إِنَّ﴾، واسمها ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير المجرور في ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾، وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه اسمها، و ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ خبرها. وقرىء ﴿ميقاتهم﴾ بالنصب

стр. 12106

على أنه اسم ﴿إِنَّ﴾ والخبر ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ ذكره في "البحر". والميقات اسم للوقت المضروب للفصل، فيوم القيامة وقت لما وعدوا به، من الاجتماع للحساب والجزاء. ٤١ - وقوله: ﴿لَا يُغْنِي﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، أو منتصب بفعل مضمر يدل عليه الفصل؛ أي: يفصل بينهم يوم لا يغني، ولا يجزي ﴿مَوْلًى﴾؛ أي: ولي، وناصر من قرابة، أو عتاق، أو صداقة ﴿عَنْ مَوْلًى﴾ له؛ أي: عن قريب له أيّا كان ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء، والإجزاء على أن شيئًا واقع موقع المصدر، وتنكيره للتقليل، ويجوز أن يكون منصوبًا على المفعول به على أن يكون ﴿لَا يُغْنِي﴾: بمعنى لا يدفع بعضهم عن بعض شيئًا من عذاب الله، ولا يبعده، فإن الإغناء يأتي بمعنى الدفع، وإبعاد المكروه. وتنكير (١) ﴿مَوْلًى﴾ في الموضعين للإبهام، فان المولى مشترك بين معان كثيرة يطلق على المالك والعبد والمعتق والصاحب والقريب كابن العم ونحوه، والجار والحليف والابن والعم والنزيل والشريك، وابن الأخت والولي والرب والناصر والمنعم والمنعم عليه والمحب والتابع والصهر، كما في "القاموس" وكل من ولي أمر واحد، فهو وليه ومولاه، فواحد من هؤلاء أي واحد كان، لا يغني عن مولاه أيَّ مولى كان شيئًا من الإغناء؛ أي: إغناءً قليلًا، وإذا لم ينفع بعض الموالي بعضًا ولم يغن عنه شيئًا من العذاب بشفاعته، كان عدم حصول ذلك ممن سواهم أولى، وهذا في حق الكفار، يقال: أغنى عنه كذا إذا كفاه. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب، ولا يملكون أن يشفع لهم غيرهم، فالضمير لمولى الثاني باعتبار المعنى؛ لأنه عام لوقوعه نكرةً في سياق النفي، فكأنه جمع، والمراد بالضمير: المولى الثاني؛ لأن المراد به (٢) الكافر، وأما الأول فالمراد به: المؤمن. والمعنى: يوم لا يغني مولى مؤمن عن مولى كافر شيئًا من عذاب الله،

стр. 12107

وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ توكيد لقوله: ﴿لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، فالمعنى: لا ينصر المؤمن الكافر، ولو كان بينهما في الدنيا علقة من قرابة، أو صداقة، أو غيرهما كما أشار إليه القرطبي. ٤٢ - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَـ﴾ ـه ﴿اللَّهُ﴾ بالعفو عنه، وقبول الشفاعة في حقه، وهم المؤمنون، ومحله الرفع على البدل من ﴿الواو﴾ في ﴿يُنْصَرُونَ﴾، كما في "المختار"، أو النصب على الاستثناء ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا ينصر من أراد تعذيبه كالكفار ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن أراد أن يرحمه كالمؤمنين. والمعنى: أي إن هذا اليوم الذي يفصل الله فيه بين خلقه، فيحق الحق ويبطل الباطل لآت لا محالة، وهو وقت حسابهم وجزائم على ما كسبت أيديهم من خير، أو شر، ونحو الآية قوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، ثم وصف أهوال هذا اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى﴾ إلخ؛ أي: إن هذا يوم تنقطع فيه الأسباب بابن آدم، فلا تنفع الناس إلا أعمالهم، فمن أصاب خيرًا في دنياه سعد به، ومن أصاب شرًا شقي به، ولا يغني القريب عن القريب، ولا يدفع عنه شيئًا من عذاب الله، ولا يجد الناصر الذي يقيه ذلك العذاب. وقصارى ذلك: لا يفيد المؤمن الكافر، ولا ينصره ولو كان بينهما في الدنيا علقة من قرابة أو صداقة أو غيرهما، ونحو الآية قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾؛ أي: لكن من رحمه الله تعالى، فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه، ولا إلى ناصر ينصره، قاله الكسائي على أن الاستثناء منقطع، وقيل: متصل، والمعنى: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون، إنه سبحانه هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته. ٤٣ - ثم لما وصف يوم الفصل، ذكر بعده وعيد الكفار، فقال: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾ وقرىء بكسر الشين، هي على صورة شجرة الدنيا، لكنها في النار،

стр. 12108

والزقوم ثمرها، وهو في الأصل كل طعام ثقيل، وشجرة الزقوم هي الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها، فأكلوا منها قال في "القاموس": هي شجرة بجهنم، وطعامُ أهل النار. وفي "عين المعاني": شجرة في أسفل النار مرتفعة إلى أعلاها، وما من دركة إلا وفيها غصن منها انتهى. فتكون هي في الأصل نظير طوبى في الأعلى. وفي "كشف الأسرار": شجرة الزقوم على صورة شجرة الدنيا لكنها من النار، والزقوم ثمرها، وهو ما أكل بكره شديد، وقيل: كل طعام ثقيل فهو زقوم كما مر. وفي "إنسان العيون": لا تسلط لجهنم على شجرة الزقوم، فإن من قدر على خلق من يعيش في النار ويلتذ بها كالسمندل، فهو أقدر على خلق الشجر في النار، وحفظه من الإحراق بها. وقد قال عبد الله بن سلام ﵁: إنها تحيا باللهب كما تحيا شجرة الدنيا بالمطر، وثمر تلك الشجرة مر له زفرة، انتهى و ﴿شَجَرَتَ﴾ ترسم بالتاء المجرورة، ووقف عليها أبو عمرو بالهاء، وكذا ابن كثير والكسائي، ووقف الباقون بالتاء على الرسم ٤٤ - ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ خبر ﴿إنّ﴾؛ أي: غذاء الأثيم؛ أي: الكثير الإثم والمراد به (١): الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه، يعني: أنهم أجمعوا على أن المراد بقوله: ﴿لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ هم الكفار، وبقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ المؤمنون، وكذا دل عليه قوله فيما سيأتي ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ ٤٥ - ﴿كَالْمُهْلِ﴾ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو كالمهل. وعن النبي ﷺ في تفسير المهل: كعكر الزيت، وهو درديه فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه، أخرجه الترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من حديث رشد بن سعد، وقد تكلم فيه من غير حفظه، وشبه بالمهل في كونه غليظًا أسود وقال بعضهم: المهل ما يمهل في النار حتى يذوب، كالحديد، والرصاص والصفر ونحوها. وشبه الطعام بالنحاس، أو الصفر المذاب في الذوب ونهاية الحرارة، لا في الغليان، وإنما يغلي ماشبه به، وجملة قوله: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ حال من الطعام، ٤٦ - وقوله: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ صفة مصدر

стр. 12109

محذوف؛ أي: حال كون ذلك الطعام يغلي، ويفور في بطون الكفار غليانًا كغليان الماء الحار، الذي انتهى حره وغليانه لشدة حرارته وكراهية المعدة إياه، والغلي والغليان: التحرك والارتفاع. وفي الحديث: أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرةً من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن هو طعامه وليس له طعام غيره". أخرجه الترمذي عن ابن عباس، وقال حديث حسن صحيح. وقال الحسن (١): ﴿كالمهل﴾ بفتح الميم لغة فيه، وقرأ الجمهور وعمرو بن ميمون وأبو رزين والأعرج وأبو جعفر وشيبة وطلحة: ﴿تغلي﴾ بالتاء الفوقية، على أن الفاعل ضمير يعود على الشجرة، والجملة خبر ثان، أو حال، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي تغلي غليًا مثل غلي الحميم، وهو الماء المسخن الذي يتطاير من غليانه، وقرأ مجاهد وقتادة والحسن وابن كثير وابن عامر وحفص وابن محيصن وورث عن يعقوب: ﴿يَغْلِي﴾ بالياء التحتانية، على أن الفاعل ضمير يعود على الطعام، ولا يصح أن يكون الضمير عائدًا إلى المهل؛ لأنه مشبه به، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل. والمعنى (٢): أن الزقوم وهو ثمر هذه الشجرة التي في الجحيم طعام للكافر، الكثير الذنوب والآثام، يشبه المهل؛ أي: دردي الزيت الأسود، يغلي في بطون الكفار كغلي الماء المسخن، البالغ نهاية الحرارة، ٤٧ - وقوله: ﴿خُذُوُه﴾ على تقدير القول، والخطاب للزبانية؛ أي: يقال للزبانية يوم القيامة: خذوا الأثيم، فلا يأخذونه إلا بالنواصي والأقدام ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾؛ أي: جروه بالعنف والقهر، فإن العتل الأخذ بمجامع الثوب ونحوه، وجره بقهر وعنف ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: إلى وسطها قاله ابن عباس، أو إلى معظمها الذي تستوي المسافة إليه من جميع جوانبه، قاله الحسن. وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بكسر التاء،

стр. 12110

وقرأ زيد بن علي وابن كثير وابن عامر: بضم التاء وهما لغتان، والخلاف عن الحسن وقتادة والأعرج وأبي عمرو ٤٨ - ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ (١) وصب الماء إراقته من أعلى، والعذاب ليس بمصبوب؛ لأنه ليس من الأجسام المائعة، فكان الأصل يصب من فوق رؤوسهم الحميم، كما هو القراءة في سورة الحج، والمصبوب في الحقيقة هو الحميم، فتارة اعتبرت الحقيقة كما في سورة الحج، وتارةً اعتبرت الاستعارة كما هنا، فقيل: يصب من فوق رؤوسهم العذاب، وهو الحميم؛ لأنه أذم، وأهيب من الحميم، فقد صب ما تولد عنه من الآلام والعذاب، فعبر بالمسبب عن السبب؛ لأن العذاب هو المسبب عن الحميم، ولفظة العذاب أهول وأهيب، وزيد من للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان؛ أي: إلى عذاب هو الحميم. ويروى: أن الكافر إذا دخل النار يطعم الزقوم، ثم إن خازن النار يضربه على رأسه بمقمعة، يسيل منها دماغه على جسده، ثم يصب الحميم فوق رأسه، فينفذ إلى جوفه فيقطع الأمعاء والأحشاء ويمرق من قدميه. ٤٩ - وقولوا له على سبيل الاستهزاء والتهكم والتقريع: ﴿ذُقّ﴾ أيها الأثيم هذا العذاب المذل المهين ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في نظرك ﴿الْكَرِيمُ﴾ عند قومك؛ أي: وقولوا له ذلك استهزاءً به، وتقريعًا له على ما كان يزعمه، من أنه عزيز كريم، فمعناه: أنت الذليل المهان. وقيل: إن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : ما بين جبلي مكة أعز وأكرم منى، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك، أن تفعل بي شيئًا، فوردت الآية وعيدًا له ولأمثاله، عجبًا كيف أقسم بالله تعظيمًا له، ثم نفى الاستطاعة عنه، مع أن الرسول ﵇ كان لا يدعو ربا سواه، فالكلام المذكور من حيرة الكفر وحكم الجهل وتعصب النفس، كما قالوا: أمطر علينا حجارة من السماء، وفي لفظ الذوق إشارة إلى أنه كان معذبًا في الدنيا، ولكن لما كان في نوم الغفلة،

стр. 12111

وكثافة الحجاب، لم يكن ليذوق ألم العذاب، فلما مات انتبه، وذاق ألم ما ظلم به نفسه، وقرأ الجمهور: ﴿إِنَّكَ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب على المنبر، والكسائي بفتحها؛ أي: لأنك. قال الفراء: أي بهذا القول الذي قلته في الدنيا اهـ. والمعنى: أي ذق هذا الذل والهوان اليوم، فإنك كنت تزعم أنك أنت العزيز الكريم، وها هو ذا، قد تبين لك أنك أنت الذليل المهين، فأين ما كنت تقول وتدعي من العز والكرامة، فهلا تمتنع من العذاب بعزتك ٥٠ - ﴿إِنَّ هَذَا﴾ العذاب الذي تعذبون به ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾؛ أي: تشكون في الدنيا، أو تمارون فيه؛ أي: تجادلون بالباطل؛ أي: العذاب الذي كنتم تشكون فيه في الدنيا فتختصمون فيه ولا توقنون به، فقد لقيتموه فذوقوه، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ والجمع باعتبار المعنى؛ لأن المراد: جنس الأثيم. ٥١ - ولما ذكر حال الكفار .. أعقبه بحال المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: عن الكفر والمعاصي وهم المؤمنون المطيعون ﴿فِي مَقَامٍ﴾؛ أي: في موضع قيام. والمراد (١): المكان على الإطلاق، فإنه من الخاص الذي شاع استعماله في معنى العموم، يعني أنه عام، ومستعمل في جميع الأمكنة حتى قيل لموضع القعود. مقام وإن لم يقم فيه أصلًا؛ أي: في مكان ﴿أَمِينٍ﴾ يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه، على أن وصف المقام بالأمن من المجاز في الإسناد، كما في قولهم: جرى النهر، فالأمن ضد الخوف، والأمين بمعنى ذي الأمن. وأشار الزمخشري إلى وجه اخر، وهو أن الأمين من الأمانة التي هي ضد الخيانة، وهي في الحقيقة صفة صاحب المكان، لكن وصف به المكان بطريق الاستعارة التخييلية، كان المكان المخيف يحزن صاحبه ونازله، بما يلقى فيه من المكاره، أو كناية؛ لأن الوصف إذا أثبت في مكان الرجل، فقد أثبت له، لقولهم

стр. 12112

المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه، كما في "بحر العلوم". قال أهل السنة: كل من اتقى الشرك، صدق عليه أنه متق، فيدخل الفساق في الوعد، يقول الفقير: الظاهر أن المطلق مصروف على الكامل بقرينة أن المقام مقام الامتنان، والكامل والمؤمن المطيع كما أشرنا إليه في عنوان الآية، نعم يدخل العصاة فيه انتهاءً وتبعيةً لا ابتداءً وأصالة. كما يدل عليه الوعيد الوارد في حقهم، وإلا لاستوى المطيع والعاصي، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ عفا الله عنا وعنكم أجمعين. وقرأ عبد الله بن عمر وزيد بن علي وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وقتادة ونافع وابن عامر (١): ﴿في مقام﴾ بضم الميم، وقرأ أبو رجاء وعيسى ويحيى والأعمش وباقي السبعة: بفتحها، وعلى القراءة الأولى هو موضع الإقامة، وعلى القراءة الثانية هو موضع القيام، قاله الكسائي وغيره، وقال الجوهري: قد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام. ٥٢ - وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ وأنهار، بدل من ﴿مَقَامٍ﴾، أو بيان له، أو خبر ثان جيء به دلالةً على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب، والمراد (٢) بالعيون: الأنهار الجارية، والتنكير فيهما للتعظيم، ٥٣ - وقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ خبر ثان أو ثالث، أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، والسندس ما رقَّ من الحرير، يجري مجرى الشعار لهم، وهو اللين من الدثار في المعتاد، والإستبرق ما غلظ منه وصفق نسجه، يجري مجرى الدثار، وهو أرفع نوع من أنواع الحرير، والحرير نوعان: نوع كلما كان أرق كان أنفس، ونوع: كلما كان أرزق بكثرة الإبريسم كان أنفس، يقول الفقير: يحتمل عندي أن يكون السندس لباس المقربين، والإستبرق لباس الأبرار يدل عليه أن شراب المقربين هو التسنيم الخالص، وشراب الأبرار هو الرحيق الممزوج به.

стр. 12113

وفي "فتح الرحمن": إن قلت: كيف وعد الله تعالى أهل الجنة بلبس الإستبرق، وهو غليظ الديباج، مع أن غليظه عند السعداء، من أهل الدنيا عيب ونقص؟ قلت: غليظ ديباج الجنة لا يشابه غليظ ديباج الدنيا حتى يعاب، كما أن سندس الجنة وهو رقيق الديباج، لا يشابه سندس الدنيا. وقيل: إن السندس لباس سادة أهل الجنة، والإستبرق لباس خدمهم إظهارًا لتفاوت الرتب انتهى. وقرأ ابن محيصن (١): ﴿واستبرق﴾ جعله فعلًا ماضيًا. وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَلْبَسُونَ﴾؛ أي: حال كونهم متقابلين في المجالس. ليستأنس بعضهم ببعض. ومعنى متقابلين: متواجهين لا ينظر (٢) بعضهم إلى قفا بعض، لدوران الأسرة بهم، فهو أتم للأنس. وقال بعضهم: معناه: متقابلين بالمحبة، غير متدابرين بالبغض والحسد؛ لأن الله ينزع من صدورهم الغل وقت دخولهم الجنة، فإن قلت: المقصود من جلوسهم متقابلين: استئناس بعضهم ببعض، والجلوس على هذه الصفة موحش؛ لأنه يكون كل واحد منهم مطلعًا على ما فيه الاخر، فقليل الثواب إذا اطلع على حال كثيره .. تنغص. والجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا، اهـ "كرخي". ٥٤ - والكاف، في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إما صفة لمصدر محذوف مع فعله؛ أي: أثبناهم إثابةً مثل المذكور، أو نفعل بالمتقين فعلًا مثل ذلك المذكور، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك، والأول أولى ليعطف عليه، قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾؛ أي: قرناهم بهن، فيتمتعون تارةً بمؤانسة الإخوان ومقابلتهم، وتارةً بملاعبة النسوان من الحور العين، ومزاوجتهن، فليس المعنى: حصول عقد النكاح بينهم وبين الحور، فإن التزويج بمعنى العقد لا يتعدى بالباء، كما جاء في التنزيل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وإذا لم يكن عقد التزويج يقال: زوجناك بها، بمعنى كنت فردًا فقرناك بها؛ أي: جعلناك شفعًا بها، والله سبحانه

стр. 12114

وتعالى جعلهم اثنين ذكرًا وأنثى، وقال في "المفردات": لم يجىء في القرآن زوجناهم حورًا، كما يقال: زوجته امرأةً تنبيهًا على أن ذلك لم يكن على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكح انتهى. ثم الحور جمع الحوراء، وهي البيضاء، والعين جمع العيناء، وهي العظيمة العينين، فالحور هي النساء النقيات البياض، يحار فيهن الطرف لبياضهن وصفاء لونهن، واسعات الأعين حسانها، أو الشديدات بياض الأعين الشديدات سوادها. وحاصل معنى الآيات: أن (١) المتقين لله في الدنيا الخائفين عقابه، المنتظرين فضله وثوابه، يكونون في الآخرة في مجالس يأمنون فيها من الموت، ومن كل ما يحزنهم ويصيبهم من الآفات والآلام. وقد ذكر سبحانه من ضروب نعيمهم خمسة ألوان: ١ - مساكنهم، كما قال: ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ والمسكن يطيب بأمرين: الأول: أن يكون من فيه آمنًا من جميع ما يخافه ويحذر منه، وهو المقام الأمين. الثاني: أن يكون فيه أسباب النزهة من الجنات والعيون. وذلك قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾. ٢ - ملابسهم، وهي التي عناها سبحانه بقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. ٣ - استئناس بعضهم ببعض بجلوسهم على جهة التقابل، وهو ما أشار إليه بقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾. ٤ - الأزواج كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾.

стр. 12115

٥ - ٥٥ المآكل، كما قال: ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: يطلبون ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنات ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾؛ أي: يأمرون بإحضار ما يشتهونه من الفواكه، لا يتخصص شيء منها بمكان ولا زمان، وذلك لا يجتمع في الدنيا، يعني: أن فواكه الدنيا لا توجد في كل مكان، ولها أزمنة مخصوصة، لا تستقدمها ولا تستأخرها، وقوله: ﴿آمِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: حال كونهم آمنين من كل ما يسوءهم أيا كان، خصوصًا الزوال والانقطاع، وتولد الضرر من الإكثار، وحجاب القلب، كما يكون في الدنيا فيكونون في الصورة مشغولين بالحور العين، وبما يشتهون من النعيم، وبالقلوب متوجهين إلى الذات العلية، مشاهدين لها. والمعنى (١): يطلبون ما يشتهون من أنواع الفاكهة، وهم آمنون من انقطاعها، ومن غائلة أذاها ومكروهها، فهي ليست كفاكهة الدنيا التي نأكلها، ونخاف مكروه عاقبتها، أو نخاف نفادها في بعض الأحايين. ٥٦ - وبعد أن وصف ما هم فيه من نعميم مقيم، بين أن حياتهم في هذا النعيم دائمة، لا يلحقها موت ولا فناء، فقال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾؛ أي: في الجنات ﴿الْمَوْتَ﴾ أبدًا ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ التي ذاقوها في الدنيا، وقرأ (٢) عبيد بن عمير ﴿لا يذاقون﴾ مبنيًا للمفعول، والموت والموتة: مصدران من فعل واحد، كالنفخ والنفخة، إلا أن الموتة أخص من الموت؛ لأن الموتة للوحدة والموت للجنس، فيكون بعضًا من جنس الموت، وهو فرد واحد، ونفي الواحدة أبلغ من نفي الجنس، فكانت أقوى وأنفى في نفي الموت عن أنفسهم، كأنه قال: لا يذوقون فيها شيئًا من الموت يعني: أقل ما ينطلق عليه اسم الموت، كما في "بحر العلوم"، والاستثناء (٣) منقطع؛ أي: لا يذوقون الموت في الجنة لكن الموتة الأولى قد ذاقوها قبل دخول الجنة، فعيشتهم المرضية مقارنة للحياة الأبدية، بخلاف أهل النار، فإنه لا عيشة لهم، وكذا لا يموتون فيها، ولا يحيون، ويقال:
следующие страницы →