← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

سورة النجم سورة النجم مكيّة جميعًا في قول الجمهور، وروي عن ابن عباس، وعكرمة: أنّها مكية، إلا آية منها وهي مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ الآية، نزلت بعد سورة الإخلاص. وهي (١) اثنتان وستون آيةً، وثلاثمائة وستون كلمةً، وألف وأربع مئة وخمسة أحرف. مناسبتها لما قبلها من وجوه (٢): ١ - إنّ السورة قبلها ختمت بقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، وبدئت هذه بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾. ٢ - إنّ السورة قبلها ذكر فيها تقوُّل القرآن، وافتراؤه وذكر هذا في مفتتح هذه السورة. ٣ - إنه ذكر في التي قبلها أن ذرية المؤمنين تبع لآبائهم، وفي هذه ذكر ذرية اليهود في قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. ٤ - إنه قال هناك في المؤمنين: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقال هنا في الكفار: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾. وقال أبو حيان: مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة؛ لأنه قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾؛ أي: اختلق القرآن، ونسبوه إلى الشعر، وقالوا: هو كاهن ومجنون. فأقسم تعالى إنه ما ضل، وإن ما يأتي به هو وحي من الله، انتهى. تسميتها: سميت سورة النجم لقوله في أوّلها: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾.

стр. 12847

فضائلها: ومن فظائلها ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود أنها أول سورة أعلن النبي ﷺ قراءتها، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون. ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي: إنَّ أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد الناس كلهم إلا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا. وهو أمية بن خلف. الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم (١): سورة النجم كلها محكم إلا آيتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٢٩) الآية، نسخت بآية السيف. والثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٣٩) نسخت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية. فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفِّع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (١١) سورة النساء، انتهى. والله أعلم * * *

стр. 12848

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾. المناسبة قد تقدم آنفًا بيان المناسبة بين أوّل هذه السورة، وآخر التي سبقت. وقد أقسم (١) ربنا بخلق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتها إلا هو، وهي نجوم السماء التي تهدي الساري في الفلوات، وترشده إلى البعيد من المسافات، على أن محمدًا صاحبكم نبي حقًّا، وما ضل عن طريق الرشاد، ولا اتبع الباطل، ولا يتكلم إلا بوحي يوحيه الله إليه، ويعلمه إياه جبريل شديد القوى.

стр. 12849

ولقد رأه مرتين على صورته التي خلقه الله عليها بأجنحته وأوصافه الملكية. مرة بغار حراء في بدء النبوة، وأخرى ليلة المعراج، حين عرج به إلى السماء، ورأى من عجائب صنع الله ما رأى مما استطاع أن يخبركم به، ومما لم يستطع ذلك. فكيف بكم تجادلونه فيما أخبركم به؟ وتقولون طورًا: إنه مجنون، وطورًا آخر: إنه كاهن، وطورًا ثالثًا: إنه شاعر، وما كل هذا بالذي ينطبق على أوصافه. وهو صاحبكم، وأنتم أعلم بحاله، فحق عليكم أن تسمعوا قوله، وأن تطيعوا أمره. فتفوزوا برضوان من ربه. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١) لما بين أن ما رآه محمد ﷺ من العجائب ليلة المعراج قال للمشركين: ماذا رأيتم في هذه الأصنام، وكيف تحصرون أنفسكم في العالم المادّيّ وأصنامه، وتقطعون على أنفسكم طريق التقدم والارتقاء، وإن النفس لا ترقى إلا بما استعدت له. فإذا وقفت النفوس عند هذه المادة، وتلك الأصنام لم يكن لها عروج إلى السماء. ولاسيما أن هذه الأصنام لا تشفع لهم عند ربهم، ولا تجديهم نفعًا. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن لله سبحانه لما أمر رسوله بالإعراض عن المشركين مع شدة ميله إلى إيمانهم، وتطلعه إلى هدايتهم، وتعلقه بصلاحهم وإرشادهم، وهم قومه وعشيرته، وأبان له أن هؤلاء قوم انصرفوا عن النظر إلى الحق، ووجهوا همهم إلى زخرف الدنيا، وأن منتهى علمهم التصرف في شؤونها فهي قبلتهم التي إليها يحجون، ومطمع أنظارهم الذي إليه يرنون. وذكر أنه هو العليم باستعدادهم، وأنهم قوم ضالون، لا يصل الحق إلى شغاف قلوبهم، ولا يلتفتون إليه بعيونهم .. ذكر هنا أنه لا يهملهم، بل سيجزيهم بسوء صنيعهم. وهو العليم بما في السموات والأرض، فلا يترك عباده هملًا، بل يجازيهم بعدله. فيثيب المحسن بالجنة، ويعاقب المسيء على سوء صنيعه بما هو أهله. ثم أردف ذلك ذكر أوصاف المحسنين، وأنهم هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ولا

стр. 12850

يقع منهم إلا اللمم من صغائر الذنوب الفينة بعد الفينة، ويتوبون منه، ولا يصرون عليه. ثم حذر عباده بأنه لا تخفي عليه خافية من أمورهم من لحظة أن كانوا أجنة في بطون أمهاتهم إلى أن يموتوا. فيعلم المطيع من العاصي. فلا حاجة للعبد إذًا إلى مدح نفسه بفعل الطاعات، واجتناب السيئات. أسباب النزول قوله تعالى (١): ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الواحدي، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبيٌّ صغيرٌ: هو صدِّيقٌ. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: "كذبت اليهود، ما من نسمة يخلقه الله سبحانه في بطن أمه، إلا ويعلم أنه شقي أو سعيد". فأنزل الله عند ذلك هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ أي: أقسم لكم أيها المشركون بالنجم. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ وسقط للغروب. والتعريف فيه (٢) للجنس. والمراد به: جنس النجوم، وبه قال جماعة من المفسرين. وقيل: المراد به: الثريا. وهو اسم غلب فيها. تقول العرب: النجم، وتريد به الثريا، وبه قال مجاهد، وغيره. والثريا (٣) سبعة كواكب، ولا يكاد يرى السابع منها لخفائه. وفي الحقيقة إنها اثنا عشر كوكبًا. وكان رسول الله ﷺ يراها كلها بالقوة التي جعلها الله سبحانه في بصره. وقال في "عين المعاني": وهي سبعة أنجم ظاهرة، والسابع تمتحن به الأبصار، وكانت قريش تجلها، وتقول: أحسن النجم في السماء الثريا. والثريا في الأرض زين السماء، وكانت رحلتاها عند طلوعها وسقوطها. فإذا طلعت بالغداة عدُّوها من الصيف، وإذا طلعت بالعشي عدوها من الشتاء، وقال السدي (٤): النجم هنا: هو الزهرة. لأنَّ قومًا من العرب كانوا يعبدونها. وقيل:

стр. 12851

النجم هنا: النبت الذي لا ساق له، كما في قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾، قاله الأخفش. وقيل: النجم محمد ﷺ . وقيل: النجم القرآن، وسمي نجمًا لكونه نزل منجمًا مفرقًا، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق المنجم، وبه قال مجاهد، والفرّاء، وغيرهما، والأول أولى، قال الحسن: المراد بالنجم: النجوم، إذا سقطت يوم القيامة. وقيل: المراد بها: النجوم التي ترجم بها الشياطين. ومعنى هويه: سقوطه من علو إلى سفل. يقال: هوى النجم يهوى هويًّا، إذا سقط من علو إلى سفل. وقيل: غروبه. وقيل: طلوعه. والأوَّل أولى. وبه قال الأصمعيّ، وغيره. ومعنى الهويِّ على قول من فسَّر النجم بالقرآن: أنه نزل من أعلى إلى أسفل. وأما على قول من قال: إنه النبت الذي لا ساق له، أو إنه محمد ﷺ ، فلا يظهر للهوي معنى صحيح. وهذا القسم (١) جريًا على عادة العرب فإنها تقسم بكل ما تستعظمه، وتريد إظهار تعظيمه. وقيل: كل موضع أقسم فيه الرب بمخلوق، فالرب فيه مضمر كقوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾؛ أي: ورب النجم، ورب الذاريات، وأشباه ذلك. والعامل في ﴿إِذَا﴾ هو فعل القسم المقدر؛ أي: أقسم. فإنه بمعنى مطلق الوقت، منسلخ عن معنى الاستقبال، كما في قولك: أتيتك إذا احمر البُسْر. فلا يلزم عمل فعل الحال في المستقبل. يعني: إن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و ﴿إذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فيكون المعنى: أقسم الآن بالنجم وقت هوى بعد هذا الزمان. ثم إن الله سبحانه أقسم بالنجم حين هوى؛ أي: وقت هويه؛ لأن شأنه أن يهتدي به الساري إلى مسالك الدنيا. كأنّه قيل: والنجم الذي يهتدي به السابلة في البر، والجارية في البحر إلى سواء السبيل. ٢ - ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ أيها المشركون محمد ﷺ . وهو جواب القسم؛ أي: ما عدل، ولا مال في أقواله وأفعاله عن طريق الحق الذي هو مسلك الآخرة. وهذا دليل على أن قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ ليس من ضلال الغي. فإنه ﷺ قبل الوحي، وبعده لم يزل يعبد ربه، ويوحده، ويتوقى مستقبحات الأمور. وفيه (٢) بيان فضل

стр. 12852

النبي ﷺ حيث إن الله تعالى قال في حق آدم ﵇: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾، وقال في حقه ﷺ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾. ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ وأخطأ في اعتقاده؛ لأنَّ الغي اعتقاد شيء فاسد باطل. فعطفه على ﴿مَا ضَلَّ﴾ من عطف الخاصّ على العام، للاهتمام بشأن الخاص. فإنه فرق بين الغي والضلال، بأن الغي هو الخطأ في الاعتقاد خاصة، والضلال أعم منه. لأنه يتناول الخطأ في الأقوال، والأفعال، والأخلاق، والعقائد التي شرعها الله سبحانه، وبينها لعباده. والمعنى: ما عدل صاحبكم عن طريق الحق في الأقوال، والأفعال، والاعتقاد، وغيرها. وما اعتقد باطلًا قط؛ أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهمونه من الضلال والغواية في شيء أصلًا. وكانوا يقولون: ضل محمد عن دين آبائه، وخرج عن الطريق، وتقوَّل شيئًا من تلقاء نفسه. فرد الله عليهم بنفسه بتنزيل هذه السورة تعظيمًا له. والخطاب لقريش (١)، وإيراده ﷺ بعنوان صاحبيته لهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله، وإحاطتهم خبرًا ببراءته ﷺ مما نفي عنه بالكلية، واتصافه بغاية الهدى والرشاد. فإنَّ طول صحبتهم له، ومثاهدتهم محاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتمًا، كما في "الإرشاد". ويؤيد ما في "الإرشاد": قول الراغب في "المفردات": لا يقال: الصاحب في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. سمي النبي ﷺ صاحبهم تنبيهًا على أنكم صحبتموه، وجربتموه، وعرفتم ظاهره وباطنه، ولم تجدوا به خبلًا ولا جنة. وتقييد القسم بوقت الهوى؛ لأنَّ النجم لا يهتدي به الساري عند كونه في وسط السماء، ولا يعلم المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. وإنما يهتدي به عند هبوطه أو صعوده مع ما فيه من كمال المناسبة لما سيحكي من تدلي جبريل من الأفق الأعلى، ودنوه منه ﵉. وقال سعدي المفتي: ثم التقييد بوقت الهوى؛ أي: الغروب لكونه أظهر دلالة على وجود الصانع، وعظيم قدرته،

стр. 12853

كما قال الخليل ﵇: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. قال ابن الشيخ في "حواشيه": وفيه لطيفة. وهي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه، وقد كان فيهم من يعبده، فنبه بهويه على عدم صلاحيته للإلهية بأفوله. وقيل: خص الهوى دون الطلوع؛ لأنَّ لفظة النجم دلت على طلوعه. فإن أصل النجم الكوكب الطالع. ومعنى الآية: أقسم (١) بمخلوقاتي العظيمة. وهي النجوم التي تسير في مداراتها، ولا تعدوا أفلاكها، والتي تهتدون بها في الفيافي والقفار في حلكم، وترحالكم، في سفركم وحضركم، وفي البحار، ولها لديكم منزلة عظمى في حياتكم المعيشية أنَّ محمّدًا نبي حقًّا، وما حاد عن سبيل الحق، ولا سلك سبيل الباطل. وقد خاطب سبحانه بهذا القسم العرب الذين يعرفون ما للنجوم من جزيل الفضل عليهم في تعيين المواسم، والفصول ليستعدوا للنجعة، ويرتادوا الكلأ بعد سقوط المطر، ويزرعوا ما يتسنى لهم أن يزرعوه، وهم يتيامنون ببعضها، ويتشاءمون ببعض آخر. إلى أن القسم بها ينبهنا إلى أن هناك عوالم وأجرامًا علوية، يجب علينا أن نتعرف أمرها، لنستدل بها على عظيم قدرة مبدعها، وبديع صنعه. والخلاصة: أنَّ الرسول ﷺ راشد، مرشد، تابع للحق ليس بضال، ولا هو بسالك للطريق بغير علم، ولا بغاو يعدل عن الحق قصدًا إلى غيره. وبهذا نزه الله رسوله وشرعه عن مشايعة أهل الضلال من اليهود والنصارى الذين يعلمون الحق، ويعملون بخلافه. فهو في غاية الاستقامة، والاعتدال، والسداد. ٣ - وضمن كلمة ﴿يَنْطِقُ﴾ في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ معنى الصدور (٢)، فعداه بكلمة ﴿عَنِ﴾. فالمعنى: وما يصدر نطقه بالقرآن عن هواه ورأيه أصلًا. فإن المراد: استمرار نفي النطق عن الهوى، لا نفي استمرار النطق عنه، وقد يقال: ﴿عَنِ﴾ هنا بمعنى الباء؛ أي: وما ينطق بالهوى، كما يقال: رميت السهم عن القوس؛ أي: بالقوس. وفي "التنزيل": ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي:

стр. 12854

بقولك. قال ابن الشيخ: قال أوّلًا: ﴿مَا ضَلَّ﴾، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ بصيغة الماضي، ثم قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ بصيغة المستقبل بيانًا لحاله قبل البعثة وبعدها، أي: ما ضل، وما غوى حين اعتزلكم وما تعبدون قبل أن يبعث رسولًا، وما ينطق عن الهوى الآن، حين يتلو عليكم آيات ربه، انتهى. ٤ - ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما الذي ينطق به محمد ﷺ من القرآن، وغيره ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ من الله . وقوله: ﴿يُوحَى﴾ إليه بواسطة جبرئيل ﵇ صفة مؤكدة لوحي، رافعة لاحتمال المجاز، مفيدة للاستمرار التجددي. يعني: أن فائدة الوصف التنبيه على أنه وحي حقيقة، لا أنه يسمى به مجازًا. والوحي قد يكون اسمًا بمعنى الكتاب الإلهي، وقد يكون مصدرًا. وله معان: الإرسال، والإلهام، والكتابة، والكلام، والإشارة، والإفهام. وفيه (١) إشارة إلى أن النبي ﷺ قد فني عن ذاته، وصفاته، وأفعاله في ذات الله، وصفاته، وأفعاله. بحيث لم يبق منه لا اسم، ولا رسم، ولا أثر، ولا عين. فكان ناطقًا بنطق الحق، لا بنطق البشرية. فلا يتوهم فيه أن يجري عليه الخطرات الشيطانية، والهواجس النفسانية. وقال بعض المفسرين (٢): إن قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ رد لقولهم: إنه مجنون. وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ رد لقولهم: ﴿هُوَ شَاعِرٌ﴾؛ أي: ليس بينه وبين الغواية تعلق وارتباط. وقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ رد لقولهم: كاهن. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ تأكيد لما تقدم؛ أي: فلا هو بقول كاهن، ولا هو بقول شاعر. والهوى كما سيأتي الميل إلى الشهوات والمستلذات من غير داعية الشرع. ٥ - ﴿عَلَّمَهُ﴾ أي: علم صاحبكم محمدًا ﷺ القرآن ملك شديد القوى؛ أي: نزل به عليه، وقرأه عليه، وبينه له. هذا على أن يكون الوحي بمعنى الكتاب. وإن كان بمعنى الإلهام، فتعليمه بتبليغه إلى قلبه. فيكون كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى

стр. 12855

قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾. وقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ من (١) إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، مثل؛ حسن الوجه، والموصوف محذوف، كما قدرنا آنفًا؛ أي: علمه ملك شديد قواه؛ أي: شديد قوة الجسم والبدن، وهو جبريل ﵇. فإنه الواسطة في إبداء الخوارق. ويكفيك دليلًا على شدة قوته أنه قلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها، وصاح بثمود صيحة، فأصبحوا جاثمين. وكان هبوطه على الأنبياء ﵈، وصعوده في أسرع من رجعة الطرف. ٦ - ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾؛ أي: صاحب حصافة واستحكام في عقله ورأيه، ومتانة في دينه. وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾، كما أشار إليه القرطبي ونصه. ﴿فَاسْتَوَى﴾؛ أي: ارتفع (٢) جبريل، وعلا إلى مكانه في السماء بعد أن علَّم محمدًا ﷺ ، قاله سعيد بن المسيب، وابن جبير. وقيل: معنى ﴿فَاسْتَوَى﴾؛ أي: قام، وظهر في صورته التي خلق عليها؛ لأنّه كان يأتي النبي ﷺ في صورة الآدميين، كما يأتي إلى الأنبياء. فسأله النبي ﷺ أن يريه نفسه التي جبله الله عليها، فأراه نفسه مرتين. مرة في الأرض، ومرة في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى. وذلك أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها. وكان رسول الله ﷺ بجبل حراء. وهو الجبل المسمى بجبل النور في قرب مكة. فقال: إنّ الأرض لا تسعني، ولكن أنظر إلى السماء، فطلع له جبريل من المشرق، فسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله ﷺ ، كما خر موسى في جبل الطور، فنزل جبريل في صورة الآدميين، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. ولم يره أحد من الأنبياء على صورته التي خلق عليها إلا نبينا محمد ﷺ . وقيل: إن معنى ﴿فَاسْتَوَى﴾؛ أي: استوى القرآن في صدر محمد ﷺ حين نزل عليه.

стр. 12856

٧ - وقوله: ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: جبرئيل ﵇ ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ من الأرض؛ أي: بالمثسرق، حال من فاعل ﴿اسْتَوَى﴾؛ أي: استوى جبريل، وظهر على صورته الأصلية، والحال أن جبريل بأفق الشمس؛ أي: أقصى الدنيا عد مطلع الشمس (١). والأفق: هي الدائرة التي تفصل بين ما يرى من الفلك وما لا يرى. والأفق الأعلى مطلع الشمس، كما أن الأفق الأدنى مغربها. ٨ - ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ جبريل ﵇؛ أي: ثم بعدما استوى، وظهر على صورته الأصلية، ومد جناحه، وسد الأفق الأعلى عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها. وهو صورة دحية بن خليفة الكلبي أمير العرب. ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ أي: أراد الدنو والقرب إلى النبي ﷺ حال كونه في جبل حراء. ﴿فَتَدَلَّى﴾ أي: استرسل، واستنزل جبريل من الأفق الأعلى مع تعلقه به. والدنو: القرب بالذات أو بالحكم. والتدلي: استرسال مع تعلق. وفي العبارة تقديم وتأخير؛ أي: تدلى ونزل جبريل في الأفق الأعلى، ثم دنا، وقرب إلى النبي ﷺ . وهو في غار حراء. ٩ - ﴿فَكَانَ﴾ مقدار مسافة ما بين النبيّ ﷺ وبين جبريل ﵇ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾؛ أي: مقدار قوسين عربيين في القرب؛ أي: مقدار قرب إحدى قوسين إلى الأخرى. وذكر القوس؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تجعل مساحة الأشياء بالقوس. وأصل ذلك أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء، والحلف، والعهد خرجا بقوسيهما، فألصقا بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران، يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وفي "معالم التنزيل": معنى قوله: كان بين جبريل ومحمد ﵉ مقدار قوسين، إنه كان بينهما مقدار ما بين الوتر والقوس. كأنه غلب القوس على الوتر. وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وقيل: معنى ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: قدر ذراعين. ويسمي الذراع قوسًا؛ لأنه يقاس به المذروع؛ أي: يقدر. فلم يكن قريبًا قرب التصاق، ولا بعيدًا، بحيث لا يتأتى معه الإفادة والاستفادة. وهو الحد المعهود في مجالسة الأحباء المتأدبين.

стр. 12857

وقيل: في الكلام قلب؛ أي: وكان مسافة ما بينهما قدر مسافة ما بين قابي قوس؛ لأن لكل قوس قابين. وهذا كناية عن شدة الاتصال، لأنه ضمه جبريل إلى نفسه حتى سكن عنه الروع. وفي القرطبي: والقاب: ما بين المقبض والسية مخففة الياء. وهي طرف القوس المنحني. ﴿أَوْ أَدْنَى﴾؛ أي: بل كان قدر مسافة ما بينهما أقرب من ذلك؛ أي: من قاب قوسين على تقديركم أيها المخاطبون، كما في قوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾، فـ ﴿أو﴾ للشك من جهة العباد، كما أن كلمة ﴿لَعَلَّ﴾ كذلك؛ أي: للترجي من العباد في مواضع من القرآن. فإن التشكيك والترجي لا يصحان على الله تعالى؛ أي: لو رآهما راء منكم لقال: هو قدر قوسين في القرب أو أدنى؛ أي لالتبس عليه مقدار القرب. والمراد؛ أي: من قوله (١): ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ تمثيل ملكة الاتصال، وتحقيق استماعه، لما أوحى إليه بنفي البعد الملبس وحمله بعضهم على حقيقته، حيث قال: فكلما دنا جبريل من النبي ﵉ انتقص، فلما قرب منه مقدار قوسين رآه على صورته التي كان يراه عليها في سائر الأوقات، حتى لا يشك أنه جبرئيل. ١٠ - ﴿فَأَوْحَى﴾ جبريل، وبلَّغ ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾؛ أي: إلى عبد الله تعالى. وإضماره قبل الذكر لغاية ظهوره، كما في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: على ظهر الأرض. والمراد بالعبد المشرَّف بالإضافة إلى الله تعالى: هو الرسول محمد ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. ﴿مَا أَوْحَى﴾؛ أي: من الأمور العجيبة التي لا تقي بها العبارة، أو المعنى: فأوحى الله سبحانه حينئذٍ بواسطة جبريل ما أوحى إلى عبده محمد ﷺ ، وقيل: المعنى: فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى. وفي الإبهام تفخيم للوحي الذي أوحى إليه على كل من الأقوال، وقد أبهم سبحانه ما أوحى جبريل إلى محمد، أو ما أوحاه إلى جبريل، فليس لنا أن نتعرض لتفسيره. وقال سعيد بن جبير: الذي أوحى إليه هو ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ...﴾ إلخ. وقيل: أوحى إليه أن الجنة حرام على

стр. 12858

الأنبياء، حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك، اهـ من الشوكاني. والوحي: إلقاء الشيء بسرعة. ومنه: الوحا. وهو السرعة. ١١ - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾؛ أي: فؤاد محمد ﷺ . ﴿مَا﴾ نافية. ﴿مَا رَأَى﴾ ما موصولة، وعائدها محذوف؛ أي: لم يكذب فؤاده وقلبه ما رأه ببصره من صورة جبريل؛ أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك. ولو قال ذلك لكان كاذبًا، لأنّه عرفه بقلبه، كما رآه ببصره. وقال بعضهم: ﴿كَذَبَ﴾ مخفّفًا ومشدّدًا بمعنى واحد. وقال بعضهم: من خفف ﴿كَذَبَ﴾ جعل ﴿مَا﴾ في موضع النصب على نزع الخافض وإسقاطه؛ أي: ما كذب فؤاده فيما رآه ببصره؛ أي؛ لم يقل فيه: كذبًا. وإنما يقول ذلك أن لو قال له: لا أعرفك، ولا أعتقد بك. وقرأ الجمهور (١) ﴿مَا كَذَبَ﴾ مخفّفًا. وقرأ هشام، وأبو جعفر بالتشديد. ومعنى قوله: ﴿فَاسْتَوَى ...﴾ إلخ؛ أي (٢) فاستقام جبريل، وظهر له ﷺ على صورته التي خلقه الله عليها، حين أحب رسول الله ﷺ أن يراه كذلك. فظهر له في الأفق الأعلى. وهو أفق الشمس الشرقي، فملأه، ثم أخذ يدنو من رسول الله ﷺ ، ويتدلي؛ أي: يزيد في القرب والنزول، حتى كان منه مقدار قوسين، أو أقرب على تقديركم، وعلى مقدار فهمكم، فأوحى إلى عبده ورسوله ما شاء أن يوحيه إليه من شؤون الدين. ولا غرو فإن ظهور الأرواح في صورة مرئية أصبح الآن معروفًا. وقد قص علماء الروح عجائب وغرائب، وأصبح في طوقهم أن يظهروا الروح في صور بشرية، وصور نورية، وتخاطبهم حين التنويم المغناطيسي، وإذا صح ذلك للعلة، فليكن ذلك للقديسين والأنبياء بالأولى بطريق يشاكل مقامهم. ولا تتجلى الأرواح إلا بالمناسبة بين المتجلي والمتجلى عليه. وظهوره في صورة مرئية يرجع إلى قوته وشدته. وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ يرجع إلى قوته العلمية. ولما كان الإنسان كثيرًا ما يظن أنه قد تخيل ما رآه، ويكذب قلبه ما ظهر له،

стр. 12859

حتى قال علماء الأرواح: إنهم لما خاطبوا الأرواح قالت لهم: إنكم كثيرًا ما يظهر لكم عجائب روحية، فتظنونها من الوهم، وتنسبونها إلى خداع الحواس .. أعقب سبحانه هذا بما دل على أنه ﷺ لم يقم بنفسه أن هذا تخيل، ولا أنه وهم، فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾؛ أي: ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇؛ أي: إن فؤاده ﷺ ما قال لما رآه ببصره: "لم أعرفك"، ولو قال ذلك لكان كاذبًا. لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره. والخلاصة: أنه لما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ أكد هذا المعنى، وفصله بقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ ليبين أنه ليس من الشعر، ولا من الكهانة في شيء. ولما قال: ﴿فَاسْتَوَى﴾، وذكر قيامه بصورته الحقيقية أكد أن مجيئه بصورة دحية الكلبي لا يعمي وصفه. إذ قد عرفه بشكله الحقيقيّ من قبل، فلا يشتبه عليه. وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ تتميم لحديت نزوله ﵇، وإتيانه بالمنزل. وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ بين به أنه لما عرفه وحققه لم يكذبه فؤاده بعد ذلك في أنه جبريل، ولو تصور بغير تلك الصورة. ١٢ - والهمزة في قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ للاستفهام التقريري التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف. والتقدير: أتكذبون محمدًا ﷺ أيها المشركون، فتجادلونه على ما يراه معاينة من صورة جبريل ﵇ وغيره، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس؛ أي: فأتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما شاهده وعلمه. وقرأ الجمهور: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾؛ أي: أتجادلونه على شيء رآه ببصره، وأبصره. وعدى بعلى لما في الجدال من المغالبة. وجاء ﴿يَرَى﴾ بصيغة المضارع وإن كانت الرؤية قد مضت إشارة إلى ما يمكن حدوثه بعد. وقرأ علي، وعبد الله، وابن عباس، والجحدري، وبعقوب، وابن سعدان، وحمزة، والكسائي: ﴿أفتَمْرُونَه﴾ بفتح التاء وسكون الميم، مضارع مريت؛ أي: جحدت، يقال: مريته حقه إذا جحدته. وقرأ عبد الله فيما حكى ابن خالويه، والشعبي فيما ذكر شعبة ﴿أَفَتُمْرُونَه﴾ بضم التاء وسكون الميم، مضارع أمريت؛ أي: أتريبونه، وتشكون فيه. قال أبو حاتم: وهو غلط.

стр. 12860

وقال الحسن البصري ﵀، وجماعة (١): ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾؛ أي: علمه الله. وهو وصف من الله نفسه بكمال القدرة والقوة. ﴿ذو مرة﴾؛ أي: ذو إحكام الأمور والقضايا. وبين المكان الذي علمه فيه بلا واسطة، فقال: ﴿فَاسْتَوَى﴾ محمد ﷺ . وهو بالأفق الأعلى؛ أي: فوق السموات. ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ محمد إلى ربه فتدلى؛ أي: تزايد في القرب إلى ربه ﴿فَكَانَ﴾ مقدار ما بينه وبين ربه ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾؛ أي: مقدار ما بين قابي قوس. وهو كناية عن شدة القرب. ﴿أَوْ أَدْنَى﴾؛ أي: بل أدنى، وأقرب من ذلك ﴿فَأَوْحَى﴾ الله سبحانه ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ﴿ما أوحى﴾ من أحكام الدين، ومن خصائص الكرم والجود. ويدل على أن ضمير ﴿دَنَا﴾ يعود ويرجع إليه ﷺ أنه قال في رواية "لما أسري بي إلى السماء قربني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى، قيل لي: قد جعلت أمتك آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم؛ أي: بوقوفهم على أخبارهم، ولا أفضحهم عند الأمم لتأخرهم عنهم". ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾؛ أي: فؤاد محمد ﷺ ﴿مَا رَأَى﴾. من ذات ربه، ومن عجائب الأمور الغيبية، ومن الألطاف عليه وعلى أمته. وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية قولا يطول شرحه، وقصاراه: يرجع إلى أنه تعالى ستر بعض ما أوحى إلى نبيّه عن الخلق لما علم أن علمهم بذلك يفترهم عن السير في طريق العبودية اتكالًا على محض الربوبية. ولهذا قال لمعاذ بن جبل ﵁، حيث قال معاذ: أأخبر الناس بذلك يا رسول الله، فقال: "لا تخبرهم بذلك لئلا يتكلوا"، انتهى. لَا يَكْتُمُ السِّرَّ إِلَّا كُلُّ ذِيْ خَطَرٍ ... وَالسِّرُّ عِنْدَ كِرَامِ النَّاسِ مَكْتُوْمُ وَالسِّرُّ عِنْدِيَ فِيْ بَيْتٍ لَهُ غَلَقٌ ... قَدْ ضَاعَ مِفْتَاحُهُ وَالْبَابُ مَخْتُوْمُ وقد قيل: بَيْنَ الْمُحِبِّيْنَ سِرُّ لَيْسَ يُفْشِيْهِ ... قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ لِلْخَلْقِ يَحْكِيْهِ سِرُّ يُمَازِجُهُ أُنْسٌ يُقَابِلُهُ ... نُوْرٌ تَحَيَّرَ فِيْ بَحْرٍ مِنَ التِّيهِ وعبارة "الخازن": قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ قرىء بالتشديد؛ أي: ﴿ما

стр. 12861

كذَّب﴾ قلب محمد ﷺ ﴿مَا رَأَى﴾؛ أي: بعينه تلك الليلة، بل صدقه، وحققه، وقرىء. بالتخفيف؛ أي: ما كذب فؤاد محمد الذي رآه، بل صدقه. والمعنى: ما كذب الفؤاد فيما رأى. واختلفوا في الذي رآه فقيل: رأى جبريل. وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة. وقيل: هو الله . ثم اختلفوا في معنى رؤية الله، فقيل: جعل بصره في فؤاده، وهو قول ابن عباس. عن ابن عباس ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ . قال: رآه بفؤاده مرتين. وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة. وهو قول أنس بن مالك، والحسن، وعكرمة. قالوا: رأى محمد ربه . وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدًا بالرؤية. وقال كعب: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. أخرجه الترمذي بأطول من هذا. وكانت عائشة تقول: لم ير رسول الله ﷺ ربه، وتحمل الآية على رؤية جبريل. وعن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أماه هل رأى محمد ربه، فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن، فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا رأى ربه، فقد كذب ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، ومن حدثك أن محمدًا كتم أمرًا فقد كذب، ثم قرأت ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. ولكنه رأى جبرئيل في صورته مرتين. أخرجاه في "الصحيحين". عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه". قوله : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ يعني: أفتجادلونه على ما يرى. وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، وقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق، وغير ذلك مما جادلوه به. والمعنى: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه. ١٣ - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد رأى محمد جبريل ﵉ في

стр. 12862

صورته التي خلق عليها، حالة كون جبريل نازلا من السماء ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وذلك أنه رآه في صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ قال: رأى جبريل، وعلى قول ابن عباس يعني: نزلة أخرى هو أنه كانت للنبي ﷺ في تلك الليلة عرجات لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في بعضها، وروي عن ابن عباس: أنه رأى ربه بفؤاده مرتين. وعنه: أنه رآه بعينه. انتهى من "الخازن". وعبارة "الروح": قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ الضمير البارز في "رآه" جبريل، و ﴿نَزْلَةً﴾ منصوب على الظرفية نصب الظرف الذي هو مرة، لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها. والمعنى: وبالله لقد رأى محمد جبريل ﵉ على صورته الحقيقية مرة أخرى من النزول. وذلك أنه كان للنبي ﷺ في ليلة المعراج عرجات لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزله، فرأى جبريل في بعض تلك النزلات. ١٤ - ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ وهو مقام جبريل. وكان قد بقي هنا عند عروجه ﷺ إلى مستوى العرش، وقال: "لو دنوت أنملة لاحترقت". قال النبي ﷺ : "رأيته عند سدرة المنتهي عليه ست مئة جناح، يتناثر منه الدر والياقوت". وقيل: رأى محمد ربه مرة أخرى بفؤاده عند سدرة المنتهى. و ﴿عِنْدَ﴾ يجوز أن يكون متعلقًا برأى، وأن يكون حالًا من المفعول المراد به: جبريل؛ لأنَّ جبريل لكونه مخلوقا يجوز أن يراه النبي ﷺ في مكان مخصوص. وهو سدرة المنتهى. وهي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيلة، ينبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله سبحانه في كتابه يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها. و ﴿الْمُنْتَهَى﴾ مصدر ميمي بمعنى الانتهاء، كما قال الزمخشري، أو اسم مكان بمعنى موضع الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة. وقيل: ينتهي إليها الملائكة، ولا يتجاوزونها؛ لأنّ جبريل رئيس الملائكة إذا لم يتجاوزها فبالحري أن لا يتجاوزها غيره. فأعلاها لجبريل كالوسيلة لنبينا ﷺ . فكما أن خواص الأمة

стр. 12863

يشتركون مع النبي ﷺ في جنة عدن بدون أن يتجاوزوا إلى مقامه المخصوص به، فكذا الملائكة يشتركون مع جبريل في السدرة بدون أن يتعدّوا إلى ما خص به من المكان، وقيل: إليها ينتهي علم الخلائق، وأعمالهم، ولا يعلم أحد ما وراءها. ١٥ - ﴿عِنْدَهَا﴾؛ أي: عند تلك السدرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾؛ أي: جنة تعرف بجنة المأوى. وسميت جنة المأوى؛ لأنه أوى إليها آدم. وقيل: إن أرواح المؤمنين تأوى إليها، وتنزل فيها. وقرأ الجمهور (١) ﴿جَنَّةُ﴾ برفع جنه، على أنها مبتدأ وخبرها الظرف المتقدم. والجملة حال من ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قيل: الأحسن أن يكون الحال هو الظرف، و ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ مرتفع به بالفاعلية، وإضافة الجنة إلى المأوى مثل إضافة مسجد الجامع؛ أي: الجنة التي يأوي إليها المتقون. وقرأ علي، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وابن الزبير، وأنس، وزر بن حبيش، ومحمد بن كعب، وقتادة، ومجاهد، وأبو سبرة الجهني ﴿جَنَّهُ المأوى﴾ بهاء الضمير، وجن فعل ماض من حن يجن، والهاء ضمير النبي ﷺ ، مفعول به، و ﴿الْمَأْوَى﴾ فاعل؛ أي: عندها ستره إيواء الله تعالى، وجميل صنعه. وقيل: المعنى: ضمه المبيت والليل. وقيل: جنه بظلاله، ودخل فيه. وقال الأخفش: أدركه المأوى، كما تقول: جنه الليل؛ أي: ستره، وأدركه. وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة، وقالوا: أَجَنَّ الله من قرأها. ومعنى الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ...﴾ إلخ؛ أي (٢): ولقد رأى النبي ﷺ جبريل في صورته الأصلية التي خلقه الله عليها عند شجرة النبق التي ينتهي إليها علم كل عالم، وما ورائها لا يعلمه إلا الله، قاله ابن عباس. وقد يكون المراد بالمنتهى: الله ؛ أي: سدرة الله الذي إليه المنتهى، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾. وعند هذه السدرة التي يأوي المتقون يوم القيامة، قاله الحسن البصري. وعلينا أن نؤمن بهذه الشجرة كما وصفها الله سبحانه، ولا نعين مكانها، ولا نصفها بأوصاف أكثر مما وصفها به الكتاب الكريم، إلا إذا ورد عن المعصوم ﷺ ما يبين ذلك، ويثبت لدينا بالتواتر؛ لأن ذلك من علم الغيب الذي لم يؤذن لنا بعلمه. روى أحمد، ومسلم، والترمذي، وغيرهم أنها في السماه السابعة، ثمرها

стр. 12864

كقلال هجر، وأوراقها مثل آذان الفيلة يسير الراكب في ظلها سبعين خريفًا لا يقطعها. والمشاهد في الدنيا أن النبات يعيش إذا وجد التراب والماء والهواء، ولكن لا عجب فالله يخلقه في أي مكان شاء، كما أخبر عن شجرة الزقّوم أنها ببت في أصل الجحيم. وقصارى ما سلف: أنّ النبيّ ﷺ رأى جبريل في صورته الحقيقية مرّتين: مرةً، وهو في غار حراء في بدء النبوة، والثانية في ليلة المعراج، ولم يكن ذلك في الأرض، بل كان عند شجرة نبق عن يمين العرش. وهي منتهى الجنّة؛ أي: آخرها، وعلم الملائكة ينتهي إليها. ومن المعلوم (١): أنَّ الإسراء كان قبل الهجرة بسنة وأربعة أشهر أو بثلاث سنين على الخلاف، والرؤية الأولى كانت في بدء البعثة، فبين الرؤيتين نحو عشر سنين. قال الماوردي في "معاني القرآن": فإن قيل: لِمَ اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأنَّ السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعام لذيذ، ورائحة ذكيّة. فشابهت الإيمان الذي يجمع قولًا، وعملًا، ونيّةً. فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره. ١٦ - وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ﴾ ويغطيها ﴿مَا يَغْشَى﴾؛ أي: ما غطاها زيادة في تعظيم السدرة. و ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق برأى السابق، لا لما بعده من الجملة المنفية. فإن ﴿مَا﴾ النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. والغشيان بمعنى التغطية والستر، ومنه: الغواشي وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارًا لصورتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان بطريق التجدد. والمعنى: وعزّتي وجلالي لقد رأى محمد جبريل عند السدرة وقت ما عشَّاها، وغطَّاها، وسترها، وعلاها ما لا يكتنهه الوصف ولا يفي به البيان كيفًا ولا كمًّا.

стр. 12865

وفي الحديث: "وغثسيها ألوان لا أدري ما هي، فليس أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها". وعنه ﷺ : "رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكًا قائمًا يسبح الله". وعنه ﷺ : "يغشاها رفرف"؛ أي: جماعة من طيور خضر. وقيل: يغشاها فراش أو جراد من ذهب. وقيل: يغشاها سبحات أنوار الله حين تجلَّى لها كما تجلَّى للجبل، لكنها كانت أقوى من الجبل، حيث لم يصبها ما أصابه من الدك. وذلك لأن الجبل كان في عالم الملك الضعيف، والسدرة في عالم الملكوت القوي، ولذا لم يخر ﷺ هناك مغشيًا عليه حين رأى جبريل كما غشي عليه حين رآه في الأفق الأعلى لقوة التمكين، وغاية لطافة الجسد الشريف. وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة أمثال الغربان حين يقمن على الشجر، يعبدون الله تعالى عندها أو يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة. وقيل: غير ذلك. ١٧ - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾؛ أي: ما مال بصر رسول الله ﷺ أدنى ميل عما رآه في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة المقدسة الشريفة يمينًا ولا شمالًا ﴿وَمَا طَغَى﴾؛ أي: وما جاوز ما أمر برؤيته مع ما شاهد هناك من الأمور المذهلة مما لا يحصى، بل أثبته على ما أمر به إثباتًا صحيحًا متيقنًا. والمعنى (١): أي ولقد رأى محمد ﷺ جبريل عند السدرة، حين غطى السدرة ما غطاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله، ومن الإشراق، والحسن من الملائكة. وقد أبهم ذلك الكتاب الكريم، فعلينا أن نكتفي بهذا الإبهام، ولا نزيده إيضاحًا بلا دليل قاطع ولا حجة بينة. ولو علم الله سبحانه الخير لنا في البيان لفعل. ﴿مَا زَاغَ﴾، ﴿وَمَا طَغَى﴾؛ أي: ما مال بصر رسول الله ﷺ عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها وما جاوزها إلى رؤية ما لم يؤمر برؤيته. والخلاصة: أنه رأى رؤية المستيقن المحقق لما رأى. ١٨ - وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ رَأَى﴾ محمد ﷺ ليلة المعراج ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ أي: الآيات التي هي كبراها وعظماها، فأري من عجائب الملك

стр. 12866

والملكوت ما لا يحيط به نطاق العبارة. فقوله (١): ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ حال قدمت على صاحبها. وكلمة ﴿مِنْ﴾ للبيان، لأنّه المناسب لمرام المقام. وهو التعظيم والمبالغة. ولذا لم تحمل على التبعيض على أن يكون هو المفعول. ويجوز أن يكون ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة للآيات، والمفعول محذوف؛ أي: شيئًا عظيمًا من آيات ربه. أي: ولقد رأى الآيات الكبرى من آيات ربه، وعجائبه الملكوتية. روى البخاري، وابن جرير، وابن المنذر في جماعة آخرين عن ابن مسعود: أنه قال في الآية: "رأى رفرفًا أخضر من الجنة سد الأفق"، أي: فجلس عليه، وجاوز سدرة المنتهى. والرفوف: البساط. وهو صورة همته البسيطة العريضة المحيطة بالآفاق مطلقًا؛ لأنّه ﷺ في سفر العالم البسيط، ولا يصل إليه إلا من له علو الهمة مثله. وقد قال حسّان بن ثابت ﵁ في نعته ﷺ : لَهُ هِمَمٌ لَا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا ... وَهِمَّتهُ الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال في الآية: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ قال: رأى جبريل في صورته له ست مئة جناح، ورأى في تلك الليلة طوائف الملائكة، وسدرة المنتهى، وجنة المأوى، وما في الجنان لأهل الإيمان، وما في النيران لأهل الطغيان والظلم والأنوار، وما يعجز عنه الأفكار، وتحار فيه الأبصار. ومن ذلك ما رآه في السموات من الأنبياء ﵈ إشارة بكل بني إلى أمر دقيق جليل، وحالة شريفة، كما ذكره الإمام السهيلي في "الروض الأنف". وعلينا أن لا نحضر ما رآه في شيء بعينه بعد أن أبهمه القرآن. إذ هو قد رأى من الآيات الكبرى ما يجل عنه الحصر والاستقصاء. فصل نبذة من كلام الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وهل رأى نبينا محمد ﷺ ربه ليلة الإسراء؟. قال القاضي عياض: اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا ﷺ ربه ليلة الإسراء، فأنكرته عائشة كما وقع في "صحيح مسلم"، وجاء مثله عن أبي هريرة،

стр. 12867

وجماعة، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين. وروي عن ابن عباس: أنه رآه بعينه، ومثله عن أبي ذر، وكعب، والحسن، وكان يحلف على ذلك. وحكي مثله عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأحمد بن حنبل. وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري، وجماعة من أصحابه: أنه رآه. ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز. ورؤية الله في الدنيا جائزة. وسؤال موسى إياها دليل على جوازها. إذ لا يجهل نبي ما يجوز أو يمتنع على ربه. واختلفوا في أن نبينا ﷺ هل كلم ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟. فحكي عن الأشعري، وقوم من المتكلمين أنه كلمه. وعزا بعضهم هذا القول إلى جعفر بن محمد، وابن مسعود، وابن عباس. وكذا اختلفوا في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾. فالأكثر على أن معنى هذا الدنو والتدلي منقسم بين جبريل والنبي ﷺ ، أو مختص بأحدهما من الآخر، أو من سدرة المنتهى. وذكر ابن عباس، والحسن، ومحمد بن كعب، وجعفر بن محمد، وغيرهم أنه دنو من النبي ﷺ إلى ربه، أو من الله. فعلى هذا القول يكون الدنو والتدلي متأولًا ليس على وجهه، بل كما قال جعفر بن محمد: الدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود. فيكون معنى دنو النبي ﷺ وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته عليه، وإطلاعه من غيبه، وأسرار ملكوته على ما لم يطلع عليه سواه. والدنو من الله تعالى له إظهار ذلك، وعظيم بره وفضله لديه. ويكون قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ هنا عبارة عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من نبينا محمد ﷺ ، ومن الله تعالى إجابة الرغبة، وإنابة المنزلة. هذا آخر كلام القاضي عياض. قال الشيخ محيي الدين النواوي: وأما صاحب "التحرير"، فإنه اختار إثبات الرؤية قال: والحجج في المسألة وإن كانت كثيرة، ولكن لا نتمسك إلا بالأقوى منها. وهو حديث ابن عباس: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ وعليهم أجمعين". وعن عكرمة قال: سئل ابن عباس

стр. 12868

هل رآى محمد ﷺ ربّه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: رأى محمد ربّه . وكان الحسن يحلف بالله لقد رأى محمد ﷺ ربّه . والأصل في المسألة حديث ابن عباس حبر هذه الأمة وعالمها، والمرجوع إليه في المعضلات. وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة، وراسله هل رأى محمد ﷺ ربه ؟ فأخبره أنه رآه. ولا يقدح في هذا حديث عائشة؛ لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول: لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، ولقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. والصحابي إذا قال قولًا، وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجّة. وإذا صحت الروايات عن ابن عباس: أنه تكلم في هذه المسألة بإثبات الرؤية، وجب المصير إلى إثباها، لأنها لسيت مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسمع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد. وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت ما نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. هذا كلام صاحب "التحرير" في إثبات الرؤية. قال الشيخ محيي الدين: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه، ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم. وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه. ثم إن عائشة لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ، ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات. وسنوضح الجواب، فنقول: أما احتجاج عائشة ﵂ بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ فجوابه ظاهر، فإن الإدراك هو الإحاطة، والله لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة. وهذا الجواب في نهاية الحسن مع اختصاره. وأما احتجاجها بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ...﴾ الآية، فالجواب عنه من أوجه:

стр. 12869

أحدها: أنه لا يلزم مع الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام. والوجه الثاني: أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. والوجه الثالث: ما قاله بعض العلماء: أن المراد بالوحي هنا: الإلهام والرؤية في المنام، وكلاهما يسمى وحيًّا. وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فقال الواحدي وغيره: معناه: غير مجاهر لهم بالكلام، بل يسمعون كلامه سبحانه من حيث لا يرونه. وليس المراد أن هناك حجابًا يفصل موضعًا عن موضع. ويدل على تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم. وقول عائشة في أوّل الحديث: "لقد قف شعري" فمعناه: قام شعري من الفزع، لكوني سمعت ما لا ينبغي أن يقال. تقول العرب عند إنكار الشيء: قف شعري، واقشعر جلدي، واشمأزت نفسي. وقوله ﷺ في حديث أبي ذرّ: "نور أنى أراه" فهو بتنوين "نور"، وبفتح الهمزة في "أنَّى"، وشديد النون المفتوحة، ومعناه: حجابه نور فكيف أراه. قال المارودي: الضمير في "أراه" عائد على الله تعالى. والمعنى: أنّ النور يمنعني من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه. وفي رواية: رأيت نورًا، معناه: رأيت النور فحسب، ولم أر غيره. وفي رواية: "ذاته نور أنى أراه"، ومعناه: هو خالق النور المانع من رؤيته. فيكون من صفات الأفعال. ومن المستحيل أن تكون ذات الله نورًا، إذ النور من جملة الأجسام، والله يتعالى عن ذلك. هذا مذهب جميع أئمة المسلمين، والله أعلم. انتهى من "الخازن". ١٩ - ولما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص، قال للمشركين موبخًا لهم ومقرعًا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري (١)، داخلة على محذوف. والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمته، وإحكام قدرته، ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وما تحت الثرى، وما بينهما أنكرتم وحدانية الله تعالى فرأيتم؛ أي: ظننتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وذلتها شركاء لله

стр. 12870

سبحانه، وقيل: الهمزة للإستفهام الاستخباري المضمن للإنكار، مقدمة من تأخير. والفاء: للإفصاح، والتقدير: إذا سمعتم ما أخبرته لكم من آثار كمال عظمة الله سبحانه في ملكه، وملكوته، وجلاله، وجبروته، ونفاذ أمره في العالم الأعلى وفيما تحت الثرى، وأردتم بيان ما تستحقون من التوبيخ والتقريع على شرككم، فأقول لكم: أرأيتم. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾؛ أي: أخبروني عن حال آلهتكم هذه التي اتخذتموها معبودات، وتمكنتم على عبوديتها هل وجدتم فيها صفة من صفات الإلهية من الإيجاد، والإعدام، والنفع، والضر، وأمثالها؟ لا والله. بل اتخذتموها آلهة لغاية ظلوميتكم على أنفسكم، ونهاية جهوليتكم بالإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. وقيل: المعنى: أفتظنون أن عبادتكم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى في الدنيا تنفعكم في الآخرة، أي: أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها قدرة توصف بها؟ وهل أوحت إليكم شيئًا كما أوحى الله إلى محمد، أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع. ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب، وعظم اعتقادهم فيها. قال الواحديّ وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى. فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزّى. وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره، وكان اللات بالطائف. وقيل: بنخلة، كانت قريش تعبده. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان اللات رجلًا يلت السويق للحجاج. قيل: فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه. وقيل: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن، ويأخذ منها الأقط، ويجمع رسلها، ثم يتخذ حيسًا، فيطعم الحجاج. وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات، وقيل: كان رجلًا من ثقيف يقال له: صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن، فيضعه على صخرة، فتأتيه العرب، فتَلُتُّ به أسوقهم. فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها، فمرت الطائف على موضع اللات. وأما العزى: فهو تأنيث الأعز، كانت لغطفان. وهي سمرة، كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، فقطعها، فجعل يضربها بالفأس، وهو يقول:

стр. 12871

يَا عُزَّى كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ ... إِنِّيْ رَأيْتُ الله قَدْ أَهَانَكِ فخرجت من أصلها شيطانة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول؛ أي: تقول: يا ويلاه، فجعل خالد يضربها بالسيف، حتى قتلها، فأخبر رسول الله ﷺ ؛ فقال: تلك لن تعبد أبدًا. وفي "القاموس": العزى: صنم أو سمرة، عبدتها غطفان، أول من اتخذها ظالم بن أسعد الغطفاني فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، بني عليها بيتًا، وسماه بسا، وكانوا يسمعون فيها الصوت، فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، فهدم البيت، وأحرق السمرة، انتهى. وقيل: هي صنم لغطفان، وضعها لهم أسعد بن ظالم الغطفاني. وقيل: إنه قدم مكة، فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فرجع إلى بطن نخلة، فقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرًا من الصفا، وحجرًا من المروة، ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذ من المروة، وقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار، وأسندها إلى شجرة، وقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين، ويعبدون الحجارة الثلاث، حتى افتتح رسول الله ﷺ مكة، وأمر برفع الحجارة، وأمر خالد بن الوليد بالعزى، فقطعها. وقيل: هي بيت بالطائف، كان تعبده ثقيف. ٢٠ - وأما مناة فصخرة لهذيل وخزاعة، يعبدها أهل مكة. سمّيت مناة لأنّ دماء المناسك تمنى عندها؛ أي: تراق، ومنه: مني. وقالت عائشة ﵂: في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكانت حذ وقديد. وقيل: هي بيت بالمشلل، كانت بنو كعب تعبده. وفي "إنسان العيون": مناة صنم، كان للأوس والخزرج، أرسل رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلي ﵁ في عشرين فارسًا إلى مناة ليهدم محلها، فلما وصلوا إلى ذلك الصنم قال السادن لسعد: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد إلى ذلك الصنم، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء. ثائرة الرأس، تدعو بالويل، فضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك، فضربها سعد، فقتلها، وهدم محلها، انتهى.

стр. 12872

وقوله: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ وصف لمناة، وصفها بأنها ثالثة تأكيدًا؛ لأنّها لما عطفت عليهما علم أنها ثالثتهما. والأخرى صفة ذمٍّ لها، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار؛ أي: مناة الحقيرة الذليلة، لأنَّ الأخرى تستعمل في الضعفاء كقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾؛ أي: ضعفاؤهم لرؤسائهم. وذلك لأن اللات كان وثنًا على صورة آدمي، والعزى صورتها صورة شجرة سمرة. ومناة صورتها صورة صخرة. فالآدمي أشرف من النبات، وهو أشرف من الجماد، وهو متأخر. فالمناة في أخريات المراتب. قال أبو البقاء: فالوصف بالأخرى للتأكيد. وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية. فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله: ﴿مأرب أخرى﴾. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير. والتقدير: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقرأ الجمهور (١): ﴿اللَّاتَ﴾ خفيفة التاء. وابن عباس، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو صالح، وطلحة، وأبو الجوزاء، ويعقوب، وابن كثير في رواية بشدها. وقرأ الجمهور ﴿مناة﴾ مقصورًا، فقيل: وزنها فعلة، واشتقاقها من مني يمني؛ أي: صب. لأن دماء النسائك تصب عندها يتقربون بذلك إليها. وقرأ ابن كثير ﴿ومناءة﴾ بالمد والهمزة، ووزنها مفعلة، والألف منقلبة من واو، والهمزة أصل؛ لأنها مشتقة من النوء. وهو المطر؛ لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركًا بها. والقصر أشهر، وهي قراءة الجمهور. والمعنى (٢): أي فبعد أن سمعتم ما سمعتم من آثار كمال الله ، وعظمته في ملكه، وملكوته، وجلاله، وجبروته، وأن الملائكة على رفعة مقامهم، وعلو قدرهم ينتهون إلى السدرة، ويقفون عندها تجعلون هذه الأصنام على حقارة شأنها شركاء لله مع ما علمتم من عظمته. وفي هذا تقريع شديد، وتوبيخ عظيم، وتأنيب لا إلى غاية. وإن العاقل لا ينبغي أن يخطر بباله مثل هذا، ويمتهن رأيه إلى هذا الحد. ٢١ - وبعد أن أنبهم على سخف عقولهم، وسفاهة أحلامهم بعبادتهم الأصنام التي

стр. 12873

كانوا يزعمون أنها هياكل للملائكة، والملائكة بنات الله .. وبخهم على نسبة البنات إليه سبحانه، وهم لا يرضونها لأنفسهم، فقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ الاستفهام فيه (١) للتوبيخ المبني على التوبيخ الأول؛ أي: هل لكم أيها المشركون الذكر الكامل، وله سبحانه الأنثى الناقصة؟ حيث قلتم: الملائكة بنات الله مع كراهتكم البنات لأنفسكم. واختار لفظ الأنثى على البنات لوقوعه رأس فاصلة، ولأنه الذي يذكر في مقابلة الذكر، لا البنات؛ لأن البنات إنما تذكر في مقابلة البنين. ٢٢ - وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى القسمة المفهومة من الجملة الاستفهامية. ﴿إِذًا﴾؛ أي: إذ جعلتم البنات له والبنين لكم ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾؛ أي: جائرة معوجة، حيث جعلتم له تعالى ما تستنكفون منه، وتجعلون لأنفسكم ما تحبون. وقرأ الجمهور (٢): ﴿ضِيزَى﴾ بكسر الضاد من غير همز. والظاهر: أنه صفة على وزن فعلى بضم الفاء، كسرت لتصح الياء. ويجوز أن يكون صدرًا على وزن فعلى كذكرى، ووصف به. وقرأ ابن كثير ﴿ضئزى﴾ بالهمزة، فوجه على أنه مصدر، كذكرى. وقرأ زيد بن عليّ ﴿ضَيْزَى﴾ وبفتح الضاد وسكون الياء، ويوجه على أنه مصدر كدعوى، وصف به، أو وصف كسكرى. ويقال: ضوزى بالواو وبالهمز. والمعنى (٣): أي أتجعلون له ولدًا وتجعلون هذا الولد أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكران على علم منكم أنَّ البنات ناقصات، والبنين كاملون، والله كامل العظمة. فكيف تنسبون إليه الناقص. وأنتم على نقصكم تنسبون إلى أنفسكم الكامل. تلك القسمة إذا كانت على تلك الحالة قسمة جائرة، غير مستوية، ناقصة غير تامة. لأنكم جعلتم لربكم ما تكرهونه لأنفسكم، وآثرتم أنفسكم بما ترضون لها. ٢٣ - ثم أنكر عليهم ما ابتدعوه من الكذب والإفتراء في عبادة الأصنام، وتسميتها

стр. 12874

آلهة، فقال: ﴿إِنْ هِيَ﴾ الضمير للأصنام، أي: ما هذه الأصنام باعتبار الألوهية التي تدعونها؛ أي: باعتبار إطلاق اسم الإله ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾؛ أي: أسماء محضة ليس تحتها مسميات؛ أي: ما تنبىء هي عنه من معنى الألوهية، ليس بشيء ما أصلًا. كما إذا أردت أن تحقر من هو ملقب بما يشعر بالمدح، وفخامة الشأن تقول: ما هو إلا اسم. ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ صفة لأسماء (١)، وضمير "ها" لها، للأصنام. والمعنى: جعلتموها أسماء، لا جعلتم لها أسماء. فإن التسمية نسبة بين الاسم والمسمى. فإذا قيست إلى الاسم فمعناها: جعله اسمًا للمسمى، وإذا قيست إلى المسمى فمعناها: جعله مسمى للاسم. وإنما اختير هنا المعنى الأول من غير تعرض للمسمى لتحقيق أن تلك الأصنام التي يسمونها آلهة أسماء مجردة، ليس لها مسميات قطعًا كما في قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ لا أنَّ هناك مسميات، لكنها لا تستحق التسمية، أي: ما هي إلا أسماء خالية من المسميات وضعتموها. ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ بمقتضى أهوائكم الباطلة، ليس فيها شيء من معنى الألوهية التي تدعونها. لأنها لا تبصر، ولا تسمع، ولا تعقل، ولا تفهم، ولا تضر، ولا تنفع. فليست إلا مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم قلد الآخر فيها الأول، وتبع في ذلك الأبناء الآباء. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي: بصحة تسميتها ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: برهان تتعلقون به، ولا حجة. في جميع القرآن ﴿أَنْزَلَ﴾ بالألف، إلا في الأعراف، فإنه نزل بالتشديد. والمعنى (٢): أن هذه الأسماء التي تسمونها آلهة هي أسماء فقط، وليس لها مسميات هي آلهة البتة كما تزعمون، وتعتقدون أنها تستحق أن يعكف على عبادتها، وتقديم القرابين إليها. وليس لكم من حجة ولا برهان تؤيدون به ما تقولون. وإنما قلد فيها الآخر الأول، وتبع في ذلك الابناء الآباء. ولا يخفي ما في ذلك من التحقير، كما تقول: ما هو إلا اسم إذا لم يكن مشتملًا على صفة معتبرة لها شأن، وقدر.

стр. 12875

ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ فيه (١) التفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الإعراض عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم، أي: ما يتبعون فيما ذكر من التسيمة والعلم بموجبها ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ الذي لا يغني من الحقّ شيئًا، أي: إلا توهم أن ما هم عليه حق توهمًا باطلًا ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾؛ أي: وما تشتهيه أنفسهم الأمّارة بالسوء، من غير التفاف إلى ما هو الحقّ الذي يجب الأتباع له. فما موصولة، ويجوز كونها مصدرية. والألف واللام بدل من الإضافة، وهو معطوف على الظنّ. وقرأ الجمهور: (٢) ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ بياء الغيبة. وقرأ عيسى بن عمر، وأيوب، وابن السميقع بالفوقية على الخطاب. ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود، وابن عباس، وطلحة، وابن وثّاب، والأعمش. وفي "فتح الرحمن": قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ذكره هنا (٣)، وفيما بعد، وليس بتكرار. لأنَّ الأول متصل بعبادتهم الأصنام اللات، والعزى، ومناة، والثاني بعبادتهم الملائكة، والظن فيها مذموم بقوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يقوم مقام العلم. فإن قلت: كيف لا يقوم مقامه مع أنه يقوم مقامه في كثير من المسائل، كالقياس؟. قلت: المراد هنا: الظن الحاصل من اتباع الهوى، دون الظن الحاصل من الاستدلال والنظر بقرينة قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ انتهى. والمعنى (٤): أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظوظ نفوسهم في رياستهم، وتعظيم آبائهم الأقدمين. والخلاصة: إنكم تعبدون هذه الأصنام توهمًا منكم أنّ ما عليه أباؤكم حق، واتباعًا لشهوات أنفسكم. ثم بين أنه ما كان ينبغي لهم ذلك، لأنّه قد جاءهم ما ينبههم إلى سوء رأيهم

стр. 12876

وعظيم غفلتهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ حالٌ (١) من فاعل ﴿يَتَّبِعُونَ﴾؛ أي: يتبعون الظن، وهوى النفس في حال تنافي ذلك. وهي مجيء الهدى من عند ربهم. أو اعتراض، لأن قوله: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ متصل بقوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. والأول أولى. وأيًّا ما كان ففيه تأكيد لبطلان إتباع الظن. وهوى النفس، وزيادة تقبيح لحالهم. فإن اتباعهما من أي شخص كان قبيح وممن هداه الله بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب أقبح. فالهدى القرآن والرسول، ولم يهتدوا بهما. والمعنى: كيف يتبعون ذلك، والحال أنه قد جاءهم ما فيه هدى لهم من عند الله تعالى على لسان رسوله الذي بعثه الله بين ظهرانيهم وجعله من أنفسهم؛ أي (٢): هم يتبعون ما كان عليه أسلافهم، وينقادون إلى آرائهم، وقد أرسل الله إليهم الرسول بالحق المنيهر، والحجة الواضحة، وقد كان ينبغي أن يكون لهم في ذلك مزدجر، لكنهم أعرضوا عنه، وتولوا كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة. ٢٤ - وبعد أن بين أن جعلهم الأصنام شركاء لله لا يستند إلى دليل، بل لا يستند إلا إلى التشهي والهوى وإتباع الظن ذكر أنها مع هذا لا تجديهم نفعًا. فهي لا تشفع لهم عند الله، ولا يظفرون منها بجدوى، فقال: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ و ﴿أَمْ﴾ فيه منقطة تقدر ببل الإضرابية، وهمزة الإنكار والنفي، والتمنّي. تقدير شيء في النفس وتصويره فيها كما سيأتي. فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم، وعن اتباعهم هوى الأنفس، وما تميل إليه. وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم، وتشفع لهم. والمعنى: بل أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام؛ أي: (٣) ليس له كل ما يتمناه، وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة، ونظائرها التي لا تكاد تدخل تحت الوجود. مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ

стр. 12877

٢٥ - ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله: ﴿فَلِلَّهِ﴾ سبحانه ﴿الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾؛ أي: إن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله ، فليس لهم معه تعالى أمر من الأمور. ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة، وأطماعهم الفارغة. فالجملة تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما يتمناه حتمًا. فإن اختصاص أمور الآخرة والأولى جميعًا به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون له أمر من الأمور. والمعنى (١): أي بل ألهم ما يتمنونه من شفاعة الآلهة يوم القيامة؟ كلا إنَّ هذا لن يكون، ولن يجديكم ذلك فتيلًا ولا قطميرًا، فإنَّ كل ما في الدنيا والآخرة فهو ملك له تعالى، ولا دخل لهذه الأصنام في شيء منه. وهذا تيئيس لهم من أن ينالوا خيرًا من عبادتها، والتقرب إليها، ولا تكون وسيلة لهم عند ربهم. ٢٦ - ثم حرمهم فائدة عبادتها من وجه آخر، فقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ وهذا (٢) إقناط لهم مما علقوا به أطماعهم من شفاعة الملائكة لهم، موجب لإقناطهم عن شفاعة الأصنام بطريق الأولوية. و"كم" خبرية مفيدة للتكثير، محلها الرفع على الابتداء، والخبر هي الجملة المنفية. وجمع الضمير في ﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾ مع إفراد الملك باعتبار المعنى، أي: وكثير (٣) من الملائكة لا تغني شفاعهم عند الله شيئًا من الإغناء في وقت من الأوقات، أي: لا تنفع شيئًا من النفع. وهو القليل منه أو شيئًا؛ أي: أحدًا. وليس المعنى: أنهم يشفعون فلا تنفع شفاعتهم، بل معناه: أنهم لا يشفعون. لأنه لا يؤذن لهم كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ سبحانه لهم في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ويريد أن يشفعوا له ﴿وَيَرْضَى﴾ عنه، ويراه أهلًا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان. وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم من إذن الله بمعزل ومن الشفاعة بألف منزل. فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر فما ظنهم بحال الأصنام. والمعنى (٤): أي وكثير من الملائكة لا تفيد شفاعتهم شيئًا إلا إذا أذن بها

стр. 12878

ربهم لمن يشاء، ويربد شفاعتهم له، ويرضى عنه عمله ممن أخلص له في القول والعمل. وإذا كان هذا حال الملائكة، وهم عالم روحي، لهم القرب من ربهم، والزلفى لديه، فما بالكم بأصنام أرضية ميتة، لا روح فيها ولا حياة، فهي بعيدة كل البعد عن الذات الأقدس. وخلاصة ذلك: أنّهُ لا مطمع في شفاعة هذه الأصنام، ولا تجديهم نفعًا في هذا اليوم. وقرأ الجمهور (١): ﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾ بإفراد الشفاعة، وجمع الضمير. وقرأ زيد بن عليّ ﴿شفاعته﴾ بإفراد الشفاعة، والضمير. وابن مقسم ﴿شفاعاتهم﴾ بجمعها، وهو اختيار صاحب الكامل؛ أي: القاسم الهذلي. وأفردت الشفاعة في قراءة الجمهور، لأنّها مصدر، ولأنهم لو شفع جميعهم لواحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئًا. ٢٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا يصدقون بمجيء يوم القيامة مع ما فيه من الحساب والعقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ﴾ المنزهين عن سمات النقصان على الإطلاق؛ أي: كل منهم يسمون كل واحد منهم ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ منصوب (٢) على أنه صفة مصدر محذوف؛ أي: تسمية مثل تسمية الأنثى. فإنَّ قولهم: الملائكة بنات الله قول منهم: بأن كلا منهم بنته تعالى. وهي التسمية بالأنثى. فاللام في الملائكة للتعريف الاستغراقيّ، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنها في الشفاعة، والفظاعة. واستتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترىء عليها إلا من لا يؤمن بها رأسًا. قال ابن الشيخ: فإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنّهم لا يؤمنون بالآخرة؟ مع أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوب الميت على قبره، ويعتقدون أنه يحشر عليه. أجيب: بأنهم ما كانوا يجزمون به، بل كانوا يقولون لا نحشر. فإن كان .. فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله عنهم: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، وأيضًا ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي وردت به الرسل، فهم لا يؤمنون بها على وجهه.

стр. 12879

والمعنى (١): أي إن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من أحوال الدار الآخرة على الوجه الذي بينته الرسل يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء، وجهالة جهلاء. وهي قولهم: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإنما جعلها مقالة من لا يؤمن للإشارة إلى أنها بلغت من الفظاعة حدًّا لا يمكن معه أن تصدر من موقن بالجزاء والحساب، فقد اشتملت على جريمتين. أولاهما: نسبة الولد إلى الله. ثانيتهما: أن الولد أنثى تفضيلًا لأنفسهم على بارئهم وموجدهم من العدم. ٢٨ - وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ حال من فاعل ﴿يسمّون﴾؛ أي: يسمُّونهم أنثى، والحال أنه لا علم لهم بما يقولون أصلًا؛ أي: ليس لهم بذلك برهان، ولا أتى لهم به وحي، حتى يقولوا ما قالوا. وقرىء ﴿وما لهم بها﴾؛ أي: بالملائكة أو التسمية. ثم أكد نفي علمهم الحق بذلك، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾؛ أي: ما يتبعون في ذلك ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ الفاسد، وليس هذا تكرارًا مع ما سبق؛ لأنَّ الأول متصل بعبادتهم اللات والعزى ومناة، وهذا بعبادتهم الملائكة كما سبق بيانه. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ﴾ أي (٢): جنس الظن، كما يلوح به الإظهار في مقام الإضمار. ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ من الإغناء. فإن الحق الذي هو عبارة عن حقيقة الشيء لا يدرك إدراكًا معتبرًا إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في شأن المعارف الحقية، وإنما يعتد به في العمليات، وما يؤدي إليها كمسائل علم أصول الفقه. وفيه ذم للظن، ودلالة على عدم إيمان المقلد. وقيل: الحق بمعنى العلم؛ أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: الحق بمعنى العذاب؛ أي: إن ظنهم لا ينقذهم من العذاب. والمعنى (٣): أي إنَّ معرفة الشيء معرفة حقيقية يجب أن تكون عن يقين، لا عن ظن وتوهم، وأنتم لا تتبعون فيما تقولون في هذه التسمية إلا الظن والتوهم، وليس هذا من سبيل العلم في شيء. وقد جاء في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 12880

"إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾. والخلاصة: أن مثل هذا الاعتقاد إما أن يكون عن دليل عقلي، والعقل لا يركن إليه في مثل هذا، وإما عن وحي، ولم يصل إليهم شيء منه يخبرهم بما يقولون. ٢٩ - ثم أمر رسوله بالإعراض عنهم، فقال: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ يا محمد ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾؛ أي: عن دعوة من تولى وأعرض ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وكتابنا المفيد للعلم اليقينيِّ، ولم يؤمن به. وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكر لأمور الآخرة. ولا تتهالك على إسلامه، أو عن ذكرنا كما ينبغي. فإنَّ ذلك مستتبع لذكر الآخرة، وما فيها من الأمور المرغوب فيها، والمهروب عنها؛ أي: أعرض عمن أعرض عن ذكرنا. والمراد بالذكر هنا (١): القرآن أو ذكر الآخرة أو ذكر الله على العموم. وقيل: المراد بالذكر هنا: الإيمان. والمراد: أترك مجادلتهم، نقد بلغت إليهم ما أمرت به، وليس عليك إلا البلاغ. وهذا منسوخ بآية السيف. وقيل: النهي (٢) عن الدعوة لا يستلزم نسخ الآية بآية القتال، بل الإعراض عن الجواب والمناظرة شرط لجواز المقاتلة، فكيف يكون منسوخًا بها. فالمعنى: أعرض عنهم، ولا تشتغل بإقامة الدليل والبرهان. فإنهم لا ينتفعون به، وقاتلهم، واقطع دابرهم. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لم يرد سواها، ولا طلب غيرها، بل قصر نظره عليها راضيًا بها، منكبًا مقبلًا على جمع حطامها، وجلب منافعها. فالمراد النهي عن دعوته، والاعتناء بشأنه. فإن من أعرض عما ذكر، وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته، وقصارى سعيه لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادًا، وإصرارًا على الباطل. ومعنى الآية (٣): أي فأعرض عن مثل هؤلاء الذين أعرضوا عن كتابنا، ولم

стр. 12881

يأخذوا بما فيه حيث يوصل إلى سعادتهم في المعاش والمعاد من المعتقدات الحقة، وقصص الأولين المذكرة بأمور الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب أليم. واقتصروا على شؤون الدنيا، ورضوا بزخرفها، وجدوا في بلوغ أسمى المراتب فيها كما فعل النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، وأضرابهما. والخلاصة: لا تبالغ في الحرص على هدى من تولى عن ذكرنا، وانهمك في أمور الدنيا، وجعلها منتهى همته، وأقصى أمنيته، وقصارى سعيه فلا سبيل إلى إيمان مثله، فلا تبخع نفسك على مثله أسفًا وحزنًا، كما قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾. ٣٠ - ثم أكد ما مضى من أن همتهم مقصورة على الحياة الدنيا بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ التولي, وقصر الإرادة على الحياة الدنيا ﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي: غاية علمهم، ونهايته، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، حتى يجديهم الدعوة والإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. فـ ﴿مبلغ﴾ اسم مكان، وجمع الضمير في ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ باعتار معنى ﴿مِنَ﴾ كما أنّ إفراده فيما سبق باعتبار لفظها. قال الفرّاء: أي ذلك قدر عقولهم، ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: الإشارة بذلك إلى جعلهم للملائكة بنات الله، وتسميتهم لهم تسمية الأنثى. والأول أولى. والمراد بالعلم هنا: مطلق الإدراك الذين يندرج تحته الظن الفاسد. والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم، واتباعهم مجرد الظن. وقيل: معترضة بين المعلل والعلة. وهي قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ﴾ وحاد ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأعرض عن الحق الذي هو التوحيد والطاعة. والمراد ﴿بِمَنْ ضَلَّ﴾: هو من أصر عليه، ولم يرجع إلى الهدى أصلًا. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ فقبل الحق، وأقبل عليه، وعمل به. فإن هذا تعليل للأمر بالأعراض. فهو سبحانه مجازٍ كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرًا. وفيه تسلية لرسول الله ﷺ ، وإرشاد له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة، وسبقت له الشقاوة؛ فإن الله سبحانه قد علم حال هذا الفريق الضالّ، كما علم حال الفريق الراشد.

стр. 12882

وحاصل معنى الآية: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي (١): إن منتهى علمهم أن يتفهموا شؤون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك. فشؤون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم لا يعرفون منها قبيلًا من دبر. روى أحمد عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال سول الله ﷺ : "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له". وفي الدعاء المأثور: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا". ثم ذكر السبب في الأمر بالإعراض عنهم فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ...﴾ إلخ؛ أي: إن ربك يا محمد هو العليم بمن واصل ليله بنهاره، وصباحه بمسائه مفكرًا في آياته في الكون، وفيما جاء على ألسنة رسله، حتى اهتدى إلى الحقال في ينجيه في آخرته، ويبلغه رضوان ربه، ويبلغه سعادة الدنيا بالسير على السنن الذي وضعها في خليقته، فاحتذى حذوها، وسار على أثرها. وبمن حاد عن طريق النجاة، وجعل إلهه هواه، وركب رأسه فلم يلو على شيء معا جاء به الداعي الناصح الأمين. وإنه لمجاز كلًّا بما كسب، واكتسب. وسيجزيه على الجليل، والحقير، والصغير, والكبير، بحسب ما أحاط به واسع علمه، وبمقدار فضله على من أخبت إليه. كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. ونكاله بمن دسى نفسه، واجترح السيئات مصداقًا لقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾. والخلاصة: أن هؤلاء قوم لا تجدي فيهم الذكرى، ولا تؤثر فيهم العظة فلا تبتئس بما كانوا يفعلون. ٣١ - ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته، وعظيم ملكه، فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ سبحانه ملكًا، وخلقًا، وعبيدًا، لا لغيره أصلًا لا استقلالًا، ولا اشتراكًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع ما في السموات من العالم العلوي، وجيمع ما في الأرض من العالم السفلي. فهو المالك لذلك، والمتصرِّف فيه، لا يشاركه فيه أحد. واللام (٢) في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ وأشركوا، متعلقة بعا دل عليه الكلام. كأنه قيل: هو

стр. 12883

مالك ذلك يضل من يشاء، يهدي من يشاء ليجزي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه. وقيل (١): متعلّقة بما دلّ عليه ﴿أعلم﴾ ... إلخ، وما بينهما اعتراض مقرر لما قبله. فإن كون الكل مخلوقًا له تعالى مما يقرر علمه تعالى بأحوالهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾. كأنه قيل: فيعلم ضلال من ضل واهتداء من اهتدى، ويحفظهما ليجزى الذين أساؤوا، وضلّوا. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: بعقاب ما عملوا من الشرك والضلال الذي عبَّر عنه بالإساءة بيانًا لحاله. شبه نتيجة علمه بكل واحد من الفريقين. وهي مجازاته على حسب حاله بعلته الغائية. فأدخل لام العلة عليها، وصح بذلك تعلقها بقوله: ﴿أعلم﴾. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾؛ أي: وحدوا، واهتدوا ﴿بِالْحُسْنَى﴾؛ أي: بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة. والباء لتعدية الجزاء أو بسبب أعمالهم الحسنى، فالباء للسببية والمقابلة. وإنما قدر على مجاراة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك كامل القدرة، فلذلك قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. والحسنى تأنيث الأحسن. وقرأ زيد بن عليّ ﴿لنجزي﴾ بالنون فيهما. وقرأ الجمهور بالياء فيهما. ومعنى الآية (٢): أي إنّ ما في السموات وما في الأرض تحت قبضته وسلطانه، وله التصرف فيه خلقًا، وملكًا، وتدبيرًا. فهو العليم به، لا تخفى عليه خافية من أمره. فلا تظنوا أنه يهمل أمركم، كلًّا فإنه مجار كل نفس بما كسبت من خير أو شر. وهذا ما عناه سبحانه بقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا ...﴾ إلخ؛ أي: فهو يجازي بحسب علمه المحيط بكل شيء. المحسن بالإحسان" ويدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار، ويمتعه بنعيم لا يخطر على قلب بشر. والمسيء بصنيع ما أساؤوا، وبما دسى به نفسه من ضروب الشرك والمعاصي، وبما ران على قلبه من كبائر الذنوب والآثام. وقد أصله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوةً. ٣٢ - ثم وصف هؤلاء المحسنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾؛ ويبتعدون

стр. 12884

عنها. فالموصول في محل نصب على أنه نعت للموصول الأوّل أعني قوله: ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾. وقيل: بدل منه. وقيل: بيان له. وقيل: منصوب على المدح بإضمار أعني، أو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. وقرأ الجمهور (١) ﴿كَبَائِرَ﴾ على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، ويحيى بن وثّاب ﴿كبير الإثم﴾ على الإفراد. وصية الاستقبال (٢) في صلة هذا الموصول، دون صلة الموصوف، أو المبدل منه للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره. يعني: للإشعار بأن ترك المعصية سواء كانت بارتكاب المحرمات أو بترك الواجبات ينبغي أن يستمر عليه المؤمن، ويجعل الاجتناب عنها دأبًا له وعادة، حتى يستحق المثوبة الحسنى. فإن من اجتنب عنها مرة، وانهمك عليها في باقي الأزمان لا يستحقها بخلاف الحسنات المتطوع بها. فإن من أتى بها ولو مرة يؤجر عليها. قال سعدي المفتي: لا حسن في جعل الذين يجتنبون مقصودًا بالنسبة، وجعل الذين أحسنوا في حكم المسكوت عنه على القول: بأنه بدل منه، ولو كان النظم على العكس .. لكان لها وجه، انتهى. يقول الفقير: الاجتناب من باب التخلية بالمعجمة. وهي أقدم من التحلية بالحاء المهملة، فلذا جعلت مقصودًا بالنسبة. وكبائر الإثم: ما بكبر عقابه من الذنوب. وهو ما ترتب عليه الوعيد بخصوصه كالشرك والزنا مطلقًا خصوصًا بحليلة جاره، وقتل النفس مطلقًا لا سيما الأولاد. وهي الموؤدة. وقيل: ما ذم فاعله ذمًّا شديدًا. وقيل: الكبيرة: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب أو حدّ في الدنيا أو أقدم صاحبه عليه من غير استشعار خوف أو ندم أو ترتب عليه مفاسد كبيرة. ولو كان في نظر الناس صغيرًا. من أمسك إنسانًا ليقتله ظالم، أو دل العدو على عورات البلاد، فقد فعل أمرًا عظيمًا. فيكون أكل مال اليتيم إذا قيس على هذين قليلًا مع أنه من الكبائر. ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل. وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها.

стр. 12885

والمشهور: أنّ الكبائر سبع. روي ذلك عن عليّ كرم الله وجهه، واستدلوا عليه بما روي في الصحيحين: "اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وروى الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنَّ رجلًا قال له: الكبائر سبعٌ، فقال: هي إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، اهـ. والإثم: قيل: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب. وقيل: هو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب. وقيل: هو فعل ما لا يحل. وقيل: الإثم جنس يشتمل كبائر وصغائر؛ وجمعه آثام. وقوله: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ معطوف على ﴿كَبَائِرَ﴾. جمع فاحشة. وهي ما فحش من كبائر الذنوب: كالزنا، ونحوه. نهو من قبيل التخصيص بعد التعميم. وقال مقاتل: كبائر الإثم: كل ذنب ختم بالنار. والفواحش: كل ذنب فيه الحد. وقيل: الكبائر: الشرك. والفواحش: الزنا. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ منقطع؛ أي: إلا ما قل وصغر من الذنوب لأن المراد باللمم: الصغائر. وهي لا تدخل في الكبائر. وذلك كالنظرة، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة، وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناسًا بهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسةٍ المسجد إذا كان يغلب تنجيسهم له، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة، اهـ خطيب. والمعنى: إلا ما قلَّ وصغر من الذنوب. فإنه مغفور ممن يجتنب الكبائر. يعني: إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وقيل: هي النظر بلا تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم، وهو مذنب. والغمزة والقبلة كما روي أن نبهان التمّار أتته امرأة لتشتري التمر، فقال لها: أدخلي الحانوت، فعانقها وقبلها، فقالت المرأة: خنت أخاك، ولم تصب حاجتك، فندم، وذهب إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت
следующие страницы →