النبي ﷺ ، فسكت حتى نزل قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ...﴾ أخرج أبو داود في "الناسخ والمنسوخ" عن ابن عباس ﵄ قال: كان الرجل يأكل مال امرأته من نحله الذي نحلها وغيره، ولا يرى أن عليه جناحًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ...﴾ والآية.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ...﴾ الآية، أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا مال، ولكني أكره الكفر في الإِسلام - قال أبو عبد الله: يعني تبغضه - قال رسول الله ﷺ له: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" قولها ما أعتب عليه: تعني، ما أجد عليه، والحديقة: البستان من النخل.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ...﴾ الآية، أخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: نزلت هذه الآية في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلقها طلاقًا بائنًا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها، فأتت النبي ﷺ فقالت: إنه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى الأول؟ قال ﷺ : "لا حتى يمس" ونزل فيها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فيجامعها، فإن طلقها بعد ما جامعها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا.
وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنّ ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " قالت: نعم، قال: "حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته".
стр. 1332
التفسير وأوجه القراءة
٢٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ قرأ عبد الله شذوذًا: ﴿للذين آلوا﴾ بلفظ الماضي، وقرأ أبي وابن عباس شذوذًا: ﴿للذين يقسمون﴾؛ أي: للذين يحلفون أن يبتعدوا ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وحلائلهم ولا يجامعوهن مطلقًا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر كما تقرر في الفروع ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ أي: انتظارهن في أربعة أشهر؛ أي: للمولي حق التلبث والانتظار في هذه المدة، فلا يطالب بفيئة ولا طلاق؛ أي: جعل الله الأجل في ذلك أربعة أشهر، فإذا مضت هذه المدة .. فإما أن يطلق، وإما أن يطأ، فإن أباهما جميعًا .. طلق عليه الحاكم طلقة واحدة، ولها النفقة والكسوة في تلك المدة؛ لأن الامتناع من قبله، وتحسب تلك المدة من يوم الحلف إن كانت صريحة في ترك الوطء، ومن يوم الرفع للحاكم إن لم تكن صريحة، فالإيلاء: لغة مطلق الحلف؛ لأنه مصدر آلى يولي إيلاء إذا حلف، وشرعًا: الحلف بالله أو بغيره، كالعتق والنذر على ترك وطء الزوجة المدخول بها المطيقة للوطء مطلقًا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ قرأ عبد الله: ﴿فإن فاءوا فيهن﴾ وقرأ أبيّ شذوذًا: ﴿فإن فاؤوا فيها﴾؛ أي: فإن رجع المولون عما حلفوا عليه من ترك جماعهن؛ بأن جامعوا قبل مضي أربعة أشهر، وحينئذ يلزمهم ما يترتب على الحنث من كفارة إن كان اليمين بالله، أو العتق مثلًا إن كان به. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ليمينهم إن تابوا بفعل الكفارة، أو ما تعرض بالإيلاء من ضرار المرأة بالفيئة التي هي كالتوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم حيث بيَّن كفارتهم.
٢٢٧ - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ قرأ ابن عباس شذوذًا: ﴿وإن عزموا السراح﴾؛ أي: وإن جزموا نية الطلاق، وقصدوا إيقاعه بأن تركوا الفيئة إلى مضي المدة، وجواب الشرط محذوف؛ تقديره: فليوقعوه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لإيلائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم، فليس لهم بعد التربص إلا الفيئة أو الطلاق، فإن بَرَّ المولي يمينه وترك مجامعة امرأته حتى يتجاوز أربعة أشهر .. بانت منه امرأته بتطليقة واحدة، وإن جامعها قبل ذلك .. فعليه كفارة اليمين، كما قاله ابن عباس، كما ذكرناه آنفًا، ففي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ من الوعيد على الامتناع، وترك الفيئة ما لا يخفى.
стр. 1333
٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ الحرائر المدخول بهن، الخاليات من حبال أزواجهن، ذوات الأقراء؛ لأن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام مخصوص بهذه القيود المذكورة، فخرجت الإماء، فعدتهن قُرْآن بالسنة، وغير المدخول بهن فلا عدة عليهن؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق، والآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر، كما في سورة الطلاق أيضًا، والمطلقات جمع مطلقة؛ وهي التي أوقع عليها الزوج الطلاق؛ أي: والواجب في المطلقات المذكورة في عدتهن أن ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ أي: أن ينتظرن ويتأخرن عن الزواج مدة ثلاثة أطهار على قول الشافعي ومالك، أو ثلاث حيض على قول أبي حنيفة وأحمد، ثم تتزوج إن شاءت بعد انتهاء عدتها، والباء في قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ يحتمل كونها زائدة في توكيد النون؛ أي: يتربصن أنفسهن، ويحتمل كونها للتعدية؛ أي: يتربصن بأنفسهن لا بأمر غيرهن، فلا دخل له في أمر العدة، والمراد: أنه لا تتوقف العدة على ضرب قاض بخلاف مدة العنّة، وقرأ الجمهور (١): ﴿قروء﴾ على وزن فعول، وقرأ الزهري ﴿قروّ﴾ بالتشديد من غير همز، وروي ذلك عن نافع، وقرأ الحسن ﴿قَرْو﴾ بفتح القاف وسكون الراء وواو خفيفة، وما عدا قراءة الجمهور شاذ.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾؛ أي: لا يجوز للمطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ ويخفين ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ وأوجده ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحبل أو الحيض؛ لأجل استعجال انقضاء العدة لإبطال حق الزوج من الرجعة، أو لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، وفيه دليل على قبول قولهن في ذلك نفيًا أو إثباتًا.
والحاصل: أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، فإذا كتمت الحبل .. قصرت مدة عدتها، فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج، وأحبت التزوج بزوج آخر، أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل، وإذا كتمت الحيض .. فقد تحب تطويل عدتها؛ لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لبطل رجعته، ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض
стр. 1334
الحيض في بعض الأوقات. ﴿إِنْ كُنَّ﴾ تلك المطلقات ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ ورسوله ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وجواب الشرط محذوف، فلا يحل لهن ذلك الكتمان، ولا يجترئن عليه، وهذا وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب أداء الأمانة بالإخبار عما في الرحم من الحيض والحبل.
والمعنى: أن هذا من فعل المؤمنات، وإن كانت المؤمنة والكافرة فيه سواء، كقولك: أدِّ حقي إن كنت مؤمنًا؛ يعني: أن أداء الحقوق من أفعال المؤمنين. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾؛ أي: أزواج تلك المطلقات، والبعولة جمع بعل، سمي الزوج بعلًا؛ لقيامه بأمر زوجته، وأصل البعل السيد والمالك ﴿أَحَقُّ﴾ وأولى ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: بمراجعتهن ولو أبين ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في زمن ذلك التربص الذي أمرن أن يتربصن فيه، وهو زمن الأقراء الثلاثة، فلا حق لغيرهم في ردهن ورجعتهن، فأفعل التفضيل ليس على بابه، فكأنه قال: وبعولتهن حقيقون بردهن، وقرأ مسلمة بن محارب ﴿وبعولتهن﴾ بسكون التاء، فرارًا من ثقل توالي الحركات، وقرأ أبي ﴿بردتهن﴾ بالتاء بعد الدال ﴿إِنْ أَرَادُوا﴾؛ أي: إن أراد الأزواج بالرجعة ﴿إِصْلَاحًا﴾ لما بينهم وبينهن، وإحسانًا إليهن بحسن المعاشرة، لا الإضرار بهن، وذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يراجعون ويريدون بذلك الإضرار، فنهى الله المؤمنين عن مثل ذلك، وأمرهم بالإصلاح وحسن العشرة بعد الرجعة ﴿وَلَهُنَّ﴾؛ أي: وللزوجات على الأزواج من الحقوق ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾ لهم ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من الحقوق ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا؛ أي: على الوجه الذي أمر الله تعالى به من حسن العشرة، وترك الضرار؛ يعني: يجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والمهر وحسن العشرة، وترك الضرار، كما يجب للأزواج عليهن امتثال أمرهم، ونهيهم في الاستمتاعات والخدمة، فالمماثلة تكون في وجوب ما يفعله الرجل من ذلك ووجوب امتثال المرأة أمره ونهيه، لا في جنس الواجب على كل منهما؛ لأنه مختلف.
وذلك: أن حق الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما يراعي حق الآخر فيما له وعليه، فيجب على الزوج أن يقوم بجميع حقوقها ومصالحها،
стр. 1335
ويجب على الزوجة الانقياد والطاعة له.
روى مسلم عن جابر ﵁ أنه ذكر خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع، وقال فيها: قال رسول الله ﷺ : "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانات الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك .. فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
ومعنى بالمعروف (١)؛ أي: بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفًا له، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به.
وقال ابن جرير (٢): اختلف أصحابنا - يعني: أصحاب مالك - هل على الزوجة أن تطالب بغير الوطء أم لا؟ فقال بعضهم: ليس على الزوجة أن تطالب بغير الوطء، وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة مثلًا .. فعليها تدبير أمر المنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال .. فعليها أن تفرش الفراش ونحوه، وإن كانت من نساء الكرد والدينم في بلدهن .. كلفت ما تكلفه نسائهم.
وقد جرى أمر المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا، ألا ترى أن نساء الصحابة كن يكلفن الطحن والخبيز والطبيخ، وفرش الفراش، وتقريب الطعام، وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك.
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ أي: ولكن للأزواج على الزوجات فضيلة ومزية في الحق؛ أي: فعليهن مزيد إكرام واحترام وتعظيم لرجالهن؛ بسبب كونه رجلًا يقالب الشدائد والأهوال، ويسعى دائمًا في مصالح زوجته، ويكفيها تعب
стр. 1336
الاكتساب، فبإزاء ذلك صار عليهن درجة، فللرجل في مبالغة الطوعية، وفيما يفضي إلى الاستراحة عندها.
وقيل (١): إن فضيلة الرجال عن النساء بأمور منها: العقل، والشهادة، والميراث، والدية، وصلاحية الإمامة، والقضاء، وللرجل أن يتزوج عليها ويتسرى، وليس لها ذلك، وبيد الرجل الطلاق، فهو قادر على تطليقها، وإذا طلقها رجعية .. فهو قادر على رجعتها، وليس شيء من ذلك بيدها.
روى البغوي بسنده عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل ﵁ خرج في غزاة بعثه رسول الله ﷺ فيها، ثم رجع فرأى رجالًا يسجد بعضهم لبعض، فذكر، ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد .. لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في جميع أفعاله وأحكامه، وفيما حكم بين الزوجين.
وإنما (٢) ختم الآية بهذين الاسمين؛ لأنه لما تضمنت الآية ما معناه الأمر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والنهي في قوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، والجواز في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ﴾، والوجوب في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، ناسب وصفه تعالى بالعزة، وهو القهر والغلبة، وهي تناسب التكليف، وناسب وصفه بالحكمة، وهي إتقان الأشياء، ووضعها على ما ينبغي، وهي تناسب التكليف أيضًا.
٢٢٩ - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؛ أي (٣): عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج على زوجاتهم إذا كن مدخولًا بهن هو مرتان، أي: الطلقة الأولى والثانية؛ إذ لا رجعة بعد الثالثة، وقيل: معناه التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق، ولذلك قالت الحنفية: الجمع بين الطلقتين والثلاث بدعة، وإنما قال : ﴿مَرَّتَانِ﴾ ولم يقل: طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة
стр. 1337
بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال جماعة من المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية، إلا أحد أمرين: إما إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة، أو الإمساك لها واستدامة نكاحها وعدم إيقاع الثالثة عليها. قال سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: فإمساك بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف؛ أي: بما هو معروف في الشرع من أداء حقوق النكاح، وحسن المعاشرة. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾؛ أي: أو إرسال لها بإيقاع طلقة ثالثة عليها ﴿بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي؛ من غير إضرار لها؛ بأن يؤدي إليها جميع حقوقها المالية، ولا يذكرها بسوء بعد المفارقة، ولا ينفر الناس عنها.
وقيل المراد: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: برجعة بعد الطلقة الثانية ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها، والأول أظهر، وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثًا أو واحدة فقط؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني من عداهم؛ وهو الحق. انتهى. من "الشوكاني".
فائدة: قال الفخر الرازي: الحكمة في إثبات حق الرجعة: أن الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري: هل تشق عليه المفارقة أو لا؟ فإذا فارقه .. فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجعة .. لعظمت المشقة على الإنسان؛ إذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة .. أثبت تعالى حق المراجعة مرتين، وهذا يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده.
فوائد تتعلق بأحكام الطلاق
الأولى: صريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير نية ثلاث: الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فقط.
الثانية: الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها .. فله مراجعتها من غير رضاها ما دامت في العدة، فإذا لم يراجعها حتى انقضت
стр. 1338
عدتها، أو طلقها قبل الدخول بها، أو خالعها .. فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن وليها.
الثالثة: العبد يملك على زوجته الأمة تطليقتين، واختلف فيما إذا كان أحد الزوجين حرًّا، فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث تطليقات، والعبد يملك على زوجته الحرة تطليقتين، فالاعتبار بحال الزوج في عدد الطلاق، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتبار بالمرأة، فالعبد يملك على زوجته الحرة ثلاث تطليقات، والحر يملك على زوجته الأمة تطليقتين.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها (١) الأزواج أو الحكام؛ لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهما الآخذون والمؤتون، والأول أظهر ﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أي: أعطيتموهن من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا فضلًا عن الكثير؛ لأنه استمتع بها في مقابلة ما أعطاها، وتنكير ﴿شَيْئًا﴾ للتحقير؛ أي: شيئًا حقيرًا، وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه، مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئًا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر؛ لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له .. كان ما عداه ممنوعًا منه بالأَولى.
ثم استثنى الخلع، فقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾؛ أي: الزوجان، وقرىء ﴿يظنا﴾، وهو يؤيد تفسير الخوف بالظن؛ أي: إلا أن يعلم الزوج والمرأة من أنفسهما عند الخلع ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾؛ أي: عدم إقامة حدود الله التي حدها للزوجين، وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة.
وقرأ حمزة: ﴿إلا أن يُخافا﴾ على البناء للمجهول فـ ﴿أَلَّا يُقِيمَا﴾ بدل اشتمال
стр. 1339
من الضمير فيه، والتقدير: إلا أن يخافا عدم إقامتهما حدود الله، وأصل (١) الكلام على هذه القراءة إلا أن يخاف ولاة الأمور الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله، فالولاة فاعل، والرجل مفعول به، والمرأة معطوف عليه، و ﴿أَلَّا يُقِيمَا﴾: بدل اشتمال من المفعول الذي هو الرجل والمرأة، فحذف الفاعل، وبني الفعل لما لم يسم فاعله، وأتى بدل المفعول به الظاهر بضمير التثنية، وبقي ﴿أَلَّا يُقِيمَا﴾ بدل اشتمال على حاله، لكن من الضمير الذي صار نائب الفاعل، فهذا التركيب على حد ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تأمل.
وقرىء شاذًا بالفوقانية في الفعلين مفتوحة في الأول، مضمومة في الثاني مع بنائهما للفاعل، وعلى هذه القراءة: فلا التفات في الكلام ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكام، وجاز أن يكون أول الخطاب للأزواج، وآخره للحكام؛ يعني: فإن خشيتم وأشفقتم ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾؛ أي: ما أوجب الله على كل منهما من طاعته فيما أمر به من حسن الصحبة والمعاشرة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: لا جناح على الرجل في الأخذ، وعلى المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج، فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع، وقد ذهب الجمهور: إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف، وهو الذي صرح به القرآن، وقد تقدم لك أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس، وفي شأن جميلة بنت عبد الله بن أبي، اشترت نفسها من زوجها بمهرها. قال رسول الله ﷺ لثابت: "خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها"، ففعل، فكان ذلك أول خلع في الإِسلام.
ثم الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن حمله على الظن كما قريء شاذًا ﴿إلا أن يظنا﴾ والخوف: إما أن يكون من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزوج فقط، أو
стр. 1340
من قبلهما معًا، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما، فإن كان الخوف من قبل المرأة بأن تكون ناشزة مبغضة للزوج .. فيحل له أخذ المال منها، وإن كان من قبل الزوج فقط بأن يضربها ويؤذيها حتى تلتزم الفداء .. فهذا المال حرام، كما إذا كان حاصلًا من قبلهما معًا، فذلك المال حرام أيضًا، وإن لم يحصل الخوف من قبل واحد منهما .. فقال أكثر المجتهدين: إن هذا الخلع جائز، والمال المأخوذ حلال، وقال قوم: إنه حرام.
﴿تِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة من قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ إلى هنا ﴿حُدُودُ اللهِ﴾؛ أي: ما حدد الله وشرعه، وبينه لعباده في النكاح واليمين والإيلاء والعدة والطلاق والخلع، وغير ذلك ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾؛ أي: فلا تجاوزوها بالمخالفة إلى ما نهى الله تعالى لكم عنه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ﴾؛ أي: يتجاوز ﴿حُدُودَ اللهِ﴾؛ أي: أحكام الله إلى ما نهى الله عنه ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المعتدون ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم، والضارون لها بتعريضها لسخط الله، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.
٢٣٠ - ثم رجع إلى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ بعد الطلقتين، فكأنه قال: فإن (١) سرحها التسريحة الثالثة الباقية من عدد الطلاق، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وغيرهم؛ أي: فإن وقع منه ذلك .. فقد حرمت عليه بالتثليث ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ تلك المطلقة ﴿لَهُ﴾؛ أي: لمطلقها ثلاثًا ﴿مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: من بعد التطليقة الثالثة ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾؛ أي: حتى تتزوج ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ أي: غير الأول بعد انقضاء عدتها من الأول، ويطأها الزوج الثاني، ويطلقها الثاني، وتنقضي عدتها من الثاني، وقد أخذ (٢) بظاهر الآية سعيد بن المسيب ومن وافقه، فقالوا: يكفي مجرد العقد؛ لأنه المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا بد مع العقد من الوطء؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من اعتبار ذلك، وهو زيادة يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب ومن تابعه.
стр. 1341
وفي الآية: دليل على أنه لا بد أن يكون ذلك نكاحًا شرعيًّا مقصودًا لذاته، لا نكاحًا غير مقصود لذاته، بل حيلة للتحليل وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأول، فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذم فاعله، وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع، ولعن من اتخذه لذلك.
واعلم: أن مذهب جمهور السلف والخلف أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لذلك المطلق إلا بخمس شرائط: تعتد منه، وتعقد للثاني ويطؤها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه.
والحكمة في تشريع التحليل (١): الردع عن المسارعة إلى الطلاق، وعن العود إلى المطلقة ثلاثًا والرغبة فيها ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني طلاقًا بائنًا، وانقضت عدتها منه ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: فلا إثم ولا حرج ﴿عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: على الزوج الأول والمرأة ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: أن يرجع كل من المرأة والزوج الأول إلى الآخر بنكاح جديد ومهر ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو تردد أو أحدهما ولم يحصل لهما الظن .. فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة لمعصية الله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين.
وأجمع أهل العلم (٢) على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثًا، ثم انقضت عدتها، ونكحت زوجًا آخر ودخل بها، ثم فارقها وانقضت عدتها، ثم نكحها الزوج الأول .. أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات.
﴿وَتِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة من النكاح وغيره ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: أحكام شرعه ﴿يُبَيِّنُهَا﴾ وقرىء ﴿نبينها﴾ بالنون على طريق الالتفات؛ أي: يوضحها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أنها من الله ويصدقون بها وخص الذين يعلمون مع عموم الدعوة للعالم وغيره ووجوب التبليغ لكل فرد؛ لأنهم المنتفعون بالبيان المذكور، أما من
стр. 1342
لا يعلم .. فهو أعمى لا يبصر شيئًا من الآيات ولا يتضح له ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.
الإعراب
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿يُؤْلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُؤْلُونَ﴾. ﴿تَرَبُّصُ﴾: مبتدأ مؤخر وهو مضاف. ﴿أَرْبَعَةِ﴾: مضاف إليه وهو مضاف. ﴿أَشْهُرٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا.
﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت حكم الإيلاء، وأردت بيان حكم ما إذا فاؤوا .. فأقول لك: إن فاءوا. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿فَاءُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل الشرط لها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول لها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
стр. 1343
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾: الواو: استئنافية، ﴿المطلقات﴾: مبتدأ. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة في التوكيد. ﴿أَنْفُسِهِنَّ﴾: مؤكد لنون الفاعل ومضاف إليه، والجملة خبر المبتدأ؛ تقديره: والمطلقات متربصات هن أنفسهن، والجملة مستأنفة. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَحِلُّ﴾: فعل مضارع. ﴿لَهُنَّ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَكْتُمْنَ﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ تقديره: ولا يحل لهن كتمانهن، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: ما خلقه الله. ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنَّ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم على كونه فعل شرط لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿يُؤْمِنَّ﴾: فعل وفاعل في محل النصب على كونه خبرًا لـ ﴿كان﴾؛ تقديره: إن كن مؤمنات بالله. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يؤمن﴾، ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لليوم، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله؛ تقديره: إن كن يؤمن باللهِ واليوم الآخر .. لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جملة غائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: الواو: استئنافية، ﴿بعولتهن﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر، وصح الإخبار بالمفرد عن الجمع؛ لأن الخبر اسم تفضيل، والجملة
стр. 1344
مستأنفة. ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَحَقُّ﴾. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ردهن﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿أَرَادُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل الشرط. ﴿إِصْلَاحًا﴾: مفعول به، وجواب ﴿إنْ﴾ معلوم مما قبله؛ تقديره: فهم أحق بردهن، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية جملة غائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَلَهُنَّ﴾: الواو: استئنافية، ﴿لهن﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِثْلُ﴾: مبتدأ مؤخر، وسوغ الابتداء بالنكرة تقدم الخبر الظرفي عليه، أو تخصصه بالإضافة، والجملة مستأنفة، وهو مضاف. ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور (١) متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ﴿لهن﴾ أي: استقر ذلك بالمعروف، ويجوز أن يكون في موضع رفع صفة لـ ﴿مِثْلُ﴾؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة. ﴿وَلِلرِّجَالِ﴾: الواو: عاطفة، ﴿للرجال﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: جار ومجرور (٢) متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ﴿للرجال﴾، ويجوز أن يكون في موضع نصب حالًا من ﴿دَرَجَةٌ﴾؛ والتقدير: درجة كائنة عليهن، فلما قدم وصف النكرة عليها .. صار حالًا. ﴿دَرَجَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
﴿الطَّلَاقُ﴾: مبتدأ، وهو على حذف مضاف؛ تقديره: عدد الطلاق الذي تملك بعده الرجعة؛ ليصح الإخبار. ﴿مَرَّتَانِ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم عدد الطلاق الذي تملك بعده الرجعة، وأردتم بيان مالكم بعد المرتين ..
стр. 1345
فأقول لكم: عليكم إمساك بمعروف، ﴿إمساك﴾: مبتدأ مؤخر، وخبره محذوف مقدر قبله؛ ليصح الابتداء بالنكرة؛ تقديره: عليكم إمساكهن. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿إمساك﴾، أو متعلق به، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾: معطوف على ﴿إمساك﴾. ﴿بِإِحْسَانٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿تَسْرِيحٌ﴾، أو متعلق به.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَحِلُّ﴾: فعل مضارع ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَأْخُذُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن، وصلة لها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ تقديره: ولا يحل لكم أخذكم. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَأْخُذُوا﴾. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: إياه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط المفعول الثاني المحذوف. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به لـ ﴿تَأْخُذُوا﴾. ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة (١) استثناء من مفعول له محذوف تقديره: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا بسبب من الأسباب إلا بسبب أن يخافا. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَخَافَا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة محذوف إليه؛ تقديره: إلا بسبب خوفهما، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تأخذوا﴾. ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. لا: نافية. ﴿يُقِيمَا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾، وصلة لها. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: إلا بسبب خوفهما عدم إقامة حدود الله.
стр. 1346
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنه لا يحل الأخذ منهن إلا في حالة الخوف، وأردتم بيان حكمه حينئذ هل معه جناح أم لا؟ فأقول لكم: ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿خِفْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل الشرط، ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يقيما﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾، وصلة لها. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: فإن خفتم عدم إقامتهما حدود الله. ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: فلا جناح كائن عليهما، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به عليهما. ﴿افْتَدَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على المرأة. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير به.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْتَدُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على الجملة الإسمية. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ﴾ الواو: استئنافية. ﴿من﴾؛ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يَتَعَدَّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
стр. 1347
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم حكم الطلاق مرتين، وأردتم بيان حكم ما إذا طلق الثالثة .. فأقول لكم: ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿طَلَّقَهَا﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، وفاعله ضمير يعود على المطلق مرتين. ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية جوازًا، ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَحِلُّ﴾: فعل مضارع مرفوع ليشاكل الجواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على المطلقة مرتين. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تحل﴾، وكذا يتعلق به قوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ والجملة الفعلية في محل الجزم على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾: ﴿حتى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَنْكِحَ﴾: منصوب بأن المضمرة بعد حتى، وفاعله ضمير يعود على المطلقة ثلاثًا ﴿زَوْجًا﴾: مفعول به، ﴿غَيْرَهُ﴾: بدل من ﴿زَوْجًا﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿تَنْكِحَ﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى تقديره: إلى نكاحها زوجًا غيره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لا تحل﴾.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
﴿فإن﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وأردتم بيان حكم ما إذا نكحت زوجًا آخر .. فأقول لكم ﴿إن طلقها﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿طَلَّقَهَا﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، وفاعله ضمير يعود على الزوج الثاني. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿عَلَيْهِمَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَتَرَاجَعَا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ وصلة لها، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ تقديره: فلا جناح عليهما في تراجعهما، والجار المحذوف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به
стр. 1348
﴿عَلَيْهِمَا﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿ظَنَّا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُقِيمَا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ وصلة لها، وجملة ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن؛ تقديره: إن ظنا إقامتهما. ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجواب ﴿إن﴾ محذوف؛ تقديره: إن ظنا أن يقيما حدود الله .. فلا جناح عليهما في تراجعهما، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جملة غائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَتِلْكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿يُبَيِّنُهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر بعد خبر، أو في محل النصب حال من ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: مبينة، والعامل فيها اسم الإشارة ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبين﴾، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿قوم﴾؛ تقديره: لقوم عالمين؛ أي: فاهمين إياها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ الإيلاء: مصدر آلى الرباعي، يولي إيلاء إذا حلف، فهو لغة: الحلف، وشرعا: حلف الزوج على أن لا يطأ زوجته مطلقًا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر.
﴿تَرَبُّصُ﴾ التربص: الانتظار والترقب، وهو مصدر تربص الخماسي، وهو مقلوب التبصر.
﴿فَاءُوا﴾ وهو من الأجوف المهموز، يقال: فاء يفيء فيأً إذا رجع، وسمي الظل بعد الزوال فيأً؛ لأنه رجع عن جانب المغرب إلى جانب المشرق.
﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ العزم: ما يعقد عليه القلب ويصمم، يقال: عزم عليه يعزم عزمًا وعزيمةً وعزامًا إذا صمم عليه.
﴿الطَّلَاقَ﴾: انحلال عقد النكاح، يقال: طلقت تطلق فهي طالق وطالقة،
стр. 1349
ويقال: طَلُقت بضم اللام. حكاه أحمد بن يحيى، وأنكره الأخفش.
﴿قُرُوءٍ﴾ القرء: في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء المرأة حيضها وطهرها، والقرء فيه لغتان: الفتح ويجمع المفتوح على قُرُؤ وأقرء مثل فلس وفلوس وأفلس، والضم: ويجمع المضموم على أقراء مثل قفل وأقفال.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ البعولة: جمع بعل، فالتاء لتأنيث الجمع، وفي "المصباح" البعل: الزوج، يقال: بعل يبعل - من باب قتل - بعولةً إذا تزوج، والمرأة بعل أيضًا، وقد يقال فيها: بعلة بالهاء، كما يقال: زوجة تحقيقًا للتأنيث، والجمع البعولة، وفي "القاموس": أن بعل من باب منع، فيؤخذ منه مع كلام "المصباح"، أنه يأتي من باب قتل ومنع، ونص كلام "القاموس" والبعل الزوج، والجمع بعال وبعول وبعولة، والأنثى بعل وبعلة، بعل - كمنع - بعولةً صار بعلًا، والبعال: الجماع وملاعبة المرء أهله، والبعل أيضًا الملك، وبه سمي الصنم.
﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وصيغة (١) التفضيل لإفادة أن الرجل إذا أراد الرجعة، والمرأة تأباها .. وجب إيثار قوله على قولها، وليس معناه أن لها حقًّا في الرجعة.
﴿وَلِلرِّجَالِ﴾: جمع رجل، والرجل معروف، وهو مشتق من الرجلة، وهي القوة، يقال: رجل بين الرجولة والرجلة، وهو أرجل الرجلين؛ أي: أقواهما.
﴿دَرَجَةٌ﴾ الدرجة: المنزلة، يقال: درجت الشيء وأدرجته إذا طويته، وأدرجهم الله، فهو كطي الشيء منزلة منزلة، ومنه الدرجة التي يرتقى إليها.
﴿إمساك﴾: مصدر أمسك الشيء إمساكًا إذا حبسه.
﴿تَسْرِيحٌ﴾: مصدر سرح الرباعي، يقال: سرح الماشية تسريحًا إذا أرسلها لترعى، وسرح الشعر إذا خلص بعضه من بعض.
البلاغة
﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: في إضافة المصدر إلى الظرف تجوز، والأصل
стр. 1350
تربصهنّ في أربعة أشهر.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: فيه من الوعيد والتهديد على الامتناع وترك الفيئة ما لا يخفى.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾: هذا خبر بمعنى الأمر، والأصل: وليتربصن المطلقات، وإيراده خبرًا أبلغ من صريح الأمر؛ لإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى الإتيان به، فكأنهن امتثلن الأمر بالفعل، فهو يخبر عنه موجودًا، وبناؤه على المبتدأ مما زاده تأكيدًا.
﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾: ليس الغرض منه التقييد بالإيمان، بل للتغليظ وتهويل الأمر في نفوسهن حتى لو لم يكن مؤمنات كان عليهن العدة أيضًا.
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾: فيه من الإيجاز والإبداع ما لا يخفى على المتمكن في علوم البيان، فقد حذف شيئًا من الأول أثبت نظيره في الآخر، وأثبت شيئًا في الأول حذف نظيره في الآخر، وأصل الكلام: ولهن على أزواجهن من الحقوق مثل الذي لأزواجهن عليهن من الحقوق، وفيه من المحسنات البديعية أيضًا الطباق بين ﴿لهن﴾ و ﴿عليهن﴾ وهو طباق بين حرفين.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾: وإيثار لفظ مرتان على لفظ ثنتان؛ للإيذان بأن حقهما أن يوقعا مرة بعد مرة لا دفعة واحدة وإن أنت الرجعة ثابتة أيضًا، وبين لفظ ﴿إمساك﴾ ولفظ ﴿تَسْرِيحٌ﴾ طباق. ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾: فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: فيه وفيما بعده الإظهار في مقام الإضمار؛ لتربية المهابة وإدخال الروع في ذهن السامع. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: فيه قصر صفة على موصوف.
والله أعلم
* * *
стр. 1351
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.
المناسبة
مناسبة الآيتين لما قبلهما ظاهرة؛ لأن الآيتين تتحدثان عن أحكام الطلاق وتنهيان عن الإيذاء والإضرار، وعن عضل الأولياء موليتهم عن نكاح مطلقها.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ...﴾ الآية.
أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها يفعل ذلك يضارها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية.
وأخرج عن السدي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة .. راجعها، ثم طلقها مضارة، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ...﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ...﴾ أخرج ابن أبي عمر في مسنده، وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق، ثم يقول: لعبت، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ...﴾.
стр. 1352
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ...﴾ الآية، روى البخاري، وأبو داود، والترمذي وغيرهم عن معقل ابن يسار أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين، فكانت عنده، ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، فخطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه وقال: أزوجك وأكرمك، وأخرجه ابن مردويه من طرق كثيرة.
التفسير وأوجه القراءة
٢٣١ - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ طلاقًا رجعيًّا ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: قاربن انقضاء عدتهن وشارفن منتهاها، ولم تنقض؛ لأنه لو انقضت .. لم يكن للزوج إمساكها؛ لأنها ليست بزوجة، فلا سبيل له عليها، والأجل: هو الذي (١) ضربه الله للمعتدات من الأقراء والأشهر ووضع الحمل، وأضاف الأجل إليهن؛ لأنه أمس بهن، ولذا قيل: الطلاق للرجال، والعدة للنساء. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾؛ أي: راجعوهن قبل انقضاء العدة ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ في الشرع؛ أي: بالقول وبالإشهاد على الرجعة، لا بالوطء كما يجوز عند أبي حنيفة ﵀، أو بحسن الصحبة والمعاشرة ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾؛ أي: خلوهن واتركوهن بلا رجعة حتى تنقضي عدتها، وتبين فيملكن أنفسهن ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: بأداء حقوقهن بلا تخاصم ولا تقابح ولا تشاتم ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تراجعوهن ﴿ضِرَارًا﴾؛ أي: لأجل إضرارها بسوء العشرة، وتضييق النفقة وتطويل العدة، وأنتم لا حاجة لكم إليهن، أو حالة كونكم مضارين لهن بذلك، وهذا النهي (٢) كالتوكيد لقوله أولًا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ نهاهم عن أن يكون الإمساك ضرارًا، وحكمة هذا النهي: أن الأمر في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يحصل لإمساكها مرة بمعروف هذا مدلول الأمر، ولا يتناول سائر الأوقات، وجاء بالنهي ليتناول سائر الأوقات ويعمها، ولينبه على ما كانوا يفعلونه من
стр. 1353
الرجعة، ثم الطلاق، ثم الرجعة، ثم الطلاق على سبيل الضرار، فنهى عن هذه الفعلة القبيحة بخصوصها تعظيمًا لهذا المرتكب السيء الذي هو أعظم إيذاء للنساء حتى تبقى عدتها في ذوات الأشهر تسعة أشهر.
﴿لِتَعْتَدُوا﴾؛ أي: لكي تظلموهن بتطويل العدة عليهن، أو بالإلجاء إلى الافتداء بالمال، واللام متعلق بضرارًا؛ إذ المراد تقييده وتعليله، وقيل: غير ذلك كما سنبينه في بحث الإعراب.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ الإمساك المؤدي إلى الضرار والعدوان ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: أضر بنفسه بمخالفة أمر الله، وتعريضها لعقاب الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا﴾ أيها الأزواج ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: أحكامه التي بينها بوحيه وتنزيله من أمره ونهيه وحلاله وحرامه ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: استهزاء ولعبًا؛ أي: مهزوءًا بها، ومتروكًا العمل بها بالإعراض عنها، والتهاون بالعمل بما فيها من قولهم لمن لم يجدّ في الأمر: إنما أنت هازىء، كأنه نهى عن الهزء، وأراد به الأمر بضده؛ أي: جدوا (١) في الأخذ بها والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها، وإلا فقد أخذتموها هزوًا ولعبًا، فمن وجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله، ثم وصل إليه هذه الأحكام التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة .. فلا يتخذها هزوا، ففيه تهديد عظيم ووعيد شديد.
وعن أبي هريرة (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان الرجل على عهد رسول الله ﷺ يقول: زوجتك ابنتي، ثم يقول: كنت لاعبًا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب فهن جائزات عليه: الطلاق والنكاح والعتاق".
стр. 1354
وعن أبي الدرداء ﵁ قال. كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت، ويعتق ثم يقول: لعبت، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "من طلق أو أعتق، فقال: لعبت .. فليس قوله بشيء يقع عليه فيلزمه". وعن ابن عباس ﵄ قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فألزمه رسول الله ﷺ الطلاق.
وقرأ حمزة (١): ﴿هزْءا﴾ بإسكان الزاي، وإذا وقف سهل الهمزة على مذهبه في تسهيل الهمزة كما بين في علم القراءات، وهو من تخفيف فُعْل كعنق، وقرأ أيضًا: ﴿هزُوا﴾ بضم الزاي وإبدال الهمزة واوًا وذلك لأجل الضم، وقرأ الجمهور: ﴿هُزُوءا﴾ بضمتين وبالهمز، قيل: وهو الأصل.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إنعامه عليكم بنعمة الإِسلام وبعثة محمَّد ﷺ ، حيث هداكم إلى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية؛ أي: فاشكروها واحفظوها بالامتثال وترك المخالفة.
﴿و﴾ واذكروا ﴿ما أنزل﴾ الله ﴿عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: السنة التي علمها رسول الله ﷺ وسنها لكم، وقيل المراد بالحكمة: مواعظ القرآن، وأفردهما بالذكر مع دخولهما في النعمة إظهارًا لشرفهما؛ أي: اشكروهما بالعمل بما فيهما حالة كونه ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾؛ أي: يذكركم بما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة؛ أي: يأمركم وينهاكم به ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله بالامتثال فيما أمركم به، وترك المخالفة فيما نهاكم عنه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم ما أخفيتم من طاعة ومعصية في سر وعلن، فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون، فيؤاخذكم بأنواع العقاب، وهذا أبلغ وعد ووعيد.
٢٣٢ - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ والخطاب هنا في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، وفي قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إما للأزواج، والمعنى
стр. 1355
حينئذ: وإذا طلقتم أيها الأزواج النساء، فبلغن أجلهن؛ أي: انقضت عدتهن .. فلا تعضلوهن؛ أي: لا تمنعوهن أيها الأزواج، وتسميتهم أزواجًا حينئذ بالنظر إلى ما كان من أن ينكحن ويتزوجن من يريدون من الرجال أن يتزوجوهن، فإن الأزواج قد يعضلون مطلقاتهم أن يتزوجن ظلمًا، وإما للأولياء فنسبة الطلاق إليهم باعتبار تسببهم فيه كما يقع كثيرًا أن الولي يطلب من الزوج طلاقها، والمعنى حينئذٍ: وإذا خلصتم أيها الأولياء النساء من أزواجهن بتطليقهن، فانقضت عدتهن .. فلا تمنعوهن أيها الأولياء من أن ينكحن الرجال الذين كانوا أزواجًا لهن، فتسميتهم أزواجًا باعتبار ما كان، والمراد ببلوغ أجلهن هنا: انقضاء عدتهن، وفي ما سبق مقاربة انقضائها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين، وفي هذه (١) الآية حجة للشافعي ومن وافقه في أن المرأة لا تلي عقد النكاح، ولا تأذن فيه؛ إذ لو كانت تملك ذلك .. لم يكن عضل، ولا لنهي الولي عن العضل معنى. ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾؛ أي: إذا تراضى الخطاب والنساء ﴿بَيْنَهُمْ﴾ واتفقوا تراضيا ملتبسا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا من عقد حلال، ومهر جائز، وذلك بأن يرضى كل منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه، والخطاب في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ للنبي ﷺ ، أو لكل أحد؛ أي: ذلك المذكور من النهي عن العضل، أو من جميع الأحكام السابقة ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾؛ أي: يؤمر به ويمتثله؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أيها المكلفون.
﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ خص المؤمن بالذكر؛ لأنه هو الذي يتعظ وينتفع بالوعظ.
تنبيه: وإنما قال (٢) هنا: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ وقال في الطلاق: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ لأنه لما كانت كاف ذلك لمجرد الخطاب لا محل لها من الإعراب .. جاز الاقتصار على الواحد كما هنا، كما في قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وجاز الجمع نظرًا للمخاطبين كما في الطلاق، فإن قلتَ: لِمَ ذكر منكم هنا، وتركه ثَمَّ؟
стр. 1356
قلتُ: لتركِ ذكر المخاطبين هنا في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ واكتفى بذكرهم ثَمَّ فيه. اهـ كرخي. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الاتعاظ والعمل بمقتضاه، وهو ترك العضل ﴿أَزْكَى﴾؛ أي: أصلح وأنفع لكم ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبكم وقلوبهن من العدواة والتهمة بسبب المحبة بينهما، وذلك أنهما إذا كان في قلب كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن عليهما، أو أزكى وأطهر؛ أي: أفضل لكم وأطيب عند الله، وعبارة أبي حيان: ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أي: التمكين من النكاح ﴿أَزْكَى﴾ لمن هو بصدد العضل؛ لما له في امتثال أمر الله من الثواب ﴿وَأَطْهَرُ﴾ للزوجين؛ لما يخشى عليهما من الريبة إذا مُنعا من النكاح، وذلك بسبب العلاقات التي بين النساء والرجال ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه صلاح أموركم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فدعوا رأيكم، وهاتان الجملتان في قوة التعليل لما قبله.
وعبارة (١) أبي السعود: والله يعلم ما فيه من الزكاة والطهر، وأنتم لا تعلمون ذلك، أو الله يعلم ما فيه صلاح أموركم من الأحكام والشرائع التي من جملتها ما بيّنه لكم هنا، وأنتم لا تعلمونها، فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى، ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون. انتهت.
وعبارة (٢) أبي حيان: والله يعلم ما تنطوي عليه قلوب الزوجين من ميل كلٍّ منهما إلى الآخر، لذلك نهى الله تعالى عن العضل، قال ابن عباس: معناه أو يعلم ما فيه من اكتساب الثواب وإسقاط العقاب، أو يعلم بواطن الأمور ومآلها، وأنتم لا تعلمون ذلك، إنما تعلمون ما ظهر، أو يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها، ويكون المقصود بذلك تقرير الوعد والوعيد. انتهت.
الإعراب
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
стр. 1357
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَبَلَغْنَ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب. ﴿بلغن﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿طَلَّقْتُمُ﴾. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿أمسكوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أمسكوهن﴾. ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل ﴿سَرِّحُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أمسكوهن﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿إذا﴾ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: متعلق بـ ﴿سرحوهن﴾. ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تمسكوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿أمسكوهن﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿إذا﴾، وفائدة العطف هنا: توكيد المعطوف عليه. ﴿ضِرَارًا﴾: مفعول لأجله، أو حال من الفاعل، ولكن بعد تأويله بمثشتق؛ تقديره: ولا تمسكوهن حالة كونكم مضارين. ﴿لِتَعْتَدُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تعتدوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة بعد لام كي جوازًا، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي؛ تقديره: لاعتدائكم وظلمكم إياهن، وهذه (١) اللام إن كان ﴿ضِرَارًا﴾ حالًا .. تعلقت به أو بـ ﴿لا تمسكوهن﴾، وإن كان ﴿ضِرَارًا﴾ مفعولًا لأجله .. تعلقت اللام به، وكانت علة للعلة.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر فعل الشرط على الراجح. ﴿يَفْعَلْ﴾: مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ مفعول به. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿ظَلَمَ﴾:
стр. 1358
فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿نَفْسَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، أو استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة، أو مستأنفة على الجملة التي قبلها. ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿هُزُوًا﴾ مفعول ثان. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: الواو: استئنافية. ﴿اذكروا﴾: فعل وفاعل ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نعمة﴾؛ لأنه اسم مصدر لأنعم الرباعي، أو متعلق بمحذوف حال من ﴿نِعْمَتَ﴾ تقديره: حالة كونها كائنة عليكم.
﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.
﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب معطوفة على ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد محذوف تقديره: أنزله ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أنزل﴾. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء المحذوفة من أنزل؛ تقديره: حالة كون ما أنزله كائنًا. ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: معطوف على ﴿الْكِتَابِ﴾. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: ﴿يَعِظُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿به﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَنْزَلَ﴾ العائد على الله تقديره: حالة كونه واعظًا إياكم به، ويجوز (١) أن يكون حالًا من ﴿ما﴾، والعائد إليها الهاء في به، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مبتدأ، و ﴿يعظكم﴾: خبره.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اتقوا﴾ ﴿أَنَّ﴾:
стр. 1359
حرف نصب ومصدر وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عليم﴾، وهو خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا علم الله بكل شيء.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
﴿وَإِذَا﴾ الواو: عاطفة، أو استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿بلغن﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿طَلَّقْتُمُ﴾، ﴿أَجَلَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إذا جوازًا ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ التي قبلها، أو مستأنفة. ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدره ﴿يَنْكِحْنَ﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أن﴾. ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف المتعلق بـ ﴿لا تعضلوهن﴾ تقديره فلا تعضلوهن من نكاحهن أزواجهن ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿تَرَاضَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿ينكحن﴾، أو بلا تعضلوهن. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تراضوا﴾ ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف تقديره: تراضيًا كائنًا بالمعروف، أو متعلق بـ ﴿تراضوا﴾.
﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يُوعَظُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُوعَظُ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾: خطاب للمنتهين عن العضل
стр. 1360
متعلق بـ ﴿كان﴾، أو بمحذوف حال من الضمير المستكن في ﴿يُؤْمِنُ﴾، وخص المؤمنين لأنه لا ينتفع بالوعظ إلا هم، ذكره في "النهر" ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يؤمن﴾، ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لليوم، وجملة ﴿يُؤْمِنُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾ تقديره: من كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر، وجملة ﴿كاَنَ﴾ صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، وجملة ﴿يُوعَظُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: ذلك متعظ به من كان منكم مؤمنًا بالله واليوم الآخر، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿أَزْكَى﴾: خبر، والجملة مستأنفة ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَزْكَى﴾. ﴿وَأَطْهَرُ﴾ معطوف على أزكى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾. الواو: استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ هو من باب فعَل يفعُل - بفتح العين في الماضي وضمه في المضارع - من باب قعد يقال: بلغ يبلغ بلوغًا وبلاغًا وبلغة، ﴿ضِرَارًا﴾ وهو مصدر ضار ضرارًا ومضارة - من باب فاعل - إذا أدخل عليه الضرر.
﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ العضل: المنع، يقال: عضلها من الزواج يعضلها - بكسر الضاد وضمها - من بابي ضرب ونصر إذا منعها من الزواج، ويقال: دجاج معضل إذا احتبس بيضها. قاله الخليل، ويقال: أصله الضيق، ومنه عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها، وعضلت الشاة وعضلت الأرض بالجيش ضاقت بهم، وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم علاجه، وأعضل الأمر إذا اشتد وضاق.
﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ أصله: إذا تراضيوا؛ لأنه من باب تفاعل الناقص كتراموا، تحرت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار تراضو كتراموا.
стр. 1361
﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ الألف في أزكى مبدلة من واو؛ لأنه من زكا الزرع يزكو زكاةً إذا نما بكثرة وبركة. ﴿أطهر﴾ من طهر إذا تنزه عن الأدناس والمعاصي.
البلاغة
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: قاربن انقضاء عدتهن، فهو من المجاز المرسل، أطلق فيه اسم الكل على الأكثر؛ لأنه لو انقضت العدة .. لما جاز إمساكها، والله تعالى يقول: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ هذا قد سبق، وأعاده اعتناء بشأنه، ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه من الإضرار.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ هو من باب عطف الخاص على العام؛ لأن النعمة يراد بها نعم الله، والكتاب والحكمة من أفراد هذه النعم، هذا إن جعلنا النعمة اسمًا للمنعم به، وأما إن جعلناه مصدرًا بمعنى الإنعام .. فيكون العطف من المغاير؛ لأن النعمة حينئذ المراد بها الإنعام، والكتاب والحكمة من أفراد النعم، لا من أفراد الإنعام.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كرر لفظ الجلالة؛ لكونه من جملتين، فتكريره أفخم وترديده في النفوس أعظم، وبين كلمة ﴿اعلموا﴾ وكلمة ﴿عَلِيمٌ﴾ من المحسنات البديعية ما يسمى بجناس الاشتقاق.
﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ يراد بأزواجهن المطلقين لهن، فهو من المجاز المرسل، والعلاقة اعتبار ما كان.
وقد تضمنت (١) هاتان الآيتان ستة أنواع من ضروب الفصاحة والبلاغة من علم البيان:
الأول: الطباق، وهو الطلاق والإمساك، فإنهما ضدان، والتسريح طباق
стр. 1362
ثان؛ لأنه ضد الإمساك، والعلم وعدم العلم؛ لأن عدم العلم هو الجهل.
الثاني: المقابلة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ قابل المعروف بالضرار، والضرار منكر، فهذه مقابلة معنوية.
الثالث: التكرار في قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ كرر اللفظ لتغيير المعنيين، وهو غاية الفصاحة؛ إذ اختلاف معنى الاثنين دليل على اختلاف البلوغين.
الرابع: الالتفات في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ثم التفت إلى الأولياء، فقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إذ كان خطابًا للنبي ﷺ ثم التفت إلى الجمع في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾.
الخامس: التقديم والتأخير، والتقدير: أن ينكحن أزواجهن بالمعروف إذا تراضوا.
السادس: مخاطبة الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه ذكر في أسباب النزول أنها نزلت في معقل بن يسار أو في أخت جابر، وقيل: ابنته.
والله أعلم
* * *
стр. 1363
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى (١): ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر جملة من أحكام النكاح والطلاق والعدة والرجعة والعضل .. أخذ يذكر حكم ما كان من نتيجة النكاح، وهو ما شرع من حكم الإرضاع ومدته، وحكم النفقة والكسوة على ما يقع الكلام فيه في هذه الآية إن شاء الله تعالى؛ لأن الطلاق يحصل به الفراق، فقد يطلق الرجل زوجته، ويكون لها طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع انتقامًا من الزوج وإيذاء له في ولده؛ لذلك وردت هذه الآيات: لندب الوالدات المطلقات إلى رعاية
стр. 1364
الأطفال والاهتمام بشأنهم، ثم أعقب ذلك ببيان حكم الفراق، بين الزوجين بالموت، وما يجب على المرأة من العدة فيه رعاية لحق الزوج، كما ذكر تعالى موضوع خطبة المرأة في حالة العدة، وموضوع استحقاق المرأة لنصف المهر، أو كاملة بعد الفراق أو الطلاق.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ قال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما تقدم ذكر عدة طلاق الحيض، واتصلت الأحكام إلى ذكر الرضاع، وكان في ضمنها قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ أي: وارث المولود له .. ذكر عدة الوفاة؛ إذ كانت مخالفة لعدة طلاق الحيض.
التفسير وأوجه القراءة
٢٣٣ - ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾؛ أي: الأمهات سواء كن مطلقات أو متزوجات ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: ليرضعن أولادهن ندبًا عند استجماع (١) ثلاثة شروط: قدرة الأب على الاستئجار، ووجود غير الأم، وقبول الولد للبن الغير، ووجوبًا عند فقد واحد منها، كما يجب على كل أحد مواساة المضطر؛ لأن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من لبن غيرها، ولكمال شفقتها عليه.
ويدل على أنه لا يجب على الوالدة إرضاع الولد عند استجماع تلك الشروط قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولو وجب عليها الرضاع .. لما استحقت الأجرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. ﴿حَوْلَيْنِ﴾؛ أي: عامين ظرف الرضاع ﴿كَامِلَيْنِ﴾؛ أي: تامين صفة مؤكدة، وإنما أكده بكاملين؛ لأنه مما يتسامح فيه تقول: أقمت عند فلان حولين، وإن لم تستكملهما، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان أربعة وعشرون شهرًا من غير نقص ولا زيادة، وهذا رد على أبي حنيفة في قوله: إن مدة الرضاع ثلاثون شهرًا، وعلى زفر في قوله: إن مدة الرضاع ثلاث سنين، وهذا التحديد بالحولين
стр. 1365
ليس تحديد إيجاب، ويدل على ذلك قوله بعده: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾؛ أي: ذلك المذكور من الحولين لمن أراد إتمام الرضاعة الكاملة من الأبوين، فدل على أن إرضاع الحولين ليس حتمًا، بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه، وليس فيما دون ذلك حد، وإنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به، فثبت أن المقصود من هذا التحديد قطع النزاع بين الزوجين في مقدار زمن الرضاعة، فقدر الله تعالى ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند التنازع.
وقرأ مجاهد (١)، وابن محيصن ﴿لمن أراد أن تتم﴾ بفتح التاء، ورَفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من الرضاعة، وهي لغة، وروي عن مجاهد أنه قرأ: ﴿الرضعة﴾ وقرأ ابن عباس: ﴿لمن أراد أن يكمل الرضاعة﴾، وما عدا قراءة الجمهور شاذ.
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾؛ أي: على الأب الذي يولد لأجله وبسببه، وأثر (٢) هذا اللفظ دون قوله: وعلى الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهن، كأنهن إنما ولدن لهم فقط.
قال بعضهم:
وَإنَّمَا أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَللآبَاءِ أَبْنَاءُ
وقيل (٣): إن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد؛ لكونه مولودًا على فراشه، فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد لأجل الرجل، وعلى فراشه .. وجب عليه رعاية مصالحه. ﴿رِزْقُهُنَّ﴾؛ أي: طعامهن ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾؛ أي: لباسهن لأجل الإرضاع إذا كن مطلقات من الأب طلاقًا بائنًا؛ لعدم بقاء علقة النكاح الموجبة لذلك، فلو لم ترضعهم الوالدات .. لم يجب، فإن كن زوجات أو رجعيات ..
стр. 1366
فالرزق والكسوة لحق الزوجية، ولهن أجرة الرضاع إن امتنعن منه وطلبن ما ذكر ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما يتعارفه الناس من غير إسراف ولا تقتير ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ بالنفقة على الرضاع ولا تلزم ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: طاقتها وما يسعها وقدر ما أعطاها الله تعالى من المال.
وقوله (١): ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تقييد لقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه.
وقيل: المراد لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف، بل يراعي القصد، وقرأ أبو رجاء شذوذًا: ﴿لا تكلف﴾ - بفتح التاء؛ أي: لا تتكلف، وارتفع نفس على الفاعلية، وحذفت إحدى التائين. وفي هذه الآية (٢): دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد؛ لعجزه وضعفه، ونسبه تعالى إلى الأم؛ لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع، وأجمع العلماء على أنه يجب على الأب نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم.
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾؛ أي: بأخذ ولدها منها بعد ما رضيت بما أعطي غيرها على الرضاع مع شدة محبتها له ﴿وَلَا﴾ يضار ﴿مَوْلُودٌ لَهُ﴾ وهو الأب ﴿بِوَلَدِهِ﴾؛ أي: بطرح الولد عليه بعد إلف أمه، ولا يقبل ثدي غيرها مع أن الأب لا يمتنع عليها من الرزق والكسوة، فقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ راجع لقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ راجع لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ و ﴿لا﴾ في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ يحتمل أن تكون نافية؛ فالفعل مرفوع على أنه بدل من ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾، وأن تكون ناهية، فهو مجزوم.
قوله: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ قرأ (٣) أبو عمرو، وابن كثير وجماعة، ورواه أبان عن
стр. 1367
عاصم بالرفع على الخبر. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه بفتح الراء المشددة على النهي، وعلى كل من القراءتين يحتمل أن يكون الفعل مبنيًّا للفاعل أو للمفعول، وأصله لا تُضارر، أو لا تَضارر بالبناء للفاعل أو المفعول، والباء في قوله: ﴿بولدها﴾ أو ﴿بولده﴾ سببية، والمعنى: لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة، أو بأن تفرط في حفظ الولد، والقيام بما يحتاج إليه، أو لا تضارر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين، فهذه أربع قراءات سبعية.
وقرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿لا تضارَر﴾ على الأصل بفتح الراء الأولى، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ﴿لا تضارْ﴾ بإسكان الراء وتخفيفا، على أنه حذف الراء الثانية فرارًا من التشديد في الحرف المكرر، وهو الراء، وروي عنه الإسكان والتشديد، وجاز حينئذ الجمع بين الساكنين؛ إما لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، أو لأن مدة الألف تجري مجرى الحركة، فهاتان قراءتان شاذتان عن أبي جعفر المذكور.
وقرأ الحسن، وابن عباس شذوذًا: ﴿لا تضارِر﴾ بكسر الراء الأولى، فجملة ما في هذه الكلمة من القراءات ثمانية، ويحتمل أن تكون الباء في قوله: ﴿بِوَلَدِهِ﴾ صلة لقوله: ﴿تُضَارَّ﴾ على أنه بمعنى تضر؛ أي: لا تضر والدة ولدها، ولا أب ولده، فتسيء تربيته، أو تقصر في غذائه، وأضيف الولد تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم؛ لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل، وتقرير للجملة التي قبلها؛ أي: لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما لا يطيقه، فلا تضاره بسبب ولده.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ أي (١): وعلى الصبي الذي هو وارث أبيه المتوفى مثل ما على الأب من النفقة والكسوة، فإنه إن كان له مال .. وجب أجر الرضاعة
стр. 1368
في ماله، وإن لم يكن له مال .. أجبرت أمه على الرضاعة، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان؛ وهو قول مالك والشافعي، وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين أخذًا من قوله: "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا".
وقيل (١): المراد بالوارث وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه؛ أي: فعلى هذا الوارث مثل ما كان على أب الصبي في حال حياته، واختلف في أي وارث هو؟ فقيل: هم عصبة الصبي كالجد والأخ والعم وابنه، وقيل: هو كل وارث له من الرجال والنساء، وبه قال أحمد، فيجبرون على نفقة الصبي كل على قدر سهمه منه، وقيل: هو من كان ذا رحم محرم منه، وبه قال أبو حنيفة لقراءة ابن مسعود ﵁ ﴿وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك﴾.
﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾؛ أي: الوالدان، وقرىء شذوذًا: ﴿فإن أراد﴾ بلا ألف، ﴿فِصَالًا﴾؛ أي: فطامًا للولد عن اللبن قبل تمام الحولين صادرًا ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ واتفاق ﴿مِنْهُمَا﴾ لا من أحدههما فقط ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾؛ أي: مشاورة بينهما؛ أي: تدقيق النظر فيما يصلح للولد؛ أي: يشاوران أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي بما فيه مصلحة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فلا حرج ولا إثم على الوالدين في الفطام قبل الحولين إذا لم يضر بالولد، وكما يجوز النقص عن الحولين عند اتفاق الأبوين عليه، كذلك تجوز الزيادة عليهما باتفاقهما ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ أيها الآباء ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؛ أي: أن تطلبوا لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم، أو تعذر ذلك لعلة بهن من انقطاع لبن، أو غير ذلك أو أردن التزويج ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ ولا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في ذلك الاسترضاع ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المراضع المستأجرات ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ بالمد على قراءة الجمهور؛ أي: ما أعطيتم؛ أي: سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه وإعطاءه لهن من الأجرة ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بطيب نفس وسرور
стр. 1369
وموافقة، أو (١) بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن، أو حط بعض ما هو لهن من ذلك، فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن عن التساهل بأمر الصبي، والتفريط في شأنه، فليس تسليم الأجرة شرطًا لصحة الإجارة، بل لتكون المرضعة طيبة النفس راضية، فيصير ذلك سببًا لصلاح حال الصبي، وللاحتياط في مصالحه.
وقرأ ابن كثير وحده في المتواتر: ﴿ما أتيتم﴾ مقصورة الألف؛ أي: ما أتيتم وفعلتم به؛ أي: ما أردتم إتيانه وفعله، ومنه قول زهير:
وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
وقيل المعنى: إذا سلمتم إلى أمهاتهم من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن لكم إلى وقت إرادة الاسترضاع، وروى شيبان عن عاصم: ﴿ما أوتيتم﴾ مبنيا للمفعول؛ أي: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ونحوها. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله فيما فرض عليكم من الحقوق، وفيما أوجب عليكم لأولادكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا تخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرها وعلانيتها، فإنه تعالى يراها ويعلمها، فيجازيكم عليها، ولما تقدم (٢) أمر ونهي .. أمر بتقوى الله تعالى، ولما كان كثير من أحكام هذه الآية متعلقًا بأمر الأطفال الذين لا قدرة لهم، ولا منعة مما يفعل بهم .. حذر وهدى بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، وأتى بالصفة التي هي ﴿بَصِيرٌ﴾ مبالغة في الإحاطة بما يفعلونه معهم والاطلاع عليه.
٢٣٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قرأ الجمهور بضم الياء مبنيًّا للمفعول؛ أي: يتوفاهم الله ويموتون، وقرأ علي، والمفضل عن عاصم: ﴿يَتوفون﴾ بفتح الياء مبنيًّا للفاعل؛ أي: يستوفون آجالهم، وهو مبتدأ، ولكنه على حذف مضاف؛ ليصح الإخبار عنه بما بعده؛ أي: وأزواج الذين يموتون من رجالكم ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛
стр. 1370
أي: يتركون زوجات حرائر حائلات سواء كانت مدخولًا بها أو غيرها، وسواء كانت من ذوات الأقراء أو آيسة أو صغيرة، ولو كانت زوجة صبي، لعموم الآية الكريمة لهن. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ أي: ينتظرون ويتصبرن عن النكاح بعد وفاتهم ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: أنفسهن، فالباء زائدة ومدخولها توكيد للنون، أو سببية؛ أي: بسبب أنفسهن لا بسبب ضرب قاضٍ كما تقدم نظيره ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ من الليالي أن يمكثن أربعة أشهر وعشرة أيام من وفاة أزواجهن، إحدادًا على أزواجهن وعدة لوفاتهم، وهذه العدة سببها الوفاة عند الأكثرين، لا العلم بالوفاة كما قال به بعضهم، فلو انقضت المدة أو أكثرها، ثم بلغ المرأة خبر وفاة زوجها .. وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل على ذلك: أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة.
أما الحوامل: فعدتهن بوفع الأحمال بآية سورة الطلاق، والأمة على النصف من ذلك بالسنة، وإنما قال: ﴿عَشْرًا﴾ بلفظ التأنيث؛ لأن العرب إذا أبهمت في العدد من الليالي والأيام غلّبوا الليالي حتى إن أحدهم ليقول: صمت عشرًا من الشهر؛ لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فإذا أظهروا الأيام .. قالوا: صمنا عشرة أيام.
والحكمة في جعل عدة الوفاة هذا المقدار: أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة، فتتأخر حركته قليلًا، ولا تتأخر عن هذا الأجل.
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: انقضت عدتهن ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: لا حرج ولا إثم ﴿عليكم﴾ يا أولياء الميت، أو أيها الأئمة والحكام، أو أيها المسلمون ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: في تركهن على ما فعلن في أنفسهن من التزين والتطيب، والنقلة من المسكن، والتعرض للخطاب، وغير ذلك مما حرم عليهن في زمن العدة؛ لأجل وجوب الإحداد عليهن حال كونهن ملتبسات ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما يحسن عقلًا وشرعًا، ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعًا بأن تبرجن،