١٥ - ﴿سَيَقُولُ﴾ لك يا محمد، و ﴿السين﴾: يدل على القرب ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ المذكورون؛ أي: سيقول لك الذين تخلّفوا عنك في عمرة الحديبية، واعتلُّوا بشغلهم بأموالهم وأهليهم: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾: ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿سَيَقُولُ﴾؛ أي: سيقولون عند انطلاقكم وذهابكم أيها المؤمنون ﴿إِلَى مَغَانِمَ﴾ خيبر ﴿لِتَأْخُذُوهَا﴾ وتحوزوها حسبما وعدكم إياها، وخصَّكم بها عوضًا عمّا فاتكم من غنائم مكة إذا انصرفتم منها على صلح، ولم تصيبوا منها شيئًا ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾؛ أي: اتركونا نتبعكم، ونشهد معكم غزوة خيبر، وأصل القصة: (١) أنه لما انصرف النبيّ ﷺ ومن معه من المسلمين من الحديبية .. وعدهم الله سبحانه فتح خيبر، وخصَّ بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها .. قال هؤلاء المخلّفون: ذرونا نتبعكم، ونسر معكم إلى غزوة خيبر حين توقعوا ما سيكون فيها من مغانم، وفي هذا وعد للمبايعين الموافقين بالغنيمة، وللمتخلفين المخالفين بالحرمان.
فإن قيل: كيف (٢) يصح هذا الكلام، وقد ثبت أنه ﷺ أعطى من قدم مع جعفر ﵁ من مهاجري الحبشة، وكذا الدوسيين والأشعريين من مغانم خيبر، ولم يكونوا ممن حضر الحديبية؟.
قلنا: كان ذلك باستنزال أهل الحديبية عن شيء من حقهم.
فقال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ﴾؛ أي: يريد أولئك المخلفون بقولهم: ﴿ذَرُونَا﴾ ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا﴾ ويغيِّروا ﴿كَلَامَ اللهِ﴾ سبحانه؛ أي: مواعيد الله لأهل الحديبية، حيث وعدهم غنيمة خيبر لهم خاصة، وهذا قول جمهور المفىسرين، وقال مقاتل: يعني: أمر الله تعالى نبيه ﷺ حيث أمره أن لا يسير منهم أحد إلى خيبر. وقال ابن زيد: هو قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾. والقول الأول أصوب.
стр. 12462
وقرأ الجمهور (١): ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾ بألف، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿كَلِمَ الله﴾ بلا ألف: جمع كلمة مثل: نبق ونبقةٍ، فالمراد بتبديلهم كلام الله تعالى: قصد مشاركتهم في المغانم التي خصّها بأهل الحديبية، فإنه ﷺ رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست، وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم من سنة سبع، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية، ففتحها، وغنم أموالًا كثيرة، فخصَّها بهم حسبما أمره الله تعالى، فالمراد بكلام الله: ما ذكر من وعده تعالى غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصةً، لا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ فإنّ ذلك نزل في غزوة تبوك مرجع رسول الله ﷺ من تبوك في آخر عمره، وهذه السورة نزلت عام الحديبية.
ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول لهم إقناطًا وتيئيسًا من الذهاب معه إلى خيبر، بقوله: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المخلّفين الذين يريدون تبديل كلام الله إقناطًا لهم: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ في المسير إلى خيبر، ولن تذهبوا معنا؛ أي: لا تتبعونا، فإنه نفي في معنى النهي للمبالغة. وقال سعدي المفتي: ﴿لَنْ﴾ ليس (٢) للتأبيد، سيّما إذا أريد النهي.
والمراد: لن تتبعونا في خيبر، أو ديمومتهم على مرض القلوب، وقال أبو الليث: لن تتبعونا في المسير إلى خيبر، إلا متطوعين من غير أن يكون لكم شركة في الغنيمة.
﴿كَذَلِكُمْ﴾؛ أي: قولًا مثل ما قلته لكم ﴿قَالَ الله﴾ سبحانه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل رجوعنا من الحديبية إليكم؛ أي: قال عند انصرافنا من الحديبية: إنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبيّة خاصة، ليس لغيرهم فيها نصيب. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾؛ أي: فسيقول المنافقون للمؤمنين عند سماع هذا النهي: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾؛ أي: ليس ذلك النهي حكم الله، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم؛ أي: بل ما يمنع من خروجنا معكم إلا الحسد منكم؛ لئلّا نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك
стр. 12463
بقول الله سبحانه كما تزعمون. والحسد: تمنّي زوال النعمة عمّن يستحق لها، وربّما يكون من ذلك سعي في إزالتها.
ثم رد الله سبحانه عليهم اتهام رسوله وصحبه بالحسد، بقوله: ﴿بَلْ كَانُوا﴾؛ أي: أولئك المخلفون ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لا يفهمون ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إلا فهمًا قليلًا، وهو فطنتهم لأمور الدنيا، وهو وصف لهم بالجهل المفرط وسوء الفهم في أمور الدين، وعن علي ﵁: "أقل الناس قيمةً أقلهم علمًا".
ومعنى الآية: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾؛ أي: (١) لا تأذن لهم في الخروج معك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإنَّ امتناعهم عن الخروج إلى الحديبية ما حصل إلا لأنّهم كانوا يتوقعون المغرم: وهو جلاد العدو، ومصاولته، ولا يتوقعون المغنم، فلمّا انعكست الآية في خيبر .. طلبوا ذلك، فعاقبهم الله بطردهم من المغانم، ثمّ أكد هذا المنع بقوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مثل هذا القول الصادر منّي قال الله سبحانه من قبل مرجعنا من الحديبية إليكم؛ أي: حكم الله بأن لا تتبعونا، وبأنَّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا؛ لأنّ غنيمتها لغيركم، ثم أخبر بأنهم سيردُّون مقالك السابق: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِنْ قَبْلُ﴾. فقال: فسيقولون: إنّ الله ما قال ذلك من قبل، بل أنتم تحسدوننا أن نصيب معكم مغنمًا، ومن ثم منعتمونا، فرد الله عليهم اتهام الرسول وصحبه بالحسد، فقال: ﴿بَلْ كَانُوا﴾ إلخ؛ أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب، من أنكم تمنعونهم عن اتباعكم حسدًا منكم لهم على أن يصيبوا معكم من العدو مغنمًا، بل إنما كان؛ لأنّهم لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا، ولو فقهوا .. ما قالوا ذلك لرسوله وللمؤمنين بعد أن أخبرهم بأنّ الله منعهم غنائم خيبر، وفي هذا إشارة إلى أن ردهم حكم الله، وإثبات الحسد لرسوله وللمؤمنين ناشىء من الجهل، وقلة التدبر، فإن حب الدنيا ليس من شيمة
стр. 12464
العالم العاقل.
واعلم: أيها الأخ الكريم، أنّ العلم إنما يزداد بصحبة أهله، ولمَّا تخلف المنافقون عن صحبة رسول الله ﷺ .. وصفهم الله سبحانه بعدم الفقه، فلا بدَّ من مجالسة العلماء العاملين، حتى تكون الدنيا وراء الظهر، ويجعل الرغبة في الآخرة. وقدورد في الأخبار: "اطلبوا العلم ولو بالصين".
وعن بعضهم قال: رأيت في الطواف كهلًا قد أجهدته العبادة، وبيده عصا، وهو يطوف معتمدًا عليها، فسألته عن بلده، فقال: خراسان، ثم قال لي: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين أو ثلاثة، فقال: أفلا تحجون كلّ عام؟ فقلت له: وكم بينكم وبين هذا البيت؟ قال: مسيرة خمس سنين، قلت: هذا والله هو الفضل المبين، والمحبّة الصادقة، فضحك وأنشأ يقول:
زُرْ مَنْ هَوَيْتَ وَإِنْ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ ... وَحَالَ مِنْ دُوْنِهِ حُجْبٌ وَأَسْتَارُ
لَا يَمْنَعَنَّكَ بُعْدٌ عَنْ زِيَارَتِهِ ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ
١٦ - ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ المذكورين من الأعراب، كرّر ذكرهم بهذا العنوان؛ لذمّهم مرّة بعد أخرى، فإنّ التخلّف عن صحبة الرسول ﷺ شناعة أي شناعة: إنكم ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ وتندبون ﴿إِلَى﴾ قتال ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب قوّة شديدة في الحرب، فعليكم أن تخيروهم بين أمرين: إما السيف، وإما الإسلام، وهذا حكم عام في مشركي العرب والمرتدين، يجب اتباعه، كما بيَّن الأمرين بقوله: إما ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ أبدًا ﴿أَو يُسْلِمُونَ﴾: كلام مستأنف، كأنّه قيل: لماذا يدعون؟ فأجيب: ليكون أحد الأمرين: إما المقاتلة أبدًا، أو الإسلام لا غير، وأما من عدا المرتدين والمشركين من العرب فينتهي قتالهم بالجزية، كما ينتهي بالإسلام.
يعني: أنّ المراد بـ ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: المرتدّون والمشركون مطلقًا، سواء كانوا مشركي العرب أو العجم، بناءً على أنّ من عدا الطائفتين المذكورتين، وهم: أهل الكتاب والمجوس، ليس الحكم فيهم أن يقتلوا إلى أن يسلموا، بل تقبل منهم الجزية، بخلاف المرتدّين، ومشركي العرب والعجم، فإنه لا تقبل منهم
стр. 12465
الجزية، بل يقاتلون حتى يسلموا، وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة: فمشركوا العجم تقبل منهم الجزية، كما تقبل من أهل الكتاب والمجوس، والذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف إنما هم مشركوا العرب والمرتدون فقط عنده.
واختلف العلماء في تعيين هؤلاء القوم، فقال الزهريّ ومقاتل وجماعة: المراد بالقوم أولي العباس شديد: بنو حنيفة، أصحاب مسيلمة الكذّاب، وقال قتادة: هم هوازن وغطفان، وقال ابن عباس، ومجاهد: هم أهل فارس، وقال الحسن: هم فارس والروم، قال ابن جرير: إنه لم يقم دليل من نقل، ولا من عقل على تعيين هؤلاء القوم، فلندع الأمر على إجماله دون حاجة إلى التعيين. اهـ.
أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ مرفوعًا، وقرأ أبيّ وزيد بن عليّ: بحذف النون منصوبًا بإضمار أن بعد ﴿أَوْ﴾ العاطفة لمصدر متصيد، على مصدر متوهّم؛ أي: يكون قتال أو إسلام، والرفع على العطف على: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ أو على القطع؛ أي: أو هم يسلمون دون قتال.
ثمّ وعدهم إذا أجابوا بقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾؛ أي: فإن تستجيبوا وتنفروا أيّها المخلّفون للجهاد، وتؤدُّوا ما طلب منكم أداؤه .. ﴿يُؤْتِكُمُ الله﴾؛ أي: يعطكم ربّكم ﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾ وثوابًا جزيلًا، فتنالوا المغانم في الدنيا، وتدخلوا الجنة في الآخرة، كما وعد من نكص على عقبه بقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: تعرضوا عن الدعوة، وتعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته، وتخالفوا أمره، فتتركوا قتال أولي النجدة والبأس الشديد إذا دعيتم إلى قتالهم ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ في الحديبية؛ أي: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسوله ﷺ إلى مكة ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: عذابًا شديدًا بالمذلّة في الدنيا بالقتل والأسر والقهر والنار في
стр. 12466
الآخرة لتضاعف جرمكم.
وبيان المقام (١): أنه ﷺ لمّا قال لهم: "لن تتبعونا" .. دعت الحاجة إلى بيان قبول توبة من رجع منهم عن النفاق، فجعل تعالى لهذا القبول علامة، وهو أنهم يدعون بعد وفاته ﷺ إلى محاربة قوم أولي بأس وقوة في الحرب، فمن أجاب منهم دعوة إمام ذلك الزمان، وحاربهم .. فإنه يقبل توبته، ويعطى الأجر الحسن، فلولا هذا الامتحان .. لاستمرّ حالهم على النفاق، كما استمرت حالة ثعلبة عليه، فإنه قد امتنع من أداء الزكاة، ثمّ أتى بها، ولم يقبل منه النبي ﷺ ، واستمر عليه الحال، ولم يقبل منه أحد من الصحابة، فلعلَّه تعالى علم من ثعلبة أنَّ حاله لا تتغيّر، فلم يبيّن لتوبته علامةً، وعلم من أحوال الأعراب أنها تتغيّر، فبيّن لتغيُّرها علامةً. والله أعلم.
١٧ - روي: أنه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية .. قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية، فبيَّن فيها الأعذار المبيحة للتخلف عن القتال بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾؛ أي: فاقد البصر ﴿حَرَجٌ﴾؛ أي: إثم في التخلف عن الغزو؛ لأنّه كالطائر المقصوص الجناح لا يمتنع على من قصده، والتكليف يدور على الاستطاعة ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ﴾؛ أي: على فاقد منفعة الرجل ﴿حَرَجٌ﴾؛ أي: ذنب في التخلّف عن الجهاد لما به من العلّة اللازمة إحدى الرجلين أو كلتيهما، وقد سقط عمّن ليس له رجلان غسلهما في الوضوء، فكيف بالجهاد؟! ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ مرضًا يمنع من الجهاد ﴿حَرَجٌ﴾ لأنّه لا قوّة به، وفي نفي الحرج عن كلّ من الطوائف المعدودة مزيد اعتناء بأمرهم، وتوسيع لدائرة الرخصة.
والمعنى: أي ليس (٢) على من في عضوه أو قوّته خلل مأثم في التخلّف عن الغزو، وكذا فقير لا يمكن له استصحاب ما يحتاج إليه من مصالح الجهاد، وإنما قدَّم الأعمى على الأعرج؛ لأنَّ عذره مستمر، لا يمكن الانتفاع به في حراسة
стр. 12467
وغيرها، ولا يعود بصيرًا، أما الأعرج، فإنه يمكن الانتفاع به في الحراسة ونحوها، وقد يقدر على القتال بالرمي وغيره، وقدم الأعرج على المريض؛ لأنّ عذره أشدّ من عذر المريض؛ لإمكان زوال المرض عن قرب، فالعذر في محل الآلة أتم من الآفة في القوّة.
ومجمل المعنى (١): أي لا إثم على ذوي الأعذار إذا تخلفوا عن الجهاد، وشهود الحرب مع المؤمنين إذا هم لاقوا عدوَّهم للعلل التي بهم، والأسباب التي تمنعهم من شهودها، كالعمى والعرج والمرض، قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية.
ثم رغب سبحانه في الجهاد، وطاعة الله ورسوله، وأوعد على تركه بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي في السر والعلن من المعذورين وغيرهم، فيجب الداعي إلى حرب أعدائه أهل الشرك، دفاعًا عن دينه، وإعلاءً لكلمته ﴿يُدْخِلْهُ﴾ يوم القيامة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ خالدين فيها ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ ويعرض عن طاعتهما، ويعص الله ورسوله، فيتخلّف عن الجهاد إذا دعي إليه .. ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: يدخله عذابًا موجعا في نار جهنم لا يقادر قدره.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُدْخِلْهُ﴾ و ﴿يُعَذِّبْهُ﴾ بالياء، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، وقرأ نافع وابن عامر والحسن وقتادة وأبو جعفر والأعرج وشيبة: بالنون فيهما.
تتمة: وهذه الأعذار (٣) المذكورة هنا أعذار ظاهرة في ترك الجهاد؛ لأنَّ أصحابها لا يقدرون على الكر والفرّ؛ لأنّ الأعمى لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنه الهرب، وكذلك الأعرج والمريض، وفي معنى المريض: صاحب السعال الشديد، والطحال الكبير، والذين لا يقدرون على الكرّ والفرّ: كأصحاب السمن المفرط، فهذه أعذار، وهناك أعذار أخر دون ما ذكر، كالفقر
стр. 12468
الذي لا يمكن صاحبه أن يستصحب ما يحتاج إليه من مصالح الجهاد، والأشغال التي تعوق عن الجهاد، كتمريض المريض الذي ليس معه من يقوم مقامه عليه، ونحو ذلك، كعدم إذن الوالدين له.
وقد غزا ابن أم مكتوم، وكان أعمى في بعض حروب القادسية، وكان ﵁ يمسك الراية. ذكره في "البحر".
الإعراب
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿فَتَحْنَا﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿فَتَحْنَا﴾. ﴿فَتْحًا﴾: مفعول مطلق. ﴿مُبِينًا﴾: صفة له. ﴿لِيَغْفِرَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يغفر﴾: فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة. ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿يغفر﴾. ﴿الله﴾: فاعل، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة ﴿تَقَدَّمَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿مِنْ ذَنْبِكَ﴾: متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿تَقَدَّمَ﴾. ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: معطوف على ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾، وجملة ﴿يغفر﴾: صلة أن المضمرة، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾. تقديره: لغفران الله لك، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿فَتَحْنَا﴾. ﴿وَيُتِمَّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿يغفر﴾، ﴿نِعْمَتَهُ﴾: مفعول به. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿يُتِمَّ﴾. ﴿وَيَهْدِيَكَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿يغفر﴾، و ﴿الكاف﴾: مفعول أول. ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان، أو منصوب بنزع الخافض. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: صفة ﴿صِرَاطًا﴾.
﴿وَيَنْصُرَكَ الله نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾.
стр. 12469
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾: فيعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَغْفِرَ﴾. ﴿نَصْرًا﴾: مفعول مطلق. ﴿عَزِيزًا﴾: صفة له. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، صلة الموصول. ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يَزْدَادُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿إِيمَانًا﴾: مفعول به، أو تمييز. ﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿إِيمَانًا﴾، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾؛ أي: لزيادتهم إيمانًا مع إيمانهم. ﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لِلَّهِ﴾: خبره، قدم. ﴿جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾. فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان له، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿لِيُدْخِلَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يُدْخِلَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول أول. ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول ثان على السعة، وجملة ﴿يُدْخِلَ﴾ مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور ﴿باللام﴾: الجار والمجرور: متعلق بمحذوف، تقديره: أمر بالجهاد لإدخال المؤمنين والمؤمنات إلخ. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ولكنها سببيّة. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿وَيُكَفِّرَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُدْخِلَ﴾. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَفِّرَ﴾. ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾: مفعول به. ﴿وَكَانَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿فَوْزًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿فَوْزًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿فَوْزًا﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة استئنافًا بيانيًا، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ
стр. 12470
دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يُدْخِلَ﴾. ﴿وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: معطوفات على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾. ﴿الظَّانِّينَ﴾: نعت لـ ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ وما بعده. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿الظَّانِّينَ﴾؛ ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: مفعول مطلق مضاف إلى ما بعده مؤكد لعامله، والسوء، بضم السين وفتحها: صفة لموصوف محذوف، تقديره: الظانّين بالله الأمر السوء ظنًّا، فحذف المضاف إليه الذي هو الأمر، وأقيمت صفته مقامه، وسيأتي بقية البحث فيه. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: دعائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿غَضِبَ﴾، والجملة: معطوفة على جملة ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: عطف فعلية على اسمية. ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿غَضِبَ﴾، ﴿أَعَدَّ﴾: فعل وفاعل ممستتر، معطوف على ﴿غَضِبَ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به. ﴿وَسَاءَتْ﴾: فعل ماض لإنشاء الذم، وفاعل مستتر يعود على ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿مَصِيرًا﴾: تمييز، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم. ﴿جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَزِيزًا﴾: خبره. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان له، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿شَاهِدًا﴾: حال مقدرة من مفعول ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾. ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: معطوفان على ﴿شَاهِدًا﴾. ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: أرسلناك لإرادة إيمانكم بالله
стр. 12471
ورسوله ﷺ . ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾: أفعال وفواعل ومفاعيل معطوفات على ﴿تُؤْمِنُوا﴾. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: منصوبان على الظرفية الزمانية، متعلقان بـ ﴿تُسَبِّحُوهُ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول. ﴿إِنَّمَا﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾: مستأنفة. ﴿يَدُ اللَّهِ﴾: مبتدأ. ﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إِنَّ﴾. ويجوز أن تكون حالية من ضمير الفاعل في ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾، ويجوز أن تكون مستأنفة. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿نَكَثَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لشبه الجواب جملة اسمية لاشتماله على ﴿إِنَّ﴾ المكفوفة. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَنْكُثُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْكُثُ﴾، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في على الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الجواب. ﴿أَوْفَى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَوْفَى﴾، وجملة ﴿عَاهَدَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿عَلَيْهُ﴾: متعلق بـ ﴿عَاهَدَ﴾، وضمت الهاء، مع أنها تكسر بعد الياء؛ لمجيء سكون بعدها، فيجوز الضمّ إن أريد تفخيم لام الجلالة، والكسر إن أريد ترقيقها, ولفظ الجلالة: مفعول به. ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاشتمال الجواب على حرف
стр. 12472
التنفيس، و ﴿الهاء﴾: مفعول أول، وفاعله: ضمير يعود على الله. ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى.
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾.
﴿سَيَقُولُ﴾ ﴿السين﴾: حرف استقبال ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع. ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: فاعل ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: حال من ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾. والجملة: مستأنفة. ﴿شَغَلَتْنَا﴾: فعل ومفعول به. ﴿أَمْوَالُنَا﴾: فاعل ﴿وَأَهْلُونَا﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول القول. ﴿فَاسْتَغْفِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اسْتَغْفِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿لَنَا﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ ومفعول ﴿اسْتَغْفِرْ﴾: محذوف؛ أي: الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿شَغَلَتْنَا﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة: حال من ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها: ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾. والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿مَن﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿يَمْلِكُ﴾: خبره. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: حال من ﴿شَيْئًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿أَرَادَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على الله. ﴿بِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾. ﴿ضَرًّا﴾: مفعول به، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية: محذوف دل عليه ما قبلها؛ أي: إن أراد بكم ضرًّا، فمن يملك لكم دفعه، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: معطوف على ﴿أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف
стр. 12473
إضراب للإضراب الانتقالي من موضوع إلى آخر. ﴿كَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿خَبِيرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾: جملة إضرابية، لا محل لها من
الإعراب.
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.
﴿بَلْ﴾: حرف إضراب أيضًا، أضرب عن بيان بطلان اعتذارهم إلى بيان الحامل لهم على التخلّف. ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جملة إضرابية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنْ﴾: مخفّفة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب. ﴿يَنْقَلِبَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾. ﴿الرَّسُولُ﴾: فاعل. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: معطوف على ﴿الرَّسُولُ﴾، ﴿إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْقَلِبَ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَنْقَلِبَ﴾، وجملة ﴿يَنْقَلِبَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخفّفة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخفّفة: سدّت مسدّ مفعولي ﴿ظَنَنْتُمْ﴾. ﴿وَزُيِّنَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿ذَلِكَ﴾ نائب فاعل. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿زُيِّنَ﴾، والجملة: معطوفة على جملة ﴿ظَنَنْتُمْ﴾. ﴿وَظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ الأول، ﴿ظَنَّ﴾: مفعول مطلق. ﴿السَّوْءِ﴾: مضاف إليه، والسوء في الأصل: صفة لمفعول ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ المحذوف، والتقدير: وظننتم الأمر السّيء بالمؤمنين ظنّا. ﴿وَكُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمًا﴾: خبر ﴿كان﴾، ﴿بُورًا﴾: نعت ﴿قَوْمًا﴾. وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على ما قبلها. وبورًا: جمع بائر، اسم فاعل من بار يبور: إذا هلك. ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم أو موصولة، في محل الرفع. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يُؤْمِنْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، يعود على ﴿مَنْ﴾ مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، وجواب الشرط: محذوف، تقديره: ندخله نارًا، وجملة الجواب المحذوف: خبر لـ ﴿مَنْ﴾
стр. 12474
الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مستأنفة من جهته تعالى، مبيّنة لكيفية بوارهم. ﴿فَإِنَّا﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿أَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾، ﴿سَعِيرًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿أَعْتَدْنَا﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾: جملة تعليلية معلّلة للجواب المحذوف، لا محل لها من الإعراب، هذا إن كانت ﴿مَنْ﴾ شرطية، وإن كانت موصولة .. فخبرها جملة ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا﴾، ودخلت ﴿الفاء﴾ لما في الموصول من معنى الشرط. ﴿وَلِلَّهِ﴾: خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وجملة ﴿يَغْفِرُ﴾: حال من الجلالة. ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَيُعَذِّبُ﴾: معطوف على ﴿يَغْفِرُ﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يُعَذِّبُ﴾. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ أيضًا صلة لـ ﴿مَنْ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾: معطوفة على جملة ﴿يَغْفِرُ﴾ أو مستأنفة.
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿سَيَقُولُ﴾. ﴿انْطَلَقْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿إِلَى مَغَانِمَ﴾: متعلق بـ ﴿انْطَلَقْتُمْ﴾، ﴿لِتَأْخُذُوهَا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تَأْخُذُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لأخذكم إياها، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿انْطَلَقْتُمْ﴾. ﴿ذَرُونَا﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿سَيَقُولُ﴾. ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، مجزوم بالطلب السابق، والجملة الفعلية: جملة جوابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿يُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب،
стр. 12475
حال من ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ أو من مفعول ﴿ذَرُونَا﴾ أو مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿يُبَدِّلُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾، ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريدون تبديل كلام الله ومواعيده للمؤمنين.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿لَنْ﴾: حرف نصب واستقبال. ﴿تَتَّبِعُونَا﴾ ﴿تتبعوا﴾: فعل مضارع، منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه: حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و ﴿نَا﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿كَذَلِكُمْ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولًا مثل هذا القول المصادر عنّي. وهو ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾. ﴿قَالَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿قَالَ﴾ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قُلْ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿تَحْسُدُونَنَا﴾: فعل مضارع مرفوع بثبات النون، و ﴿الواو﴾: فاعل و ﴿نَا﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿سَيَقُولُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، جملة ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾: خبر ﴿كَان﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: إلا فقهًا قليلًا، وجملة ﴿كان﴾: جملة إضرابية مستأنفة، أو معطوفة على ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿لِلْمُخَلَّفِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قُلْ﴾، ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: حال من ﴿الْمُخَلَّفِينَ﴾. ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ ﴿السين﴾: حرف استقبال. ﴿تُدْعَوْنَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بالنون، و ﴿الواو﴾: نائب فاعل. ﴿إِلَى قَوْمٍ﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، مجرور بالياء؛ لأنه
стр. 12476
ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿شَدِيدٍ﴾ صفة ﴿بَأْسٍ﴾، ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب حال من واو ﴿تُدْعَوْنَ﴾، أو في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿قَوْمٍ﴾ أو مستأنفة. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿يُسْلِمُونَ﴾: معطوف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو مستأنف، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: أو هم يسلمون. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تُطِيعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، و ﴿الكاف﴾: مفعول به أول، ولفظ الجلالة: فاعل. ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان. ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿تدعون﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تَتَوَلَّوْا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: صفة لمصدر محذوف. و ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿مِن قبل﴾: متعلق بـ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾. وبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظًا لا معنى، والتقدير: وإن تتولّوا تولّيا مثل تولّيكم من قبل. ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾: فعل مضارع وفعل مستتر ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابا لها. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول مطلق. ﴿أَلِيمًا﴾: نعت لـ ﴿عَذَابًا﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولي.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الْأَعْمَى﴾: خبرها مقدم. ﴿حَرَجٌ﴾: اسمها مؤخر، والجملة: مستأنفة، مسوقة لبيان حكم الزمني وذوي العاهات بالنسبة إلى الجهاد، ونفي الحرج عنهم في التخلف عنه. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد نفي ﴿لَيْسَ﴾. ﴿عَلَى الْأَعْرَجِ﴾: معطوف على ﴿الْأَعْمَى﴾، ﴿حَرَجٌ﴾: معطوف على ﴿حَرَجٌ﴾ الأول، وكذا قوله: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في
стр. 12477
محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُطِعِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف عليه. ﴿يُدْخِلْهُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، يعود على ﴿اللَّهَ﴾، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب شرط لها، و ﴿الهاء﴾؛ مفعول به. ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على التوسّع، وجملة ﴿مَنْ﴾: الشرطية، معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية. في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ولكنها سببية. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مِنْ﴾ مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه: حذف حرف العلّة. ﴿يُعَذِّبْهُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ومفعول به مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جواب شرط لها. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول مطلق. ﴿أَلِيمًا﴾: صفة ﴿يُعَذِّبْهُ﴾، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾: فتح البلد عبارة عن الظفر به عنوة أو صلحًا، بحرب أو بدونه، فإنه ما لم يظفر منغلق، مأخوذ من فتح باب الدار، قال في "عين المعاني": الفتح: هو الفجر المزيل للهمّ؛ لأن المطلوب كالمنغلق، فإذا نيل .. انفتح، وفي "المفردات": الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، وذلك ضربان:
ضرب: يدرك بالبصر، نحو: فتح الباب والغلق والقفل، والمتاع نحو قوله: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾.
والثاني: ما يدرك بالبصيرة، كفتح الهمّ: وهو إزالة الغمّ، وذلك ضربان:
أحدهما: في الأمور الدنيوية كغمّ يفرج، وفقر يزال بإعطاء المال ونحوه.
والثاني: فتح المستغلق من العلوم، نحو: قولك: فلان فتح من العلم بابًا مغلقًا. انتهى.
стр. 12478
والمراد بالفتح هنا في رأي الجمهور: هو صلح الحديبية، وسمّي هذا الصلح فتحًا؛ لأنّه كان سببًا لفتح مكة، من قبيل المجاز المرسل، بإطلاق السبب على المسبّب، وقال جماعة: المراد: فتح مكة، وهو المرويّ عن أنس ﵁: بشر به رسول الله ﷺ عند انصرافه من الحديبية والتعبير عنه حينئذٍ بصيغة الماضي؛ للإيذان بتحقّقه لا محالة، كسائر الأخبار الربانية.
﴿مُبِينًا﴾؛ أي: بيّنًا، ظاهر الأمر مكشوف الحال.
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾ أصله: يتمم، نقلت حركة الميم الأولى إلى التاء، فسكنت فأدغمت في الميم الثانية.
﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾؛ أي: خلقها، وأوجدها، قال الراغب: إنزال الله تعالى نعمته على عبده: إعطاؤه إياها إما بإنزال الشيء نفسه: كإنزال القرآن، أو بإنزال أسبابه بالهداية إليه: كإنزال الحديد ونحوه. اهـ. السكينة: الطمأنينة والثبات، من السكون.
﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أوجد السكينة في القلوب في مواضع القلق والاضطراب.
قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ أصله: ليزتيدوا بوزن يفتعلوا، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح، ثمّ أبدلت تاء الافتعال دالًّا لوقوعها بعد الزاي، فصار ليزدادوا، وهذا على حدّ قول ابن مالك في باب التصريف:
طَا تَا افْتِعَالِ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ ... فِيْ ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِيْ
﴿إِيمَانًا﴾ أصله: إءْمانًا، أبدلت الهمزة الثانية الساكنة حرف مدٍّ مجانسًا لحركة الأولى، فصارت ياءً؛ أي: ليزدادوا يقينًا.
﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ أي: مع يقينهم. أو ليزدادوا إيمانًا بالشرائع مع إيمانهم بالله، وباليوم الآخر، قال ابن عباس: إنّ أوّل ما أتاهم به النبيّ ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده .. أنزل الصلاة، ثمّ الزكاة، ثم الجهاد، ثم الحج.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الجنود: جمع جند بالضم، وهو جمع معدّ للحرب؛ أي: الأسباب السماويّة والأرضيّة.
стр. 12479
﴿الظَّانِّينَ﴾: جمع ظانّ، أصله: ظانن، أدغمت النون الأولى في الثانية.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ لفظ دائرة فيه إعلام بالإبدال، أصله: داورة، اسم فاعل من دار يدور، كقال يقول، أبدلت الواو في الوصف حملًا له في الإعلال على فعله، والدائرة في الأصل: عبارة عن الخطّ الميحط بالمركز، ثمّ استعملت في الحادثة والمصيبة المحيطة بمن هي وقعت عليه.
فمعنى الآية: يحيط بهم السوء إحاطة الدائرة بالشيء أو بمن فيها، بحيث لا سبيل إلى الانفكاك عنها بوجه، إلا أن أكثر استعمالها؛ أي: الدائرة في المكروه، كما أنّ أكثر استعمال الدولة في المحبوب الذي يتداول، ويكون مرةً لهذا، ومرةً لذاك، والإضافة في ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ من إضافة العام إلى الخاص، فهي للبيان، كخاتم فضة؛ أي: دائرة من شرّ لا من خير.
والمراد: الإحاطة والشمول، بحيث لا يتخطّاهم السوء ولا يتجاوزهم، اهـ. "روح".
وقال ابن الشيخ: السوء بالفتح صفة مشبهة، من ساء يسوء بضم العين في المضارع، سوءًا فهو سوء، ويقابله من حيث المعنى قولك: حسن يحسن حسنًا، فهو حسن، وهو فعل لازم بمعنى: قبح، وصار فاسدًا رديئًا، بخلاف ساءه يسوءه سوءًا ومساءةً؛ أي: أحزنه، نقيض سرَّه، فإنه متعدٍّ، ووزنه في الماضي فعل بفتح العين، ووزن ما كان لازمًا فعل بضم العين، وفعل يأتي فعله على فعل، كصعب صعوبة فهو صعب، والسوء بضم السين: مصدر لهذا اللازم، والسوء بالفتح: مشترك بين اسم الفاعل من اللازم، وبين مصدر المتعدّي، وقيل: السوء بالفتح والضم لغتان، من ساء بمعنى كالكره والكره. كما مرّ.
﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾؛ أي: تنصروه، قال في "المفردات": التعزير: النصرة، في التعظيم، قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾. والتعزير ما دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإنّ ذلك تأديب، والتأديب نصرة بقهر عدوّه، فإنّ أفعال الشر عدوّ الإنسان، فمتى قمعته عنها .. فقد نصرته، وعلى هذا الوجه قال النبي ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فقال: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تكفّه
стр. 12480
عن الظلم". انتهى.
وقال في "القاموس": التعزير: ضرب دون الحد، أو هو أشد الضرب. والتفخيم والتعظيم ضدٌ، والإعانة كالعزر والتقوية والنصر. انتهى.
وقال بعضهم: أصله: المنع ومنه التعزير، فإنه منع من معاودة القبيح؛ يعني: وتمنعوه تعالى؛ أي: دينه ورسوله، حتى لا يقوى عليه عدو.
﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾؛ أي: تعظّموه تعالى، باعتقاد أنه متصف بجميع صفات الكمال، منزّه عن جميع وجوه النقصان، قال في "القاموس": التوقير: التبجيل، والوقار بوزن سحاب: الرزانة. انتهى يعني: السكون والحلم، فأصله من الوقر الذي هو الثقل في الأذن.
﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ تعالى عمّا لا يليق به من الشريك والصاحبة والولد، وسائر صفات المخلوقين، أو تصلّوا له، من السبحة: وهي الدعاء، وصلاة التطوّع، وقال في "القاموس": التسبيح: الصلاة، ومنه قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾؛ أي: من المصلّين.
﴿بُكْرَةً﴾؛ أي: أول النهار. ﴿وَأَصِيلًا﴾؛ أي: آخر النهار.
والمراد: جميع النهار، إذ من سنن العرب: أن يذكروا طرفي الشيء، ويريدوا جميعه، كما يقال: شرقًا وغربًا لجميع الدنيا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾؛ أي: يعاهدونك يوم الحديبية تحت الشجرة، سمّيت المعاهدة بالمبايعة التي هي مبادلة المال بالمال تشبيهًا لها بالمبايعة في اشتمال كل واحد منهما على معنى المبادلة؛ وإن المعاهدة أيضًا مشتملة على المبادلة بين التزام الثبات في محاربة الكافرين، وبين ضمانه ﷺ لمرضاة الله عنهم، وإثابته إيّاهم بجنات النعيم في مقابلة محاربة الكافرين، وسيأتي مزيد بسط في مبحث البلاغة، إن شاء الله تعالى.
﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ النكث: نقضُ نحوِ: الحبل والغزل، استعير لنقض العهد.
стр. 12481
﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾؛ أي: وفي، فالرباعيّ بمعنى الثلاثي، يقال: وفي بالعهد وأوفى به، وهي لغة تهامة.
﴿شَغَلَتْنَا﴾ والشغل: العارض الذي يذهل الإنسان، وقد شغل فهو مشغول. ﴿أَمْوَالُنَا﴾ جمع مال: وهو كل ما يتملّكه الإنسان من دراهم أو دناينر أو ذهب أو فضة أو حنطة أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك، والمال: العين هو المضروب، وسمّي المال مالًا؛ لكونه بالذات تميل القلوب إليه، وفي "التلويح": المال: ما يميل إليه الطبع، ويدّخر لوقت الحاجة، أو ما خلق لمصالح الآدميّ، ويجري فيه الشحّ والضنة. انتهى.
﴿وَأَهْلُونَا﴾ والأهلون: جمع أهل، وأهل الرجل: عشيرته، وذووا قرباه، وقد يجمع الأهل على إهالٍ وآهالٍ وأهلاتٍ، ويحرك كأرضات، على تقدير تاء التأنيث؛ أي على أنّ أصله: أهلة، كما في أرض، فحكمه حكم تمرة، حيث يجوز في تمرات تحريك الميم.
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾ و (السين): للاستقبال، يقال: خلّفته بالتشديد: تركته خلفي، وخلفوا أثقالهم تخليفًا: خلوها وراء ظهورهم، وقال ابن الشيخ في سورة التوبة؛ العرب: هو الصنف الخاص من بني آدم، سواء سكن البوادي أم سكن القرى، وأمّا الأعراب فإنه لا يطلق إلا على من يسكن البوادي، فالأعراب جمع أعرابيّ, كما أن العرب: جمع عربيّ، والمجوس: جمع مجوسيّ، واليهود: جمع يهودي، بحذف ياء النسبة في الجمع، ويدل على الفرق بين العرب والأعراب، قوله ﷺ : "حب العرب من الإيمان" وقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، حيث مدح العرب، وذم الأعراب الذين هم سكان البادية، فعلى هذا يكون العرب أعم من الأعراب.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: إن كلامهم من طرف اللسان غير مطابق لما في القلب، فهو كذب صراح. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾ والملك: إمساك بقوّة وضبطٍ، تقول: ملكت الشيء: إذا دخل تحت ضبطك دخولًا تامًّا، ومنه: لا أملك رأس بعيري: إذا لم تستطع إمساكه إمساكًا تامًّا.
стр. 12482
﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ والمراد بالضر: ما يضرّ من هلاك الأهل والمال وضياعهما، وبالنفع: ما ينفع من حفظ المال والأهل.
﴿بُورًا﴾؛ أي: هالكين لفساد عقائدكم، وسوء نياتكم، على أنه جمع بائر، من بار بمعنى هلك، كعائذٍ وعوذٍ: الحديثة النتاج من الإبل أو الخيل، وقيل: البور: مصدر من بار، كالهلك من هلك بناء، ومعنى؛ ولذا وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، فيقال: رجل بور، وقوم بور.
﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾؛ أي: ذهبتم، يقال: انطلق فلان إذا مرَّ متخلفًا، وأصل الطلاق: التخلية من وثاق، كما يقال: حبس طلقًا، ويضم؛ أي: بلا قيد ولا وثاق، والمغانم: جمع مغنم بمعنى الغنيمة.
﴿ذَرُونَا﴾؛ أي: دعونا، يقال: ذره دعه، وهو يذره؛ أي: يدعه، وأصله وذره يذره، كوسعه، وقد أماتوا ماضيه، ومصدره واسم فاعله، فلم ينطقوا بها، فلا يقال: وذره ماضيًا، ولا يقال: وذر مصدرًا، كوعد، ولا واذر بكسر الذال اسم فاعل، بل يقال: تركه تركًا فهو تارك. اهـ من "القرطبي" و"القاموس".
﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ والحسد: تمني زوال النعمة عمّن يستحق لها. كما مرّ.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لا يفهمون، قال الراغب: الفقه: هو التوصل إلى علمٍ غائبٍ بعلم شاهدٍ، فهو أخص من العلم، والفقه: العلم بأحكام الشريعة، وفقه فقهًا؛ أي: فهم فهمًا، والمراد بالفقه القليل: فهمهم لأمور الدنيا، دون أمور الدين.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ وهو فاقد البصر. ﴿حَرَجٌ﴾ وأصل الحرج والحراج: مجتمع الشيء، كالشجر وتصوِّر منه ضيق ما بينهما، فقيل للضيق: حرجٌ، وللإثم: حرج. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ﴾ من العروج؛ لأنّ الأعرج ذاهب في صعود بعد هبوط، وعرج كفرح: إذا صار ذلك خلقة له، وقيل للضبع: عرجاء؛ لكونها في خلقتها ذات عرج، وعرج كدخل: ارتقى وأصابه شيء في رجليه، فمشى مشي العارج؛ أي: المذاهب في صعود، وليس ذلك بخلقةٍ، أو يثلث في غير الخلقة.
стр. 12483
كما في "القاموس".
قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أصله: ستدعوون، قلبت الواو الأولى ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين.
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعبير بالماضي عمّا في المستقبل في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ فقد جاء الأخبار بالفتح بلفظ الماضي؛ لأنها نزلت حين رجع ﷺ من الحديبية قبل عام الفتح؛ إيذانًا بأنّ أخبار الله تعالى لمّا كانت محقَّقة لا محالة .. نزلت منزلة المحققة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر، وصدقه ما لا يخفى على من له مسكة من عقل.
ومنها: تصدير الكلام بحرف التحقيق تأكيدًا للتبشير.
ومنها: حذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل، والإيذان بأنَّ مناط التبشير: نفس الفتح المصادر عنه سبحانه، لا خصوصية المفتوح.
ومنها: الالتفات من التكلّم إلى اسم الذات المستتبع لجميع الصفات كالمغفرة والإنعام والنصر، في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾؛ لأجل الإشعار بأنّ كل واحد من الأمور الأربعة الداخلة تحت لام الغاية صادر عنه تعالى، من حيثيةٍ غير الحيثية الأخرى، مترتب على صفة من صفاته تعالى. اهـ "أبو السعود". فمغفرة الذنوب من حيث إنه تعالى غفار، وهداية الصراط من حيث إنه هاد، وهكذا، ويجمع الكل لفظ الله، فإنه اسم للذات المستجمع للصفات. اهـ شيخنا.
قال ابن الشيخ: في إظهار فاعل قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ﴾ ﴿وَيَنْصُرَكَ﴾ إشعار بأنّ كل واحد من المغفرة والنصرة متفرع على الألوهية، وكونه معبودًا بالحق، والمغفرة: ستر الذنوب ومحوها.
стр. 12484
ومنها: الطباق بين: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾ و ﴿مَا تَأَخَّرَ﴾ وبين: ﴿مُبَشِّرًا﴾ و ﴿نَذِيرًا﴾، وبين: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وبين: ﴿نَكَثَ﴾ و ﴿أَوْفَى﴾، وبين ﴿أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ و ﴿أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾، وبين: ﴿يَغْفِرُ﴾ و ﴿يُعَذِّبُ﴾.
ومنها: المقابلة بين: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، وبين: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ ...﴾ الآية
ومنها: التعليل في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ حيث جعل تعالى فتح مكة علة للمغفرة؛ لأنَّ الفتح من حيث كونه جهادًا وعبادة سبب للغفران، وقيل: السرّ فيه: اجتماع ما عدد من الأمور الأربعة، وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، والهداية والنصر العزيز، كأنَّه قيل: يسّرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك لنجمع لك عزّ الدارين، وأغراض العاجلة والآجلة.
ومنها: الإسناد المجازيّ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ فقد أسند العزّ والمنعة إلى النصر، وهو للمنصور، فإنَّ صيغة فعيل هنا للنسبة، العزيز بمعنى ذي العزّة.
ومنها: التكرير في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ حيث قال ثانيًا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾؛ لأنه ذكر قبل الآية الأولى ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولما كان فيهم من هو أهل للرحمة، ومن هو أهل للعذاب .. ناسب أن يكون خاتمة الأولى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ولمّا بالغ تعالى في تعذيب المنافق والكافر، وشدته .. ناسب أن يكون خاتمة الثانية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فالأولى: دلّت على أنه المدبّر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته، والثانية: دلّت على التهديد والوعيد، وأنهم في قبضة المنتقم.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾.
ومنها: الإتيان بالواو في الفعلين الأخيرين في قوله: ﴿وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ مع أنّ حقّهما الإتيان بالفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها، إذ اللعن سبب الإعداد، والغضب سبب اللعن؛ للإيذان باستقلال كل منهما في الوعيد،
стр. 12485
وأصالته من غير استتباع بعضكما لبعض.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ حيث شبّه المعاهدة على التصريحية بالأنفس في سبيل الله طلبًا لمرضاته، بدفع السلع في نظير الأموال، بجامع اشتمال كل منهما على معنى المبادلة، واستعير اسم المشبه به للمشبّه، واشتق من المبايعة بمعنى المعاهدة: يبايعون: بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل الله، على طريق الاستعارة التصريحية التبعيّة.
ومنها: الاستعارة المكنيّة في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ حيث شبّه اطلاع الله على مبايعتهم، ومجازاته على طاعتهم، بملك وضع يده على يد أميره ورعيّته، وطوى ذكر المشبّه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو اليد، على طريق الاستعارة المكنية الأصلية، فتلخّص أنّ في هذا التركيب استعارة تصريحية تبعيّة في الفعل، ومكنية في الاسم الكريم، وتخييلية في إثبات اليد له، وفيه مشابهة في مقابلة يده بأيديهم، وقيل: الكلام على التشبيه البليغ، الأصل: كأنّ يد الله حين المبايعة فوق أيديهم، حذف أداة التشبيه؛ للمبالغة في التأكيد.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾؛ لأنّ النكث حقيقة في نقض، نحو: الحبل والغزل وفكِّه، فاستعير لنقض العهد، فاشتق من النكث بمعنى: نقض العهد نكث، بمعنى: نقض العهد، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: فنّ اللفّ في قوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾؛ لأنّ الأصل: فمن يملك لكم من الله شيئًا، إن أراد بكم ضرًّا، ومن يحرمكم النفع، إن أراد بكم نفعًا.
ومنها: تكرير الظنّ في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ بعد قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ إلخ، لتشديد التوبيخ، والتسجيل عليه بالسوء.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾؛
стр. 12486
لأن مقتضى السياق أن يقال: فإنا أعتدنا له سعيرًا، بالضمير العائد على ﴿مَنْ﴾؛ إيذانًا بأنّ من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله كافر، مستوجب السعير.
ومنها: تنكير ﴿سَعِيرًا﴾؛ للتهويل للدلالة على أنه سعير لا يكتنه كنهها, ولا يعرف قدرها.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فالإضراب الأول معروف، وهو ديدنهم، ودليل لجاجهم وتماديهم في التعنّت والإصرار على السفه، أمّا الإضراب الثاني .. فهو الذي تتجسد فيه بلادتهم وغباوتهم؛ وإن الإضراب الأول: فيه نسبة إلى جهل في شيء مخصوص: وهو نسبتهم الحسد إلى المؤمنين، والثاني: فيه نسبة إلى جهل عامّ على الإطلاق.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كرّر ذكرهم بهذا العنوان؛ لذمّهم مرّةً بعد أخرى، فإن التخلّف عن صحبة الرسول ﷺ شناعةٌ أيُّ شناعة.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
حال المبايعين، الذين ذكرهم فيما تقدم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ فأبان رضاه عنهم؛ لأجل تلك البيعة، لما علم من صدق إيمانهم، وإخلاصهم في بيعتهم، وأنزل عليهم طمأنينة ورباطة جاش، وجازاهم بمغانم كثيرة أخذوها من خيبر بعد عودتهم من الحديبية، وكان الله عزيزًا؛ أي: غالبًا على أمره، موجدًا أفعاله وأقواله على مقتضى الحكمة.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا (١) وعدهم فيما سلف بمغانم خيبر .. أردف ذلك ببيان: أنّ ما آتاهم من الفتح والمغانم، ليس هو الثواب وحده، بل الجزاء أمامهم، وإنّما عجّل لهم هذه؛ لتكون علامة على صدق رسوله ﷺ وحياطته له، وحراسته للمؤمنين، وليثبتكم على الإِسلام، وليزيديكم بصيرةً، وسيؤتيكم مغانم أخرى من فارس والروم، وغيرهما ما كنتم تقدرون عليها لولا الإِسلام، فقد كانت بلاد العرب شبه مسستعمرات لهذه الدول، فأقدرهم الله تعالى عليها بعزّ الإِسلام.
ثم ذكر أنه لو قاتلكم أهل مكة، ولم يصالحوكم .. لانهزموا ولم يجدوا وليًّا ولا نصيرًا يدافع عنهم، وتلك هي سنة الله تعالى من غلبة المؤمنين، وخذلان الكافرين، ثمّ امتن على عباده المؤمنين أنه كفَّ أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، فصان كلًا من الفريقين عن الآخر، وأوجد صلحًا فيه خيرة للمؤمنين، وعافية لهم في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا بيَّن فيما سلف أنّ الله كفّ أيدى المؤمنين عن الكافرين، وكفّ أيدي الكافرين عن المؤمنين .. عيَّن هنا مكان الكفّ، وهو البيت الحرام، الذي صدّوا المؤمنين
стр. 12489
عنه، ومنعوا الهدى معكوفًا أن يبلغ محلّه، والسبب الذي لأجله كفوهم هو كفرهم بالله.
ثم أخبرهم بأنه لولا أن يقتلوا رجالًا مؤمنين، ونساء مؤمنات لا علم لهم بهم، فيلزمهم العار والإثم .. لأذن لهم في دخول مكة، ولقد كان الكف ومنع التعذيب عن أهل مكة؛ ليُدخل الله في دين الإِسلام من يشاء منهم بعد الصلح وقبل دخولها, وليمنعنّ الأذى عن المؤمنين منهم، ولو تفرّقوا وتمييّز بعضهم من بعض .. لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليما بالقتل والسبي، حين جعلوا في قلوبهم أنفة الجاهلية، التي تمنع من الإذعان للحق، ولكن أنزل الله الثبات والوقار على رسوله، وعلى المؤمنين، فامتنعوا أن يبطشوا بهم، وألزمهم الوفاء بالعهد، وكانوا أحق بذلك من غيرهم، إذ اختارهم الله لدينه، وصحبة نبيّه ﷺ .
ورأى النبي ﷺ في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبيّة أنه يدخل المسجد الحرام، هو وأصحابه آمنين، منهم من يحلق، ومنهم من يقّصر، فأخبر ذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلون مكة عامهم هذا، فلمّا انصرفوا لم يدخلوا .. شق ذلك عليهم، وقال المنافقون: أين رؤياه التي رآها؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ ودخلوا في العام المقبل.
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر (١) أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الإِسلام، ليعلي شأنه على سائر الأديان .. أردف هذا ببيان حال الرسول، والمرسل إليهم، فوصفهم بأوصاف كلها مدائح لهم، وذكرى لمن بعدهم، وبها سادوا الأمم، وامتلكوا الدول، وقبضوا على ناصية العالم أجمع، وهي:
١ - أنهم غلاظ على من خالف دينهم، وناوأهم العداء رحماء فيما بينهم.
٢ - أنهم جعلوا الصلاة والإخلاص لله ديدنهم في أكثر أوقاتهم.
стр. 12490
٣ - أنهم يرجون بعملهم الثواب من ربهم، والزلفى إليه، ورضاه عنهم.
٤ - أنهم لهم سيماء، يعرفون بها، فلهم نور في وجوههم، وخشوع وخضوع يعرفه أولو الفطن.
٥ - أن الإنجيل ضرب بشأنهم المثل، فقال: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.
ذاك أنهم في بدء الإِسلام كانوا قليلي العدد، ثمّ كثروا واستحكموا، وترقى أمرهم يومًا فيومًا، حتى أعجب الناس بهم، فإنّ النبي ﷺ قام وحده، ثمّ قوَّاه الله بمن معه، كما يقوّي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتوالد منها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سلمة بن الأكوع، قال: بينما نحن قائلون، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : يا أيّها الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس، فسرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، عن أنس ﵁ قال: لمّا كان يوم الحديبية .. هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا في السلاح من جبل التنعيم، يريدون غرّة رسول الله ﷺ ، فأُخذوا فأعتقهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ...﴾ الآية. وأخرج مسلم نحوه من حديث سلمة بن الأكوع وأحمد والنسائي نحوه من حديث عبد الله بن مغفل المزني، وابن إسحاق نحوه من حديث ابن عباس ﵄.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه
стр. 12491
الآية: ما أخرجه الطبراني وأبو يعلى عن أبي جمعة جنيد بن سبع قال: قاتلت النبي ﷺ أوّل النهار كافرًا، وقاتلت معه آخر النهار مسلمًا، وكنّا ثلاثة رجال، وسبع نسوة، وفينا نزل: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في "الدلائل" عن مجاهد قال: أري النبيّ ﷺ وهو بالحديبية: أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين، محلّقين رؤوسهم ومقصرين، فلمّا نحر الهدي بالحديبية .. قال أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٨ - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد باعد الله السخط عن المؤمنين بواسطة إيجاد الرضا لهم؛ لأنَّ من معنى ﴿عَنِ﴾ المجاوزة، والمجاوزة لغةً: البعد، واصطلاحًا: بعد الشيء عن المجرور بها بواسطة إيجاد مصدر ذلك العامل، كما هو مقرّر في محلّه، ورضوا عنه.
ومعنى رضا العبد عن ربه (١): أن لا يكره ما يجري به قضاؤه.
ومعنى رضا الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمرا لأمره، منتهيًا عن نهيه، وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم، وكانوا ألفًا وأربع مئة على الصحيح، وقيل: ألفًا وخمس مئة وخمسة وعشرين؛ أي: (٢) رضي عن المؤمنين الراسخين في الإيمان؛ أي: فعل بهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح، وما قدر لهم من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين، فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور شاهدة.
﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿رَضِيَ﴾، وصيغة المضارع؛ لاستحضار صورتها؛ أي: ﵃ وقت تلك المبايعة، وبهذه الآية سمّيت: بيعة
стр. 12492
الرضوان، وقوله: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: إما متعلق بـ ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ أو بمحذوف حال من المفعول؛ أي: حال كونك تحت الشجرة، وهذه الشجرة المذكورة هي شجرة كانت بالحديبية، وهي السمرة؛ أي: أمّ غيلان، وهي كثيرة في بوادي الحجاز، وقيل: هي سدرة، قال في "إنسان العيون": صارت تلك الشجرة التي وقعت عندها البيعة، يقال لها: شجرة الرضوان، وبلغ عمر بن الخطاب ﵁ في زمان خلافته: أنّ ناسًا يصلّون عندها، فتوعدهم، وأمر بها فقطعت خوف ظهور البدعة. انتهى.
وروى الإِمام النسفي ﵀ في "التيسير": إنها عمّيت عليهم من قابل، فلم يدروا أين ذهبت، ويمكن التوفيق بين الروايتين بأنها لما عميت عليهم .. ذهبوا يصلون تحت شجرة على ظنّ أنها هي شجرة البيعة، فأمر عمر بقطعها، فقطعت.
وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشًا، ولا يفرّوا، وروي: أنه بايعهم على الموت، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والمسير، فراجعها إن شئت.
﴿فَعَلِمَ﴾ الله ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: معطوف على ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ لما عرفت من أنه بمعنى بايعوك، لا على ﴿رَضِيَ﴾، فإنّ رضاه تعالى عنهم مرتّب على علمه تعالى بما في قلوبهم من الصدق والإخلاص، عند مبايعتهم له ﷺ ، قال الفرّاء: علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء، وقال قتادة وابن جريج: من الرضى بأمر البيعة على أن لا يفرّوا، وقال مقاتل: من كراهة البيعة على الموت.
﴿فَأَنْزَلَ﴾ سبحانه ﴿السَّكِينَةَ﴾؛ أي: الطمأنينة، وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على قلوبهم، معطوف على ﴿رَضِيَ﴾؛ يعني: أنزل السكينة على قلوب المؤمنين المخلصين حتى ثبتوا، وبايعوك على الموت، وعلى أن لا يفرّوا ﴿وَأَثَابَهُمْ﴾؛ أي: وجازاهم على الطاعة ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾؛ أي: فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية في ذي الحجة، فأقام ﷺ بالمدينة بقيته وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم، سنة سبع.
وقرأ الحسن ونوح القارىء: ﴿وآتاهم﴾؛ أي؛ أعطاهم، والجمهور:
стр. 12493
﴿وَأَثَابَهُمْ﴾ من الثواب.
١٩ - ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ وهي مغانم خيبر، وكانت ذات عقار وأشجار أخذوها من اليهود مع فتح بلدتهم، فقسمت عليهم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَأْخُذُونَهَا﴾ بالياء على الغيبة في ﴿وَأَثَابَهُمْ﴾ وما قبله من ضمير الغيبة، وقرأ الأعمش، وطلحة، ورويس عن يعقوب ودلبة عن يونس عن ورش، وأبو دحية عن نافع والأنطاكي عن أبي جعفر: بالتاء على الخطاب، كما جاء بعد ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ بالخاطب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أي: غالبًا منيعًا كامل العزّة غنيًا عن إعانتكم ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبره لخلقه، حيث حكم لكم بالنصرة والفتح والغنائم، ولأهل خيبر بالسبي والهزيمة
٢٠ - ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ﴾ أيّها المؤمنون ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ إلى يوم القيامة ﴿تَأْخُذُونَهَا﴾ من الكفار في أوقاتها المقدّرة لكل واحدة منها، والالتفات لتشريفهم بالخطاب، وفي هذا وعد منه سبحانه لعباده المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة، يأخذونها في أوقاتها التي قدّر وقوعها فيها ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾؛ أي: غنائم خيبر، قاله مجاهد، وقيل: صلح الحديبية، فليست كل الثواب، بل الجزاء قدامكم ﴿وَكَفَّ﴾ سبحانه ومنع ﴿أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: كفّ (٢) الله سبحانه أيدي بني أسد وغطفان: وهم حلفاء أهل خيبر عنكم، حيث جاؤوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنكصوا عن عيالكم لما خرجتم إلى خيبر، فإنّ النبيّ ﷺ لمّا قصد خيبر، وحاصر أهلها .. همّت قبائل من بني أسد وغطفان، أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريّهم بالمدينة، فكفّ الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، فنكصوا، وقال قتادة؛ كفّ أيدي يهود خيبر عن المدينة بعد خروج النبيّ ﷺ إلى الحديبية، ورجح هذا ابن جرير، أما كفّ أيدي أهل مكة بالحديبية .. فمذكور بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ...﴾ إلخ.
стр. 12494
وقال سعدي المفتي (١): إن كان نزولها بعد فتح خيبر، كما هو الظاهر .. لا تكون السورة بتمامها نازلة في مرجعه ﷺ من الحديبية، وإن كان قبله، على أنها من الإخبار بالغيب .. فالإشارة بهذه لتنزيل المغانم منزلة الحاضرة المشاهدة، والتعبير بالمضي للتحقق.
وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف على علة أخرى محذوفة من أحد الفعلين؛ أي: فعجل لكم هذه، أو كفّ أيدي الناس عنكم لتغتنموها, ولتكون هذه الكفة أمارةً للمؤمنين يعرفون بها صدق الرسول ﷺ في وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية ما ذكر من الغنائم، وفتح مكة، ودخول المسجد الحرام؛ أي (٢): لتنفعكم في الظاهر، وتنفعكم في الباطن، حيث يزداد يقينكم إذا رأيتم صدق الرسول في إخباره عن الغيوب، فيكمل اعتقادكم؛ أي: عجّل الله فتح خيبر ليكون ذلك الفتح وهو هزيمة أهل خيبر وسلامتكم عبرةً للمؤمنين؛ لأنكم كنتم ثمانية آلاف، وأن أهل خيبر كانوا سبعين ألفا، وكفّ أيدي الناس عنكم، وعن عيالكم؛ ليكون ذلك الكف علامة للمؤمنين، فيعلموا أنّ الله يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم.
ويجوز (٣) أن تكون ﴿الواو﴾: اعتراضية على أن تكون اللام متعلقة بمحذوف مؤخرٍ؛ أي: ولتكون آيةً لهم فعل ما فعل من التعجيل، وقيل: إن ﴿الواو﴾: زائدة، و ﴿اللام﴾: لتعليل ما قبلها؛ أي: كفّ أيدي الناس عنكم؛ لتكون لتلك الكفّة آية للمؤمنين.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: طريق التوكّل عليه تعالى، والثقة بفضله تعالى في كلّ ما تأتون وما تذرون، أو يزيدكم بتلك الآية هدى، أو يثبّتكم بها على الهداية إلى طريق الحق.
ومعنى الآية: أي (٤) وعدكم الله سبحانه مغانم كثيرة من غنائم أهل الشرك
стр. 12495
إلى يوم القيامة، ولكن عجّل لكم مغانم خيبر، وكفّ أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي ﷺ إلى الحديبية وخيبر، وقال قتادة، واختاره ابن جرير الطبريّ: لتشكروه، ولتكون أمارة للمؤمنين، يعلمون بها أنّ الله حافظهم، وناصرهم على أعدائهم على قلّة عددهم، وليهديكم صراطًا مستقيمًا بانقيادكم لأمره، وموافقتكم رسوله ﷺ ، ويزيدكم يقينًا بصلح الحديبية وفتح خيبر.
روى إياس بن سلمة، قال: حدّثني أبي قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ ، فجعل عمّي عامر يرتجز بالقوم، ثمّ قال:
تَالله لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِيْنَة عَلَيْنَا
فقال رسول الله ﷺ : "من هذا؟ " قال: أنا عامر، قال: "غفر لك ربّك" وما استغفر لأحد إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبيّ الله، لو امتعتنا بعامر، فلمّا قدمنا خيبر .. خرج قائدهم مرحب يخطر سيفه، ويقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّيْ مَرْحَبُ ... شَاكِيْ السِّلَاح بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذِ الْحَرُوْبُ أَقْبَلَتْ تَلْتَهِبُ
فبرز له عامر بن عثمان، فقال:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّيْ عَامِرُ ... شَاكِيْ السِّلَّاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
أي: تام السلاح معروف بالشجاعة، وقهر الفرسان، فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فرجع سيف عامر على نفسه، فقطع أكحله الأكحل: عرق في اليد، فكانت فيها نفسه، قال: فأتيت النبيّ ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامر، فقال: "من قال ذلك؟ " قلت: ناس من أصحابك، قال: "من قال ذلك؟ بل له أجره مرتين". ثمّ أرسلني إلى عليّ وهو أرمد، وقال: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله" فأتيت
стр. 12496
عليًّا فجهئت به أقوده، وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله ﷺ ، فتفل في عينيه فبرىء، وأعطاه الراية، فخرج مرحب، وقال:
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ مَرْحَبُ ... شَاكِيْ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
فقال عليّ كرّم الله وجهه:
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيْهِ الْمَنْظَرَهْ
أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ (١)
قال: فضرب رأس مرحب، فقتله، ثم كان الفتح على يديه كرم الله وجهه.
نبذة من قصة خيبر
ثم إن خيبر حصن معروف قرب المدينة، على ما في "القاموس". وقال في "إنسان العيون": هو على وزن جعفر، سميت باسم رجل من العماليق نزلها، يقال له: خيبر، وهو أخو يثرب الذي سمّيت باسمه المدينة، وفي كلام بعضهم: خيبر بلسان اليهود الحصين، ومن ثمّ قيل لها: خيابر؛ لاشتمالها على الحصون، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، ونخل كثير، بينها وبين المدينة الشريفة ثمانية برد، والبريد: أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال.
يقول الفقير: وكل ميلين ساعة واحدة بالساعات النجومية؛ لأنّه عدّ من المدينة إلى قباء ميلان، وهي ساعة واحدة، فتكون الثمانية البرد ثماني وأربعين ساعة بتلك الساعات.
ولمّا رجع ﷺ من الحديبية .. أقام بالمدينة شهرًا؛ أي: بقية ذى الحجة وبعض المحرم من سنة سبع، ثمّ خرج إلى خيبر، وقد استنفر من حوله ممن شهد الحديبية يغزون معه، وجاء المخلفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال ﷺ : "لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، أما الغنيمة فلا"؛ أي: لا تعطون منها شيئًا، ثمّ أمر مناديًا ينادي بذلك، فنادى به، وأمر أيضًا أنه
стр. 12497
لا يخرج الضعيف، ولا من له مركب صعب، حتى إنّ بعضهم خالف هذا الأمر، فنفر مركوبه فصرعه، فاندقت فخذه فمات. فأمر ﵇ بلالًا ﵁ أن ينادي في الناس: الجنة لا تحل لعاص، ثلاثًا. وخرج معه ﷺ من نسائه أمّ سلمة ﵂ ولمّا أشرف على خيبر، وكان وقت الصبح .. رأى عمَّالها وقد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وهي القفف الكبيرة، قالوا: محمد والخميس؛ أي: الجيش العظيم معه، قيل له: الخميس؛ لأنه خمسة أقسام: المقدمة، والساقة والميمنة والميسرة، وهما الجناحان، والقلب، وأدبروا؛ أي: العمّال هربًا إلى حصونهم، وكانوا لا يظنّون أنّ رسول الله ﷺ يغزوهم، وكان بها عشرة آلاف مقاتل، فقال ﷺ : "الله أكبر، خَرِبَت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم .. فساء صباح المنذرين".
وابتدأ من حصونهم بحصن النطاة، وأمر بقطع نخلها فقطعوا أربع مئة، ثم نهاهم عن القطع، ومكث ﷺ سبعة أيَّام يقاتل أهل حصون النطاة، فلم يرجع من أعطى له الراية بفتح، ثمّ قال: "لأعطين الراية غدًا إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّانه، يفتح الله على يديه" فتطاولها أبو بكر وعمر، وبعض الصحابة من قريش، فدعا ﷺ عليًّا ﵁ وبه رمد، فتفل في عينيه، ثم أعطاه الراية، وكانت تلك الراية بيضاء مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بالسواد، فقال: عَلَامَ أقاتلهم يا رسول الله؟ قال: "أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك .. فقد حقنوا دماءهم وأموالهم" وألبسه ﷺ درعه الحديد، وشدّ سيفه ذا الفقار في وسطه، ووجهه إلى الحصين، وقال: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من حمر النعم"؛ أي: من الإبل النفيسة التي تصدق بها في سبيل الله، فخرج عليّ بالراية يهرول، حتى ركزها تحت الحصن، فخرج الحارث أخو مرحب، وكان معروفًا بالشجاعة، فتضاربا فقتله عليّ، وانهزم اليهود إلى الحصين، ثمّ خرج إليه مرحب سيد اليهود، وهو يرتجز ويقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّيْ مَرْحَبُ ... شَاكِيْ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
وارتجز عليّ ﵁ وقال:
стр. 12498
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ حَيْدَرَهْ ... ضِرْغَامُ آجَامٍ وَلَيْثٌ قَسْوَرَهْ
وضرب عليًّا، فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ بابًا كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده يقاتل حتى قتل مرحبًا، وفتح الله عليه الحصين، وهو حصن ناعم من حصون النطاة، وألقى الباب من يده وراء ظهره ثمانين شبرًا، وذلك بالقوّة القدسيَّة، وفيه بيان شجاعة عليّ، حيث قتل شجيعًا بعد شجيع.
ثم انتقل النبي ﷺ من حصن ناعم إلى حصن العصب من حصون النطاة، فأقاموا على محاصرته يومين، حتى فتحه الله، وما بخيبر حصن أكثر طعامًا منه: كالشعير، والسمن والتمر والزيت، والشحم والماشية والمتاع، ثم انتقلوا إلى حصن قلة، وهو حصن بقلة، وهو آخر حصون النطاة، فقطعوا عنهم ماءهم، ففتحه الله، ثمّ سار المسلمون إلى حصار الشقّ، بفتح الشين المعجمة، وهو أعرف عند أهل اللغة من الكسر، ففتحوا الحصن الأول من حصونه. ثمّ حاصروا حصن البراء: وهو الحصن الثاني من حصون الشقّ، فقاتلوا قتالًا شديدًا حتى فتحه الله، ثمّ حاصروا حصون الكثيبة، وهي ثلاثة حصون: القموص بوزن صبور، والوطيح، وسلالم بضم السين المهملة، وكان أعظم حصون خيبر القموص، وكان منيعًا حاصره المسلمون عشرين ليلةً، ثم فتحه الله على يد عليّ ﵁ ومنه سبيت صفية بنت حيي ﵂. وانتهى المسلمون إلى حصار الوطيح، بالحاء المهملة، سمي باسم الوطيح بن مارن رجل من اليهود، وسلالم آخر حصون خيبر، ومكثوا على حصارهما أربعة عشر يومًا، وهذان الحصنان فتحا صلحًا؛ لأنَّ أهلهما لما أيقنوا بالهلاك .. سألوا رسول الله ﷺ الصلح على حقن دماء المقاتلة، وترك الذريّة لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريِّهم، وأن لا يصحب أحد منهم إلا ثوبًا واحدًا على ظهره، فصالحهم عليه، ووجدوا في الحصنين المذكورين مئة درع، وأربع مئة سيف، وألف رمح، وخمس مئة قوس عربية بجعابها، وأشياء أخر غالية القيمة، وهي ما في خزانة أبي الحقيق - مصغرًا - وأرسل ﷺ إلى أهل فدك، وهي محرّكة: قرية بخيبر، يدعوهم إلى الإِسلام ويخوِّفهم، فتصالحوا معه ﷺ على أن يحقن دماءهم ويخلِّيهم ويخلون
стр. 12499
بينه وبين الأموال، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، وقيل: تصالحوا معه على أن يكون لهم النصف في الأرض، ولرسول الله النصف الآخر، وكان فدك على الأول لرسول الله، وعلى الثاني كان له نصفها؛ لأنها لم تؤخذ بمقاتلة، وكان ﷺ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، ولمّا مات ﷺ وولي أبو بكر ﵁ الخلافة .. سألته فاطمة ﵂ أن يجعل فدك أو نصفها لها، فأبى، وروي لها أنه ﷺ قال: "إنا - معاشر الأنبياء - لا نورث"؛ أي: لا نكون موّرثين "ما تركناه صدقة"؛ أي: على المسلمين.
ثمّ إنّ النبي ﷺ أمر بالغنائم التي غنمت قبل الصلح فجمعت، وأصاب رسول الله ﷺ سبايا، منها: صفية بنت ملكهم حيي بن أخطب، من سبط هارون بن عمران أخي موسى ﵉، فهداها الله، فأسلمت، ثمّ أعتقها رسول الله ﷺ وتزوّجها، وكانت رأت أن القمر وقع في حجرها، فكان ذلك رسول الله ﷺ وجعل وليمتها حيسًا في نطع، الحيس: تمر وأقط وسمن، ودخل بها رسول الله ﷺ في منزل الصهباء في العود، والصهباء: موضع قرب خيبر، كما في "القاموس".
ونهى النبيّ ﷺ عن إتيان الحبالى حتى تضع، وعن غير الحبالى حتى تستبرأ بحيضة، ونهى عن إتيان المسجد لمن أكل الثوم والبصل، وعن بعضهم: ما أكل نبيّ قطّ ثومًا ولا بصلًا.
يقول الفقير: يدخل فيه الدخان الشائع شربه في هذا الزمان، بل رائحته أكره من رائحة الثوم والبصل، فإذا كان دخول المسجد ممنوعًا مع رائحتهما دفعًا لأذى الناس والملائكة .. فمع رائحة الدخان أولى، وظاهر: أنَّ الثوم والبصل من جنس الأغذية، ولا كذلك الدخان، ومحافظة المزاج بشربه إنما عرفت بعد الإدمان المولد للأمراض الهائلة، فليس لشاربه دليل في ذلك أصلًا، فكما أنَّ شرب الخمر ممنوع أولًا وآخرًا، حتى لو تاب منها ومرض .. لا يجوز أن يشربها, ولو مات من ذلك .. يؤجر ولا يأثم فكذا شرب الدخان، وليس استطابته إلا من خباثة الطبع، فإنّ الطباع السليمة تستقذره لا محالة، فتب إلى
стр. 12500
الله، وعد حتى لا يراك حيث نهاك.
ولمّا قدم رسول الله ﷺ خيبر .. كان الثمر أخضر، فأكثر الصحابة من أكله، فأصابتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ وسلم، فقال: "برِّدوا لها الماء في الشنان؛ أي: في القرب، ثم صبوا منه عليكم بين أذاني الفجر، واذكروا اسم الله عليه" ففعلوا فذهبت عنهم، وفي هذه الغزوة أراد ﷺ أن يتبَّرز، فأمر إلى شجرتين متباعدتين، حتى اجتمعتا فاستتر بهما، ثمّ قام فانطلقت كل واحدة إلى مكانها.
وفي خيبر كان أكله من الشاة المسمومة، وذلك أنَّ زينب ابنة الحارث أخي مرحب سمتها، وأكثرت في الذراعين والكتف، لمّا عرفت أنه ﷺ كان يحب الذراع والكتف لكونهما أبعد من الأذى، وأهدتها له معه، وهو بشر بن البراء، واحتجم رسول الله ﷺ بين الكتفين في ثلاثة مواضع، ثم أرسل رسول الله ﷺ إلى تلك اليهوديّة، فقال: "أسَمَمت هذه الشاة؟ " فقالت من أخبرك؛ قال: "أخبرتني هذه التي في يدي"؛ أي: الذراع، قالت: نعم. قال: "ما حملك على ما صنعت؟ " قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان ملكًا .. استرحنا منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فعفا عنها، فلمّا مات بشر .. أمر بها، فقتلت وصلبت.
٢١ - وقوله: ﴿أُخْرَى﴾: معطوف (١) على هذه، أي: فعجَّل لكم هذه الغنائم ومغانم أخرى: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد: كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن ومقاتلٌ، وابن أبي ليلى، وقال الضحاك وابن زيد وابن أبي إسحاق: هي خيبر، وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها، وقال قتادة: فتح مكة، وقال عكرمة: حنين، والأول: أولى.
﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: صفة ثانية لـ ﴿أُخْرَى﴾ قال الفرّأء: أحاط الله بها