عليًّا فجهئت به أقوده، وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله ﷺ ، فتفل في عينيه فبرىء، وأعطاه الراية، فخرج مرحب، وقال:
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ مَرْحَبُ ... شَاكِيْ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
فقال عليّ كرّم الله وجهه:
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيْهِ الْمَنْظَرَهْ
أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ (١)
قال: فضرب رأس مرحب، فقتله، ثم كان الفتح على يديه كرم الله وجهه.
نبذة من قصة خيبر
ثم إن خيبر حصن معروف قرب المدينة، على ما في "القاموس". وقال في "إنسان العيون": هو على وزن جعفر، سميت باسم رجل من العماليق نزلها، يقال له: خيبر، وهو أخو يثرب الذي سمّيت باسمه المدينة، وفي كلام بعضهم: خيبر بلسان اليهود الحصين، ومن ثمّ قيل لها: خيابر؛ لاشتمالها على الحصون، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، ونخل كثير، بينها وبين المدينة الشريفة ثمانية برد، والبريد: أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال.
يقول الفقير: وكل ميلين ساعة واحدة بالساعات النجومية؛ لأنّه عدّ من المدينة إلى قباء ميلان، وهي ساعة واحدة، فتكون الثمانية البرد ثماني وأربعين ساعة بتلك الساعات.
ولمّا رجع ﷺ من الحديبية .. أقام بالمدينة شهرًا؛ أي: بقية ذى الحجة وبعض المحرم من سنة سبع، ثمّ خرج إلى خيبر، وقد استنفر من حوله ممن شهد الحديبية يغزون معه، وجاء المخلفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال ﷺ : "لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، أما الغنيمة فلا"؛ أي: لا تعطون منها شيئًا، ثمّ أمر مناديًا ينادي بذلك، فنادى به، وأمر أيضًا أنه
стр. 12497
لا يخرج الضعيف، ولا من له مركب صعب، حتى إنّ بعضهم خالف هذا الأمر، فنفر مركوبه فصرعه، فاندقت فخذه فمات. فأمر ﵇ بلالًا ﵁ أن ينادي في الناس: الجنة لا تحل لعاص، ثلاثًا. وخرج معه ﷺ من نسائه أمّ سلمة ﵂ ولمّا أشرف على خيبر، وكان وقت الصبح .. رأى عمَّالها وقد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وهي القفف الكبيرة، قالوا: محمد والخميس؛ أي: الجيش العظيم معه، قيل له: الخميس؛ لأنه خمسة أقسام: المقدمة، والساقة والميمنة والميسرة، وهما الجناحان، والقلب، وأدبروا؛ أي: العمّال هربًا إلى حصونهم، وكانوا لا يظنّون أنّ رسول الله ﷺ يغزوهم، وكان بها عشرة آلاف مقاتل، فقال ﷺ : "الله أكبر، خَرِبَت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم .. فساء صباح المنذرين".
وابتدأ من حصونهم بحصن النطاة، وأمر بقطع نخلها فقطعوا أربع مئة، ثم نهاهم عن القطع، ومكث ﷺ سبعة أيَّام يقاتل أهل حصون النطاة، فلم يرجع من أعطى له الراية بفتح، ثمّ قال: "لأعطين الراية غدًا إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّانه، يفتح الله على يديه" فتطاولها أبو بكر وعمر، وبعض الصحابة من قريش، فدعا ﷺ عليًّا ﵁ وبه رمد، فتفل في عينيه، ثم أعطاه الراية، وكانت تلك الراية بيضاء مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بالسواد، فقال: عَلَامَ أقاتلهم يا رسول الله؟ قال: "أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك .. فقد حقنوا دماءهم وأموالهم" وألبسه ﷺ درعه الحديد، وشدّ سيفه ذا الفقار في وسطه، ووجهه إلى الحصين، وقال: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من حمر النعم"؛ أي: من الإبل النفيسة التي تصدق بها في سبيل الله، فخرج عليّ بالراية يهرول، حتى ركزها تحت الحصن، فخرج الحارث أخو مرحب، وكان معروفًا بالشجاعة، فتضاربا فقتله عليّ، وانهزم اليهود إلى الحصين، ثمّ خرج إليه مرحب سيد اليهود، وهو يرتجز ويقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّيْ مَرْحَبُ ... شَاكِيْ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
وارتجز عليّ ﵁ وقال:
стр. 12498
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ حَيْدَرَهْ ... ضِرْغَامُ آجَامٍ وَلَيْثٌ قَسْوَرَهْ
وضرب عليًّا، فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ بابًا كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده يقاتل حتى قتل مرحبًا، وفتح الله عليه الحصين، وهو حصن ناعم من حصون النطاة، وألقى الباب من يده وراء ظهره ثمانين شبرًا، وذلك بالقوّة القدسيَّة، وفيه بيان شجاعة عليّ، حيث قتل شجيعًا بعد شجيع.
ثم انتقل النبي ﷺ من حصن ناعم إلى حصن العصب من حصون النطاة، فأقاموا على محاصرته يومين، حتى فتحه الله، وما بخيبر حصن أكثر طعامًا منه: كالشعير، والسمن والتمر والزيت، والشحم والماشية والمتاع، ثم انتقلوا إلى حصن قلة، وهو حصن بقلة، وهو آخر حصون النطاة، فقطعوا عنهم ماءهم، ففتحه الله، ثمّ سار المسلمون إلى حصار الشقّ، بفتح الشين المعجمة، وهو أعرف عند أهل اللغة من الكسر، ففتحوا الحصن الأول من حصونه. ثمّ حاصروا حصن البراء: وهو الحصن الثاني من حصون الشقّ، فقاتلوا قتالًا شديدًا حتى فتحه الله، ثمّ حاصروا حصون الكثيبة، وهي ثلاثة حصون: القموص بوزن صبور، والوطيح، وسلالم بضم السين المهملة، وكان أعظم حصون خيبر القموص، وكان منيعًا حاصره المسلمون عشرين ليلةً، ثم فتحه الله على يد عليّ ﵁ ومنه سبيت صفية بنت حيي ﵂. وانتهى المسلمون إلى حصار الوطيح، بالحاء المهملة، سمي باسم الوطيح بن مارن رجل من اليهود، وسلالم آخر حصون خيبر، ومكثوا على حصارهما أربعة عشر يومًا، وهذان الحصنان فتحا صلحًا؛ لأنَّ أهلهما لما أيقنوا بالهلاك .. سألوا رسول الله ﷺ الصلح على حقن دماء المقاتلة، وترك الذريّة لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريِّهم، وأن لا يصحب أحد منهم إلا ثوبًا واحدًا على ظهره، فصالحهم عليه، ووجدوا في الحصنين المذكورين مئة درع، وأربع مئة سيف، وألف رمح، وخمس مئة قوس عربية بجعابها، وأشياء أخر غالية القيمة، وهي ما في خزانة أبي الحقيق - مصغرًا - وأرسل ﷺ إلى أهل فدك، وهي محرّكة: قرية بخيبر، يدعوهم إلى الإِسلام ويخوِّفهم، فتصالحوا معه ﷺ على أن يحقن دماءهم ويخلِّيهم ويخلون
стр. 12499
بينه وبين الأموال، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، وقيل: تصالحوا معه على أن يكون لهم النصف في الأرض، ولرسول الله النصف الآخر، وكان فدك على الأول لرسول الله، وعلى الثاني كان له نصفها؛ لأنها لم تؤخذ بمقاتلة، وكان ﷺ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، ولمّا مات ﷺ وولي أبو بكر ﵁ الخلافة .. سألته فاطمة ﵂ أن يجعل فدك أو نصفها لها، فأبى، وروي لها أنه ﷺ قال: "إنا - معاشر الأنبياء - لا نورث"؛ أي: لا نكون موّرثين "ما تركناه صدقة"؛ أي: على المسلمين.
ثمّ إنّ النبي ﷺ أمر بالغنائم التي غنمت قبل الصلح فجمعت، وأصاب رسول الله ﷺ سبايا، منها: صفية بنت ملكهم حيي بن أخطب، من سبط هارون بن عمران أخي موسى ﵉، فهداها الله، فأسلمت، ثمّ أعتقها رسول الله ﷺ وتزوّجها، وكانت رأت أن القمر وقع في حجرها، فكان ذلك رسول الله ﷺ وجعل وليمتها حيسًا في نطع، الحيس: تمر وأقط وسمن، ودخل بها رسول الله ﷺ في منزل الصهباء في العود، والصهباء: موضع قرب خيبر، كما في "القاموس".
ونهى النبيّ ﷺ عن إتيان الحبالى حتى تضع، وعن غير الحبالى حتى تستبرأ بحيضة، ونهى عن إتيان المسجد لمن أكل الثوم والبصل، وعن بعضهم: ما أكل نبيّ قطّ ثومًا ولا بصلًا.
يقول الفقير: يدخل فيه الدخان الشائع شربه في هذا الزمان، بل رائحته أكره من رائحة الثوم والبصل، فإذا كان دخول المسجد ممنوعًا مع رائحتهما دفعًا لأذى الناس والملائكة .. فمع رائحة الدخان أولى، وظاهر: أنَّ الثوم والبصل من جنس الأغذية، ولا كذلك الدخان، ومحافظة المزاج بشربه إنما عرفت بعد الإدمان المولد للأمراض الهائلة، فليس لشاربه دليل في ذلك أصلًا، فكما أنَّ شرب الخمر ممنوع أولًا وآخرًا، حتى لو تاب منها ومرض .. لا يجوز أن يشربها, ولو مات من ذلك .. يؤجر ولا يأثم فكذا شرب الدخان، وليس استطابته إلا من خباثة الطبع، فإنّ الطباع السليمة تستقذره لا محالة، فتب إلى
стр. 12500
الله، وعد حتى لا يراك حيث نهاك.
ولمّا قدم رسول الله ﷺ خيبر .. كان الثمر أخضر، فأكثر الصحابة من أكله، فأصابتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ وسلم، فقال: "برِّدوا لها الماء في الشنان؛ أي: في القرب، ثم صبوا منه عليكم بين أذاني الفجر، واذكروا اسم الله عليه" ففعلوا فذهبت عنهم، وفي هذه الغزوة أراد ﷺ أن يتبَّرز، فأمر إلى شجرتين متباعدتين، حتى اجتمعتا فاستتر بهما، ثمّ قام فانطلقت كل واحدة إلى مكانها.
وفي خيبر كان أكله من الشاة المسمومة، وذلك أنَّ زينب ابنة الحارث أخي مرحب سمتها، وأكثرت في الذراعين والكتف، لمّا عرفت أنه ﷺ كان يحب الذراع والكتف لكونهما أبعد من الأذى، وأهدتها له معه، وهو بشر بن البراء، واحتجم رسول الله ﷺ بين الكتفين في ثلاثة مواضع، ثم أرسل رسول الله ﷺ إلى تلك اليهوديّة، فقال: "أسَمَمت هذه الشاة؟ " فقالت من أخبرك؛ قال: "أخبرتني هذه التي في يدي"؛ أي: الذراع، قالت: نعم. قال: "ما حملك على ما صنعت؟ " قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان ملكًا .. استرحنا منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فعفا عنها، فلمّا مات بشر .. أمر بها، فقتلت وصلبت.
٢١ - وقوله: ﴿أُخْرَى﴾: معطوف (١) على هذه، أي: فعجَّل لكم هذه الغنائم ومغانم أخرى: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد: كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن ومقاتلٌ، وابن أبي ليلى، وقال الضحاك وابن زيد وابن أبي إسحاق: هي خيبر، وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها، وقال قتادة: فتح مكة، وقال عكرمة: حنين، والأول: أولى.
﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: صفة ثانية لـ ﴿أُخْرَى﴾ قال الفرّأء: أحاط الله بها
стр. 12501
لكم حتى تفتحوها، وتأخذوها.
والمعنى: أنه أعدَّها لهم، وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه، فهو محصور لا يفوت منه شيء، فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال، فهي محبوسة لهم لا تفوتهم، وقيل: معنى: ﴿أَحَاطَ﴾: علم أنها ستكون لهم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ لا يعجزه شيء، ولا تختصّ قدرته ببعض المقدورات دون بعض.
والمعنى (١): أي ووعدكم الله فتح بلاد أخرى لم تقدروا عليها، قد حفظها لكم، حتى تفتوحها، ومنعها من غيركم حتى تأخذوها: كفارس والروم، أقدركم عليهم بعز الإِسلام، وقد كنتم قبل ذلك مستضعفين أمامهم، لا تستطيعون دفعهم عن أنفسكم، وكان الله على كل ما يشاء من الأشياء من فتح القرى والبلدان لكم، وغير ذلك، ذا قدرة لا يتعذّر عليه شيء منها.
٢٢ - ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ﴾ أيّها المؤمنون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يصالحوكم، قال قتادة: يعني: كفار قريش بالحديبية، وقيل: أسد وغطفان الذين أرادوا نصر أهل خيبر، والأول: أولى. ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: لانهزموا عنكم، ولم يكن قتال، فإنّ تولية الأدبار كناية عن الانهزام ﴿ثُمَّ﴾ بعد انهزامهم ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يواليهم ويحرسهم وينفعهم باللطف ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم، ويدفع عنهم بالعنف، بل الهلاك لاحقٌ بهم بعد الانهزام؛ يعني: من تولى الله خذلانه فلا ناصر له ولا مساعد.
والمعنى: ولو ناجزكم المشركون بالقتال .. لنصركم عليهم، ولانهزم جيش الكفر فارًّا مدبرًا، لا يجد وليًّا يتولّى رعايته، ويكلؤه، ويحرسه، ولا نصيرًا يساعده؛ لأنّه محارب لله ولرسوله، ولحزبه المؤمنين.
٢٣ - وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: مصدر مؤكد لفعله المحذوف؛ أي: سنَّ الله سبحانه
стр. 12502
وتعالى غلبة أنبيائه وأوليائه، سنَّته ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ﴾ ومضت ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الأمم الماضية؛ أي: سنَّ ذلك سنَّةَ قديمةً فيمن خلا ومضى من الأمم، وهو قوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ يا محمد، أو أيّها المخاطب ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ وعادته ﴿تَبْدِيلًا﴾؛ أي: تغيّرًا بنقل الغلبة من الأنبياء إلى غيرهم.
أي: ما تقابل الكفر والإيمان في موطن إلا نصر الله المؤمنين على الكافرين، ورفع الحق، ووضع الباطل، كما نصر يوم بدر أولياءه المؤمنين، على قلة عددهم وعددهم، وكثرة المشركين وكثرة عددهم.
٢٤ - ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الَّذِي كَفَّ﴾ ومنع ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾؛ أي: أيدي كفّار مكة ﴿عَنْكُمْ﴾ أيّها المؤمنون؛ أي: بأن حملهم على الفرار منكم، مع كثرة عددهم، وكونهم في بلادهم بصدد الذّب عن أهليهم وأولادهم ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ بأن حملكم على الرجوع عنهم وتركهم ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾؛ أي: في داخلها؛ أي: في داخل الحرم، وهو الحديبية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾؛ أي: من بعد أن جعلكم ظافرين غالبين ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مع أنّ العادة المستمرّة فيمن ظفر بعدوّه أن لا يتركه، بل يستأصله.
وعن ابن عباس ﵄: أنّ الله تعالى أظهر المسلمين عليهم بالحجارة، حتى أدخلوهم البيوت؛ يعني: أنّ جماعة من أهل مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون بالحجارة، حتى أدخلوهم بيوت مكة، فلمّا كان الكفّ على الوجه المذكور في غاية البعد .. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ إلخ. على طريق الحصر، استشهادًا به على ما تقدم من قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ﴾. وقيل: هم ثمانون رجلًا، طلعوا على رسول الله ﷺ من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه بغتة، ويقتلوا الأصحاب، فأخذهم رسول الله ﷺ ، فخلَّى سبيلهم، فيكون (١) المراد ببطن مكة: وادي الحديبية؛ لأنّ بعضها من الحرم.
стр. 12503
يقول الفقير: لا شكّ أنّ وادي الحديبية واقع في الجهة السفلي من مكة؛ لأنّه في جانب جدَّة المحروسة، فيكون المراد بالبطن: تلك الجهة، لا داخل مكة.
والمعنى - والله أعلم -: أنّ الله هو الذي كفّ أيديهم عنكم، وأيديكم عنهم في الحديبية التي هي الجهة السفلى من مكة، من بعد أن أقدركم عليهم، بحيث لو قاتلتموهم .. غلبتم عليهم بإذنه تعالى على ما كان في علمه، كما قال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ﴾ إلخ؛ أي: إنّ الله (١) سبحانه هو الذي كفّ أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله ﷺ بالحديبية، يلتمسون غرتهم ليصيبوا منهم، فبعث رسول الله ﷺ سريةً، فأتي بهم أسرى، ثم خلى سبيلهم، ولم يقتلهم منةً منه وفضلًا.
روى أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي في آخرين عن أنس قال: لمّا كان يوم الحديبية .. هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه، ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من جبل التنعيم، التنعيم: موضع بين مكة وسرف، فدعا عليهم، فأخذوا، فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ ...﴾ إلخ.
وروى أحمد عن عبد الله بن مغفل المزني ﵄ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ ، وكان عليّ بن أبي طالب، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لعليّ ﵁: "اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ": فأخذ سهيل بيده، وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيّتنا ما نعرف قال: "اكتب باسمك اللهم" وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيّتنا ما نعرف، فقال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله"،
стр. 12504
فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا، عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ : "هل جئتم في عهد أحد؟ وهل جعل لكم أحد أمانًا؟ " فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾؛ أي: بأعمالكم وأعمالهم، بصيرًا لا يخفى عليه شيء منها، وهو مجازيكم، ومجازيهم بها.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ على الخطاب؛ أي: من مقاتلتكم وهزمكم إياهم أولًا طاعة لرسوله، وكفّكم عنهم ثانيًا؛ لتعظيم بيته الحرام، وصيانة أهل الإِسلام. ﴿بَصِيرًا﴾؛ أي: عالمًا لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم بذلك، وقرأ أبو عمرو: بالياء، وهو تهديد للكفار.
٢٥ - ﴿هُمُ﴾؛ أي: قريش الأقوام ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾؛ أي: منعوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: عن أن تطوفوا بالبيت ﴿و﴾ صدّوا ﴿الْهَدْيَ﴾ وهو بالنصب عطف على الضمير المنصوب في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ والهدي بسكون الدال: (٢) جمع هدية، كتمر وتمرة، وجدي وجدية، وهو: مختص بما يهدى إلى البيت تقرّبًا إلى الله تعالى من النعم، أيسره: شاة، وأوسطه: بقرة، وأعلاه: بدنة، ويجوز تشديد الياء، فيكون جمع هديّة.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿الْهَدْيَ﴾ بالنصب، عطفًا على الضمير في: ﴿صدّوكم﴾، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه. ﴿الهدي﴾ بالجر عطفًا على ﴿الْمَسْجِدِ﴾ ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: وعن نحو الهدي، وقرىء: بالرفع على تقدير: وصد الهدي، وقرأ الجمهور: ﴿الهدي﴾ بفتح الهاء وسكون الدال، وهي لغة قريش، وقرأ ابن هرمز والحسن وعصمة عن عاصم واللؤلؤيّ وخارجة عن
стр. 12505
أبي عمرو: ﴿الهدي﴾ بكسر الدال، وتشديد الياء، وهم لغتان، وانتصاب ﴿مَعْكُوفًا﴾ على الحال من ﴿الهدي﴾؛ أي: وصدّوا الهدي عن دخول الحوم، حال كونه محبوسًا عن ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾؛ أي: مكانه الذي يحلّ فيه نحوه؛ أي؛ يصح ويجب فيه نحوه، وهو الحرم، فالمحل: اسم للمكان الذي ينحر فيه الهدي، وقوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: بدل اشتمال من ﴿الْهَدْيَ﴾ أو منصوب بنزع الخافض.
قال في "بحر العلوم": الحديبية: طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، وروي: أنّ خيامه ﷺ كانت في الحلّ، ومصلاه في الحرم، وهناك نحرت هداياه ﷺ ، وهي سبعون بدنة.
والمراد: صدّها عن محلّها المعهود الذي هو مني للحاج، وعند الصفا للمعتمر، وعند الشافعي لا يختص دم الإحصار بالحرم، فيجوز أن يذبح في الموضع الذي أحصر فيه.
والمعنى: أي هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدّوكم أيّها المؤمنون بالله عن دخول المسجد الحرام، وصدّوا الهدي محبوسًا أن يبلغ محلّ نحوه، وهو الحرم عنادًا منهم وبغيًا، وكان رسول الله ﷺ ساق معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة.
واعلم (١): أنه تعالى بيَّن استحقاق كفّار مكة للعقوبة بثلاثة أشياء: كفرهم في أنفسهم، وصدِّ المؤمنين عن إتمام عمرتهم، وصدّ هديهم عن بلوغ المحلّ، فهم مع هذه الأفعال القبيحة كانوا يستحقّون أن يقاتلوا أو يقتلوا، إلا أنه تعالى كفّ أيدي كل فريق عن صاحبه، محافظة على ما في مكة من المؤمنين المستضعفين ليخرجوا منها، أو يدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾؛ أي: لم تعرفوهم أيّها المؤمنون بأعيانهم؛ لاختلاطهم بالمشركين،
стр. 12506
وقيل: لم تعلموا أنهم مؤمنون، وهو صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾ و ﴿نِسَاءٌ﴾ جميعًا، وكانوا بمكة. وهم اثنان وسبعون نفسًا، يكتمون إيمانهم ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: بدل اشتمال من ﴿رِجَالٌ﴾ و ﴿نِسَاءٌ﴾ ولكنّه غلّب المذكور، أو بدل من الضمير المنصوب في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾. والتقدير على الأول: ولولا وطء رجال ونساء غير معلومين، وعلى الثاني: لم تعلموا وطأهم، والخبر: محذوف؛ أي: ولولا رجال ونساء موجودون؛ أي: لم تعلموا أن تطؤوهم، وتدوسوهم بالقتل، وتهلكوهم؛ وإن الوطء؛ عبارة عن الإيقاع والإهلاك والإبادة ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾؛ أي: فيتسبب عن هذا الوطء أن تصيبكم ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من جهتهم وبسببهم معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾، ﴿مَعَرَّةٌ﴾؛ أي: مشقة ومكروه، كوجوب الدية، والكفارة بقتلهم، والتأسّف عليهم، وتعيير الكفار لكم بذلك، والإثم بالتقصير في البحث عنهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾؛ أي: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، فيصيبكم بذلك مكروه لما كفّ أيديكم عنهم، وفي الحذف دليل على شدة غضب الله تعالى على كفار مكة، كأنه قيل: لولا حق المؤمنين موجود .. لفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف.
والمعنى (١): لولا كراهة أن تهلكوا أناسًا مؤمنين، بين أظهر الكافرين، غير معروفين لكم، كالوليد وسلمة بن هشام وعيّاش بن ربيعة وأبي جندلٍ، حال كونكم جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقّة .. لأذن لكم في دخول مكة عنوةً، أو لما كفّ أيديكم عنهم. اهـ "بيضاوي".
أي (٢): ولولا هؤلاء الذين يكتمون إيمانهم خيفة على أنفسهم، وهم بين أظهرهم .. لسلّطناكم عليهم، فقتلتموهم، وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات من لا تعرفونهم حين القتل، ولو قتلتموهم .. للحقتكم المعرة والمشقة بما يلزمكم في قتلهم من كفارة وعيب.
والخلاصة: أنه لولا وجود المؤمنين مختلطين بالمشركين، غير متميزين
стр. 12507
منهم .. لوقع ما كان جزاءهم لصدِّهم وكفرهم، ولو حصل ذلك .. لزمكم العيب، إذ يقول المشركون: إنّ المسلمين يقتلون أهل دينهم.
و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: متعلِّقة بما يدل عليه الجواب المقدّر؛ أي: ولكن لم يأذن لكم، أو كف أيديكم ليدخل الله سبحانه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده المؤمنين في رحمته بتوفيقه لزيادة الخير والطاعة، أو من المشركين بدخوله في الإِسلام، والمراد بمن يشاء من عباده: هم (١) المؤمنون والمؤمنات، الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفكّ أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب، وقيل: إنّ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ عباده ممن رغب في الإِسلام من المشركين، وقيل: ﴿اللام﴾: متعلقة بمحذوف غير ما ذكر، تقديره: لو قتلتموهم .. لأدخلهم الله في رحمته، والأول: أولى.
والمعنى (٢): أي هم الذين كفروا، الذين استحقوا التعجيل في إهلاكهم، ولولا مؤمنون مختلطون بهم .. لعجَّل الله بهم، ولكن كفَّ الله أيديكم عنهم لكي يكرم الله المؤمنين، بزيادة الخير والطاعة لله تعالى، والمشركين بدخولهم في دين الإِسلام؛ أي: ليخرج المؤمنين من مكة، ويهاجروا إلى المدينة، وليؤمن من المشركين من علم الله أنه يؤمن في تلك السنة؛ لأنّهم إذا شاهدوا رحمة الله في شأن طائفة من المؤمنين، بأن منع الله من تعذيب أعداء الدين بعد الظفر بهم؛ لأجل اختلاطهم بهم، رغبوا في مثل هذا الدين.
والخلاصة: قد حال بينكم وبين دخول مكة لقتالهم، إخراج المؤمنين من بين أظهرهم، وليدخل في دينه من يشاء منهم قبل أن تدخلوها.
والضمير في قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ عائد إلى الفريقين المؤمنين والمشركين؛ أي: لو يتميز المؤمنون عن المشركين، وتفرَّقوا عنهم، وخرجوا من بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل مكة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بالقتل والأسر والقهر؛ أي: لعذَّبنا كفار مكة بتسليط المؤمنين عليهم بقتلهم، وسبي ذراريهم.
стр. 12508
وقرأ الجمهور (١): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم وأبو حيوة وابن عون: ﴿لو تزايلوا﴾ بوزن تفاعلوا، والتزايل: التباين.
٢٦ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد، قصّة إذ ألقى الذين كفروا من أهل مكة ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾؛ أي: الأنفة والتكبر، من سمي من كذا حمية إذا أنف منه، والجار والمجرور (٢): إما متعلق بالجعل على أنه بمعنى الإلقاء، أو بمحذوف هو مفعول ثان على أنه بمعنى التصيير؛ أي: جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل من ﴿الْحَمِيَّةَ﴾؛ أي: حمية الملة الجاهلية، وهي ما كانت عليه قبل البعثة، أو الحميَّة الناشئة من الجاهلية التي تمنع إذعان الحق، قال الزهري: حميتهم أنفسهم من الإقرار بالرسالة للنبيّ ﷺ ، والاستفتاح ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو منعهم من دخول مكة، وقال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبنائنا وإخواننا، ثم يدخلون علينا، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزّى، لا يدخلون علينا! فهذه حميَّة الجاهلية التي دخلت في قلوبهم.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على ﴿جَعَلَ﴾.
والمراد (٣): تذكير حسن صنيع الرسول والمؤمنين بتوفيق الله تعالى، وسوء صنيع الكفرة؛ أي: فأنزل الله تعالى عليهم الثبات والوقار والطمأنينة، فلم يلحق بهم ما لحق الكفار، فصالحوهم، ورضوا أن يكتب الكتاب على ما أرادوا، ويروى: أنه لمَّا أبى سهيل بن عمرِو ومن معه أن يكتب في عنوان كتاب الصلح البسملة، وهذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة، بل قالوا لعليّ: اكتب باسمك اللهم، وهذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة .. قال النبي ﷺ لعليّ
стр. 12509
رضي الله عنه: أكتب ما يريدون، فهمَّ المسلمون أن يأبوا ذلك، ويبطشوا بهم، فأنزل الله السكينة عليهم، فتوفروا، وحلموا مع أنّ أصل الصلح لم يكن عندهم بمحلٍّ من القبول في أول الأمر، حين قالوا: علام نعطي الدنيَّة في ديننا، وهم مشركون ونحن مسلمون؟ كما سبق، وقيل: ثبتهم على الرضا والتسليم.
﴿وَأَلْزَمَهُمْ﴾؛ أي: ألزم الله تعالى رسوله والمؤمنين ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾؛ أي: اختار لهم كلمة يُتَّقى بها من الشرك؛ أي؛ كلمة لا إله إلا الله، كذا قال الجمهور، وزاد بعضهم: محمد رسول الله، وزاد بعضهم: وحده لا شريك له، حتى قالوها، وهذا إلزام الكرم واللطف، لا إلزام الإكراه والعنف، وأضيفت إلى التقوى؛ لأنها سببها، إذ بها يتقى من الشرك ومن النار، فإنَّ أصل التقوى: الانتقاء عنها، وقد وصف الله تعالى هذه الأمة بالمتقين في مواضع من القرآن العظيم، باعتبار هذه الكلمة، وقال الزهريّ: هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذلك أنَّ الكفار لم يقروا بها، وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير، فخصَّ الله بهذه الكلمة المؤمنين، وألزمهم بها، وهي من شعار هذه الأمة وخواصِّها، اختارها لهم، وصار المشركون محرومين منها، حيث لم يرضوا بأن يكتب في كتاب الصلح، والأول: أولى، وعن الحسن: كلمة التقوى: هي الوفاء بالعهد، فإنَّ المؤمنين وفوا بالعهد، حيث نقضوا وعاونوا من حارب حليف المؤمنين.
والمعنى على هذا: وألزمهم كلمة أهل التقوى: وهي العهد الواقع في ضمن الصلح، ومعنى إلزامها إياهم: تثبيتهم عليها، وعلى الوفاء بها.
﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: وكان المؤمنون ﴿أَحَقَّ بِهَا﴾؛ أي: بكلمة التوحيد من الكفار في سابق علمه ﴿وَأَهْلَهَا﴾؛ أي: مستأهلين لها، ومختصين بها في الدنيا دونهم؛ لأنَّ الله تعالى اختارهم لصحبة نبيّه ﷺ ، وهو عطف تفسير لما قبله.
قيل: إنّ الذين كانوا قبلنا، لا يمكن لأحد منهم أن يقول: لا إله إلا الله في اليوم والليلة إلا مرةً واحدة، لا يستطيع أن يقولها أكثر من ذلك، وكان قائلها يمدُّ بها صوته حتى ينقطع النفس؛ التماس بركتها وفضلها، وجعل الله لهذه الأمة
стр. 12510
أن يقولها متى شاؤوا، وهو قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ من الأمم السالفة، وقال مجاهد: ثلاث لا يحجبن عن الربّ: لا إله إلا الله من قلب مؤمن، ودعوة الوالدين، ودعوة المظلوم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من شأنه أن يتعلق به العلم ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: بليغ العلم، فيعلم حق كل شيء، فيسوقه إلى مستحقه، ومن معلوماته: أنهم أحق بها؛ أي: من جميع الأمم؛ لأنَّ النبيّ ﷺ أفضل المخلوقات، وأمته خير الأمم، وهذه الكلمة من أفضل الأذكار، فأعطوها لأنّها اللائقة بهم.
والمعنى (١): أي واذكر يا محمد إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم أنفة الجاهلية، فامتنع سهيل بن عمرو أن يكتب في كتاب الصلح الذي بين رسول الله ﷺ والمشركين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأن يكتب فيه محمد رسول الله، وامتنع هو وقومه أن يدخل رسول الله ﷺ عامه هذا المسجد الحرام، فأنزل الله الصبر والطمأنينة على رسوله، ففهم عن الله مراده، وجرى على ما يرضيه، وأنزله على المؤمنين فألزمهم أمره، وقبلوه، وحماهم من همزات الشياطين، وألزمهم كلمة التوحيد والإخلاص لله في العمل، وكانوا أحق بها، وكانوا أهلها، إذْ هم أهل الخير والصلاح، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ سواء كان من المؤمنين أم من المشركين، فيجازي كلًّا بما عمل.
٢٧ - ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾؛ أي: لقد (٢) جعل الله سبحانه رؤيا رسوله صادقةً، ولم يجعلها أضغاث أحلام، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ إما صفة لمصدر محذوف؛ أي: صدقًا متلبسًا بالحق والحكمة البالغة: وهي التمييز بين الراسخ في الإيمان, والمتزلزل فيه، أو حال من الرؤيا؛ أي: متلبسةً بالصدق ليست من نوع أضغاث الأحلام؛ لأنّ ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له: وهو العام القابل.
والمعنى: أراه الرؤيا الصادقة المتلبسة بالحق والحكمة، حيث قال النبيّ ﷺ
стр. 12511
لأصحابه وقت خروجه إلى الحديبية: والله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تعالى حالة كونكم ﴿آمِنِينَ﴾ من العدوّ، فلا تخافون عدوّكم من أن يخرجكم في المستقبل، وهو حال من فاعل ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾. والشرط: معترض، وكذا قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾؛ أي: جميع شعورها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بعض شعورها؛ أي: محلّقًا بعضكم، ومقصّرًا آخرون، وإلا فلا يجتمع الحلق والتقصير في كل واحد منهم، فالنظم من نسبة حال البعض إلى الكل؛ يعني: أنّ الواو ليست لاجتماع الأمرين في كل واحد منهم، بل لاجتماعهما في مجموع القوم، ثمّ إنّ قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ و ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ من الأحوال المقدرة، فلا يرد أنّ حال الدخول هو حال الإحرام، وهو لا يجامع الحلق والتقصير، وقدّم الحلق على التقصير: وهو قطع أطراف الشعر؛ لأن الحلق أفضل من التقصير، وقد حلق رسول الله ﷺ بمنى، وأعطى شعر شق رأسه أبا طلحة الأنصاري، وهو زوج أمّ سليم: وهي والدة أنس بن مالك، فكان آل أنس يتهادون به بينهم، وروي: أنه ﷺ حلق رأسه أربع مرّات، والعادة في هذا الزمان في أكثر البلاد حلق الرأس للرجل، عملًا بقوله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فخلّلوا الشعر، وأنقوا البشرة". وإنما قلنا: للرجل؛ لأنّ حلق شعر المرأة مثلة، وهي حرام، كما أنَّ حلق لحية الرجل كذلك، فقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ إشارة إلى أداء الحج، و ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ إشارة إلى تمام الحج، فقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ من العدوّ، فيبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام، حال مؤكدة من فاعل ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أو استئناف جوابًا عن سؤال أنه كيف يكون الحال بعد الدخول؟ أي: لا تخافون بعد ذلك من أحد.
وتلك الرؤيا أنه ﷺ رأى عام الحديبية قبل خروجه إلى الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا رؤوسهم وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوا مكة في عامهم، فلمّا خرجوا معه ﷺ ، وصدّهم الكفار بالحديبية، ورجعوا، وشقّ عليهم ذلك .. قال عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا ولا قصرنا, ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت هذه الآية المذكورة، ولمّا نزلت هذه الآية .. علم المسلمون أنهم يدخلونها فيما يستأنف، واطمأنت قلوبهم، ودخلوها معه ﷺ في
стр. 12512
ذي القعدة سنة سبع، وذلك ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه ﷺ .
وقوله: ﴿فَعَلِمَ﴾ الله سبحانه ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ في الصلح في الحديبية من المصلحة المتجدّدة، فإنّ دخولكم في سنتكم هذه سبب لهلاك المؤمنين والمؤمنات، معطوف على ﴿صَدَقَ﴾. و ﴿الفاء﴾ (١): للترتيب الذكري، فالتعرض لحكم الشيء إنما يكون بعد جري ذكره.
والمراد بعلمه تعالى: العلم الفعليّ المتعلق بأمر حادث بعد المعطوف عليه؛ أي: فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة، ما لم تعلموا من الحكمة الداعية إلى تقديم ما يشهد بالصدق علمًا فعليًا. ﴿فَجَعَلَ﴾ سبحانه ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من قبل ذلك الدخول في مكة؛ أي: من قبل تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجد الحرام ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فتح خيبر، فيقويكم به، فإنه كان سببًا لإسلام كثير من الناس تقوّى بهم المسلمون، فتكون تلك الكثرة سببًا لهيبة الكفار، ولمنعهم من قتال المسلمين، حين رجعوا إلى مكة في العام المقبل، وهم عشرة آلاف، وكانوا في عام الحديبية ألفًا وأربع مئة.
والمعنى (٢): أي لقد صدق الله رسوله محمدًا ﷺ رؤياه التي أراها إياه، أنه يدخل هو وأصحابه البيت الحرام، آمنين لا يخافون أهل الشرك، محلقًا بعضهم ومقصّرًا بعضهم الآخر، فعلم جل ثناؤه ما لم تعلموا، وذلك علمه تعالى ما بمكة من الرجال والنساء المؤمنين، الذين لم يعلمهم المؤمنون، ولو دخلوها هذا العام .. لوطئوهم بالخيل والرجل، فأصابتهم منهم معرّة بغير علم، فردّهم الله تعالى عن مكة من أجل ذلك، فجعل من دون دخولهم المسجد فتحًا قريبًا: هو صلح الحديبية، وفتح خيبر؛ لتستروح إليه قلوب المؤمنين، إلى أن يتيسّر اليوم الموعود.
٢٨ - ثمّ أكّد صدق الرسول في الرؤيا بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي﴾؛ أي: هو الإله الذي ﴿أَرْسَلَ﴾ وبعث ﴿رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ ؛ أي؛ اختصّ بإرسال
стр. 12513
رسوله الذي لا رسول أفضل منه، حال كونه متلبسًا ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي: بالقرآن أو بالتوحيد، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، فيكون الجار متعلقًا بمحذوف حال من الرسول، أو بسببه، أو لأجله فيكون متعلقًا بـ ﴿أَرْسَلَ﴾ ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾؛ أي: وبدين الإِسلام، وهو (١) من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته مثل: عذاب الحريق، والأصل: الدين الحق، والعذاب المحرق.
ومعنى الحق: الثابت الذي هو ناسخ لجميع الأديان ومبطلها.
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليظهر الله سبحانه الدين الحق، ويعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾؛ أي: على جنس الدين بجميع أفراده التي هي الأديان المختلفة، بنسخ ما كان حقًّا منها من بعض الأحكام المتبدّلة بتبدّل الأعصار، وإظهار بطلان ما كان باطلًا منها، أو بتلسيط المسلمين على أهل سائر الأديان.
والمعنى: أي هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الإِسلام؛ ليبطل به الملل كلها، بنسخ سائر الديانات، وإظهار فساد العقائد الزائفات، حتى لا يكون دين سواه، ولقد أنجز الله وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإِسلام، ولا يبقى إلا مسلم أو ذمّة للمسلمين، وكم ترى من فتوح أكثر البلاد، وقهر الملوك الشداد، ما تعرف به قدرة الله تعالى، وقيل: ليظهره الرسول على الدين كلّه، والأول: أولى.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال، و ﴿الباء﴾: زائدة، كما تقدم في غير موضع؛ أي: كفى الله سبحانه ﴿شَهِيدًا﴾ على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به، وعلى صحة نبوّة محمد ﷺ ، بإظهار المعجزات، وإن لم يشهد الكفار،
٢٩ - وعن ابن عباس ﵄: شهد له بالرسالة بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فـ ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ، و ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: خبره، وهو وقف تام، والجملة: مبينة للمشهود به، وقيل: ﴿مُحَمَّدٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، وقوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: بدل أو عطف بيان أو نعت؛ أي: ذلك الرسول المرسل بالهدى ودين الحق،
стр. 12514
محمد رسول الله.
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: مع رسول الله ﷺ ، قيل: هم أصحاب الحديبية، والأولى (١): العمل على العموم، وهو مبتدأ، خبره: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾؛ أي: غلاظ عليهم، كما يغلظ الأسد على فريسته، وهو جمع شديد. ﴿رُحَمَاءُ﴾؛ أي: متعاطفون، جمع رحيم ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: فيما بينهم، كالوالد مع ولده؛ أي: متوادون متعاطفون فيما بينهم.
والمعنى: أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرأفة والرحمة، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فلو اكتفى (٢) بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ .. لربما أوهم الفظاظة والغلظة، فكمّل بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فيكون من أسلوب التكميل، وعن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمسّ أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم: أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه وعانقه.
وقرأ ابن عامر في رواية (٣): ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ بالنصب على المدح، وقرأ الجمهور: ﴿أَشِدَّاءُ﴾، ﴿رُحَمَاءُ﴾ بالرفع على أنه خبر للموصول، وقرأ الحسن: بنصبهما على الحال، والعامل فيهما: العامل في ﴿مَعَهُ﴾ ويكون الخبر عن المبتدأ المتقدم ﴿تَرَاهُمْ﴾ وقيل: على المدح، وقرأ (٤) يحيى بن يعمر: ﴿أَشِدَّا﴾ بالقصر، وهي شاذّة؛ لأنّ قصر الممدود إنما يكون في الشعر، نحو قوله:
لَا بُدَّ مِنْ صَنْعَا وَإِنْ طَالَ السَّفَرْ
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ جمع راكع وساجد؛ أي: تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين، لمواظبتهم على الصلوات، فهما حالان؛ لأن الرؤية بصرية، وأريد بالفعل الاستمرار، والجملة: خبر آخر أو استئناف، وجملة قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا
стр. 12515
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: إما خبر آخر، أو استئناف، مبنيّ على سؤال نشأ عن بيان مواظبتهم على الركوع والسجود، كأنه قيل: ماذا يريدون بذلك؟ فقيل: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾؛ أي: ثوابًا من الله ورضى منه، وقال بعض الكبار: قصدهم في الطاعة والعبادة، الوصول والوصال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال الراغب: الرضوان: الرضا الكثير.
والمعنى: يطلبون ثواب الله لهم، ورضاه عنهم. وقرأ عمرو بن عبيد: ﴿ورضوانا﴾ بضم الراء.
﴿سِيمَاهُمْ﴾ فعلى من سامه: إذا أعلمه؛ أي: جعله ذا علامة. وقرىء: ﴿سيمياؤهم﴾ بالياء بعد الميم والمد، وهما لغتان، وفيها لغة ثالثة هي: السيماء، وهو مبتدأ، خبره: قوله: ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾؛ أي: علامتهم التي تميزهم عن غيرهم ثابتة في وجوههم؛ أي: في جباههم حالة كون تلك السيماء كائنة ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ فالجار والمجرور: حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبر المبتدأ، وأثر الشيء: حصول ما يدلّ على وجوده. كما في "المفردات"؛ أي: (١) من التأثير الذي تؤثّر كثرة السجود في جباههم، وما روي عن النبيّ ﷺ : "لَا تُعْلِمُوا صُوركم"؛ أي: لا تسموها، إنما هو فيما إذا اعتمد بجبهته على الأرض ليحدث فيها تلك السمة، وذلك محض رياءٍ ونفاقٍ، والكلام هنا فيما حدث في جبهة السُّجَّاد الذين لا يسجدون إلا خالصًا لوجه الله تعالى؛ أي: تظهر علامتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة، وكثرة التعبّد بالليل والنهار، وقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفرًّا، فجعل هذا هو السيما، وقال ﷺ : "من كثر صلاته بالليل .. حسن وجهه بالنهار". ألا ترى أنَّ من سهر بالليل، وهو مشغول بالشراب واللعب .. لا يكون وجهه في النهار كوجه من سهر وهو مشغول بالطاعة، وقال الزهري: مواضع السجود أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة.
وقرأ ابن هرمز: ﴿إثْر﴾ بكسر الهمزة وسكون الثاء، والجمهور: بفتحهما،
стр. 12516
وقرأ قتادة: ﴿من آثار السجود﴾ بالجمع، وقال عطاء الخراساني ودخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من نعوتهم الجليلة ﴿مَثَلُهُمْ﴾؛ أي: وصفهم العجيب الشأن، الجاري من الغرابة مجرى الأمثال، حال كون ذلك المثل مكتوبًا ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ حال من ﴿مَثَلُهُمْ﴾ والعامل فيه: معنى الإشارة، والتوراة: اسم لكتاب موسى ﵇، سمّي بالتوراة؛ لأنه يظهر منه النور والضياء لبني إسرائيل ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾: معطوف على ﴿مَثَلُهُمْ﴾ الأول، كأنه قيل: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل، وتكرير ﴿مَثَلُهُمْ﴾؛ لتأكيد غرابته.، وزيادة تقريرها، والإنجيل: كتاب عيسى ﵇، سمّي بالإنجيل؛ لأنّه أظهر الدين بعدما درس؛ أي: عفا رسمه.
ومعنى الآية: أي (١) إنّ محمدًا ﷺ رسول الله، بلا شكّ ولا ريب، مهما أنكر المنكرون، وافترى الجاحدون، وإنّ صحابته الذين معه غليظة قلوبهم على الكفار، رقيقة قلوب بعضهم على بعض، ليّنة أنفسهم لهم، هيّنة عليهم، تراهم دائبين على الصلاة، مخلصين لله، محتسبين فيها الأجر وجزيل الثواب عنده، طالبين رضاه عنهم، لهم سمت حسن، وخشوع وخضوع يظهر أثره على الوجوه، ومن ثمّ قيل: إنّ للحسنة نورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الناس.
والخلاصة: أنّ كل ما يفعله المرء، أو يتصوَّره، يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سيرته وسريرته صحيحة مع الله .. أصلح الله ظاهره للناس، ثمّ أخبر سبحانه: أنه نوَّه بفضلهم في الكتب المنزّلة، والأخبار المتداولة، فقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾؛ أي: هذه الصفة التي وصفت لكم من صفات أتباع محمد ﷺ ، هي صفتهم في التوراة، وصفتهم في الإنجيل: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ...﴾ إلخ، تمثيل مستأنف (٢)؛ أي: هم كزرع أخرج أفراخه؛
стр. 12517
أي: فروعه وأغصانه، وذلك أنّ أوّل ما نبت من الزرع بمنزلة الأمّ وما تفرّع وتشعّب منه بمنزلة أولاده وأفراخه، ولا يكون الشطأ إلا في البرّ والشعير، وفي "المفردات": شطأه: فروع الزرع، وهو: ما خرج منه، وتفرّع في شاطئيه؛ أي: جانبيه، وجمعه: أشطاء، وقوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾؛ أي: أفراخه. انتهى، وقيل: هو تفسير لقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدّم من الأوصاف، وقيل: هو خبر لقوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ على أن الكلام قد تمّ عند قوله: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
وقال الفرّاء: قوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾ فيه وجهان: إن شئت .. قلت: ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل؛ يعني: كمثلهم في القرآن، فيكون الوقف على الإنجيل، وإن شئت .. قلت: ذلك مثلهم في التوراة، ثم تبتدىء: ومثلهم في الإنجيل كزرع، وعلى هذا فيكون ﴿كَزَرْعٍ﴾: خبرًا عن قوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾. قال قتادة: مثل أصحاب النبيّ ﷺ في الإنجيل مكتوب: أنه سيخرج من أمة محمد ﷺ قوم ينبتون نباتًا كالزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.
قال ابن عطية: قوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾: هو على كل الأقوال، وفي أيّ كتابٍ أنزل، فرض مثل للنبي ﷺ وأصحابه، في أنَّ النبيَّ ﷺ بعث وحده، فكان كالزرع حبّةً واحدةً، ثم كثر المسلمون، فهو كالشطأ: وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل. انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿شَطْأَهُ﴾ بإسكان الطاء وبالهمزة، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان: بفتهما، وكذلك وبالمدّ أبو حيوة وابن أبي عبلة وعيسى الكوفي، وقرأ أنس وزيد بن عليّ ونصر بن عاصم ويحيى بن وثاب: ﴿شطاه﴾ كعصاه، فاحتمل أن يكون مقصورًا، وأن يكون أصله الهمزة، فنقل الحركة وأبدل الهمزة ألفًا، كما قالوا في المرأة والكمأة: المراه والكماه، وهو تخفيف مقيس عند الكوفيين، وهو عند البصريين شاذٌّ لا يقاس عليه، وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق: ﴿شَطَه﴾
стр. 12518
بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الطاء، رويت عن شيبة ونافع والجحدريّ، وعن الجحدريّ أيضًا: ﴿شطوه﴾ بإسكان الطاء وواو بعدها، وقال أبو الفتح: هي لغة أو بدل من الهمزة، وهذه كلّها لغات.
﴿فَآزَرَهُ﴾؛ أي: فقوّاه وأعانه وشدّه، قال الإِمام النسفيّ: (١) الضمير المستتر في ﴿آزره﴾: يعود على الشطأ، والبارز على الزرع؛ أي: فقوّى الشطأ أصل الزرع بالتفافه عليه وتكاثفه، وهو من الموازرة بمعنى المعاونة، فيكون وزن آزر فاعل، من الأزر: وهو القوّة. وخطَّأه أبو حيان لأنّه لم يسمع في مضارعه إلا يؤزر على وزن يكرم، أو من الإيزار: وهي الإعانة، فيكون وزنه أفعل، وهو الظاهر؛ لأنه لم يسمع في مضارعه يوازر.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَآزَرَهُ﴾ على وزن أفعله، وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس: ﴿فَأزَرَهُ﴾ بالقصر ثلاثيًا، وقرىء: ﴿فأزّره﴾ بتشديد الزاي.
﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ذلك الزرع؛ أي: صار ذلك الزرع الأصل غليظًا، بعد أن كان دقيقًا، فهو من باب استحجر الطين؛ يعني: أنّ السين للتحوّل، فكذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، كانوا أقلّة ضعفاء، فلمّا كثروا، وتقوّوا .. قاتلوا المشركين ﴿فَاسْتَوَى﴾ ذلك الزرع، واستقام ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾؛ أي: تمّ نباته على سوقه؛ أي: على أصوله، سوق جمع ساق، ساق: أصل الزرع، وساق فروعه.
وقرأ ابن كثير وقنبل: ﴿سؤقه﴾ بالهمزة الساكنة، قيل: وهي لغة ضعيفة يهمزون الواو التي قبلها ضمة، ومنه قول الشاعر:
أَحَبُّ الْمُؤْقِدِيْنَ إِليَّ مُؤْسَى
ذكره في "البحر".
وقوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: حال من ﴿زرع﴾؛ أي: حال كون ذلك الزرع
стр. 12519
يعجب زرّاعه الذين زرعوه؛ أي: يسرَّهم بقوته، وكثافته وغلظه، وحسن منظره، وطول قامته، وهنا (١) تمَّ المثل، وهو مثل ضربه الله لأصحاب رسول الله ﷺ ، قلوا في بدء الإِسلام، ثم كثروا واستحكموا، فترقى أمرهم يومًا فيومًا، بحيث أعجب الناس أمرهم.
ثم ذكر سبحانه علّة تكثيره لأصحاب نبيّه ﷺ ، وتقويته لهم، فقال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ الغيظ: أشدّ الغضب، وهو علّة لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه؛ أي: كثرهم الله سبحانه، وقوّاهم وجعلهم كالزرع في النماء والقوّة؛ ليغيظ ويغضب بهم مشركي مكة، وسائر كفّار العرب والعجم؛ أي: فعل بهم ذلك؛ ليكونوا غيظًا للكافرين، ومما يغيظ الكفار قول عمر ﵁ لأهل مكة بعدما أسلم: لا نعبد الله سرًّا بعد اليوم.
وقيل: قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: علّة لما بعده من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فرائضها وسننها، و ﴿من﴾، في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أصحاب محمد ﷺ ، للبيان؛ أي: لبيان الجنس كلّهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ فلا حجَّة فيه للطاعنين في الأصحاب؛ وإن كلّهم مؤمنون، وقيل: الضمير للكفار فمن للتبعيض. ﴿مَغْفِرَةً﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ وثوابًا جزيلًا؛ أي: وعد الله هؤلاء الذين مع محمد ﷺ ، أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم، بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة، وأعظم منّة؛ ليغيظ بهم الكفار، فإنّ الكفار (٢) إذا سمعوا بما أعدّ للمؤمنين في الآخرة، مع ما لهم في الدنيا من العزّة .. غاظهم ذلك أشدّ الغيظ، والأول: أولى.
يقول الفقير: نظر الكفار مقصور على ما في الدنيا مما يتنافس فيه ويتحاسد، وكيف لا يغيظهم ما أعدّ للمؤمنين في الآخرة وليسوا بمؤمنين باليوم الآخر؟!
стр. 12520
والمعنى (١): أي وعد الله سبحانه هؤلاء الذين آمنوا بمحمد ﷺ أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم، بإدخالهم جنات النعيم، ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة .. فهو في حكمهم، ولهم السبق والفضل، والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد.
روى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا .. ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ﵃ وأرضاهم.
تنبيه: هذه أوصاف الأمة الإِسلامية أيّام عزّها، فانظر الآن، وتأمّل في تخاذلها وجهلها، حتى أصبحت مثلًا في الخمول والجهل، وأصبحت زرعًا هشيمًا تذروه الرياح، فكيف يجتمع عصفه وتبنه؟! ولعل الله يبدل الحال غير الحال، ويخضر الزرع بعد ذبوله، وتعود الأمة سيرتها الأولى، مهيبة مرعية الجانب، مخشية القوة.
الإعراب
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.
﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿رَضِيَ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿رَضِيَ﴾. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مرفوع يثبات النون، وأتى بصيغة المضارع؛ لاستحضار صورة المبايعة، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾، ﴿فَعَلِمَ﴾
стр. 12521
﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿علم﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ لما علمت أنه بمعنى الماضي. ﴿مَا﴾: موصول مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾، ﴿فَأَنْزَلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أنزل﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿رَضِيَ﴾. كما في "أبي السعود". ﴿السَّكِينَةَ﴾: مفعول به، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿وَأَثَابَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول، معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿فَتْحًا﴾: مفعول ثان. ﴿قَرِيبًا﴾: صفة له. ﴿وَمَغَانِمَ﴾: معطوف على ﴿فَتْحًا﴾. ﴿كَثِيرَةً﴾ صفة لـ ﴿مَغَانِمَ﴾، وجملة ﴿يَأْخُذُونَهَا﴾: صفة ثانية لـ ﴿مَغَانِمَ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبران له، والجملة: مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿أَثَابَهُمْ﴾.
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾.
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ماض ومفعول أول وفاعل. ﴿مَغَانِمَ﴾: مفعول ثانٍ، ﴿كَثِيرَةً﴾: صفة لـ ﴿مَغَانِمَ﴾، وجملة ﴿تَأْخُذُونَهَا﴾: صفة ثانية لـ ﴿مَغَانِمَ﴾، وجملة ﴿وَعَدَكُمُ﴾: مستأنفة على طريق الالتفات. ﴿فَعَجَّلَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿عَجَّلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿عَجَّلَ﴾. ﴿هَذِهِ﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿وَعَدَكُمُ﴾. ﴿وَكَفَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿أَيْدِيَ النَّاسِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة: معطوفة على جملة ﴿عَجَّلَ﴾. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَّ﴾، ﴿وَلِتَكُونَ﴾ ﴿الواو﴾: مقحمة عند الكوفين، وعاطفة على مقدر عند البصريين، تقديره: وكفّ أيدي الناس عنكم لتشكروه. ﴿وَلِتَكُونَ﴾ و ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تكون﴾: فعل مضارع ناقص، منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، واسمها: ضمير مستتر يعود على خصلة الكفّ لأيدي الناس، ﴿آيَةً﴾: خبرها، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة لـ ﴿آيَةً﴾، وجملة ﴿تكون﴾ مع أن المضمرة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة المحذوفة،
стр. 12522
تقديره: وكفّ أيدي الناس عنكم لشكركم إياه، ولكونها آيةً للمؤمنين، والجار والمجرور: معطوف على الجار والمجرور المقدر، وذلك المقدر متعلق بـ ﴿كَفَّ﴾. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: معطوف على ﴿لِتَكُونَ﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ و ﴿الكاف﴾: مفعول أول. ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: صفة ﴿صِرَاطًا﴾، ﴿وَأُخْرَى﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أُخْرَى﴾: صفة لموصوت محذوف، هو مفعول لفعل محذوف، تقديره: ووعدكم مغانم أخرى، والجملة المحذوفة: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. وفي المقام أوجه أخر من الإعراب، أعرضنا عنها صفحًا خوف الإطالة، وجملة ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: صفة أولى لـ ﴿أُخْرَى﴾، وجملة ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: صفة ثانية لها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرًا﴾، و ﴿قَدِيرًا﴾: خبره، والجملة: مستأنفة.
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط، ﴿قَاتَلَكُمُ﴾: فعل ومفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿لَوَلَّوُا﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ ﴿وَلَّوُا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْأَدْبَارَ﴾: مفعول به، والجملة: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على جواب ﴿لو﴾، ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول به. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: معطوف عليه، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: سنّ الله سبحانه غلبة أنبيائه سنّته التي قد خلت، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿خَلَتْ﴾. فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾، والجملة: صلة الموصول. ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿تَجِدَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستر يعود على محمد، أو على أيّ مخاطب. ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾:
стр. 12523
متعلق بـ ﴿تَبْدِيلًا﴾. و ﴿تَبْدِيلًا﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَّ﴾، والجملة: صلة الموصول. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾. ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿كَفَّ﴾. ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: حال كونهم كائنين ببطن مكة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَفَّ﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿أَظْفَرَكُمْ﴾: فعل ماض ومفعول به وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَظْفَرَ﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من بعد إظفاره إياكم عليهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرًا﴾، و ﴿بَصِيرًا﴾: خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ﴾: متعلق بـ ﴿صَدُّوكُمْ﴾ ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة لـ ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿وَالْهَدْيَ﴾: معطوف على الضمير المنصوب في ﴿صَدُّوكُمْ﴾. وهو ﴿الكاف﴾؛ أي: وصدّوا الهدي، ويجوز أن يكون مفعولًا معه، و ﴿الواو﴾: للمعية. ﴿مَعْكُوفًا﴾: حال من ﴿الْهَدْيَ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿يَبْلُغَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْهَدْيَ﴾، ﴿مَحِلَّهُ﴾: منصوب على الظرفية المكانية، متعلق بـ ﴿يَبْلُغَ﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: وصدّوا الهدي بلوغه محلّه؛ أي:
стр. 12524
عن بلوغه محلّه، والجار المقدر: متعلق بـ ﴿صدوا﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿رِجَالٌ﴾: مبتدأ، ﴿مُؤْمِنُونَ﴾: صفته. ﴿وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾: معطوف على ﴿رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ وخبر المبتدأ: محذوف، تقديره: موجودون. وجملة ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾ و ﴿نِسَاءٌ﴾ جميعًا. ﴿أَن﴾: حرف مصدر ونصب، ﴿تَطَئُوهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل ومفعول به، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وعلامة نصبه: حذف النون، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر مرفوع على كونه بدل اشتمال من ﴿رِجَالٌ﴾ و ﴿نساء﴾؛ أي: ولولا خوف وطئكم إيّاهم، أو منصوب على كونه بدل اشتمال من الضمير المنصوب في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾؛ أي: لم تعلموا وطأكم إياهم. ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سببيّة. ﴿تصيبكم﴾: فعل مضارع ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد ﴿الفاء﴾ السببية. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُصِيبَكُمْ﴾ ﴿مَعَرَّةٌ﴾: فاعل. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: متعلق به. حذوف حال من الكاف في تصيبكم، أو صفة لـ ﴿مَعَرَّةٌ﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها، تقديره: لم تعلموا وطأكم إياهم، فإصابة معرة إياكم منهم، وجواب بـ ﴿لولا﴾: محذوف، تقديره: لما كفَّ أيديكم عنهم، أو لأذن لكم في دخول مكة، وجملة ﴿لولا﴾: مستأنفة.
﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿لِيُدْخِلَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يُدْخِلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُدْخِلَ﴾ ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلته، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، تقديره: لإدخال الله في رحمته من يشاء، الجار والمجرور: متعلق بمحذوف, دل عليه جواب ﴿لولا﴾ المقدّر، تقديره: ولكن كفّكم عنهم لإدخال الله في رحمته من يشاء. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غيبر جازم. ﴿تَزَيَّلُوا﴾: فعل ماض وفاعل, والجملة: فعل شرط لـ
стр. 12525
﴿لَوْ﴾. ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ ﴿عذبنا﴾: فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة: جواب ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب, وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول مطلق لـ ﴿عَذَابًا﴾، ﴿أَلِيمًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿عَذَّبْنَا﴾ أو بـ ﴿صدوكم﴾ أو بمحذوف، تقديره: واذكر إذ جعل الذين كفروا، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿جَعَلَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾ من فعل وفاعل والجملة صلة الموصول ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى ألقى أو بمحذوف: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى صيّر، كما مر. ﴿الْحَمِيَّةَ﴾: مفعول به لـ ﴿جَعَلَ﴾ أو مفعول أول له، ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل من ﴿الْحَمِيَّةَ﴾: بدل كل من كل. ﴿فَأَنْزَلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿سَكِينَتَهُ﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف على قوله: ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾، والجملة الفعلية: معطوفة على محذوف معلوم من السياق، والتقدير: فهمّ المسلمون مخالفة الرسول في أمر الصلح، فأنزل الله سكينته عليهم، والجملة المحذوفة: معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ومفعول أول معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: مفعول ثان. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿أَحَقَّ﴾: خبره. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَحَقَّ﴾. ﴿وَأَهْلَهَا﴾: معطوف على ﴿أَحَقَّ﴾: عطف تفسيبر، وجملة ﴿كَانَ﴾: معطوفة على جملة ﴿أَلْزَمَهُمْ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمًا﴾. و ﴿عَلِيمًا﴾: خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة.
стр. 12526
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾.
﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب القسم، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿رَسُولَهُ﴾: مفعول به. ﴿الرُّؤْيَا﴾: منصوب بنزع الخافض؛ أي: في رؤياه؛ أي: جعله صادقًا في رؤياه. ﴿بِالْحَقِّ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: صدقًا متلبسًا بالحق، أو حال من الرؤيا؛ أي: حالة كونها متلبسةً بالحق. ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿تَدْخُلُنَّ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه: ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾ المحذوفة، لالتقاء الساكنين: في محل الرفع فاعل. ﴿الْمَسْجِدَ﴾: مفعول به على السعة. ﴿الْحَرَامَ﴾: صفة له، والجملة الفعلية: جواب القسم، وجملة القسم: مقول لقول محذوف، تقديره: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، حيث قال الرسول: لتدخلنّ المسجد الحرام. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، وهو فعل شرط لـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجوابها: معلوم مما قبلها؛ أي: إن شاء الله .. لتدخلن المسجد الحرام، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: معترضة. ﴿آمِنِينَ﴾: حال من فاعل ﴿تَدْخُلُنَّ﴾، ﴿مُحَلِّقِينَ﴾: حال ثانية متداخلة. ﴿رُءُوسَكُمْ﴾: مفعول به لـ ﴿مُحَلِّقِينَ﴾، ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾: معطوف على ﴿مُحَلِّقِينَ﴾، وجملة ﴿لَا تَخَافُونَ﴾: مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أو من الضمير في ﴿آمِنِينَ﴾ أو في ﴿مُحَلِّقِينَ﴾. ﴿فَعَلِمَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿علم﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة: معطوفة على ﴿صَدَقَ﴾، وجملة ﴿لَمْ تَعْلَمُوا﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما لم تعلموه. ﴿فَجَعَلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿عَلِمَ﴾، ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ ﴿فَتْحًا﴾: مفعول به. ﴿قَرِيبًا﴾ صفة ﴿فَتْحًا﴾.
стр. 12527
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿بِالْهُدَى﴾: حال من ﴿رَسُولَهُ﴾؛ أي: حال كونه متلبسًا بالهدى. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: معطوف على ﴿الْهُدَى﴾، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ﴿اللام﴾: لام كي، ﴿يُظْهِرَهُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ومفعول به. ﴿عَلَى الدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿يُظْهِرَهُ﴾. ﴿كُلِّهِ﴾: توكيد لـ ﴿الدِّينِ﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإظهاره دين الحق على الدين كلّه، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿وَكَفَى﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَفَى﴾: فعل ماض. ﴿بِاللَّهِ﴾: فاعل و ﴿الباء﴾: زائدة. ﴿شَهِيدًا﴾: تمييز، والجملة: مستأنفة، مسوقة للتعجب.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَهُ﴾: متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿أَشِدَّاءُ﴾: خبر. ﴿عَلَى الْكُفَّارِ﴾: متعلق به. ﴿رُحَمَاءُ﴾: خبر ثان. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿رُحَمَاءُ﴾، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾. ﴿تَرَاهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على من يصلح للخطاب، و ﴿الهاء﴾: ضمير الغائبين مفعول به. ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: حالان من مفعول ﴿تَرَاهُمْ﴾؛ لأنّ الرؤية هنا بصرية، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ثالث للموصول أو مستأنفة. ﴿يَبْتَغُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فَضْلًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْتَغُونَ﴾، ﴿وَرِضْوَانًا﴾: معطوف على ﴿فَضْلًا﴾، والجملة الفعلية: مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يريدون بركوعهم وسجودهم؛ فقيل: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ .. إلخ. ﴿سِيمَاهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ خبر. ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفيّ؛ أي: سيماهم
стр. 12528
كائنة هي في وجوههم، حالة كونها من أثر السجود، والجملة: مستأنفة. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿مَثَلُهُمْ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾: حال من ﴿مَثَلُهُمْ﴾؛ أي: حال كون ذلك المثل مكتوبًا في التوراة. ﴿وَمَثَلُهُمْ﴾ مبتدأ ﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾: حال. ﴿كَزَرْعٍ﴾: خبر ﴿وَمَثَلُهُمْ﴾ والجملة معطوفة على ما قبلها، ويجوز أن يكون ﴿مَثَلُهُمْ﴾: معطوفًا على ﴿مَثَلُهُمْ﴾ الأول، ﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾: حال من ﴿مَثَلُهُمْ﴾. وإن شئت .. قلت: ﴿كَزَرْعٍ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم كزرع، والجملة: مستأنفة. ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: في محل الجر صفة لـ ﴿زَرْعٍ﴾. ﴿فَآزَرَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿آزَرَهُ﴾. فعل ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على الشطأ، والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَخْرَجَ﴾.
﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اسْتَغْلَظَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الزرع، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿آزَرَهُ﴾. ﴿فَاسْتَوَى﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اسْتَوَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الزرع، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اسْتَغْلَظَ﴾. ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَوَى﴾ أو حال من فاعله؛ أي: كائنًا على سوقه، قائمًا عليها. ﴿يُعْجِبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الزرع، ﴿الزُّرَّاعَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿اسْتَوَى﴾: أي: حال كون ذلك الزرع المستوي معجبًا الزرّاع. ﴿لِيَغِيظَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جرف وتعليل. ﴿يَغِيظَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بِهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الْكُفَّارَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور: متعلق بمعلول محذوف، تقديره: كثرهم الله تعالى، وقوّاهم كالزرع المذكور، لإغاظته الكفار بهم، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾:
стр. 12529
معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من فاعل ﴿آمَنُوا﴾. ﴿مَغْفِرَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿وَعَدَ﴾، ﴿وَأَجْرًا﴾: معطوف عليه. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾ الرضا: ما يقابل السخط، يقال: رضي عنه، ورضي به، ورضيته، ورضي الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمرًا لأمره، منتهيًا عن نهيه، وأصله: رضو، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة، والمراد بالمؤمنين: أهل الحديبية، ورضاه عنهم؛ لمبايعتهم رسول الله ﷺ .
﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ والشجرة: واحد الشجر، والشجر من النبت: ما له ساق، والمراد بالشجرة: السمرة؛ أي: أمّ غيلان، وهي كثيرة في بوادي الحجاز، وقيل: السدرة.
﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: من الصدق والإخلاص في المبايعة.
﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ السكينة: الطمأنينة والأمن وسكون النفس.
﴿وَأَثَابَهُمْ﴾ أصله: أثوبهم، بوزن أفعل نقلت حركة الواو إلى الثاء فسكّنت، لكنها أبدلت ألفًا لتحوكها في الأصل وانفتاح ما قبلها في الحال، والثواب: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء عمله، يستعمل في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، والإثابة تستعمل في المحبوب، وقد قيل ذلك في المكروه، نحو: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ على طريق الاستعارة.
﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية.
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي مغانم خيبر، وكانت خيبر أرضًا ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله ﷺ بين المقاتلة، فأعطي الفارس سهمين، والراجل سهمًا واحدًا.
﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: أيدي أهل خيبر، وهم سبعون ألفًا، وحلفاؤهم من بني أسد وغطفان، حيث جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم
стр. 12530
الرعب فنكصوا، والحلفاء بالحاء المهملة: جمع حليف، وهو المعاهد للنصر، فإنّ الحلف: العهد بين القوم، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقال في "المفردات": الكفّ: كفّ الناس، وهي ما بها يقبض ويبسط، وكففته دفعته بالكفّ، وتعورف الكفّ بالدفع على أيّ وجه كان بالكف أو بغيرها، حتى قيل: رجل مكفوف لمن قبض بصره.
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي ما وعد به المؤمنون إلى يوم القيامة.
﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾؛ أي: مغانم خيبر.
﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج الرسول منها إلى الحديبية.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أمارة للمؤمنين يعرفون بها.
١ - وصدق الرسول ﷺ .
٢ - حياطة الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين، وحراسته لهم في مشهدهم ومغيبهم.
٣ - معرفة المؤمنين الذين سيأتون بعد: أنَّ كلاءته تعالى ستعمهم أيضًا ما داموا على الجادّة الصراط المستقيم، وهي الثقة بالله تعالى، والتوكّل عليه فيما يأتون ويذرون.
﴿وَأُخْرَى﴾؛ أي: مغانم أخرى: هي مغانم فارس والروم.
﴿أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾؛ أي: أعدّها لكم، وهي تحت قبضته يظهر عليها من أراد.
﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: لانهزموا، فإنّ تولية الأدبار كناية عن الانهزام، أصله: لوليو، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، والأدبار جمع دبر، ودبر الشيء: خلاف القبل: كالظهر والخلف.
стр. 12531
﴿وَلِيًّا﴾ والوليّ: الحارص الحامي.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ والنصير: المعين والمساعد.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾؛ أي: سنَّ غلبة أنبيائه على أعدائه، سنّةً قديمةً فيمن مضى وخلا من الأمم.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ من الظفر: وهو الفوز، وأصله: من ظفر؛ أي: نشب ظفره.
﴿وَالْهَدْيَ﴾ بسكون الدال: جمع هدية، كتمر وتمرة، وجدي وجدية، وهو ما يقدم قربانًا لله تعالى من النعم حين أداء مناسك الحج أو العمرة، كما مرّ، يقال: أهديت له، وأهديت إليه، وحكي ابن خالويه فيه ثلاث لغات؛ الهدي بسكون الدال: وهي الشهيرة لغة قريش، والهديّ بكسر الدال، وتشديد الياء: جمع هديّة، والهداء بالمدّ.
﴿مَعْكُوفًا﴾؛ أي: محبوسًا، يقال: عكفت الرجل عن حاجته: إذا حبسته عنها، وأنكر الفارسيّ تعدية عكف بنفسه، وأثبتها ابن سيده والأزهري وغيرهما، وهو ظاهر القرآن لبناء اسم المفعول منه. اهـ "سمين". وفي "المختار": عكفه حبسه ووقفه، وبابه: ضرب ونصر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ ومنه الاعتكاف في المسجد: وهو الاحتباس، وعكف على الشيء: أقبل عليه مواظبًا، وبابه: دخل وجلس، قال الله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، اهـ.
﴿مَحِلَّهُ﴾ اسم مكان على وزن مفعل بكسر العين، أصله: محلل، نقلت حركة اللام الأولى إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في اللام الثانية؛ أي: المكان الذي يسوغ فيه نحوه، وهو مني في حقّ الحاج، والمروة في حق المعتمر.
﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ من الوطء: وهو الدوس، وهو عبارة عن الإيقاع، والإهلاك والإبادة؛ وإن الوطء تحت الأقدام مستلزم للإهلاك.
﴿مَعَرَّةٌ﴾ مفعلة من عرّه: إذا عراه ودعاه بما يكرهه ويشقّ عليه، وفي "المفردات": العرّ: الجرب الذي يعرّ البدن؛ أي: يعترضه، ومنه قيل للمضرّة:
стр. 12532
معرة تشبيهًا بالعرّ الذي هو الجرب، وفي "القاموس" و"اللسان": المعرفة: المساءة والإثم والأذى والجناية والعيب والأمر القبيح والشدة والمسبة، وتلون الوجه غضبًا، وكوكب دون المغيرة، وبلد معروف. انتهى.
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ التزيّل: التفرق والتميز، من زاله يزيله فرَّقه، وزيلته فتزيل؛ أي: فرَّقته فتفرق.
﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ الحمية: الأنفة والتكبر، وهي: مصدر على وزن فعيلة، من حمي من كذا حمتة: إذا أنف منه، وداخله منه عارٌ، وفي "المفردات": عبّر عن القوّة الغضبيّة إذا ثارت وكثرت بالحمية، يقال: حميت على فلان؛ أي: غضبت عليه. انتهى. وذلك لأنّ في الغضب ثوران دم القلب وحرراته وغليانه، وحميّة الجاهلية: حمية في غير موضعها لا يؤيّدها دليل ولا برهان، بل مدارها مطلق المنع، سواء، كان بحق أم بباطل، فتمنع من الإذعان والقبول للحق، ومبناها التشفّي على مقتضى الغضب لغير الله، فتوجب تخطّي حدود الشرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواءٌ, وأصل الحميّة: حميية على وزن فعيلة، أدغمت ياء فعيل في ياء لام الكلمة.
﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ التاء فيه مبدلة من واو، والواو مبدلة من ياء، فأصله: وقيا.
﴿أَحَقَّ بِهَا﴾ أصله: أحقق بوزن أفعل، نقلت حركة القاف الأولى إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في القاف الثانية.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ هي رؤيا منام وحلم؛ أي: صدقه في رؤياه ولم يكذبه.
﴿مُحَلِّقِينَ﴾ والحلق: العضو المخصوص، وحلقه قطع حلقه، ثم جعل الحلق لقطع الشعر وجزه، فقيل: حلق شعره وحلق رأسه: إذا أزال شعره ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ والقصر: خلاف الطول، وقصر شعره: جز بعضه.
стр. 12533
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليعليه على سائر الأديان حقها وباطلها، وأصل الإظهار: جعل الشيء باديًا ظاهرًا للرائي، ثمّ شاع استعماله في الإعلاء.
﴿أَشِدَّاءُ﴾ أصله: أشدداء بوزن أفعلاء، جمع شديد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الشين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية.
﴿رُحَمَاءُ﴾ جمع رحيم. ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: جمع راكع وساجد، كفضل جمع فاضل، وكمل جمع كامل. ﴿سِيمَاهُمْ﴾ فيه ثلاث لغات: السيما والسيماء والسيمياء، وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر، قال الشاعر:
غلَامٌ رَمَاهُ الله بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيْمِيَاءٌ لَا تَشُق عَلَى الْبَصَرْ
وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ﴾ الياء فيه مبدلة من واو؛ لأنه من الوسم، قلبت الواو ياءً؛ لسكونها إثر كسرة، فاصله: سومى بوزن عفلى، إذ فيه قلب مكاني بتقدمم العين على الفاء، والأصل: وسمى بوزن فعلى.
﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ من جوز أن تكون التوراة عربية، يقول: إنما مشتقة من ورى الزند حينما تقدح به النار، فأصل التوراة: تورية بوزن تفعلة، بفتح العين، وأصل تورية وورية؛ لأنه من وري، قلبت الواو الأولى تاءً، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وقيل: أصله تورية بوزن تفعلة، بكسر العين، ثمّ فتحت راؤه توصّلًا لقلب الياء ألفًا.
﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾ من نجل الشيء: إذا أظهره. ﴿كَزَرْعٍ﴾ يقال: زرع كمنع: طرح البذر، وزرع الله: أثبت، والزرع: الولد، والمزروع، والجمع: زروع، وموضعه المزرعة مثلثة الراء. ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ وفي "القاموس": الشطء: فراخ النخل والزرع أو ورقه، وشطأ كنمع شطأً وشطوءًا: أخرجها، ومن الشجر: ما خرج حول أصله، والجمع: أشطاء، وأشطأ الزرع، وشطأ: إذا أخرج فراخه، وهو في الحنطة والشعير والنخل وغيرها.
﴿فَآزَرَهُ﴾؛ أي: أعانه وقوّاه، من المؤازرة: وهي المعاونة، فيكون وزن آزر فاعل من الأزر: وهو القوّة أو من الإيزار: وهي الإعانة، فيكون وزنه أفعل؛ وهو
стр. 12534
الظاهر؛ لأنه لم يسمع في مضارعه يؤازر، بل يؤزر بوزن يكرم، كما مرّ.
﴿فَاسْتَوَى﴾؛ أي: استقام. ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساقٍ؛ أي: على قضبانه وأصوله.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين، أصله: ليغيظ بوزن يفعل، نقلت حركة الياء إلى الغين فسكنت إثر كسرة فصارت حرف مدّ، من الغيظ، والغيظ: أشدُّ الغضب: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه، يقال: غاظه يغيظه بوزن باع فاغتاظ، وغيظه فتغيظ وأغاظه وغايظه، كما في "القاموس".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآية ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ مع كون المقام للماضي لاستحضار صورة المبايعة؛ لأنّها جديرة بالتجسيد لتكون عبرة الأجداد للأحفاد.
ومنها: تكرار المغانم إشعارًا بكثرتها وتنوّعها.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ لأنّ تولية الأدبار كناية عن الهزيمة لأنّ المنهزم يدبر ظهره لعدوّه للهرب.
ومنها: الالتفات من ضمير الغائب إلى الخطاب، في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ بعد قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك لتشريف المؤمنين في مقام الامتنان.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾؛ لأنّ الوطأ عبارة عن الإهلاك والإبادة، على طريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ لأنّ الوطأ تحت الأقدام مستلزم للإهلاك.
стр. 12535
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾؛ لأنّ المعرّة والعرّ، حقيقة في الجرب الذي يعرّ البدن؛ أي: يعترضه. فاستعير للمضرّة على طريق الاستعارة التصريحية.
ومنها: البلاغات المعنوية في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ الآية. قال الإِمام الرازي: ففي هذه الآية لطائف معنوية: وهو أنّه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن، باين بين الفاعلين، إذ فاعل ﴿جَعَلَ﴾ هو الكافر، وفاعل ﴿أَنْزَلَ﴾ هو الله تعالى، وبين المفعولين، إذ تلك حميّة وهذه سكينة، وبين الإضافتين أضاف الحميّة إلى الجاهلية، وأضاف السكينة إلى الله تعالى، وبين الفعل ﴿جَعَلَ﴾ و ﴿أَنْزَلَ﴾ فالحميّة مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى، والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها، والحميّة قبيحة مذمومة في نفسها، وازدادت قبحًا بالإضافة إلى الجاهلية، والسكينة حسنة في نفسها، وازدادت حسنًا بإضافتها إلى الله تعالى، والعطف في ﴿فأنزل﴾ بـ ﴿الفاء﴾ لا بالواو: يدلّ على المقابلة، تقول: أكرمني زيد فأكرمته، فدلّت على المجازاة للمقابلة، ولذلك جعل ﴿فَأَنْزَلَ﴾.
ولمّا كان الرسول ﷺ هو الذي أجاب أوّلًا إلى الصلح، وكان المؤمنون عازمين على القتال، وأن لا يرجعوا إلى أهلهم إلا بعد فتح. مكة أو النحر في المنحر، وأبوا إلا أن يكتبوا: محمد رسول الله ﷺ ، وباسم الله .. قال الله تعالى: ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ولمّا سكن هو ﷺ للصلح .. سكن المؤمنون، فقال: ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولمّا كان المؤمنون عند الله تعالى .. ألزموا تلك الكلمة قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وفيه تلخيص، وهو كلام حسن.
ومنها: أسلوب التكميل في قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ لأنّه لو اكتفى بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ لربّما أوهم الفظاظة والغلظة فيما بينهم، فكمّل بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ رفعًا لذلك الوهم، فيكون من أسلوب التكميل.
ومنها: تكرير ﴿مَثَلُهُمْ﴾ لتأكيد غرابته، وزيادة تقريرها.