﴿يمت﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾: مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يمت﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَبِطَتْ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: الواو: عاطفة ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿من﴾ الشرطية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، وهو خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب، حال من ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ تقديره: حالة كونهم مقدرين الخلود فيها، أو حال من ﴿النَّارِ﴾؛ تقديره: حالة كونها مقدرًا خلودهم فيها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل النصب معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول. ﴿هَاجَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَجَاهَدُوا﴾: معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جَاهَدُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ؛ تقديره: أولئك راجون رحمت الله، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
стр. 1297
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: وحَسِب من باب فَعِل المكسور، وفي مضارعه وجهان: الفتح على القياس، والكسر على الشذوذ، ومعناها الظن، وقد تستعمل لليقين كقوله.
حَسِبْتُ التُّقَى وَالْجُوْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاوَيًا
وفي "المصباح" يقال: حسبت زيدًا قائمًا أحسَبه - من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حسبانًا بالكسر بمعنى ظننته، وحسبت المال حسبًا - من باب قتل - أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبةً بالكسر، وحُسبانًا بالضم. انتهى.
﴿خَلَوْا﴾: أصله خلووا؛ لأنه من الأفعال المعتلة بالواو كدعا وغزا، تحركت ﴿الواو﴾ وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار خلوا.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ يقال: زلزل الله الأرض زلزلةً وزلزالًا بالكسر، فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، والزلزلة: شدة التحريك يكون في الأشخاص والأحوال، وقال الزجاج: أصل الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت: زلزلته .. فمعناه كررت زلله من مكانه، فهو من الثلاثي المزيد بالتضعيف والتكرير؛ لأن أصله زل.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، وهما لغتان بمعنى، وقيل: بالفتح مصدر بمعنى الكراهية، وبالضم اسم مصدر بمعنى المشقة، يقال: كرهت الشيء كُرهًا وكَرهًا، وكَراهةً وكَراهيةً، وأكرهته عليه إكراهًا.
﴿صد﴾ الصد: المنع والطرد، يقال: صده عن الشيء يصده صدًّا - من باب شدّ - إذا منعه منه، فهو من المضاعف المعدى الذي لم يسمع فيه إلا القياس الذي هو ضم عين المضارع.
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ﴾ بالفك؛ لأنه لما سكنت الدال الثانية للجازم .. تعذر تسكين
стр. 1298
الأول؛ لئلا يجتمع ساكنان.
البلاغة
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ﴾: فيه إيجاز بالحذف، والأصل: فاختلفوا، فبعث الله النبيين.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾: فيه مجاز عقلي إن عاد الضمير إلى الكتاب من إسناد ما للفاعل إلى المفعول، وقوله ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ إظهار في مقام الإضمار، لزيادة التعيين.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعة مقدرة بمعنى بل التي في ضمنها الانتقال من أخبار إلى أخبار، وبمعنى الهمزة التي في ضمنها الإنكار والتوبيخ، والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تحسبوا هذا الحسبان، ولم حسبتموه؟ والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر، وحضهم عليه.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾: فيه إيجاز بالحذف؛ لأن فيه حذف مضاف وحذف موصوف؛ تقديره: ولما يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خلوا﴾، وهو كالتأكيد لمعنى ﴿خَلَوْا﴾ فإن القبلية مفهومة من قوله: ﴿خَلَوْا﴾.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ بالنصب على قراءة الجمهور على أن ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، وأن مضمرة بعدها؛ أي: إلى أن يقول الرسول، فهي غاية لما تقدم من المس والزلزال، وحتى إنما ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلًا، وهذا قد وقع ومضى، والجواب: أنه على حكاية الحال الماضية، وبالرفع: فعلى قراءة نافع على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها، والحال لا ينصب بعد حتى ولا غيرها؛ لأن الناصب مخلص للاستقبال فتنافيا، واعلم أن حتى إذا وقع بعدها فعل .. فإما أن يكون حالًا أو مستقبلًا أو ماضيًا، فإن كان حالًا .. رفع نحو مرض زيد حتى لا يرجونه؛ أي: في الحال، وإن كان مستقبلًا .. نصب تقول: سرت حتى أدخل البلد، وأنت لم تدخل بعد، وإن كان ماضيًا .. فتحكيه ثم
стр. 1299
حكايتك له؛ إما أن تكون بحسب كونه مستقبلًا، فتنصبه على حكاية هذا الحال، وإما أن يكون بحسب كونه حالًا، فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجمهور حكاية حال، وفي قراءة نافع حكاية حال أيضًا، وإنما نبهت على ذلك؛ لأن عبارة بعضهم تخصص حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصها بقراءة نافع.
ومعنى حكاية الحال الماضية: أن يفرض ويقدر الواقع في الماضي واقعًا وقت التكلم، ويخبر عنه بالمضارع الدال على الحال.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ في هذه الجملة عدة مؤكدات:
الأول: بدء الجملة بأداة الاستفتاح.
الثاني: ذكر إن.
الثالث: إيثار الجملة الإسمية.
الرابع: إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شيء.
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ بين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمى عندهم بالمقابلة، فقد قابل بين الكراهية والحب، وبين الخير والشر.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: فيه طباق بالسلب.
والله أعلم
* * *
стр. 1300
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون، فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين وما بعدهما، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله .. ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر؛ إذ هما أيضًا من مصارف المال، ومع مداومتهما قَلَّ أن يبقى مال فتتصدق به أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر، وكان تركهما مدعاة إلى تنمية المال، وذكر السؤال عن النفقة، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم .. ناسب ذلك النظر في
стр. 1301
حال اليتيم وحفظ ماله وتنميته واصلاح اليتيم بالنظر في تربيته، فالجامع بين الآيتين: أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوال أنفسهم، وفي النظر في حال اليتامى إصلاحًا لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه، فيكونون قد جمعوا بين النفع لأنفسهم ولغيرهم، والظاهر أن السائل جمع بين الاثنين بواو الجمع.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر تعالى حكم اليتامى في المخالطة، وكانت تقتضي المناكحة وغيرها مما يسمى مخالطة، حتى أن بعضهم فسرها بالمصاهرة فقط، وكان في اليتامى من يكون من أولاد الكفار .. نهى الله تعالى عن مناكحة المشركات والمشركين، وأشار إلى العلة المسوغة للنكاح؛ وهي الأخوّة الدينية، فنهى عن نكاح من لم تكن فيه هذه الأخوّة، واندرج يتامى الكفار في عموم من أشرك.
وفيها مناسبة أخرى أيضًا وهي: أنه لما تقدم حكم الشرب في الخمر والأكل في الميسر .. ذكر حكم المنكح، فكما حرم الخمر من المشروبات وما يجر إليه الميسر من المأكولات .. حرم المشركات من المنكوحات.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): هو أنه لما نهى عن مناكحة الكفار، وتضمن مناكحة أهل الإيمان وإيثار ذلك .. بين حكمًا عظيمًا من أحكام النكاح، وهو نكاح في زمان الحيض.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بتقوى الله تعالى وحذرهم يوم الميعاد .. نهاهم عن ابتذال اسمه، وجعله معرضًا لما يحلفون عليه دائمًا؛ لأن من يُتقى ويُحذر تجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير، عظيم أو حقير؛ لأن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمحلوف به.
وفيه مناسبة أخرى أيضًا: وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من الخمر والميسر، وإنفاق العفو، وأمر اليتامى، ونكاح من
стр. 1302
أشرك، وحال وطيء الحائض .. أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم، فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...﴾ سبب نزولها: أنه جاء جماعة من الأنصار فيهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، ومسلبة للمال، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...﴾ الآية.
قوله تعالى (١): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ...﴾ سبب نزولها: أنه أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن نفرًا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله .. أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ...﴾.
وأخرج أيضًا عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل، وثعلبة ﵄ أتيا رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من أموالنا، فأنزل الله هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ...﴾ أخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ...﴾ الآية، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم؛ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ...﴾ أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والواحدي عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنوي،
стр. 1303
استأذن النبي ﷺ في عناق أن يتزوجها، وهي مشركة، وكانت ذات حظ وجمال؛ فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ...﴾ الآية، سبب نزولها: أنه أخرج الواحدي من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة ﵁، كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل، فطعن عليه ناس، وقالوا: ينكح أمه، فأنزل الله هذه الآية، وأخرجه ابن جرير عن السدي منقطعًا.
قوله تعالى (١): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ...﴾ الآية، روى مسلم، والترمذي عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ..﴾ الآية، فقال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه! فجاء أسد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، حتى ظننا أن قد وجد (٢) عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. أخرجه الترمذي - وقال: هذا حديث حسن صحيح - وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطيالسي.
قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...﴾ الآية، روى الشيخان، وأبو داود، والترمذي عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما أهلكك"؟ قال: حولت
стр. 1304
رحلي الليلة، فلم يزد عليه شيئًا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ...﴾ أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية، أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال: حدثت أن قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية، نزلت في أبي بكر في شأن مسطح.
التفسير وأوجه القراءة
٢١٩ - ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألك أصحابك يا محمَّد ﴿عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ أي: عن حكم تناولهما وتعاطيهما، وأصل (١) الخمر في اللغة: الستر والتغطية، وسميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، وقيل: لأنها تستره وتغطيه، وشرعًا: عبارة عن عصير العنب النيء الشديد الذي قذف بالزبد، وكذلك نقيع الزبيب والتمر، والمتخذ من العسل والحنطة والشعير والأرز والذرة، وكل ما أسكر فهو خمر، قاله الشافعي. وقال أبو حنيفة: الخمر من العنب والرطب ونقيع التمر والزبيب، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه .. حل شربه، والمسكر منه حرام، واحتج على ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى بعض عماله أن أرزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي. وفي رواية: أما بعد: فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان، فإن له اثنين ولكم واحد. أخرجه النسائي، والطِلاء - بكسر الطاء والمد -: الشراب المطبوخ من عصير العنب الذي ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه.
وأصل الميسر في اللغة: مصدر ميمي بمعنى اليسر، سمي القمار بالميسر؛ لما فيه من أخذ المال بسهولة من غير تعب، وشرعًا: هو القمار وهو آلات الملاهي التي يلعب بها في نظير مال، فيشمل الطاب والشطرنج والنرد وغيرها، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وأما إن كان بغير مال: ففيه خلاف بين العلماء، فقيل: كبيرة، وقيل: صغيرة، وقيل: مكروه، وحدّه بعضهم: هو كل
стр. 1305
لعب تردد بين غُنم وغُرم، وفي مصحف عبد الله وقراءته شذوذًا ﴿أكثر﴾ بالثاء المثلثة، وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو؛ فمنه النرد والشطرنج وآلات الملاهي كلها، وميسر القمار؛ وهو ما يتخاطر الناس عليه، وقال القاسم: كل شيء ألهى عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو ميسر. ذكره أبو حيان.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿فِيهِمَا﴾؛ أي: في تعاطيهما ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: عظيم بعد التحريم، لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش وإتلاف المال، ولأن الخمر مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا، وقرأ حمزة والكسائي ﴿كثير﴾ بالثاء المثلثة. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قبل التحريم: بالتجارة فيها، وباللذة والفرج وتصفية اللون، وحمل البخيل على الكرم، وزوال الهم، وهضم الطعام، وتقوية الباءة، وتشجيع الجبان في شرب الخمر، وإصابة المال بلا كد ولا تعب في الميسر والقمار، قيل: بما أن الواحد منهم كان يقمر في المجلس الواحد مئة بعير، فيحصل له المال الكثير، وربما كان يصرفه إلى المحتاجين، فيكسب بذلك الثناء والمدح، وهو المنفعة ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ بعد التحريم ومفاسدهما بعده ﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ قبل التحريم، وقرىء شذوذًا: ﴿أقرب من نفعهما﴾؛ يعني: المفاسد (١) التي تنشأ عنهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما. وقيل (٢): إثمهما، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ فهذه ذنوب يترتب عليها آثام كبيرة بسبب الخمر والميسر.
وجملة القول في تحريم الخمر: أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فكان المسلمون يشربونها في أول الإِسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة في جواب سؤال عمر ومعاذ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فتركها قوم لقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وشربها قوم لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ثم إن عبد الرحمن
стр. 1306
بن عوف ﵁ صنع طعامًا، ودعا إليه ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأطعمهم وسقاهم الخمر، وحضرت صلاة المغرب، فقدموا أحدهم يصلي بهم، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون﴾ - بحذف حرف لا إلى آخر السورة؛ فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فحرم الله السكر في أوقات الصلاة، فكان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء، فيصبح وقد زال سكره، فيصلي الصبح ويشربها بعد صلاة الصبح، فيصحوا وقت صلاة الظهر، ثم إن عتبان بن مالك اتخذ صنيعًا - يعني: وليمة - ودعا رجالًا من المسلمين، وفيهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد سوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، فافتخروا عند ذلك وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحى البعير، فضرب به رأس سعد، فشجه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ ، وشكا إليه الأنصاري، فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا؛ فأنزل الله الآية التي في المائدة إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال عمر: انتهينا يا رب، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام.
والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرًا، فعلم أنه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة .. لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل هذا التدريج، وهذا الرفق. قال أنس ﵁: حرمت الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر.
روى الشيخان عن أنس ﵁ قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم، وإني لقائم أسقي أبا طلحة، وأبا أيوب، وفلانًا وفلانًا؛ إذ جاء رجل فقال: حرمت الخمر، فقالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر هذا الرجل. الفضيخ - بالضاد والخاء المعجمتين -: شراب يتخذ من بسر مطبوخ، والإهراق: الصب، والقلال - جمع قلة -: وهي الجرة الكبيرة.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألك أصحابك يا محمَّد ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: قدر ما
стр. 1307
ينفقونه من أموالهم، وذلك أن رسول الله ﷺ حضهم على الصدقة، فقالوا: ماذا ننفق؟ قيل: سائله أيضًا عمرو بن الجموح، سأل أولًا عن المنفق والمصرف، ثم سأل عن كيفية الإنفاق، وقيل: السائل معاذ بن جبل وثعلبة، وقال الرازي: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق، ويدلان على عظيم ثوابه .. سألوا عن مقدار ما كلفوا به: هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله تعالى أن العفو؛ أي: الفاضل عن الكفاية مقبول. ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمَّد في الجواب أنفقوا ﴿الْعَفْوَ﴾؛ أي: المال الفاضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله، ومن تلزمه مؤنتهم، فكان (١) الرجل منهم بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه، وينفق باقيه إلى أن فرضت الزكاة، فنَسخت آية الزكاة التي في براءة هذه الآية، وكل صدقة أمروا بها قبل الزكاة، وقراءة الجمهور بالنصب، وقرأ أبو عمر وحده ﴿العفوُ﴾ بالرفع.
وقال الشوكاني: والعفو هو ما سهل وتيسر، ولم يشق على القلب، والمعنى على النصب: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تجهدوا فيه أنفسكم، وعلى الرفع: الذي أُمرتم بإنفاقه هو العفو؛ أي: ما فضل عن نفقة العيال ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين الله لكم قدر المنفق، وحكم الخمر والميسر بأن فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الدالة على الأحكام
٢٢٠ - الشرعية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لكي تتأملوا ﴿في﴾ أحوال ﴿الدُّنْيَا﴾ فتعرفوا أنها فانية، فتزهدوا فيها ﴿و﴾ تتفكروا في أمور ﴿الآخرة﴾ فتعرفوا أنها باقية، فتقبلوا عليها، فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة .. علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا؛ لبقاء الآخرة.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ كان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى، وربما تزوجوا باليتيمة طمعًا في مالها، ثم إن الله تعالى أنزل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
стр. 1308
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم، والقيام بأمورهم، فاختلَّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، فقال عبد الله بن رواحة - وقيل: ثابت بن رفاعة الأنصاري -: يا رسول الله، ما لكلِّنا منازل تسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد طعامًا وشرابًا يردهما لليتيم، فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا؟ فنزلت هذه الآية؛ أي: يسألونك يا محمَّد عن مخالطة اليتامى في أموالهم، أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ ﴿قُلْ﴾ لهم في الجواب ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾؛ أي: مخالطة اليتامى وإصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة ولا عوض خير لهم من ترك مخالطتهم، وأعظم أجرًا لكم ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ في الطعام والخدمة والسكن، وهذا فيه (١) إباحة المخالطة وحث عليها؛ أي: شاركوهم في أموالهم واخلطوها بأموالكم ونفقاتكم ومساكنكم وخدَمكم ودوابكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم، أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ في الدين؛ أي: فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم من مال بعضٍ، على وجه الإصلاح والرخاء. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ لمال اليتيم بالمخالطة ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ له، ويعلم الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وأكل مال اليتيم بغير حق، والذي يقصد الإصلاح، فيجازي كلًّا على قصده، فاتقوا الله في مال اليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعةً إلى إفساد مال اليتيم، وأكله بغير حق ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إعناتكم وإحراجكم وتضييقكم، والتشديد عليكم ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ أي: لأوقعكم في العنت والمشقة، وشدد عليكم في شأن اليتامى بتحريم مخالطتهم ومداخلتكم عليهم، ولكن وسع عليكم بتجويزها لكم، فاشكروا هذه النعمة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب يقدر أن يشدد على عباده، ويعنتهم ويكلفهم ما لا يطيقونه، ولكنه ﴿حَكِيمٌ﴾ يحكم ما تقتضيه الحكمة، وتتسع له الطاقة، لا يكلف عباده إلا ما تتسع له طاقتهم.
وفي وصفه تعالى بالعزة (٢) - وهو الغلبة والاستيلاء -: إشارةٌ إلى أنه مختص
стр. 1309
بذلك لا يُشارك، فكأنه لما جعل لهم ولاية على اليتامى .. نبههم على أنهم لا يقهرونهم ولا يغالبونهم ولا يستولون عليهم استيلاء القاهر، فإن هذا الوصف لا يكون إلا لله تعالى، وفي وصفه تعالى بالحكمة: إشارة إلى أنه لا يتعدى ما أذن هو تعالى فيهم وفي أموالهم، فليس لكم نظر إلا بما أذنتْ لكم فيه الشريعة، واقتضته الحكمة الإلهية؛ إذ هو الحكيم المتقن لما صنع وشرع، فالإصلاح لهم ليس راجعًا إلى نظركم إنما هو راجع لاتّباع ما شرع في حقهم.
٢٢١ - ثم قال تعالى محذرًا من زواج المشركات اللاتي ليس لهن كتاب: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ أي: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون النساء المشركات بالله حتى يؤمن؛ أي: يصدقن بالله ورسوله، وهو الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام المسلمين، نزلت في أبي مرثد الغنوي، سأل النبي ﷺ عن أن يتزوج عناق وهي مشركة، والمشركات ها هنا عامة في كل من كفرت بالله ورسوله ﷺ حرم الله بهذه الآية نكاحهن، ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، فبقي نكاح الأمة الكتابية على التحريم، وقراءة الجمهور بفتح التاء في قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، من نَكَح الثلاثي إذا تزوج، وقرىء بضمها، من أنكح الرباعي بمعنى: ولا تزوجوهن من المسلمين.
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾؛ أي: ولرقيقة مؤمنة بالله ورسوله ﴿خَيْرٌ﴾ لكم وأنفع وأصلح وأفضل ﴿مِن﴾ حرة ﴿مُشْرِكَةٍ﴾ بالله؛ أي: تزوج الأمة خير لكم عند الله من تزوج مشركة ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ المشركة؛ أي: أحبتكم وأعشقتكم لجمالها أو مالها أو حسبها أو جاهها، أو غير ذلك، وقد تقدم لك أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كانت عنده أمة سوداء الحديث. والواو للحال و ﴿لو﴾ بمعنى ﴿إن﴾؛ أي: وإن كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها .. فالأمة المؤمنة خير منها.
وفي هذا (١): دليل على جواز نكاح الأمة المؤمنة، ومفهوم الصفة يقتضي .. أنه لا يجوز نكاح الأمة الكافرة كتابية كانت أو غيرها، وفي هذه الآية: دليل
стр. 1310
لجواز نكاح القادر على طَول الحرة المسلمة للأمة المسلمة، ووجه الاستدلال أن قوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ معناه: من حرة مشركة، وواجد طول الحرة المشركة واجد لطول الحرة المسلمة؛ لأنه لا يتفاوت الطولان بالنسبة إلى الإيمان والكفر، فقدر المال المحتاج إليه في أهبة نكاحهما سواء، فيلزم من هذا أن واجد طول الحرة المسلمة .. يجوز له نكاح الأمة المسلمة، وهذا استدلال لطيف.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وهنا خطاب لأولياء المرأة؛ أي: ولا تزوجوا - أيها الأولياء - النساء المؤمنات من الكفار وثنيين كانوا أو أهل كتاب حتى يؤمنوا بالله ورسوله ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: ولتزويجكم المؤمنات لرقيق مؤمن بالله. ﴿خَيْرٌ﴾ لكم عند الله وأفضل وأصلح ﴿مِنْ﴾ تزويجهن لحر ﴿مُشْرِكٍ﴾ باللهِ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وأحبكم ذلك المشرك لحسبه أو ماله أو جماله أو جاهه، أو غير ذلك. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون من المشركين والمشركات الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم ﴿يَدْعُونَ﴾ كُمْ ﴿إِلَى﴾ الشرك والكفر الذي يؤديكم إلى ﴿النَّارِ﴾ في الآخرة فلا يليق بكم مصاهرتهم ومناكحتهم، فإن الزوجية مظنة المحبة، وذلك يوجب الموافقة في الأغراض، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال الدين بسبب موافقة المحبوب ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾؛ أي: أولياءه (١) المؤمنون يدعون، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه تفخيمًا لشأنهم؛ أي: يدعون إلى الاعتقاد والعمل الموصلَين ﴿إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ فهم الأَحِقَّاء بالمواصلة دون غيرهم، أو الكلام على ظاهره بلا حذف، والمعنى والله يدعو عباده إلى الجنة والمغفرة بتبيان هذه الأحكام من الإباحة والتحريم، فإن من تمسك بها .. استحق الجنة والمغفرة ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بتيسيره تعالى، وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة، أو بقضائه وإرادته.
يعني: أنه تعالى بين هذه الأحكام، وأباح بعضها، وحرم بعضها، فاعملوا بما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه من عمل بذلك .. استحق الجنة
стр. 1311
والمغفرة، وقرأ الحسن شذوذًا ﴿والمغفرةُ بإذنه﴾ بالرفع؛ أي: والمغفرة حاصلة بتيسيره تعالى ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: يوضح أدلته وحجته في أوامره ونواهيه وأحكامه في التزوج والتزويج للناس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ويتعظون؛ أي: لكي يتذكروا، فيميزوا بين الخير والشر، والخبيث والطيب؛ فيعرفوا قبح المنهي عنه، وحسن المدعو إليه.
٢٢٢ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾؛ أي: يسألك أصحابك يا محمَّد عن إتيان النساء في حالة الحيض، أيحل ذلك أم يحرم؟ وتقدم لك أن السائل عن ذلك عباد بن بشر وأسيد بن الحضير؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في البيت كفعل اليهود والمجوس، وأما النصارى؛ فكانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض.
ولعله (١) إنما ذكر ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ بغير ﴿واو﴾ ثلاث مرات. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، وثلاث مرات بـ ﴿واو﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إشارة إلى أن الأسئلة الثلاثة الأولى كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد مع السؤال عن الخمر والميسر، فجاء بحرف الجمع لذلك، كأنه قال: جمعوا لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن كذا وكذا وكذا، والله أعلم. ﴿قُل﴾ لهم يا محمَّد في الجواب ﴿هُوَ﴾؛ أي: الحيض ﴿أَذًى﴾؛ أي: شيء مستقذر مؤذ مَنْ يقربه للرائحة الكريهة التي فيه، واللون الفاسد، وللحدة القوية التي فيه ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: فاجتنبوا معاشرة النساء ومجامعتهن ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾؛ أي: في حالة الحيض وزمانه ومكانه؛ لقوله ﷺ : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم"، وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود وتفريط النصارى، فإنهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض، وإنما وصفه
стр. 1312
بأنه أذى، ورتب الحكم عليه بالفاء إشعارًا بأنه العلة. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تجامعوهن ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؛ أي: حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن، وهذا تأكيد لحكم الاعتزال، وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع.
قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب الحضرمي ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بسكون الطاء وضم الهاء بمعنى: حتى ينقطع عنهن الدم، وقرأ شعبة، وحمزة والكسائي ﴿يطهرن﴾ بتشديد الطاء والهاء بمعنى: يغتسلن ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ أي: اغتسلن من حيضهن أو تيممن عند تعذر استعمال الماء ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾؛ أي: جامعوهن ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: في المكان الذي أحله الله لكم؛ وهو القبل الذي هو مكان النسل والولد، ولا تعتدوا إلى غيره؛ وهو الدبر، أو المعنى جامعوهن في المكان الذي أمركم الله بتجنبه في حالة الحيض وهو القبل.
واتفق مالك والأوزاعي والثوري والشافعي أنه إذا انقطع حيض المرأة .. لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام .. لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام .. جاز أن يقربها قبل الاغتسال. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾ ويثيب ﴿التَّوَّابِينَ﴾ من الذنوب والرجاعين عنها، بالندم على ما مضى منها، والترك في الحاضر، والعزم على أن لا يفعل مثلها في المستقبل ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ أي: المتنظفين بالماء من الأحداث والجنابات والنجاسات، أو المتنزهين عن المعاصي والفواحش، كمجامعة النساء في زمان الحيض، وإتيانهن في الأدبار، وقيل: يحب المستنجين بالماء.
٢٢٣ - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ أي: فروج نسائكم مزرعة لأولادكم ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ أي: مزرعتكم ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾؛ أي: من أي جهة شئتم من أمامها أو ورائها، وعلى أي حال شئتم من قيام أو قعود أو اضطجاع، فهو مخير بين ذلك إذا كان الإتيان في قبلها لا في دبرها.
وفي الآية: دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن؛ لأن محل الحرث لها والزرع هو القبل لا الدبر، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه
стр. 1313
- قال: قال رسول الله ﷺ : "ملعون من أتى امرأة في دبرها". أخرجه أبو داود. ﴿وَقَدِّمُوا﴾ صالح الأعمال التي تكون ذخرًا ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ في الآخرة، وقيل: معناه وقدموا على الجماع ما يكون صلاحًا لأنفسكم ولأولادكم من التسمية والدعاء، وقيل: معناه وقدموا نية الولد أو نية الإعفاف لأنفسكم. أخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا .. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا"؛ أي: قدموا ما يدخر لكم من الثواب، ولا تكونوا في قيد قضاء الشهوة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله في أدبار النساء، ومجامعتهن في الحيض ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾؛ أي: ملاقوا الله بالبعث وراجعون إليه في الآخرة للمجازاة، فتزودوا ما تنتفعون به فيها ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمَّد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الإيمان؛ أي: بشرهم بالفضل الجسيم، والفوز العظيم في جنات النعيم؛ لأنهم تلقوا ما خوطبوا به من الأوامر والنواهي بحسن القبول والامتثال.
٢٢٤ - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن رواحة ﵁ كان بينه وبين ختنه بشير بن النعمان شيء، فحلف عبد الله لا يدخل عليه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصم له، وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث أهل الإفك؛ أي: ولا تجعلوا أيها المؤمنون الحلف باسم الله عرضة؛ أي: عارضًا ومانعًا وحاجزًا لكم عن أيمانكم؛ أي: عن أعمالكم الصالحة، فالمراد بالأيمان هنا: الأعمال الصالحة، واللام فيه بمعنى عن وسميت: أيمانًا لتعلق الإيمان بها، وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بدل من الأيمان بدل تفصيل من مجمل؛ أي: ولا تجعلوه حاجزًا لكم عن أن تبروا وتصلوا الرحم، ولا عن أن تتقوا؛ أي: ولا أن تصلّوا أو تصوموا مثلًا، ولا عن أن تصلحوا بين الناس، فعطف هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، والمعنى: لا تجعلوا الحلف باسم الله مانعًا لكم عن أعمال البر، ولا عن أن تبروا بالوالدين والأرحام، ولا أن تفعلوا ما فيه تقوى الله كالصلاة والصيام، ولا أن تفعلوا
стр. 1314
الإصلاح بين الناس، يعني: لا تجعلوا الحلف بالله سببًا مانعًا لكم عن فعل الخير، وعن فعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس؛ فتتعللوا باليمين بأن يقول أحدكم: قد حلفت بالله على أن لا أفعله، وأريد أن أبر بيميني، بل افعلوا الخير، وكفروا عن أيمانكم.
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها .. فليأتها، وليكفر عن يمينه".
وقيل معناه: لا تجعلوا الله عرضة؛ أي: معروضًا ومذكورًا في أيمانكم، وحلفكم على أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس؛ يعني: لا تكثروا الحلف بالله، وإن كنتم بارين متقين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجراءة عليه ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأيمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم، وختم الله (١) هذه الآية بهاتين الصفتين؛ لأنه تقدم ما يتعلق بهما، فالذي يتعلق بالسمع الحلف؛ لأنه من المسموعات، والذي يتعلق بالعلم هو إرادة البر والتقوى والإصلاح؛ إذ هو شيء محله القلب، فهو من المعلومات، فجاءت هاتان الصفتان منتظمتين للعلة والمعلول، وجاءتا على ترتيب ما سبق من تقديم السمع على العلم، كما قدم الحلف على الإرادة.
٢٢٥ - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ ولا يعاتبكم، أو لا يطالبكم بالتكفير ﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: بما جرى على ألسنتكم من ألفاظ الإيمان من غير قصد الحلف كقول أحدكم: بلى والله، تارة، ولا والله، تارة أخرى، لا يقصد به اليمين ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ ويعاتبكم، أو يطالبكم بالتكفير ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ وقصد به ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ من ألفاظ الإيمان، وكسب القلب: هو العقد والنية.
واختلف العلماء في معنى اللغو من اليمين:
فقال الشافعي: هو ما سبق إليه اللسان من غير قصد اليمين، فلا إثم ولا كفارة له، بخلاف أبي حنيفة فيهما كقول القائل: لا والله، وبلى والله، من غير
стр. 1315
قصد ولا نية، ويعضده ما روي عن عائشة ﵂ قالت: نزل قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله، بلى والله. أخرجه البخاري موقوفًا، ورفعه أبو داود.
وقال أبو حنيفة ومالك: اللغو من اليمين: هو أن يحلف الرجل على شيء يرى أنه صادق، ثم يتبين له خلاف ذلك، فلا إثم فيه، ولا كفارة له عندهما بخلاف الشافعي فيهما.
ومعنى الآية عند الشافعي: لا يؤاخذكم الله بغير المقصود لقلوبكم، وإنما يؤاخذكم بالمقصود لها، وعند أبي حنيفة ومالك لا يؤاخذكم باللغو؛ أي: بما حلفتم عليه معتقدين حقيقته بحيث يكون اللسان موافقًا للجنان ثم تبين خلافه، ولكن يؤاخذكم بما حلفتم عليه غير معتقدين حقيقته، وهي اليمين الغموس؛ أي: ولكن يؤاخذكم بما كسبته واقترفته قلوبكم من إثم القصد إلى الكذب.
ومذهب الشافعي: هو قول عائشة ﵄ والشعبي، وعكرمة، ومذهب أبي حنيفة: هو قول ابن عباس ﵄ والحسن، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومكحول.
﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لعباده فيما لغوا من أيمانهم ﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعجل العقوبة على يمين الجد تربصًا للتوبة، وجاءت هاتان الصفتان تدلان على توسعة الله على عباده حيث لم يؤاخذهم باللغو في الإيمان.
الإعراب
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿عَنِ الْخَمْرِ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾: معطوف على ﴿الْخَمْرِ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿فِيهِمَا﴾:
стр. 1316
جار ومجرور خبر مقدم. ﴿إِثْمٌ﴾: مبتدأ. ﴿كَبِيرٌ﴾: صفة لـ ﴿إِثْمٌ﴾، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿وَمَنَافِعُ﴾: معطوف على ﴿إثم﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿منافع﴾؛ تقديره: كائنات للناس. ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ الواو: عاطفة. ﴿إثمهما﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر. ﴿مِنْ نَفْعِهِمَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَكْبَرُ﴾، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿يسئلونك﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ على كونها مستأنفة. ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾: ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر، والجملة في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿سأل﴾؛ تقديره: يسألونك أي القدر الذي ينفقونه. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ذا﴾ الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: ينفقونه. ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿الْعَفْوَ﴾ - بالنصب على قراءة الجمهور -: مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: أنفقوا العفو، وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو العفو، والجملة المحذوفة على كلا التقديرين في محل النصب مقول القول.
وسبب اختلاف القراءتين (١) الاختلاف في إعراب ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فمن أعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعهما اسم استفهام مركبًّا معمولًا لـ ﴿ينفقون﴾ .. فالجملة فعلية، فيكون جوابها كذلك، فقوله: ﴿الْعَفْوَ﴾ - بالنصب - معمول لمحذوف؛ تقديره: أنفقوا العفو، والجملة في محل النصب مقول القول؛ لأن القول لا ينصب إلا الجمل أو ما قام مقامها، ومن أعرب ﴿ما﴾ وحدها اسم استفهام مبتدأ، و ﴿ذا﴾ اسم موصول خبره، وجملة ﴿ينُفِقُونَ﴾ صلته، والجملة اسمية .. فيكون جوابها كذلك، فالعفوُ - بالرفع - خبر لمحذوف؛ تقديره: هو العفو، والجملة المحذوفة
стр. 1317
على كل حال مقول القول، وهذا هو الأحسن المناسب للسؤال، وإلا فيصح .. جعل السؤال جملة اسمية، والجواب فعلية، وبالعكس. انتهى.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: تبيينًا كائنًا كتبيين ما ذكر. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ من اسمها وخبرها في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة؛ تقديره: يبين لكم الآيات تبيينًا كائنًا كتبيين ما تقدم؛ لتفكركم واتعاظكم.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾.
﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الواو: عاطفة، ﴿يسألونك﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾. ﴿عَنِ الْيَتَامَى﴾: جار ومجرور في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿سأل﴾.
﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِصْلَاحٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء وصفه بالجار والمجرور بعده، أو عمله في الجار والمجرور. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿إِصْلَاحٌ﴾، أو متعلق به. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُخَالِطُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إخوانكم﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: فهم إخوانكم، والكاف مضاف إليه،
стр. 1318
والجملة الإسمية في محل الجزم على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: عاطفة، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع بمعنى يعرف، والفاعل ضمير مستتر يعود على ﴿الله﴾. ﴿الْمُفْسِدَ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الواو: عاطفة. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿أعنتكم﴾: فعل ماض ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة جواب لولا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول القول، أو في محل الجر بـ (لام) التعليل المقدرة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بلا الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُؤْمِنَّ﴾: فعل مضارع في محل النصب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى (إلى) مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى إيمانهن، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لا تنكحوا﴾. ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ الواو: اعتراضية، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿أمة﴾: مبتدأ. ﴿مُؤْمِنَةٌ﴾: صفة له. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر له، وأفعل التفضيل ليس على بابه.
стр. 1319
﴿مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الإسمية جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾: الواو: حالية، ﴿لو﴾: حرف شرط بمعنى إن، ﴿أعجبتكم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُشْرِكَةٍ﴾، وجواب ﴿لو﴾ محذوف؛ تقديره: ولو أعجبتكم فالمؤمنة خير، وجملة ﴿لو﴾ في محل النصب حال من ﴿مُشْرِكَةٍ﴾، وسوَّغ مجيء الحال منها قصد الجنس، والتقدير: ولأمة مؤمنة خير من مشركة حال كونها قد أعجبتكم. وعبارة الكرخي (١): قوله ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ الواو: للحال؛ أي: ولأمة مؤمنة خير من مشركة حال كونها قد أعجبتكم، و ﴿لو﴾ هنا بمعنى إن، وكذا كل موضع وَلِيَها الفعل الماضي كقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ و"أعطوا السائل ولو جاء على فرس"، ويطرد حذف كان واسمها بعدها، والمعنى: وإن كانت المشركة تعجبكم فالمؤمنة خيرٌ. انتهت.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.
﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: المؤمناتِ، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾، وأن المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾؛ تقديره: إلى إيمانهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لا تنكحوا﴾. ﴿وَلَعَبْدٌ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿عبد﴾: مبتدأ. ﴿مُؤْمِنٌ﴾: صفة له. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر له، واسم التفضيل ليس على بابه. ﴿مِنْ مُشْرِكٍ﴾: متعلق بخبر، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: حالية، ﴿لو﴾: حرف شرط بمعنى ﴿إن﴾. ﴿أَعْجَبَكُمْ﴾: فعل ماضٍ ومفعول به، وجواب ﴿لو﴾ محذوف؛ تقديره: ولو أعجبكم فلا تزوجوه، وجملة ﴿لو﴾ في محل النصب حال من ﴿مُشْرِكٍ﴾؛
стр. 1320
تقديره: ولعبد مؤمن خير من مشرك حال كونه قد أعجبكم، فهذه الجملة موافقة لجملة قوله. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ في الإعراب والمعنى.
﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، فاسم الإشارة هنا واقع على كل من الإناث والذكور؛ لأنه يصلح لهما، كما قال ابن مالك:
وَبِـ (أُوْلَى) أَشِرْ لِجَمْعٍ مُطْلَقَا ... وَالْمَدُّ أَوْلَى وَلَدَى الْبُعْدِ انْطِقَا
﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿يَدْعُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، وجملة ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ﴾ في محل الجر بـ (لام) التعليل المقدرة؛ لأنها معللة لقوله ﴿وَلَأَمَةٌ ...﴾ إلخ، وقوله: ﴿... وَلَعَبْدٌ﴾ إلخ. ﴿إِلَى النَّارِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُون﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: عاطفة، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿يَدْعُو﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، وجملة ﴿يَدْعُو﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ﴾. ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُو﴾. ﴿وَالْمَغْفِرَةِ﴾ معطوف على ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُو﴾، أو حال من ﴿الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ هذا على قراءة جر ﴿المغفرِة﴾، وأما على قراءة الرفع الشاذة، فـ ﴿المغفرةُ﴾: مبتدأ، والجار والمجرور خبره؛ تقديره: والمغفرة حاصلة بإذنه.
﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَيُبَيِّنُ﴾: الواو: عاطفة، ﴿يبين﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَدْعُو﴾. ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبين﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل، والهاء اسمها، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: خبرها. وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
стр. 1321
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿يسألونك﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿سأل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ إلى قوله ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿أَذًى﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿اعتزلوا النساء﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿هُوَ أَذًى﴾ على كونها مقول القول. ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اعتزلوا﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَطْهُرْنَ﴾: فعل مضارع في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المضمرة مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾؛ تقديره: إلى طهارتهن، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
هذا تصريح بمفهوم الغاية، ﴿فَإِذَا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم النهي عن قربانهن إلى طهارتهن، وأردتم بيان حكم القربان بعد الطهارة .. فأقول لكم: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان خافضة لشرطها منصوبة بجوابها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿تَطَهَّرْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، ﴿أتوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة في محل النصب مقول القول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنْ﴾: حرف جر. ﴿حَيْثُ﴾:
стр. 1322
ظرف مكان في محل الجر بـ ﴿أتوهن﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أتوهن﴾.
﴿أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها جملة معترضة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾؛ لاعتراضها بين المبيَّن وهو: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وبين البيان وهو ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾: مبتدأ ومضاف إليه وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وهذه الجملة سيقت لبيان قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿حَرْثٌ﴾؛ تقديره: حرث كائن لكم. ﴿فَأْتُوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع. ﴿ائتوا حرثكم﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَنَّى﴾: اسم شرط جازم لتعميم الأحوال بمعنى كيف في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿شِئْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿أَنَّى﴾ على كونه فعل الشرط لها، وجواب الشرط محذوف؛ تقديره: أنى شئتم فأتوه، وجملة ﴿أَنَّى﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول القول. ﴿وَقَدِّمُوا﴾: الواو: عاطفة ﴿قدموا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ على كونها مقول القول. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قدموا﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 1323
﴿وَاتَّقُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوا﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَنَّكُمْ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، والكاف: اسمها. ﴿مُلَاقُوهُ﴾: خبرها ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي ﴿اعلم﴾؛ تقديره: واعلموا لقاءكم إياه. ﴿وَبَشِّرِ﴾ الواو: عاطفة أو استئنافية، ﴿بشر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿قُلْ﴾، أو مستأنفة. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به منصوب بالياء.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَجْعَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿اللَّهَ﴾: لفظ الجلالة، مفعول أول. ﴿عُرْضَةً﴾: مفعول ثان، والجملة مستأنفة. ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عُرْضَةً﴾ أو بـ ﴿تَجْعَلُوا﴾؛ لأن المعنى لا تجعلوا الحلف بالله عارضًا مانعًا لكم عن أيمانكم؛ أي: عن الأعمال الصالحة كما مر في التفسير والحل. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَبَرُّوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾، والجملة من الفعل والفاعل صلة ﴿أَنْ﴾ و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من ﴿أيمانكم﴾ وعطف بيان عنه؛ تقديره: مانعًا لكم عن بركم وإحسانكم إلى الأرحام. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَبَرُّوا﴾، وكذلك ﴿تصلحوا﴾ معطوف عليه على كونهما بدلًا، أو عطف بيان ﴿لأيمانكم﴾؛ والتقدير: ومانعًا لكم عن تقواكم وإصلاحكم بين الناس. وقوله: ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تصلحوا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.
стр. 1324
﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِاللَّغْوِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾. ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من اللغو، أو صفة له إن قلنا: إن أل فيه جنسية، فهو بمنزلة النكرة، أو متعلق باللغو؛ لأنه مصدر. ﴿وَلَكِنْ﴾: الواو: عاطفة، ﴿لكن﴾ حرف استدراك، ولكن وقعت هنا بين نقيضين باعتبار وجود اليمين؛ لأنها لا تخلو: إما أن لا يعضدها القلب، بل جرت على اللسان وهي اللغو، وإما أن يعضدها وهي المنعقدة. ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾. ﴿بما﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية في محل الجر بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾. ﴿كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: بما كسبته قلوبكم. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ والخمر في الأصل: مصدر خَمرتُ الإناء إذا غطيته بالغطاء، سمي الخمر بذلك؛ لأنه يغطي العقل ويستره. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ في الأصل مصدر ميمي من يسر، كالموعد من وعد، يقال: يسرته إذا قهرته وغلبته، واشتقاقه: إما من اليسر؛ لأن فيه أخذ المال بسهولة ويسر بلا كد ولا تعب، وإما من اليسار بمعنى الغنى؛ لأنه سبب لتحصيل الغنى، أو لسلبه، وفي "المصباح": الميسر وزان مسجد، قمار العرب بالأزلام، يقال: منه يسر الرجل ييسر - من باب وعد - فهو ياسر، وبه سمي. ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ والإثم في الأصل مصدر أثِم يأثَم إثمًا ومأثمًا - من باب طرب إذا أذنب، والإثم - الذنب يجمع على آثام.
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعفو في الأصل مصدر عفا يعفو عفوًا إذا سامح عن الإساءة، وهو هنا اسم للمال الفاضل عن الحاجة. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ العلم هنا بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد، وأتى بـ ﴿من﴾ لتضمنه
стр. 1325
بمعنى التمييز؛ أي: يعلم من يفسد في أمورهم عند المخالطة، أو من يقصد بمخالطته الخيانة والإفساد مميزًا له ممن يصلح فيها، أو يقصد الإصلاح، فيجازي كلًّا منهما بعمله.
﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وأصله يؤمنن، فسكنت النون الأولى التي هي آخر الفعل؛ لدخول نون النسوة، ثم أدغمت الأولى في الثانية.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بضم التاء هنا وبفتحها في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾؛ لأن الأول: من نكح الثلاثي، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، والثاني: من أنكح الرباعي، وهو يتعدى إلى الاثنين. الأول: في الآية ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ والثاني: محذوف، وهو المؤمنات.
﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ اسم الإشارة راجع إلى المشركات والمشركين، ويدعون خبره، فمن حيث وقوعه على الذكور يكون الفعل مرفوعًا بالنون، والواو فاعل، ويكون وزنه ينعون، أصله يدعوون بواوين، فحذفت أولاهما وهي لام الكلمة، ومن حيث وقوعه على الإناث يكون الفعل مبنيًّا على السكون، وتكون النون نون النسوة، وتكون ﴿الواو﴾ حرفًا هي لام الكلمة، ووزنه يفعلن.
﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ المحيض: مصدر ميمي يصلح للحديث والزمان والمكان، والحيض في اللغة السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال ماؤه، وشرعًا عند الفقهاء: دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة في أوقات مخصوصة. ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وفي "المصباح": أذي الشيء يَأذي أذىً - من باب تعب - إذا قذر.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وأصل ائتوا: ائتيوا بوزن اضربوا، فالهمزة الأولى همزة وصل أُتيَ بها للابتداء بالساكن، والثانية فاء الكلمة اجتمع همزتان، فقلبت ثانيتهما ياء على حد إيمان وبابه، واستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فحذفت، فسكنت الياء وبعدها واو الضمير ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمت التاء قبلها للتجانس، فوزن ائتوا افعوا، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداء أما في الدرج: فإنها يستغنى عنها، وتعود الهمزة التي هي فاء الكلمة؛ لأنها إنما قلبت لأجل الكسر الذي كان قبلها، وقد زال.
стр. 1326
﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ عرضة فُعلة بمعنى المفعول، كالقبضة والغرفة؛ بمعنى المقبوض والمغروف، تطلق على ما يعرض دون الشيء، فيصير حاجزًا عنه.
﴿بِاللَّغْوِ﴾ واللغو مصدر لغا يلغو، يقال: لغا يلغو لغوًا، مثل غزا يغزو غزوًا، ولغى يلغى لغيًا، مثل يلقى لقيًا.
وفي "الخازن": اللغو: كل ساقط مطروح من الكلام وما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، واللغو في اليمين: هو الذي لا عقد ولا قصد معه، كقول الإنسان لا والله، وبلى والله.
البلاغة
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾: فيه إيجاز بالحذف؛ أي: يسألونك عن شرب الخمر وتعاطي الميسر؛ أي: أيحل ذلك أم لا؟ ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ هذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وهو ما يسمى عند أهل المعاني بالإطناب. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: فيه تشبيه مرسل مجمل.
﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن قبله ﴿ويسألونك﴾ فالواو ضمير الغائبين، وحكمة هذا الالتفات ما في الإقبال بالخطاب على المخاطب ليتهيأ لسماع ما يلقى إليه وقبوله والتحرز فيه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ وتعلق العلم بالمفسد أولًا؛ ليقع الإمساك عن الإفساد، ومن متعلقه بيعلم على تضمين ما يتعدى بمن كان المعنى: والله يميز بعلمه المفسد من المصلح.
وجاءت هذه الجملة بهذا التقسيم؛ لأن المخالطة على قسمين: مخالطة بإفساد، ومخالطة بإصلاح، ولأنه لما قيل: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ فهم مقابله، وهو أن الإفساد شر، فجاء هذا التقسيم باعتبار الإصلاح ومقابله، ولا يخفى ما في الآية من الطباق بين كلمة المفسد والمصلح، وهو من المحسنات البديعية.
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾: تعليل للنهي عن مواصلة المشركات، وترغيب في مواصلة المؤمنات، وصدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة
стр. 1327
في الحمل على الانزجار.
﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، ولذلك قدمت في غير هذه الآية: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ وإنما قدمت الجنة هنا تقديمًا للمقابل؛ لتكمل وتظهر المقابلة؛ لأن النار يقابلها الجنة، ولا يخفى ما في الآية من الطباق بين كلمة النار وكلمة الجنة.
﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ كناية عن الجماع ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ هذا تصريح بمفهوم الغاية، والتصريح له، وإن علم مما قبله لمزيد العناية بأمر التطهر.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ جملة معترضة بين المبين وهو قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وبين البيان وهو قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ونكتة هذا الاعتراض: الترغيب فيما أمروا به، والتنفير عما نهوا عنه، وقدم الذي أذنب على الذي لم يذنب؛ لكيلا يقنط التائب من الرحمة، ولئلا يعجب المتطهر بنفسه كما في آية ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ أي: كالأرض التي تُحرث ليوضع فيها البذر، فشبه النساء بالأرض التي تحرث، وشبه النطفة بالبذر الذي يوضع في تلك الأرض، وشبه الولد بالزرع الذي ينبت من الأرض، فهو من باب التشبيه البليغ، وأنشد ثعلب:
إِنَّمَا الأَرْحَامُ أَرْضُوْ ... نَ لَنَا مُحْتَرَثَاتْ
فَعَلَيْنَا الزَّرْعُ فِيْهَا ... وَعَلَى اللَّهِ النَّبَاتْ
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ كناية عن الوطء، وجاء ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ نكرة؛ لأنه الأصل في الخبر، وجاء ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ معرفة؛ لأن في الإضافة حوالة على شيء سبق واختصاصًا بما أضيف إليه، ونظير ذلك أن تقول: زيد مملوك لك فأحسن إلى مملوكك؛ لأن القاعدة عند البلغاء إذا تقدمت نكرة، وأعيدت بلفظها .. فلا بد أن يكون معرفة، إما بالألف واللام كقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾، وإما
стр. 1328
بالإضافة كما هنا، كما قال السيوطي في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَةْ ... إِذَا أَتَت نَكِرَةً مُكَرَّرَةْ
تَغَايَرَتْ وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِي ... تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
وفي قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مع ما فيه من تلوين الخطاب، وجعل المبشر رسول الله ﷺ من المبالغة في تشريف المؤمنين ما لا يخفى.
وقال أبو حيان (١): وفي قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تنبيه على الوصف الذي به يتقى الله، ويقدم الخير، ويستحق التبشير، وهو الإيمان، وفي أمره لرسول الله ﷺ بالتبشير تأنيس عظيم، ووعد كريم بالثواب الجزيل، ولم يأت بضمير الغيبة، بل أتى بالظاهر الدال على الوصف، ولكونه مع ذلك فصل آية: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُم﴾ في هذا الكلام حذف؛ تقديره: ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما كسبت قلوبكم، فحذف لدلالة ما قبله عليه.
والله أعلم
* * *
стр. 1329
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.
المناسبة
قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه تقدم شيء من أحكام النساء، وشيء من أحكام الإيمان، وهذه الآية جمعت بين الشيئين.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة جدًّا؛ لأنه حكم غالب من أحكام النساء؛ لأن الطلاق يحصل به المنع من الوطء والاستمتاع دائمًا، وبالإيلاء منع نفسه من الوطء مدة محصورة، فناسب ذكر غير المحصور بعد ذكر المحصور، ومشروع تربص المولي أربعة أشهر، ومشروع تربص هؤلاء ثلاثة قروء، فناسب ذكرها بعقبها.
قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها ظاهرة: وهو أنه لما تضمنت الآية قبلها الطلاق الرجعي، وكانوا يطلقون، ويراجعون من غير حد ولا عد .. بين في هذه الآية أنه مرتان، فحصر الطلاق الرجعي في أنه مرتان؛ أي:
стр. 1330
يملك المراجعة إذا طلقها، ثم يملكها إذا طلق، ثم إذا طلق ثالثة لا يملكها.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر تعالى الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان .. اقتضى ذلك أن من الإحسان أن لا يأخذ الزوج من امرأته شيئًا مما أعطاها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ...﴾ عن ابن عباس (١) ﵄ قال: كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئًا فأبت أن تعطيه .. حلف لا يقربها السنة والسنتين والثلاث، فيدعها لا أيِّما ولا ذات بعل، فلما كان الإِسلام .. جعل الله ذلك للمسلمين أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية، وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية فكان الرجل لا يريد امرأته، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدًا فيتركها لا أيِّما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإِسلام، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ...﴾ الآية، أخرج (٢) أبو داود وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله العدة للطلاق بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ...﴾ الآية، أخرج الترمذي والحاكم وغيرهما، عن عائشة ﵂ قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها، وهي في العدة وإن طلقها مئة مرة وأكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همتْ عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة، فأخبرت
стр. 1331
النبي ﷺ ، فسكت حتى نزل قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ...﴾ أخرج أبو داود في "الناسخ والمنسوخ" عن ابن عباس ﵄ قال: كان الرجل يأكل مال امرأته من نحله الذي نحلها وغيره، ولا يرى أن عليه جناحًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ...﴾ والآية.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ...﴾ الآية، أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا مال، ولكني أكره الكفر في الإِسلام - قال أبو عبد الله: يعني تبغضه - قال رسول الله ﷺ له: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" قولها ما أعتب عليه: تعني، ما أجد عليه، والحديقة: البستان من النخل.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ...﴾ الآية، أخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: نزلت هذه الآية في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلقها طلاقًا بائنًا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها، فأتت النبي ﷺ فقالت: إنه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى الأول؟ قال ﷺ : "لا حتى يمس" ونزل فيها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فيجامعها، فإن طلقها بعد ما جامعها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا.
وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنّ ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " قالت: نعم، قال: "حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته".
стр. 1332
التفسير وأوجه القراءة
٢٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ قرأ عبد الله شذوذًا: ﴿للذين آلوا﴾ بلفظ الماضي، وقرأ أبي وابن عباس شذوذًا: ﴿للذين يقسمون﴾؛ أي: للذين يحلفون أن يبتعدوا ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وحلائلهم ولا يجامعوهن مطلقًا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر كما تقرر في الفروع ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ أي: انتظارهن في أربعة أشهر؛ أي: للمولي حق التلبث والانتظار في هذه المدة، فلا يطالب بفيئة ولا طلاق؛ أي: جعل الله الأجل في ذلك أربعة أشهر، فإذا مضت هذه المدة .. فإما أن يطلق، وإما أن يطأ، فإن أباهما جميعًا .. طلق عليه الحاكم طلقة واحدة، ولها النفقة والكسوة في تلك المدة؛ لأن الامتناع من قبله، وتحسب تلك المدة من يوم الحلف إن كانت صريحة في ترك الوطء، ومن يوم الرفع للحاكم إن لم تكن صريحة، فالإيلاء: لغة مطلق الحلف؛ لأنه مصدر آلى يولي إيلاء إذا حلف، وشرعًا: الحلف بالله أو بغيره، كالعتق والنذر على ترك وطء الزوجة المدخول بها المطيقة للوطء مطلقًا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ قرأ عبد الله: ﴿فإن فاءوا فيهن﴾ وقرأ أبيّ شذوذًا: ﴿فإن فاؤوا فيها﴾؛ أي: فإن رجع المولون عما حلفوا عليه من ترك جماعهن؛ بأن جامعوا قبل مضي أربعة أشهر، وحينئذ يلزمهم ما يترتب على الحنث من كفارة إن كان اليمين بالله، أو العتق مثلًا إن كان به. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ليمينهم إن تابوا بفعل الكفارة، أو ما تعرض بالإيلاء من ضرار المرأة بالفيئة التي هي كالتوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم حيث بيَّن كفارتهم.
٢٢٧ - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ قرأ ابن عباس شذوذًا: ﴿وإن عزموا السراح﴾؛ أي: وإن جزموا نية الطلاق، وقصدوا إيقاعه بأن تركوا الفيئة إلى مضي المدة، وجواب الشرط محذوف؛ تقديره: فليوقعوه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لإيلائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم، فليس لهم بعد التربص إلا الفيئة أو الطلاق، فإن بَرَّ المولي يمينه وترك مجامعة امرأته حتى يتجاوز أربعة أشهر .. بانت منه امرأته بتطليقة واحدة، وإن جامعها قبل ذلك .. فعليه كفارة اليمين، كما قاله ابن عباس، كما ذكرناه آنفًا، ففي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ من الوعيد على الامتناع، وترك الفيئة ما لا يخفى.
стр. 1333
٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ الحرائر المدخول بهن، الخاليات من حبال أزواجهن، ذوات الأقراء؛ لأن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام مخصوص بهذه القيود المذكورة، فخرجت الإماء، فعدتهن قُرْآن بالسنة، وغير المدخول بهن فلا عدة عليهن؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق، والآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر، كما في سورة الطلاق أيضًا، والمطلقات جمع مطلقة؛ وهي التي أوقع عليها الزوج الطلاق؛ أي: والواجب في المطلقات المذكورة في عدتهن أن ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ أي: أن ينتظرن ويتأخرن عن الزواج مدة ثلاثة أطهار على قول الشافعي ومالك، أو ثلاث حيض على قول أبي حنيفة وأحمد، ثم تتزوج إن شاءت بعد انتهاء عدتها، والباء في قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ يحتمل كونها زائدة في توكيد النون؛ أي: يتربصن أنفسهن، ويحتمل كونها للتعدية؛ أي: يتربصن بأنفسهن لا بأمر غيرهن، فلا دخل له في أمر العدة، والمراد: أنه لا تتوقف العدة على ضرب قاض بخلاف مدة العنّة، وقرأ الجمهور (١): ﴿قروء﴾ على وزن فعول، وقرأ الزهري ﴿قروّ﴾ بالتشديد من غير همز، وروي ذلك عن نافع، وقرأ الحسن ﴿قَرْو﴾ بفتح القاف وسكون الراء وواو خفيفة، وما عدا قراءة الجمهور شاذ.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾؛ أي: لا يجوز للمطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ ويخفين ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ وأوجده ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحبل أو الحيض؛ لأجل استعجال انقضاء العدة لإبطال حق الزوج من الرجعة، أو لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، وفيه دليل على قبول قولهن في ذلك نفيًا أو إثباتًا.
والحاصل: أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، فإذا كتمت الحبل .. قصرت مدة عدتها، فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج، وأحبت التزوج بزوج آخر، أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل، وإذا كتمت الحيض .. فقد تحب تطويل عدتها؛ لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لبطل رجعته، ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض
стр. 1334
الحيض في بعض الأوقات. ﴿إِنْ كُنَّ﴾ تلك المطلقات ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ ورسوله ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وجواب الشرط محذوف، فلا يحل لهن ذلك الكتمان، ولا يجترئن عليه، وهذا وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب أداء الأمانة بالإخبار عما في الرحم من الحيض والحبل.
والمعنى: أن هذا من فعل المؤمنات، وإن كانت المؤمنة والكافرة فيه سواء، كقولك: أدِّ حقي إن كنت مؤمنًا؛ يعني: أن أداء الحقوق من أفعال المؤمنين. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾؛ أي: أزواج تلك المطلقات، والبعولة جمع بعل، سمي الزوج بعلًا؛ لقيامه بأمر زوجته، وأصل البعل السيد والمالك ﴿أَحَقُّ﴾ وأولى ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: بمراجعتهن ولو أبين ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في زمن ذلك التربص الذي أمرن أن يتربصن فيه، وهو زمن الأقراء الثلاثة، فلا حق لغيرهم في ردهن ورجعتهن، فأفعل التفضيل ليس على بابه، فكأنه قال: وبعولتهن حقيقون بردهن، وقرأ مسلمة بن محارب ﴿وبعولتهن﴾ بسكون التاء، فرارًا من ثقل توالي الحركات، وقرأ أبي ﴿بردتهن﴾ بالتاء بعد الدال ﴿إِنْ أَرَادُوا﴾؛ أي: إن أراد الأزواج بالرجعة ﴿إِصْلَاحًا﴾ لما بينهم وبينهن، وإحسانًا إليهن بحسن المعاشرة، لا الإضرار بهن، وذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يراجعون ويريدون بذلك الإضرار، فنهى الله المؤمنين عن مثل ذلك، وأمرهم بالإصلاح وحسن العشرة بعد الرجعة ﴿وَلَهُنَّ﴾؛ أي: وللزوجات على الأزواج من الحقوق ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾ لهم ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من الحقوق ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا؛ أي: على الوجه الذي أمر الله تعالى به من حسن العشرة، وترك الضرار؛ يعني: يجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والمهر وحسن العشرة، وترك الضرار، كما يجب للأزواج عليهن امتثال أمرهم، ونهيهم في الاستمتاعات والخدمة، فالمماثلة تكون في وجوب ما يفعله الرجل من ذلك ووجوب امتثال المرأة أمره ونهيه، لا في جنس الواجب على كل منهما؛ لأنه مختلف.
وذلك: أن حق الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما يراعي حق الآخر فيما له وعليه، فيجب على الزوج أن يقوم بجميع حقوقها ومصالحها،
стр. 1335
ويجب على الزوجة الانقياد والطاعة له.
روى مسلم عن جابر ﵁ أنه ذكر خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع، وقال فيها: قال رسول الله ﷺ : "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانات الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك .. فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
ومعنى بالمعروف (١)؛ أي: بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفًا له، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به.
وقال ابن جرير (٢): اختلف أصحابنا - يعني: أصحاب مالك - هل على الزوجة أن تطالب بغير الوطء أم لا؟ فقال بعضهم: ليس على الزوجة أن تطالب بغير الوطء، وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة مثلًا .. فعليها تدبير أمر المنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال .. فعليها أن تفرش الفراش ونحوه، وإن كانت من نساء الكرد والدينم في بلدهن .. كلفت ما تكلفه نسائهم.
وقد جرى أمر المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا، ألا ترى أن نساء الصحابة كن يكلفن الطحن والخبيز والطبيخ، وفرش الفراش، وتقريب الطعام، وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك.
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ أي: ولكن للأزواج على الزوجات فضيلة ومزية في الحق؛ أي: فعليهن مزيد إكرام واحترام وتعظيم لرجالهن؛ بسبب كونه رجلًا يقالب الشدائد والأهوال، ويسعى دائمًا في مصالح زوجته، ويكفيها تعب