← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

حدثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمَّد عن قول الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت مكلل بالجواهر والزبرجد، وقال ابن أبي نجيح وعن مجاهد: في ظلل من الغمام قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيه حين تاهوا. والقول الأسلم (١) الذي عليه سلف الأمة وأعلام أهل السنة في آيات الصفات وأحاديثها: الإيمان والتسليم لما جاء فيها من الصفات، فيجب علينا الإيمان بظاهرها، وأن نؤمن بها كما جاءت، ونكل علمها إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ ، مع الإيمان والاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن سمات الحدوث، وعن الحركة والسكون. قال الكلبي: هذا من الذي لا يفسر، وقال سفيان بن عيينه: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله. وكان الزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها: اقرؤوها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، هذا مذهب أهل السنة، ومعتقد سلف الأمة، وأنشد بعضهم في المعنى: عَقِيْدَتُنَا أَنْ لَيْسَ مِثْلُ صِفَاتِهِ ... وَلاَ ذَاتِهِ شَيءٌ عَقِيْدَةُ صَائِبِ نُسَلِّمُ آيَاتِ الصِّفَاتِ بِأَسْرِهَا ... وَأَخْبَارَهَا للظَّاهِرِ المُتَقَارِبِ وَنُؤْيِسُ عَنْهَا كُنْهَ فَهْمِ عُقُوْلِنَا ... وَتَأْوِيْلُنَا فِعْلُ اَللَّبِيْبِ الْمُغَالِبِ وَنَرْكَبُ لِلتَسْلِيْمِ سُفْنًا فَإِنَّهَا ... لِتَسْلِيْمِ دِيْنِ الْمَرْءِ خَيْرُ الْمَركَبِ والظلل: جمع (٢) ظلة كقلة وقلل، وهي ما أظلك، وقرأ قتادة، ويزيد بن القعقاع ﴿ظلال﴾ كقلال، والغمام: السحاب الأبيض، وقرأ يزيد (٣) أيضًا

стр. 1262

﴿والملائكةِ﴾ بالجر عطفًا على ﴿الْغَمَامِ﴾ أو على ﴿ظُلَلٍ﴾. قال الأخفش: والملائكة بالخفض بمعنى: وفي الملائكة، قال: والرفع أجود، وقال الزجاج: التقدير في ظلل من الغمام، ومن الملائكة. والمعنى: هل ينتظرون إلا أن يأتيهم بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة؟. وقوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: معطوف على ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾، داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه، فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جيء بها للدلالة على أن مضمونها واقع لا محالة؛ أي: وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم. وقرأ معاذ بن جبل شذوذًا: ﴿وقضاء الأمر﴾ بالمصدر عطفًا على الملائكة، وقرأ يحيى بن يعمر شذوذًا أيضًا: ﴿وقضى الأمور﴾ بالجمع؛ أي: فهل ينتظرون إلا أن يُقضى الأمر بين الخلائق، ويفصل بينهم بأخذ الحقوق لأربابها، وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته، إما في الجنة وإما في النار، وذلك يوم القيامة. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يوم النشور؛ أي: ترد إليه أمور الخلائق وشؤونهم؛ ليقضي بينهم القضاء الفاصل، ويجازي كلًّا على عمله. فإن قلتَ (١): هل كانت الأمور ترجع إلى غيره تعالى؟. قلت: إن أمور جميع العباد ترجع إليه في الدنيا والآخرة، ولكن المراد من هذا: إعلام الخلق بأنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب. وفيه جواب آخر، وهو أنه لمّا عبد قوم غيره تعالى في الدنيا .. أضافوا أفعاله تعالى إلى طاغوتهم، فإذا كان يوم القيامة، وانكشف الغطاء .. ردوا إلى الله أضافوه إلى غيره في الدنيا. وقرأ ابن كثير (٢)، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم على البناء للمفعول على أنه بمعنى: ترد، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي على البناء للفاعل بالتأنيث على

стр. 1263

أنه بمعنى: تصير، وقرىء أيضًا بالتذكير، وبناء المفعول. ٢١١ - ﴿سَلْ﴾ يا محمَّد ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: أولاد يعقوب الحاضرين منهم توبيخًا لهم وتقريعًا ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: أيُّ عدد أعطيناهم ﴿مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: من معجزة واضحة، وحجج باهرة تدل على صدق أنبيائهم؛ أي: سلهم كم من المعجزات أعطينا لموسى نبيهم تدل على صدقه؟ كيَده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربه الحجر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك، فبدلوها كفرًا؛ أي: أخذوا بدل موجبها وهو الإيمان كفرًا، فاستوجبوا العقاب من الله تعالى، فإنكم لو زللتم عن آيات الله تعالى .. لوقعتم في العذاب كما وقع أسلافكم فيه، وهذا تسلية لرسول الله ﷺ ؛ أي: فلا غرابة في عدم إيمانهم بك، فإننا آتيناهم آيات بينات على يد موسى، فلم يؤمنوا ولم ينقادوا ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: ومن يغير آيات الله الباهرة الدالة على نبوة محمَّد ﷺ بالكفر؛ أي: بدل موجبها الذي هو الإيمان بها بالكفر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾؛ أي: من بعد ما وصلت إليه وعرفها، أو المعنى: ومن يغير دين الله وكتابه بالكفر من بعد ما جاء به محمد ﷺ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له فيعاقبه أشد عقوبة؛ لأنه ارتكب أشد جريمة، وفي هذا من الترهيب والتخويف ما لا يقادر قدره. وقال ابن جرير الطبري (١): النعمة هنا الإِسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنًا من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها، ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: حسنت (٢) في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا فيها، وأعرضوا عن غيرها، والمزين لهم في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة ﴿زيَّن﴾ بالبناء

стр. 1264

للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهوية مزين بالعرض، وإنما لم (١) يلحق الفعل علامة التأنيث لكونه مؤنثًا مجازيًا، وحسن ذلك الفصل، وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا: ﴿زينت﴾ بالتأنيث مراعاة للفظ، وقرأ مجاهد، وأبو حيوة شذوذًا أيضًا ﴿زَين﴾ - بفتح الزاي مبنيًّا للفاعل، الحياة مفعول، والفاعل هو الله تعالى، والمعتزلة (٢) يقولون: إنه الشيطان، وهذا تأويل ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يتناول جميع الكفار، فيدخل فيه الشيطان وغواة الجن والإنس، وإن كلهم مزين لهم، وهذا المزين لا بد وأن يكون مغايرًا لهم، فثبت بهذا ضعف قول المعتزلة. وقيل: إن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا حتى أقبلوا عليها وأحبوها، فكان هذا الإمهال هو التزيين. قيل: نزلت هذه الآية (٣) في مشركي العرب، أبي جهل وأضرابه؛ لأنهم كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويكذبون بالمعاد، وقيل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: نزلت في رؤساء اليهود، ويحتمل أنها نزلت في الكل ﴿و﴾ هم ﴿يسخرون من الذين آمنوا﴾ ويستهزؤون بفقراءهم بضيق معيشتهم، قال ابن عباس ﵄: مثل عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، ونظرائهم ﵃، وقيل: كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمَّد أنه يغلب بهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عن الشرك، وعن الدنيا الشاغلة عن الله تعالى، وهم فقراء المؤمنين ﴿فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: فوق الكفار حسًّا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأن المؤمنين في عليين، والكافرين في سجين، والمعنى: لأنهم في أوج الكرامة، وهم في حضيض المذلة، ولأن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا.

стр. 1265

وعن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلّ جواظ جعظري مستكبر". متفق عليه. العتل: الفظ الغليظ الشديد في الخصومة، الذي لا ينقاد لخير، والجواظ: الفاجر المختال في مشيته، وقيل: هو القصير البطين، والجعظري: الفظ الغليظ، وقيل: هو الذي يتمدح بما ليس فيه أو عنده. وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء". متفق عليه. الجَد - بالفتح -: الحظ والغنى وكثرة المال. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: والله يعطي من يشاء من عباده في الدنيا من مؤمن أو كافر، أو في الآخرة لمؤمن رزقًا واسعًا ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: رزقًا لا حساب فيه، ولا عد ولا ضبط لكثرته، فلا يضبطه عد، ولا كيل، ولا وزن من غير تكلف من المرزوق، ومن حيث لا يحتسب، وقد أغنى الله المؤمنين بما أفاض عليهم من أموال صناديد قريش، ورؤساء اليهود حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، ولكن البسط في الدنيا لا يخلو: إما من الاستدراج، أو من الابتلاء. الإعراب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ﴿وَمِنَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿من الناس﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَن﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿يُعْجِبُكَ﴾: فعل ومفعول. ﴿قَوْلُهُ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿من﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير في ﴿قَوْلُهُ﴾. ﴿الْحَيَاةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾، أو بـ ﴿القول﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.

стр. 1266

﴿وَيُشْهِدُ﴾ الواو: عاطفة، أو حالية، ﴿يشهد﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعْجِبُكَ﴾ على كونها صلة الموصول، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿يُعْجِبُكَ﴾. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يشهد﴾. ﴿فِي قَلْبِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها؛ تقديره: على ما استقر في قلبه. ﴿وَهُوَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة يشهد على كونها حالًا من فاعل ﴿يُعْجِبُكَ﴾، أو معطوفة على جملة ﴿يُعْجِبُكَ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ الواو: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿تَوَلَّى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ﴾، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿سَعَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ﴾، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرط وجوابها مستأنفة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَعَى﴾. ﴿لِيُفْسِدَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يفسد﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، تقديره: لإفساده فيها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَعَى﴾. ﴿وَيُهْلِكَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿يهلك﴾: معطوف على ﴿يفسد﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿الحَرْثَ﴾: مفعول به. ﴿وَالنَّسْلَ﴾: معطوف على ﴿الْحَرْثَ﴾، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من ﴿يفسد﴾؛ تقديره: ولإهلاكه الحرث والنسل.

стр. 1267

﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿الْفَسَادَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ الواو: عاطفة جملة على جملة، أو استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغيَّرا الصيغة ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قِيلَ﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، وإن شئت قلت: ﴿اتَّقِ﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ تقديره: أنت. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والتاء علامة تأنيث الفاعل. ﴿بِالْإِثْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الْعِزَّةُ﴾؛ تقديره: حالة كونها ملتبسة بالإثم، أو حال من المفعول؛ تقديره: حال كونه ملتبسًا بالإثم، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿يُعْجِبُكَ﴾ على كونها صلة الموصول، أو مستأنفة. ﴿فَحَسْبُهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت أنه إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك: ﴿حسبه جهنم﴾، ﴿حسبه﴾: ﴿الحسب﴾: مبتدأ، و ﴿الهاء﴾: مضاف إليه. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الواو: استئنافية، أو حرف قسم، والمقسم به محذوف؛ تقديره ﴿والله﴾، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف؛ تقديره: أقسم والله، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿بئس﴾: فعل ماضٍ من أفعال الذم. ﴿الْمِهَادُ﴾: فاعل، وجملة ﴿بئس﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر للمبتدأ المحذوف وجوبًا؛ لكونه مخصوصًا بالذم؛ تقديره:

стр. 1268

جهنم، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الواو: عاطفة، أو استئنافية، ﴿من الناس﴾: جار ومجرور، خبر مقدم. ﴿مَن﴾ اسم موصول، أو موصوف في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾، أو مستأنفة. ﴿يَشْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿نَفْسَهُ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿مَن﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل. ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول لأجله، وهو مضاف. ﴿مَرْضَاتِ﴾: مضاف إليه، وهو مضاف. ﴿الله﴾: مضاف إليه. ﴿وَاللَّهُ﴾ والواو: استئنافية. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿رَءُوفٌ﴾: خبر. ﴿بِالْعِبَادِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾. ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أي: من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي السِّلْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿كَافَّةً﴾: حال من ﴿السِّلْمِ﴾، و ﴿السلم﴾ يذكر ويؤنث؛ فلذلك أنث الحال منها، فقيل كافة، ولم يقل كافًّا. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾: ﴿إنَّ﴾: حرف نصب

стр. 1269

وتوكيد، و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾ وهو: خبر ﴿إن﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة له، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة. ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أمرنا إياكم بالدخول في السلم كافة، ونهينا إياكم عن اتباع خطوات الشيطان، وأردتم بيان حالكم فيما إذا خالفتم الأمر والنهي .. فأقول لكم: ﴿إن زللتم﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿زَلَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿زَلَلْتُمْ﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، و ﴿التاء﴾ علامة تأنيث الفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ تقديره: فإن زللتم من بعد مجيء البينات إياكم .. فاعلموا. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾؛ تقديره: فاعلموا كون الله عزيزًا حكيمًا. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾. ﴿هَلْ﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾، والجملة صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع

стр. 1270

صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: هل ينتظرون إلا إتيان الله إياهم. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يأتي﴾. ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿ظلل﴾؛ تقديره: في ظلل كائنة من الغمام. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الواو: عاطفة. ﴿قضي الأمر﴾: فعل مغيَّر ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يأتي﴾. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إلى الله﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُرْجَعُ﴾. ﴿تُرْجَعُ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة. ﴿الْأُمُورُ﴾: نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾. ﴿سَلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿بَنِي﴾: مفعول أول لـ ﴿سَلْ﴾ منصوب بـ ﴿الياء﴾، وهو مضاف. ﴿إِسْرَائِيلَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة. ﴿كَمْ﴾: استفهامية بمعنى: أي عدد، أو خبرية بمعنى: عدد كثير، معلقة لـ ﴿سَلْ﴾ عن العمل فيما بعدها في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿آتيناهم﴾ مقدم عليه وجوبًا؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام؛ تقديره: آتيناهم أي عدد، أو أتيناهم عددًا كثيرًا، وإنما عُلِّق (١) سل عن العمل فيما بعده مع أنه ليس من أفعال القلوب، قالوا: لأنه سبب للعلم، والعلم يعلق، فكذلك سببه، فأجري المسبب مجرى المسبب، والتعليق هو إبطال العمل لفظًا لا محلًّا، كقولهم: ظننت لزيد قائم وعمرًا جالسًا. ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول؛ لأن أتى بمعنى أعطى، فيتعدى إلى مفعولين، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ من الفعل والفاعل سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿سَلْ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة، زيدت ليعلم أن مدخولها مميز لا مفعول ثانٍ لـ ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: تمييز لـ ﴿كَمْ﴾ منصوب بفتحة مقدرة. ﴿بَيِّنَةٍ﴾: صفة له. ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

стр. 1271

﴿وَمَنْ﴾ الواو: اسئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يُبَدِّلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُبَدِّلْ﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿جَاءَتْهُ﴾: فعل ومفعول، والتاء علامة تأنيث الفاعل. وفاعله ضمير يعود على ﴿نِعْمَةَ﴾، والجملة من الفعل والفاعل صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف؛ تقديره: من بعد مجيئها إياه. ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ وجوبًا، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿شَدِيدُ﴾: خبرها. ﴿الْعِقَابِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿الْحَيَاةُ﴾: نائب فاعل. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة له، والجملة من الفعل المغيَّر ونائبه مستأنفة. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿يسخرون﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿زُيِّنَ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يسخرون﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: عاطفة. ﴿الذين﴾: مبتدأ. ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فَوْقَهُمْ﴾: ظرف مكان ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف وجوبًا، خبر المبتدأ؛ تقديره: والذين اتقوا كائنون فوقهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿يسخرون﴾. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف زمان ومضاف إليه، والظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف المذكور قبله. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَرْزُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.

стр. 1272

﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: يشاءه. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَرْزُقُ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ هو من أعجب الرباعي، يقال: أعجبني كذا؛ أي: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه، والتعجب: انفعال يحدث في النفس عند شعورها بأمر خفي سببُهُ، ولذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، والإعجاب: استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له، وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسب الشيء. ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. أَلَدُّ: صفة مشبهة من اللدد، وهو شدة الخصومة، يقال: لددت لددًا ولدادةً، ورجل ألد، وامرأة لداء الخِصَامِ، إما مصدر لخاصم على حد قول ابن مالك: لِـ (فَاعَلَ) الفِعَالُ وَالمُفَاعَلاَ ... وَاجْعَلْ مَقِيْسًا ثَانِيًا لاَ أَوَّلاَ وعلى هذا فالإضافة على معنى في والمعنى: شديد في خصومته، وإما جمع خصم كصعب وصعاب، وكلب وكلاب، وبحر وبحار، وكعب وكعاب؛ والمعنى: أشد المخاصمين في الخصومة. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ وفي "المختار" الحرث: الزرع، سمي الزرع حرثًا؛ لأنه يزرع، ثم يحرث، يقال: حرث يحرث حرثًا، من باب نصر، والحراث الزراع، وهو هنا بمعنى المحروث ﴿وَالنَّسْلَ﴾ الولد، يقال: نسل نسلًا - من باب ضرب - إذا كثر نسله، وسمي الولد نسلًا؛ لأنه ينسل؛ أي: يسقط من بطن أمه بسرعة، وهو هنا بمعنى المنسول. ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ والعزة: القوة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه، ومنه ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. وقيل: العزة هنا الحمية، ومنه قول الشاعر: أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ ... فَتَوَلَّى مُغْضَبًا فَعَلَ الضَّجَرْ وقيل: العزة هنا المنعة وشدة النفس، ومعنى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ حملته

стр. 1273

العزة على الإثم. ﴿الْمِهَادُ﴾: جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسميت جهنم مهادًا؛ لأنها مستقر الكفار. ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾؛ أي: يبيع نفسه في مرضاة الله، يقال: شرى المال يشري - من باب رمى - إذا باع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ وقد يكون يشري بمعنى: يشتري، لا بمعنى يبيع ويبذل، وهو المناسب لسبب نزول الآية. ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ والمرضاة: مصدر ميمي بمعنى الرضا، تقول: رضي يرضى رضا ومرضاة، ضد سخط. ﴿فِي السِّلْمِ﴾ بفتح السين وكسرها مع سكون اللام فيهما قال الكسائي: معناهما واحد الإِسلام والمسالمة، وقال أبو عمرو بن العلاء: إنه بالفتح للمسالمة، وبالكسر للإسلام، ورجح الطبري أنه هنا بمعنى الإِسلام. ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى جميعًا، وهو مشتق من قولهم: كففت؛ أي: منعت؛ أي: لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإِسلام، وأصل الكف المنع، ولكن المراد به هنا الجميع كما مر آنفًا. ﴿زَلَلْتُمْ﴾ يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا إذا دحضت قدمه، وأصل الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء، وغير ذلك. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ بالبناء للمفعول وللفاعل، فـ ﴿رجع﴾ يستعمل لازمًا ومتعديًا، فالمبني للمفعول من المتعدي، ومصدره الرجع كالضرب، وهو الرد، والمبني للفاعل من اللازم، ومصدره الرجوع، على حد قول ابن مالك: وَفَعَلَ اللَّازِمُ مِثْلُ قَعَدَا ... لَهُ فُعُوْلٌ بِاطِّرَادٍ كَغَدَا ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أصله: اسأل نقلت حركة الهمزة الثانية التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها، ثم حذفت تخفيفًا، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، فصار وزنه: فل. البلاغة ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ من عطف

стр. 1274

الخاص على العام؛ لأن الإفساد عام يكون بأنواع من الجور والقتل والنهب والسبي والكفر، ويدخل تحته إهلاك الحرث والنسل، وفائدة هذا العطف: الاهتمام بشأن هذا الخاص؛ لأنهما أعظم ما يحتاج إليه في عمارة الدنيا، فكان إفسادهما غاية الإفساد. ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية، وتقريرها أن يقال: شبه حال حمية الجاهل، وحملها إياه على الإثم بحالة شخص له على غريمه حق، فيأخذه به ويلزمه إياه بجامع اللزوم في كل، ثم اشتق من الأخذ بمعنى الحمل أخذ بمعنى حمل على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، وفي قوله: ﴿الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ التتميم، وهو نوع من علم البديع؛ وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس، وتقربها من الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة، فَمِنْ مجيئها محمودة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولو أطلقت .. لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها المحمودة، فقيل ﴿بالإثم﴾ توضيحًا للمراد. فرفع اللبس بها. ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ فهذا من باب التهكم والاستهزاء؛ أي: جعلت لهم جهنم غطاء ووطاء فأكرمهم بذلك كما تكرم الأم ولدها بالغطاء، والوطاء: اللين. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ استفهام إنكاري في معنى النفي بدليل مجيء ﴿إِلَّا﴾ بعدها؛ أي: ما ينظرون، والاستفهام الإنكاري هو حمل المخاطب على الإنكار بأمر عُلِمَ عنده نفيه، والضمير في ﴿يَنْظُرُونَ﴾ عائد على المخاطبين بقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، وفائدة هذا الالتفات: الإشعار بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم، وحكاية جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريق المهانة. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ التنكير فيه للتهويل، فهي في غاية الهول والمهابة؛ لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فيه وضع الماضي موضع المستقبل، والأصل: ويقضي الأمر، وفائدته: الدلالة على أنه محقَّقٌ، فكأنه قد كان كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.

стр. 1275

﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ هذا السؤال ليس للاستعلام؛ لأن محمدًا عالم بجميع الآيات التي أوتوها، فحينئذ لا يحتاج إلى جواب؛ لأن السؤال إذا كان لغير الاستعلام. لا يحتاج إلى الجواب. ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ فيه للاستفهام التقريري، وضابطه هو حمل المخاطب على الإقرار بأمر علم عنده ثبوته، ولا ينافي التبكيت؛ لأن معنى التقرير: الحمل على الإقرار، وهو لا ينافي التقريع والتبكيت. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾؛ أي: من بعد ما عرفها، أو تمكن من معرفتها، وإثبات المجيء للآيات فيه استعارة تصريحية تبعية. فإن قلتَ: من المعلوم أن تبديل الآية لا يصح إلا بعد مجيئها، فَلِمَ صرح به، وما فائدة التصريح به؟ قلت: إنه ربما يوجد التبديل من غير خبرة بالمبدل، أو عن جهل به، فيعذر فاعله، وهؤلاء على خلاف ذلك، والفائدة في التصريح به: التقريع والتشنيع. ذكره في "الكشاف". ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إظهار الاسم الجليل لتربية المهابة، وإدخال الروعة. ٢١٢ - ﴿زُيِّنَ﴾. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ من عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر، فيكون من عطف المفردات؛ لعدم اتحاد الزمان، وأتى بقوله: ﴿زُيِّنَ﴾ ماضيًا؛ للدلالة على أن ذلك قد وقع وفرغ فيه، وبقوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ مضارعًا؛ للدلالة على التجدد والحدوث. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: إيثار الجملة الإسمية؛ للدلالة على دوام مضمونها. والله أعلم * * *

стр. 1276

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: هو أن إصرار هؤلاء على كفرهم؛ هو حب الدنيا، وأن ذلك ليس مختصًّا بهذا الزمان الذي بعثت فيه، بل هذا أمر كان في الأزمنة المتقادمة؛ إذ كانوا على حق، ثم اختلفوا بغيًا وحسدًا، وتنازعًا في طلب الدنيا. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه قال: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، والمراد إلى

стр. 1277

الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة، فبين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف، أو لمّا بين أنه هداهم .. بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق، فكذا أنتم أصحابَ محمَّد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن. قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الصبر على النفقة وبذل المال هو من أعظم ما يتحلى به المؤمن، وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة، حتى لقد ورد: "الصدقة تطفيء غضب الرب". قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: هو أنه لمّا ذكر ما مسَّ مَنْ تقدمنا مِنْ أتباع الرسل من البلايا، وأن دخول الجنة معروف بالصبر على ما يبتلى به المكلف، ثم ذكر الإنفاق على مَنْ ذكر، فهو جهاد النفس بالمال .. انتقل إلى أعلى منه، وهو الجهاد الذي يستقيم به الدين، وفيه الصبر على بذل المال والنفس. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما فرض القتال لم يخص بزمان دون زمان، وكان من العوائد السابقة أن الشهر الحرام لا يستباح فيه القتال، فبين حكم القتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة، وقيل: لمّا أوجب الجهاد بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، وبين أن تركه سبب الوعيد .. أتبع ذلك بذكر من يقوم به، ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويتبعه وعد. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ...﴾ الآية، قال (١) عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة قال: نزلت هذه الآية في غزوة الأحزاب، وهي غزوة

стр. 1278

الخندق حين أصاب النبي ﷺ والمسلمين يومئذ ما أصابهم من الجهد والشدة، والخوف والبرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ...﴾ الآية، أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله ﷺ : أين يضعون أموالهم؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾. وأخرج ابن المنذر عن أبي حيان أن عمرو بن الجموح ﵁ وكان شيخًا كبيرًا ذا مالٍ - سأل النبي ﷺ : ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ...﴾ الآية، أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "سننه" عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ بعث رهطًا، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش - وهو ابن عمته - في جُمادى الآخرة قبل وقعة بدر بشهرين، فلقوا عمرو بن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جُمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ...﴾ الآية. فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا ليس لهم أجر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآية. فأثبت الله لأصحاب هذه السرية جهادًا. التفسير وأوجه القراءة ٢١٣ - ﴿كَانَ النَّاسُ﴾ من لدن آدم إلى نوح ﵉ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: متفقين على الحق والتوحيد، فاختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ويدل على هذا المحذوف - أعني قوله: فاختلفوا - قراءة ابن مسعود التفسيرية، والتي ليست بقرآن بل بتفسير، فإنه قرأ: ﴿كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين﴾. والمراد (١) بالناس: القرون التي بين آدم ونوح؛ وهي عشرة، كانوا على

стр. 1279

الحق حتى اختلفوا، فبعث الله نوحًا فمن بعده. قاله ابن عباس وقتادة. والمعنى: كان الناس الذين بين آدم ونوح أمة متفقة في الدين قائمة على الحق، ثم اختلفوا بسبب الحسد والتنازع في طلب الدنيا، فآمن بعض وكفر بعض، فبعث الله النبيين؛ أي: نوحًا فمَن بعده حالة كونهم ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن بالله بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: مخوِّفين من كفر بالله بالنار، وقدم البشارة؛ لأنها أبهج للنفس، وأقبل لما يُلقي النبي، وقيل (١): جملة الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، والرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون. ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ﴾؛ أي: مع كل واحد منهم ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: كتابه حال كون ذلك الكتاب ملتبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ببيان الحق والتوحيد، أو متعلق بأنزل؛ أي: وأنزل معهم الكتاب بالعدل والصدق (٢)، وقيل: جملة الكتب المنزلة من السماء مئة وأربعة كتب: أنزل على آدم عشر صحائف، وعلى شيث ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى عشر صحائف والتوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمَّد صلى الله وسلم عليه وعليهم القرآن ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الله، أو ذلك الكتاب والنبي المبعوث، والحاكم في الحقيقة هو الله ، وإسناد الحكم إلى الكتاب والنبي مجاز عقلي. ﴿بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أي: في دين الإِسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق عليه أولًا؛ أي: ليحكم الكتاب في الحق الذي اختلف الناس في ذلك الحق، فالكتاب حاكم، والمختلف فيه - وهو الحق - محكوم عليه. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك الحق والدين ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾؛ أي: أعطوا الكتاب مع أن المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا، وأن يرفعوا المنازعة في الدين، فعكسوا الأمر، فجعلوا ما أنزل مزيحًا للاختلاف سببًا لاستحكامه، والمراد (٣) بالكتاب: التوراة والإنجيل، والذين أوتوه اليهود والنصارى، واختلافهم هو تكفير بعضهم بعضًا

стр. 1280

بغيًا وحسدًا، وقيل: اختلافهم هو تحريفهم: وتبديلهم، وقيل: الضمير في (فيه) راجع إلى محمَّد ﷺ ، والمعنى: وما اختلف في أمر محمَّد ﷺ بعد وضوح الدلالات على صحة نبوته ﷺ إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب بغيًا منهم وحسدًا، و ﴿مِنْ﴾ في قوله (١): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿اختلف﴾، وهي وما بعدها - أعني قوله: ﴿بَغْيًا﴾ - مقدم على الاستثناء في المعنى، والاستثناء مفرغ، والمستثنى منه محذوف، والمعنى (٢): وما اختلف في الدين والحق أحد من بعد ظهور الحجج الواضحة، لأجل البغي والحسد الواقع منهم إلا الذين أوتوه، وإنما جعل مقدمًا على الاستثناء؛ لئلا يكون الاستثناء المفرغ متعدِّدًا مع أنه لا يكون كذلك؛ لأنه يصير المعنى حينئذ: إلا الذين أوتوه إلا من بعد ما جاءتهم البينات إلا بغيًا بينهم. وقيل المعنى (٣): وما اختلف في أمر محمَّد ﷺ بعد وضوح الدلالات الواضحة على صحة نبوة محمَّد ﷺ لهم بغيًا وحسدًا إلا اليهود؛ أي: إلا الذين أوتوا الكتاب، وهم علماء اليهود؛ لأن المشركين وإن اختلفوا في أمر محمَّد ﷺ ، فإنهم لم يفعلوا ذلك للبغي والحسد، والحرص على طلب الدنيا، ولم تأتهم البينات في شأن محمَّد ﷺ كما أتت اليهود، فاليهود مخصوصون من هذا الوجه. ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالنبيين ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أي: إلى الدين والحق الذي اختلف فيه من اختلف، وقوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ بيان لما اختلفوا فيه، وفي قراءة شاذة تنسب لعبد الله ﴿لما اختلفوا فيه من الإسلام﴾ ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بإرادته وعلمه ولطفه. قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة فصلت اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى:

стр. 1281

كان نصرانيًّا، فقلنا: إنه كان حنيفًا مسلمًا، واختلفوا في عيسى، فاليهود فرطوا حيث أنكروا نبوته ورسالته، والنصارى أفرطوا حيث جعلوه إلهًا، وقلنا: قولًا عدلًا، وهو إنه عبد الله ورسوله. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله، فغدا لليهود وبعد غد للنصارى". متفق عليه. وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له - زاد النسائي: يعني يوم الجمعة - ثم اتفقا، فالناس لنا تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد". وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة فجعل الله الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا الأولون يوم القيامة المقضي لهم يوم القيامة قبل الخلائق". رواه مسلم. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى طريق الحق الموصل إلى جنات النعيم، وله الحكمة (١) والحجة البالغة، وفي "صحيح" البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". ٢١٤ - ونزل في جهد أصاب المسلمين في غزوة الأحزاب قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ خاطب به النبي ﷺ والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الأمم على

стр. 1282

الأنبياء من بعد مجيء الآيات تشجيعًا لهم على الثبات مع مخالفيهم، و ﴿أَمْ﴾ فيه منقطعة، تفسر بـ ﴿بل﴾ وبهمزة الإنكار؛ أي: بل أظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: والحال أنه لم يصبكم شبه ما أصاب الذين مضوا من قبلكم من الأنبياء وأممهم من الشدائد والمحن، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات، فتصبروا كما صبروا، فإنهم ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها؛ أي: أصابتهم ﴿الْبَأْسَاءُ﴾؛ أي: الخوف والبلايا والشدائد ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾؛ أي: الأمراض والأوجاع والجوع ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ مبني للمجهول حذف الفاعل للعلم به؛ أي: زلزلهم أعداءهم؛ أي: وحركوا بأنواع البلايا والرزايا، وأزعجوا إزعاجًا شديدًا، واستمر ذلك ﴿حَتَّى﴾ تناهى الأمر من الشدائد و ﴿يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر، وقرأ (١) نافع: ﴿يقولُ﴾ بالرفع على أنها حكاية حال ماضية كقولك: مرض حتى لا يرجونه، وقرأ الأعمش شذوذًا: ﴿وزلزلوا ويقول الرسول﴾ بالواو بدل حتى ﴿مَتَى﴾ يأتي لنا ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ الذي وعدناه استبطاء له لتأخره عنهم، ومعناه: طلب النصر، واستطالة زمان الشدة، وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم، وأصبر وأضبط للنفس عند نزول البلاء، وكذا أتباعهم من المؤمنين. والمعنى: أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء، ولم يبق لهم صبر، وذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغ بهم الحال في الشدة إلى هذه الغاية، واستبطؤوا النصر .. قيل لهم من جهة الله تعالى: ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا ﴿إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ﴾ لأوليائه على أعدائه و ﴿قَرِيبٌ﴾ لهم لا بعيد، إجابة لهم إلى ما طلبوا من نصر عاجل، والمعنى (٢): هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله، فكونوا - يا معشر المؤمنين - كذلك، وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، فاصبروا كما صبروا تظفروا.

стр. 1283

والأحسن (١) أن يقال: إن معنى هذا الكلام: فالذين آمنوا قالوا: متى نصر الله؟ ثم رسولهم قال: ألا إن نصر الله قريب. روى البخاري عن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تنصرنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". ٢١٥ - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: ما قدره وما جنسه، والمراد نفقة التطوع، فالآية محكمة لا منسوخة؛ أي: يسألك يا محمَّد أصحابك المؤمنون عن الشيء الذي ينفقونه، هل ينفقون مما تيسر ولو محرمًا، أو يتحرون الحلال؟ وفي الآية حذف سؤال آخر دل عليه الجواب، والتقدير: وعلى من ينفقون، والسؤال عن صدقة التطوع، والسائل عمرو بن الجموح، وكان شيخًا ذا مال، فسأل النبي ﷺ عما ينفق، وعلى من ينفق؟ وإنما جمع في الآية؛ لأن التكليف لكل مسلم، فكان هذا السائل ترجمانًا عن كل مسلم، وإنما اعتني بذلك السؤال لأن الإنسان يوم القيامة ورد أنه يسأل عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد في الجواب ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: من مال قليلًا كان أو كثيرًا، وفي هذا: بيان المنفق الذي هو أحد شقي السؤال المذكور في الآية، وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر الذي سؤاله مطوي في الآية بقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ أي: فمصروف لهما، وإن عَلَيا ﴿و﴾ مصروف لـ ﴿الأقربين﴾ من الأولاد والأخوة والأعمام والعمات، وعطفه على الوالدين من عطف العام على الخاص، وصرح بذكر الوالدين أولًا، وإن دخلا في الأقربين اعتناءً بشأنهما؛ لوجوب حقهما على

стр. 1284

الولد؛ لأنهما كانا السبب في إخراجه من العدم إلى الوجود، وإنما ذكر بعد الوالدين الأقربين؛ لأن الإنسان لا يقدر أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، فتقديم القرابة أولى من غيرهم ﴿و﴾ مصروف لـ ﴿اليتامى﴾ المحتاجين، جمع يتيم، وهو من فقد أباه، وهو دون البلوغ، وإنما ذكر اليتامى بعد الأقربين؛ لصغرهم وعجزهم عن التكسب، ولا لهم أحد ينفق عليهم. ﴿و﴾ مصروف لـ ﴿المساكين﴾ المراد بهم ما يشمل الفقراء، وإنما أخرهم؛ لأن حاجتهم أقل من حاجة غيرهم ﴿و﴾ مصروف لـ ﴿ابن السبيل﴾؛ أي: الغريب المسافر؛ فإنه بسبب انقطاعه عن بلده قد يقع في الحاجة والفقر، فانظر إلى هذا الترتيب الحسن العجيب في كيفية الإنفاق، فالمراد بهذه الآية: من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة .. فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات، فيقدم الأول فالأول في صدقة التطوع. ثم لما فصل الله هذا التفصيل الحسن الكامل .. أتبعه بالإجمال، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ مع هؤلاء أو غيرهم طلبًا لوجه الله تعالى ورضوانه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ أي: عالم به وبنياتكم، فيجازيكم عليه، ويوفي ثوابه لكم. ٢١٦ - ثم قال تعالى مبينًا حكمة مشروعية القتال في الإِسلام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي: فرض وأوجب عليكم - أيها المؤمنون - الجهاد للكفار في أوقات النفير العام مع النبي ﷺ ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾؛ أي: والحال أن القتال شاق عليكم مكروه لكم طبعًا لنفور الطبع عنه؛ لما فيه من مؤنة المال، ومشقة النفس، وخطر الروح والخوف، لا لأنهم كرهوا أمر الله؛ لأن ذلك ينافي كمال تصديقهم؛ لأن معناه كراهة نفس ذلك الفعل ومشقته، كوجع الضرب في الخد، مع كمال الرضا بالحكم والإذعان له. وهو - أعني كرهًا - مصدر أقيم مقام الوصف للمبالغة، أو هو فعل بمعنى مفعول، كالخبز بمعنى المخبوز، وقرىء بالفتح على أنه لغة فيه كالضُعف والضَعف. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾؛ أي: وحق وثبت كراهتكم شيئًا، وهو جميع ما

стр. 1285

كلفوا به كالجهاد، فإن الطبع يكرهه ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أن ذلك الشيء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: مناط صلاحكم وسبب فلاحكم، فإنكم تكرهون الغزو وفيه إحدى الحسنين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾؛ أي: وحق وثبت محبتكم شيئًا، وهو جميع ما نهوا عنه كالقعود عن الغزو، فإن النفس تحبه وتهواه ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أن ذلك الشيء ﴿شَرٌّ لَكُمْ﴾؛ أي: مفضٍ لكم إلى الردى والهلاك الأبدي، فإنكم تحبون القعود عن الغزو، وفيه ذلّكم وفقركم وحرمانكم من الغنيمة والأجر، وطمع العدو فيكم؛ لأنه إذا علم ميلكم إلى الراحة والدعة والسكون .. قصد بلادكم وحاول قتالكم، وإذا علم أن فيكم شهامة وجلادة على القتال .. كفّ عنكم. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه صلاحكم وفلاحكم، فبادروا إلى ما يأمركم به من الجهاد، وإن شق عليكم، ويعلم ما فيه ذلّكم وهلاككم، فانتهوا عما ينهاكم عنه من القعود عن الغزو ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ أي: ما هو خير لكم وما هو شر لكم: لأن عواقب الأمور مغيبة عن علمكم، وفي هذا الكلام: تنبيه على الرضى بما جرت به المقادير، وقال الحسن: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلربّ أمر تكرهه فيه أربك، ولربّ أمر تحبه فيه عطبك، ونزل في سرية بعثها رسول الله ﷺ فقاتلوا المشركين، وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك، فقالت قريش: استحل محمَّد ﷺ الشهر ٢١٧ - الحرام شهرًا يأمن فيه الخائف - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: يسألك يا محمَّد أصحابك عن الشهر الحرام ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدل اشتمال من الشهر الحرام، وقرىء ﴿عن قتال فيه﴾ بتكرير العامل، وقرىء أيضًا بالرفع؛ أي: يسألك أصحابك - يا محمَّد - عن القتال في الشهر الحرام خطأ، أيحل لهم أم لا؟ ﴿قُلْ﴾ لهم - يا محمَّد - في الجواب ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ مبتدأ وخبر، وقد تم الكلام ها هنا، والوقف هنا تام، وما بعده كلام مستأنف، وقرأ عكرمة ﴿قتل فيه قل قتل فيه﴾ بغير ألف فيهما؛ أي: قل لهم في جوابهم: القتال في الشهر الحرام أمره كبير ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر منه، وهو ما ذكره بقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومنع المشركين المؤمنين عن دين الله وطاعته ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ أي: وكفرهم بتوحيد الله ﴿و﴾ صدهم الناس عن ﴿الْمَسْجِدِ

стр. 1286

الْحَرَامِ﴾، يعني: عن مكة، وقرىء شاذًا: ﴿والمسجدُ الحرام﴾ بالرفع ووجهه أنه عطفه على قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، ويكون على حذف مضاف؛ أي: وكفر بالمسجد الحرام ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾؛ أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي ﷺ والمؤمنون ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من المسجد الحرام، يعني: من مكة، كل ذلك ﴿أَكْبَرُ﴾ وأعظم وزرًا وذنبًا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعالى من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم في الشهر الحرام .. فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبي ﷺ والمؤمنين أعظم وأشنع. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾؛ أي: وفتنتهم المؤمنين عن دينهم تارة بإلقاء الشبهة في قلوبهم، وتارة بالتعذيب، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر، حتى يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم. ﴿أَكْبَرُ﴾؛ أي: أعظم وزرًا وأفظع حالًا عند الله ﴿مِنَ الْقَتْلِ﴾؛ أي: من قتل من قتلتموه من المشركين في الشهر الحرام. روي أنه لما نزلت هذه الآية .. كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام .. فعيروهم بالكفر وإخراج رسول الله ﷺ من مكة، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾؛ أي: ولا يزال المشركون من أهل مكة وغيرهم ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: يجتهدون في قتالكم أيها المؤمنون ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾؛ أي: كي يردوكم عن دينكم الحق، ويعيدوكم إلى دينهم الباطل ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؛ أي: إن أطاقوا وقدروا على ذلك .. يردوكم، ولكن لا يستطيعون ذلك، وهذا استبعاد لاستطاعتهم، وإشارة إلى ثبات المؤمنين على دينهم ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾؛ أي: ومن يرجع منكم عن دينه الحق إلى دينهم الباطل ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾؛ أي: فيمت على ردته، ولم يرجع إلى الإِسلام ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المصرون على الارتداد إلى حين الموت ﴿حَبِطَتْ﴾ بكسر الباء وقرىء بفتحها، وهي لغة فيه؛ أي: بطلت. ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ الصالحة وردت حسناتهم التي عملوها في حالة الإِسلام ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فلا اعتداد بها في الدنيا، ولا ثواب عليها في الآخرة، فحبوط الأعمال في الدنيا هو أنه يقتل عند الظفر به، ويقاتل إلى أن يظفر به، ولا يستحق من المسلمين نصرًا ولا

стр. 1287

ثناءً حسنًا، وتَبِيْنُ زوجته منه، ولا يستحق الميراث من كل أحد، وحبوط أعمالهم في الآخرة أن الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة. أما لو رجع المرتد إلى الإِسلام: عادت إليه أعماله الصالحة مجردة عن الثواب، فلا يكلف بإعادتها، وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعي، وأما عند أبي حنيفة: فإن الردة تبطل العمل وإن أسلم. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المصرون ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: مقيمون لا يخرجون ولا يموتون. ٢١٨ - وروي أن عبد الله بن جحش ﵁ قال: يا رسول الله، هبْ أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجرًا وثوابًا؟ فنزلت هذه الآية الآتية؛ لأن عبد الله كان مؤمنًا، وكان مهاجرًا، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهدًا، ثم هي عامة في مَنْ اتصف بهذه الأوصاف. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: فارقوا أوطانهم وعشائرهم وأموالهم، وفارقوا مُسَاكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عن المشركين وعن بلادهم إلى غيرها ﴿وَجَاهَدُوا﴾ المشركين ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله لإعلاء دين الله، وبذلوا جهدهم في قتل العدو، كقتل عمرو بن الحضرمي الكافر، وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد، كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالأوصاف الثلاثة ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: يطمعون في نيل رحمة الله، وينالون جنة الله ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لما فعلوه خطأً وقلة احتياطٍ ﴿رَحِيمٌ﴾ بإجزال الأجر والثواب لهم. الإعراب ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿النَّاسُ﴾: اسمها. ﴿أُمَّةً﴾: خبرها. ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة ﴿أُمَّةً﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾: ﴿الفاء﴾:

стр. 1288

عاطفة، ﴿بعث اللَهُ النبينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾: حال من ﴿النَّبِيِّينَ﴾. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: معطوف عليه. ﴿وَأَنْزَلَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿أنزل﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿بعث﴾. ﴿مَعَهُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أنزل﴾. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنزل﴾، أو بمحذوف حال من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ تقديره: حال كونه ملتبسًا بالحق. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. ﴿لِيَحْكُمَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يحكم﴾: منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْكِتَابَ﴾، والجملة صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾؛ تقديره: لحكمه ﴿بين الناس﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أنزل﴾. ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿يحكم﴾. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يحكم﴾. ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَفُوا﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضميرُ ﴿فيه﴾. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية، ﴿ما﴾: نافية. ﴿اخْتَلَفَ﴾: فعل ماض. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أُوتُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَفَ﴾ وهو مضاف. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد مجيء البينات إياهم. ﴿بَغْيًا﴾: مفعول لأجله منصوب بـ ﴿اخْتَلَفَ﴾، وفي

стр. 1289

"الفتوحات الإلهية": أو منصوب على الحال. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿بَغْيًا﴾؛ تقديره: بغيًا كائنًا بينهم. ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾. ﴿فَهَدَى﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿هدى الله الذين﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿هدى﴾. ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضميرُ ﴿فِيهِ﴾. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَفُوا﴾. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿ما﴾؛ تقديره: حالة كون ما اختلفوا فيه كائنًا من الحق. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿هدى﴾. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة خبر المتبدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: من يشاءه. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿صِرَاطٍ﴾. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل، والهمزة للإنكار. ﴿حَسِبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وهي من أخوات ﴿ظن﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر سادٍّ، مسد مفعولي ﴿حسب﴾ عند سيبويه؛ تقديره: أم حسبتم دخولكم الجنة، وعند الأخفش: سادة

стр. 1290

مسد المفعول الأول، والثاني محذوف؛ تقديره: أم حسبتم دخولكم الجنة واقعًا بمجرد الإيمان. ﴿وَلَمَّا﴾: ﴿الواو﴾ حالية، ﴿لمّا﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لما﴾، وجزمه بحذف حرف العلة. ﴿مَثَلُ﴾: فاعل وهو مضاف. ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿حَسِبْتُمْ﴾؛ تقديره: أم حسبتم دخول الجنة حالة كونكم عادمين إتيان ﴿مثل الذين﴾. ﴿خَلَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَوْا﴾. ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾. ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: معطوف على ﴿الْبَأْسَاءُ﴾. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَقُولَ﴾: منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد ﴿حتى﴾ بمعنى ﴿إلى﴾. ﴿الرَّسُولُ﴾: فاعل. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿الرَّسُولُ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، وجملة ﴿يَقُولَ﴾ صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾ بمعنى ﴿إلى﴾؛ تقديره: وزلزلوا إلى قول الرسول والذين آمنوا معه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿زلزلوا﴾. ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَتَى﴾: اسم استفهام في محل الرفع خبر مقدم وجوبًا. ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح وتنبيه. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿نَصْرَ اللَّهِ﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ ومضاف إليه. ﴿قَرِيبٌ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب، مقول لقول محذوف؛ تقديره: قال الله لهم: إن نصر الله قريب، وجملة القول المحذوف مستأنفة.

стр. 1291

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة مستأنفة. ﴿مَاذَا﴾ ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: ما الذي ينفقونه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب، مفعول به ثان لـ ﴿سأل﴾؛ تقديره: يسألونك أي الشيء الذي ينفقونه؟. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: ما أنفقتموه. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف؛ تقديره: ما أنفقتموه حالة كونه كائنًا من خير. ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾: ﴿الفاء﴾: زائدة في الخبر، أو رابطة الخبر بالمبتدأ؛ لما في المبتدأ من العموم. ﴿للوالدين﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: فمصروف للوالدين، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ويحتمل كون ﴿مَا﴾ شرطية، والجواب جملة ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوفات على ﴿الوالدين﴾. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل الشرط لها. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿ما﴾؛ تقديره: حالة كونه كائنًا من خير. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، وهو خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ على كونها جواب الشرط لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ﴾.

стр. 1292

﴿كُتِبَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْقِتَالُ﴾: نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ كُرْهٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ﴿الْقِتَالُ﴾؛ تقديره: حالة كونه مكروهًا. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُرْهٌ﴾. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾. ﴿وَعَسَى﴾: الواو: استئنافية، ﴿عسى﴾: فعل من أفعال الرجاء، ولكن هنا للتحقيق، فنقول في إعرابه ﴿عسى﴾: فعل ماض تام بمعنى حق. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَكْرَهُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ تقديره: حق وثبت كراهتكم شيئًا وهو خير لكم، والجملة مستأنفة. وفي "الفتوحات الإلهية": ليس معنى ﴿عسى﴾ هنا على الترجي كنظائرها الواقعة في كلامه تعالى، فإن الكل للتحقيق، ويصح الترجي باعتبار حال السامع، وهي هنا تامة على حد قول ابن مالك: بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوشَكَ قَدْ يَرِدْ ... غِنَىً بِـ (أَنْ) يُفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ وفي "السمين" ﴿عسى﴾: فعل ماضٍ نقل إلى إنشاء الترجي والاشتقاق، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر، ولا يكون خبرها إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ ﴿أن﴾، وهي في هذه الآية ليست ناقصة فتحتاج إلى خبر، بل تامة؛ لأنها أسندت إلى ﴿أن﴾، وتَقَدم أنها تسد مسد الجزئين بعدها. انتهى. ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَهُوَ خَيْرٌ﴾ الواو حالية، أو زائدة، ﴿هو خير﴾: مبتدأ وخبر. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خير﴾، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿شَيْئًا﴾ - وإن كان مجيء الحال من النكرة التي لا مسوغ لها قليلًا - أو في محل النصب صفة لـ ﴿شَيْئًا﴾، وإنما دخلت ﴿الواو﴾ على الجملة الواقعة صفة لأن صورتها صورة الحال، فكما تدخل ﴿الواو﴾ عليها حالية تدخل عليها صفة، قاله

стр. 1293

أبو البقاء. وإنما توسطت ﴿الواو﴾ بين الصفة والموصوف؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. ﴿وَعَسَى﴾ الواو: عاطفة، ﴿عسى﴾: فعل ماض تام بمعنى ﴿حق﴾. ﴿أَن﴾: حرف مصدر. ﴿تُحِبُّوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿أَن﴾ مع مدخولها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ تقديره: وعسى محبتكم شيئًا، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ جملة اسمية في محل النصب حال من ﴿شَيْئًا﴾، أو صفة له، كما مر نظيره قريبًا. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ هو الواو: استئنافية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة خبر المبتدأ؛ تقديره: والله عالم، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَا﴾: ناهية ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ؛ تقديره: وأنتم غير عالمين مصالحكم، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة مستأنفة. ﴿عَنِ الشَّهْرِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يسألون﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة لـ ﴿الشهر﴾ بمعنى المحرم؛ أي: المعظم. ﴿قِتَالٍ﴾: - بالجر - بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قِتَالٍ﴾، أو بمحذوف صفة لـ ﴿قِتَالٍ﴾، وعلى قراءة الرفع ﴿قتال﴾: مبتدأ، والجار والمجرور خبره، وسوغ الابتداء بالنكرة فيه همزة الاستفهام؛ لأنه في معنى أقتال كائن فيه؟ وهذه الجملة المستفهم عنها في محل الجر بدل من ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، وزعم بعضهم: أنه مرفوع على إضمار اسم فاعل؛ تقديره: أجائز قتال فيه.

стр. 1294

﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله مستتر فيه يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿قِتَالٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿قِتَالٍ﴾. ﴿كَبِيرٌ﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. ﴿وَصَدٌّ﴾ الواو: استئنافية، أو عاطفة، ﴿صد﴾: مع ما عطف إليه مبتدأ، وجملتها أربعة، فأخبر عنها بقوله ﴿أَكْبَرُ﴾؛ لأنه أفعل تفضيل، وهو يستوي فيه الواحد والأكثر إذا كان مجردًا من ﴿أل﴾ و ﴿الإضافة﴾ على حد قول ابن مالك: وإنْ لِمَنْكُوْرٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا ... أُلْزِمَ تَذْكِيْرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿صَدٌّ﴾. ﴿وَكُفْرٌ﴾: معطوف على ﴿صد﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كفر﴾. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وللمعطوف حكم المعطوف عليه، تبعه بالجر، واعترض بأنه إذا كان معطوفًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ ..﴾ كان متعلقًا بقوله ﴿وَصَدٌّ﴾؛ إذ التقدير: وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فهو من تمام عمل المصدر، وقد فصل بينهما بقوله ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، ولا يجوز أن يفصل بين الصلة والموصول، وأجيب بأن الكفر بالله، والصد عن سبيله متحدان معنىً، فكأنه لا فصل بأجنبي بين ﴿سَبِيلِ﴾ وما عطف عليه. ﴿وَإِخْرَاجُ﴾: معطوف على ﴿صد﴾ وهو مضاف. ﴿أَهْلِهِ﴾: ﴿أهل﴾: مضاف إليه، وهو مضاف، والضمير: مضاف إليه. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿إخراج﴾. ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر المبتدأ وما عطف عليه. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أكبر﴾، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾؛ لأن المعنى: قل لهم: قتال في الشهر الحرام إثم كبير،

стр. 1295

وقيل لهم: صد عن سبيل الله، وكذا وكذا أكبر من القتال، أو مستأنفة استئنافًا نحويًّا؛ لأن المقصود منها مجرد إخبار عن أن الصد عن سبيل الله، وكذا وكذا أكبر عند الله. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: مبتدأ. ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر. ﴿مِنَ الْقَتْلِ﴾: متعلق بـ ﴿أَكْبَرُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَزَالُونَ﴾: به فعل مضارع ناقص، والواو اسمها. ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب خبر ﴿يزال﴾؛ تقديره: ولا يزالون مقاتلين إياكم، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة. ﴿عَنْ دِينِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يردون﴾، وجملة ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى؛ تقديره: إلى ردّهم إياكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يقاتلون﴾. ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: ﴿إنِ﴾: حرف شرط وجزم. ﴿اسْتَطَاعُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنَّ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجوابها محذوف دل عليه السياق؛ تقديره: إن استطاعوا يردوكم عن دينكم، وجملة ﴿إنِ﴾ الشرطية جملة غائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما. ﴿يَرْتَدِدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَرْتَدِدْ﴾. ﴿عَنْ دِينِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَرْتَدِدْ﴾. ﴿فَيَمُتْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب،

стр. 1296

﴿يمت﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾: مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يمت﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَبِطَتْ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: الواو: عاطفة ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿من﴾ الشرطية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، وهو خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب، حال من ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ تقديره: حالة كونهم مقدرين الخلود فيها، أو حال من ﴿النَّارِ﴾؛ تقديره: حالة كونها مقدرًا خلودهم فيها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل النصب معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول. ﴿هَاجَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَجَاهَدُوا﴾: معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جَاهَدُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ؛ تقديره: أولئك راجون رحمت الله، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.

стр. 1297

التصريف ومفردات اللغة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: وحَسِب من باب فَعِل المكسور، وفي مضارعه وجهان: الفتح على القياس، والكسر على الشذوذ، ومعناها الظن، وقد تستعمل لليقين كقوله. حَسِبْتُ التُّقَى وَالْجُوْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاوَيًا وفي "المصباح" يقال: حسبت زيدًا قائمًا أحسَبه - من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حسبانًا بالكسر بمعنى ظننته، وحسبت المال حسبًا - من باب قتل - أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبةً بالكسر، وحُسبانًا بالضم. انتهى. ﴿خَلَوْا﴾: أصله خلووا؛ لأنه من الأفعال المعتلة بالواو كدعا وغزا، تحركت ﴿الواو﴾ وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار خلوا. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ يقال: زلزل الله الأرض زلزلةً وزلزالًا بالكسر، فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، والزلزلة: شدة التحريك يكون في الأشخاص والأحوال، وقال الزجاج: أصل الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت: زلزلته .. فمعناه كررت زلله من مكانه، فهو من الثلاثي المزيد بالتضعيف والتكرير؛ لأن أصله زل. ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، وهما لغتان بمعنى، وقيل: بالفتح مصدر بمعنى الكراهية، وبالضم اسم مصدر بمعنى المشقة، يقال: كرهت الشيء كُرهًا وكَرهًا، وكَراهةً وكَراهيةً، وأكرهته عليه إكراهًا. ﴿صد﴾ الصد: المنع والطرد، يقال: صده عن الشيء يصده صدًّا - من باب شدّ - إذا منعه منه، فهو من المضاعف المعدى الذي لم يسمع فيه إلا القياس الذي هو ضم عين المضارع. ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ﴾ بالفك؛ لأنه لما سكنت الدال الثانية للجازم .. تعذر تسكين

стр. 1298

الأول؛ لئلا يجتمع ساكنان. البلاغة ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ﴾: فيه إيجاز بالحذف، والأصل: فاختلفوا، فبعث الله النبيين. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾: فيه مجاز عقلي إن عاد الضمير إلى الكتاب من إسناد ما للفاعل إلى المفعول، وقوله ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ إظهار في مقام الإضمار، لزيادة التعيين. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعة مقدرة بمعنى بل التي في ضمنها الانتقال من أخبار إلى أخبار، وبمعنى الهمزة التي في ضمنها الإنكار والتوبيخ، والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تحسبوا هذا الحسبان، ولم حسبتموه؟ والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر، وحضهم عليه. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾: فيه إيجاز بالحذف؛ لأن فيه حذف مضاف وحذف موصوف؛ تقديره: ولما يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خلوا﴾، وهو كالتأكيد لمعنى ﴿خَلَوْا﴾ فإن القبلية مفهومة من قوله: ﴿خَلَوْا﴾. ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ بالنصب على قراءة الجمهور على أن ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، وأن مضمرة بعدها؛ أي: إلى أن يقول الرسول، فهي غاية لما تقدم من المس والزلزال، وحتى إنما ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلًا، وهذا قد وقع ومضى، والجواب: أنه على حكاية الحال الماضية، وبالرفع: فعلى قراءة نافع على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها، والحال لا ينصب بعد حتى ولا غيرها؛ لأن الناصب مخلص للاستقبال فتنافيا، واعلم أن حتى إذا وقع بعدها فعل .. فإما أن يكون حالًا أو مستقبلًا أو ماضيًا، فإن كان حالًا .. رفع نحو مرض زيد حتى لا يرجونه؛ أي: في الحال، وإن كان مستقبلًا .. نصب تقول: سرت حتى أدخل البلد، وأنت لم تدخل بعد، وإن كان ماضيًا .. فتحكيه ثم

стр. 1299

حكايتك له؛ إما أن تكون بحسب كونه مستقبلًا، فتنصبه على حكاية هذا الحال، وإما أن يكون بحسب كونه حالًا، فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجمهور حكاية حال، وفي قراءة نافع حكاية حال أيضًا، وإنما نبهت على ذلك؛ لأن عبارة بعضهم تخصص حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصها بقراءة نافع. ومعنى حكاية الحال الماضية: أن يفرض ويقدر الواقع في الماضي واقعًا وقت التكلم، ويخبر عنه بالمضارع الدال على الحال. ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ في هذه الجملة عدة مؤكدات: الأول: بدء الجملة بأداة الاستفتاح. الثاني: ذكر إن. الثالث: إيثار الجملة الإسمية. الرابع: إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شيء. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ بين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمى عندهم بالمقابلة، فقد قابل بين الكراهية والحب، وبين الخير والشر. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: فيه طباق بالسلب. والله أعلم * * *

стр. 1300

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون، فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين وما بعدهما، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله .. ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر؛ إذ هما أيضًا من مصارف المال، ومع مداومتهما قَلَّ أن يبقى مال فتتصدق به أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر، وكان تركهما مدعاة إلى تنمية المال، وذكر السؤال عن النفقة، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم .. ناسب ذلك النظر في
следующие страницы →