﴿وَلِيًّا﴾ والوليّ: الحارص الحامي.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ والنصير: المعين والمساعد.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾؛ أي: سنَّ غلبة أنبيائه على أعدائه، سنّةً قديمةً فيمن مضى وخلا من الأمم.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ من الظفر: وهو الفوز، وأصله: من ظفر؛ أي: نشب ظفره.
﴿وَالْهَدْيَ﴾ بسكون الدال: جمع هدية، كتمر وتمرة، وجدي وجدية، وهو ما يقدم قربانًا لله تعالى من النعم حين أداء مناسك الحج أو العمرة، كما مرّ، يقال: أهديت له، وأهديت إليه، وحكي ابن خالويه فيه ثلاث لغات؛ الهدي بسكون الدال: وهي الشهيرة لغة قريش، والهديّ بكسر الدال، وتشديد الياء: جمع هديّة، والهداء بالمدّ.
﴿مَعْكُوفًا﴾؛ أي: محبوسًا، يقال: عكفت الرجل عن حاجته: إذا حبسته عنها، وأنكر الفارسيّ تعدية عكف بنفسه، وأثبتها ابن سيده والأزهري وغيرهما، وهو ظاهر القرآن لبناء اسم المفعول منه. اهـ "سمين". وفي "المختار": عكفه حبسه ووقفه، وبابه: ضرب ونصر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ ومنه الاعتكاف في المسجد: وهو الاحتباس، وعكف على الشيء: أقبل عليه مواظبًا، وبابه: دخل وجلس، قال الله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، اهـ.
﴿مَحِلَّهُ﴾ اسم مكان على وزن مفعل بكسر العين، أصله: محلل، نقلت حركة اللام الأولى إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في اللام الثانية؛ أي: المكان الذي يسوغ فيه نحوه، وهو مني في حقّ الحاج، والمروة في حق المعتمر.
﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ من الوطء: وهو الدوس، وهو عبارة عن الإيقاع، والإهلاك والإبادة؛ وإن الوطء تحت الأقدام مستلزم للإهلاك.
﴿مَعَرَّةٌ﴾ مفعلة من عرّه: إذا عراه ودعاه بما يكرهه ويشقّ عليه، وفي "المفردات": العرّ: الجرب الذي يعرّ البدن؛ أي: يعترضه، ومنه قيل للمضرّة:
стр. 12532
معرة تشبيهًا بالعرّ الذي هو الجرب، وفي "القاموس" و"اللسان": المعرفة: المساءة والإثم والأذى والجناية والعيب والأمر القبيح والشدة والمسبة، وتلون الوجه غضبًا، وكوكب دون المغيرة، وبلد معروف. انتهى.
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ التزيّل: التفرق والتميز، من زاله يزيله فرَّقه، وزيلته فتزيل؛ أي: فرَّقته فتفرق.
﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ الحمية: الأنفة والتكبر، وهي: مصدر على وزن فعيلة، من حمي من كذا حمتة: إذا أنف منه، وداخله منه عارٌ، وفي "المفردات": عبّر عن القوّة الغضبيّة إذا ثارت وكثرت بالحمية، يقال: حميت على فلان؛ أي: غضبت عليه. انتهى. وذلك لأنّ في الغضب ثوران دم القلب وحرراته وغليانه، وحميّة الجاهلية: حمية في غير موضعها لا يؤيّدها دليل ولا برهان، بل مدارها مطلق المنع، سواء، كان بحق أم بباطل، فتمنع من الإذعان والقبول للحق، ومبناها التشفّي على مقتضى الغضب لغير الله، فتوجب تخطّي حدود الشرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواءٌ, وأصل الحميّة: حميية على وزن فعيلة، أدغمت ياء فعيل في ياء لام الكلمة.
﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ التاء فيه مبدلة من واو، والواو مبدلة من ياء، فأصله: وقيا.
﴿أَحَقَّ بِهَا﴾ أصله: أحقق بوزن أفعل، نقلت حركة القاف الأولى إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في القاف الثانية.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ هي رؤيا منام وحلم؛ أي: صدقه في رؤياه ولم يكذبه.
﴿مُحَلِّقِينَ﴾ والحلق: العضو المخصوص، وحلقه قطع حلقه، ثم جعل الحلق لقطع الشعر وجزه، فقيل: حلق شعره وحلق رأسه: إذا أزال شعره ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ والقصر: خلاف الطول، وقصر شعره: جز بعضه.
стр. 12533
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليعليه على سائر الأديان حقها وباطلها، وأصل الإظهار: جعل الشيء باديًا ظاهرًا للرائي، ثمّ شاع استعماله في الإعلاء.
﴿أَشِدَّاءُ﴾ أصله: أشدداء بوزن أفعلاء، جمع شديد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الشين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية.
﴿رُحَمَاءُ﴾ جمع رحيم. ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: جمع راكع وساجد، كفضل جمع فاضل، وكمل جمع كامل. ﴿سِيمَاهُمْ﴾ فيه ثلاث لغات: السيما والسيماء والسيمياء، وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر، قال الشاعر:
غلَامٌ رَمَاهُ الله بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيْمِيَاءٌ لَا تَشُق عَلَى الْبَصَرْ
وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ﴾ الياء فيه مبدلة من واو؛ لأنه من الوسم، قلبت الواو ياءً؛ لسكونها إثر كسرة، فاصله: سومى بوزن عفلى، إذ فيه قلب مكاني بتقدمم العين على الفاء، والأصل: وسمى بوزن فعلى.
﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ من جوز أن تكون التوراة عربية، يقول: إنما مشتقة من ورى الزند حينما تقدح به النار، فأصل التوراة: تورية بوزن تفعلة، بفتح العين، وأصل تورية وورية؛ لأنه من وري، قلبت الواو الأولى تاءً، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وقيل: أصله تورية بوزن تفعلة، بكسر العين، ثمّ فتحت راؤه توصّلًا لقلب الياء ألفًا.
﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾ من نجل الشيء: إذا أظهره. ﴿كَزَرْعٍ﴾ يقال: زرع كمنع: طرح البذر، وزرع الله: أثبت، والزرع: الولد، والمزروع، والجمع: زروع، وموضعه المزرعة مثلثة الراء. ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ وفي "القاموس": الشطء: فراخ النخل والزرع أو ورقه، وشطأ كنمع شطأً وشطوءًا: أخرجها، ومن الشجر: ما خرج حول أصله، والجمع: أشطاء، وأشطأ الزرع، وشطأ: إذا أخرج فراخه، وهو في الحنطة والشعير والنخل وغيرها.
﴿فَآزَرَهُ﴾؛ أي: أعانه وقوّاه، من المؤازرة: وهي المعاونة، فيكون وزن آزر فاعل من الأزر: وهو القوّة أو من الإيزار: وهي الإعانة، فيكون وزنه أفعل؛ وهو
стр. 12534
الظاهر؛ لأنه لم يسمع في مضارعه يؤازر، بل يؤزر بوزن يكرم، كما مرّ.
﴿فَاسْتَوَى﴾؛ أي: استقام. ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساقٍ؛ أي: على قضبانه وأصوله.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين، أصله: ليغيظ بوزن يفعل، نقلت حركة الياء إلى الغين فسكنت إثر كسرة فصارت حرف مدّ، من الغيظ، والغيظ: أشدُّ الغضب: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه، يقال: غاظه يغيظه بوزن باع فاغتاظ، وغيظه فتغيظ وأغاظه وغايظه، كما في "القاموس".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآية ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ مع كون المقام للماضي لاستحضار صورة المبايعة؛ لأنّها جديرة بالتجسيد لتكون عبرة الأجداد للأحفاد.
ومنها: تكرار المغانم إشعارًا بكثرتها وتنوّعها.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ لأنّ تولية الأدبار كناية عن الهزيمة لأنّ المنهزم يدبر ظهره لعدوّه للهرب.
ومنها: الالتفات من ضمير الغائب إلى الخطاب، في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ بعد قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك لتشريف المؤمنين في مقام الامتنان.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾؛ لأنّ الوطأ عبارة عن الإهلاك والإبادة، على طريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ لأنّ الوطأ تحت الأقدام مستلزم للإهلاك.
стр. 12535
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾؛ لأنّ المعرّة والعرّ، حقيقة في الجرب الذي يعرّ البدن؛ أي: يعترضه. فاستعير للمضرّة على طريق الاستعارة التصريحية.
ومنها: البلاغات المعنوية في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ الآية. قال الإِمام الرازي: ففي هذه الآية لطائف معنوية: وهو أنّه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن، باين بين الفاعلين، إذ فاعل ﴿جَعَلَ﴾ هو الكافر، وفاعل ﴿أَنْزَلَ﴾ هو الله تعالى، وبين المفعولين، إذ تلك حميّة وهذه سكينة، وبين الإضافتين أضاف الحميّة إلى الجاهلية، وأضاف السكينة إلى الله تعالى، وبين الفعل ﴿جَعَلَ﴾ و ﴿أَنْزَلَ﴾ فالحميّة مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى، والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها، والحميّة قبيحة مذمومة في نفسها، وازدادت قبحًا بالإضافة إلى الجاهلية، والسكينة حسنة في نفسها، وازدادت حسنًا بإضافتها إلى الله تعالى، والعطف في ﴿فأنزل﴾ بـ ﴿الفاء﴾ لا بالواو: يدلّ على المقابلة، تقول: أكرمني زيد فأكرمته، فدلّت على المجازاة للمقابلة، ولذلك جعل ﴿فَأَنْزَلَ﴾.
ولمّا كان الرسول ﷺ هو الذي أجاب أوّلًا إلى الصلح، وكان المؤمنون عازمين على القتال، وأن لا يرجعوا إلى أهلهم إلا بعد فتح. مكة أو النحر في المنحر، وأبوا إلا أن يكتبوا: محمد رسول الله ﷺ ، وباسم الله .. قال الله تعالى: ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ولمّا سكن هو ﷺ للصلح .. سكن المؤمنون، فقال: ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولمّا كان المؤمنون عند الله تعالى .. ألزموا تلك الكلمة قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وفيه تلخيص، وهو كلام حسن.
ومنها: أسلوب التكميل في قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ لأنّه لو اكتفى بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ لربّما أوهم الفظاظة والغلظة فيما بينهم، فكمّل بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ رفعًا لذلك الوهم، فيكون من أسلوب التكميل.
ومنها: تكرير ﴿مَثَلُهُمْ﴾ لتأكيد غرابته، وزيادة تقريرها.
стр. 12536
ومنها: التشبيه التمثيليّ في قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من أمور متعدّدة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
خاتمة: قال في "فتح الرحمن": وقد اجتمعت حروف الهجاء التسعة والعشرون في هذه الآية، وهي ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة، أول حرف المعجم فيها ميم من محمد، وآخرها صاد من الصالحات، وتقدّم نظير ذلك في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ...﴾ الآية، وليس في القرآن آية جمعت فيها حروف المعجم غيرهما، من دعا الله بهما .. استجيب له، وفي ذلك بشارة تلويحيّة مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم، وعلى نصرهم ﵃ وأحشرنا معهم نحن ووالدينا ومحبّينا، وجميع المسلمين بمنه وكرمه، وهذا آخر القسم الأول من القرآن، وهو المطوّل، وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبيّ ﷺ .
وحاصلهما: الفتح بالسيف والنصر على من قاتله ظاهرًا، كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له ﷺ بالحال على من قصده بالضر باطنًا. اهـ "خطيب".
والله أعلم
* * *
стр. 12537
خلاصة مقاصد هذه السورة
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - بشارة النبيّ ﷺ بالفتح، وإعزاز دين الله تعالى.
٢ - وعد المؤمنين، ووعيد الكافرين والمنافقين.
٣ - ذمّ المخلّفين من عرب أسلم وجهينة ومزينة وغفار.
٤ - رضوان الله على المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، ووعده إياهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة.
٥ - البشرى بتحقّق رؤيا رسول الله ﷺ أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، وقد تمّ لهم ذلك في العام المقبل.
٦ - وصف النبي ﷺ ، والذين آمنوا معه بالرحمة والشدة.
٧ - وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة، والأجر العظيم (١).
والله أعلم
* * *
стр. 12538
سورة الحجرات
سورة الحجرات مدنيّة، قال القرطبي: بالإجماع، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس وابن الزبير: أنها نزلت بالمدينة بعد سورة المجادلة، وهي ثماني عشرة آيةً، وثلاث مئة وثلاث وأربعون كلمةً، وألف وأربع مئة وستة وسبعون حرفًا، وكلها محكمة لا ناسخ ولا منسوخ فيها، كما قاله ابن حزم، وسمّيت بالحجرات؛ لذكر لفظ الحجرات فيها.
ومناسبتها لما قبلها من وجوه (١):
١ - ذكر في هذه قتال البغاة، وفي تلك قتال الكفار.
٢ - أنّ السابقة ختمت بالذين آمنوا، وافتتحت هذه بهم.
٣ - أنّ كلًّا منهما تضمّن تشريفًا وتكريمًا للرسول ﷺ ، ولا سيما في مطلعيهما.
قال أبو حيان (٢): مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة؛ لأنه ذكر رسول الله ﷺ وأصحابه، ثمّ قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فربما صدر من مؤمن عمل الصالحات بعض شيء ممّا ينبغي أن يجتنب عنه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وكانت عادة العرب وهي إلى الآن الاشتراك في الآراء، وأن يتكلم كل بما شاء، ويفعل ما أحبّ، فجرى من بعض من لم يتمرن على آداب الشريعة بعض ذلك، قال قتادة: فربّما قال قوم: ينبغي أن يكون كذا لو أنزل في كذا.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه ذكرت سورة الفتح بعد سورة القتال؛ لأنّ الأولى كالمقدمة، والثانية كالنتيجة، وذكرت هذه بعد الفتح لأنّ الأمّة إذا جاهدت ثم فتح الله عليها، والنبي ﷺ بينها، واستتب الأمر .. وجب أن توضع القواعد التي تكون بين النبيّ ﷺ وأصحابه، وكيف يعاملونه، وكيف يعامل بعضهم بعضًا، فطلب إليهم أن لا يقطعوا أمرًا دون أن يحكم الله ورسوله به، وأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبيّ ﷺ ، وأن لا يجهروا له بالقول كما يجهر بعضهم لبعهض، لما في ذلك من الاستخفاف الذي قد يؤدّي إلى الكفر المحيط للأعمال.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لمَّا نهى عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ .. أردفه بذمّ الذين ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، وهو في بيوت نسائه، كما يفعل أجلاف الأعراب، ثمّ أرشدهم إلى ما فيه الخير والمصلحة لهم في دينهم ودنياهم، وهو أن ينتظروا حتى يخرج إليهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله لمّا ذمّ المنادين من وراء الحجرات .. أردفه بتأديب عباده المؤمنين بأدب نافع لهم في دينهم ودنياهم، وهو أنه إذا جاءهم الفاسق المجاهر بترك شعائر الدين بأيّ خبر .. لا يصدّقونه بادىء ذي بدءٍ، حتى يتثبّتوا ويتطلّبوا انكشاف الحقيقة، ولا يعتمدوا على قوله، فإنّ من لا يبالي بالفسق لا يبالي بالكذب الذي هو من فصيلته كراهة أن يصيبوا بأذى قومًا هم جاهلون حالهم، فتندموا على ما فرّط منكم، وتتمنّوا أنه لم يكن قد وقع.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا (٢) حذر المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق .. بيَّن
стр. 12541
هنا ما ربّما ترتب على خبره من النزاع بن فئتين، وقد يؤول الأمر إلى الاقتتال، فطلب من المؤمنين أن يزيلوا ما نتج من كلامه، وأن يصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى .. فقاتلوا التي تبغي حتى ترجع إلى الصلح بدفعها عن الظلم مباشرةً إن أمكن، أو باستعداء الحاكم عليها، وإن كان الباغي هو الحاكم .. فالواجب على المسلمين دفعه بالنصيحة فما فوقها، بشرط أن لا تثير فتنة أشد من الأولى، ثمّ تيمم الإرشاد، وأبان أنَّ الصلح كما يلزم بين الفئتين يجب بين الأخوين، ثم أمرهم بتقوى الله، ووجوب اتباع حكمه، وعدم الإهمال فيه رجاء أن يرحمهم إذا هم أطاعوه ولم يخالفوا أمره.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ...﴾ مناسبة هذه
الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى، ومع رسوله ﷺ ، ومع من يخالفهما ويعصيهما، وهو الفاسق .. بيّن ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، فذكر أنه لا ينبغي أن يسخر منه، ولا أن يعيّبه بالهمز واللمز، ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه، فبئس العمل هذا، ومن لم يتب بعد ارتكابه .. فقد أساء إلى نفسه، وارتكب جرمًا كبيرًا.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه أدّب عباده المؤمنين بآداب، إن تمسّكوا بها .. دامت المودّة والوئام بينهم، منها: ما تقدم قبل هذا، ومنها: ما ذكره هنا من الأمور العظام، التي تزيد توثيق رباط المجتمع الإِسلامي قوَّةً، وهي:
١ - البعد عن سوء الظن بالناس، وتخوينهم في كل ما يقولون ويفعلون؛ لأن بعض ذلك قد يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه، وقد روي عن عمر ﵁: أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.
٢ - عدم البحث عن عورات الناس ومعايبهم.
٣ - عدم ذكر بعضهم بعضا بما يكرهون في غيبتهم، وقد مثّل الشارع المغتاب بآكل لحم الميتة استفظاعًا له، قال قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة
стр. 12542
ممدودة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حيّ.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا نهى فيما سلف عن السخرية بالناس، والازدراء بهم، وعن اللمز والتنابز بالألقاب .. ذكر هنا ما يؤكّد النهي، ويؤيّد ذلك المنع، فبين أنّ الناس جميعًا من أب واحد وأمّ واحدة، فكيف يسخر الأخ من أخيه، إلى أنه تعالى جعلهم شعوبًا وقبائل مختلفة ليحصل بينهم التعارف والتعاون في مصالحهم المختلفة، ولا فضل لواحد على آخر إلَّا بالتقوى والصلاح وكمال النفس لا بالأمور الدنيويّة الزائلة.
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لمّا حّث (١) الناس على التقوى .. وبّخ من في إيمانه ضعف من الأعراب الذين أظهروا الإِسلام وقلوبهم وغلة؛ لأنّهم كانوا يريدون المغانم، وعرض الدنيا إذ جاؤوا في سنة مجدبة، وكانوا يقولون لرسوله ﷺ : جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان؛ يريدون بذكر ذلك: الصدقة والمنّ على النبيّ ﷺ ، فاطلع الله نبيّه ﷺ على مكنون ضمائرهم، وأنهم لم يؤمنوا إيمانًا حقيقيًّا، وهو الذي وافق القلب فيه اللسان، وأمرهم أن يقولوا: استسلمنا وخضعنا.
ثمّ أخبرهم بأنهم إن اتقوا الله حق تقاته .. وفّاهم أجورهم كاملة غير منقوصة.
ثمّ بيّن أنّ من علامة الإيمان الكامل: التضحية بالنفس والمال في سبيل الله، ببذلهما في تقوية دعائم الدين، وإعلاء شأنه، وخضد شوكة العدوّ بكل السبل الممكنة.
ثمّ أعقب هذا: بأن الله يعلم ما هم عليه من إيمان ضعيف أو قويّ، إذ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه لا ينبغي للمؤمن أن يمتّن على
стр. 12543
الرسول بإيمانه، بل من حق الرسول أن يمتن عليه بأن وفق للهداية على يديه، إن كان صادق الإيمان.
ثم ختم الآيات بالإخبار عن واسع علمه، وإحاطته بمكنون سرّ خلقه في السموات والأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرّة فيهما، وهو البصير بما يعمل عباده من خير أو شرّ.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيتين، سبب نزولهما: ما أخرجه البخاري وغيره (١)، من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر ﵁: أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر ﵁: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن: أنّ أناسًا ذبحوا قبل رسول الله ﷺ يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحًا، فأنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾.
وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب الأضاحي" بلفظ: ذبح رجل قبل الصلاة .. فنزلت.
وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن عائشة: أنّ ناسًا كانوا يتقدّمون الشهر، فيصومون قبل النبيّ ﷺ ، فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا ...﴾.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، فأنزل الله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾.
стр. 12544
وأخرج عنه قال: كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ...﴾ الآية.
وأخرج أيضًا عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...﴾ قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عديّ بن العجلان، فقال: ما يبكيك؟ قال: هذه الآية، أتخوّف أن تكون نزلت في، وأنا صيّت رفيع الصوت، فرفع عاصم ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا به، فقال: "أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ " قال: رضيت، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما: ما أخرجه الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم، قال: جاء ناس من العرب إلى حجر رسول الله ﷺ ، فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ...﴾ الآية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد إنّ مدحي لزين، وإنّ شتمي لشين، فقال النبيّ ﷺ : "ذاك هو الله" فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ ...﴾ الآية. مرسل له شواهد مرفوعة من حديث البراء، وغيره عند الترمذي بدون نزول الآية، وأخرج ابن جرير نحوه عن الحسن، وأخرج أحمد بسند صحيح عن الأقرع بن حابس: أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات فلم يجبه، فقال: يا محمد إنّ حمدي لزين، وانّ ذمّي لشين، فقال: "ذلك الله". وقال قتادة: نزلت في وفد تميم، وكانوا سبعين رجلًا منهم: الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب وقيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم، جاؤوا إلى النبيّ ﷺ للمفاخرة، فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد، فإنّ مدحنا لزين، وإنّ ذمّنا لشين، فخرج إليهم رسول الله ﷺ وهو يقول: "إنما ذلكم الله الذي مدحه زين، وذمّه شين" فقالوا: نحن ناس من تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله ﷺ : "ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا" فقام
стр. 12545
شابّ منهم، فذكر فضله وفضل قومه، فقال ﷺ لثابت بن قيس بن شمّاس، وكان خطيب النبي ﷺ : "قُمْ فأجبه" فأجابه، وقام الزبرقان بن بدر فقال .... إلى أن قال:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوْكُ وَفِيْنَا تُنْصَبُ البِيَعُ
فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ يُفَاخِرُهُمْ ... إِلَّا اسْتَفَادُوْا فَكَانُوْا الرَّأْسَ يُقْطَتَعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِيْ ذَاكَ نَعْرِفُهُ ... فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
فقال رسول الله ﷺ لحسّان بن ثابت: "أجبه" فقال:
إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيْرَتُهُ ... تَقْوَى الإِلَهِ وَكُلُّ الْخَيْرِ يُصْطَنَعُ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوْا عَدُوَّهُمُ ... أوْ حَاوَلُوْا النَّفْعَ فِيْ أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوْا
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ
في قصيدة طويلة.
فلمّا فرغ حسان من قوله .. قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤنَّى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا, ولشاعره أشعر من شاعرنا, ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم دنا من رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "ما يضرُّك ما كان من قبل هذا" ثم جوزهم فأحسن جوائزهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان قد بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق ليأخذ الصدقات، فلمَّا أتاهم الخبر .. فرحوا به، وخرجوا يستقبلونه، فلمّا حدث بذلك الوليد .. حسب أنهم جاؤوا لقتاله، فرجع قبل أن يدركوه، وأخبر رسول الله ﷺ أنهم منعوا الزكاة، فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، وبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم، إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله إنّا حدثنا أن
стр. 12546
رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أنه إنما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله عذرهم في الكتاب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ...﴾ الآية. أخرجه أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وقال ابن كثير: وهذا من أحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية.
وقال الرازي: هذه الرواية ضعيفة؛ لأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد؛ لأنّه توهم وظن فأخطا، والمخطىء لا يسمى فاسقًا، كيف والفاسق في أكثر المواضع يراد به من خرج من ربقة الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. اهـ.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ ركب حمارًا وانطلق إلى عبد الله بن أبيّ، فقال: إليك عنّي، فقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحماره أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فنزلت: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن أبي مالك قال: قال: تلاحى رجلان من المسلمين، فغضب قوم هذا لهذا، وهذا لهذا، فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ...﴾ الآية، روي: أنّ الآية نزلت في وفد تميم، إذ كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب رسول الله ﷺ : كعمار وصهيب وبلال وخبّاب وابن فهيرة، وسلمان الفارسي وسالم مولى أبي حذيفة في آخرين غيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، وروي: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنّ النساء يقلن لي: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها: "هلّا قلت: أبي هارون وعمي موسى، وزوجي محمد ﷺ ".
стр. 12547
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه أصحاب "السنن" الأربعة، عن أبي جبير بن الضحاك، قال: كان الرجل منّا يكون له الاسمان والثلاثة، فيدعى ببعضها، فعسى أن يكرهه، فنزلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال الترمذي: حسن. وأخرج الحاكم وغيره من حديثه أيضًا قال: كانت الألقاب في الجاهلية، فدعا النبيّ ﷺ رجلًا منهم بلقبه، فقيل له: يا رسول الله، إنّه يكرهه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسيّ، أكل ثم رقد فنفخ، فذكر رجل أكله ورقاده، فنزلت.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه أبو داوود: أنّ هذه الآية نزلت في أبي هند، وكان حجّام النبيّ ﷺ ، قال: إنّ رسول الله ﷺ أمر بني بياضة أنّ يزوّجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله ﷺ : نزوّج بناتنا موالينا، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ...﴾ الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة، قال: لمّا كان يوم الفتح .. رقى بلال على ظهر الكعبة فأذّن، فقال بعض الناس: أهذا العبد الأسود يؤذّن على ظهر الكعبة وقال بعضهم: إن يرد الله شيئًا يغيّره فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ...﴾.
قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى: أن ناسًا من العرب قالوا: يا رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك، وقاتلك بنو فلان، فأنزل الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ...﴾ الآية، وأخرج البزّار من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: قدم عشرة نفر من بني أسد على رسول الله ﷺ في المسجد مع أصحابه، فسلّموا وقال متكلّمهم: يا رسول الله إنّا شهدنا أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثا، ونحن لمن وراءنا سلم، فأنزل الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ
стр. 12548
أَنْ أَسْلَمُوا ...﴾ الآية، وأخرج سعيد بن منصور في "سننه" عن سعيد بن جبير قال: أتى قوم من الأعراب من بني أسد النبيّ ﷺ ، فقالوا: جئناك ولم نقاتلك، فأنزل الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ...﴾ الآية، وقال مجاهد: نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة، وكانوا يجاورون المدينة، قدموا على رسول الله ﷺ ، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين حقًا، وقال السدّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح، أعراب مزينة وجهينة، وأسلم وغفار والديل، وأشجع، قالوا؛ آمنا، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى المدنية .. تخلّفوا.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تصدير (١) الخطاب بالنداء؛ لتنبيه المخاطبين على أنّ ما في حيّزه أمر خطير، يستدعي مزيد اعتنائهم بشأنه، وفرط اهتمامهم بتلقّيه، ومراعاته ووصفهم بالإيمان؛ لتنشطيهم والإيذان بأنّه داع إلى المخاطبة، ورادع عن الإخلال به.
﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ أمرا من الأمور ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ولا تقطعوه ولا تقولوه، ولا تعجلوا به، إلا بعد أن يحكما به، ويأذنا فيه، فتكونوا إمّا عاملين بالوحي المنزل، وإما مقتدين بالنبيّ المرسل؛ لأنَّ المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما, ولفظ اليدين بمعنى الجهتين الكائنتين في سمت يدي الإنسان اليمين واليسار، وبين اليدين بمعنى: بين الجهتين، والجهة التي بينهما هي جهة الأمام والقدَّام، فقولك: جلست بين يديه، بمعنى: جلست أمامه، وبمكان يحاذي يديه قريبًا منه، وإذا قيل: بين يدي الله .. امتنع أن يراد الجهة والمكان، فيكون استعارة تمثيلية، شبَّه ما وقع من بعض الصحابة من القطع في أمر من الأمور الدينية، قبل أن يحكم الله به ورسوله، بحال من يتقدم في المشي في الطريق مثلًا لوقاحته، على من يجب أن يتأخر عنه، ويقفو أثره تعظيمًا له، فعبَّر عن الحالة
стр. 12549
المشبَّهة بما يعبر به عن المشبه بها، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ بضم التاء وفتح القاف وكسر الدال المشددة، من قدّم المضاعف، فاحتمل أن يكون متعدّيًا، وحذف مفعوله؛ ليتناول كل ما يقع في النفس مما تقدم: كالصوم والأضحية، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل، كقولهم: هو يعطي ويمنع، فلم يقصد لشيء معين، بل النهي متعلق بنفس الفعل دون تعرّض لمفعول معيّن، واحتمل أن يكون لازمًا بمعنى: تقدم، نحو: وحسنة بمعنى: توجَّه، ويكون المحذوف مما يوصل إليه بحرف؛ أي: لا تتقدموا في شيء ما من الأشياء، ويعضد هذا الوجه قراءة ابن عباس وأبي حيوة والضحاك ويعقوب، وابن مقسم: ﴿لا تقدموا﴾ بفتح التاء والقاف والدال على اللزوم، وحذفت التاء تخفيفًا؛ إذ أصله: لا تتقدموا. وقرأ بعض المكيين: ﴿تقدّموا﴾ بشدّ التاء، أدغم تاء المضارعة في التاء بعدها: كقراءة البزي، وقرىء: ﴿لا تقدموا﴾ مضارع قدم بكسر الدال، من القدوم؛ أي: لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها, ولا تعجلوا عليها، وقرىء: ﴿لا تقدموا﴾ بضم التاء وكسر الدال، من أقدم الرباعي؛ أي: لا تقدموا على شيء، وقال مجاهد: لا تفتئتوا على الله شيئًا حتى يقصه الله على لسان رسوله ﷺ ، وفي هذا النهي توطئة لما يأتي بعد من نهيهم عن رفع أصواتهم.
فائدة: ذكر في هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خمس مرات، والمخاطبون فيها المؤمنون، والمخاطب به أمر أو نهي، وذكر فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مرةً، والمخاطبون فيها يعمّ المؤمنين والكافرين، كما أنّ المخاطب به وهو قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ يعمهما. فناسب فيها ذكر الناس. انتهى. "فتح الرحمن".
ولمّا نهى من التقدّم .. أمر بالتقوى؛ لأنّ من التقوى اجتناب المنهي عنه، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله، وراقبوه في كل ما تأتون وما تذرون من
стр. 12550
الأقوال والأفعال، ثمّ علل ما أمر به من التقوى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم، فمن حقّه: أن يُتقى ويُراقب.
ويجوز (١) أن يكون معنى ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾: لا تفعلوا التقديم بالكلية على أنّ الفعل لم يقصد تعققه بمفعوله، وإن كان متعديًا. قال المولى أبو السعود: وهو أوفى بحق المقام؛ لإفادة النهي عن التلبس بنفس الفعل الموجب لانتفائه بالكليّة، المستلزم لانتفاء تعلقه بمفعوله بالطريق البرهانيّ، وقد جوَّز أن يكون التقديم لازمًا، بمعنى: المتقدم، ومنه: مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منهم، ومنه: وجه بمعنى: توجه. كما مرّ آنفًا.
وقال مجاهد والحسن (٢): نزلت الآية في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، كأنه قيل: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ ﷺ ، وعن عائشة: أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، فكأنه قيل: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم، وقال قتادة: إنّ ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، أو صنع في كذا, ولو نزل كذا وكذا في معنى كذا, ولو فعل الله كذا، وينبغي أن يكون كذا، فكره الله ذلك، فنزلت، وعن الحسن: لمَّا استقر رسول الله ﷺ بالمدينة .. أتته الوفود من الآفاق، فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا عن أن يبتدئوا بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء.
والظاهر: أنّ الآية عامة في كل قول وفعل، ولذا حذف مفعول ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾؛ ليذهب ذهن السامع كل مذهب، مما يمكن تقديمه من قول أو فعل، مثلًا إذا جرت مسألة في مجلسه ﷺ .. لا تسبقوه بالجواب، وإذا حضر الطعام .. لا تبدؤوا بالأكل قبله، وإذا ذهبتم إلى موضع .. لا تمشوا أمامه إلا لمصلحة دعت إليه، ونحو ذلك مما يمكن فيه التقديم.
قيل: لا يجوز تقدّم الأصاغر على الأكابر، إلا في ثلاثة مواضع: إذا ساروا ليلًا أو رأوا خيلًا؛ أي: جيشًا، أو دخلوا سيلًا، أي: ماء سائلًا، وكان
стр. 12551
في الزمان الأول، إذا مشى الشابّ أمام الشيخ .. يخسف الله به الأرض، ويدخل في النهي المشي بين يدي العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء، دليله ما روي عن أبي الدرداء ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ أمشي أمام أبي بكر ﵁ فقال: "تمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة، ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين خير أو أفضل من أبي بكر الصديق". كما في "كشف الأسرار".
وأكثر هذه (١) الروايات يشعر بأن المراد من الآية: بين يدي رسول الله ﷺ ، وذكر الله لتعظيمه والإيذان بجلالة قدره عنده، حيث ذكر اسمه تعالى توطئةً وتمهيدًا لذكر اسمه ﷺ ؛ ليدل على قوّة اختصاصه ﷺ بربّ العزة، وقرب منزلته من حضرته تعالى، فإنّ إيقاع ذكره تعالى موقع ذكره ﷺ بطريق العطف تفسيرًا للمراد، يدل عليها لا محالة، كما يقال: أعجبني زيد وكرمه، في موضع أن يقال: أعجبني كرم زيد؛ للدلالة على قوّة اختصاص الكرم به. والله أعلم.
ومعنى الآية (٢): أي يا أيها المؤمنون، لا تعجلوا بالقضاء في أمر قبل أن يقضي الله ورسوله لكم فيه، إذ ربّما تقضون بغير قضائهما، وراقبوا الله أن تقولوا ما لم يأذن لكم الله ورسوله به، إن الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيء من ضمائر صدوركم.
وبنحو هذا أجاب معاذ بن جبل ﵁ رسول الله ﷺ ، حين بعثه إلى اليمن، قال له: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله تعالى، قال ﷺ : "فإن لم تجد" قال: بسنّة رسوله، قال ﷺ : "فإن لم تجد" قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفّق رسول رسوله، لما يرضي رسوله". رواه أحمد وأبو داود والترمذي، فتراه قد أخّر رأيه واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدّمه .. لكان من المتقدّمين بين يدي الله ورسوله.
стр. 12552
والخلاصة (١): أنّه طلب إليهم أن ينقادوا لأوامر الله ونواهيه، ولا يعجلوا يقول أو فعل قبل أن يقول الرسول أو يفعل، ولا يذبحوا يوم عيد الأضحى قبل أن يذبح، ولا يصوم أحد يوم الشك وقد نهي عنه.
٢ - والحاصل: أنّ الله سبحانه قد أدّب المؤمنين إذا قابلوا الرسول بأدبين:
أحدهما: فعل.
وثانيهما: قول.
وأشار إلى أوّلهما بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وأشار إلى ثانيهما بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ وإذا نطقتم، وتحدّثتم مع النبي ﷺ ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ﷺ إذا نطق، وتكلّم معكم؛ أي: إذا نطق ونطقتم في المحادثة معه .. فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم حدًّا يبلغه صوته، بل يكون كلامكم دون كلامه؛ ليتميز منطقه عن منطقكم بكونه عاليًا رفيعًا على منطقكم.
والمعنى (٢): لا تبلغوا بأصواتكم وراء حدّ يبلغه ﷺ هو بصوته، والصوت: هو الهواء المنضغط عن قرع جسمين، كما سيأتي البسط فيه إن شاء الله تعالى، وقال في "المفردات": تخصيص الصوت بالنهي؛ لكونه أعم من النطق والكلام، ويحتمل أنّه خصّه لأنّ المكروه رفع الصوت لا رفع الكلام.
وكرر النداء (٣)؛ ليعلم أنّ كلّ واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني منهما تأكيدًا للأول، كقولك: يا زيد، لا تنطق ولا تتكلّم إلا بالحق، فإنه لا يحسن أن تقول: يا زيد لا تنطق، يا زيد لا تتكلّم، كما يحسن عند اختلاف المطلوبين. كلاهما "الخطيب".
﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ﴾ ﷺ ؛ أي: لا تنادوه ﴿بِالْقَوْلِ﴾ والكلام إذا كلّمتوه وهو
стр. 12553
صامت، جهرًا كائنًا ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ ورفعه صوته عند مكالمته ﴿لِبَعْضٍ﴾ آخر منكم؛ أي (١): لا تجهروا, ولا ترفعوا صوتكم عند مكالمته وهو صامت جهرًا، كالجهر البخاري فيما بينكم في عدم المبالاة، وقلة الاحترام، بل اجعلوا صوتكم أخفض، وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس والسر، كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظَّم، وحافظوا على مراعاة جلالة النبوّة، فنهوا عن جهر مخصوص مقيد: وهو الجهر المماثل لجهر اعتادهوه فيما بينهم، لا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلّموه بالهمس والمخافتة.
والمفهوم من "الكشاف" في الفرق بين النهي عن رفع الصوت، والنهي عن الجهر له: أنّ معنى النهي الأول: أنه ﷺ إذا نطق ونطقتم .. فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم فوق الحد الذي يبلغ إليه صوته ﷺ ، وأن تغضوا من أصواتكم، بحيث يكون صوته عاليًا على أصواتكم، ومعنى الثاني: أنكم إذا كلمتوه وهو ﷺ ساكت .. فلا تبلغوا بالجهر في القول الجهر الدائر بينكم، بل ليِّنوا القول لينًا يقارب الهمس الذي يضادّ الجهر.
وفي "الشهاب على البيضاوي" (٢): لمَّا رأى أن تخصيص الأول بمكالمته معهم، والثاني بسكوته خلاف الظاهر؛ لأنّ الأول نهي عن أن يكون جهرهم أقوى من جهره، كما هو صريح قوله: ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره .. عدل عنه، فحمل الأول على النهي عن زيادة صوتهم على صوته، والثاني على مساواة صوتهم لصوته، فحصل التغاير بين النهيين بهذا الاعتبار أيضًا. اهـ من "الشهاب".
وقيل المعنى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾؛ أي: لا تدعوه، ولا تخاطبوه باسمه وكنيته ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾؛ أي: كدعاء بعضكم لبعض باسمه، ولكن عظّموه ووقروه وشرّفوه، وقولوا له: يا نبي الله، ويا رسول الله، ويا أبا القاسم.
стр. 12554
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ تنازع (١) فيه ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ ﴿وَلَا تَجْهَرُوا﴾ فيكون مفعولًا لأجله للثاني عند البصريين، وللأول عند الكوفيين، والأول أصح؛ لأنّ إعمال الأول يستلزم الإضمار في الثاني، وهو (٢): إما علّة للنهي على طريق التنازع، فكأنه قيل: انتهوا عمّا نهيتم عنه لخشية حبوط أعمالكم أو كراهته، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ فحذف المضاف ولام التعليل، وإمّا علة للفعل المنهي عنه، كأنه قيل: انتهوا عن الفعل الذي تفعلونه لأجل حبوط أعمالكم، فاللام فيه، لام العاقبة، فإنهم لم يقصدوا بما فعلوه من رفع الصوت والجهر حبوط أعمالهم، إلا أنه لمّا كان بحيث قد يؤدي إلى الكفر المحيط .. جعل كأنّه فعل لأجله، فأدخل عليه لام العلّة تشبيهًا لمؤدى الفعل بالعلة الغائية، وليس المراد بما نهي عنه من الرفع والجهر: ما يقارنه الاستخفاف والاستهانة بشأنه ﷺ ، وعدم المبالاة به، فإنّ ذلك كفر، وكذا ليس المراد: ما يقع من الرفع والجهر في حرب أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدوٍ أو نحو ذلك، فإنّه لا بأس به، إذ لا يتأذى به النبي ﷺ ، فلا يتناوله النهي، ففي الحديث: أنّه ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب، لمّا انهزم الناس يوم حنين: "اصرخ بالناس"، وكان العباس أجهر الناس صوتًا، وروي: أنَّ غارة أتتهم يومًا؛ أي: في المدينة، فصاح العباس: يا صباحاه، فأسقط الحوامل لشدّة صوته، وكان يسمع صوته من ثمانية أميال.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ حال من فاعل ﴿تَحْبَطَ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تشعرون بحبوطها, ولا تعلمونه، وفيه تحذير شديد، ووعيد عظيم، قال الزجّاج: وليس المراد: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافرًا من حيث لا يعلم، قال أبو حيان: قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ إن كانت (٣) الآية معرّضة بمن يجهر استخفافًا .. فذلك كفر يحبط معه العمل حقيقةً، وإن
стр. 12555
كانت للمؤمن الذي فعل ذلك غفلةً، وجريًا على عادته .. فإنّما يحبط عمله البرّ في توقير النبيّ ﷺ ، وغضّ الصوت عنه أن لو فعل ذلك كأنه قال: مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها.
وقرأ عبد الله وزيد بن على: ﴿فتحبط﴾ بالفاء، وهو مسبب عما قبله.
وفي "فتح الرحمن": فإن قلت: (١) كيف قال ذلك مع أنّ الأعمال إنّما تحبط بالكفر، ورفع الصوت على صوت النبيّ ليس بكفر؟.
قلت: المراد به: الاستخفاف بالنبيّ ﷺ ؛ لأنّه ربّما يؤدّي إلى الكفر، وقيل: حبوط العمل هنا مجاز عن نقصان المنزلة، وانحطاط الرتبة. اهـ.
ومعنى الآية (٢): إذا نطق ونطقتم .. فلا ترفعوا أصواتكبم فوق صوته، ولا تبلغوا به وراء الحدّ الذي يبلغه؛ لأنّ ذلك يدل على قلة الاحتشام، وترك الاحترام، وإذا كلّمتوه وهو صامت .. فإيّاكم أن تبلغوا به الجهر الذي يدور بينكم، أو أن تقولوا: يا محمد، يا أحمد، بل خاطبوه بالنبوّة مع الإجلال والتعظيم، خشية أن يؤدّي ذلك إلى الاستخفاف بالمخاطب، فتكفروا من حيث لا تشعرون.
قال البقلي في "العرائس": أعلمنا الله سبحانه بهذا التأديب، أنّ خاطر حبيبه من كمال لطافته، ومراقبة جمال ملكوته، كان يتغير من الأصوات الجهرية، وذلك من غاية شغله بالله، وجمع همومه بين يدي الله، فكان إذا جهر أحد عنده .. يتأذى قلبه، ويضيق صدره من ذلك، كأنه يتقاعد سرّه لحظةً عن السير في ميادين الأزل، فخوَّفهم الله من ذلك، فإن تشويش خاطره ﷺ سبب بطلان الأعمال.
يقول الفقير: ولكمال لطافته ﷺ ، كان الموت عليه أشدَّ، إذ اللطيف يتأثر مما لا يتأثر به الكثيف، كما قال بعضهم: قد شاهدنا أقوامًا من عرب البوادي، يسلخ الحكام جميع جلد أحدهم ولا يظهر ضجرًا، ولو سلخ أكبر الأولياء ...
стр. 12556
لصاح، إلا أن يؤخذ عقله بمشاهدة تمنع إحساسه. اهـ.
وقد كره (١) بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ﷺ ، وكذا القرب منه ﵇ في المواجهة عند السلام، بحيث كان بينه وبينه ﷺ أقلَّ من أربعة أذرع، وكره بعضهم رفع الصوت في مجالس الفقهاء؛ تشريفًا لهم، إذ هم ورثة الأنبياء، قال سليمان بن حرب: ضحك إنسان عند حمّاد بن زيد، وهو يحدث بحديث عن رسول الله ﷺ ، فغضب حمّاد، وقال: إنّي أرى رفع الصوت عند حديث رسول الله ﷺ وهو ميت، كرفع الصوت عنده وهو حيّ، وقام وامتنع من الحديث ذلك اليوم.
٣ - ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾؛ أي: يخفضون ﴿أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ ؛ مراعاةً للأدب، وخشية من مخالفة النهي ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، خبره: قوله: ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ﴾ ﴿قُلُوبَهُمْ﴾؛ أي: شرح قلوبهم، ووسعها ﴿لِلتَّقْوَى﴾ وصفّاها، وأخلصها للتقوى، والجملة الابتدائية. خبر ﴿إِنَّ﴾. وعن عمر ﵁: أذهب عنها الشهوات؛ أي: نزع عنها محبّة الشهوات، وصفَّاها عن دنس سوء الأخلاق، وحلَّاها بمكارمها، حتى انسلخوا عن عادات البشرية. ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ التنكير للتعظيم؛ أي: ثابت لهم غفران، وأجر عظيم لا يقادر قدره لغضّهم، وسائر طاعاتهم، فهو استئناف لبيان جزاء الغاضين مدحًا لحالهم، وتعريضًا بسوء حال من ليس مثلهم، أو خبر ثان لـ ﴿إِنَّ﴾.
وروى أحمد في "الزهد" عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية، ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية، ولا يعمل بها؟. فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية، ولا يعملون بها، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم.
стр. 12557
والتقوى: هي امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وقال بعضهم: التقوى: كل عمل يقيك من النار، وإذا وقاك من النار .. وقاك من الحجاب، وإذا وقاك من الحجاب .. شاهدت العزيز الوهّاب.
٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ ويدعونك يا محمد ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾؛ أي (١): من خارج حجرات نسائك من خلفها أو قدّامها؛ لأنّ وراء الحجرة عبارة عن الجهة التي يواريها شخص الحجرة بجهتها من أيّ ناحية كانت من نواحيها, ولا بدّ أن تكون تلك الجهة خارج الحجرة؛ لأن ما في دخلها لا يتوارى عمن فيها بجثة الحجرة، فاشتراك الوراء في تينك الجهتين معنوي لا لفظي، لكن جعله الجوهري وغيره من الأضداد، فيكون اشتراكه لفظيًّا، و ﴿مِنْ﴾: ابتدائية دالة على أن المناداة نشأت من جهة الوراء، وأن المنادى داخل الحجرة؛ لوجوب اختلاف المبدأ والمنتهى بحسب الجهة، ولو جرِّد الكلام عن حرف الابتداء .. جاز أن يكون المنادى أيضًا في الخارج؛ لانتفاء مقتضى اختلافهما بالجهة.
والمراد: حجرات أمّهات المؤمنين، وكانت لكل واحد منهنّ حجرة، فتكون تسعًا عددهنّ.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ بضم الجيم إتباعًا للضمّة قبلها، وقرأ أبو جعفر وشيبة: بفتحها، وابن أبي عبلة: بإسكانها ثلاثتها جمع حجرة: كغرفات جمع غرفة، وظلمات جمع ظلمة، وقبضات جمع قبضة بمعنى محجورة كقبضة بمعنى مقبوضة، وهي الموضع الذي يحجره الإنسان لنفسه بحائط ونحوه، ويمنع غيره من أن يشاركه فيه من الحجر، وهو المنع، وقيل للعقل: حجر لكون الإنسان في منع منه ممّا تدعو إليه نفسه.
ومناداتهم من ورائها: إما بأنّهم أتوها حجرة حجرة، فنادوه ﵇ من ورائها، أو بأنهم تفرّقرا على الحجرات متطلّبين له ﷺ ؛ لأنّهم لم يتحقّقوا مكانه،
стр. 12558
فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، فأسند فعل الأبعاض إلى الكل مجازًا.
﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: كلهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يفقهون أمر الله وتوحيده، ولا حرمة رسوله ﷺ ؛ لغلبة الجهل عليهم، وكثرة الجفاء في طباعهم، قال في "بحر العلوم": في قوله: ﴿أكثر﴾ دلالة على أنّه كان فيهم من قصد بالمحاشاة، وعلى قلة العقلاء فيهم قصدًا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، إذ القلة تجري مجرى النفي في كلامهم، فيكون المعنى: كلهم لا يعقلون، إذ لو كان لهم عقل لما تجاسروا على هذه المرتبة من سوء الأدب، بل تأدَّبوا معه بأن يجلسوا على بابه، حتى يخرج إليهم،
٥ - كما قال تعالى آنفًا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾، الصبر: حبس النفس عن شهواتها. و ﴿لو﴾ (١) مختص بالفعل على ما ذهب إليه المبرّد والزجاج والكوفيون، فما بعد ﴿لو﴾ مرفوع على الفاعلية، لا على الابتداء على ما قاله سيبويه.
والمعنى: ولو تحقق صبرهم وانتظارهم ﴿حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ و ﴿حَتَّى﴾ تفيد أنّ الصبر ينبغي أن يكون مغيًا بخروجه ﷺ ، فإنها مختصّة بما هو غاية للشيء في نفسه، ولذلك تقول: أكلت السمكة حتى رأسها, ولا تقول: حتى نصفها وثلثها، بخلاف إلى فإنها عامّة، وفي قوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إشعار بأنّه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم. ﴿لَكَانَ﴾؛ أي: الصبر المذكور ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من الاستعجال لما فيه من رعاية حسن الأدب مع الرسول ﷺ .
والمعنى: أنهم لو انتظروا خروجك، ولم يعجلوا بالمناداة .. لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله ﷺ ، ورعاية جنابه الشريف، والعمل بما يستحقه من التعظيم والتبجيل، الموجبين للثواب والثناء، والإسعاف بالمسؤول، وقيل: إنّهم جاؤوا شفعاء في أسارى، فأعتق رسول الله ﷺ نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا .. لأعتق الجميع.
стр. 12559
فقد روي عن ابن عباس ﵄: أنّ النبيّ ﷺ بعث سريّة إلى قوم من بني عنبر جماعة من خزاعة، وأمّر عليهم عيينة بن حصن الفزاريّ، فسار إليهم، فلمّا بلغهم أنه خرج إليهم .. فرّوا وهربوا، وتركوا عيالهم وأموالهم، فسبى ذراريَّهم، وجاء بهم إلى النبيّ ﷺ ، فجاء بعد ذلك رجالهم ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة، ووافقوا النبي ﷺ قائلًا عند أهله، فلمّا رأتهم الذراريّ .. أجهشوا يبكون، فنادوا النبيّ ﷺ : يا محمد أخرج إلينا، حتى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا، فنزل جبريل ﵇ فقال: إنّ الله تعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلًا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو، وهو على دينكم" فقالوا: نعم. فقال شبرمة: أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد، وهو أعور بن بسَّامة بن ضرار، فرضوا بالأعور، فقال الأعور: فانا أرى أن تفادي نصفهم، وتعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ : "قد رضيت" ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، ولو صبروا .. لأعتق جميعهم بغير فداء، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾.
﴿اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: بليغ المغفرة والرحمة واسعهما، فلن تضيق ساحته عن هؤلاء المسيئين للأدب إن تابوا وأصلحوا.
ومعنى الآية (١): أي وّلو أنَّ هؤلاء الذين ينادونك من وراء الحجرات صبروا, ولم ينادوك حتى تخرج إليهم .. لكان خيرًا لهم عند الله تعالى؛ لأنّه قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله ذو عفو عمّن ناداك من وراء الحجاب، إن هو تاب من معصيته بندائك كذلك، وراجع أمر الله في ذلك وفي غيره، رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه.
والخلاصة (٢): أنّ الله تعالى هجَّن الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوف من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرًا لينبه إلى فظاعة ما جسروا عليه؛ لأنَّ من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، يكون صنيع مثل هؤلاء معه من
стр. 12560
المنكر الذي يبلغ من التفاحش مبلغًا لا يقدر قدره.
تنبيه (١): وفي هذا المقام أمور:
الأول: أنّ في هذه الآية تنبيهًا على قدره ﷺ ، والتأدب معه بكل حال، فهم إنّما نادوه لعدم عقل يعرفون به قدره، ولو عرفوا قدره .. لكانوا كما في الخبر يقرعون بابه بالأظافير، وفي المناداة إشارة إلى أنهم رأوه من وراء الحجاب، ولو كانوا من أهل الحضور والشهود .. لما نادوه.
قال أبو عثمان المغربي رحمه الله تعالى: الأدب عند الأكابر، وفي مجلس السادات من العلماء والأولياء، يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى، والخير في الأولى والعقبى، فكما لا بد من التأدّب معه ﷺ ، فكذا مع من استنّ بسنته: كالعلماء العاملين، وكان جماعة من العلماء يجلسون على باب غيرهم، ولا يدقّون عليه بابه حتى يخرج لقضاء حاجته احترامًا، قال أبو عبيدة القاسم بن سلّام: ما دققت الباب على عالم قط، كنت أصبر حتى يخرج إليّ، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ الآية.
قال بعضهم: من الحكمة توقير الكبير، ورحمة الصغير، ومخاطبة الناس بالليّن. وقال: إن كان خليلك فوقك .. فاصحبه بالحرمة، وإن كان كفأك ونظيرك .. فاصحبه بالوفاء، وإن كان دونك .. فاصحبه بالمرحمة، وإن كان عالمًا .. فاصحبه بالخدمة والتعظيم، وإن كان جاهلًا .. فاصحبه بالسياسة، وإن كان غنيًا .. فاصحبه بالزهد، وإن كان فقيرًا .. فاصحبه بالجود، وقال بعض الحكماء: عاشروا الناس معاشرة، إن متّم .. بكوا عليكم، وإن رغبتم .. حنّوا إليكم.
والثاني: ذم الجهل، ومدح العقل والعلم، فإن شرف العقل مدرك بضرورة العقل والعلم والحس، حتى إنّ أكبر الحيوانات شخصًا، وأقواها بدنًا، إذا رأى الإنسان .. احتشمه وخاف منه؛ لإحساسه بأنّه مسئول عليه بحيلته، قال بعضهم:
стр. 12561
العاقل كلامه وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم به .. أمَّره على قلبه، فينظر فيه، فإن كان له؛ أي: لنفعه .. أمضاه، وإن كان عليه؛ أي: لضرّه .. أمسكه، والأحمق كلامه على طرف لسانه، وعقله في حجره إذا قام سقط، قال عليّ كرم الله وجهه: لسان العاقل في قلبه، وقلب الأحمق في فمه، والأدب صورة العقل، ولا شرف مع سوء الأدب، ولا داء أعيا من الجهل، وإذا تم العقل .. نقص الكلام.
والثالث: ما قاله بعضهم: تدبر سر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى﴾ ولا تنظر إلى سبب النزول، وانتظر خروجه مرةً ثانية لقيام الساعة لفتح باب الشفاعة، وقد ثبت أنّ الناس يلتجئون يوم القيامة إلى الأنبياء، ثمَّ، وثمَّ إلى أن يصلوا إليه ﷺ ، فلا يصلون إلى المراد إلا عنده.
٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ﴾ وأتاكم ﴿فَاسِقٌ﴾ أيَّ فاسقٍ كان ﴿بِنَبَإٍ﴾ وخبر أيَّ نبأ كان، والنبأ: الخبر الخطير، والتنكير (١) في الموضعين للتعميم، وفيه إيذان بالاحتراز عن كل فاسق، وإنما قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ﴾ بحرف الشك دون إذا؛ ليدل على أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مكالمتهم بكذب، وقال ابن الشيخ: إخراج الكلام بلفظ الشرط المحتمل الوقوع؛ لندرة مثله فيما بين أصحابه ﷺ ؛ أي: إن جاءكم فاسق بخبر يعظم وقعه في القلوب .. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: فتعرّفوا وتفّحصوا، حتى يتبين لكم ما جاء به، أصدق هو أم كذب، ولا تعتمدوا على قوله المجرد؛ لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق .. لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.
قرأ الجمهور (٢): ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من التبين، وقرأ حمزة والكسائيّ: ﴿فتثبتوا﴾ من التثبت، والمراد من التبيّن: التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد، حتى يتّضح ويظهر.
قال المفسرون: كما مر إنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخي عثمان ﵁ لأمه، وهو الذي ولّاه عثمان الكوفة بعد سعد بن
стр. 12562
أبي وقّاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعًا، ثم قال: هل أزيدكم؟ فعزله عثمان عنهم، بعثه ﷺ مصدقًا إلى بني المصطلق، إلى آخر ما سبق في أسباب النزول.
وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ مفعول لأجله على تقدير مضاف؛ أي: حذار أن تصيبوا ﴿قَوْمًا﴾ بريئين بقتل وأسر وجرح، حال كونكم متلبسين ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ بحالهم، وكنه قصتهم؛ لأنَّ الخطأ ممن لم يتبين الأمر، ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن علم. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾؛ أي: فتصيروا بعد ظهور براءتهم مما أسند إليهم ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ في حقهم ﴿نَادِمِينَ﴾؛ أي: مهتمين به مغتمّين له غمًّا لازمًا، متمنّين أنه لم يقع، فإنّ تركيب (١) هذه الأحرف الثلاثة: ن د م، يدور مع الدوام، مثل: أدمت الأمر: إذا أدامه، ومدن المكان: إذا أقام به، ومنه المدينة؛ يعني: أنَّ الندم غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام على ما وقع، مع تمني أنه لم يقع، ولزومه قد يكون لقوته من أول الأمر، وقد يكون لعدم غيبة موجبه وسببه عن المخاطر، وقد يكون لكثرة تذكره، ولغير ذلك من الأسباب.
وفي الآية (٢): دلالة على أنَّ الجاهل لا بد أن يصير نادمًا على ما فعله بعد زمان، وفي ترتيب الأمر بالتبين على فسق المخبر: إشارة إلى قبول خبر الواحد العدل في بعض المواد، وفي الآية أيضًا إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي والنمام، والمغتاب للناس، فلا بدّ من التبين والتفحص؛ لتظهر حقيقة الحال، ويسلم المرء من الوبال، ويفتضح الكذاب الدجال، وفي الحديث: "التبيُّن من الله، والعجلة من الشيطان".
ومعنى الآية: أي (٣) يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم الفاسق بأيّ نبأ، فتوقّفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا على قوله، فإنّ
стр. 12563
من لا يبالي بالفسق .. فهو أجدر بأن لا يبالي بالكذب ولا يتحاماه، خشية إصابتكم بالأذى قومًا أنتم جاهلون حالهم، فتندموا على ما فرط منكم، وتتمنّوا أن لو لم تكونوا فعلتم ذلك.
٧ - ثم وعظهم سبحانه بعظة هم أحرى الناس باتباعها، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيّها المؤمنون، وفائدة الأمر الدلالة على أنهم نزّلوا منزلة الجاهلين، لمكانه ﷺ ؛ لتفريطهم فيما يجب عليهم من تعظيم شأنه، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في قوله: ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: سادّة مسدّ مفعولي ﴿وَاعْلَمُوا﴾؛ أي: واعلموا أنّ فيكم رسول الله، وهو مرشد لكم، فارجعوا إليه، واعتمدوا عليه، فلا تقولوا قولًا باطلًا، ولا تتسرّعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبيّن، وجملة ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾؛ أي: لوقعتم في العنت والفساد والهلاك، في محل نصب على الحال من ضمير ﴿فِيكُمْ﴾؛ أي: كائنين (١) على حالة .. إلخ. وهي أنكم تريدون أن يتبع الرسول ﷺ رأيكم في كثير من الحوادث، ولو فعل ذلك .. لوقعتم في الجهد والهلاك، فعلى هذا يكون قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إلخ. دليل وجوب تغيير تلك الحال أقيم مقام الحال، وفيه إيذان بأنّ بعضهم زيّنوا لرسول الله الإيقاع ببني المصطلق، تصديقًا لقول الوليد، وأنه ﷺ لم يطع رأيهم، أو مستأنفة.
والمعنى: لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه من الأخبار الباطلة، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب .. لوقعتم في العنت، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه، وقد يوافق الناس، ويفعل بمقتضى مصلحتهم؛ تحقيقًا لفائدة قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
وصيغة المضارع في قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾: للدلالة على أنّ امتناع عنتهم لامتناع استمرار طاعته ﷺ لأن عنتهم، إنما يلزم من استمرار الطاعة فيما يعنُّ لهم
стр. 12564
من الأمور، إذ فيه اختلال أمر الرياسة، وانقلاب الرئيس مرؤسًا، لا من إطاعته في بعض ما يرونه نادرًا، بل فيها استمالتهم بلا معرةٍ؛ يعني: أن امتناع عنتكم بسبب امتناع استمراره على إطاعتكم، فإنّ المضارع يفيد الاستمرار، ودخول ﴿لو﴾ عليه، يفيد أمتناع الاستمرار.
والمعنى (١): أي واعلموا أيّها المؤمنون، أن بين أظهركم رسول الله، فعظّموه ووقّروه، وتأدّبوا معه، وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، ثم بين أن رأيه أنفع لهم، وأجدر بالرعاية، فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إلخ؛ أي: لو سارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر، وأجاب ما أشرتم به عليه من الآراء .. لوقعتم في الجهد والإثم، ولكنّه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه، عن أبي سعيد الخدري: أنّه قرأ هذه الآية، وقال: هذا نبيُّكم يوحى إليه، وخيار أئمتكم، لو أطاعهم في كثير من الأمر .. لعنتوا، فكيف بكم اليوم؟! أخرجه الترمذي.
ثمّ استدرك على ما سلف لبيان براءة بعضهم من أوصاف الأولين، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾؛ أي: جعل الإيمان أحبّ الأشياء إليكم، أو جعله محبوبًا لديكم، فلا يقع منكم إلا ما يوافقه، ويقتضيه من الأمور الصالحة، وترك التسرّع في الأخبار، وعدم التثبت فيها.
وقيل: هذا تجريد للخطاب (٢) وتوجيه له إلى بعضهم بطريق الاستدراك، بيانًا لبراءتهم من أوصاف الأولين، وإحمادًا لأفعالهم، وهم الكاملون الذين لا يعتمدون على كل ما سمعوه من الأخبار؛ أي: ولكن جمعًا منكم براء مما أنتم عليه من تصديق الكاذب، وتزيين الإيقاع بالبريء، وإرادة أن يتبع الحق أهواءهم؛ لأنّ الله تعالى جعل الإيمان أحبَّ الأشياء إليهم، فلا يقع منهم إلا ما يوافقه، ويقتضيه من الأمور الصالحة، وترك التسرع في الأخبار.
стр. 12565
والظاهر: أنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان.
﴿وَزَيَّنَهُ﴾؛ أي: زيّن الإيمان, وحسَّنه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حتى رسخ حبه فيها، ولذلك أتيتم بما يليق به من الأقوال والأفعال، وفي "عين المعاني": في قلوبكم دون ألسنتكم مجرّدةً ردًّا على الكرامية القائلين: بأنَّ الإيمان لا يكون بالقلب، ولكن باللسان، وقيل: دون جوارحكم ردًّا على الشعوبية بضم الشين: وهم قوم يتعلقون بظاهر الأعمال.
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾؛ أي: جعل هذه الأمور الثلاثة: الكفر والفسوق والعصيان مكروهة عندكم، ولذلك اجتنبتم ما يليق بها، مما لا خير فيه من آثارها وأحكامها، والتكريه هنا بمعنى التبغيض، والبغض: ضد الحب، فالبغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه، والحب: انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه، ولما كان في التحبيب والتكريه معنى إنماء المحبّة والكراهة، وإيصالهما إليهم .. استعملا بكلمة إلى.
قال في "فتح الرحمن": معنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، والكفر تغطية نعم الله بالحجود والفسوق الخروج عن القصد؛ أي: العدل بظلم نفسه، والعصيان: الامتناع عن الانقياد، وهو شامل لجميع الذنوب، والفسوق مختص بالكبائر، قال شيخ الإِسلام: إن قلت: ما فائدة الجمع بين الفسق والعصيان؟ .. قلت: الفسوق: الكذب، كما نقل عن ابن عباس، والعصيان: بقية المعاصي، وإنما أفرد الكذب بالذكر؛ لأنّه سبب نزول الآية، وقيل: الفسوق: الكبيرة، والعصيان: الصغيرة. انتهى.
والخلاصة (١): أنّ الإيمان الكامل: إقرارٌ باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، فكراهة الكفر في مقابلة محبّة الإيمان, وتزيينه في القلوب هو التصديق بالجنان، والفسوق: هو الكذب في مقابلة الإقرار باللسان، والعصيان: في مقابلة العمل بالأركان.
стр. 12566
﴿أُولَئِكَ﴾ المستثنون بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ إلخ. ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾؛ أي: السالكون إلى الطريق السويّ الموصل إلى الحق، والرشد: الاستقامة على طريق الحق، مع تصلبٍ من الرشادة: وهي الصخرة، وفي الآية (١) عدول وتلوين، حيث ذكر أولها على وجه المخاطبة، وآخرها على المغايبة، حيث قيل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ليعلم أنّ من كان حاله هكذا، فقد دخل في هذا المدح، كما قاله أبو الليث.
٨ - وقوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾؛ أي: تفضلًا منه تعالى، وإنعامًا منه تعليل لـ ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾ وما بينهما اعتراض.
والمعنى: أنه تعالى حبّب إليكم ما حبّب، وكرّه إليكم ما كرّه؛ لأجل فضله وإنعامه، لا للراشدين، فإنّ الفضل فعل الله، والرشد وإن كان مسبّبًا عن فعله، وهو التحبيب والتكريه مسند إلى ضمير ﴿هُمُ﴾؛ يعني: أنّ المراد بالفاعل: من قام به الفعل، وأسند هو إليه، لا من أوجده، ومن المعلوم: أنّ الرشد قائم بالقوم، والفضل والإنعام قائمان به تعالى، فلا اتحاد في الفاعل، وقيل: علّة لمحذوف؛ أي: جعلكم راشدين لأجل فضله وإنعامه، وقيل: النصب بتقدير فعل؛ أي: تبتغون فضلًا ونعمةً.
والخلاصة (٢): أنّ رسول الله بين أظهركم، وهو أعلم بمصالحكم، لو أطعاكم في جميع ما تختارونه .. لأدّى ذلك إلى عنتكم ووقوعكم في مهاوي الردى، ولكنّ بعضًا منكم حبّب إليهم الإيمان, وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأولئك هم الذين أصابوا الحق، وسلكوا سبيل الرشاد.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الهداية، ومن يستحق الغواية ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير شؤون خلقه، وصرفهم فيما شاء من قضائه، فيفعل كل ما يفعل بموجب الحكمة.
стр. 12567
وفي الآية دليل على أنّ من كان مؤمنًا، لا يحبّ الفسق والمعصية، وإذا ابتلي بالمعصية .. فإنّ شهوته وغفلته تحمله على ذلك، لا لحبّه للمعصية، بل ربّما يعصي حال الحضور؛ لأنّ فيه نفاذ قضائه تعالى.
٩ - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾؛ أي: تقاتلوا، والجمع حيث لم يقل: اقتتلتا على التثنية والتأنيث باعتبار المعنى؛ لأنّ كل طائفة جمع، فهي بمعنى القوم، نظير قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾، وبه قرأ الجمهور (١). وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿اقتتلتا﴾ بالتثنية والتأنيث اعتبارًا بلفظ ﴿طَائِفَتَانِ﴾، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير: ﴿اقتتلا﴾ بالتثنية، وتذكير الفعل باعتبار الفريقين والرهطين، والطائفة من الناس: جماعة منهم، لكنها دون الفرقة، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. و ﴿طَائِفَتَانِ﴾: فاعل فعل محذوف وجوبًا؛ لا مبتدأ؛ لأنّ حرف الشرط لا يدخل إلا على الفعل لفظًا أو تقديرًا، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فحذف الأول؛ لئلا يلزم اجتماع المفسّر والمفسّر، وأصل القتل: إزالة الروح عن الجسد بأيّ طريق كان.
﴿فَأَصْلِحُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: بين تينك الطائفتين بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى، وثنّى الضمير باعتبار لفظ الطائفتين، والصلاح: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والإصلاح: جعل الشيء على تلك الحالة، والإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا من أعظم الطاعات، وأتمّ القربات، وكذا نصرة المظلوم، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من وصل أخاه بنصيحة في دينه، ونظر له في صلاح دنياه .. فقد أحسن صلته، وقال مطرّف: وجدنا أنصح العباد لله الملائكة، ووجدنا أغشّ العباد لله الشياطين، ويقال: من كتم السلطان نصحه، والأطبّاء مرضه، والأخوان بثّه .. فقد خان نفسه.
﴿فَإِنْ بَغَتْ﴾؛ أي: تعدّت واستطالت ﴿إِحْدَاهُمَا﴾؛ أي: إحدى الطائفتين وكانت مبطلة ﴿عَلَى الْأُخْرَى﴾ وكان محقة، ولم تتأثر الباغية بالنصيحة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي
стр. 12568
تَبْغِي﴾؛ أي: قاتلوا الطائفة الباغية ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾؛ أي: حتى ترجع عن بغيها، فإنّ الفيء: الرجوع إلى حالة محمودة. ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلى حكمه الذي حكم به في كتابه العزيز، وهو المصالحة، ورفع العداوة، أو إلى ما أمر به، وهو الإطاعة المدلول عليها بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فأمر الله على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر.
وإنّما أطلق (١) الفيء على الظل؛ لرجوعه بعد نسخ الشمس؛ أي: إزالتها إيّاه، فإنّ الشمس كلما ازدادات ارتفاعًا .. ازداد الظل انسلاخًا وزوالًا، وذلك إلى أن توازي الشمس خطّ نصف النهار، فإذا زالت عنه، وأخذت في الانحطاط .. أخذ الظل في الرجوع والظهور، فلمّا كان الزوال سببًا لرجوع ما انتسخ من الظل .. أضيف الظل إلى الزوال، فقيل: فيء الزوال.
ومرَّ الأصمعي بحيّ من أحياء العرب، فوجد صبيًا يلعب مع الصبيان في صحراء، وبتكلّم بالفصاحة، فقال الأصمعي: أين أباك يا صبيّ؟ فنظر إليه الصبي ولم يجب، ثم قال: أين أبيك؟ فنظر إليه ولم يجب كالأول، ثمّ قال: أين أبوك؟ فقال: فاء إلى الفيفاء لطلب الفيء، فإذا فاء الفيء .. فاء؛ أي: رجع.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ مضارع فاء بفتح الهمزة، وقرأ الزهريّ ﴿حتى تفى﴾ بغير همزة وفتح الياء، وهذا شاذ، كما قالوا في مضارع جاء: ينبغي بغير همز، فإذا أدخلوا عليه الناصب .. فتحوا الياء، وأجروه مجرى يفي مضارع وفى شذوذًا.
﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ الباغية، ورجعت إليه، وأقلعت عن القتال حذارًا من قتالكم ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الطائفتين: الباغية والمحقّة ﴿بِالْعَدْلِ﴾ والإنصاف بفصل ما بينهما على حكم الله، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما، عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر.
стр. 12569
والمعنى (١): أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين .. فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدّي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح، ولا دخلت فيه .. كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه .. فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى.
ثمّ أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم، بعد أمرهم بهذا العدل الخاصّ بالطائفتين المقتتلتين، فقال: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾؛ أي: واعدلوا في كلّ ما تأتون وما تذرون، من أقسط، وهمزته للسلب إذا أزال القسط بالفتح؛ أي: الجور، يقال: إذا جاء القسط بالكسر؛ أي: العدل .. زال القسط بالفتح؛ أي: الجور ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛ أي: العادلين الذين يؤدُّون لكل ذي حق حقه، فيجازيهم بأحسن الجزاء؛ لأنّ محبته تعالى لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء، وفي "الصحيح": عن أنس ﵁: أنّ النبيَّ ﷺ قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قلت: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إيّاه".
١٠ - وجملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: مستأنفة مقرّرة لما قبلها من الأمر بالإصلاح، جمع الأخ (٢)، وأصله: المشارك لأخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما، أو من الرضاع، ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودّة، أو في غير ذلك من المناسبات، والفرق بين الخلة والأخوة: أنّ الصداقة إذا قويت .. صارت أخوة، فإن ازدادات .. صارت خلّة، كما في "إحياء العلوم". قال بعض أهل اللغة:
стр. 12570
الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع الأخ من الصداقة، ويقع أحدهما موقع الآخر، وفي الحديث: "وكونوا عباد الله إخوانًا".
والمعنى: إنّما المؤمنون منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبدية، كما أنّ الإخوة من النسب منتسبون إلى أصل واحد هو الأب الموجب للحياة الفانية، فالآية من قبيل التشبيه البليغ المبني على تشبيه الإيمان بالأب في كونه سبب الحياة كالأب.
وفي الحديث: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيّبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره، إلا أن يغرف له غرفة، ولا يشتري لبنيه الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره ولا يطعمونهم منها". ثم قال: "احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل". وفي "الصحيح" أيضًا: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب .. قال الملك: آمين، ولك مثله".
ولما كانت الأخوة داعية إلى الإصلاح ولابد .. تسبب عن ذلك قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ في الدين، كما تصلحون بين أخويكم في النسب، و ﴿الفاء﴾ فيه: للإيذان بأنّ الأخوّة الدينية موجبة للإصلاح، ووضع (١) المظهر موضح المضمر مضافًا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح، والتحضيض عليه، وتخصيص الأثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة والفساد فيه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كل ما تأتون، وما تذرون من الأمور التي من جملتها ما أمرتم به من إصلاح ذات البين، وفي "التأويلات النجمية": واتقوا الله في إخوتكم في الدين بحفظ عهودهم، ورعاية حقوقهم، في المشهد والمغيب، والحياة والممات.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: راجين أن ترحموا على تقواكم كما ترحمون، أو رجاء أن يرحمكم ربّكم، ويصفح عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، والترجّي باعتبار المخاطبين.