← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.

стр. 12566

﴿أُولَئِكَ﴾ المستثنون بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ إلخ. ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾؛ أي: السالكون إلى الطريق السويّ الموصل إلى الحق، والرشد: الاستقامة على طريق الحق، مع تصلبٍ من الرشادة: وهي الصخرة، وفي الآية (١) عدول وتلوين، حيث ذكر أولها على وجه المخاطبة، وآخرها على المغايبة، حيث قيل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ليعلم أنّ من كان حاله هكذا، فقد دخل في هذا المدح، كما قاله أبو الليث. ٨ - وقوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾؛ أي: تفضلًا منه تعالى، وإنعامًا منه تعليل لـ ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾ وما بينهما اعتراض. والمعنى: أنه تعالى حبّب إليكم ما حبّب، وكرّه إليكم ما كرّه؛ لأجل فضله وإنعامه، لا للراشدين، فإنّ الفضل فعل الله، والرشد وإن كان مسبّبًا عن فعله، وهو التحبيب والتكريه مسند إلى ضمير ﴿هُمُ﴾؛ يعني: أنّ المراد بالفاعل: من قام به الفعل، وأسند هو إليه، لا من أوجده، ومن المعلوم: أنّ الرشد قائم بالقوم، والفضل والإنعام قائمان به تعالى، فلا اتحاد في الفاعل، وقيل: علّة لمحذوف؛ أي: جعلكم راشدين لأجل فضله وإنعامه، وقيل: النصب بتقدير فعل؛ أي: تبتغون فضلًا ونعمةً. والخلاصة (٢): أنّ رسول الله بين أظهركم، وهو أعلم بمصالحكم، لو أطعاكم في جميع ما تختارونه .. لأدّى ذلك إلى عنتكم ووقوعكم في مهاوي الردى، ولكنّ بعضًا منكم حبّب إليهم الإيمان, وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأولئك هم الذين أصابوا الحق، وسلكوا سبيل الرشاد. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الهداية، ومن يستحق الغواية ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير شؤون خلقه، وصرفهم فيما شاء من قضائه، فيفعل كل ما يفعل بموجب الحكمة.

стр. 12567

وفي الآية دليل على أنّ من كان مؤمنًا، لا يحبّ الفسق والمعصية، وإذا ابتلي بالمعصية .. فإنّ شهوته وغفلته تحمله على ذلك، لا لحبّه للمعصية، بل ربّما يعصي حال الحضور؛ لأنّ فيه نفاذ قضائه تعالى. ٩ - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾؛ أي: تقاتلوا، والجمع حيث لم يقل: اقتتلتا على التثنية والتأنيث باعتبار المعنى؛ لأنّ كل طائفة جمع، فهي بمعنى القوم، نظير قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾، وبه قرأ الجمهور (١). وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿اقتتلتا﴾ بالتثنية والتأنيث اعتبارًا بلفظ ﴿طَائِفَتَانِ﴾، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير: ﴿اقتتلا﴾ بالتثنية، وتذكير الفعل باعتبار الفريقين والرهطين، والطائفة من الناس: جماعة منهم، لكنها دون الفرقة، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. و ﴿طَائِفَتَانِ﴾: فاعل فعل محذوف وجوبًا؛ لا مبتدأ؛ لأنّ حرف الشرط لا يدخل إلا على الفعل لفظًا أو تقديرًا، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فحذف الأول؛ لئلا يلزم اجتماع المفسّر والمفسّر، وأصل القتل: إزالة الروح عن الجسد بأيّ طريق كان. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: بين تينك الطائفتين بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى، وثنّى الضمير باعتبار لفظ الطائفتين، والصلاح: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والإصلاح: جعل الشيء على تلك الحالة، والإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا من أعظم الطاعات، وأتمّ القربات، وكذا نصرة المظلوم، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من وصل أخاه بنصيحة في دينه، ونظر له في صلاح دنياه .. فقد أحسن صلته، وقال مطرّف: وجدنا أنصح العباد لله الملائكة، ووجدنا أغشّ العباد لله الشياطين، ويقال: من كتم السلطان نصحه، والأطبّاء مرضه، والأخوان بثّه .. فقد خان نفسه. ﴿فَإِنْ بَغَتْ﴾؛ أي: تعدّت واستطالت ﴿إِحْدَاهُمَا﴾؛ أي: إحدى الطائفتين وكانت مبطلة ﴿عَلَى الْأُخْرَى﴾ وكان محقة، ولم تتأثر الباغية بالنصيحة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي

стр. 12568

تَبْغِي﴾؛ أي: قاتلوا الطائفة الباغية ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾؛ أي: حتى ترجع عن بغيها، فإنّ الفيء: الرجوع إلى حالة محمودة. ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلى حكمه الذي حكم به في كتابه العزيز، وهو المصالحة، ورفع العداوة، أو إلى ما أمر به، وهو الإطاعة المدلول عليها بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فأمر الله على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر. وإنّما أطلق (١) الفيء على الظل؛ لرجوعه بعد نسخ الشمس؛ أي: إزالتها إيّاه، فإنّ الشمس كلما ازدادات ارتفاعًا .. ازداد الظل انسلاخًا وزوالًا، وذلك إلى أن توازي الشمس خطّ نصف النهار، فإذا زالت عنه، وأخذت في الانحطاط .. أخذ الظل في الرجوع والظهور، فلمّا كان الزوال سببًا لرجوع ما انتسخ من الظل .. أضيف الظل إلى الزوال، فقيل: فيء الزوال. ومرَّ الأصمعي بحيّ من أحياء العرب، فوجد صبيًا يلعب مع الصبيان في صحراء، وبتكلّم بالفصاحة، فقال الأصمعي: أين أباك يا صبيّ؟ فنظر إليه الصبي ولم يجب، ثم قال: أين أبيك؟ فنظر إليه ولم يجب كالأول، ثمّ قال: أين أبوك؟ فقال: فاء إلى الفيفاء لطلب الفيء، فإذا فاء الفيء .. فاء؛ أي: رجع. وقرأ الجمهور (٢): ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ مضارع فاء بفتح الهمزة، وقرأ الزهريّ ﴿حتى تفى﴾ بغير همزة وفتح الياء، وهذا شاذ، كما قالوا في مضارع جاء: ينبغي بغير همز، فإذا أدخلوا عليه الناصب .. فتحوا الياء، وأجروه مجرى يفي مضارع وفى شذوذًا. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ الباغية، ورجعت إليه، وأقلعت عن القتال حذارًا من قتالكم ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الطائفتين: الباغية والمحقّة ﴿بِالْعَدْلِ﴾ والإنصاف بفصل ما بينهما على حكم الله، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما، عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر.

стр. 12569

والمعنى (١): أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين .. فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدّي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح، ولا دخلت فيه .. كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه .. فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى. ثمّ أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم، بعد أمرهم بهذا العدل الخاصّ بالطائفتين المقتتلتين، فقال: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾؛ أي: واعدلوا في كلّ ما تأتون وما تذرون، من أقسط، وهمزته للسلب إذا أزال القسط بالفتح؛ أي: الجور، يقال: إذا جاء القسط بالكسر؛ أي: العدل .. زال القسط بالفتح؛ أي: الجور ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛ أي: العادلين الذين يؤدُّون لكل ذي حق حقه، فيجازيهم بأحسن الجزاء؛ لأنّ محبته تعالى لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء، وفي "الصحيح": عن أنس ﵁: أنّ النبيَّ ﷺ قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قلت: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إيّاه". ١٠ - وجملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: مستأنفة مقرّرة لما قبلها من الأمر بالإصلاح، جمع الأخ (٢)، وأصله: المشارك لأخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما، أو من الرضاع، ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودّة، أو في غير ذلك من المناسبات، والفرق بين الخلة والأخوة: أنّ الصداقة إذا قويت .. صارت أخوة، فإن ازدادات .. صارت خلّة، كما في "إحياء العلوم". قال بعض أهل اللغة:

стр. 12570

الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع الأخ من الصداقة، ويقع أحدهما موقع الآخر، وفي الحديث: "وكونوا عباد الله إخوانًا". والمعنى: إنّما المؤمنون منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبدية، كما أنّ الإخوة من النسب منتسبون إلى أصل واحد هو الأب الموجب للحياة الفانية، فالآية من قبيل التشبيه البليغ المبني على تشبيه الإيمان بالأب في كونه سبب الحياة كالأب. وفي الحديث: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيّبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره، إلا أن يغرف له غرفة، ولا يشتري لبنيه الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره ولا يطعمونهم منها". ثم قال: "احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل". وفي "الصحيح" أيضًا: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب .. قال الملك: آمين، ولك مثله". ولما كانت الأخوة داعية إلى الإصلاح ولابد .. تسبب عن ذلك قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ في الدين، كما تصلحون بين أخويكم في النسب، و ﴿الفاء﴾ فيه: للإيذان بأنّ الأخوّة الدينية موجبة للإصلاح، ووضع (١) المظهر موضح المضمر مضافًا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح، والتحضيض عليه، وتخصيص الأثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة والفساد فيه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كل ما تأتون، وما تذرون من الأمور التي من جملتها ما أمرتم به من إصلاح ذات البين، وفي "التأويلات النجمية": واتقوا الله في إخوتكم في الدين بحفظ عهودهم، ورعاية حقوقهم، في المشهد والمغيب، والحياة والممات. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: راجين أن ترحموا على تقواكم كما ترحمون، أو رجاء أن يرحمكم ربّكم، ويصفح عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، والترجّي باعتبار المخاطبين.

стр. 12571

واعلم: أنّ أخوّة الإِسلام أقوى من أخوّة النسب، بحيث لا تعتبر أخوّة النسب إذا خلت عن أخوّة الإِسلام، ألا ترى أنه إذا مات المسلم، وله أخ كافر .. يكون ماله للمسلمين، لا لأخيه الكافر، وكذا إذا مات أخ الكافر، وذلك لأنّ الجامع الفاسد لا يفيد الأخوّة، وأنّ المعتبر الأصليّ الشرعيّ، ألا ترى أنّ ولدي الزنا من رجل واحد لا يتوارثان، وهذا المعنى يستفاد من الآية أيضًا؛ لأنّ ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، فكأنه قيل: لا أخوة إلا بين المؤمنين، فلا أخوّة بين المؤمن والكافر. وفي هذه الآية (١): دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الإِمام أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز، مستدلًا بقوله ﷺ : "قتال المسلم كفر". فإنّ المراد بهذا الحديث، وما ورد في معناه: قتال المسلم الذي لم يبغ، قال ابن جرير: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه، ولزوم المنازل .. لما أقيم حق ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سببًا إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ولكفِّ المسلمين أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله ﷺ : "خُذوا على أيدي سفهائكم". قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، وعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملّة، وإياها عني النبيّ ﷺ بقوله: "تقتل عمارا الفئة الباغية". وقوله في شأن الخوارج: "يخرجون على حين فرقة من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق". وقرأ الجمهور (٢): ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ بالتثنية؛ لأنّ أقلّ من يقع بينهما الشقاق اثنان، فإذا كان الإصلاح لازمًا بين اثنين .. فهو ألزم بين أكثر من اثنين، وقيل: المراد بالأخرين: الأوس والخزرج، وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن: بخلاف عنه، والجحدري وثابت البنانيّ وحماد بن سلمة، وابن سيرين: ﴿بين

стр. 12572

إخوانكم﴾ جمعًا بالألف والنون، وقرأ الحسن أيضًا وابن عامر في روايةٍ، وزيد بن عليّ ويعقوب: ﴿بين إخوتكم﴾ جمعًا على وزن غلمة، وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو القراءات الثلاث، قال أبو علي الفارسي في توجيه قراءة الجمهور: أراد بالأخوين: الطائفتين؛ لأنّ لفظ التثنية قد يرد ويراد به الكثرة، وقال أبو عبيدة: أي: أصلحوا بين كل أخوين. ١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا يَسْخَرْ﴾ والسخرية: أن يحقر الإنسان أخاه، ويستخفه، ويسقطه عن درجته، وبعده ممن لا يلتفت إليه؛ أي: لا يهستزىء ﴿قَوْمٌ﴾؛ أي: منكم. وهو اسم جمع لرجل، وهو مختص بالرجال؛ لأنهم قوامون على النساء، ولهذا عبّر عن الإناث بما هو مشتق من النسوة بفتح النون، وهو ترك العمل، حيث قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾. ويؤيده قول زهير: وَمَا أدْرِيْ وَسوْفَ إِخَالُ أَدْرِيْ ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ وقال الزمخشري: وهو في الأصل: جمع قائم، كصوم جمع صائم، وزور جمع زائر انتهى. وليس فعل من أبنية الجموع إلا على مذهب أبي الحسن في قوله: إنّ ركبا جمع راكب. ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ آخرين أيضًا منكم، والتنكير إما للتعميم أو للتبعيض. والقصد إلى نهي بعضهم عن سخرية بعض؛ لما أنّها مما يجري بين بعض وبعض. فإن قلت (١): المنهيّ عنه هو أن يسخر جماعة من جماعة، فيلزم أن لا يحرم سخرية واحد من واحد. قلت: اختيار الجمع ليس للاحتراز عن سخرية الواحد من الواحد، بل هو لبيان الواقع؛ لأنّ السخرية وإن كانت بين اثنين؛ إلا أنَّ الغالب أن تقع بمحضر جماعة يرضون بها، ويضحكون بسببها، بدل ما وجب عليهم من النهي والإنكار، ويكونون شركاء الساخر في تحمّل الوزر، ويكونون بمنزلة الساخرين حكمًا، فنهوا

стр. 12573

عن ذلك؛ يعني: أنه من نسبة فعل البعض إلى الجمع لرضاهم به في الأغلب، أو لوجوده فيما بينهم. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا﴾ تعليل للنهي؛ أي: عسى أن يكون المسخور منهم ﴿خَيْرًا﴾ عند الله تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الساخرين، ولا خبر لـ ﴿عَسَى﴾ لإغناء الاسم عنه، ولمّا كان لفظ ﴿قَوْمٌ﴾ مختصًّا بالرجال؛ لأنهم القُوَّمُ على النساء .. أفرد النساء بالذكر، فقال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ﴾؛ أي: ولا تسخر نساء من المؤمنات، وهم اسم جمع لامرأة. ﴿مِنْ نِسَاءٍ﴾ منهنّ، وإنما لم يقل: امرأة من رجل، ولا بالعكس للإشعار بأنّ مجالسة الرجل المرأة مستقبح شرعًا، حتى منعوها عن حضور الجماعة، ومجلس الذكر؛ لأنّ الإنسان إنما يسخر ممن يلابسه غالبًا، وقيل: أفرد النساء بالذكر؛ لأنّ السخرية منهن أكثر. ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾؛ أي: المسخور منهن ﴿خَيْرًا﴾ عند الله تعالى ﴿مِنْهُنَّ﴾؛ أي: من الساخرات، فإنَّ مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور والأشكال، ولا الأوضاع والأطوار التي عليها يدور أمر السخرية غالبًا، بل إنما هو الأمور الكامنة في القلوب، فلا يجترىء أحد على استحقار أحد، فلعله أجمع منه لما نيط به من الخيرية عند الله تعالى، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله، واستهانة من عظمه الله تعالى. وعن ابن مسعود ﵁: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب .. لخشيت أن أحول كلبًا، وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أنّه لا عبرة بظاهر الخلق، فلا تنظر إلى أحد بنظر الإزدراء، والاستهانة والاستخفاف والاستحقار؛ لأنّ في استحقار أخيك عجب نفسك مودع، كما نظر إبليس بنظر الحقارة إلى آدم ﵇، فأعجبته نفسه، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فلعن إلى الأبد لهذا المعنى، فمن حقر أخاه المسلم، وظنَّ أنه خير منه .. يكون إبليسَ وقته، وأخوه آدمَ وقته. وقرأ عبد الله وأبيٌّ (١): ﴿عسوا أَنْ يَكُونُوا﴾ و ﴿عَسِيْنَ أن يكن﴾، فـ ﴿عَسَى﴾

стр. 12574

على هذه القراءة ناقصة، لها خبر، و ﴿عَسَى﴾ في الموضعين على قراءة الجمهور: تامّة لا خبر لها، وفيها لغتان: الإضمار لغة تميم، وتركه لغة الحجاز. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: ولا يعب (١) بعضكم بعضًا بقول أو إشارة على وجه الخفية، فإن المؤمنين كنفس واحدة، والأفراد المنتشرة بمنزلة أعضاء تلك النفس، فيكون ما يصيب واحدًا منهم كأنه يصيب الجميع، إذا اشتكى عضو واحد من شخص .. تداعى سائر الأعضاء إلى الحمى والسهر، فمتى عاب مؤمنًا .. فكأنما عاب نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: تنبيه إلى أنَّ العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره؛ لأنّه كنفسه. وفي "التأويلات النجمية": إنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، إن عملوا شرًّا إلى أحد، فقد عملوا إلى أنفسهم، وإن عملوا خيرًا إلى أحد .. فقد عملوا إلى أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، انتهى. ويجوز أن يكون معنى الآية: ولا تفعلوا ما تلمزون به، فإن من فعل ما يستحق به اللمز .. فقد لمز نفسه؛ أي: تسبب للمز نفسه، وإلا فلا طعن باللسان لنفسه منه، فهو من إطلاق المسبب وإرادة السبب، وقال سعدي المفتي: ولا يبعد أن يكون (٢) المعنى لا تلمزوا غيركم، فإنَّ ذلك يكون سببًا لأن يبحث الملموز عن عيوبكم فيلمزكم، فتكونوا لامزين أنفسكم، فالنظم حينئذٍ نظير ما ثبت في "الصحيحين" من قوله ﷺ : "من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". يقول الفقير: هو مسبوق في هذا المعنى، فإنَّ الإِمام الراغب قال في

стр. 12575

"المفردات": اللمز: الإغتياب، وتتبع المعايب؛ أي: لا تلمزوا الناس فيلمزوكم، فتكونوا في حكم من لمز نفسه. انتهى. والمعنى: ولا تلمزوا الناس فيلمزوا أنفسكم؛ أي؛ لا تعيبوهم فيعيبوكم، وقال النبيّ ﷺ : "يبصر أحدكم القذاة - ما يقع في العين والماء من تراب أو وسخ - في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه". وقيل: من سعادة المرء: أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر: لَا تَكْشِفَنْ مِنْ مَسَاوِيْ النَّاسِ مَا سَتَرُوا ... فَيَهْتِكَ اللهُ سِتْرًا عَنْ مَسَاوِيْكَا وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فَيْهِمْ إِذَا ذُكِرُوْا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فَيْكَا وفي الحديث: "طوبى لمن يشغله عيبه عن عيوب الناس". ولا يدخل في الآية ذكر الفاسق؛ لقوله ﷺ : "اذكروا الفاجر بما فيه، كي يحذره الناس". يقول الفقير: أشار التعليل في الحديث إلى أنّ ذكر الفاجر بما فيه من العيوب، إنما يصحّ بهذا الغرض الصحيح، وهو أن يحذر الناس منه، وإلا فالإمساك، مع أن في ذكره تلويث اللسان الطاهر؛ ولذا نقل عن بعض المشايخ: أنه لم يلعن الشيطان، إذ ليس فيه فائدة سوى اشتغال اللسان بما لا ينبغي، فإنّ العداوة له إنما هي بمخالفته، لا بلعنته فقط. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا تَلْمِزُوا﴾ بكسر الميم، وقرأ الحسن، والأعرج وعبيد عن أبي عمرو: بضمها، وقال أبو عمرو هي عربية، وقال ابن جرير: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان. اهـ. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا﴾ وتدعوا أنفسكم ﴿بِالْأَلْقَابِ﴾ السيئة؛ أي: لا يدع بعضكم بعضًا باللقلب الذي يسوؤه ويكرهه، كأن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهوديُّ أو يا نصرانيُّ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب: أن يكون الرجل قد عمل السيئات، ثمّ تاب وراجع الحق،

стр. 12576

فنهى الله تعالى أن يعبّر بما سلف من عمله، أما (١) الألقاب التي تكسب حمدًا ومدحًا، وتكون حقًا وصدقًا .. فلا تكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعليّ: أبو تراب، ولخالد: سيف الله، من (٢) النبز بسكون الباء، مصدر نبزه بمعنى لقبه، والنبز بفتحها: اللقب مطلقًا؛ أي: حسنًا كان أو قبيحًا، ومنه قيل في الحديث: "قومٌ نبْزهم الرافضة"؛ أي: لقبهم، ثم خص في العرف باللقب القبيح، وهو ما يكره المدعو أن يدعى به، واللقب: ما سمي به الإنسان بعد اسمه العلم، من لفظ يدل على المدح، كزين العابدين، أو الذم كأنف الناقة، لمعنى فيه. والمعنى (٣): ولا يدع بعضكم بعضًا بلقب السوء، قالوا: وليس من هذا قول المحدثين لسليمان الأعمش، وواصل الأحدب، ولعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونحوه مما تدعو إليه الضرورة، وليس قصد استخفاف، ولا أذى، وفيه إشارة إلى أنّ اللقب الحسن لا ينهى عنه، مثل: محيي الدين وشمس الدين، وبهاء الدين، وفي الحديث: "من حق المؤمن على أخيه: أن يسميه بأحب أسمائه إليه". ﴿بِئْسَ﴾ وقبح ﴿الِاسْمُ﴾ أي (٤): التسمية لأخيك ﴿الْفُسُوقُ﴾؛ أي: الدال على فسق الأخ وكفره، ونفاقه ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾؛ أي: بعدما آمن ذلك الأخ، وترك ذلك؛ أي: بئست التسمية الدالة على فسق المسمى بها، وكفره بعد إيمانه، كقولك للمؤمن: يا يهودي ويا نصرانيّ، ويا مجوسي بعدما أسلم، أو يا فاسق؛ ويا سارق، ويا شارب، ويا زاني بعدما تاب، نظرًا لما قبل إسلامه وتوبته. وقيل معناه (٥): أنَّ من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز .. فهو

стр. 12577

فاسق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك، فتستحقوا اسم الفسوق، وقيل: المعنى: بئس الاسم واللقب هو اسم الفسوق، ولقب السوء حال كونه واقعًا بعد إيمان المقول له، وقيل: الاسم بمعنى الذكر المرتفع؛ لأنّه من السمو، يقال: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم؛ أي: ذكره، والفسوق هو المخصوص بالذمّ، وفي الكلام مضاف مقدر، وهو اسم الفسوق؛ أي: ذكره. والمعنى: بئس الذكر والقول للمؤمنين؛ أي: أن يذكروا ابالفسوق بعد دخولهم في الإيمان، واشتهارهم به، والمخصوص بالذم اسم الفسوق، وذكره بعد الإيمان، وقال ابن زيد: أي بئس أن يسمى الرجل كافرًا أو فاسقًا أو زانيًا بعد إسلامه وتوبته. وفي "التأويلات النجمية": بئس الاسم اسم يخرجهم من الإيمان، والمراد به: إما تهجين نسبة الكفر والفسوق إلى المؤمنين خصوصًا، إذ روي: أنَّ الآية نزلت في صفية بنت حيّي ﵂ أتت رسول الله ﷺ باكيةً، فقالت: إنَّ النساء يقلن لي - وفي رواية: قالت لي عائشة ﵂: يا يهودية بنت يهوديين، فقال النبي ﷺ : هلا قلت: "إنَّ أبي هارون، وعمّي موسى، وزوجي محمد ﷺ ". أو الدلالة على أنَّ التنابز مطلقًا، لا بالكفر والفسوق خصوصًا فسق والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، فدخل فيه زيد اليهودي، وعمرو النصراني وبكر الكافر وخالد الفاسق، ونحو ذلك. والعجب من العرب، يقولون للمؤمنين من أهل الروم: نصارى! فهم داخلون في الذم، ولا ينفعهم الافتخار بالأنساب، فإنّ التفاضل بالتقوى، كما سيجيء. ونعم ما قيل: وَمَا يَنْفَعُ الأَصْلُ مِنْ هَاشِمٍ ... إِذَا كَانَتِ النَّفْس مِنْ بَاهِلَهْ وفي الفقه: لو قال رجل لصالح: يا فاسق، ويا ابن الفاسق، ويا فاجر، ويا خبيبث، وبا مخنث، ويا مجرم، ويا جيفة، ويا بليد، ويا ابن الخبيثة، ويا سارق، ويا زاني، ويا لص، ويا كافر، ويا زنديق، وهو بريء منه .. يعزر في

стр. 12578

هذا كله. والخلاصة: بئس الاسم الفسوق مع الإيمان، وفي هذا إيماء إلى استقباح الجمع بين الأمرين، كما تقول: بئس الصبوة بعد الشيخوخة؛ أي: معها. ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ عمّا نهى الله عنه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب، والظالم أعم من الفاسق، والفاسق أعم من الكافر. أو المعنى (١): ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بعصيانهم إياه. وفيه (٢) دلالة بينة على أنَّ الرجل بترك التوبة يدخل مدخل الظلمة، فلا بدّ من توبة نصوح من جميع القبائح والمعاصي، لا سيما ما ذكر في هذا المقام، ومن أصرّ .. أخذ سريعًا؛ لأنّ أقرب الأشياء سرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم. ١٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾؛ أي: كونوا على جانب منه، وابعدوا عنه ولا تقربوه، والظنّ هنا هو مجرد التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم غيره بشيء من الفواحش ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، فالمراد به: ظن السوء بأهل الخير والصلاح، وأمر سبحانه باجتناب الكثير ليفحص المؤمن عن كل ظنّ يظنّه، حتى يعلم أنه من أيّ القبيل، فإنّ من الظنّ ما يجب اتباعه، كالظنّ حيث لا قاطع فيه من العمليات، فإنّ أكثر الأحكام الشرعية مبنيّة على الظنّ، كالقياس وخبر الواحد ودلالة العموم، ولكن هذا الظنّ الذي يجب العمل به قد قوي بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به، فارتفع عن الشك والتهمة وكحسن الظنّ بالله تعالى، وفي الحديث: "إنّ حسن الظنّ من الإيمان". ومن الظنّ ما يحرم: كالظنّ في الإلهيات؛ أي: بوجود الإله وذاته وصفاته، وما

стр. 12579

يليق به من الكمال، وفي النبوات، فمن قال: آمنت بجميع الأنبياء، ولا أعلم آدم نبي أم لا .. يكفر، وكذا من آمن بأنَّ نبينا محمدًا ﷺ رسول، ولم يؤمن بأنه خاتم الرسل لا نسخ لدينه إلى يوم القيامة .. لا يكون مؤمنًا، وكالظن حيث يخالفه قاطع: كالظن بنبوة علي كرم الله وجهه أو بنبوة واحد من خلفاء هذه الأمة مع وجود قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وقوله ﷺ : "لا نبيّ بعدي". فإنَّ مثل هذا الظنّ حرام، ولو قطع كان كفرًا، وكظنّ السوء بالمؤمنين، خصوصًا بالرسول ﷺ ، وبورثته الكمَّل: كالعلماء بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾، وقال ﷺ : "إنّ الله حرّم من المسلم: عرضه، ودمه، وأن يظنَّ به ظن السوء". ومن الظنّ ما يباح: كالظنّ في الأمور المعاشية، وفي "كشف الأسرار": ومن المباح: الظن في الصلاة، والصوم، والقبلة، أمر صاحبه بالتحريّ فيها، والبناء على غلبة الظن، فلا يدخل (١) في الظن المأمور باجتنابه شيء من الظنّ المأمور باتباعه في مسائل الدين، فإنَّ الله قد تعبَّد عباده باتباعه، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة كيادًا للدين، وشذوذًا عن جمهور المسلمين، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة، بل في أكثرها. والمعنى (٢): أي يا أيّها الذين آمنوا ابتعدوا عن كثير من الظن بالمؤمنين، بأن تظنوا بهم السوء ما وجدتم إلى ذلك سبيلًا، ولا يحرم سوء الظن إلا ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة، أما من يجاهر بالفجور: كمن يدخل أو يصاحب الغواني الفواجر .. فلا يحرم سوء الظنّ به، وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: أنَّ الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظنّ القبيح بمن ظاهره القبيح. وجملة قوله (٣): ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾؛ أي: ذنب فيه عقوبة، تعليل لما

стр. 12580

قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظنّ، وهذا البعض هو ظنّ السوء بأهل الخير، والإثم: هو ما يستحق الظانَّ به العقوبة، قال الزجاج: هو أن يظنّ بأهل الخير سوءًا، فأمَّا أهل السوء والفسوق، فلنا أنّ نظنّ بهم مثل الذي ظهر منهم، قال مقاتل بن سلمان ومقاتل بن حيان: هو أن يظن بأخيه المسلم سوءًا، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن، وأبداه .. أثم. قال سفيان الثوري: الظن ظنّان (١): أحدهما: إثم: وهو أن يظنّ ويتكلم به. والآخر: ليس بإثمٍ: وهو أن يظنّ ولا يتكلم به، وقيل: الظنُّ أنواع: واجبٌ ومأمورٌ به، وهو الظن الحسن بالله ، ومنه: مندوب إليه، وهو الظنّ الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة، ومنه: حرام محذور، وهو سوء الظن بالله ، وسوء الظن بالأخ المسلم. ودلت الآية على أنّ أكثر الظنون من قبيل الإثم؛ لأنّ الشيطان يلقي الظنون في النفس، فتظنّ النفس الظن الفاسد، ودلت أيضًا على أن بعض الظن ليس بإثم، بل هو حقيقة، وهو الذي لم يكن من قبيل النفس، بل كان بالفراسة الصحيحة بأن يرى القلب بنور اليقين ما جرى في الغيب فيظنه. اهـ من "الروح". ثم لما أمرهم سبحانه باجتناب كثير من الظن .. نهاهم عن التجسس، فقال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾؛ أي: ولا تبحثوا أيها المؤمنون عن عورات المسلمين ومعايبهم، نهى الله سبحانه عن البحث عن المستور من أمور الناس، وتتبع عوراتهم، حتى لا يظهر على ستره الله منها. والمعنى (٢): أي ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره

стр. 12581

يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره، وبه فاحمدوا، أو ذموا لا على ما لا تعلمون به من الخفايا. وفي "الصحيحين": عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إياكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام. وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ بالجيم، وقرأ الحسن وأبو رجاء، وابن سيرين: ﴿تحسسوا﴾ بالحاء، وهما متقاربان؛ لأنَّ التجسس بالجيم: البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء: طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: (١) إن التجسس بالجيم: هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس: إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه، وقيل: إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولًا لغيره. قاله ثعلب، والتناجش: الشراء على شراء غيرك بالزيادة، والتدابر: الهجر والقطيعة. وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّ من اتبع عوراتهم .. يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته .. يفضحه في عقر بيته". وروى الطبراني عن حارثة بن النعمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن"، فقال رجل: وما يذهبن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ﷺ : "إذا حسدت .. فاستغفر الله، فإذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيرت .. فامض". وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب بالمدينة، إذ تبيّن لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات

стр. 12582

مرتفعة ولغطٌ، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف، وهم الآن شرب، فما ترى؟ قلت: أرى أنَّا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وقد تجسسنا، فانصرف عمر، وتركهم. وقال أبو قلابة: حُدِّث عمر بن الخطاب: أنَّ أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: إنَّ هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس، فخرج عمر وتركه. وقيل لابن مسعود: هل لك في فلان تقطر لحيته خمرًا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء .. أخذنا به، وفي الحديث: "إنّ الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس .. أفسدهم". ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ أي (١): ولا يذكر بعضكم أيها المؤمنون بعضًا بما يكرهه في غيبته وخلفه، والمراد بالذكر: الذكر صريحًا، أو إشارةً، أو نحو ذلك مما يؤدّي مؤدَّى النطق لما في ذلك من أذى المغتاب، وإيغار الصدور، وتفريق شمل الجماعات، فهي النار تشتعل فلا تبقي ولا تذر، والمراد بما يكره: ما يكرهه في دينه أو دنياه، أو خلقه أو خلقه، أو ماله أو ولده أو زوجته، أو خادمه أو ملبسه، أو غير ذلك مما يتعلق به. قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه، كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة والإفك، والبهتان، فأمّا الغيبة بالكسر، وفتح الغين غلط، كما سيأتي. فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك: فأن تقول فيه ما بلغك عنه، وأمّا البهتان: فأن تقول فيه ما ليس فيه، وهو الذي يترك الديار بلاقع، كما في حديث أبي هريرة الثابت في "الصحيح": أنّ رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره". فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال: "إن كان فيه ما تقول .. فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه .. فقد بهتّه".

стр. 12583

ولا خلاف (١) بين العلماء في أنّ الغيبة من الكبائر، وأنّ على من اغتاب أحدًا التوبة إلى الله تعالى، أو الاستغفار لمن اغتابه أو الاستحلال منه، وعن شعبة قال: قال لي معاوية بن قرّة: لو مرّ بك رجل أقطع - مقطوع اليد - فقلت هذا أقطع .. كان غيبة، قال شعبة: نعم، فذكرته لأبي إسحاق، فقال: صدق. ثم ضرب سبحانه مثلًا للغيبة للتنفير والتحذير منها، فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ حال كون الأخ ﴿مَيْتًا﴾ وقرأ نافع: بتشديد الياء، وهو حال من اللحم أو من الأخ، والاستفهام للإنكار، فهو بمعنى النفي؛ أي: لا يحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا ﴿فـ﴾ لو عرض عليكم لحمه ﴿كَرِهْتُمُوهُ﴾؛ أي: كرهتم أكله، فكما تكرهون أكل لحمه ميتًا .. فاكرهوا أكل لحمه حيًا، وهو اغتيابه، وقرىء: ﴿كَرِهْتُمُوهُ﴾ بغير فاء؛ أي: جبلتم على كراهته، فـ ﴿الفاء﴾ فيه: عاطفة على منفيّ مقدر معلوم من الاستفهام الإنكاري، كما قدّرنا، وقيل: لفظه خبر، ومعناه: الأمر، ولذلك عطف عليه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. و ﴿الفاء﴾ حينئذٍ: فصيحية؛ أي: فإذا كرهتم أكل لحمه ميتًا .. فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك ما أمرتم باجتنابه، وبالندم على ما صدر منكم من قبل. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ بفتح الكاف وتخفيف الراء، وقرأ أبو سعيد الخدري وأبو حيوة: ﴿فَكرَّهْتموه﴾ بضم الكاف وتشديد الراء المكسورة، ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ . ذكره أبو حيان في "البحر". والمعنى: أي أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإذا كنتم لا تحبون ذلك، بل تكرهونه؛ لأنَّ النفس تعافه .. فاكرهوا أن تغتابوه في حياته. والخلاصة: أنكم كما تكرهون ذلك طبعًا، فاكرهوا ذلك شرعًا، لما فيه من

стр. 12584

شديد العقوبة. وقد شبهت (١) الغيبة بأكل اللحم؛ لما فيها من تمزيق الأعراض، المشابه لأكل اللحم وتمزيقه، وقد جاء هذا على نهج العرب في كلامهم، قال المقنع الكندي: فَإنْ أَكَلُوْا لَحْمِيْ وَفَرْتُ لُحُوْمَهُمْ ... وَإِنْ هَدَمُوْا مَجْدِيْ بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا وقد زادت الآية، فجعلت اللحم لحم أخ ميت تصويرًا له بصورة بشعة تستقذرها النفوس جميعًا، وقد ثبت في "الصحيح" من غير وجه: أنّ النبي ﷺ قال حين خطب في حجة الوداع: "إنّ دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: معطوف على مقدر، كما مر؛ أي: فاكرهوا الغيبة، واتقوا الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه، وراقبوه، واخشوه حقَّ خشيته. ثم علَّل هذا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿تَوَّابٌ﴾ يتوب على من تاب إليه عمَّا فرط منه من الذنب. ﴿رَحِيمٌ﴾ به أن يعذّبه بعد توبته. وعبارة "الروح" هنا: قوله ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾ (٢): لترتيب ما بعدها على ما قبلها من التمثيل، كأنه قيل: وحيث كان الأمر كما ذكر فقد كرهتموه، فأضمر كلمة قد لتصحيح دخول الفاء في الجزاء، فالمقصود من تحقيق استكراههم، وتقذّرهم من المشبه به: الترغيب، والحث على استكراه ما شبَّه به، وهو الغيبة، كأنه قيل: إذا تحققتم كراهتكم له .. فليتحقق عندكم كراهة نظيره الذي هو الاغتياب، وتمثيل الغيبة بأكل لحم الميت من جهة أنّ الحيّ المغتاب لا يعلم بغيبة من اغتابه، كما أن الميت لا يعلم بأكل من أكل لحمه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ باجتناب ما نهيتم عنه، وهو معطوف على ما تقدم من الأوامر والنواهي. ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: مبالغ في قبول التوبة، وإفاضة الرحمة، حيث يجعل التائب

стр. 12585

كمن لم يذنب، ولا يخص ذلك بتائب دون تائب، بل يعم الجميع، وإن كثرت ذنوبهم، فصيغة المبالغة باعتبار المتعلقات. انتهى. واعلم (١): أنّ الاغتياب كأكل لحم الآدميّ ميتًا، ولا يحل أكله إلا لمضطر بقدر الحاجة، فالمغتاب إن وجد لحاجته مدفعًا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب، ففي هذه الآية نهي عن اغتياب المؤمن دون الكافر، أما الفاسق، فيجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة، فمن نقص مسلمًا أو ثلم عرضه .. فهو كأكل لحمه حيًّا. ومن اغتابه .. فهو كآكل لحمه ميتًا؛ لأنَّ الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه. واعلم: أنّ الله سبحانه ذكر في هذه الآية أمورًا ثلاثًا مرتبة، فكأنّه تعالى قال: لا تقولوا في حقّ المؤمنين ما لم تعلموه فيهم، بناء على الظن، ثم إذا سئلتم عن المظنونات .. فلا تقولوا: نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها، ثم إن علمتم منها شيئًا من غير تجسس .. فلا تقولوه، ولا تفشوه عنهم. ففي الأول نهى عن التكلم بما لم يعلم، ثم نهى عن طلب علم عيب الناس، ثمّ نهى عن ذكر ما علم مثله، روي: أنّ رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول الله ﷺ ، يطلب منه لهما طعامًا، فقال له: انطلق إلى أسامة بن زيد، واطلب منه فضل طعام وإدام إن كان عنده، وكان أسامة خازن رسول الله ﷺ على رحله وطعامه، فأتاه، فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما، فأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة شيء ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى بعض الصحابة، فلم يجد عندهم شيئًا، فلمّا رجع .. قالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سحيمة .. لغار ماؤها، وسحيمة بوزن جهينة بالحاء المهملة: بئر بالمدينة، غزيرة الماء، على ما في "القاموس". ثمّ انطلقا يتجسّسان، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ من الطعام؟ فلمّا راحا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحمًا في يومنا هذا، فقال ﷺ

стр. 12586

اغتبتما سلمان وأسامة، فنزلت هذه الآية. ويجب (١) على المغتاب أن يبادر إلى التوبة حين صدورها منه، بأن يقلع عنها، ويندم على ما فرط منه، ويعزم عزمًا مؤكّدًا على أن لا يعود إلى مثل ما فرط منه، ولا تحرم الغيبة إذا كانت لغرض صحيح شرعًا لا يتوصّل إليه إلا بها، وينحصر ذلك في ستة أمور: الأول: التظلم، فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن أنه يقدر على إزالة ظلمه أو تخفيفه. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته. الثالث: الاستفتاء، فيجوز للمستفتي أن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا، فهل يجوز له ذلك؟ الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ، كجرح الشهود والرواة، والمتصدين للإفتاء مع عدم أهليّتهم لذلك، وكأن يشير وإن لم يستشر على مريد التزوج، أو مخالطة غيره في أمر دينيّ أو دنيوي، ويقتصر على ما يكفي، فإن احتاج إلى ذكر عيب أو عيبين .. ذكر ذلك. الخامس: أن يجاهروا بالفسق، كالمدمنين على شرب الخمور، وارتياد محالّ الفجور، ويتباهوا بما يفعلون. السادس: التعرف بلقب أو نحوه، كالأعور والأعمش والأعرج والأعلم، ونحو ذلك، إذا لم تمكن المعرفة بغيره. والأمة مجمعة على قبح الغيبة، وعظم آثامها مع ولوع الناس بها، حتى إنّ بعضهم ليقولون: هي صابون القلوب، وإنّ لها حلاوةً كحلاوة التمر، وضرارةً كضرارة الخمر، وفي الحديث: "الغيبة أشدّ من الزنا" قالوا: وكيف؟ قال: "إنّ الرجل يزني، ثمّ يتوب فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له، حتى يغفر

стр. 12587

له صاحبه". وعن ابن عباس ﵄: الغيبة إدام كلاب الناس. وممّا يجب التنبيه عليه (١): أنّ مستمع الغيبة كقائلها، فوجب على من سمعها أن يردّها، كيف وقد قال النبيّ ﷺ : "من ردّ عن عرض أخيه .. ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة". وقال النبيّ ﷺ : "المغتاب والمستمتع شريكان في الإثم". وفي الحديث: "خَمْسٌ يفطرن الصائم: الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة". رواه أنس. وأول من اغتاب إبليس، اغتاب آدم، وفي "المقاصد الحسنة": ثلاثة ليست لهم غيبة: الإِمام الجائر، والفاسق المعلن بفساقه، والمبتدع الذي يدعو إلى بدعته. انتهى. وعن الحسن: لا حرمة لفاجر. ١٣ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ يعني: بني آدم ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾؛ أي: من آدم وحواء ﵉، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، فالكل سواء في الانتساب إلى ذكر وأنثى أيًّا كانا، فلا وجه للتفاخر بالنسب؛ أي: خلقناكم من ذكر واحد، وأنثى واحدة، فلا موضع للتفاخر بالإنساب؛ لأنّكم متساوون في الانتساب إليهما، قال إسحاق الموصلي: النَّاسُ فِيْ عَالَمِ التَّمْثِيْلِ أَكْفَاءُ ... أَبُوْهُمُ آدَمٌ وَالأُمُّ حَوَّاءُ فَإِنْ يَكُنْ لَهُمُوْ فِيْ أَصْلِهِمْ شَرَفٌ ... يُفَاخِرُوْنَ بِهِ فَالطِّيْنُ وَالْمَاءُ نزلت هذه الآية حين أمر النبي ﷺ بلالًا ﵁ ليؤذّن بعد فتح مكة، فعلا ظهر الكعبة، فأذّن، فقال عتَّاب بن أسيد، وكان من الطلقاء: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد رسول الله سوى هذا الغراب الأسود مؤذنا: يعني: بلالًا، وقيل: نزلت في غير ذلك، كما مرّ. والمعنى: أي إنا أنشأنا جميعًا من آدم وحواء، فكيف يسخر بعضكم من

стр. 12588

بعض، ويلمز بعضكم بعضًا، وأنتم إخوة في النسب، وبعيد أن يعيب الأخ أخاه أو يلمزه أو ينبزه، وروى الطبري قال: خطب رسول الله ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق، وهو على بعير، فقال: "يا أيها الناس، ألا إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيٍّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، قال: "فليبلغ الشاهد الغائب". وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم، ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح .. تحنن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم، وأحبكم إليه أتقاكم". وفيه (١) إشارة إلى أنّ الكفاءة في الحقيقة إنما هي بالديانة؛ أي: الصلاح والحسب والتقوى والعدالة، ولو كان مبتدعًا، والمرأة سنيَّة .. لم يكن كفوءًا لها. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ جمع شعب بفتح الشين وسكون العين: وهو الجمع العظيم، المنتسبون إلى أصل واحد سموا شعوبًا؛ لتشعب القبائل منهم كتشعب أغصان الشجرة منها، وقيل لتشعبهم؛ أي: تجمعهم، وهي رؤوس القبائل، مثل: ربيعة ومضر، وأما الشعب بكسر الشين .. فهو الطريق في الجبل. ﴿وَقَبَائِلَ﴾: جمع قبيلة، سميت بها؛ لأنها يقبل بعضها على بعض من حيث كونها من أب واحد، وهي دون (٢) الشعوب: كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدتها عمارة بفتح العين على الصحيح، كما في "القاموس". كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدتها بطن: وهم كبني غالب، ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدتها فخذ: وهم كبني هاشم، وبني أمية من لؤي، ودون الأفخاذ الفصائل، واحدتها فصيلة بالصاد

стр. 12589

المهملة: كبني العباس من بني هاشم، ثم بعد ذلك العشائر، واحدتها عشيرة، وليس بعد العشيرة شيء يوصف به، وكون الشعوب أعلى من القبائل هو ما عليه الجمهور، ويؤيده قول الشاعر: قَبَائِلُ مِنْ شُعُوْبٍ لَيْسَ فِيْهِمْ ... كَرِيْمٌ قَدْ يُعَدُّ وَلَا نَجِيْبُ وقيل: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقيل: الشعوب الذين لا ينسبون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن والقرى، والقبائل: العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أي: ليعرف بعضكم بعضًا في قرب النسب وبعده، لا للتفاخر بالأنساب متعلقة بـ ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضًا بحسب الأنساب، فلا يعزى أحد إلى غير آبائه، لا لتفاخروا بالآباء والقبائل، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب، أو متعلقة بـ ﴿جعلنا﴾؛ أي: رتبناكم كذلك لتعارفوا. وقرأ الجمهور (١): ﴿لِتَعَارَفُوا﴾: مضارع تعارف، محذوف التاء، أصله: لتتعارفوا، فحذفت إحدى التاءين، وقرأ الأعمش: بتاءين، وقرأ مجاهد وابن كثير في رواية، وابن محيص والبزي: بتشديدها؛ أي: بإدغام التاء في التاء، وابن عباس وأبان عن عاصم: ﴿لتعرفوا﴾ مضارع عرف الثلاثيّ. وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾: تعليل (٢) للنهي عن التفاخر بالأنساب، المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف التحقيقي، كأنه قيل: إنّ الأكرم عنده تعالى هو الأتقى، وإن كان عبدًا حبشيًا أسود، مثل: بلال ﵁ فإن فاخرتم .. ففاخروا بالتقوى؛ أي: إنَّ الأكرم عند الله الأرفع منزلة لديه في الآخرة والدنيا، هو الأتقى، فإن فاخرتم .. ففاخروا بالتقوى، فمن رام نيل الدرجات العلا في الدنيا والآخرة .. فعليه بها، فمن تلبس بها .. فهو المستحق؛ لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر

стр. 12590

بالأنساب، فإنّ ذلك لا يوجب كرمًا، ولا يثبت شرفًا، ولا يقتضي فضلًا. وقرأ الجمهور (١): ﴿إنَّ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ ابن عباس: بفتحها، وكان قرأ: ﴿لتعرفوا﴾ مضارع عرف، فاحتمل أن تكون ﴿أنَّ﴾: معمولة لـ ﴿تَعَارَفُوا﴾ وتكون ﴿اللام﴾ في ﴿لتعرفوا﴾: لام الأمر، وهو أجود من حيث المعنى، وأمَّا إن كانت لام كي .. فلا يظهر المعنى أن جعلهم شعوبا وقبائل؛ لأن تعرفوا أن الأكرم هو الأتقى، فإن جعلت مفعول ﴿لتعرفوا﴾ محذوفًا؛ أي: لتعرفوا الحق؛ لأنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ساغ في لام ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أن تكون لام كي. قيل: أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور، وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وروى ابن عمر ﵄: أنّ النبي ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة، وهو على راحتله، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: "أيها الناس، إنّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وتكبرها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ثم قال: "أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم". قوله: "عيبة الجاهلية"، يعني: كبرها وفخرها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بكم وبأعمالكم ﴿خَبِيرٌ﴾ ببواطن أحوالكم، فاجعلوا التقوى زادكم لدى معادكم، وقال (٢) ابن الشيخ في "حواشيه": والنسب وإن كان معتبرًا عرفًا وشرعًا، حتى لا تتزوج الشريفة بالنبطي - نسبة إلى نبط محركًا، جيل ينزلن بالبطائح بين العراقين - إلا أنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم منه قدرًا وأعز، وهو الإيمان والتقوى، كما لا يظهر الكواكب عند طلوع الشمس فالفاسق وإن كان قرشي النسب، وقارون النشب (٣) .. لا قدر له عند المؤمن المتقي، وإن كان عبدًا حبشيًا، والأمور التي يفتخر بها في الدنيا،

стр. 12591

وإن كانت كثيرةً، لكن النسب أعلاها، من حيث إنه ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له ذلك، بخلاف غيره، كالمال مثلًا، فإنه قد يحصل للفقير مال، فيبطل افتخار المفتخر به عليه، وكذا، الأولاد والبساتين ونحوها؛ فلذلك خصَّ الله النسب بالذكر، وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى؛ ليعلم منه بطلان اعتبار غيره بطريق الأولى. انتهى. وسئل عيسى ﵇: أي الناس أشرف؟ فقبض قبضتين من تراب، ثم قال: أي هذين أشرف؟ ثم جمعهما وطرحهما، وقال: الناس كلهم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وقال سلمان الفارسي ﵁: أَبِيْ الإِسْلَامُ لَا أَبَ لِيْ سِوَاهُ ... إِذَا افْتَخَرُوْا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيْمِ ١٤ - ولما ذكر الله سبحانه أنَّ أكرم الناس عند الله أتقاهم له، وكان أصل التقوى الإيمان .. ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان؛ ليثبت لهم الشرف والفضل، فقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ وهم أهل البادية بنو أسد، أظهروا الإِسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة، وإلحاق التاء بالفعل المسند إليهم مع خلوه عنها في قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ للدلالة على نقصان عقلهم، بخلافهنّ، حيث لُمن إمرأة العزيز في مراودتها فتاها، وذلك يليق بالعقلاء. ﴿آمَنَّا﴾؛ أي: صدقنا بالله ورسوله، ونحن له مؤمنون، فرد الله عليهم مكذبًا لهم مع عدم التصريح بذلك، فقال: ﴿قُل﴾ يا محمد ردًّا عليهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أنتم، إذ الإيمان: هو التصديق بالله وبرسوله، المقارن لثقة بحقيقة المصدق، وطمأنينة القلب، ولم يحصل لكم ذلك، وإلا لما مننتم علي ما ذكرتم من الإِسلام، وترك المقاتلة، كما ينبىء عنه آخر السورة؛ يعني: أن التصديق الموصوف مسبوق بالعلم بقبح الكفر، وشناعة المقاتلة، وذلك يأبى المن وترك المقاتلة، فإنّ العاقل لا يمن بترك ما يعلم قبحه. ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ أي: دخلنا في السلم والصلح والانقياد، مخافة على أنفسنا من القتل والسبي، أو للطمع في الصدقة، فإنَّ الإِسلام: انقياد، ودخول في السلم، وإظهار الشهادة، وترك المحاربة مشعر به؛ أي: بالانقياد والدخول المذكور، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حال من ضمير ﴿قُولُوا﴾؛ أي:

стр. 12592

ولكن قولوا: أسلمنا، حال عدم مواطأة قلوبكم لألسنتكم، وما في ﴿وَاْتَّقُواْ﴾ من معنى التوقع، مشعر بأن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. فإن قلت (١): مقتضى نظم الكلام أن يقال: قل: لا تقولوا: آمنّا، ولكن قولوا: أسلمنا، أو قل: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلًا، فقيل: لم تؤمنوا مع أدب حسن، فلم يقل: كذبتم تصريحًا ووضع ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ الذي هو نفي ما ادعوا إثباته موضعه، واستغنى بقوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ عن أن يقال: لا تقولوا: آمنّا؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤادّاه النهي عن القول بالإيمان، ولم يقل: ولكن أسلمتم؛ ليكون خارجًا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم: ﴿آمَنَّا﴾، كذلك لو قيل: ولكن أسلمتم .. لكان كالتسليم والاعتداد بقولهم، وهو غير معتدّ به، وليس قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ تكريرًا لمعنى قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. فإنَّ فائدة قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ تكذيب لدعواهم، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ توقيت لما أمروا به أن يقولوه، فكأنه قيل لهم: ولكن قولوا: أسلمنا، حيث لم يثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم؛ لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في ﴿قُولُوا﴾ وما في ﴿لمَّا﴾ من معنى التوقع: قال على أنَّ هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. وحاصل الجواب: أنه تكرار، لكنه مستقل بفائدة زائدة؛ لأنّه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، ومن الثاني نفيه مع توقع حصوله. اهـ "كرخي". وقال سعدي المفتي: والظاهر (٢): أنَّ النظم القرآني من الاحتباك حذف من الأول ما يقابل الثاني، ومن الثاني ما يقابل الأول، والأصل: قل: لم تؤمنوا، فلا تقولوا: آمنَّا، ولكن أسلمتم، فقولوا: أسلمنا، وهذا من اختصارات القرآن الكريم. واعلم (٣): أنّ الإِسلام: هو الدخول في السلم، وهو الانقياد والطاعة، فمن الإِسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان؛ لقوله

стр. 12593

لإبراهيم: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ومنه: ما هو انقياد باللسان دون القلب، وذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وقيل: الإيمان: هو التصديق بالقلب مع الثقة، وطمأنينة النفس عليه، والإِسلام: هو الدخول في السلم، والخروج من أن يكون حربًا للمسلمين، مع إظهار الشهادتين. فإن قلت: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة، فكيف يفهم ذلك مع هذا القول؟ قلت: بين العام والخاص فرق، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب، والانقياد قد يحصل بالقلب، وقد يحصل باللسان، فالإِسلام أعمّ، والإيمان أخصّ، لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص، ولا يكون أمرًا غيره، فالعام والخاص مختلفان في العموم والخصوص، متحدان في الوجود، فكذلك المؤمن والمسلم، قال الزجاج: الإِسلام: إظهار الخضوع، وقبول ما أتى به النبي ﷺ ، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب .. فذلك هو الإيمان، وصاحبه المؤمن. اهـ. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية، وتخلصوا له في العمل، وتتركوا النفاق ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾؛ أي: لا ينقصكم ﴿مِن﴾ أجور ﴿أَعْمَالِكُمْ﴾ وثوابها ﴿شَيْئًا﴾ من النقص، لا قليلًا ولا كثيرًا، بل يضاعف ذلك أضعافًا كثيرةً، من لات يليت ليتًا من باب باع: إذا نقص، قال الإِمام (١): معنى قوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: إنكم إن أتيتم بما يليق بضعفكم من الحسنة المقرونة بالإخلاص، وترك النفاق .. فهو تعالى يؤتكم بما يليق بفضله من الجزاء، لا ينقص منه نظرًا إلى ما في حسناتكم من النقصان والتقصير، وهذا لأن من حمل إلى ملك فاكهةً طيّبةً، يكون ثمنها في السوق درهمًا مثلًا، وأعطاه الملك درهمًا أو دينارًا .. انتسب الملك إلى قلة العطاء بل إلى البخل، فليس معنى الآية: أن يعطي من الجزاء مثل عملكم من غير نقص، بل المعنى: يعطي ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص،

стр. 12594

ويؤيد ما قاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لما فرط من المطيعين ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتفضل عليهم، وعبارة المراغي: ولمّا كان الإنسان كثير الهفوات مهما اجتهد .. ذكر أنه غفور رحيم؛ أي: إنه ستار للهفوات، غفّار لزلّات من تاب وأناب وأخلص لربّه، رحيم به أن يعذّبه بعد التوبة، بل يزيد في إكرامه، ويصفح عن آثامه، انتهى. وهذا فتح لباب التوبة. وقرأ الجمور (١): ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ من لاته يليته، كباعه يبيعه، وهي لغة الحجاز، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو: ﴿لا يألتكم﴾ بالهمز من ألته يألته، بالفتح في الماضي، وبالكسر في المضارع، وهي لغة غطفان وأسد، واختار أبو حاتم قراءة أبي عمرو؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. وعليها قول الشاعر: أَبْلِغْ بَنِىْ أَسَدٍ عَنِّيْ مُغلْغَلَةً ... جَهْرَ الرِّسَالَةِ لَا أَلْتَا وَلَا كَذِبًا واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور، وعليها قول رؤبة بن العجّاج: وَليْلَةٍ ذَاتِ نَدَى سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِيْ عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ وهما لغتان فصيحتان. ١٥ - ثم لما ذكر سبحانه أنَّ أولئك الذين قالوا: آمنّا لم يؤمنوا، ولا دخل الإيمان في قلوبهم، بيَّن المؤمنين المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ حق الإيمان، هم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إيمانًا صحيحًا خالصًا، صادرًا عن مواطأة القلب واللسان. ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾؛ أي: لم يدخل قلوبهم شيء من الريب، ولا خالطهم شك من الشكوك، بل ثبتوا على حالة واحدة، ولم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدقوه، واعترفوا بأن الحق معه، و ﴿ثُمَّ﴾ للإشعار (٢) بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس في حال إنشائه فقط، بل وفيما يستقبل، فهي كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: في طاعته،

стр. 12595

وابتغاء مرضاته على كثرة فنونها من العبادات البدنية المحضة، والمالية الصرفة، والمشتملة عليها معًا، كالحج والجهاد. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف الجميلة ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾؛ أي: الذين صدقوا في دعوى الإيمان لا غيرهم، فهو قصر إفراد، وتكذيب لأعراب بني أسد، حيث اعتقدوا الشركة، وزعموا أنهم صادقون أيضًا في دعوى الإيمان. أي: أولئك الجامعون بين الأمور المذكورة هم الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان، والدخول في عداد أهله، لا من عداهم ممن أظهر الإِسلام بلسانه، وادّعى أنه مؤمن ولم يطمئّن بالإيمان قلبه، ولا وصل إليه معناه، ولا عمل بأعمال أهله، وهم الأعراب الذين تقدم ذكرهم، وسائر أهل النفاق. ١٦ - ثم أمر الله سبحانه أن يقول لأولئك الأعراب وأمثالهم قولًا آخر لمّا ادّعوا أنهم مؤمنون، فقال: ﴿قُل﴾ روي: أنه لما نزلت الآية السابقة .. جاء الأعراب، وحلفوا أنهم مؤمنون صادقون، فنزل لتكذيبهم قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾؛ أي: أتخبرون الله سبحانه، بدينكم الذي أنتم عليه بقولكم: آمنّا، والتعبير (١) عنه بالتعليم لغاية تشنيعهم، ودخلت الباء؛ لأنَّ هذا التعليم بمعنى الإعلام والإخبار، والاستفهام فيه للتوبيخ والإنكار؛ أي: لا تعرفوا الله بدينكم، فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء، وفيه إشارةٌ إلى أنّ التوقيف في الأمور الدينية معتبر واجب، وحقيقتها موكولة إلى الله، فالأسامي منه تؤخذ، والكلام منه يطلب، وأمره يتبع. أي: قل: أتخبرون (٢) الله بما في ضمائركم، وما تنطوي عليه جوانحكم من صادق الإيمان بقولكم: آمنّا حقًا. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه مثقال ذرّة فيهما، والجملة: حال من مفعول ﴿أَتُعَلِّمُونَ﴾: مؤكدة لتشنيعهم. ﴿اللَّهَ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يحتاج إلى إخباركم،

стр. 12596

وهذا (١) تذييل مقرّر لما قبله؛ أي: مبالغ في العلم بجميع الأشياء التي من جملتها ما أخفوه من الكفر عند إظهارهم الإيمان، وفيه مزيد تجهيل وتوبيخ لهم، حيث كانوا يجتهدون في ستر أحوالهم وإخفائها؛ أي: والله بكل شيء عليم، فاحذروا (٢) أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فتنالكم عقوبته، إذ لا يخفى عليه شيء، وقد علم ما تبطنونه من الكفر، وتظهرونه من الإِسلام لخوف الضراء، ورجاء النفع. وفي "التأويلات النجمية": والله يعلم ما في سموات القلوب من استعدادها في العبودية، وما في أرض النفوس من تمرّدها عن العبودية والله بكل شيء جبلت القلوب والنفوس عليه عليم؛ لأنه تعالى أودعه فيها عند تخمير طينة آدم بيده. انتهى. قال بعض الكبار: لا تضف إلى نفسك حالًا ولا مقامًا، ولا تخبر أحدًا بذلك، فإنّ الله تعالى كل يوم هو في شأن في تغيير وتبديل يحول بين المرء وقلبه، فربّما أزالك عمّا أخبرت به، وعزلك عمّا تخيلت ثباته، فتخجل عند من أخبرته بذلك، بل احفظ ذلك، ولا تعلمه إلى غيرك؛ فإن كان الثبات والبقاء علمت أنّه موهبة من الله فلتشكر الله، ولتسأله التوفيق للشكر، وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب. انتهى. فظهر من هذا (٣): أنّ الإنسان يخبر غالبًا بما ليس فيه، أو بما سيزول عنه، والعياذ بالله من سوء الحال، ودعوى الكمال، قال بعضهم: إيّاكم ثمّ إيّاكم والدعوات الصادقة والكاذبة، فإنّ الكاذبة تسوِّد الوجه، والصادقة تطفىء نور الإيمان أو تضعفه، وإياكم والقول بالمشاهدات، والنظر إلى الصور المستحسنات، فإنَّ هذا كله نفوس وشهوات، ومن أحدث في طريق التعبّد ما ليس فيها فليس هو منّا ولا فينا، فاتبعوا ولا تبتدعوا، وأطيعوا ولا تمرقوا، ووحدوا ولا تشركوا، وصدقوا الحق ولا تشكوا، واصبروا ولا تجزعوا، واثبتوا

стр. 12597

ولا تتفرقوا، وأسألوا ولا تساموا، وانتظروا ولا تيأسوا، وتواخوا ولا تعادوا، وأجتمعوا على الطاعة ولا تفرقوا، وتطهروا من الذنوب ولا تلطخوا، وليكن أحدكم بواب قلبه، فلا يدخل فيه إلا ما أمره الله به، وليحذر أحدكم ولا يركن؛ وليخف ولا يأمن، وليفتش ولا يغفل. ١٧ - ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾؛ أي: يعدون إسلامهم منة عليك، حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، والمنة: هي النعمة التي لا يطلب موليها ثوابًا ممن أنعم عليه بها من المنّ بمعنى القطع؛ لأنَّ المقصود به: قطع حاجته مع قطع النظر أن يعوضه المحتاج بشيء؛ أي: يعدون إسلامهم، ومتابعتهم لك، ونصرتهم إياك منة يطلبون منك أجرها، فقد قالوا جئناك بالأثقال .. إلخ. ثم أمر الله رسوله بما يقوله لهم عند المنّ عليه بما يدَّعونه من الإِسلام، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾؛ أي: لا تعدوا إسلامكم منّة عليّ، أو لا تمنّوا على بإسلامكم، فنصبه بنزع الخافض، فإنّ الإِسلام هو المنّة التي لا يطلب موليها ثوابًا ممن أنعم بها عليه، ولهذا قال: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ سبحانه هو الذي ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: أرشدكم إليه، وأراكم بتوفيقه على ما زعمتم من أنكم أرشدتم إليه، وجملة ﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ أي: يمن عليكم هدايته إياكم، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: بهدايته إياكم. وقرأ الجمهور: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾ بفتح ﴿أَن﴾، وقرأ عاصم: بكسرها، وقرأ عبد الله وزيد بن عليّ: ﴿إذ هداكم﴾ جعلا إذ مكان ﴿أَنْ﴾ وكلاهما تعليل. انتهى من "البحر المحيط". ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ادعاء الإيمان، وجوابه: محذوف، دلّ عليه ما قبله؛ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم .. فلله المنّة عليكم، وفي هذا ايماء إلى أنهم كاذبون في ادّعائهم الإيمان، وفي سياق النظم الكريم من اللطف ما لا يخفى؛ فإنهم لما سمّوا ما صدر عنهم إيمانًا، ومنّوا به نفي كونه إيمانًا، وسمّاه

стр. 12598

إسلامًا، فقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ بما هو في الحقيقة إسلام؛ أي: دخول في السلم، وليس بجدير بالمنّ؛ لأنَّه ليس له اعتداد شرعًا، ولا يعد مثله نعمة، بل لو صحّ ادّعاؤهم للإيمان، فلله المنّة عليهم بالهداية إليه لا لهم، قال الجنيد ﵀: المنّ من العباد تقريع، وليس من الله تقريعًا، وإنما هو من الله تذكير النعم، وحثّ على شكر المنعم. روي: أنّ النبيّ ﷺ قال للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم؟ " قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل. والخلاصة (١): أنّ الله سمّى ما كان منهم إسلامًا وخضوعًا، لا إيمانًا؛ إظهارًا لكذبهم في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾. ثمّ لما منّوا على رسول الله ﷺ بما كان منهم قال سبحانه لرسوله: أيعتدون عليك بما ليس جديرًا أن يعتد به من إسلامهم الذي سموه إيمانًا، وليس بذاك، بل الله هو الذي يعتد عليهم إيمانهم إن صدقوا، فهو قد أمدهم بهديه وتوفيقه. ١٨ - ثم أعاد الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ما غاب فيهما عن العباد، وخفي عليهم علمه ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في سرّكم وعلانتكم، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟! قرأ الجمهور (٢): ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بتاء الخطاب نظرًا لقوله: ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾، وقرأ ابن كثير وأبان عن عاصم: ﴿يعملون﴾ بياء الغيبة؛ نظرًا لقوله: ﴿يَمُنُّونَ﴾. وفي ذلك رمز إلى أنهم كاذبون في إيمانهم، وإعلان للنبيّ ﷺ ، وأتباعه من المؤمنين بما في أنفسهم، فمن لاحظ (٣) شيئًا من أعماله وأحواله .. فإن رآها من نفسه .. كان شركًا، وإن رآها لنفسه .. كان مكرًا، وإن رآها من ربّه

стр. 12599

بربّه لربّه .. كان توحيدًا، وفقنا الله لذلك بمنّه، وجوده وكرمه. قال البقليّ: ليس لله غيب، إذ الغيب شيء مستور، وجميع الغيوب عيان له تعالى، وكيف يغيب عنه وهو موجده، يبصره ببصره القديم، والعلم والبصر هناك واحد. انتهى. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيّ﴾ منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عمّا فات؛ أيّ: من الإضافة، وجملة النداء: مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أيّ﴾ أو عطف بيان له وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والواو: فاعل، والجملة الفعلية: جواب النداء لا محل لها من الإعراب. وفي ﴿تُقَدِّمُوا﴾ وجهان: أحدهما: أنه متعدّ حذف مفعوله لقصد التعميم اقتصارًا، كقولهم: هو يعطي ويمنع، وكلوا واشربوا، أو اختصارًا للدلالة عليه؛ أيّ: لا تقدّموا ما لا يصلح تقديمه عليهما من الأقوال والأفعال. والثاني: أنه لازم، نحو: وجّه وتوجّه، كما مرّ، ويؤيّده قراءة ابن عباس والضحاك ويعقوب ﴿تقدّموا﴾ بفتح التاء والقاف والدال. ﴿بَيْنَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿تقدّموا﴾. ﴿يَدَيِ اللَّهِ﴾: مضاف إليه، مجرور بالياء؛ لأنّه مثنى، ولفظ الجلالة: مضاف إليه. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ على كونه جواب النداء. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان له، والجملة: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾.

стр. 12600

﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أي﴾ وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، وجملة النداء: مستأنفة. ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿أَصْوَاتَكُمْ﴾: مفعول به، وجملة النهي، واقعة في جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَرْفَعُوا﴾، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية معطوف على ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿تَجْهَرُوا﴾. ﴿بِالْقَوْلِ﴾: متعلق بـ ﴿تَجْهَرُوا﴾ أيضًا. ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ ﴿الكاف﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره؛ أي: لا تجهروا له جهرا كائنًا كجهر بعضكم، أو جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض. و ﴿لِبَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿جهر﴾؛ لأنّه مصدر. ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾: ناصب وفعل مضارع وفاعل، والجملة: في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول لأجله، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: خشية حبوط أعمالكم، أو كراهية حبوطها، والخشية منهم، وقد تنازع فيه ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ ﴿وَلَا تَجْهَرُوا﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب على الحال من الكاف في ﴿أَعْمَالُكُمْ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول. ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَغُضُّونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة الابتدائية: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. ﴿لِلتَّقْوَى﴾: متعلق بـ ﴿امْتَحَنَ﴾؛ لأنّه بمعنى: شرح أو أخلص أو صفّى. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَأَجْرٌ﴾: معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿أَجْرٌ﴾، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.

стр. 12601

﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُنَادُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُنَادُونَكَ﴾، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾. مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: خبره، والجملة الإبتدائية: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿صَبَرُوا﴾ من الفعل والفاعل: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، تقديره: ولو ثبت صبرهم على رأي المبرد والزجاج والكوفيين، أو مرفوع على أنه مبتدأ لا يحتاج إلى خبر؛ لأنّ الخبر يحذف وجوبًا بعد لو ولولا على رأي سيبويه، وجمهرة البصريين. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، متعلق بـ ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿تَخْرُجَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَخْرُجَ﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾؛ أي: إلى خروجك إليهم؛ أي: ولو ثبت صبرهم إلى خروجك إليهم. ﴿لَكَانَ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمها: ضمير يعود على المصدر المفهوم من ﴿صَبَرُوا﴾؛ أي: لكان صبرهم. و ﴿خَيْرًا﴾: خبرها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ وجملة ﴿كان﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة: مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أيّ﴾، وجملة النداء: مستأنفة، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ماض ومفعول به، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاسِقٌ﴾: فاعل.

стр. 12602

﴿بِنَبَإٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا لكونه جملة طلبية. ﴿تَبَيَّنُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿أَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿أَنْ﴾ الشرطية: جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب. ﴿تُصِيبُوا﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والواو: فاعل. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: حال من فاعل ﴿تُصِيبُوا﴾؛ أي: حال كونكم متلبسين بجهالة أو جاهلين، وجملة ﴿تُصِيبُوا﴾؛ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على أنّه مفعول من أجله، ولكنّه على تقدير مضاف؛ أي: خشية إصابتكم أو كراهية إصابتكم. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿تُصْبِحُوا﴾: فعل ناقص واسمه. معطوف على ﴿تُصِيبُوا﴾. ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نَادِمِينَ﴾. و ﴿نَادِمِينَ﴾: خبر ﴿تصبحوا﴾ منصوب بالياء. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِيكُمْ﴾: خبر مقدم؛ لـ ﴿أَن﴾: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَن﴾: في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿اعْلَمُوا﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿يُطِيعُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الرسول. ﴿فِي كَثِيرٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُطِيعُكُمْ﴾. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾: صفة لكثير، والجملة الفعلية: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿عَنِتُّمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: في محل النصب حال من ضمير المخاطبين في قوله: ﴿فِيكُمْ﴾؛ أي: حالة كونكم عانتين لو أطعاكم في كثير من الأمر. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الواو﴾؛ عاطفة. ﴿لكن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿حَبَّبَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ

стр. 12603

﴿حَبَّبَ﴾. ﴿الْإِيمَانَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿حَبَّبَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لَكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكن﴾: معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿وَزَيَّنَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿حَبَّبَ﴾. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿زَيَّنَ﴾. ﴿وَكَرَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿حَبَّبَ﴾، ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿كَرَّهَ﴾. ﴿الْكُفْرَ﴾: مفعول به لـ ﴿كَرَّهَ﴾. ﴿وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: معطوفان على ﴿الْكُفْرَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الرَّاشِدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: معترصة. ﴿فَضْلًا﴾: مفعول لأجله لـ ﴿حَبَّبَ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿فَضْلًا﴾. ﴿وَنِعْمَةً﴾: معطوف على ﴿فَضْلًا﴾، ويجوز أن تكون ﴿فَضْلًا﴾ ﴿وَنِعْمَةً﴾ مفعولًا لفعل محذوف؛ أي: تبتغون فضلًا من الله ونعمة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة: مستأنفة. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إنْ﴾: حرف شرط. ﴿طَائِفَتَانِ﴾ فاعل بفعل محذوف وجوبا يفسّره المذكور بعده، تقديره: وإن اقتتلت طائفتان. اقتتلت: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه غعل شرط لها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صفة لـ ﴿طَائِفَتَانِ﴾. ﴿اقْتَتَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مفسّرة للمحذوف، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿أَصْلِحُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أَصْلِحُوا﴾، ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿بَغَتْ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبنيّ بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلّص من التقاء الساكنين، والتاء: علامة تأنيث الفاعل. ﴿إِحْدَاهُمَا﴾: فاعل ﴿بَغَتْ﴾. ﴿عَلَى الْأُخْرَى﴾: متعلق بـ ﴿بَغَتْ﴾. ﴿فَقَاتِلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا.

стр. 12604

﴿قَاتِلُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو فاعل. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول للمفردة المؤنثة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية؛ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾. ﴿تَبْغِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿حَتَّى﴾: حوف جر وغاية. ﴿تَفِيءَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، وفاعله: ضمير يعود على الطائفة الباغية. ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَفِيءَ﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل صدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره: إلى فيئها إلى أمر الله الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿قَاتِلُوا﴾. ﴿فَإِنْ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿فَاءَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الباغية، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب. ﴿أَصْلِحُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَصْلِحُوا﴾، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ متعلق بـ ﴿أَصْلِحُوا﴾ أيضًا، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾: فعل أمر وفاعل معطوف على ﴿أصلحوا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾: جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: مبتدأ. ﴿إِخْوَةٌ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿أَصْلِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أخوّة المؤمنين، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم من النصيحة .. فأقول: لكم أصلحوا. ﴿أَصْلِحُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، والجملة: لحي محل النصب مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أصلحوا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَصْلِحُوا﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه وجمله ﴿تُرْحَمُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾: جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب.

стр. 12605

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تقدَّم إعرابه مرارًا. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْخَرْ﴾، والجملة الفعلية، جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، وهي هنا تامَّة. ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿يَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والواو: اسمها. ﴿خَيْرًا﴾: خبرها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، وجملة ﴿يَكُونُوا﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿عَسَى﴾، تقديره: عسى وحق كونهم خيرًا منهم، وجملة ﴿عَسَى﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل النهي قبلها، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾؛ عاطفة. ﴿لَا﴾: زائدة زيدت لتأكيد النهي السابق. ﴿نِسَاءٌ﴾: معطوف على ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿مِنْ نِسَاءٍ﴾، متعلق بـ ﴿يَسْخَرْ﴾. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض تامّ. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَكُنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، مبني بسكون على النون المدغمة في نون النسوة؛ لاتصاله بنون الإناث، ونون النسوة: اسمها، ﴿خَيْرًا﴾: خبرها. ﴿مِنْهُنَّ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، وجملة ﴿عَسَى﴾: مسوقة لتعليل النهي. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾، ناهية جازمة. ﴿تَلْمِزُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، معطوف على جملة قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ﴾. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ﴾ أيضًا. ﴿بِالْأَلْقَابِ﴾: متعلق بـ ﴿تَنَابَزُوا﴾، ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذمّ، ﴿الِاسْمُ﴾: فاعله، ﴿الْفُسُوقُ﴾: هو المخصوص بالذمّ، وهو مبتدأ، خبره: الجملة قبله، ولك أن تعربه خبرًا لمبتدأ محذوف، وأن تجعله بدلًا من ﴿الِاسْمُ﴾. و ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿الِاسْمُ﴾، وجملة ﴿بِئْسَ﴾: جملة
следующие страницы →