← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُنَادُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُنَادُونَكَ﴾، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾. مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: خبره، والجملة الإبتدائية: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿صَبَرُوا﴾ من الفعل والفاعل: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، تقديره: ولو ثبت صبرهم على رأي المبرد والزجاج والكوفيين، أو مرفوع على أنه مبتدأ لا يحتاج إلى خبر؛ لأنّ الخبر يحذف وجوبًا بعد لو ولولا على رأي سيبويه، وجمهرة البصريين. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، متعلق بـ ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿تَخْرُجَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَخْرُجَ﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾؛ أي: إلى خروجك إليهم؛ أي: ولو ثبت صبرهم إلى خروجك إليهم. ﴿لَكَانَ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمها: ضمير يعود على المصدر المفهوم من ﴿صَبَرُوا﴾؛ أي: لكان صبرهم. و ﴿خَيْرًا﴾: خبرها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ وجملة ﴿كان﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة: مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أيّ﴾، وجملة النداء: مستأنفة، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ماض ومفعول به، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاسِقٌ﴾: فاعل.

стр. 12602

﴿بِنَبَإٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا لكونه جملة طلبية. ﴿تَبَيَّنُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿أَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿أَنْ﴾ الشرطية: جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب. ﴿تُصِيبُوا﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والواو: فاعل. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: حال من فاعل ﴿تُصِيبُوا﴾؛ أي: حال كونكم متلبسين بجهالة أو جاهلين، وجملة ﴿تُصِيبُوا﴾؛ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على أنّه مفعول من أجله، ولكنّه على تقدير مضاف؛ أي: خشية إصابتكم أو كراهية إصابتكم. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿تُصْبِحُوا﴾: فعل ناقص واسمه. معطوف على ﴿تُصِيبُوا﴾. ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نَادِمِينَ﴾. و ﴿نَادِمِينَ﴾: خبر ﴿تصبحوا﴾ منصوب بالياء. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِيكُمْ﴾: خبر مقدم؛ لـ ﴿أَن﴾: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَن﴾: في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿اعْلَمُوا﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿يُطِيعُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الرسول. ﴿فِي كَثِيرٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُطِيعُكُمْ﴾. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾: صفة لكثير، والجملة الفعلية: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿عَنِتُّمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: في محل النصب حال من ضمير المخاطبين في قوله: ﴿فِيكُمْ﴾؛ أي: حالة كونكم عانتين لو أطعاكم في كثير من الأمر. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الواو﴾؛ عاطفة. ﴿لكن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿حَبَّبَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ

стр. 12603

﴿حَبَّبَ﴾. ﴿الْإِيمَانَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿حَبَّبَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لَكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكن﴾: معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿وَزَيَّنَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿حَبَّبَ﴾. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿زَيَّنَ﴾. ﴿وَكَرَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿حَبَّبَ﴾، ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿كَرَّهَ﴾. ﴿الْكُفْرَ﴾: مفعول به لـ ﴿كَرَّهَ﴾. ﴿وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: معطوفان على ﴿الْكُفْرَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الرَّاشِدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: معترصة. ﴿فَضْلًا﴾: مفعول لأجله لـ ﴿حَبَّبَ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿فَضْلًا﴾. ﴿وَنِعْمَةً﴾: معطوف على ﴿فَضْلًا﴾، ويجوز أن تكون ﴿فَضْلًا﴾ ﴿وَنِعْمَةً﴾ مفعولًا لفعل محذوف؛ أي: تبتغون فضلًا من الله ونعمة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة: مستأنفة. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إنْ﴾: حرف شرط. ﴿طَائِفَتَانِ﴾ فاعل بفعل محذوف وجوبا يفسّره المذكور بعده، تقديره: وإن اقتتلت طائفتان. اقتتلت: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه غعل شرط لها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صفة لـ ﴿طَائِفَتَانِ﴾. ﴿اقْتَتَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مفسّرة للمحذوف، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿أَصْلِحُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أَصْلِحُوا﴾، ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿بَغَتْ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبنيّ بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلّص من التقاء الساكنين، والتاء: علامة تأنيث الفاعل. ﴿إِحْدَاهُمَا﴾: فاعل ﴿بَغَتْ﴾. ﴿عَلَى الْأُخْرَى﴾: متعلق بـ ﴿بَغَتْ﴾. ﴿فَقَاتِلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا.

стр. 12604

﴿قَاتِلُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو فاعل. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول للمفردة المؤنثة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية؛ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾. ﴿تَبْغِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿حَتَّى﴾: حوف جر وغاية. ﴿تَفِيءَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، وفاعله: ضمير يعود على الطائفة الباغية. ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَفِيءَ﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل صدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره: إلى فيئها إلى أمر الله الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿قَاتِلُوا﴾. ﴿فَإِنْ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿فَاءَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الباغية، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب. ﴿أَصْلِحُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَصْلِحُوا﴾، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ متعلق بـ ﴿أَصْلِحُوا﴾ أيضًا، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾: فعل أمر وفاعل معطوف على ﴿أصلحوا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾: جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: مبتدأ. ﴿إِخْوَةٌ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿أَصْلِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أخوّة المؤمنين، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم من النصيحة .. فأقول: لكم أصلحوا. ﴿أَصْلِحُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، والجملة: لحي محل النصب مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أصلحوا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَصْلِحُوا﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه وجمله ﴿تُرْحَمُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾: جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب.

стр. 12605

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تقدَّم إعرابه مرارًا. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْخَرْ﴾، والجملة الفعلية، جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، وهي هنا تامَّة. ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿يَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والواو: اسمها. ﴿خَيْرًا﴾: خبرها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، وجملة ﴿يَكُونُوا﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿عَسَى﴾، تقديره: عسى وحق كونهم خيرًا منهم، وجملة ﴿عَسَى﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل النهي قبلها، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾؛ عاطفة. ﴿لَا﴾: زائدة زيدت لتأكيد النهي السابق. ﴿نِسَاءٌ﴾: معطوف على ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿مِنْ نِسَاءٍ﴾، متعلق بـ ﴿يَسْخَرْ﴾. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض تامّ. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَكُنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، مبني بسكون على النون المدغمة في نون النسوة؛ لاتصاله بنون الإناث، ونون النسوة: اسمها، ﴿خَيْرًا﴾: خبرها. ﴿مِنْهُنَّ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، وجملة ﴿عَسَى﴾: مسوقة لتعليل النهي. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾، ناهية جازمة. ﴿تَلْمِزُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، معطوف على جملة قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ﴾. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ﴾ أيضًا. ﴿بِالْأَلْقَابِ﴾: متعلق بـ ﴿تَنَابَزُوا﴾، ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذمّ، ﴿الِاسْمُ﴾: فاعله، ﴿الْفُسُوقُ﴾: هو المخصوص بالذمّ، وهو مبتدأ، خبره: الجملة قبله، ولك أن تعربه خبرًا لمبتدأ محذوف، وأن تجعله بدلًا من ﴿الِاسْمُ﴾. و ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿الِاسْمُ﴾، وجملة ﴿بِئْسَ﴾: جملة

стр. 12606

إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ونفي. ﴿يَتُبْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ مَنْ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿لَا يَسْخَرْ﴾ على كونها جواب النداء أو مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تقدم إعرابه. ﴿اجْتَنِبُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الظَّنِّ﴾ صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾، والجملة الفعلية، جواب النداء. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ ناصب واسمه. ﴿إِثْمٌ﴾: خبره، وجملة ﴿إنَّ﴾: جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، معطوف على ﴿اجْتَنِبُوا﴾. ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿بَعْضًا﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اجْتَنِبُوا﴾. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَأْكُلَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿مَيْتًا﴾: حال من الأخ أو من اللحم، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أكل لحم أخيه. ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة لجملة لو المحذوفة، على الجملة المفهومة من الاستفهام الإنكاري، تقديره: لا يحبّ أحدكم أكل لحم أخيه، فلو عرض عليكم .. كرهتموه، كما مر بسطه في مبحث

стр. 12607

التفسير. ﴿كَرِهْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والواو: لإشباع ضمة الميم، والجملة الفعلية: جواب للو المحذوفة، لا محل لها من الإعراب، أو هو خبر بمعنى الأمر على كونه جوابًا لشرط محذوف، تقديره: فإذا عرض عليكم .. فاكرهوه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿كَرِهْتُمُوهُ﴾ إذا كان خبرًا بمعنى الأمر. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿تَوَّابٌ﴾: خبره. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿والهاء﴾: حرف تنبيه. ﴿النَّاسُ﴾: بدل من ﴿أيّ﴾، وجملة النداء: مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: خبره، وجملة ﴿إنّ﴾: جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾. ﴿وَأُنْثَى﴾: معطوف على ﴿ذَكَرٍ﴾، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: معطوف على ﴿شُعُوبًا﴾، ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل. ﴿تَعَارَفُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتعارف بعضكم بعضًا، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، أو بـ ﴿جعلنا﴾. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَكْرَمَكُمْ﴾ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾: خبره، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره. ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول. ﴿قُل﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على

стр. 12608

محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدارك مهمل. ﴿قُولُوا﴾: فعل أمر وفاعل، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. ﴿أَسْلَمْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة، في محل النصب مقول ﴿قُولُوا﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿لَمَّا﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَدْخُلِ الْإِيمَانُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمَّا﴾، ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْخُلِ﴾، والجملة: في محل النصب حال من ضمير ﴿قُولُوا﴾؛ أي: ولكن قولوا أسلمنا حال عدم مواطأة قلوبكم لألسنتكم. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تُطِيعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ والشرطية، على كونه فعل شرط لها، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف عليه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَلِتْكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه جوابًا لها. ﴿مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾: حال من ﴿شَيْئًا﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾: خبره. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للتراخي. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَرْتَابُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَجَاهَدُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَاهَدُوا﴾، ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق

стр. 12609

بـ ﴿جَاهَدُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الصَّادِقُونَ﴾ خبر، والجملة. مستأنفة. ﴿قُل﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة، مستأنفة. ﴿أَتُعَلِّمُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخيّ. ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾، ﴿بِدِينِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾؛ لأنَّه بمعنى التعريف. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره، والجملة، الاسمية: في محل النصب حال من مفعول ﴿تُعَلِّمُونَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. و ﴿عَلِيمٌ﴾، خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة مقرّرة لما قبلها. ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. ﴿يَمُنُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿يَمُنُّونَ﴾، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿أَسْلَمُوا﴾: فعل ماض وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية، في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: يمنّون عليك بإسلامهم؛ أي: إسلامهم. ﴿قُل﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿لَا﴾ ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَمُنُّوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿عَلَيَّ﴾ متعلق بـ ﴿تَمُنُّوا﴾، ﴿إِسْلَامَكُمْ﴾: مفعول به أو منصوب بنزع الخافض، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿بَلِ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَمُنُّ﴾: خبره. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَمُنُّ﴾، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا تَمُنُّوا﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿هَدَاكُمْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ومفعول به في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ متعلق بـ ﴿هَدَاكُمْ﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية:

стр. 12610

في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: بل الله يمنّ عليكم بهدايته إيّاكم للإيمان. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿صَادِقِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية: محذوف يدل عليه ما قبلها؛ أي: إن كنتم صادقين .. فهو المانُّ عليكم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية. مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبره، والجملة الابتدائية: معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾. ويحتمل كون ﴿ما﴾: موصولة أو مصدرية، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف؛ أي: بالذي تعملونه، أو صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، أي: بعملكم، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾؛ أي: لا تتقدموا، من قولهم: مقدمة الجيش لمن تقدم منهم، قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا تقدم بين يدي الإِمام، وبين يدي الأب؛ أي: لا تعجل بالأمر دونه، وقيل: إنّ المراد: لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة، ورُجّح هذا. ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾؛ أي: إذا كلمتموه، ونطق ونطقتم فلا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، والصوت: هو الهواء المنضغط عن قرع جسمين، فإن الهواء الخارج من داخل الإنسان إن خرج بدفع الطبع يسمى نفسًا، بفتح الفاء، وإن خرج بالإرادة، وعرض له تموج بتصادم الجسمين يسمى صوتًا، والصوت الاختياري الذي يكون للإنسان ضربان: ضرب باليد: كصوت العود، وما يجري مجراه، وضرب بالفم، فالذي بالفم ضربان: نطق وغيره، فغير النطق كصوت الناي، والنطق إما مفرد من الكلام، وإما مركب، كأحد الأنواع الثلاثة من الكلام.

стр. 12611

﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ والجهر يقال: لظهور الشيء بإفراط لحاسة البصر، نحو: رأيته جهارًا، أو حاسة السمع، نحو: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾. ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ في "المختار": حبط عمله بطل ثوابه، وبابه فهم، وحبوطًا أيضًا. اهـ. وحبط عمله كسمع وضرب حبطًا وحبوطًا: بطل عمله، وأحبطه الله: أبطله. كما في "القاموس"، وقال الراغب: أصل الحبط من الحبط: وهو أن تكثر الدابة من الكلأ، حتى تنتفخ بطنها، فلا يخرج منها شيء. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ والشعور: العلم والفطنة، والشعر: العلم الدقيق. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ أصله: يغضضون بوزن يفعلون، نقلت حركة الضاد الأولى إلى الغين، فسكنت فأدغمت في الثانية، من الغضَّ: وهو النقصان من الطرف أو الصوت، وما في الإناء، يقال: غض طرفه: خفضه، وغض السقاء: نقص مما فيه، وغض الصوت خفضه. ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الامتحان، افتعال، من محنت الأديم محنًا: مددته حتى أوسعته، فمعنى امتحن قلوبهم للتقوى: وسَّعها، وشرحها للتقوى؛ اهـ "قرطبي". وفي "القاموس": محنه كمنعه اختبره كامتحنه، والاسم المحنة بالكسر. اهـ. وقيل معناه: أخلصها للتقوى، من امتحن الذهب: إذا أذابه، وميز إبريزه من خبثه، فهو من إطلاق المقيد، وهو إخلاص الذهب، وإرادة المطلق. اهـ. "روح". ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ أصله: ينادويونك، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلمّا سكنت .. التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الدال لمناسبة الواو. ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾؛ أي: من خارجها، سواء كان من خلفها أو من

стр. 12612

قدامها، إذ إنها من المواراة: وهي الاستتار، فما استتر عنك .. فهو وراء خلفًا كان أو قدّامًا، فإذا رأيته .. لا يكون وراءك، ويرى بعض أهل اللغة: أنّ وراء من الأضداد، فتطلق تارةً على ما أمامك وأخرى على ما خلفك، والحجرات بضم الجيم وفتحها وتسكينها، واحدها حجرة: وهي القطعة من الأرض المحجورة؛ أي: الممنوعة عن الدخول فيها بحائط ونحوه، فهي فعلة بمعنى مفعولة: كما لغرفة، والقبضة. اهـ "بيضاوي". والمراد بها: حجرات نسائه ﷺ ، وكانت تسعة، لكل منهنّ حجرة من جريد النخل، على أبوابها المسوخ من شعر أسود، وكانت غير مرتفعة، يتناول سقفها باليد، وقد أدخلت في عهد الوليد بن عبد الملك بأمره في مسجد رسول الله ﷺ ، فبكى الناس لذلك، وقال سعيد بن المسيب يومئذٍ: لوددت أنهم لو تركوها على حالها، لينشأ ناس من أهل المدينة، ويقدم القادم من أهل الآفاق، فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التفاخر والتكاثر فيها. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾؛ أي: ولو ثبت صبرهم وانتظارهم إلى خروجك إليهم .. لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال، والصبر: هو حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها. ﴿فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الفاسق: هو الخارج عن حدود الشرع من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج من قشره، والنبأ: الخبر، قال الراغب: ولا يقال للخبر: نبأ إلا إذا كان ذا فائدة عظيمة، وبه يحصل علم أو غلبة ظنّ. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ والتبين: طلب البيان والوضوح. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ والعنت محركة: الفساد والإثم والهلاك، ودخول المشقة على الإنسان. كما في "القاموس"، يقال: عنت فلان: إذا وقع في أمر يخاف منه التلف. كما في "المفردات". فهو من الباب الرابع مثل: طرب يطرب طربًا، ومعنى لعنتم؛ أي: لوقعتم في الجهد والهلاك.

стр. 12613

﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ والحب: انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه، والتحبيب: إيقاع محبة الشيء في القلب. ﴿وَكَرَّهَ﴾ من التكريه، بمعنى التبغيض، والبغض ضدّ الحب، فالبغض: نفار التفس عن الشيء الذي ترغب عنه، والتكريه: إيقاع كراهة الشيء، وبغضه في القلب. ﴿الْكُفْرَ﴾: تغطية نعم الله تعالى بالجحود لها. ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ الخروج عن الحدّ، كما علمت، والعصيان: عدم الانقياد، من قولهم: عصت النواة؛ أي؛ صلبت واشتدت. ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ والرشاد: إصابة الحق، واتباع الطريق السويّ. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ مثنى طائفة، والطائفة من الناس: جماعة منهم، لكنّها دون الفرقة، ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. وفيه إعلال بالإبدال، أصله: طاوفتان؛ لأنّه من الطوف، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على فعله في الإعلال. ﴿اقْتَتَلُوا﴾: افتعال من القتل، وأصل القتل: إزهاق الروح عن الجسد بأيّ سبب كان. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: فكفوهما عن القتال بالنصحية، أو بالتهديد والتعذيب. ﴿بَغَتْ﴾؛ أي: تعدت وجارت، أصله: بغي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم لما اتصلت بالفعل تاء التأنيث الساكنة .. التقى ساكنان، فحذفت الألف، يقال: بغى عليه بغيًا: علا وظلم، وعدل عن الحق، واستطال. كما في "القاموس". وأصل البغي: طلب ما ليس بمستحق، فإنّ البغي الطلب. ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾؛ أي: ترجع، فإن الفيء: الرجوع إلى حالة محمودة، وفيه إعلال بالنقل، أصله: تفيىء بوزن تفعل، نقلت حركة الياء إلى الفاء، فسكنت إثر

стр. 12614

كسرة فصارت حرف مدّ. ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وأمر الله: هو الصلح؛ لأنّه مأمور به في قوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. ﴿فَاءَتْ﴾ أصله: فيأ بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ من الصلاح، والصلاح: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والإصلاح: جعل الشيء على تلك الحالة. ﴿بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: بإزالة آثار القتال بضمان المتلفات، بحيث يكون الحكم عادلًا، حتى لا يؤدي النزاع إلى الاقتتال مرة أخرى. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾؛ أي: واعدلوا في كل شأن من شؤونكم، وأصل الإقساط: إزالة القسي بالفتح: وهو الجور، والقاسط: الجائر، كما قال ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ والإخوة في النسب، والإخوان في الصداقة، واحدهم أخ، وقد جعلت الأخوة في الدين كالأخوة في النسب، وكأنَّ الإِسلام أب لهم، كما قال قائلهم: أَبِيْ الإِسْلَامُ لَا أَبَ لِيْ سِوَاهُ ... إِذَا افْتَخَرُوْا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيْمِ وأصل الأخ: المشارك لآخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما أو من الرضاع. ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ السخرية: الاحتقار، وذكر العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، يقال: سخر به، وسخر منه، ضحك به، ومنه، وهزىء به ومنه، والاسم: السخرية، والسخري بالضم والكسر، وقد تكون بالمحاكاة بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالضحك على كلام المسخور منه إذا غلط فيه، أو على صنعته، أو على قبح صورته، والقوم شاع إطلاقه على الرجال دون النساء، كما في الآية، وقول زهير: وَمَا أَدْرِيْ وَسَوْفَ إِخَالُ أَدّرِيْ ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءٌ والقوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوّام بأمور النساء، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ

стр. 12615

قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وقال النبي ﷺ : "النساء لحم على وضم، إلا ما ذبّ عنه الذابّون" والذابّون: هم الرجال، وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور، جمع صائم وزائر، وسمع تسميته بالمصدر عن بعض العرب: إذا أكلت طعامًا أحببت نومًا، وأبغضت قومًا؛ أي: قيامًا، وقال بعضهم: القوم: الجماعة من الناس، والجمع أقوام وأقاوم وأقائم وأقاويم، وقوم الرجل: أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جدٍّ واحد. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا﴾ أصله: يكْونون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى الكاف فسكنت بعد ضمّ، فصارت حرف مدّ، ثم حذفت نون الرفع لدخول أداة النصب. ﴿وَلَا نِسَاءٌ﴾ اسم جمع لامرأة من النسوة بالفتح: وهو الضعف، الهمزة فيه مبدلة من واوٍ لظهورها في نسوة. ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾ أصله: يكْونن بوزن يفعلن، النون الأولى لام الفعل، الثانية نون النسوة، أُدغمت النون الساكنة في المتحركة، ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبله فسكنت الواو، فالتقى ساكنان: الواو والنون المدغمة، فحذفت الواو لذلك، فوزنه يفلن. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: لا يعب بعضكم بعضًا بقول أو إشارة باليد أو بالعين أو نحوهما، والمؤمنون كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن .. فكأنما عاب نفسه، من اللمز: وهو الطعن، والضرب باللسان، وفي "المصباح": لمزه لمزًا من باب ضرب: عابه، وقرأ بها السبعة، ومن باب قتل لغة. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا﴾ والتنابز: التعاير والتداعي بما يكرهه الشخص من الألقاب، من النبز بسكون الباء مصدر نبزه بمعنى لقبه، وأصل تنابزوا: تتنابزوا بتائين، حذفت إحداهما. وفي "السمين": التنابز تفاعل من النبز: وهو التداعي باللقب، والنزب مقلوب منه لقلة هذا وكثرة ذاك، ويقال: تنابزوا وتنازبوا: إذا دعا بعضهم بعضًا بلقب سوء. اهـ.

стр. 12616

﴿بِئْسَ الِاسْمُ﴾ والاسم: الذكر، والصيت من قولهم: طار اسمه بين الناس بالكرم أو اللؤم، وليس المراد بالاسم هنا: ما يقابل اللقب والكنية، ولا ما يقابل الفعل والحرف، بل المراد به: الذكر المرتفع؛ لأنّه من السمو. اهـ "كرخي". ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أصله: يتْوب بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى التاء فسكنت فالتقى ساكنان؛ لأن آخر الفعل ساكن لمناسبة دخول الجازم، فحذفت الواو لذلك فوزنه يفل. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أصله: تتجسسوا، حذفت نون الرفع للجازم، ثم حذفت إحدى التائين للتخفيف، من التجسس: وهو البحث عن العورات والمعايب والكشف عمّا ستره الناس، تفعل من الجس لما فيه من معنى الطلب، فإن جس الخبر: طلبه، والتفحص عنه، فإذا نقل إلى باب التفعل .. يحدث معنى التكلف منضمًا إلى ما فيه من معنى الطلب، يقال: جسست الأخبار؛ أي: تفحصت عنها، وإذا تجسستها يراد به معنى التكلف كالتلمس، فإنه تفعل من اللمس: وهو المسّ باليد لتعرف حال الشيء، وفي "المفردات": أصل الجس: مس العرق، وتعرف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، ومن لفظ الجس اشتق الجاسوس، وهو أخص من الحس؛ لأنَّه تعرف ما يدرك الحس، والجس: تعرف حال ما من ذلك، وفي "الإحياء": التجسس بالجيم في: تطلع الأخبار، وبالحاء المهملة: في المراقبة بالعين، وفي "القاموس": الجس: تفحص الأخبار كالتجسس، ومنه الجاسوس، والجسيس لصاحب سر الشر، ولا تجسسوا؛ أي: خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستر الله تعالى، أو لا تفحصوا عن بواطن الأمور، أو لا تبحثوا عن العورات، والحاسوس: هو الجاسوس أو في الخير، وبالجيم في الشر. انتهى. ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أصله: يغتيب، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثمّ حذفت لالتقاء الساكنين، من الاغتياب، والغيبة بالكسر: اسم من الاغتياب، وفتح الغين غلط، إذ هو بفتحها مصدر بمعنى الغيبوبة، والغيبة والاغتياب: هو أن يتكلم إنسان خلف إنسان مستورٍ بما فيه من عيب، كما تقدم. ﴿وَقَبَائِلَ﴾ جمع قبيلة، والهمزة فيه مبدلة من ياء فعيلة المجودة في اسم

стр. 12617

مؤنث، وهي حرف مدّ زائد ثالث. ﴿شُعُوبًا﴾ جمع شعب بفتح الشين: وهو أعلى طبقات النسب، كما مرّ، وسميت الشعوب؛ لأنَّ القبائل تشعبت منها، ومنه: اشتقت الشعوبية بضم الشين: وهم قوم يصغرون شأن العرب، سموا بذلك؛ لتعلّقهم بظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. وقال ابن هبيرة: في "المحكم": غلبت الشعوبية بلفظ الجمع على جيلٍ من العجم، حتى قيل لمحتقر أمر العرب: شعوبيٌّ، وإن لم يكن منهم، وأضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد، كقولهم؛ أنصاريّ. ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أصله: تتعارفوا، حذفت منه إحدى التائين. ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ اسم تفضيل من الفعل الثلاثي وقى، والتاء فيه: مبدلة من واو، والألف فيه مبدلة من واو المبدلة من الياء في الأصل؛ لأنّ مادّة وفي فاؤها واو، ولامها ياء، أُبدلت الواو تاءً، والياء واوًا. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ هم سكان البادية. ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾؛ أي: لا ينقصكم، من لاته يليته، كباعه يبيعه، وقيل هو من ولته يلته، كوعده يعده، وعلى هذا فيه إعلال بحذف فاء الفعل المثاليّ، أصله: ولت، وقياس المضارع يولت، حذفت الواو لوقوعها بين ياءٍ مفتوحة وكسرة. ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ من ارتاب مطاوع رابه: إذا أوقعه في الشكّ في الخير مع التهمة للمخبر، فظهر الفرق بين الريب والشك، فإنَّ الشك تردد بين نقيضين لا تهمة فيه، أصله: يرتيبون بوزن يفتعلون، حذفت نون الرفع لدخول أداة الجزم، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾؛ أي: يذكرون ذلك ذكر من اصطنع لك صنيعة، وأسدى إليك نعمة، أصله: يمننون بوزن يفعلون، نقلت حركة النون الأولى إلى الميم، فسكنت فأدغمت في الثانية، وكذلك القول في: ﴿تَمُنُّوا﴾ وفي ﴿يَمُنُّ﴾. وقوله: ﴿هَدَاكُمْ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: هديكم، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.

стр. 12618

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ شبه ما وقع من بعض الصحابة من القطع في أمر من الأمور الدينيّة، قبل أن يحكم الله ورسوله به بحال من يتقدم في المشي في الطريق مثلًا لوقاحته على من يجب أن يتأخَّر عنه، ويقفو أثره تعظيمًا له، فعبر عن الحالة المشبهة بما يعبر به عن المشبه بها على طريق الاستعارة التمثيلية. ومنها: التشبيه المرسل المجمل، في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ لوجود أداة التشبيه. ومنها: حذف مفعول ﴿تُقَدِّمُوا﴾. كقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. وقولهم: هو يعطي ويمنع، وفي الحذف من البلاغة ما ليس في الذكر؛ لأنّ الخيال فيه يذهب كل مذهب. ومنها: التكرير في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنَّ في تكريره فائدة بلاغية لطيفة: وهي إظهار الشفقة على المسترشد، وإبداء المناصحة له على آكد وجه؛ ليقبل على استماع الكلام، ويعيره باله، ولتحديد المخاطبين بالذات، وأنهم هم المعنيون بالمناصحة. وفيه أيضًا: استدعاء لتجديد الاستبصار والتيقظ، والتنبه عند كل خطاب. ومنها: الكناية في قوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فإنه كناية من موضع خلوته ﷺ . ومقيله مع بعض نسائه، وقد ازدادت الكناية بإيقاع الحجرات معرفة بالألف واللام، دون الإضافة إليه، وفي ذلك من حسن الأدب ما لا يخفى. ومنها: التنكير في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ للدلالة على عظمهما. ومنها: التنكير في قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ لإفادة الشمول والعموم؛ لأنّ النكرة إذا وقعت في سياق الشرط .. عمّت، كما تعمّ إذا وقعت في سياق النفي،

стр. 12619

وفي هذا التنكير ردّ على من زعم أنها نزلت في الوليد بن عقبة، وهو من كبار الصحابة؛ لأنّ إطلاق الفسوق عليه بعيد، ذلك أنّ القسوق هو الخروج من الشيء والانسلاخ منه، والوليد كما يذكرون ظنّ فأخطأ، والمخطىء كما قاله الرازي: لا يسمَّى فاسقًا، فالعموم هنا هو المراد، كأنه قال: أيّ فاسق جاءكم بأي نبأ فمّحصوه، وابحثوا عنه، واعرضوه على محك التصويب والتخطئة قبل البتّ في الحكم، ولا تستعجلوا الأمور. ومنها: الإتيان بصيغة الأمر في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ دلالة على أنهم نزّلوا منزلة الجاهلين لمكانه؛ لتفريطهم فيما يجب من تعظيم شأنه. ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ولم يقل: لو أطاعكم لإفادة الديمومة والاستمرار على أن يعمل ما يرونه صوابًا. ومنها: الطباق بين ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾، وبين الإيمان والكفر في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾. ومنها: أيضًا صيغة المضارع في قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ للدلالة على أنّ امتناع عنتهم لامتناع استمرار طاعته ﷺ ؛ لأنّ عنتهم إنما يلزم من استمرار الطاعة فيما يعنّ لهم من الأمور. ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ بعد قوله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾. ومنها: الطباق بين: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ و ﴿أَصْلِحُوا﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. ومنها: مراعاة المعنى، حيث قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ بواو الجمع؛ لأنّ الطائفتين في معنى القوم والناس، والقياس؛ اقتتلتا بالتثنية، ثمّ مراعاة اللفظ، حيث قال: ﴿بَيْنَهُمَا﴾ بألف التثنية. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أصل الكلام: إنما المؤمنون كالإخوة في وجوب التراحم والتناصر، فحذف وجه الشبه وأداة التشبيه،

стр. 12620

فأصبح بليغًا مع إفادة الجملة الحصر؛ أي: فالآية من التشبيه البليغ المبتنى على تشبيه الإيمان بالأب في كونه سبب الحياة كالأب. ومنها: وضع الظاهر مقام المضمر، مضافًا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح، والتحضيض عليه؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بينهم. ومنها: تخصيص الاثنين بالذكر، في قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية؛ لتضاعف الفتنة والفساد فيه. ومنها: جناس الاشتقاق، في قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ومنها: الإتيان بالجمع في قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ حيث لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة؛ إيذانًا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم على السخرية، واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهّي ويستضحك، على قوله: ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر، وتلْوه في تحمّل الوزر، وكذلك كل من يستطيبه ويضحك منه، فيؤدّي ذلك وإن أوجده واحد إلى تكثير السخرة، وانقلاب الواحد جماعة وقومًا. ومنها: تنكير ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ و ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ إمّا للتعميم أو للتبعيض، والقصد إلى نهي بعضهم عن سخرية بعض. ومنها: عطف الخاص على العامل في، قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأنّه داخل في السخرية، بجعل الخاصّ كأنه جنس آخر للمبالغة، ولهذا قيل: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئِامٌ ... وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ فالسخرية تكون باللسان وبالعين والإشارة، واللمز إنّما يكون باللسان فقط. ومنها: التنكير في قوله: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ إيذانًا بأنّ من الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيّن لذلك، ولا تعيين؛ لئلا يجترىء أحد على ظنّ إلا بعد تأمّل، وبعد نظر وتمحيص.

стр. 12621

ومنها: الاستعارة التمثيلية الرائعة، في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فقد شبَّه من يغتاب غيره بمن يأكل لحم أخيه ميتًا. وفيها مبالغات شتّى: أوّلها: الاستفهام الذي معناه التقرير، كأنه أمر مفروغ منه، مبتوت فيه. وثانيها: جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة. وثالثها: إسناد الفعل إلى كل أحد للإشعار بأنّ أحدًا من الأحدين لا يحبّ ذلك. ورابعها: أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعله أكره اللحوم، وأبعثها على التقزز. وخامسها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتًا، ومن ثم فَصُحَتْ هذه الآية، وأكبرها أصحاب البيان. ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ لأنّه حذف من الأول ما يقابل الثاني، ومن الثاني ما يقابل الأول، والأصل: فإن لم تؤمنوا .. فلا تقولوا: آمنّا, ولكن أسلمتم، فقولوا أسلمنا، كما مر. ومنها: الإتيان بـ: ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ للإشعار بأنّ اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان, ليس في حال إنشائه فقط، بل وفيما يستقبل، فهي كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. ومنها: قصر إفراد وتكذيب، في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾؛ لأن فيه تكذيبًا لأعراب بني أسد، حيث اعتقدوا الشركة، وزعموا أنهم صادقون أيضًا في دعوى الإيمان. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾. ومنها: تذييل مقرر لما قبله بقوله. ﴿وَاللَّهُ﴾ في: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛

стр. 12622

لأنّه تقرير لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. وفيه أيضًا: مزيد تجهيل وتوبيخ لهم، حيث كانوا يجتهدون في ستر أحوالهم وإخفائها. ومنها: في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ...﴾ الآية. فن سماه صاحب "الصناعتين" الاستدراك، وغيره يسميه الاستثناء، هو يتضمن ضربًا من المحاسن زائدًا على ما يدل عليه المدلول اللغويّ، فإن الكلام لو اقتصر فيه على ما دون الاستدراك .. لكان منفّرا لهم؛ لأنّهم ظنّوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقادهما إيمانًا، فأوجبت البلاغة تبيين الإيمان, فاستدرك ما استدركه من الكلام، ليعلم أنّ الإيمان موافقة القلب للسان، ولأنّ انفراد اللسان بذلك يسمّى إسلامًا لا إيمانًا، وزاده إيضاحًا بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وبعضهم يدخل هذا النوع في نطاق فنّ يقال له: جمع المختلفة والمؤتلفة، فإنّهم ظنّوا أنّ الإيمان العمل باللسان ودن العمل بالجنان، فجاء قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ مؤتلفًا لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ وهم يعتقدون أنّ الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وخالف ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وائتلف به قوله مبيّنًا حقيقة الإيمان, وأنه خلاف ما ظنّوا: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع (١). والله أعلم * * *

стр. 12623

خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة مباحث هذه السورة قسمان: قسم: بين النبيّ ﷺ وأمته. وقسم: يخصّ أمّته، وهو: إما ترك للرذائل، وإما تحلية بالفضائل. والقسم الأول: ١ - أن لا يقضي المؤمنون في أمر قبل أن يقضي الله ورسوله فيه. ٢ - الهيبة والإجلال لرسول الله ﷺ ، وأن لا تتجاوز أصواتهم صوته. ٣ - أن لا يخاطبوه باسمه وكنيته. كما يخاطب بعضهم بعضًا، بل يخاطبونه بالنبيّ والرسول. ٤ - أنّ الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله أولئك هم المتقون. ٥ - أنّ من نادوه من وراء الحجرات: كعيينة بن حصن، ومن معه أكثرهم لا يعقلون. ٦ - ذمّ المنّ على الله ورسوله ﷺ بالإيمان. والقسم الثاني هو: ١ - أن لا نسمع كلام الفاسق، حتى نثبّت منه، وتظهر الحقيقة. ٢ - إذا بغت إحدى طائفتين من المؤمنين على أخرى .. وجب قتال الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. ٣ - حبب الصلح بين المؤمنين. ٤ - النهي عن السخرية واللمز والتنابز. ٥ - النهي عن سوء الظنّ بالمسلم، وعن تتبع العورات المستورة، وعن الغيبة والنميمة.

стр. 12624

٦ - الناس جميعًا سواسية، مخلوقون من ذكر وأنثى، لا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى. والله أعلم * * *

стр. 12625

سورة ق سورة ق مكّية كلّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، نزلت بعد المرسلات، وروي عن ابن عباس وقتادة: أنها مكية، إلا آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ فمدنية، وهي أوّل المفصل على الصحيح، وقيل: أوّله من الحجرات، كما هي عند الشافعية. وهي خمس وأربعون آيةً، وثلاث مئة وسبع وخمسون كلمةً، وألف وأربع مئة وأربعة وتسعون حرفًا، وسمّيت سورة ق؛ لبدايتها بحرف ق. الناسخ والمنسوخ: قال محمد بن حزم: وجميعها محكم، إلا آيتين. إحداهما: قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ...﴾ (الآية ٣٩)، نسخ الصبر بآية السيف. الثانية: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ (٤٥ الآية)، نسخ بآية السيف. مناسبتها لما قبلها (١): أنه أشار في آخر السورة السابقة إلى أنّ إيمان أولئك الأعراب لم يكن إيمانًا حقًّا، وذلك يقتضي إنكار النبوّة، وإنكار البعث، وافتتح هذه السورة بما يتعلّق بذلك، وعبارة أبي حيان (٢): مناسبتها لآخر ما قبلها: أنه تعالى أخبر أنّ أولئك الذين قالوا: آمنا لم يكن إيمانهم حقًّا، وانتفاء إيمانهم دليل على إنكار نبوّة الرسول ﷺ ، فقال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. وعدم الإيمان أيضًا يدل على إنكار البعث؛ فلذلك أعقبه به.

стр. 12626

فضلها: ومن فضائلها: ما أخرجه مسلم وغيره عن جابر بن سمرة: أنه ﷺ كان يقرأ سورة ق في الركعة الأولى من صلاة الفجر. ومنها: ما أخرجه أحمد ومسلم، وأبو داود والنسائي عن أبي واقد الليثي: أنه ﷺ كان يقرأ في العيد بقاف واقتربت. ومنها: ما أخرجه أبو داود، والبيهقي وابن ماجه عن أم هشام ابنة حارثة قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله ﷺ كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر، إذا خطب الناس وكل ذلك دليل على أنه كان يقرأ بها في المجامع الكبيرة: كالعيدين والجمع؛ لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور والمعاد والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب، وروي (١) عنه ﷺ : أنه قال: "من قرأ سورة ق .. هوَّن الله عليه ثأرات الموت، وسكراته". والله أعلم * * *

стр. 12627

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾. المناسبة قد قدّمنا آنفًا بيان مناسبة أوّل هذه السورة لآخر السابقة، وأما قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما ذكر (١) أنهم استبعدوا البعث، فقالوا: رجع

стр. 12628

بعيد .. أردف ذلك بالدليل الذي يدحض كلامهم، فإنَّ من خلق السماء، وزينها بالكواكب، وبسط الأرض، وجعل فيها رواسي، وأنبت فيها صنوف النبات، وجعل ذلك تذكرةً وتبصرةً لأولي الألباب، ونزّل من السماء ماءً فأنبت به ناضر الجنان، والزرع المختلف الأصناف والألوان، والنخل الباسق ذا الطلع المتراكم بعضه فوق بعض رزقًا لعباده، وأحيا به الأرض الموات، أفلا يستطيع من هذا شأنه أن يخرج الناس من قبورهم بعد بلاهم، وبعد أن يصيروا عظامًا ورفاتًا، وينشئهم خلقًا آخر في حياة أخرى، وعالم غير هذا العالم؟ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمَّا ذكر تكذيب المشركين للرسول ﷺ .. أردف ذلك بذكر المكذبين للرسل من قبله، وبيان ما آل إليه أمرهم، تسليةً لرسوله ﷺ ، وعبرة لهم، وتنبيهًا إلى أنَّ حاله معهم كحال من تقدمه من الرسل، كُذبوا، فصبروا، فأهلك الله مكذبيهم، ونصرهم، وأعلى كلمتهم، كما قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾. ثم ذكر الدليل على البعث الذي أنكرته الأمم التي كذّبت رسلها، بأنّ من خلق العالم بادىء ذي بدءٍ .. فهو على إعادته أقدر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما استدلَّ على إمكان البعث بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ .. أردف ذلك دليلًا آخر على إمكانه، وهو علمه بما في صدورهم، وعدم خفاء شيء من أمرهم عليه، فإنَّ من كان كذلك لا يبعد أن يعيدهم كرةً أخرى. ثم أخبر بانهم سيعلمون بعد الموت أنّ ما جاء به الدين حقّ لا شكّ فيه، وأنه يوم القيامة تأتي كل نفس ومعها ملكان: أحدهما: سائق لها إلى المحشر.

стр. 12629

والثاني: شهيد عليها، وأنّ الخزنة سيقولون لأهل النار لقد كنتم في غفلة عن حلول هذا اليوم الذي تُوفّي فيه كل نفس جزاء ما عملت، والآن أزلنا عنكم هذه الغفلة، فأبصرتم عاقبة أمركم. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿ق﴾؛ أي: (١) هذه سورة ق؛ أي: مسماة بـ ﴿ق﴾، واختلف في معنى ﴿ق﴾ ما هو؟ فقال يزيد وعكرمة والضحاك: هو اسم جبلٍ محيطٍ بالأرض، من زمردة خضراء اخضرت السماء منه، والسماء مقببة عليه، وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنةٍ وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل، رواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عباس ﵄ قال الفرّاء: كان يجب على هذا القول أن يظهر الإعراب في ﴿ق﴾؛ لأنّه اسمٌ، وكذا على القول الأول. وقال وهب (٢): أشرف ذو القرنين على جبل ق، فرأى تحته جبالًا صغارًا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، ما من مدينة من المدن، ولا قرية من القرى، إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله سبحانه أن يزلزل مدينة .. أمرني، فحركت عرقي ذلك، فتزلزل تلك المدينة، فقال: يا قاف، أخبرني بشيءٍ من عظمة الله تعالى، قال: إنَّ شأن ربنا لعظيم، وإن ورائي أرضًا مسيرة خمس مئة عام في خمس مئة عام من جبال ثلج بعضها يحطم بعضًا، لولا هي .. لاحترقت من حرّ جهنّم، فهذا يدل على أنّ جهنّم على وجه الأرض، والله أعلم بموضعها، وأين هي من الأرض، وقال الزجّاج: معنى قوله: ﴿ق﴾؛ أي: قُضِيَ الأمر، كما قيل: في حم؛ أي: حم الأمر، وقال ابن عباس أيضًا: إنه اسم من أسماء الله تعالى، أقسم به، وعنه أيضًا: أنه اسم من أسماء القرآن، وهو قول قتادة، وقال القرطبي: هو افتتاح أسماء الله ، مثل: القادر والقدير والقديم والقاهر والقهار والقريب والقابض والقدوس والقيّوم؛ أي: أنا القادر إلخ، وقيل: قَسَمٌ أقسم الله به؛ أي: بحق القائم بالقسط، وقال الشعبي: فاتحة السورة، وقال أبو

стр. 12630

بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا ونهينا، ولا تعدهما، وقيل: غير ذلك مما هو أضعف منه. والحق: أنه من المتشابه الذي استأثر الله سبحانه بعلمه، كما حقّقنا ذلك في فاتحة سورة البقرة. وقرأ الجمهور: ﴿ق﴾ بسكون الفاء، وبفتحها عيسى، وبكسرها الحسن وابن أبي إسحاق وأبو السمّال، وبالضم هارون وابن السميقع والحسن أيضًا فيما نقل ابن خالويه، والأصل في حروف المعجم إذا لم تركب مع عامل: أن تكون موقوفةً، فمن فتح القاف .. عدل إلى أخفّ الحركات، ومن كسرها .. فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم .. فكما ضم قط ومنذ وحيث وقبل وبعد وحسب. وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾؛ أي: الشريف الكريم على الله، الكثير الخير والبركة، أو ذي المجد والشرف على سائر الكتب على أن يكون للنسب: كلابن وتامر، ﴿الواو﴾ فيه: للقسم إن قلنا: إنّ ﴿ق﴾ من المتشابه الذي لا نعلم معناه، وهو الأصحّ. والمعنى: أقسمت بالقرآن المجيد، وإن قلنا: إنّ ﴿ق﴾ قسم أقسم به ، فالواو فيه: عاطفة على ما قبله. والمعنى: أقسمت بـ ﴿ق﴾ وبـ ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. ٢ - واختلفوا في جواب القَسَم (١)، فقال الأخفش: إنه محذوف، تقديره: أقسمت بالقرآن المجيد، إنك يا محمد لنبيّ منذر؛ أي؛ مخوّف من عذاب الله تعالى، وقال الكوفيّون: جوابه قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقال ابن كيسان: جوابه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾، وقيل: هو ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾ بتقدير اللام؛ أي: لقد علمنا، وقيل: هو محذوف، تقديره: والقران المجيد، إنا أنزلناه إليك لتنذر به الناس، وقيل: هو محذوف، تقديره: لتبعثّن يدلّ عليه قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا

стр. 12631

مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾. وقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ إضراب عن الجواب المحذوف على اختلاف الأقوال، وقوله: ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ في موضع نصب على تقدير مِن؛ أي: (١) بل عجيب كفّار مكة، ومتعنّتوهم من أن جاءهم رسول منذر من عذاب الله من جنسهم، لا من جنس الملك، وهو محمد ﷺ ؛ أي: إنهم شكّوا فيه، ولم يكتفوا بالشكّ والتردّد، بل جزموا بالخلاف، حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقال بعضهم: جواب القسم محذوف، ودليل ذلك قوله: ﴿بَلْ﴾؛ لأنّه لنفي ما قبله، فدلّ على نفي مضمر، تقديره: أقسم بجبل قاف الذي به بقاء دنياكم، وبالقرآن الذي به بقاء دينكم ما كذّبوك ببرهان، ولا بمعرفةٍ بكذبك بل عجبوا، إلخ. والعجب: نظر النفس لأمر خارج عن العادة. ثمّ فسّر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فهو تفسير لتعجّبهم، وبيان لكونه مقارنًا لغاية الإنكار، وهذا إشارة إلى كونه ﷺ منذرًا بالقرآن. وحاصله: كون النذير منّا خصص بالرسالة من دوننا، وكون ما أنذر به هو البعث بعد موت كل شيء, بليغ في الخروج عن العادة إشكاله، وهو من فرط جهلهم؛ لأنهم عجبوا أن يكون الرسول بشرًا، وأوجبوا أن يكون الإله حجرًا، وأنكروا البعث مع أنّ أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه، وإحياء الأرض بعد موتها، وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ذلك. ثمّ إنّ (٢) إضمار الكافرين أوّلًا في قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾؛ للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم من المقال، وأنه إذا ذكر شيء خارج عن سنن الاستقامة .. انصرف إليهم إذ لا يصدر إلا عنهم، فلا حاجة إلى إظهار ذكرهم، وإظهارهم ثانيًا بقوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه.

стр. 12632

والمعنى: يقول الله سبحانه (١): أقسم بكتابي الكثير الخير والبركة، إنّك أيها الرسول جئتهم منذرًا بالبعث فلم يقبلوا, ولم يكتفوا بالشك في أمرك، وردّ رسالتك، بل جزموا بنفيها، وجعلوها من عجائب الأمور التي تستحق الدهشة، وتثير التأمّل والاعتبار، فقال المكذبون بالله ورسوله من قريش إذ جاءهم منذر منهم: هذا شيء عجيب؛ أي: إنّ مجيء رجل منّا برسالة من الله إلينا أمر عجيب، هلا أنزل إلينا ملكًا، فيكون لنا نذيرًا، كما حكى عنهم من قولهم: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ وقوله حكاية عنهم: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. ٣ - وبعد أن أظهروا التعجب من رسالته، أظهروا استبعاد ما جاء به، فقالوا: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾؛ أي: أنرجع ونبعث حين فارقت أَرواحنا أجسامنا، وصرنا ترابًا كما يقول النذير؛ أي: لا نرجع ولا نبعث. ﴿ذَلِكَ﴾ البعث والرجوع بعد الموت لـ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ عن الأوهام، لا يصدّقه العقل، وتحيله العادة. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي: بكسر ميم ﴿مِتْنَا﴾، والباقون: ﴿مُتْنَا﴾ بالضم، وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَإِذَا﴾ بهمزة الاستفهام الإنكاري، وهو على تفصيلهم في تحقيق الثانية وتسهيلها والفصل بينهما، وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر وابن وثّاب والأعمش، وابن عتبة عن ابن عامر: ﴿إِذا﴾ بهمزة واحدة على صورة الخبر، فجاز أن يكون استفهامًا، حذفت منه الهمزة كقراءة الجمهور، وجاز أن يكونوا عدلوا إلى الخبر، وأضمر جواب إذا؛ أي: إذا متنا وكنا ترابًا .. رجعنا، وهمزة الاستفهام على قراءة الجمهور: داخلة على محذوف، دلّ عليه ما بعده، وهو العام في الظرف؛ أي: أنبعث ونرجع إذا متنا، وصرنا ترابًا لا فرق بينتا وبين تراب الأرض، كما يقول النذير، والمنذر به مع كمال التباين بيننا وبين الحياة حينئذٍ؛ أي: لا نرجع ولا نبعث. ﴿ذَلِكَ﴾ المرجع والبعث ﴿رَجْعٌ﴾؛ أي:

стр. 12633

ردّ إلى الحياة، وإلى ما كنّا عليه. ﴿بَعِيدٌ﴾ جدًّا عن الأوهام، أو عن العادة، أو عن الإمكان أو عن الصدق غير كائن؛ لأنه لا يمكن تمييز ترابنا عن بقية التراب. ٤ - ثم ردّ سبحانه ما قالوه، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ نحن ﴿مَا تَنْقُصُ﴾ وتأكل ﴿الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أجسادهم، فلا يضلّ عنّا شيء من ذلك، ومن أحاط علمه بكل شيء، حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور، لا يصعب عليه البعث، ولا يستبعد منه، وهذا (١) رد لاستبعادهم، وإزاحة له؛ أي: نحن على ذلك في غاية القدرة، فإنّ من عمّ علمه ولطفه، حتى انتهى إلى حيث علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وتأكل من لحومهم وعظامهم .. كيف يستبعد رجعه إياهم أحياء كما كانوا؟! وعبّر بمن في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ لأنّ الأرض لا تأكل عجيب الذنب، فإنه كالبذر لأجسام بني آدم، وفي الحديث: "كل ابن آدم يبلى إلا عجيب الذنب، فمنه خلق وفيه يركب". والعجب بفتح العين وسكون الجيم: أصل الذنب، ومؤخر كل شيء، وهو هاهنا عظم لا جوف له، قدر ذرة أو خردلة، يبقى من البدن ولا يبلى، فإذا أراد الله سبحانه الإعادة. ركّب على ذلك العظم سائر البدن وأحياه؛ أي: غيْر أبدان الأنبياء والصديقين والشهداء، فإنها لا تبلى، ولا تتفسخ إلى يوم القيامة، على ما نصت به الأخبار الصحيحة. والأصح في كيفية الإعاة (٢)، كما دلّ عليه الخبر الصحيح: أنّ السماء تمطر مطرًا شبه المنيّ، فينشأ منه النشأة الآخرة، كما أنّ النشأة الدنيا من نقطة تنزل من بحر الحياة إلى أصلاب الآباء، ومنها إلى أرحام الأمّهات، فيتكون من قطر بحر الحياة تلك النقطة جسد في الرحم. والخلاصة (٣): أي قد علمنا تأكل الأرض من لحوم موتاهم وعظامهم، ولا يخفى علينا أين تفرّقت الأبدان، وأين ذهبت، وإلى أين صارت، فلا يصعب البعث ولا يستبعد.

стр. 12634

ثم أكد علمه بجميع الأشياء، فقال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾؛ أي: وعندنا كتاب حافظ، ضابط لتفاصيل الأشياء كلها، أو محفوظ عن التغيير، وهذا إما تمثيل لحال علمه تعالى للكائنات جميعًا علمًا كاملًا بعلم من عنده كتاب حفيظ، يتلقّى منه كل شيء، فيضبط ما يعلم أتم الضبط، ويحصيه أكمل الإحصاء، أو تأكيد لعلمه بها، بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده. ٥ - ثمّ حكى عنهم ما هو أفظع من تعجّبهم، وهو تكذيبهم بالنبوّة الثابتة بالمعجزات من أوّل وهلة بلا تدبّر ولا تفكر، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ وهذا إضراب وانتقال من بيان شناعتهم السابقة إلى بيان ما هو أشنع منه وأفظع، وهو تكذيبهم بالنبوّة الثابتة بالمعجزات الباهرة، فالأفظعيّة لكون الثاني تكذيبًا للأمر الثابت من غير تدبّر، بخلاف الأول، فإنه تعجّب؛ أي: بل كذّبوا بالحق الذي جاءهم، وهو محمد ﷺ ، أو القرآن. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حين جاءهم الحق من غير تأمّل وتفكر تقليدا للآباء، وبعد التأمل تمردًّا وعنادًا، وجاء بكلمة التوقع إشعارًا بأنّهم علموا بعد علو شأنه، وإعجازه الشاهد على حقيقته، فكذّبوا به بغيًا وحسدًا. وقرأ الجمهور: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ بفتح اللام وتشديد الميم، وقرأ الجحدري: بكسر اللام وتخفيف الميم، فاللام حرف جرٍ وما مصدرية، واللام كهي في قولهم: كتبته لخمس خلون من كذا؛ أي: عند مجيئه إياهم. ذكره في "البحر". ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: كفار مكة ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: في أمر مختلط مضطرب عليهم، من مرج الخاتم في إصبعه: إذا اضطرب عليها من سعته بسبب الهزال؛ أي (١): في أمر مضطرب لا قرار له، من غلبات آفات الحس والوهم والخيال على عقولهم، فلا يهتدون إلى الحق، ولذا يقولون تارةً: إنه شاعر، وتارةً ساحر، وأخرى كاهن، ومرّة مفترٍ، لا يثبتون على شيء واحد، وهذا اضطرابهم في شأن النبيّ ﷺ صريحًا، ويتضمن ذلك اضطرابهم في شأن القرآن أيضًا، فإنّ نسبتهم

стр. 12635

إياه إلى الشعر ونحوه إنما هي بسببه. واعلم: أنّ الاضطراب موجب للاختلاف، وذلك أدلّ دليل على البطلان، كما أنّ الثبات والخلوص موجب للاتفاق، وذلك أدل دليل على الحقِّية، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم، وكذا قال قتادة، وزاد: والتبس عليهم دينهم، وعن عليّ ﵁ قال له يهودي: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم، فقال: إنّما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر، حتى قلتم لنبيكم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والمعنى: أي بل كذبوا (١) بالنبوّة التي قامت الأدلة على صدقها، وأيدتها المعجزات الباهرة، وهم إذا كذّبوا بها .. فقد كذّبوا بما أنبأ الرسول من البعث وغيره، ولا شك أنّ هذا الإنكار أعظم جرمًا، وأشد بلية من الإنكار بما جاء به الرسول، إذ به أنكروا الصلة الروحية بين الله سبحانه وبين من يصطفيه من خلقه من ذوي النفوس الصافية، وأرباب الأرواح العالية. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: فهم في قلقٍ واضطرابٍ، فتارة ينفون الرسالة عن البشر، وأخرى يزعمون أنها لا تليق إلا بأهل الجاه والرياسة، كما ينبىء بهذا قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. وثالثة يقولون: إنها سحر أو كهانة، إذ قالوا للنبيّ ﷺ : ساحر أو كاهن إلى نحو ذلك من أقاويلهم، التي تدل على اضطراب في الأمر، وقلق في الفكر، فهم لا يدرون ماذا يفعلون حين جاءهم النذير الذي أقضَّ مضاجعهم، وجعلهم حيارى دهشين، إلام هم صائرون، وإلى أي منقلبٍ ينقلبون. ٦ - و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾: للاستفهام (٢) التوبيخيّ: داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا فلم ينظروا حين كفروا بالبعث ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ بحيث يشاهدونها كل وقت؛ أي: فلم ينظروا إلى آثار قدرة الله في خلق العالم، وإيجاده من العدم إلى الوجود،

стр. 12636

و ﴿فَوْقَهُمْ﴾: ظرف لـ ﴿يَنْظُرُوا﴾، أو حال من ﴿السَّمَاءِ﴾؛ أي: كيف غفلوا عن النظر إلى السماء فوقهم. ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي: كيف رفعناها، وجعلناها على هذه الصفة، مرفوعة كالخيمة بغير عمد تعتمد عليه. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بما جعلنا فيها من الكواكب المرتبة على نظام بديع. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾؛ أي: فتوق وشقوق، وصدوع لملاستها وسلامتها من كل عيب وخلل، كما قال: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ وهذا (١) لا ينفي وجود الأبواب والمصاعد فيها، فإنها ليست من قبيل العيب والخلل، ولعل تأخير هذا لمراعاة الفواصل، والفروج: جمع فرج، وهو: الشق بين الشيثين كفرجة الحائط، كما سيأتي في مبحث المفردات. والمعنى: أي (٢) أفلم ينظر هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت، المنكرون قدرتنا على إحيائهم بعد البلى إلى السماء فوقهم، كيف رفعناها بلا عمد، وزيّنّاها بالكواكب، وما لها من فتوق، فهي ملساء متلاصقة الطباق، وهذا هو الرأي الحديث في عالم السموات، إذ يقولون: إنّ هناك عالمًا لطيفًا أرقَّ من الهواء، وألطف من كل ما نراه، وهو مبدأ كل شيء، وأول كل شيء، وهو العالم المسمى بالأثير، وهذا العالم وإن لم يره الناس، فقد عرفوه من وصول أضواء الكواكب إلينا، فإنَّ من الكواكب ما لا يصل ضوؤه إلينا إلا فيما يزيد على ألف ألف سنة، ونور الشمس التي تبعد عنا مقدار سير القطار إليها, لو أمكن في نحو خمس وستين وثلاث مئة سنة، يصل إلينا في مدة ثمان دقائق وثماني عشرة ثانية، فانظر كيف يكون بعد تلك الكواكب التي تحتاج يسير النور إلى مليون سنةٍ ونصف مليون، ألا يدل هذا على أنّ ذلك الضوء محمول على شيء موجود، وهو الأثير، فلو أنَّ طبقة من الطبقات لم يكن فيها الأثير .. لانقطع سير النور إلى الأرض ولم نره، وهذا ما يشير إليه الكتاب بقوله: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ فلو كان هناك فروج تتخلل السموات .. لانقطع سير النور إلينا، وآراء الجهلة في كل أمة أن كل سماء منفصلة عن الأخرى، وبينهما فضاء كما يظن لأول وهلة فيما بيننا وبين السماء، فجاء الكتاب الكريم، وعكس هذه القضية، وقال: لا فروج في السماء؛ أي: لا

стр. 12637

خلاء في العالم، وفي المقام خلاف طويل لا مستند له. ٧ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾؛ أي (١): بسطناها، وفرشناها على وجه الماء مسيرة خمس مئة عام من تحت الكعبة، وهذا دليل على أنّ الأرض مبسوطة، وليست على شكل الكرة، كما في "كشف الأسرار"، وفيه أنه لا منافاة بين بساطتها وكرويتها، كما عرف في محله. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت أرسيت بها الأرض، إذ لو لم تكن .. لكانت مضطربةً مائلةً إلى الجهات المختلفة، كما كانت قبل، إذ روي: أنّ الله لمّا خلق الأرض .. جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحدٍ على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، لم تدر الملائكة مم خلقت، من رسا الشيء إذا ثبت، والتعبير عنها بهذا الوصف؛ للإيذان بأنّ إلقاءها لإرساء الأرض بها. ﴿وَأَنْبَتْنَا﴾؛ أي: وأخرجنا ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: من كل صنف، وقوله في آية أخرى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾؛ أي: أنواعًا متشابهة. ﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسنٍ طيب من الثمار والنباتات والأشجار، كما قال في موضع آخر: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾؛ أي: يبتهج به؛ أي: يسر، والبهجة: حسن اللون، وظهور السرور فيه. والمعنى (٢): أي والأرض بسطناها، وألقينا فيها جبالًا ثوابت، لئلا تميد وتضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف من صنوف النبات ما حسن منظره، وراق مخبره. ٨ - وقوله: ﴿تَبْصِرَةً﴾؛ أي: تعليمًا منّا، وتفهيمًا لكل عبد منيب كيفية الاستدلال على قدرتنا. ﴿وَذِكْرَى﴾؛ أي: تذكرة منّا، وعظة لكل عبد منيب، مفعولان لأجله لبنيناها وما بعده، وقوله: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾؛ أي: راجع إلى الله بالتوبة، متدبر في بديع صنعه، وعجائب مخلوقاته، متعلق بكل من المصدرين؛ أي: فعلنا البناء والتزيين، وما بعدهما تعليمًا منّا، وعظةً لكل عبد منيب.

стр. 12638

وفي "الخطيب": تنبيه: قال الرازي: يحتمل (١) أن يكون المصدران عائدين إلى السماء والأرض؛ أي: خلقنا السماء تبصرة، وخلقنا الأرض ذكرى، ويدلّ على ذلك أنّ السماء وزينتها غير متجددة في كل عام، فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفتها فتذكِّر، فالسماء تبصرة، والأرض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من المصدرين موجودًا في كل واحد من الأمرين، فالسماء تبصرة وتذكرة، والأرض كذلك، والفرق بين التذكرة والتبصرة: هو أنّ فيهما آياتٍ مستمرّة منصوبةً في مقابلة البصائر، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي، وقال الزجاج: منصوبان بفعل مقدر؛ أي: فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير، وقال أبو حاتم: انتصبا على المصدرية؛ أي: جعلنا ذلك تبصرةً وذكرى، وفي سياق (٢) هذه الآيات تذكير لمنكري البعث، وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك، وعدم امتناعه، فإن القادر على مثل هذه الأمور، يقدر عليه، وهكذا قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ...﴾ إلخ. وفي قوله: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: إشارة (٣) إلى أنّ الوصول إلى مقام التبصرة والذكرى إنما هو بالعبودية، والإنابة التي هي مبنى الشريعة وأساسها، وقال بعضهم: التبصرة، معرفة منن الله عليه، والذكرى عدّها على نفسه في كل حال ليشتغل بالشكر فيما عومل به عن النظر إلى شيء من معاملته. وقرأ الجمهور (٤): ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ بالنصب، وهما منصوبان بفعل مضمر من لفظهما؛ أي: بصر وذكر، وقرأ زيد بن عليّ ﴿تبصرة﴾ بالرفع، و ﴿ذكرى﴾ معطوف عليه؛ أي: ذلك الخلق على ذلك الوصف تبصرة. والمعنى: يتبصر بذلك، ويتذكر كل عبد منيب؛ أي: راجع إلى ربه، مفكر في بدائع صنعه. والمعنى: فعلنا ذلك لتبصرة العبد المنيب وادّكاره فإنّ رفْعنا السماء وتزيينها بالكواكب؛ فلاستبصاره، وإنّ بسْطنا الأرض وإرساء الجبال وإنبات النبات؛

стр. 12639

فلاعتباره. ٩ - ﴿وَنَزَّلْنَا﴾ عبر بصيغة التفعيل لإفادة التكرير ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أي: نزلنا من السماء ماء كثير البركة والخير لانتفاع الناس به في غالب أمورهم؛ أي: أنزلنا ماءً كثير المنافع حياة الأناسي والدواب والأرض الميتة، وفي "كشف الأسرار": مطرًا يثبت في أجزاء الأرض، فينبع طول السنة. ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾؛ أي: أخرجنا بذلك الماء ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين كثيرة؛ أي: أشجارًا ذوات ثمار، فذكر المحل وأراد الحال، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ أي: وحبَّ الزرع المحصود، فهو (١) من حذف الموصوف وإقامة صفته على ما هو المختار عند البصريين، كباب الجامع؛ أي: المسجد الجامع، لئلّا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، وأصل الحصد: قطع الزرع، والحصيد بمعنى المحصود، وهو هنا مجاز باعتبار الأول. والمعنى: وحبّ الزرع الذي شأنه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما، مما يقتات به، وتخصيص إنبات حبه بالذكر؛ لأنه المقصود بالذات. ١٠ - ﴿وَالنَّخْلَ﴾ معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾ وتخصيصها بالذكر، مع اندارجها في الجنات؛ لبيان فضلها على سائر الأشجار، وقد سبق بعض أوصافها في سورة يس، وتوسيط الحبّ بينهما؛ لتأكيد استقلالها، وامتيازها عن البقية، مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وقوله: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾؛ أي: طوالًا في السماء عجيبة الخلق، حال مقدّرة من ﴿النخل﴾. فإنها وقت الإنبات لم تكن طوالًا، من بسقت الشجرة سوقًا إذا طالت، ويجوز أن يكون معنى ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت، فيكون من باب أفعل، فهو فاعل. وجملة قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾؛ أي: منضود متراكم بعضه فوق بعض، حال مقدرة من النخل أيضًا، والمراد: (٢) تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر،

стр. 12640

وذلك قبل أن ينفتح، فهو نضيد في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه. فليس بنضيد، والطلع: شيء يخرج من النخل، كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو هو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وقشره يسمى الكفرة بضم الكاف والفاء معا، وتشديد الراء، وما في داخله الإغريض؛ لبياضه، كما في "القاموس". ١١ - وقوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ علة لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾؛ أي: فأنبتنا هذه الأشياء لرزقهم، أو منصوب بفعله المحذوف؛ أي: رزقناهم رزقًا، والأول أولى وأوضح، وفي تعليله بذلك بعد تعليل أنبتنا الأول بالتبصرة، والتذكرة، تنبيه على أنَّ الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار أهم، وأقدم من تمتعه به من حيث الرزق. والمقصود من الآية الأولى: هو الاستدلال على القدرة بأعظم الأجرام، كما دل عليه النظر، وذكر الإنبات فيها بطريق التبع، فناسب التعليل بالتبصرة والتذكير، ومن الثانية بيان الانتفاع بمنافع تلك الأجرام، فناسب التعليل بالرزق، ولذا أخرت عن الأولى, لأنَّ منافع الشيء مترتبة على خلقه، قال أبو عبيدة: نخل الجنة نضيد ما بين أصلها إلى فرعها، بخلاف نخل الدنيا، فإن ثمارها في رؤوسها، كلما نزعت رطبة عادت ألين من الزبد، وأحلى من العسل، فنخل الدنيا تذكير لنخل الجنة، وفي كل منهما رزق للعباد، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. والمعنى (١): ونزلنا من السماء ماء كثير المنافع، إذ أنبتنا به جنات غناء، وحدائق فيحاء، وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالشعير، والقمح وغيرهما، وأنبتنا به النخل الطوال التي لها طلع منضود، متراكم بعضه فوق بعض، لأقوات العباد وأرزاقهم، ولم يقيد العباد هنا بالإنابة كما قيد به في قوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾؛ لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق
следующие страницы →