نعبده, ونسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجاب دعائنا، وأعطانا سؤلنا. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: لأنّه هو المحسن الكثير الرحمة الواسع الفضل الذي إذ عُبد أثاب، وإذا سئل أجاب. وكل من المؤمن والكافر لا ينسى ما كان له في الدنيا. وتزداد لذّة المؤمن إذا رأى نفسه قد انتقلت من سجن الدنيا إلى نعيم الجنة، ومن الضيق إلى السعة. وتزداد آلام الكافر إذا رأى نفسه انتقل من الترف إلى التلف، ومن النعيم إلى الجحيم.
وقرأ الحسن وأبو جعفر، ونافع، والكسائي (١): ﴿أنه﴾ بفتح الهمزة؛ أي: لأنّه. وقرأ باقي السبعة ﴿إِنَّهُ﴾ بكسر الهمزة. وهي قراءة الأعرج، وجماعة، وفيها معنى التعليل.
٢٩ - والفاء في قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر تقديره: إذا عرفت يا محمد أن في الوجود قوما يخافون الله سبحانه، ويشفقون في أهليهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: أثبت ودم على ما أنت عليه من تذكير المشركين بما أنزل إليك من الآيات والذكر الحكيم، ولا تكثرت بحسب يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل.
﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: بسبب إنعام الله عليك بالنبوّة، ورجاحة العقل ﴿بِكَاهِنٍ﴾؛ أي: بمخبر عن المغيبات بلا وحي. ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾؛ أي: ولا زائل عقل، ولا فاسده. والباء (٢) متعلقة بمحذوف هو حال؛ أي: ما أنت متلبّسًا بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل بكاهن ولا مجنون. وقيل: متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام؛ أي: ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. وقيل: الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية.
والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك. كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. وقيل: الباء للقسم متوسطة بين اسم ﴿ما﴾ وخبرها. والتقدير: ما أنت ونعمة الله بكاهن ولا مجنون. والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي؛ أي: ليس ما تقوله كهانة. فإنك إنما تنطق بالوحي الذي
стр. 12812
أمرك الله بإبلاغه. والمقصود من الآية: ردّ ما يقوله المشركون: إنه كاهن أو مجنون.
والمعنى: أي (١) فذكر أيها الرسول من أرسلت إليهم من قومك وغيرهم، وعظهم بالآيات والذكر الحكيم، ولا تكثرت بما يقولون فيك من الأكاذيب. وقد انتفت عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك. والمقصود بذلك: الرد على القائلين بذلك، وإبطاله. فإن ما أوتيته من رجاحة العقل، وعلو الهمة، وكرم الفعال، وصدق النبوّة لكاف جد الكفاية في دحض هذا، وأشباهه. وممن قال: إنه كاهن: شيبة بن ربيعة. وممن قال: إنه مجنون: عقبة بن أبي معيط.
٣٠ - ثم ذكر أنهم ترقوا في الإنكار عليه، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ و ﴿أَمْ﴾ (٢) المكرّرة في هذه الآيات منقطعة بمعنى بل الأضرابية، وهمزة الاستفهام. وقال في "برهان القرآن": أعاد أم خَمْس عَشْرَةَ مرّة. وكلّها إلزامات وليس للمخاطبين بها عنها جواب. وفي "عين المعاني": ﴿أَمْ﴾ هاهنا خمسة عشر. وكلّها استفهام. أربعة للتحقيق والتقرير مع التوبيخ بمعنى بل:
١ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾.
٢ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ وقد قالوها.
٣ - ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
٤ - ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾. وقد فعلوهما. وسائرها للإنكار.
وفي "فتح الرحمن": جميع ما في هذه السورة من ذكر ﴿أم﴾ استفهام غير عاطفة. واستفهم تعالى مع علمه بهم تقبيحًا عليهم وتوبيخًا لهم، كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله؛ أي: بل أيقول كفّار مكة: هو؛ أي: محمد ﷺ ﴿شَاعِرٌ﴾ يتقوّل الكلام من تلقاء نفسه. وصفوه بالشعر؛ لأنهم يعدُّون الشعر دناءة. لأنّ الشعر كان مكسبة وتجارة. وفيه وصف اللئيم عند الطمع بصفة الكريم، والكريم عند تأخر صلته بوصف اللئيم. ومما يدل على شرف النثر أنَّ الإعجاز وقع في النثر دون النظم؛ لأنّ زمن النبيّ ﷺ زمن الفصاحة.
فإن قلت: فإذا كان الإعجاز واقعًا في النثر، فكيف قالوا في حقّ القرآن: شعر، وفي حقّه ﷺ : شاعر؟
قلت: ظنوا أنه ﷺ كان يرجو الأجر على التبليغ. ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ مَا
стр. 12813
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. فكان ﷺ عندهم بمنزلة لشاعر، حيث إنّ الشاعر إنما يستجلب بشعره في الأغلب المال، وأيضًا لمّا كانوا يعدون الشعر دناءة حملوا القرآن عليه. ومرادهم عدم الإعتداد به.
قال ابن الشيخ: قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إلخ، من باب الترقي إلى قولهم فيه: "إنه شاعر". لأنّ الشاعر أدخل في الكذب من الكاهن والمجنون. وقد قيل: أحسن الشعر أكذبه. وكانوا يقولون لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره. وإنا نصبر ونتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء. وحينئذٍ تتفرق أصحابه، وإن أباه مات شابًّا، ونحن نرجوا أن يكون موته كموت أبيه.
وذلك قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ﴾؛ أي: ننتظر ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الشاعر. والجملة صفة لشاعر. ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي: تقلبات الزمان، وحوادث الدهر، ونزول الموت. فإنه إن كان شاعرًا فصروف الزمان قد تضعف ذهنه، فيتبين كساد شعره.
وقد سبق آنفًا أنَّ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري.
والمعنى: أي بل قال كفّار قريش: هو شاعر نتربّص، وننتظر به نوائب الدهر. فيهلك كما هلك غيره من الشعراء: زهير، والنابغة، وطرفة، وغيرهم. أو ننتظر به الموت كما مات أبوه شابًّا. وذلك كما تتمنى الصبيان في المكتب موت معلمهم ليتخلصوا من يده، فويل لمن أراد هلاك معلمه في الدين، وكان محرومًا من تحصيل اليقين.
روي: أنّ قريشًا اجتمعت في دار الندوة، وذهبت مذاهب شتى في صدّ دعوته ﷺ ، ومقابلة هذا الخطر الداهم عليهم، وماذا يفعلون في الخلاص منه. فقال قائل من بني عبد الدار: تربصوا به ريب المنون. فإنّه شاعر، وسيهلك كما هلك زهير، والنابغة، والأعشى. ثم افترقوا على هذه المقالة. فنزلت الآية.
وخلاصة هذا: أنا نبتعد من إيذائه، ونتقي لسانه مخافة أن يغلبنا بقوّة شعره. وإنما سبيلنا معه أن نصبر عليه، ونتربص موته كما مات الشعراء من قبله.
٣١ - فأمره الله سبحانه أن يهددهم، ويتهكم بهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد جوابًا لهم ﴿تَرَبَّصُوا﴾؛ أي: انتظروا وتمهلوا في ريب المنون. وهذا أمر تهديد. ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾؛ أي: فإني متربص منتظر معكم قضاء الله سبحانه فيَّ وفيكم،
стр. 12814
وستعلمون لمن تكون له حسن العاقبة، والظفر في الدنيا والآخرة. وفي هذا عِدَةٌ كريمة بإهلاكهم.
قرأ الجمهور (١): ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين. وقرأ زيد بن عليّ ﴿يتربص﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، ﴿ريب المنون﴾ بالرفع على النيابة.
وقد أهلكوا قبل رسول الله ﷺ في يوم بدر، وفي غيره من الأيّام. وقيل (٢): إنَّ معنى الآية: إني أخاف الموت، ولا أتمناه لا لنفسي، ولا لأحد، وإنما أنا نذير فتربصوا موتي، وأنا متربصه. ولا يسرنكم ذلك لعدم حصول ما تتمون بعدي.
٣٢ - ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾؛ أي: بل أتأمرهم ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾؛ أي: عقولهم السخيفة السفيهة ﴿بِهَذَا﴾ المقال المتناقض، حيث قالوا في حقّ الرسول: هو كاهن مجنون شاعر. فإنّ الكاهن يكون ذا فطنة، ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله مختل فكره، والشاعر ذو كلام موزون، متسق، مخيل فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في رجل واحد. فالشاعر غير الكاهن وغير المجنون (٣). وفرق عظيم بين من زال عقله، ومن يقول الشعر الحكيم الرصين، ومن يجعل قوله حجة في معرفة أخبار الغيب، ويعقد أن الجن توحي إليه بما يقول.
وقصارى هذا: أنهم لا أحلام لهم ولا عقول، فدع تفوههم بهذه الأقوال الزائغة المتناقضة. وفي الآية إشارة إلى التربص في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله تعالى، والتوكل على الله فيما يجري على عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. إذ كل يجري على ما قضاه الله تعالى.
ثم ذكر السبب الحق في كل ما يعملون، فقال: ﴿أَمْ هُمْ﴾؛ أي: بل أهم ﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: مجاوزون الحدود في المكابرة والعناد مع ظهور الحقّ، لا يحومون حول الرشد والسداد. ولذلك يقولون ما يقولون من الأكاذيب الخارجة عن دائرة العقول والظنون، أي: بل الحق أن الذي حملهم على أن يقولوا ما قالوا هو طغيانهم، وعنادهم، وضلالهم عن الحق. وقرأ مجاهد (٤) ﴿بل هم﴾ مكان ﴿أم هم﴾.
стр. 12815
٣٣ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ محمد ﷺ ؛ أي: اختلق القرآن من تلقاء نفسه. ثم قال: إنه من عند الله افتراء عليه تعالى، وليس الأمر كما زعموا. ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ البتة؛ لأن الله سبحانه ختم على قلوبهم. وفي "الإرشاد": فلكفرهم وعنادهم يرمونه بهذه الأباطيل التي لا يخفى على أحد بطلانها، كيف لا وما رسول الله ﷺ إلا واحد من العرب، أتى بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، وفي كون ذلك مبنيًا على العناد إشارة إلى أنهم يعلمون بطلان قولهم، وتناقضه؛ أي: إنَّ كفرهم هو الذي حملهم على هذه المطاعن، وزين لهم أن يقولوا ما قالوا.
٣٤ - ثم رد عليهم جميع ما زعموا، وتحداهم في دحض ما قالوا، فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والفاء فيه فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره؛ أي: (١) إذا كان الأمر كما زعموا من أنه كاهن أو مجنون أو شاعر، ادّعى الرسالة وتقول القرآن من عند نفسه، فليأتوا بكلام مثل القرآن في النعوت التي استقل بها من حيث النظم، ومن حيث المعنى.
قال في "التكملة": والمشهور عند القراء ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ بتنوين حديث، فيكون الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ راجعًا إلى القرآن. وقرأ الجحدري (٢)، وأبو السمال ﴿بحديث مثله﴾ بالإضافة، فيكون الضمير راجعًا إلى الرسول ﷺ ؛ أي (٣): بحديثِ رجل مثل الرسول في كونه أميًّا لم يصحب أهل العلم، ولا رحل عن بلده، أو مثله في كونه واحدًا منهم. فلا يجوز أن يكون مثله في العرب فصاحة فليأت بمثل ما أتى به، ولن يقدر على ذلك أبدًا.
﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ فيما زعموا. فإن صدقهم في ذلك يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله بقضيّة مشاركتهم له ﷺ في البشرية والعربية مع ما بهم من طول الممارسة للخطب، والأشعار، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام. ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به، ودواعي الأمر بذلك.
والمعنى (٤): أي إن كان شاعرًا .. فلديكم الشعراء الفصحاء، أو كاهنًا ..
стр. 12816
فلديكم الكهان الأذكياء، وإن كان قد تقوله .. فلديكم الخطباء الذين يحبرون الخطب، ويجيدون القول في كل فنون الكلام. فهلم فليأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين فيما يزعمون؛ فإن أسباب القول متوافرة لديهم كما هي متوافرة لديه، بل فيهم من طالت مزاولته للخطب والأشعار، وممارسته لأساليب النظم والنثر، وحفظ أيام العرب، ووقائعها أكثر من محمد ﷺ .
فائدة: وأعلم أن الإعجاز إما أن يتعلق بالنظم من حيث فصاحته وبلاغته، أو يتعلق بمعناه، ولا يتعلق به من حيث مادته. فإن مادته ألفاظ العرب، وألفاظه ألفاظهم. قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ تنبيهًا على اتحاد العنصر، وأنه منظم من عين ما ينظمون به كلامهم. والقرآن معجز من جميع الوجوه لفظًا ومعنى، ومتميز من خطبة البلغاء ببلوغه حد الكمال في أثنى عشر وجهًا. إيجاز اللفظ، والتشبيه الغريب، والاستعارة البديعية، وتلاؤم الحروف والكلمات، وفواصل الآيات، وتجانس الألفاظ، وتعريف القصص والأحوال، وتضمين الحكم والأسرار، والمبالغة في الأسماء والأفعال، وحسن البيان في المقاصد والأغراض، وتمهيد المصالح والأسباب، والإخبار عما كان وما يكون.
الإعراب
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾.
﴿وَالطُّورِ (١)﴾ ﴿الواو﴾ حرف جر وقسم، ﴿الطور﴾ مجرور بالواو، الجار والمجرور متعلق بفعل قَسَمٍ محذوفٍ وجوبًا، تقديره: أقسم بالطور إنّ عذاب ربّك لواقع. ﴿وَكِتَابٍ﴾ معطوف على ﴿الطور﴾، ﴿مَسْطُورٍ﴾ صفة كتاب، ﴿فِي رَقٍّ﴾ متعلق بـ ﴿مَسْطُورٍ﴾. ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة ﴿رَقٍّ﴾. ﴿وَالْبَيْتِ﴾ معطوف على ﴿الطور﴾، أو كل منها قسم مستقل بنفسه، وجوابه جميعًا قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾. ﴿الْمَعْمُورِ﴾ صفة لـ ﴿الْبَيْتِ﴾، ﴿وَالسَّقْفِ﴾ معطوف على ﴿الطور﴾ أيضًا، ﴿الْمَرْفُوعِ﴾ صفة لـ ﴿السقف﴾، ﴿وَالْبَحْرِ﴾ معطوف على ﴿وَالطُّورِ (١)﴾، ﴿الْمَسْجُورِ﴾ صفة لـ ﴿الْبَحْرِ﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿عَذَابَ﴾ اسمها، ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿وَاقِعٌ﴾ خبر ﴿إنّ﴾. وجملة إنّ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة
стр. 12817
القسم مستأنفة. ﴿مَا﴾. نافية، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿دَافِعٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ثان لـ ﴿إن﴾.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
﴿يَوْم﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿واقع﴾؛ أي: يقع العذاب في ذلك اليوم. وتكون جملة النفي معترضة بين العامل ومعموله. وقيل: الظرف متعلق بـ ﴿دَافِعٍ﴾. ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ فعل، وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مَوْرًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على جملة ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ﴾، ﴿سَيْرًا﴾ مفعول مطلق. ﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت وقوع العذاب في ذلك اليوم، وأردت بيان حال هؤلا. المكذبين لك .. فأقول لك: ويل للمكذبين لك. ﴿ويل﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة تضمنه معنى الدعاء. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية، تعلق بـ ﴿ويل﴾، ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر، مضاف إليه، مبنيّ بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلّص من التقاء الساكنين لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ جار ومجرور، خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، ﴿فِي خَوْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، وجملة ﴿يَلْعَبُونَ﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ الظرف فيه بدل من ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾، أو بدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، ﴿يُدَعُّونَ﴾ فعل، ونائب فاعل. والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُدَعُّونَ﴾، ﴿دَعًّا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿هَذِهِ﴾ مبتدأ، ﴿النَّارُ﴾ خبره. والجملة في محل الرفع نائب فاعل، محكي لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: هذه النار، ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿النَّارُ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾. وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا
стр. 12818
تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
﴿أَفَسِحْرٌ﴾ الهمزة للاستفهام الانكاري، داخلة على محذوف. والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أكنتم تقولون للوحي هذا سحر فسحر هذا؟ والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿سِحْرٌ﴾ خبر مقدم، ﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الأضرابية، وهمزة الإنكار، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾ خبره. والجملة مستأنفة؛ لأنّ الكلام الأول تمّ عند قوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾. ويجوز أن تكون متصلة؛ أي: ليس شىء منهما ثابتًا، فثبت أنكم قد بعثتم وجوزيتم بأعمالكم، وأنّ الذي ترونه حق. فهو تقريع شديد، وتهكّم فظيع. وبعد هذا التقريع يقال لهم: اصلوها الخ. ﴿اصْلَوْهَا﴾ فعل أمر، وفاعل، ومفعول به. والجملة في محل النصب، مقول للقول المحذوف. ﴿فَاصْبِرُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿اصبروا﴾ فعل أمر وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿اصْلَوْهَا﴾، ﴿أو﴾ حرف عطف، ﴿لَا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَصْبِرُوا﴾ فعل، وفاعل مجزوم بلا الناهية. والجملة معطوفة على ﴿اصبروا﴾. ﴿سَوَاءٌ﴾. خبر لمبتدأ محذوف، أي: صبركم وعدم صبركم مستويان. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿سَوَاءٌ﴾. والجملة مقول للقول المحذوف. ونحا الزمخشري إلى إعرابها مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: سواء عليكم الأمران، وتبعه أبو حيان. ولا مانع من ذلك؛ لأن ما في سواء من معنى التسوية أفادها فائدة سوَّغت إعرابها مبتدأ. ﴿إِنَّمَا﴾ كافة ومكفوفة، ﴿تُجْزَوْنَ﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة، ونائب فاعل، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾. والجملة الفعلية مقول للقول المحذوف على كونها معللة لما قبلها. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره. وجملة كان صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: ما كنتم تعملونه.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ ناصب واسمه، ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ خبره، ﴿وَنَعِيمٍ﴾ معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان بشرى المتقين. ﴿فَاكِهِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿فَاكِهِينَ﴾؛ ﴿آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: إيّاه. والجملة صلة لـ ﴿ما﴾
стр. 12819
الموصولة. ويصح أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: بإيتاء ربهم إياهم. ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ معطوف على الصلة؛ أي: بإيتاء ربهم وبوقايته لهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الجملة حالًا، ولكن بتقدير قد. ﴿رَبُّهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ مفعول ثان، ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وفاعل. والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف؛ أي: يقال لهم: كلوا. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿كُلُوا﴾، ﴿هَنِيئًا﴾ حال من الفاعل؛ أي: مهنّئين، أو مفعول مطلق؛ أي: أكلًا وشربًا هنيئين. ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾، أو ﴿اشْرَبُوا﴾. وجملة ﴿كُنْتُمْ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبر كان.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾؛ أي: كائنون في جنات حال كونهم متكئين، أو من فاعل ﴿كلوا﴾، أو من مفعول ﴿اتاهم﴾، أو من مفعول ﴿وقاهم﴾. ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ صفة ﴿سُرُرٍ﴾، ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿زوجناهم﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على خبر ﴿إن﴾. أعني: في جنات. فهو خبر آخر. ﴿بِحُورٍ﴾ متعلق بـ ﴿زوجناهم﴾. وزوّج يتعدّى إلى المفعولين بنفسه. وعدي إلى الثاني هنا بالباء لتضمينه معنى قرنّاهم. ﴿عِينٍ﴾ صفة ﴿حور﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته، ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ فعل ومفعول به، ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِإِيمَانٍ﴾ حال من الذريّة، أي: حالة كون الذرية متلبسة بإيمان. ﴿أَلْحَقْنَا﴾ فعل وفاعل، ﴿بِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَلْحَقْنَا﴾، ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مفعول به. والجملة في محل الرفع خبر ﴿الَّذِينَ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة معطوفة على ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾. ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ حال ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿مِن﴾ زائدة؛ ﴿شَيْءٍ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾. ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ مبتدأ ومضاف إليه، ﴿بِمَا﴾ الباء حرف جر، ﴿ما﴾ موصولة أو مصدرية، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَهِينٌ﴾؛ ﴿كَسَبَ﴾ فعل ماض و ﴿رَهِينٌ﴾ خبر ﴿كُلُّ﴾. والجملة الاسمية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.
стр. 12820
﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾.
﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿أَلْحَقْنَا﴾. ﴿بِفَاكِهَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿أمددنا﴾، ﴿وَلَحْمٍ﴾ معطوف على ﴿فَاكِهَةٍ﴾، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور، صفة لـ ﴿لحم﴾، وجملة ﴿يَشْتَهُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: مما يشتهونه ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة أو حال من مفعول ﴿أَمْدَدْنَاهُمْ﴾ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ ﴿كَأْسًا﴾ مفعول به. ومعنى يتازعون كأسًا: يتجاذبونها تجاذب ملاعبة كما مر. إذ أهل الدنيا لهم لذة في ذلك. وقيل: معناه: يتعاطونها. ﴿لَا﴾ نافية للجنس مهملة لتكرّرها، ﴿لَغْوٌ﴾ مبتدأ، خبره ﴿فِيهَا﴾، وسوغ الابتداء تقدّم النافي عليها. والجملة الاسمية في محل النصب، صفة لـ ﴿كَأْسًا﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لَا﴾ زائدة زيدت لتأكيد ﴿لا﴾ الأولى، ﴿تَأْثِيمٌ﴾ معطوف على ﴿لَغْوٌ﴾.
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾.
﴿وَيَطُوفُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿يطوف﴾ فعل مضارع، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، ﴿غِلْمَانٌ﴾ فاعل، ﴿لَهُمْ﴾ صفة لـ ﴿غِلْمَانٌ﴾. والجملة معطوفة على ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿لُؤْلُؤٌ﴾ خبره، ﴿مَكْنُونٌ﴾ صفة ﴿لُؤْلُؤٌ﴾، وجملة ﴿كأن﴾ صفة ثانية لـ ﴿غِلْمَانٌ﴾، أو حال منه. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَقْبَلَ﴾، وجملة ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ حال من الفاعل، ومن المجرور بـ ﴿عَلَى﴾.
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿إنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿قَبْلُ﴾ في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على الضم لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا لافتقاره إلى المضاف إليه المحذوف، والظرف متعلق بمحذوف حال من اسم كان. ﴿فِي أَهْلِنَا﴾ متعلق بـ ﴿مُشْفِقِينَ﴾، و ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خبر
стр. 12821
كان. وجملة كان في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿من الله﴾ فعل، وفاعل. والجملة في محل الرفع، معطوفة على جملة كان. ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿مَنَّ﴾، ﴿وَوَقَانَا﴾ فعل، ومفعول أول، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عَذَابَ السَّمُومِ﴾ مفعول ثان. والجملة معطوفة على جملة ﴿من الله﴾.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾.
﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كُنَّا﴾ في محل الرفع خبر إنّ، وجملة إن في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من اسم كان. ﴿نَدْعُوهُ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ﴿الْبَرُّ﴾ خبر أول لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان له، وجملة إنّ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معللة لما قبلها. ﴿فَذَكِّرْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن في عباد الله مشفقين، وأردت بيان ما هو اللازم لك ... فأقول لك. ﴿ذَكِّرْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية، ﴿ما﴾ نافية حجازية، ﴿أَنتَ﴾ في محل الرفع، اسمها، ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بما في ما من معنى النفي، فتكون الباء سببية. وهذا أرجح الأوجه الجارية هنا. والمعنى: انتفت عنك الكهانة، والجنون بسبب نعمة ربك عليك. وقال أبو البقاء: إنّ الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها ﴿بِكَاهِنٍ﴾ أو ﴿مَجْنُونٍ﴾. والمعنى: ما أنت كاهنًا ولا مجنونًا حال كونك متلبسًا بنعمة ربك. وقيل غير ذلك. ﴿بِكَاهِنٍ﴾ الباء زائدة، ﴿كاهن﴾ خبر لما الحجازية، ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ معطوف عليه. وجملة ما الحجازية جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الأضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري كما مر. ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿شَاعِرٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو شاعر. والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾، وجملة ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ صفة لـ
стр. 12822
﴿شَاعِرٌ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَتَرَبَّصُ﴾، ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ مفعول به. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة. ﴿تَرَبَّصُوا﴾ فعل أمر، وفاعل. والجملة في محل النصب مقول قل. ﴿فَإِنِّي﴾ ﴿الفاء﴾ تعليل للأمر المقصود به التهديد، ﴿إني﴾ ناصب واسمه، ﴿مَعَكُمْ﴾ حال من اسم إن. ﴿مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ خبر إنّ، وجملة إنّ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها تعليلية للأمر المقصود به التهديد.
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.
﴿أَمْ﴾: حرف إضراب بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، ﴿تَأْمُرُهُمْ﴾ فعل، ومفعول به، ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾ فاعل، ﴿بِهَذَا﴾ متعلق بـ ﴿تَأْمُرُهُمْ﴾. والجملة استفهامية إضرابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ﴾ حرف عطف، ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿طَاغُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الأضرابية، وهمزة إلاستفهام التقريري، ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ فعل، وفاعل، مستتر، ومفعول به. والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم يقولون تقوّله، وأردت بيان ما هو اللازم لهم ... فأقول لك فليأتوا إلخ. واللام لام الأمر، ﴿يأتوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والواو فاعل، ﴿بِحَدِيثٍ﴾ متعلق بـ ﴿يأتوا﴾، ﴿مِثْلِهِ﴾ صفة لـ ﴿حديث﴾. والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة. ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كَانُوا﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب إن الشرطية محذوف دلَّ عليه ما قبله، تقديره: إن صدقوا في هذا القول ... فليأتوا بحديث مثله، وجملة إن الشرطية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالطُّورِ (١)﴾ بالسريانية: الجبل. والمراد به: طور سينين. وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى ﵇. أقسم الله سبحانه به تشريفًا وتكريمًا وتذكيرًا بما
стр. 12823
فيه من الآيات. وهو أحد جبال الجنة، قاله السدّيُّ. وقيل: إن الطور كل جبل ينبت الشجر الثمر، وما لا ينبت فليس بطور.
وقال المبرّد: يقال لكل جبل: طور. فإذا دخلت الألف واللام المعرفة فهو شيء بعينه.
﴿وَكِتَابٍ﴾ والمراد بالكتاب هنا: ما كتب من الكتب السماوية: كالقرآن، والتوراة، والإنجيل.
﴿مَسْطُورٍ﴾؛ أي: متفق الكتابة بسطور مصفوفة في حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة، اهـ خطيب. وفي "المختار": السطر: الصف من الشيء, يقال: بني سطرًا. والسطر أيضًا: الخط والكتابة. وهو في الأصل مصدر، وبابه نصر. وسطر أيضًا بفتحتين. والجمع أسطار، كسبب وأسباب. وجمع الجمع أساطير وجمع السطر أسطر وسطور كأفلس وفلوس، اهـ.
﴿فِي رَقٍّ﴾ الرق بالفتح والكسر: الجلد الرقيق الذي يكتب فيه. وجمعه رقوق. والرق بالكسر: المملوك. قال الراكب: الرق: كل ما يكتب فيه جلدًا كان أو غيره. وهو بفتح الراء على الأشهر. ويجوز كسرها كما قرىء به شاذًّا. وأما الرق الذي هو ملك الأرقاء فهو بكسر الراء، لا غير.
﴿مَنْشُورٍ﴾؛ أي: مبسوط، غير مطوي، وغير مختوم عليه. قوله: ﴿تَمُورُ﴾ أصله: تمور بوزن تفعل، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الميم، فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مدّ. ﴿مَوْرًا﴾، مصدر من مار يمور كقال يقول قولًا. والمور: الاضطراب والتردد في المجيء والذهاب، والجريان السريع؛ أي: تضطرب، وتجيء وتذهب اضطرابًا.
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾؛ أي: تزول عن وجه الأرض فتصير هباء منثورًا. وأصله تسير بوزن تفعل بكسر العين، نقلت حركة الياء إلى السين فسكنت إثر كسرة فصارت حرف مد.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ هو الكعبة المعمورة بالحجاج والمجاورين. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ هو السماء. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾؛ أي: الموقد المحمي. من سجر النار؛ أي: أوقدها. وعنى به باطن الأرض. وهو الذي دل عليه الكشف الحديث,
стр. 12824
ولم تعرفه الأمم قديمًا. وقد أشارت إليه الأحاديث. فعن عبد الله بن عمر: "لا يركبنَّ رجل البحر إلا غازيًا أو معتمرًا أو حاجًا؛ فإنَّ تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا".
وقد أثبت علماء طبقات الأرض - الجيلوجيا - أنَّ الأرض كلها كبطيخة، وقشرتها كقشرة البطيخة؛ أي: إنّ نسبة قشرة الأرض إلى النار التي في باطنها كنسبة قشرة البطيخة إلى باطنها الذي يؤكل، فنحن الآن فوق نار عظيمة؛ أي: فوق بحر مملوء نارًا. وهذا البحر مغطي من جميع جهاته بالقشرة الأرضية المحكمة السدّ عليه. ومن حين إلى آخر تتصاعد من ذلك البحر نار تظهر في الزلازل، والبراكين، كبركان فيزوف الذي هاج بإيطاليا سنة (١٩٠٩ م)، وابتلع مدينة مسيا، والزلزلة التي حدثت باليابان سنة (١٩٢٥ م)، وخرّبت مدنًا بأكملها.
﴿فِي خَوْضٍ﴾ وأصل الخوض: السير في الماء، ثم استعمل في الشروع في كل شيء، وغلب في الخوض في الباطل. كالإحضار فإنه عامّ في كل شيء، ثم غلب استعماله في الإحضار للعذاب.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾؛ أي: يدفعون دفعًا عنيفًا شديدًا بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعون إلى النار، ويطرحون فيها. والدع: الدفع الشديد، وأصله أن يقال للعاثر: دع دع. أصله: يدععون بوزن يفعلون، نقلت حركة العين الأولى إلى الدال فسكنت، فأدغمت في العين الثانية. وقوله: ﴿دَعَاَ﴾ وزنه فعل، أدغمت العين في اللام. وفي "المختار": دعَّه دفعه، وبابه ردّ. ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾.
﴿اصْلَوْهَا﴾ في "المصباح": صلي بالنار، وصليها صلي من باب تعب وجد حرها والصلاء وزان كتاب حر النار، وصليت اللحم أصليه من باب رمي شويته. وأصله: اصليوها، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة.
﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ النعيم: الدعة، والراحة، والتنعم، والترفه. والاسم النعمة بالفتح. قال الراغب: النعيم: النعمة الكثيرة، وتنعم تناول ما فيه النعمة وطيب العين، ونعمه تنعيمًا جعله في نعمة، أي: لين عيش. وفي "البحر": التنعم
стр. 12825
استعمال ما فيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات.
﴿فَاكِهِينَ﴾؛ أي: ناعمين متلذّذين. في "القاموس": الفاكه: صاحب الفاكهة، وطيب العيش، والضحوك، والناعم الحسن العيش. كما أن الناعمة والمنعمة: الحسنة العيشة.
﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أصله: أتيهم بوزن أفعل، أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا حرف مد للأولى، وقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ الوقاية، حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ من الجحمة. والجحمة: شدة تأجج النار. ومنهم الجحيم؛ أي: جهنم؛ لأنه من أسماءها كما مر.
﴿هَنِيئًا﴾ والهنيء، والمريء صفتان من هنوء الطعام ومروء، إذا كان سائغًا سهلًا بحيث لا يورث الكدر من التخم والسقم وسائر الآفات.
﴿بِحُورٍ﴾ الحور بوزن فعل، جمع حوراء كسود جمع سوداء. من الحور. وهو شدة بياض العين في شدة سوادها. ﴿عِينٍ﴾ جمع عيناء. وهي الواسعة العينين. وقياسه فعل بضم ﴿الفاء﴾ كما جمع حوراء على ذلك إلا أنه لما كانت عينه ياء كسرت فاؤه، فقيل: عين بوزن فعل بكسر الفاء.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: نقصناهم. من أن يألت من باب ضرب. قال في "القاموس": الله حقا يألته نقصه كألته إيلاتًا.
﴿بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ والرهن: ما يوضع وثيقة للدين. ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ أصل المد: الجر. وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمد في المكروه. وفي "القاموس": الإمداد: تأخير الأجل، وأن تنصر الأجناد بجماعة غيرك، والإعطاء، والإغاثة. ﴿بِفَاكِهَةٍ﴾ الفاكهة: ثمار الأشجار. ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أصله: يشتهيون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت ثم ضمت الهاء لمناسبة الواو.
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا﴾ يقال: نزع الشيء جذبه من مقره كنزع القوس من كبدها. والتنازع والمنازعة: المجاذبة، ويعبَّر بها عن المخاصمة والمجادلة. والمراد بالتنازع هنا: التعاطي والتداول على طريق التجاذب.
﴿كَأْسًا﴾ والكأس: قدح فيه شراب، ولا يسمى كأسًا ما لم يكن فيه شراب.
стр. 12826
كما لا تسمى مائدة ما لم يكن عليها طعام. ﴿لَا لَغْوٌ﴾ قال الراغب: اللغو من الكلام: ما لا يعتد به. وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا. وهو صوت العصافير، كما مرّ.
﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ والتأثيم: فعل ما يأثم فاعله؛ أي: ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب، والسب، والفواحش.
﴿وَيَطُوفُ﴾ من الطواف. وهو المشي حول الشيء، والدوران به. ومنه: الطائف لمن يدور حول البيوت حافظًا لها. أصله: يطوف بوزن يفعل بضم العين نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الطاء فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد.
﴿غِلْمَانٌ﴾ جمع غلام. وهو الطار الشارب. ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ﴾ واللؤلؤ: جوهر بحري أبيض براق. ﴿مَكْنُونٌ﴾؛ أي: مصون محفوظ في صدفه، ووعائه الذي خلق فيه.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ فيه إعلال بالقلب. أصله: وقينا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا. وفي "المفردات": السموم في الأصل: الريح الحارَّة التي تؤثر تأثير السم، فأطلقت على جهنم لنفوذ حرها في المسام كالسموم.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قال الراغب: البر: خلاف البحر، وتصور منه التوسع، فاشتق منه البر؛ أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك تارة إلى الله تعالى. نحو: إنه هو البر الرحيم، وإلى العبد تارة فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته. فمن الله الثواب، ومن العبد الطاعة.
﴿بِكَاهِنٍ﴾ وفي "المفردات": الكاهن الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية بضرب من الظن كالعراف الذي يخبر بالأخبار المستقبلة على نحو ذلك، ولكون هاتين الصّناعتين مبنيتين على الظن الذي يخطىء ويصيب. قال ﷺ : "من أتى عرافًا أو كاهنًا .. فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل الله على محمد". ويقال: كهن فلان كهانة إذا تعاطي ذلك، وكهن إذا تخصص بذلك، وتكَّهن تكلف ذلك وفي القاموس كهن له كجعل ونصر وكرم، كهانة بالفتح، وتكهن تكهنًا وتكهينًا قضى له بالغيب، فهو كاهن. والجمع كهنة، وكهان، وحرفته الكهانة بالكسر، انتهى.
стр. 12827
﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ وهو من به جنون. وهر زوال العقل أو فساده. وفي "المفردات": الجنون: الحائل بين النفس والعقل. وفي "التعريفات": الجنون: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا.
﴿نَتَرَبَّصُ﴾ التربص: الانتظار بالشيء من انقلاب حال له إلى خلافها. ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ الريب: ما يقلق النفوس؛ أي: يورث قلقًا واضطرابًا لها من حوادث الدهر، وتقلبات الزمان. فهو بمعنى الرائب من قولهم: رابه الدهر، وأرابه إذا: أقلقه. والمنون: الدهر، والموت، والكثير الامتنان كالمنونة. وسمَّاه ريبًا لا من حيث إنه مشكك في كونه، بل من حيث إنه يشكك في وقت حصوله. فالإنسان أبدًا في ريب المنون من جهة وقته، لا من جهة كونه. وعلى هذا قال الشاعر:
النَّاسُ قَدْ عَلِمُوا أَنْ لَا بَقَاءَ لَهُمْ ... لَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا مِقْدَارَ مَا عَلِمُوا
وهو في الأصل فعول، من منه إذا: قطعه؛ لأنّ الدهر يقطع القويَّ، والموت يقطع الأماني والعمر.
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ قال الراغب: التربص: انتظار الشخص سلعة كان يقصد بها غلاء، أو رخصًا، أو أمرًا ينتظر زواله، أو حصوله. انتهى. ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾؛ أي: عقولهم. وفي "القاموس": الحلم بالضم وبضمتين: الرؤيا. والجمع أحلام. والحلم بالكسر: الأناة والعقل، والجمع أحلام وحلوم. ومنه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ وهو حليم، والجمع حلماء وأحلام، انتهى.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ والتقول: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب. ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أصله: يأتيون بوزن يفعلون بكسر العين، حذفت منه نون الرفع لدخول لام الأمر، ثمّ استنقلت الضمة على الياء فحذفت، فلمّا سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت التاء لمناسبة الواو.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإلتزام في قوله: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ فإنّه قد جاءت
стр. 12828
الطاء قبل واو الردف لازمةً.
ومنها: تنكير ﴿كتاب﴾، و ﴿رق﴾، في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ للتفخيم، أو للإشعار بأنهما ليسا مما يتعارفه الناس.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَرَقِ﴾ لأنه حقيقة في جلد الحيوان الرقيق , ثم استعير لكل ما يكتب فيه من الصحائف والألواح.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، وقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾.
ومنها: طباق السلب بين قوله: ﴿اصْبِرُوا﴾، وقوله: ﴿لَا تَصْبِرُوا﴾ وفيه أيضًا من الإهانة والتوبيخ ما لا يخفى.
ومنها: تأكيد الفعلين بمصدريهما في قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة؛ أي: مورًا عجيبًا وسيرًا عجيبًا، لا يدرك كنههما.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾ حيث شبّه التخبّط والاندفاع في الأباطيل بخوض الغائص في الماء بجامع الانغماس في كل. فاستعار له اسمه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾.
ومنها: الاستفهام التوبيخي التقريعيّ في قوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾.
ومنها: إظهار الرب في موضع الأضمار مضافًا إلى ضميرهم في قوله: ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ للتشريف والتعليل.
ومنها: ترك ذكر المأكول والمشروب في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ دلالة على تنوّعهما، وكثرتهما.
ومنها: تنكير ﴿إيمان﴾ في قوله: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ إفادة للتقليل؛ أي: بشيء من الإيمان.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا
стр. 12829
بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾؛ لأنّ الرهن حقيقة فيما يوضع وثيقة للدين. فاستعاره للمحتبس بأيّ شيء كان من عمله.
ومنها: تنكير ﴿فاكهة﴾ في قوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ إفادة للكثرة وعدم الانقطاع؛ أي: بفاكهة كثيرة لا تنقطع، كلّما أكلوا ثمرة عاد مكانها مثلها.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿كَأْسًا﴾؛ أي: خمرًا، تسمية لها باسم محلها.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ حيث شبه الغلمان باللؤلؤ المكنون في الأصداف. لأنّه أحسن وأصفى، أو لأنّه مخزون، ولا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. فهو تشبيه مجمل؛ لأنّه حذف منه وجه الشبه.
ومنها: التعريض في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ لأن فيه تعريضًا بأنّ بعض أهلهم لم يكونوا على صفتهم، ولذا صاروا محرومين، حيث قال: ﴿مُشْفِقِينَ﴾؛ أي: خائفين من عصيان الله سبحانه.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ شبهت حوادث الدهر بالريب الذي هو الشك بجامع التحيّر، وعدم البقاء على حالة واحدة في كل منهما. واستعير لفظ الريب لصروف الدهر وتواليه على طريق الاستعارة التبعية.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ فقد أسند الأمر إلى الأحلام. وقد كان العرب يتفاخرون بعقولهم، فأزرى الله بها، حيث لم تثمر لهم معرفة الحق والباطل. ويجوز اعتبارها استعارة مكنية إن أريد التشبيه. وكل مجاز عقلي يصح أن يكون استعارة مكنية، ولا عكس. كما هو مقرر في محله.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12830
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) أثبت رسالة محمد ﷺ ، ورد عليهم ما زعموا من أنه كاهن، أو شاعر، أو مجنون، وأمره أن يذكر الناس، ويبشرهم، وينذرهم، ولا يأبه لمقالتهم، فالله ناصره عليهم .. انتقل إلى الرد عليهم في إنكارهم للخالق كما هو شأن الدهريين، أو في ادعائهم لله شريكًا كما هو شأن كثير من العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وقالوا: ما نعبد الأوثان، والأصنام إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وبعد أن أقام عليهم الحجة في كل ذلك، وسد عليهم المسالك .. طلب إليه أن يتوكل عليه، وأن يعلم أن كيدهم لا يضره شيئًا، فالله ناصره عليهم، وسيظهر دينه، ويتم له الغلبة والفلج عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا ...﴾ الآيات إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر مزاعمهم في النبوة، وبين فسادها بما لم يبق بعده وجه للعناد والمكابرة. ثم أعقبه بالرد عليهم في جحوده للألوهية إما بإنكارها بتاتًا، وإما بادعاء الشريك، أو باتخاذه الولد،
стр. 12831
عما يصفون .. أردف هذا بيان أن هؤلاء قوم بلغوا حدًّا في العناد أصبحوا به يكابرون في المحسوسات فضلًا عن المعقولات، فدعهم وشأنهم حتى يأت اليوم الذين لا مرد له يوم لا تنفعهم حبائلهم وشراكهم التي كانوا ينصبون مثلها في الدنيا، ولا يجدون لهم إذ ذاك وليًّا ولا نصيرًا. وأنَّ الله سيصيبهم بعذاب من عنده في الدنيا قبل ذلك اليوم. وأنه ناصرك عليهم، وكالئك بعين رعايته. واذكر ربك حين تقوم من منامك، ومن مجلسك، وحين تغيب النجوم، ويصبح الصباح، وتغرد الأطيار مسبحة منزهة خالق السموات والأرض قائلة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
التفسير وأوجه القراءة
٣٥ - ﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ و ﴿أم﴾ هنا وفيما بعده منقطعة، تقدر ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، كما مر؛ أي: بل أخلقوا، وأحدثوا، وقدّروا على هذه الكيفية البديعة والصنعة العجيبة.
﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾؛ أي (١): من غير خالق لهم، ولا مقدر، ولا محدث، ولا موجد. فـ ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية. قال الزجاج؛ أي: اخلقوا باطلًا وعبثًا لغير شيء لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون. وجعل ﴿مِنْ﴾ تعليلية بمعنى اللام؛ أي: أخلقوا من أجل لا شيء عليهم من عبادة ولا جزاء. وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثًا، وتركوا سدى، لا يؤمرون، ولا ينهون. وقيل: المعنى: أم خلقوا من غير أب، ولا أم. فهم كالجماد لا يفهمون، ولا تقوم عليهم الحجة.
﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ لأنفسهم. فلذلك لا يعبدون الله تعالى؛ أي: بل أيقولون هم الخالقون لأنفسهم فلا يؤمرون، ولا ينهون مع أنهم يقرون أن الله خالقهم وإذا أقروا لزمتهم الحجة.
ومعنى الآية (٢): أي كيف ينكرون الخالق الموجد، فهل هم خلقوا هذا الخلق البديع الصنع من غير خالق ولا موجد، والعقل يشهد بأن كل ما يوجد من العدم لا بد له من موجد. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؛ أي: بل أهم أوجدوا أنفسهم، والضرورة والعقل يكذبان ذلك. إذ يلزم من هذا أن الشيء يكون مقدمًا في الوجود على نفسه.
стр. 12832
فهم باعتبار أنهم خالقون مقدمون على أنفسهم في الوجود باعتبار أنهم مخلوقون. وهذا بين البطلان.
٣٦ - ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهم لا يدعون ذلك، فلزمتهم الجحة. ولهذا أضرب عن هذا، وقال: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾؛ أي: ليسوا على يقين من الأمر، بل يتخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده. فأم للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي؛ أي (١): ما خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون بأنّ الله واحد. فإذا سئلوا من خلقكم، وخلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، وهم غير موقنون بما قالوا، وإلا لما أعرضوا عن عبادته؛ أي: لما لم ينشأ من إيقانهم بالله أثر، وهو الإقبال على عبادته جعل إيقانهم كالعدم، فنفي عنهم. وفي هذا تسلية للنبي ﷺ ؛ أي: إنهم كما طعنوا فيك يا محمد طعنوا في خالقهم، فلا تحزن لعدم إيمنهم ولا تبخع نفسك عليهم.
٣٧ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ﴾ رحمة ﴿رَبِّكَ﴾ ورزقه. فهو على حذف مضاف؛ أي: هل عندهم خزائن النبوّة، ومفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا، ويمسكونها عمن شاؤوا؛ أي: أعندهم خزائن علمه وحكمته، حتى يختاروا لها من اقتضت الحكمة اختياره. وقيل: هل عندهم خزائن أرزاق العباد فيعطونها من شاؤوا، ويحرمونها من شاؤوا.
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾؛ أي: بل أهم المسلطون الجبارون الغالبون على الأمور، يدبرونها كيفما شاؤوا، حتى يدبر أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وفي "عين المعاني": بل أهم الأرباب المسلطون على الناس فيجبرونهم على ما شاؤوا. جمع مسيطر، من السطر كأنه يخط للمسلط عليه خطًّا لا يجاوزه. وفي "كشف الأسرار": المسيطر: المسلط القاهر الذي لا يكون تحت أمر أحد ونهيه، ويفعل ما يشاء. وفي "القاموس": السطر: الصف من الشيء كالكتاب، والشجر وغيره، والخط والكتابة. ويحرك في الكل كما سيأتي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿المصيطرون﴾ بالصاد الخالصة. وهشام، وقنبل، وابن
стр. 12833
محيصن وحميد، ومجاهد، وحفص بخلاف عنه بالسين الخالصة. وهو الأصل. ومن أبدلها صادًا فلأجل حرف الاستعلاء. وهو الطاء. وقرأ خلف عن حمزة، وخلاد عنه بخلاف عنه بصار مشمة زايًا. والمراد: أنه ليس الأمر كذلك بل الله هو المالك المتصرف الفعال لما يريد.
٣٨ - ﴿أَمْ لَهُمْ﴾؛ آي: بل ألهم ﴿سُلَّمٌ﴾؛ أي: مصعد ومرقى منصوب ممدود إلى السماء ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ خبر السماء، وكلام الملائكة، وما يوحى إلهم من علم الغيب حال كونهم صاعدين ﴿فِيهِ﴾؛ أي (١): في ذلك السلم حتى يعلموا ما هو كائن من الأمور التي يتقولون فيها رجمًا بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة. وفي "كشف الأسرار": فيه، أي: عليه، كقوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ أي: عليها.
فإن كانوا يدعون ذلك ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: فليأتوا بحجة تبين أنهم على الحق ما أتى محمد ﷺ بالبرهان الدال على صدق قوله فيما جاءهم به من عند ربه.
٣٩ - وبعد أن رد على الذين أنكروا الألوهية بتاتًا .. ردَّ على من قالوا: الملائكة بنات الله. وسفه أحلامهم إذ اختاروا له البنات ولأنفسهم البنين، فقال: ﴿أَمْ لَهُ﴾ ﴿الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾؛ أي: بل ألربكم البنات ولكم البنون ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. وهذا (٢) إنكار عليهم، حيث جعلوا لله ما يكرهون، أو تسفيه لهم، وتركيك لعقولهم، وإيذان بأن من هذا رأيه لا يكاد يعد من العقلاء، فضلًا عن الترقي بروحه إلى عالم الملكوت، والتطلع على الأسرار الغيبية.
وذلك أن من جعل خالقه أدنى حالًا منه بأن جعل له ما لا يرضى لنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾. فإنه لم يستبعد منه أمثال تلك المقالات الحمقاء.
والالتفات إلى الخطاب لتشديد ما في ﴿أَمْ﴾ المنقطعة من الإنكار والتوبيخ. والمعنى؛ أي (٣): بل أيضيفون إلى الله سبحانه البنات، وهي أضعف الصنفين،
стр. 12834
ويجعلون لأنفسهم البنين وهم أعلاهما. ومن كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقل، فلا يستبعد منه إنكار البعث، وجحد التوحيد.
٤٠ - ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله، وأعرض عنهم، فقال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ أي: بل أتسأل يا محمد هؤلاء المشركين الذين أرسلناك إليهم على ما تدعوهم إليه من توحيد الله وطاعته ﴿أَجْرًا﴾ وجعلا تأخذه من أموالهم ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾؛ أي: من غرامة ما حملتهم من الأجرة؛ أي: من التزام غرامة تطلبها منهم ﴿مُثْقَلُونَ﴾؛ أي: متعبون، مجهودون، مثقلون بحملهم ذلك المغرم الثقيل. فلا يقدرون على إجابتك إلى ما تدعوهم إليه. فالمغرم مصدر ميمي بمعنى الغرم. ولا بد من تقدير مضاف. يعني: لا عذر لهم أصلًا، والدين لايباع بالدنيا. فالأجر على الله تعالى، كما قال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. وقد سبق تحقيقه في مواضع متعددة.
٤١ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾؛ أي: بل أعندهم علم ما غاب عن الخلق. أو المعنى: هل عندهم (١) اللوح المحفوظ المثبت فيه الغيوب ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه للناس فينبئونهم بما شاؤوا، ويخبرونهم بما أرادوا. ليس الأمر كذلك. إذ لا يعلم غيب السموات والأرض إلا الله.
قال قتادة: وهذا جواب (٢) لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. يقول الله تعالى: أم عندهم الغيب حتى علموا أن محمدًا يموت قبلهم، فهم يكتبون؛ أي: يحكمون بما يقولون.
٤٢ - ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾؛ أي: ألا يكتفون بهذه المقالات الفاسدة، ويريدون مع ذلك أن يكيدوا بك كيدًا وإساءة. وهو كيدهم برسول الله ﷺ في دار الندوة، ومكرهم بالقتل، أو الحبس، أو الإخراج. فإن الكيد هو الأمر الذي يسوء من نزل به سواء كان في نفسه حسنًا أو قبيحًا. فالاستفهام في المعطوف للتقرير، وفي المعطوف عليه للإنكار.
وقال سعدي المفتي: الظاهر: أنه من الإخبار بالغيب. فإن السورة مكية وذلك الكيد كان وقوعه ليلة الهجرة. فإن قيل: فليكن نزول الطور في تلك الليلة.
стр. 12835
قلنا: قد ثبت عن ابن عباس ﵄: أنه نزل بعدها بمكة ﴿تَبَارَكَ﴾ الملك وغيرها من السور، انتهى.
وقال في "فتح الرحمن": والظاهر أنه من الإخبار بالغيب. فإنّ السورة مكية، وذلك الكيد كان وقوعه ليلة الهجرة. ثم أهلكهم الله تعالى ببدر عند إنتهاء سنين. عدتها عدة ما هنا من كلمة ﴿أَمْ﴾. وهي خمس عشرة. فإن بدرًا كانت في الثانية من الهجرة. وهي الخامسة عشرة من النبوة. وأذلهم في غير موطن. ومكر سبحانه بهم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ القصر فيه إضافي؛ أي: هم الذين يحيق بهم كيدهم، أو يعود عليهم وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه. فإنه المظفر الغالب عليهم قولًا وفعلًا حجةً وسيفًا، أو هم المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته. فالمراد: ما أصابهم يوم بدر من القتل، كما مرّ آنفًا.
٤٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يعينهم، ويحرسهم من عذابه تعالى؛ أي: بل أيدعون أن لهم إلهًا غير الله تعالى يحفظهم، ويرزقهم، وينصرهم.
ثم نزه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنيعة، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: تنزه الله تعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي (١) عن إشراكهم به. فما مصدرية، أو عن شركة ما يشركونه به، فما موصولة. والمضاف مقدر، وكذا العائد.
٤٤ - ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم، فقال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾؛ أي: وإن يرى هؤلاء المشركون ﴿كِسْفًا﴾ أي: قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ عليهم لتعذيبهم. وفي "عين المعاني": قطعة من العذاب، أو من السماء، أو جانبًا منها. من الكسف وهو التغطية، كالكسوف. والكسف والكسفة بمعنى واحد. وهو القطعة من الشيء. ﴿يَقُولُوا﴾ من فرط طغيانهم، وشدة عنادهم: هو ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾؛ أي: متراكم غليظ يمطرنا؛ أي: هم في طغيان بحيت لو أسقطناه عليهم حسبما قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ لقالوا: هذا السحاب سحاب تراكم؛ أي: ألقي بعضه على بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب.
стр. 12836
وفي "التأويلات النجمية": يعني: أنهم وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ حتى شاهدوه بالعين .. لقالوا إنما سكرت أبصارنا. وليس هذا عيانًا عن مشاهدة. وقد تقدم (١) اختلاف القراء في ﴿كِسَفًا﴾. قال الأخفش: يعني: بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعًا.
والمعنى (٢): أي إنَّ هؤلاء قوم ديدنهم العناد، والمكابرة. فلو رأوا بعض ما سألوا من الآيات، فعاينوا كسفًا من السماء ساقطًا لكذَّبوا، وقالوا: هذا سحاب بعضه فوق بعض؛ لأنّ الله قد ختم على قلوبهم، وأعمى أبصارهم. فأصبحوا ينكرون ما تبصره الأعين، وتسمعه الآذان.
٤٥ - ثم أمر الله سبحانه رسوله لله أن يتركهم، فقال: ﴿فَذَرْهُمْ﴾، أي: فاتركهم يا محمد، وخلهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ ويشاهدوا ﴿يَوْمَهُمُ﴾ مفعول به، لا ظرف ﴿الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾؛ أي: يموتون، ويهلكون. وهو على البناء للمفعول. من صعقته الصاعقة، أو من أصعقته أماتته، وأهلكته. قال ابن الشيخ: المقصود (٣) من الجواب عن الاقتراح المذكور: بيان أنهم مغلوبون بالحجة، مبهوتون، وأن طعنهم ذلك ليس إلا للعناد والمكابرة، حتى لو أجبناهم في جميع مقترحاتهم لم يظهر منهم إلا ما يبنى على العناد والمكابرة. فلذلك رتب عليه قوله: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ بالفاء. وهو أمر موادعة، منسوخ بآية السيف.
والمعنى: أي فدعهم وشأنهم، ولا تكترث بهم، حتى يأتي اليوم الذي يجاوزن فيه بسيئات أعمالهم. وهو يوم بدر، قاله البقاعيّ. وهو الظاهر في الآية، لا النفخة الأولى كما قيل. إذ لا يصعق بها إلا من كان حيًّا حينئذٍ.
وقرأ الجمهور: (٤) ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾. وقرأ أبو حيوة ﴿يلقوا﴾. وقرأ الجمهور ﴿يُصْعَقُون﴾ بفتح الياء بالبناء للفاعل. وقرأ ابن عامر، وعاصم على البناء للمفعول. وقرأ السلمي بضم الياء، وكسر العين من أصعق الرباعيّ.
٤٦ - وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ ولا يدفع ﴿عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ من الإغناء في رد
стр. 12837
العذاب، أو شيئًا من عذاب الله سبحانه، بدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾؛ أي: لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله ﷺ في الدنيا. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ من جهة الغير في رفع العذاب عنهم؛ أي: ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع، بل هو واقع بهم لا محالة.
٤٧ - ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: (١) وإنّ لهؤلاء الظلمة: أبي جهل وأصحابه. ﴿عَذَابًا﴾ آخر ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أي: غير ما لاقوه من القتل؛ أي: قبله. وهو القحط الذي أصابهم سبع سنين، كما مر في سورة الدخان. أو وراءه. وهو عذاب القبر، وما بعده من فنون عذاب الآخرة؛ أي: وإن لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذابًا في الدنيا دون عذاب الآخرة؛ أي: قبله. وهو قتلهم يوم بدر. والظاهر: أن المراد بالعذاب: القحط والجوع سبع سنين قبل يوم بدر؛ لأنّه كان في السنة الثانية للهجرة. والقحط وقع لهم قبلها.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما سيصيرون إليه من عذاب الله، وما أعده لهم في الدنيا والآخرة لفرط جهلهم، وسوء غفلتهم، أو لا يعلمون شيئًا أصلًا.
وفيه إشارة (٢) إلى أن منهم من يعلم ذلك، وإنما يصر على الكفر عنادًا. فالعالم الغير العامل والجاهل سواء. فعلى العاقل أن يحصل علوم الآخرة، ويعمل بها.
٤٨ - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم إلى يومهم الموعود الذي وعدناهم فيه العذاب، وإبقائك فيما بينهم مع مقاساة الأحزان والشدائد، ولا تكن في ضيق مما يمكرون.
يقول الفقير: أمر الله تعالى نبيه علبه السلام بالصبر لحكمه، لا لأذى الكفار وجفائهم تسهيلًا للأمر عليه؛ لأنّ في الصبر لحكمه حلاوةً، ليست في الصبر للأذى والجفاء. وإن كان الصبر له صبرًا للحكم، فاعرف.
﴿فَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا، وفي حمايتنا. فلا تبال بهم. قال الزجاج: إنّك بحيث نراك، ونحفظك، ونرعاك فلا يصلون إليك. وجمع العين لجمع الضمير، والإيذان بغاية الاعتناء في الحفظ،
стр. 12838
وبكثرة أسبابه إظهارًا للتفاوت بين الحبيب والكليم، حيث أفرد فيه العين والضمير، حيث قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. وقيل: جمع العين هنا لأنّه أضيف إلى ضمير الجماعة، وأفرد هناك لكون الضمير مفردًا. وقرأ أبو السمال ﴿بأعينّا﴾ بنون واحدة مشددة.
والمعنى (١): واصبر على أذاهم، ولا تبال بهم، وامض لأمر الله ونهيه، وبلغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا، نراك ونرى أعمالك، ونحوطك، ونحفظك فلا يصل إليك منهم أذى.
﴿وَسَبِّحْ﴾؛ أي: نزهه تعالى عما لا يليق به، حال كونك متلبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وشكره على نعمائه عليك ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مقام قمت. قال سعيد بن جبير، وعطاء؛ أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك؛ أي: سبح الله متلبسًا بحمده. فإن كان ذلك المجلس خيرًا ازددت إحسانًا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسًا فكثر فيه لغطه - الكلام الرديء القبيح - فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .. كان كفارةً لما بينهما". وفي "فتح القريب": "فقد غفر له". يعني: من الصغائر ما لم تتعلق بحق آدمي كالغيبة. وقال الضحاك، والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وقال الكلبي: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة، وهي صلاة الفجر. والأول أولى.
٤٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: وفي بعض ساعات الليل ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ . وأفرد بعض الليل بالتسبيح والصلاة؛ لأنّ العبادة فيه أشق على النفس، وأبعد عن الرياء. كما يلوح إليه تقديمه على الفعل. يقول الفقير؛ ولأن الليل زمان المعراج، والصلاة هو المعراج المعنوي. فمن أراد أن يلتحق برسول الله ﷺ في معراجه فليصل بالليل والناس نيام؛ أي: في جوفه حين غفلة الناس. ولشرف ذلك الوقت كان معراجه ﷺ
стр. 12839
في ذلك الوقت، لا قرب الصباح. لأن في قربه قد يستيقظ بعض النفوس للحاجات. وإن كان السحر الأعلى مما له خواص كثيرة. وقال مقاتل؛ أي: صل صلاة المغرب والعشاء. وقيل: ركعتي الفجر.
﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بكسر الهمزة مصدر أدبر الرباعي. والنجوم: جمع نجم. وهو الكوكب الطالع. يقال: نجم نجومًا ونجمًا؛ أي: طلع.
والمعنى: وسبح وقت إدبارها من آخر الليل؛ أي: وقت غيبتها بضوء الصباح. وقيل: صلاة الفجر. واختاره ابن جرير. وقيل: هو التسبيح في أدبار الصلوات.
وقرأ الجمهور ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بكسر الهمزة على أنه مصدر. وقرأ سالم بن أبي الجعد، ومحمد بن السميقع، ويعقوب، والمنهال بن عمر بفتحها على الجمع؛ أي: أعقاب النجوم، وأدبارها إذا غربت. ودبر الأمر آخره. وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ق. وفي ختم هذه السورة بالنجوم، وافتتاح السورة الآتية بالنجم من حسن الانتهاء والابتداء، ما لا يخفى.
الإعراب
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾.
﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام، ﴿خُلِقُوا﴾ فعل ماض، مغير الصيغة، ونائب فاعل. والجملة مستأنفة أو معطوفة. ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقُوا﴾، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿أَمْ﴾ حرف إضراب وعطف، ﴿عِنْدَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة مستأنفة أو معطوفة. ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ مبتدأ وخبر، معطوف على ما قبله، ﴿أَمْ﴾ حرف إضراب بمعنى بل وهمزة الاستفهام، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿سُلَّمٌ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة مستأنفة. وجملة ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ صفة لـ ﴿سُلَّمٌ﴾، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾. ﴿فَلْيَأْتِ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إن ادّعوا ذلك، وأردت إلزامهم الحجة ... فأقول لك قل لهم ليأت مستمعكم بسلطان مبين على ذلك. واللام حرف
стр. 12840
جزم وطلب، ﴿يأت﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الطلب، ﴿مُسْتَمِعُهُمْ﴾ فاعل، ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ متعلق بـ ﴿يأت﴾، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿سلطان﴾. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾.
﴿أَمْ﴾ حرف إضراب واستفهام، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿الْبَنَاتُ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة مستأنفة. ﴿وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ معطوف على ﴿لَهُ الْبَنَاتُ﴾. ﴿أَمْ﴾ حرف إضراب، ﴿تَسْأَلُهُمْ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول أول، ﴿أَجْرًا﴾ مفعول ثان. والجملة مستأنفة. ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿هم﴾ مبتدأ، ﴿مِنْ مَغْرَمٍ﴾ متعلق بـ ﴿مُثْقَلُونَ﴾، و ﴿مُثْقَلُونَ﴾ خبر. والجملة معطوفة مفرعة على الجملة الفعلية. ﴿أَمْ﴾ حرف إضراب ﴿عِنْدَهُمُ﴾ خبر مقدم، ﴿الْغَيْبُ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة مستأنفة. ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَكْتُبُونَ﴾ خبره. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ﴾ حرف إضراب، ﴿يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ فعل، وفاعل، ومفعول. والجملة إضرابيّة، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَالَّذِينَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿الذين﴾ مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، لا محل له من الإعراب، ﴿الْمَكِيدُونَ﴾ خبر. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية. ﴿أَمْ﴾ حرف إضراب ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿إِلَهٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهٌ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا. والجملة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾ متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾ صلة لما الموصولة، أو لما المصدرية.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿يَرَوْا﴾ فعل، وفاعل، مجزوم
стр. 12841
بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿كِسْفًا﴾ مفعول به، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ صفة لـ ﴿كِسْفًا﴾، ﴿سَاقِطًا﴾ صفة لـ ﴿كِسْفًا﴾. ﴿يَقُولُوا﴾ فعل، وفاعل، مجزوم على كونه جواب الشرط. والجملة مستأنفة، أو معطوفة. ﴿سَحَابٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو سحاب. ﴿مَرْكُومٌ﴾ صفة ﴿سَحَابٌ﴾. والجملة في محل النصب، مقول لـ ﴿يَقُولُوا﴾. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا بلغوا في الكفر والعناد إلى هذا الحدّ، وتبيّن أنّهم لا يرجعون عن الكفر، وأردت بيان ما هو الأسهل عليك فأقول لك ذرهم. ﴿ذرهم﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، ﴿يُلَاقُوا﴾ فعل، وفاعل، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى. ﴿يَوْمَهُمُ﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بحتى، تقديره: إلى ملاقاتهم يومهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ذرهم﴾. ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿يَوْمَهُمُ﴾، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُصْعَقُونَ﴾، و ﴿يُصْعَقُونَ﴾ فعل مغير، ونائب فاعل، صلة الموصول، والعائد ضمير "فيه"، ﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يُغْنِي﴾ فعل مضارع، ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به، ﴿كَيْدُهُمْ﴾ فاعل ﴿يُغْنِي﴾، ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به أو مفعول مطلق. وجملة ﴿لَا يُغْنِي﴾ في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ من الفعل المغير، ونائب فاعله في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿لَا يُغْنِي﴾. ﴿وإن﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لِلَّذِينَ﴾: خبر ﴿إن﴾ مقدم وجعلة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول. ﴿عَذَابًا﴾: اسم ﴿إن﴾ مؤخر، ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَكِنَّ﴾ الواو: عاطفة، ﴿لكن﴾ حرف نصب، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبرها. وجملة لكن معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَاصْبِرْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اصبر﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة. ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اصبر﴾، ﴿فَإِنَّكَ﴾ الفاء: تعليلية، ﴿إنك﴾ ناصب واسمه، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ خبره؛ أي: بمرأى منّا. وجملة ﴿إِنَّ﴾ تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَسَبِّحْ﴾ فعل، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿اصبر﴾، ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حال من فاعل ﴿سبّح﴾، ﴿حِينَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿سبح﴾، وجملة
стр. 12842
﴿تَقُومُ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ متعلق بـ ﴿فَسَبِّحْهُ﴾، و ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿اصبر﴾، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ مصدر ناب مناب الظرف، منصوب على الظرفية، معطوف على محل ﴿من الليل﴾ على كونه متعلقًا بسبّحه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾؛ أي: من غير خالق. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ جمع خزانة بالكسر. وهو مكان الخزن، يقال: خزن المال أحرزه، وجعله في الخزانة. وهو على حذف مضاف؟ أي: خزائن رزقه ورحمته.
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ جمع مسيطر. والمسيطر: المسلط القاهر، حتى لا يكون تحت أمر أحد من سيطر عليه إذا راقبه وحفظه أو قهره. ولم يأت على مفيعل إلا خمسة ألفاظ. أربعة صفة اسم فاعل. مهيمن: من هيمن، إذا اطلع وراقب. ومبيقر: من بيقر، إذا أفسد وأهلك، ومشى مشية المتكبر، كما في "القاموس". ومسيطر: من سيطر، إذا تسلط. ومبيطر: من بيطر الدواب إذا عالج. وواحد اسم جبل. وهو المحيصر.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ قال الراغب: السلم: ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية فيرجى به السلامة. ثم جعل اسمًا لما يتوصل به إلى كل شيء رفيع. ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة واضحة تصدق استماعه. ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾؛ أي: التزام غرامة تطلبها منهم. فالمغرم: مصدر ميمي بمعنى الغرم. وفي "الكشاف": المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه. وفي "فتح الرحمن": المغرم: ما يلزم أداؤه. وفي "المفردات": الغرم: ما ينوب الإنسان من ماله من ضرر بغير جناية منه، وكذا المغرم والغريم يقال لمن له الدين، ولمن عليه الدين، انتهى.
﴿مُثْقَلُونَ﴾؛ أي: محملون ثقلًا وحملًا. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾؛ أي: مكرًا وتحيلًا في هلاكك. وفي "المصباح": كاد كيدًا من باب باع، إذا خدعه ومكر به. والاسم المكيدة. وكان هذا المكر في دار الندوة، وهي دار من دور أهل مكة للمشاورة فيها إذا أشكل عليهم الأمر. وفي "التعريفات": الكيد: إرادة مضرة الغير خفية. وهو من الخلق الحيلة السيئة، ومن الله التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق.
стр. 12843
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ جمع مكيد، اسم مفعول من كاد يكيد، فهو مكيد بوزن مبيع. وأصله: مكيودون، جمع مكيود، نقلت حركة الياء إلى الكاف فسكنت، فالتقى ساكنان: الياء، وواو مفعول، فحذفت واو مفعول لأنَّها زائدة، هذا على رأي سيبويه، ثم كسرت الكاف لمناسبة الياء. وأما على رأي الأخفش فإنه يرى أن المحذوف منه الياء، وأنها لما حذفت كسر فاء الكلمة، ثم قلبت ﴿الواو﴾ ياء لسكونها إثر كسرة.
﴿كِسْفًا﴾؛ أي: قطعة. وفي "القاموس": الكسفة بالكسر: القطعة من الشيء، والجمع كسف كسدرة وسدر، وكسف كقربة وقرب. وفي "المختار": وقيل: الكسف والكسفة واحد. ﴿مَرْكُومٌ﴾؛ أي: متراكم ملقى بعضه على بعض. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ أصله: يلاقيون بوزن يفاعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت القاف لمناسبة الواو، وحذفت نون الرفع لدخول أداة النصب.
﴿الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾؛ أي: يهلكون من صعقته الصاعقة، أو من أصعقته أماتته وأهلكته. قال في "المختار": صعق الرجل بالكسر صعقة غشي عليه، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مات، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: في حفظنا وحراستنا. ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾؛ أي: وقت إدبار النجوم، وغيبتها، وغروبها. والمراد بغروبها: ذهاب ضوئها بغلبة ضوء الصبح عليه، وإن كانت باقية في السماء، وذلك بطلوع الفجر، اهـ خطيب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجناس المغاير بين ﴿الْخَالِقُونَ﴾ و ﴿خَلَقُوا﴾ في قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾؛ أي: خزائن رحمة ربك.
стр. 12844
ومنها: ضرب المثل بالخزائن؛ لأنّ الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر. ومقدرات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس، فلا نهاية لها، اهـ قرطبي.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التوبيخ والتقريع لهم في قوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ تسجيلًا عليهم بصفة الكفر القبيحة.
والأصل: أم يريدون كيدًا فهم المكيدون. وفيه أيضًا القصر الإضافي؛ أي: هم الذين يحيق بهم كيدهم، أو يعود عليهم وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه.
ومنها: أسلوب الفرض والتقدير في قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾؛ أي: لو رأوا ذلك ... لقالوا ما قالوا. ومن المعلوم أنّ قريشًا لم ينزل عليهم قطع من السماء تعذيبًا لهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. فالكلام على سبيل الفرض والتقدير. كأنه يقول: لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء عليهم لم ينتهبوا ولم يرجعوا، ويقولون في هذا النازل عنادًا واستهزاءً، وإغاظة لمحمد ﷺ : إنه سحاب مركوم، اهـ شيخنا.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12845
خلاصة ما حوته هذه السورة الكريمة
تضمنت هذه السورة ما يلي:
١ - القسم بالعالم العلوي والسفلي على أن العذاب آت لا محالة.
٢ - وصف عذاب النار، وما يلاقيه المكذبون حينئذٍ من الذلة والمهانة.
٣ - وصف نعيم أهل الجنة، وما يتمتعون به من اللذات في مساكنهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وأزواجهم، وخدمهم، وحشمهم.
٤ - أمر الرسول ﷺ بالثبات على تبليغ الرسالة، والإعراض عن سفاهتهم من نحو قولهم: هو شاعر، هو كاهن، هو مجنون، هو مفتر.
٥ - إثبات الألوهية بالبراهين التي لا تقبل جدلًا.
٦ - النعي على المشركين في قولهم: الملائكة بنات الله.
٧ - بيان أنهم بلغوا في عنادهم حدًّا ينكرون معه المحسوسات التي لا شك فيها.
٨ - أمر الرسول ﷺ أن يتركهم وشأنهم حتى يأتي اليوم الذي كانوا يوعدون.
٩ - الإخبار بأن الظالمين في كل أمة، وكل جيل يعذبون في الدنيا قبل عذابهم في الآخرة.
١٠ - الإخبار بأن الله حارس نبيه وكالئه فلا يصل إليه أذى من خلفه كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
١١ - أمره ﷺ بالذكر والتسبيح آناء الليل، وأطراف النهار، وفي كل موطنٍ ومجلس يقوم فيه (١).
والله أعلم
* * *
стр. 12846
سورة النجم
سورة النجم مكيّة جميعًا في قول الجمهور، وروي عن ابن عباس، وعكرمة: أنّها مكية، إلا آية منها وهي مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ الآية، نزلت بعد سورة الإخلاص.
وهي (١) اثنتان وستون آيةً، وثلاثمائة وستون كلمةً، وألف وأربع مئة وخمسة أحرف.
مناسبتها لما قبلها من وجوه (٢):
١ - إنّ السورة قبلها ختمت بقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، وبدئت هذه بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾.
٢ - إنّ السورة قبلها ذكر فيها تقوُّل القرآن، وافتراؤه وذكر هذا في مفتتح هذه السورة.
٣ - إنه ذكر في التي قبلها أن ذرية المؤمنين تبع لآبائهم، وفي هذه ذكر ذرية اليهود في قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
٤ - إنه قال هناك في المؤمنين: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقال هنا في الكفار: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾.
وقال أبو حيان: مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة؛ لأنه قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾؛ أي: اختلق القرآن، ونسبوه إلى الشعر، وقالوا: هو كاهن ومجنون. فأقسم تعالى إنه ما ضل، وإن ما يأتي به هو وحي من الله، انتهى.
تسميتها: سميت سورة النجم لقوله في أوّلها: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾.
стр. 12847
فضائلها: ومن فظائلها ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود أنها أول سورة أعلن النبي ﷺ قراءتها، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون.
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي: إنَّ أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد الناس كلهم إلا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا. وهو أمية بن خلف.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم (١): سورة النجم كلها محكم إلا آيتين:
إحداهما: قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٢٩) الآية، نسخت بآية السيف.
والثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٣٩) نسخت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية. فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفِّع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (١١) سورة النساء، انتهى.
والله أعلم
* * *
ولقد رأه مرتين على صورته التي خلقه الله عليها بأجنحته وأوصافه الملكية. مرة بغار حراء في بدء النبوة، وأخرى ليلة المعراج، حين عرج به إلى السماء، ورأى من عجائب صنع الله ما رأى مما استطاع أن يخبركم به، ومما لم يستطع ذلك. فكيف بكم تجادلونه فيما أخبركم به؟ وتقولون طورًا: إنه مجنون، وطورًا آخر: إنه كاهن، وطورًا ثالثًا: إنه شاعر، وما كل هذا بالذي ينطبق على أوصافه. وهو صاحبكم، وأنتم أعلم بحاله، فحق عليكم أن تسمعوا قوله، وأن تطيعوا أمره. فتفوزوا برضوان من ربه.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١) لما بين أن ما رآه محمد ﷺ من العجائب ليلة المعراج قال للمشركين: ماذا رأيتم في هذه الأصنام، وكيف تحصرون أنفسكم في العالم المادّيّ وأصنامه، وتقطعون على أنفسكم طريق التقدم والارتقاء، وإن النفس لا ترقى إلا بما استعدت له. فإذا وقفت النفوس عند هذه المادة، وتلك الأصنام لم يكن لها عروج إلى السماء. ولاسيما أن هذه الأصنام لا تشفع لهم عند ربهم، ولا تجديهم نفعًا.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن لله سبحانه لما أمر رسوله بالإعراض عن المشركين مع شدة ميله إلى إيمانهم، وتطلعه إلى هدايتهم، وتعلقه بصلاحهم وإرشادهم، وهم قومه وعشيرته، وأبان له أن هؤلاء قوم انصرفوا عن النظر إلى الحق، ووجهوا همهم إلى زخرف الدنيا، وأن منتهى علمهم التصرف في شؤونها فهي قبلتهم التي إليها يحجون، ومطمع أنظارهم الذي إليه يرنون. وذكر أنه هو العليم باستعدادهم، وأنهم قوم ضالون، لا يصل الحق إلى شغاف قلوبهم، ولا يلتفتون إليه بعيونهم .. ذكر هنا أنه لا يهملهم، بل سيجزيهم بسوء صنيعهم. وهو العليم بما في السموات والأرض، فلا يترك عباده هملًا، بل يجازيهم بعدله. فيثيب المحسن بالجنة، ويعاقب المسيء على سوء صنيعه بما هو أهله. ثم أردف ذلك ذكر أوصاف المحسنين، وأنهم هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ولا
стр. 12850
يقع منهم إلا اللمم من صغائر الذنوب الفينة بعد الفينة، ويتوبون منه، ولا يصرون عليه. ثم حذر عباده بأنه لا تخفي عليه خافية من أمورهم من لحظة أن كانوا أجنة في بطون أمهاتهم إلى أن يموتوا. فيعلم المطيع من العاصي. فلا حاجة للعبد إذًا إلى مدح نفسه بفعل الطاعات، واجتناب السيئات.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الواحدي، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبيٌّ صغيرٌ: هو صدِّيقٌ. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: "كذبت اليهود، ما من نسمة يخلقه الله سبحانه في بطن أمه، إلا ويعلم أنه شقي أو سعيد". فأنزل الله عند ذلك هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ أي: أقسم لكم أيها المشركون بالنجم. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ وسقط للغروب. والتعريف فيه (٢) للجنس. والمراد به: جنس النجوم، وبه قال جماعة من المفسرين. وقيل: المراد به: الثريا. وهو اسم غلب فيها. تقول العرب: النجم، وتريد به الثريا، وبه قال مجاهد، وغيره. والثريا (٣) سبعة كواكب، ولا يكاد يرى السابع منها لخفائه.
وفي الحقيقة إنها اثنا عشر كوكبًا. وكان رسول الله ﷺ يراها كلها بالقوة التي جعلها الله سبحانه في بصره. وقال في "عين المعاني": وهي سبعة أنجم ظاهرة، والسابع تمتحن به الأبصار، وكانت قريش تجلها، وتقول: أحسن النجم في السماء الثريا. والثريا في الأرض زين السماء، وكانت رحلتاها عند طلوعها وسقوطها. فإذا طلعت بالغداة عدُّوها من الصيف، وإذا طلعت بالعشي عدوها من الشتاء، وقال السدي (٤): النجم هنا: هو الزهرة. لأنَّ قومًا من العرب كانوا يعبدونها. وقيل: