مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى: كأن قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ بمنزلة قوله: أيقرض الله أحد، كما مرّ آنفًا. قال أبو حيان (١): وهذا الذي ذهب إليه أبو علي الفارسي ليس بصيحح، بل يجوز النصب إذا كان الاستفهام بأدواته الاسمية نحو: من يدعوني فاستجيبَ له، وأين بيتك فأزورَك، ومتى تسير فأرافقَك، وكيف تكون فأصحبَك. فالاستفهام هنا واقع عن ذات الداعي، وعن ظرف المكان وظرف الزمان، والحال، لا عن الفعل، وحكى ابن كيسان عن العرب: أين ذهب زيد فنتبعه، وكذلك كم مالك فنعرفه، ومن أبوك فنكرمه بالنصب بعد الفاء. وقراءة ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب قراءة متواترة. وإذا جاز النصب في نحو هذا فجوازه في المثل السابقة أحرى، مع أن سماع ابن كيسان ذلك محكيًّا عن العرب يؤيد ذلك، انتهى.
١٢ - والظرف في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ منصوب بإضمار اذكر تفخيمًا لذلك اليوم، أو بـ ﴿كَرِيمٌ﴾ أو بـ ﴿يضاعفه﴾ أو بالعامل في ﴿لَهُمْ﴾. وهو الاستقرار. والخطاب لكل من يصلح. وقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من مفعول ﴿تَرَى﴾. والنور: هو الضياء الذي يرى. والسعي: هو المشي السريع؛ أي: واذكر أيها المخاطب وقت رؤية المؤمنين والمؤمنات على الصراط، وهو يوم القيامة حال كونهم يسعى نور إيمانهم وطاعتهم ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ جمع يمين بمعنى الجارحة. والمراد هنا: جهة اليمين. و ﴿بَيْنَ﴾ ظرف للسعي. قال أبو الليث: يكون النور بين أيديهم، وبأيمانهم، وعن شمائلهم إلا أن ذكر الشمال مضمر.
قال في "فتح الرحمن": وخص بين الأيدي بالذكر؛ لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور، وخص ذكر جهة اليمين تشريفًا، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع جهاته. وفي "كشف الأسرار": لأن طريق الجنة يمنةٌ، وتجاههم، وطريق أهل النار يسرة ذات شمال، وفي الحديث: "بينا أنا على حوضي أنادي هلم إذا أناس أخذتهم الشمال، فاختلجوا دوني، فأنادي ألا هلم فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا".
وقرأ الجمهور (٢): ﴿النُّورِ﴾ أصله يكون بأيمانهم، والذي بين أيديهم هو
стр. 13197
الضوء المنبسط من ذلك النور. وقيل: الباء بمعنى عن؛ أي: عن أيمانهم. وقال الزمخشري: وإنما قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ لأنّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ووراء ظهورهم. وقرأ الجهور ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ بفتح الهمزة، جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد الساعدي، وأبو حيوة ﴿بإيمانهم﴾ بكسرها وعطف هذا المصدر على الظرف؛ لأنَّ الظرف متعلق بمحذوف؛ أي: كائنًا بين أيديهم، وكائنًا بسبب إيمانهم. والمراد بالإيمان: ضد الكفر. وقيل: هو القرآن.
وتقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم: ﴿بُشْرَاكُمُ﴾؛ أي: ما تبشرون به اليوم. وعبارة الخطيب هنا؛ أي: بشارتكم العظيمة في جيمع ما يستقبلكم من الزمان. ﴿جَنَّاتٌ﴾؛ أي: بساتين أو بشراكم دخول جنات، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب. ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها، وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة المعروفة في الجنة: اللبن، والماء، والخمر، والعسل. حال كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من النور والبشرى بالجنات المخلدة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا يقادر قدره، حتى كأنه لا فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه لكونهم ظفروا كل ما أرادوا.
ومعنى الآية (١): أي لهم الأجر الكريم حين ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى بين أيديهم ما يكون السبب في نجاتهم، وهدايتهم إلى سبيل الجنة من العلوم التي كملوا بها أنفسهم في الدنيا: كالاعتقاد، بالتوحيد، وخلع الأنداد والأوثان، والقبور، والأعمال الصالحة التي زكوا بها أنفسهم، وبها أخبتوا لربهم، وأنابوا إليه مخلصين له الدين، وبأيمانهم تكون كتبهم. كما جاء في آية أخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾. وتقول لهم الملائكة: أبشروا بجنات تجري من تحتها الأنهار جزاء وفاقًا لما قدمتم من صالح الأعمال، وجاهدتم به أنفسكم في ترك الشرك والآثام، وكنتم تذكرون الله بالليل والناس نيام، فطوبى لكم وهنيئًا بما عملتم. ونحو الآية قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ
стр. 13198
عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾. ذلك الخلود في الجنات التي سمعتم أوصافها هو النجاح العظيم الذي كنتم تطلبونه بعد النجاة من عقاب الله.
١٣ - وبعد أن ذكر حال المؤمنين في موقف القيامة أتبعه ببيان حال المنافقين. فقال: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾؛ أي: اذكر يا محمد لقومك أو اذكر أيها المخاطب أهوال يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: أخلصوا الإيمان بكل ما يجب الإيمان به: ﴿انْظُرُونَا﴾؛ أي: انتظرونا. يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم، وهؤلاء مشاة أو انظروا إلينا. فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيستضيئون بالنور الذي بين أيديهم. فانظرونا على هذا الوجه من باب الحذف والإيصال؛ لأن النظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بإلى. وهذان المعنيان على قراءة الجمهور. فإنهم قرأوا ﴿انْظُرُونَا﴾ أمرًا بوصل (١) الهمزة وضم الظاء، من نظر الثلاثي. وقرأ زيد بن علي، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وحمزة ﴿أنظرونا﴾ بقطع الهمزة وكسر الظاء، من أنظر الرباعي؛ أي: أنظرونا وأخرونا. لأن الإنظار: الإمهال على أن تأنِّيهم في المضي ليلحقوا بهم إنظار لهم وإمهال؛ أي: تأخروا لأجلنا، ولا تسرعوا في مضيكم ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي: نستضيء منه، ونمش فيه معكم. وأصله: اتخاذ القبس. وهو محركة شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس، كما سيأتي. وقيل: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي: نأخذ من نوركم قبسًا سراجًا وشعلة.
﴿قِيلَ﴾ طردًا لهم، وتهكّمًا بهم من جهة المؤمنين، أو من جهة الملائكة ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾؛ أي: إلى الموقف ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾؛ أي: فاطلبوا نورًا. فإنه من ثمة يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل مباديه من الإيمان والأعمال الصالحة.
والمعنى (٢): قال لهم المؤمنون أو الملائكة زجرًا لهم، وتهكمًا بهم: ارجعوا
стр. 13199
ورائكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور. فالتمسوا واطلبوا هنالك نورًا لأنفسكم. فإنه من هنالك يقتبس. وقيل: المعنى: ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بما التمسناه من الإيمان والأعمال الصالحة. وقيل: أرادوا بالنور: ما ورائهم من الظلمة تهكمًا بهم.
وعن أبي أمامة الباهليّ ﵁: أنه قال: بينا العباد يوم القيامة عند الصراط إذ غشيهم ظلمة، يقسم الله النور بين عباده، فيعي الله المؤمن نورًا، ويبقي المنافق والكافر لا يعطيان نورًا. فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصير لا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن. فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم. فيقولون لهم: ارجعوا حيث قسم النور، فيرجعون فلا يجدون شيئًا، فيرجعون وقد ضرب بينهم بسور، أو ارجعوا خائبين خاسئين، وتنحوا عنا فالتمسوا نورًا آخر، وقد علموا أن لا نور ورائهم، وإنما قالوه تخييبًا لهم أو أرادوا بالنور ما ورائهم من الظلمة الكثيفة تهكمًا بهم.
وحاصل معنى الآية: في ذلك اليوم يقول (١) المنافقون والمنافقات: أيها الذين نجوتم بإيمانكم بربكم، وفزتم برضوانه حتى دخلتم فسيح جناته، انتظرونا نلحق بكم، ونقتبس من نوركم حتى نخرج من ذلك الظلام الدامس، والعذاب الأليم الذي نحن مقبلون عليه، فيجابون بما يخيب آمالهم، ويلحق بهم الحسرة والندامة، كما قال: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾؛ أي: ارجعوا من حيث أتيتم واطلبوا لأنفسكم هناك نورًا. فإنه لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا الذي كان بما قدمنا لأنفسنا، وادخرنا لها من عمل صالح. فهيهات هيهات أن تنالوا نورًا، إذ لا ينفع المرء حينئذٍ إلا عمله. ولله درّ القائل:
صَاحِ هَلْ رَأيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ... رَدَّ فِيْ الضَّرْعِ مَا قَرَى فِيْ الْحِلَابِ
ولا يخفي ما في هذا من التهكم بهم والاستهزاء بطلبهم كما استهزؤوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا: آمنا، وما هم بمؤمنين. وذلك ما عناه سبحانه بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ أي: حين يقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.
стр. 13200
ثم ذكر ما يكون بعد هذه المقالة، فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي (١): بني بين الفريقين المؤمنين والمنافقين ﴿بِسُورٍ﴾ الباء زائدة أي: حائط بين الجنة والنار كما قاله قتادة، أو حجاب كما في سورة الأعراف كما قاله مجاهد، وقال: من قال: ارجعوا إلى الدنيا المراد بضرب السور امتناع العود إلى الدنيا؛ أي: ضربته الملائكة بينهم بأمر إلهي.
ولما (٢) كان البناء مما يحتاج إلى ضرب باليد ونحوها من الآلات عبر عنه بالضرب، ومثله: ضرب الخيمة كضرب أوتادها بالمطرقة. ﴿بِسُورٍ﴾؛ أي: حائط بين شق الجنة وشق النار؛ فإن سور المدينة حائطها المشتمل عليها لحفظها، وقال بعضهم: هو سور بين أهل الجنة والنار، يقف عليه أصحاب الأعراف يشرفون على أهل الجنة وأهل النار، وهو السور الذي يذبح عليه الموت، يراه الفريقان معًا.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَضُرِبَ﴾ مبنيًا للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ، وعبيد بن عمير مبنيًا للفاعل؛ أي: ضرب الله . ويبعد قول من قال: إن هذا السور هو الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس، وهو مروي عن عبادة بن الصامت، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وكعب الأحبار. ولعله لا يصح عنهم.
ثم وصف سبحانه السور المذكور، فقال: ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك السور ﴿بَابٌ﴾ يدخل فيه المؤمنون. فيكون السور بينهم باعتبار ثاني الحال أعني: بعد الدخول لا حين الضرب. ﴿بَاطِنُهُ﴾؛ أي: باطن ذلك السور، أو باطن الباب ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ لأنّه يلي الجنة ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ﴾؛ أي: من جهته، وعنده ﴿الْعَذَابُ﴾ لأنه يلي النار؛ أي: من جهته عذاب جهنم. وقيل: إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب، وبينهم السور. وقيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين.
والمعنى: أي فضرب بين الفريقين حاجز جانبه الذي يلي مكان المؤمنين وهو الجنة، فيه الرحمة وجانبه الذي يلي المنافقين وهو النار فيه العذاب.
١٤ - ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه عما قاله
стр. 13201
المنافقون إذ ذاك فقال: ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ استئناف واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا يفعلون بعد ضرب السور، ومشاهدة العذاب؟ فقيل: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور ﴿أَلَمْ نَكُنْ﴾ في الدنيا ﴿مَعَكُمْ﴾ يريدون به موافقتهم لهم في الأمور الظاهرة: كالصلاة، والصوم، والمناكحة، والموارثة، ونحوها.
ثم أخبر سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المؤمنون: ﴿بَلَى﴾ كنتم معنا بحسب الظاهر ﴿وَلَكِنَّكُمْ﴾ أيها المنافقون ﴿فَتَنْتُمْ﴾ وابتليتم ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ ومحنتموها بالنفاق، وأهلكتموها. وإضافة (١) الفتنة إلى النفس إضافة الميل والشهوة، وإلى الشيطان في قوله: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ إضافة الوسوسة، وإلى الله تعالى في قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ إضافة الخلق. لأنه خلق الضلال فيه ليفتتن. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر. والتربص: الانتظار. وقال مقاتل: وتربصتم بمحمد ﷺ الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح منه. وهو وصف قبيح؛ لأن انتظار موت وسائل الخير، ووسائط الحق من عظيم الجرم والقباحة. إذ شأنهم أن يرجى طول حياتهم ليستفاد منهم، ويغتنم بمجالستهم. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شككتم في أمر الدين أو في النبوة، أو في هذا اليوم، ولم تصدقوا ما نزل من القرآن، ولا بالمعجزات الظاهرة. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ الفارغة الباطلة التي من جملتها: الطمع في انتكاس أمر الإِسلام. جمع أمنية كأضحية. وفي "عين المعاني": وغرتكم خدع الشيطان. وقال أبو الليث: أباطيل الدنيا. ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: الموت. وقيل: نصره سبحانه لنبيه ﷺ . وقال قتادة: هو إلقاؤهم في النار. ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ الكريم ﴿الْغَرُورُ﴾؛ أي: الشيطان؛ أي: غركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم. قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان، حتى قذفهم الله تعالى في النار. قال الزجاج: الغرور على وزن فعول. وهو من أسماء المبالغة، يقال: فلان أكول كثير الأكل، وكذا الشيطان الغرور. لأنه يغر ابن آدم كثيرًا. قال في "المفردات": الغرور: كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فسر بالشيطان؛ إذ هو أخبث الغارين بالدنيا لما قيل: الدنيا تغر، وتضر، وتمر.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿الْغَرُورُ﴾ بفتح الغين، وهو صفة على فعول، والمراد به:
стр. 13202
الشيطان؛ أي: خدعكم بحلم الله وإمهاله الشيطان. وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، وسماك بن حرب بضمها، وهو مصدر.
ومعنى الآية (١): أي ينادي المنافقون المؤمنين أما كنا معكم في دار الدنيا نصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ فيجيبهم المؤمنون قائلين لهم: بلى كنتم معنا ولكنكم أهلكتم أنفسكم باللذات والمعاصي، وأخرتم التربة، وشككتم في أمر البعث بعد الموت، وغرتكم الأماني فقلتم: سيغفر لنا، وما زلتم كذلك حتى حضركم الموت، وغركم الشيطان فقال لكم: إن الله عفو كريم لا يعذبكم.
والخلاصة: أنكم كنتم معنا بأبدانكم لا بقلوبكم، وكنتم في حيرة من أمركم فلا تذكرون الله إلا قليلًا.
١٥ - ثم أيأسوهم من عاقبة أمرهم، وأنهم هالكون لا محالة، ولا سبيل إلى الخلاص من النار. فقال: ﴿فَالْيَوْمَ﴾؛ أي: ففي هذا اليوم الحاضر. وهو يوم القيامة ﴿لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ﴾ أيها المنافقون ﴿فِدْيَةٌ﴾؛ أي: فداء تدفعون به العذاب عن أنفسكم. والفداء: حفظ الإنسان نفسه من النائبة بما يبذله من مال أو نفس؛ أي: لا يؤخذ منكم دية، ولا نفس أخرى مكان أنفسكم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَا يُؤْخَذُ﴾ بالياء. وقرأ أبو جعفر، والحسن، وابن أبي إسحاق، والأعرج، وابن عامر، وهارون عن أبي عمرو ﴿تُؤخَذ﴾ بالتاء لتأنيث الفدية. ﴿وَلَا﴾ تؤخذ فدية أيضًا ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهرًا وباطنًا. وفيه (٣) دلالة على أن الناس ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهرًا وباطنًا وهو المخلص، ومؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وهو المنافق، وكافر ظاهرًا وباطنًا. ﴿مَأْوَاكُمُ﴾؛ أي: مرجعكم، ومقركم، ومنزلكم الذي تأوون إليه أيها المنافقون ومرجع الكفار أيضًا ﴿النَّارُ﴾؛ أي: نار جهنم لا ترجعون إلى غيرها أبدًا. ﴿هِيَ﴾؛ أي: النار ﴿مَوْلَاكُمْ﴾؛ أي: والية أموركم تتصرف فيكم تصرف الموالي في عبيدهم لما أسلفتم من المعاصي. والمولى في الأصل: من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن يلازمه. وقيل: معنى ﴿مَوْلَاكُمْ﴾:
стр. 13203
مكانكم عن قرب من الولي. وهو القرب. وقيل: إن الله يركب في النار الحياة والعقل فهي تتميز غيظًا على الكفار. وقيل: هي ناصركم على طريقة قول الشاعر:
تَحِيّةٌ بينهم ضرب وجيع
فإن مقصوده نفي التحية فيما بينهم قطعًا؛ لأن الضرب الوجيع ليس بتحية، فيلزم أن لا تحية ألبتة، فكذا إذا قيل لأهل النار: هي ناصركم يراد به أن لا ناصر لكم ألبتة. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع الذي تصيرون إليه، وهو النار.
والمعنى (١): أي فاليوم لو جاء أحدكم بملء الأرض ذهبًا، ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه. فمصيركم إلى النار، وإليها متقلبكم ومثواكم، وهي أولى بكم من كل منزل آخر لكفركم وارتيابكم، وساءت مصيرًا ومآلًا.
والخلاصة: أنّ لا مناص من النار، فلا فداء ولا فكاك منها.
١٦ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ للتوبيخ والتقرير. ﴿يَأْنِ﴾ فعل مضارع مجزوم من (٢) أنى الأمر يأني أنيًا من باب رمى إذا جاء إناه أي: وقته، وحان حينه؛ أي: ألم يأت، ولم يجيء، ولم يقرب للذين آمنوا بالله ورسوله ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: ألم يأت وقت خشوع قلوبهم وخضوعها لذكره تعالى، ومواعظه، وطمأنينتها به، ومسارعتها إلى طاعته بالامتثال لأوامره، والانتهاء عما نهوا عنه من غير توان، ولا فتور. قال بعضهم: الذكر إن كان غير القرآن يكون المعنى: أن ترق، وتلين قلوبهم إذا ذكر الله، فإن ذكر الله سبب لخشوع القلوب أي سبب. فالذكر مضاف إلى مفعوله، واللام بمعنى الوقت، والمعنى: ألم يأت للذين آمنوا خشوع قلوبهم وقت ذكرهم إياه تعالى، وإن كان القرآن فهو مضاف إلى الفاعل، واللام للعلة.
والمعنى (٣): ألم يأت للذين آمنوا وقت خشوعهم لذكر الله تعالى، ومواعظة التي ذكرها في القرآن، ولآياته التي تتلى فيه. ﴿وَ﴾ أن تخشع لـ ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ أي: من القرآن. وهو معطوف على ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فإن كان هو المراد به أيضًا فالعطف
стр. 13204
لتغاير العنوانين. فإنه ذكر وموعظة، كأنه حق نازل من السماء. وإلا فالعطف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾. ومعنى الخشوع لما نزل: الانقياد التام لأوامره ونواهيه، والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام التي من جملتها ما سبق، وما لحق من الإنفاق في سبيل الله.
قرأ الجمهور (١): ﴿أَلَمْ﴾. وقرأ الحسن، وأبو السمّال ﴿ألمّا﴾. وقرأ الجمهور ﴿يأن﴾ مضارع أن إذا حان. وقرأ الحسن ﴿يئن﴾ بكسر الهمزة وسكون النون مضارع آن إذا حان أيضًا. وقرأ الجمهور، وأبو بكر عن عاصم ﴿وما نزّل﴾ بتشديد الزاي؛ أي: ولما نزله الله من القرآن. وقرأ نافع، وحفص مخففًا. والجحدري، وأبو جعفر، والأعمش، وأبو عمرو في رواية يونس، وعباس عنه مبنيًّا للمفعول مشددًا، وقرأ عبد الله ﴿أنزل﴾ بهمزة النقل مبنيًّا للفاعل.
وعبارة الشوكاني: والمعنى: أنه (٢) ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعًا ورقة، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر، ولا يخشع له. ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ معطوف على ﴿ذكر الله﴾. والمراد بما نزل من الحق: القرآن. فيحمل الذكر المعطوف عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان، أو خطور بالقلب. وقيل: المراد بالذكر: هو القرآن، فيكون هذا العطف من باب عطف التفسير أو بتغاير المفهومين، انتهى.
وقرأ الجمهور (٣) قوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ بالتحتانية على الغيبة جريًا على ما تقدم عطفًا على ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وإسماعيل عن أبي جعفر، وعن شيبة، ويعقوب، وحمزة في رواية عن سليم عنه ﴿ولا تكونوا﴾ بالفوقانية على الخطاب التفاتًا، وبها قرأ عيسى، وابن إسحاق إما نهيًا وإما عطفًا على ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾؛ أي: ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ولا يكونوا كالذين ... إلخ.
والمعنى: النهي لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة
стр. 13205
والإنجيل من قبل نزول القرآن. ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾؛ أي: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم، أو الأعمار والآمال، وغلبهم الجفاء والقسوة، وزالت عنهم الروعة التي كانت تأتيهم من التوراة والإنجيل إذا تلوهما أو سمعوهما. وقرأ الجمهور (١) ﴿الْأَمَدُ﴾ بتخفيف الدال. وهي الغاية من الزمان. وقرأ ابن كثير في رواية عنه بتشديدها. وهو الزمان بعينه الأطول. وقيل: المراد بالأمد على القراءة الأولى: الأجل والغاية، يقال: أمد فلان كذا؛ أي: غايته. ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تصلبت وغلظت بذلك السبب بحيث لا تنفعل للخير والطاعة، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فلذلك حرفوا وبدلوا. فنهى الله سبحانه أمة محمد ﷺ أن يكونوا مثلهم. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل الكتاب ﴿فَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن طاعة الله تعالى؛ لأنهم تركوا العمل بما أنزل إليهم، وحرفوا، وبدلوا، ولم يؤمنوا بما نزل على محمد ﷺ لفرط الجفاء والقسوة. قيل: هم الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد ﷺ . وقيل: هم الذين ابتدعوا الرهبانية. وهم أصحاب الصوامع.
وفيه (٢): إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر، وروي عن عيسى ﵇ قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله تعالى، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى. فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.
ومعنى الآية (٣): أي أما آن للمؤمنين أن ترق قلوبهم عند سماع القرآن والمواعظ، فتفهمه، وتنقاد له، وتطيع أوامره، وتنتهي عن نواهيه. وإذا كان المؤمنون قد أصابهم الوهن، ولم يمض على الإسلام أكثر من ثلاث عشرة سنة، كما قال ابن عباس: فما بالهم اليوم وقد مضى عليهم أكثر من ثلاثة عشر قرنًا؟. فتعبير الآية عن حالهم الآن بالأولى. فالوهن الآن أضعاف مضاعفة عما كان في تلك الحقبة، ومن ثم أفرط الأفاريج في إذلالهم واستعبادهم، وصاروا غرباء في ديارهم، والأمر والنهي فيها لسواهم.
стр. 13206
ويُقْضَى الأَمْرُ حِيْنَ تَغِيْبُ تَيْمٌ ... وَلَا يُسْتَأْذَنُوْنَ وَهُمْ شُهُوْدُ
ثم حذرهم أن يكونوا كأهل الكتاب قبلهم فقال: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية؛ أي: لا يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، حين طال الأمد بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم، ولم تقبل موعظة، ولم يؤثر فيها وعد ولا وعيد، وبدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا في دين دون دليل ولا برهان، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا أو دون الله، وكثير منهم خرج عن أوامر الدين في الأعمال والأقوال. كما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾؛ أي: فسدت قلوبهم فقست، وصار سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، فتركوا الأعمال التي أمروا بها، واجترحوا ما نهوا عنه.
والخلاصة: أن الله نهى المؤمنين أو يكونوا حين سماع القرآن غير متدبرين مواعظه كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم، لما طال العهد بينهم وبين أنبيائهم.
١٧ - ثم ضرب المثل لتأثير المواعظ وتلاوة القرآن في القلوب. فقال: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي (١): يلين القلوب بالخشوع الناشىء عن الذكر، وتلاوة القرآن بعد قساوتها كما يحيي الله سبحانه الأرض بالغيث بعد يبسها، وكذلك يحيي الله الموتى أو القبور بالمطر. وهذا تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر، والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة. ﴿قَدْ بَيَّنَّا﴾ وأوضحنا ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾ الدالة على باهر قدرتنا، وبليغ حكمتنا التي أو جملتها هذه الآيات. ﴿لَعَكلم تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تعقلوا ما فيها، وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدارين.
والمعنى (٢): أي من الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي النفوس
стр. 13207
الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها ببراهين القرآن ودلائله، وبالمواعظ والنصائح التي تلين الصخر الأصم، ويحييها بعد موتها كما يحيي الأرض الهامدة المجدبة بالغيث الوابل الهتان، وقد ضرب لكم الأمثال كي تتدبروا، وتكمل عقولكم. فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال. وهو الفعال لما يشاء، الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير المتعال.
الإعراب
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾.
﴿سَبَّحَ﴾ فعل ماضي، مبني على الفتح، ﴿للهِ﴾ متعلق به. وقيل: اللام زائدة في المفعول. وقد تقدم القول في هذا الفعل، وأنه يتعدّى تارة بنفسه، وتارة باللام. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع، فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿في السماوات﴾ متعلق بمحذوف صلة الموصول، ﴿وَالأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السماوات﴾. ﴿وَهُوَ﴾ الواو: حالية أو استئنافية ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿العزيز﴾ خبر أول ﴿الحكيم﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية إما حال أو لفظ الجلالة أو مستأنفة. ﴿له﴾ خبر مقدم، ﴿ملك السماوات﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَالأرْضِ﴾ معطوف على السماوات والجملة مستأنفة. ﴿يحيي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال أو ضمير ﴿لَهُ﴾، أو مستأنفة، ﴿وَهُوَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿على كل شيء﴾ متعلق بـ ﴿قدير﴾، و ﴿قدير﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يحيي﴾. ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. ﴿والآخر والظاهر والباطن﴾ معطوفات على الأوّل. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿بكل شيء﴾ متعلق بـ ﴿عليم﴾، و ﴿عليم﴾ خبر المبتدأ. والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾.
﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿الذي﴾ خبر. والجملة مستأنفة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾،
стр. 13208
﴿في سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿اسْتَوَى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ ومتعلق به. والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾. ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. والجملة مستأنفة أو حال أو فاعل ﴿اسْتَوَى﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول به، ﴿يَلِجُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَا﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿يَلِجُ﴾. والجملة صلة الموصول. ﴿وَمَا يَخْرُجُ﴾ معطوف على ﴿مَا يَلِجُ﴾، ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَخْرُجُ﴾، ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿مَا﴾ معطوف على ﴿ما﴾ الأولى، وجملة ﴿يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ معطوف على ﴿ما﴾ الأولى.
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾.
﴿وَهُوَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿هو﴾ مبتدأ، ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على ما قبلها أو مستأنفة. ﴿أَيْنَ مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية مبنيُّ على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والظرف متعلق بالجواب المحذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: يكن معكم. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل تامّ، وفاعله في محل الجزم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعل شرط لها، وجملة الشرط مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾ و ﴿بَصِيرٌ﴾ خبره. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السماوات، ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُرْجَعُ﴾. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فعل، ونائب فاعل. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يُولِجُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿اللَّيْلَ﴾ مفعول به، ﴿فِي النَّهَارِ﴾ متعلق بـ ﴿يُولِجُ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوف على ما قبله، ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ وخبر المبتدأ. والجملة معطوفة أو مستأنفة. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾.
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.
стр. 13209
﴿آمِنُوا﴾ فعل أمر، وفاعل. والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في مخاطبة كفّار قريش، وأمرهم بالإيمان بعد أن ذكر أنواعًا من دلائل التوحيد. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾، ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوف على الجلالة، ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، معطوف على ﴿آمِنُوا﴾، ﴿مِمَّا﴾ متعلق بـ ﴿أَنْفِقُوا﴾، ﴿جَعَلَكُمْ﴾ فعل، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ومفعول أول، ﴿مُسْتَخْلَفِينَ﴾ مفعول ثان، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُسْتَخْلَفِينَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿فَالَّذِينَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم الأمر المذكور، وأردتم بيان جزاء من فعل ذلك فأقول لكم. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾ صلته، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿كَبِيرٌ﴾ صفة أجر. والجملة في محل الرفع خبر عن الموصول، وجملة الموصول في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾.
﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية، ﴿مَا﴾ اسم استفهام للإنكار والتوبيخ، في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿لَا﴾ نافية، ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ فعل، وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به. والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير ﴿لَكُمْ﴾. والمعنى: أيّ شيء ثبت لكم حال كونكم غير مؤمنين. ﴿وَالرَّسُولُ﴾ الواو: حالية، ﴿الرَّسُولُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ﴿الواو﴾ في ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾. ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ اللام: حرف جرّ وتعليل، ﴿تُؤْمِنُوا﴾ فعل، وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾، واللام بمعنى إلى؛ أي: يدعوكم إلى الإيمان. ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: حالية، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿أَخَذَ﴾ فعل ماضي، وفاعل مستتر، يعود على الرسول أو على الله، ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب على الحال من فاعل ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ على التداخل أو على الحال من ﴿رَبِّكُمْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم، ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كنتم مؤمنين فالآن
стр. 13210
ظهرت أعلام اليقين، ووضحت الدلائل والبراهين. والجملة الشرطية مستأنفة.
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. ﴿يُنَزِّلُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾، ﴿آيَاتٍ﴾ مفعول به، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ صفة ﴿آيَاتٍ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ اللام: حرف جر وتعليل، ﴿يُخْرِجَكُمْ﴾، فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾، متعلق بـ ﴿يخرج﴾، ﴿إِلَى النُّورِ﴾ متعلق بـ ﴿يخرجكم﴾ أيضًا، وجملة ﴿يخرجكم﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإخراجه إياكم من الظلمات إلى النور، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ الواو: عاطفة، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَءُوفٌ﴾، ﴿لَرَءُوفٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿رَءُوفٌ﴾ خبر أول. لأنّ ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان لها. وجملة إنَّ معطوفة على جملة قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ﴾.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ما اسم استفهام إنكاري في محل الرفع، مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿لا﴾ نافية، ﴿تُنْفِقُوا﴾ وفعل، وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جرّ محذوف، تقديره: وأيّ شيء ثبت لكم في عدم إنفاقكم في سبيل الله، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾ خبر مقدم، ﴿مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل الاستقرار أو مفعوله؛ أي: وأيّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أن ميراث السماوات والأرض له تعالى. ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾ فعل مضارع، ﴿مِنْكُمْ﴾ حال من ﴿مَنْ﴾ الموصولة الواقعة فاعلًا، ﴿مِنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع، فاعل ﴿يَسْتَوِي﴾، ﴿أَنْفَقَ﴾ فعل ماضي، وفاعل مستتر.
стр. 13211
والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة. ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلّق بـ ﴿أَنفَقَ﴾ ﴿وَقَاتَلَ﴾ معطوف على ﴿أَنْفَقَ﴾، ومقابله محذوف لدلالة الاستواء عليه؛ لأنه لا يقال إلا في شيئين فأكثر؛ أي: لا يستوي منكم من أنفق، ومن لم ينفق، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ﴿أَعْظَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿دَرَجَةً﴾ تمييز من الذين متعلق بـ ﴿أَعْظَمُ﴾، وجملة ﴿أَنْفَقُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَنْفَقُوا﴾، ﴿وَقَاتَلُوا﴾ معطوف على ﴿أَنْفَقُوا﴾، ﴿وَكُلًّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿كُلًّا﴾ مفعول به أوّل مقدم لـ ﴿وَعَدَ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿الْحُسْنَى﴾ مفعول ثان لـ ﴿وَعَدَ﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، و ﴿خَبِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذَا﴾ اسم إشارة خبره، ﴿الَّذِي﴾ صفة لاسم الإشارة أو بدل منه. والجملة مستأنفة، ويصح أن يكون ﴿قَرْضًا﴾ اسم استفهام مركَّبًا في محل الرفع مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبره، ويصح أن تكون ﴿ذَا﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ صفة، و ﴿مَنْ﴾ خبر المبتدأ مقدم عليه لما فيه من معنى الاستفهام. ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿قَرْضًا﴾ مفعول مطلق، ﴿حَسَنًا﴾ صفة ﴿قَرْضًا﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ الفاء: عاطفة سببية، ﴿يُضَاعِفَهُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿الفاء﴾ السببية الواقعة في جواب الاستفهام، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿يضاعف﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيّد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: من ذا الذي يكن إقراضه لله فمضاعفته له، وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على العطف. ﴿وَلَهُ﴾ الواو: حالية ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة ﴿أَجْرٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ضمير ﴿لَهُ﴾.
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ
стр. 13212
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.
﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق باذكر محذوفًا أو متعلق بـ ﴿يضاعفه﴾، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿تَرَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به. لأن رأى بصرية. ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. والجملة في محل الجر مضاف إليه ليوم. ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ فعل، وفاعل. والجملة في محل النصب، حال من ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَسْعَى﴾، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ معطوف على بَينَ أَيدِيهِتم. ﴿بُشْرَاكُمُ﴾ مبتدأ، ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بالبشرى. لأنه مصدر بمعنى المبشر به. وقيل: متعلق بالقول المقدر، وفيه خفاء. ﴿جَنَّاتٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول للقول المحذوف؛ أي: يقال لهم: بشراكم في هذا اليوم جنات الخ. أو يقال لهم في ذلك اليوم: بشراكم جنات الخ. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ متعلق به، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، والجملة صفة لـ ﴿جَنَّاتٌ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من ضمير المخاطبين المقدر مع العامل فيها، والتقدير: بشراكم دخولكم جنات حالة كونكم خالدين فيها، فحذف الفاعل وهو ضمير المخاطبين، وأضيف المصدر إلى مفعوله، فصار دخول جنات، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثان، ﴿الْفَوْزُ﴾ خبره. والجملة خبر ﴿ذَلِكَ﴾، وجملة ﴿ذَلِكَ﴾ مستأنفة. ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾.
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.
﴿يَوْمَ﴾ ظرف بدل من ﴿يَوْمَ﴾ قبله. وقال ابن عطية: ويظهر لي أن العامل فيه ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، كأنّه يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا، وكذا. ورده أبو حيان. ﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه. ﴿وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ معطوف على ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾، ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿انْظُرُوا﴾ وفعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل، و ﴿نَا﴾ ضمير متصل في محل النصب مفعول به. والجملة
стр. 13213
الفعلية في محل النصب، مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. وإن شئت قلت: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ مقول محكيّ. ﴿نَقْتَبِسْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بالطلب السابق، ﴿مِنْ نُورِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَقْتَبِسْ﴾، والجملة جزاء المقول، لا محل لها من الإعراب. ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾، نائب فاعل محكيّ لـ ﴿قِيلَ﴾. وجملة ﴿قِيلَ﴾ مستأنفة. وإن شئت قلت: ﴿ارْجِعُوا﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو: فاعل، ﴿وَرَاءَكُمْ﴾ ظرف متعلّق بـ ﴿ارْجِعُوا﴾. والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿فَالْتَمِسُوا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿التمسوا﴾ فعل أمر، وفاعل، معطوف على ﴿ارْجِعُوا﴾، ﴿نُورًا﴾، مفعول به. ﴿فَضُرِبَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ضرب﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿ضرب﴾، ﴿بِسُورٍ﴾ وجار ومجرور، في محل الرفع نائب فاعل، وقيل: الباء: زائدة، ﴿سور﴾ نائب فاعل. والجملة الفعلية معطوفة على ﴿قِيلَ﴾. ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿بَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لـ ﴿سور﴾، ﴿بَاطِنُهُ﴾ مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾ خبر مقدم، ﴿الرَّحْمَةُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لـ ﴿بَاطِنُهُ﴾، وجملة ﴿بَاطِنُهُ﴾ صفة ثانية لـ ﴿سور﴾ أو صفة لـ ﴿بَابٌ﴾، ولعله أولى لقربه. ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ مبتدأ، ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ خبر مقدم، ﴿الْعَذَابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ﴿ظاهره﴾، وجملة ﴿ظاهره﴾ معطوفة على جملة ﴿بَاطِنُهُ﴾، ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ وفعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة مستأنفة أو حال من الضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾، ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: للاستفهام التقريري، و ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿نَكُنْ﴾ فعل ناقص مجزوم بلم، واسمه ضمير يعود على المتكلمين، ﴿مَعَكُمْ﴾ خبر ﴿نَكُنْ﴾. وجملة الاستفهام جملة مفسرة لجملة النداء، لا محل لها من الإعراب، أو منصوبة بقول مقدّر. ﴿قَالُوا﴾ فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَلَى﴾ حرف جواب قائم مقام الجواب المحذوف، تقديره: كنتم معنا. وجملة الجواب جزء مقول.
﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.
﴿وَلَكِنَّكُمْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿لكنكم﴾ ناصب واسمه، ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة الجواب المحذوف على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ فعل، وفاعل،
стр. 13214
معطوف على ﴿فَتَنْتُمْ﴾، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿فَتَنْتُمْ﴾ أيضًا، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ فعل، ومفعول به، وفاعل، معطوف على ﴿فَتَنْتُمْ﴾ أيضًا. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، ﴿جَاءَ﴾ فعل ماض في محل النصب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾، ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ فاعل. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، تقديره: إلى مجيء أمر الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿غرتكم﴾. ﴿وَغَرَّكُمْ﴾ فعل، ومفعول، ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿غركم﴾، ﴿الْغَرُورُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على ﴿غرتكم﴾. ﴿فَالْيَوْمَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أحوالكم الدنيوية، وأردتم بيان مآلكم الأخروية فأقول لكم اليوم لا يؤخذ. و ﴿اليوم﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يُؤْخَذُ﴾. ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يُؤْخَذُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق به، ﴿فِدْيَةٌ﴾ نائب فاعل، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور، معطوف على ﴿مِنْكُمْ﴾ وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مَأْوَاكُمُ﴾ خبر مقدم، ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ مؤخر، أو بالعكس. والجملة مستأنفة أو حال من ضمير ﴿مِنْكُمْ﴾. ﴿هي﴾ مبتدأ، ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ خبر، والجملة في محل النصب حال من النار أو مستأنفة. ﴿وَبِئْسَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذمّ، ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعل، والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: النار. والجملة الفعلية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب.
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾.
﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿يَأْنِ﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة، ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلّق به، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ناصب، وفعل منصوب، وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، والتقدير: ألم يأن للذين آمنوا خشوع قلوبهم. والجملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَخْشَعَ﴾، ﴿وَمَا﴾ معطوف على ﴿ذكر الله﴾، وجملة ﴿نَزَلَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ حال من فاعل ﴿نَزَلَ﴾، ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَكُونُوا﴾ فعل
стр. 13215
ناقص واسمه، معطوف على ﴿تَخْشَعَ﴾ ﴿كَالَّذِينَ﴾ خبر ﴿يَكُونُوا﴾، ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله، ومفعول ثان. والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تعلق بـ ﴿أُوتُوا﴾.
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾.
﴿فَطَالَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿طال﴾ فعل ماضي، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به، ﴿الْأَمَدُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُوتُوا﴾. ﴿فَقَسَتْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿قست﴾ فعل ماض، ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿طال﴾. ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مبتدأ، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة له. وهو المسوّغ للابتداء بالنكرة. ﴿فَاسِقُونَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ متعلق به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسدّ مفعولي ﴿اعْلَمُوا﴾. ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿بَيَّنَّا﴾ فعل، وفاعل، ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿بَيَّنَّا﴾ ﴿الْآيَاتِ﴾ مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبره. وجملة ﴿لعل﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ والتسبيح: تنزيه الله تعالى اعتقادًا وقولًا وفعلًا عما لا يليق بجنابه من صفات المحدثين: كإثبات شريك له أو ند، وكون الملائكة بنات له، وكون عيسى ابنًا له، هذا في حق العقلاء، وأما تسبيح غيرهم فهو دلالة وجوده على عظم خالقه، وانقياده له في كل آنٍ.
﴿الْعَزِيزُ﴾ هو الذي لا ينازعه في ملكه شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ هو الذي يفعل أفعاله وفق الحكمة والصواب. ﴿يُحْيِي﴾ النطف، فيجعلها أشخاصًا عقلاء فاهمين ناطقين. ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحياء. وأصله: يموت بوزن يفعل نقلت حركة الواو إلى الميم فسكنت إثر كسرة فقلبت ياء، ففيه إعلال بالنقل والتسكين.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾؛ أي: السابق على سائر الموجودات. ﴿وَالْآخِرُ﴾؛ أي: الباقي
стр. 13216
بعد فنائها. ﴿وَالظَّاهِرُ﴾؛ أي: الذي ظهرت دلائل وجوده، وتكاثرت، فهو ظاهر بآثاره وأفعاله، وظاهر بغلبته على مخلوقاته وتسخيرها لإرادته. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾؛ أي: الذي خفي عنا كنه ذاته، فلم تره العيون، فهو باطن بذاته، ومشرق بجماله وكماله، وباطن بعلمه بما خفي من مخلوقاته، فلا تخفى عليه خافية.
﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أصله: أيوام بوزن أفعال، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، فصار أيَّام بوزن أعال.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ من الولوج. وهو الدخول في مضيق، وفي "المناسبات": الولوج: الدخول في الساتر لجملة الداخل، وفيه إعلال بالحذف، أصله: يولج بوزن يفعل، حذفت فاؤه في المضارع لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة، وهي الواو. إذ ماضيه ولج، فهو مثال واويّ.
﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قرىء مبنيًّا للمفعول من رجع رجعًا؛ أي: رد ردًّا وبالبناء للفاعل من رجع رجوعًا إذا صار إليه. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ من أولج الرباعي، والإيلاج: الإدخال. يستعمل في المحسوسات كإيلاج الحشفة في الفرج، وفي "المعنويات" كإيلاج الليل في النهار.
﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ والميثاق: العهد المؤكد باليمين. وأصله: موثاقكم، قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ﴾ أصله: موراث، من الوراثة، قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة، فصارت حرف مدٍّ.
﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾؛ أي: أرفع منزلة عند الله تعالى، وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها. فالدرجة بمعنى المرتبة والطبقة، وجمعها درجات. وإذا كانت بمعنى المرقاة فجمعها درج.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والإقراض حقيقته: إعطاء العين على أن يرد بدله من القرض. وهو في الأصل: القطع، من قرض الثوب بالمقراض إذا قطعه به، ثم سمي به ما يقطعه الرجل من أمواله فيعطيه عينًا بشرط رد بدله. فعلى هذا يكون ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مفعولًا به.
﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ وأصله: يسعى بوزن يفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت
стр. 13217
ألفًا. ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ جمع يمين بمعنى الجهة، والمراد: جميع الجهات من إطلاق البعض وإرادة الكل.
﴿انْظُرُونَا﴾ أمر من النظر. والنظر: هو تقليب العين إلى الجهة التي فيها المرئي. والمراد: رؤيته. ومادة "نظرت" وما تصرف منه يستعمل على ضروب:
أحدها: أن تريد به نظرت إلى الشيء، فتحذف الجار، وتصل الفعل. ومن ذلك ما أنشده أبو الحسن:
ظَاهِرَاتُ الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ يَنْظُرْ ... نَ كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الْظِّبَاءُ
والمعنى: ينظرن إلى الأراك، فحذف الجار.
والثاني: أن تريد به: تأملت وتدبرت، وهو فعل غير متعد. فمن ذلك قولهم: اذهب فانظر زيد أبو من هو. فهذا يراد به: التأمل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، و ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. وقد يتعدى هذا بالجار كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ فهذا حض على التأمّل. وقد يتعدى هذا بقي نحو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
والثالث: أن تريد به: انتظرته. ومن ذلك قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
والرابع: أن يكون نظرت بمعنى أنظرت، تريد بقولك: نظرت التنفيس الذين يطلب به الانتظار. فمن ذلك قول عمرو بن كلثوم:
أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيَقِيْنَا
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. إنّما هو طلب الإمهال والتسويف.
﴿نَقْتَبِسْ﴾ وأصل الاقتباس: طلب القبس؛ أي: الجذوة من النار. والجذوة: شعلة نار تقتبس من معظم النار. قال بعضهم: النار والنور من أصل واحد. وهو الضوء المنتشر يعين على الإبصار. وكثيرًا ما يتلازمان، لكن النار متاع للمقوين في الدنيا، والنور متاع لهم في الدنيا والآخرة. ولأجل ذلك استعمل في النور الاقتباس، وقيل: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي: نأخذ من نوركم قبسًا وسراجًا وشعلة.
стр. 13218
﴿بِسُورٍ﴾ والسور: الحاجز. ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ من جهته. ﴿بَلَى﴾؛ أي: كنتم معنا. ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أهلكتموها بالمعاصي والشهوات. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ انتظرتم بالمؤمنين مصايب الزمان وحوادثه. ﴿لَهُ بَابٌ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: بوب، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا يدل على ذلك تصغيره على بويب، وجمعه على أبواب.
﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ أصله: يناديونهم بوزن يفاعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فسكنت فحذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الدال لمناسبة الواو.
﴿وَارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شككتم في أمر البعث، أصله: ارتيب بوزن افتعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار ارتاب، ثم أسند الفعل إلى ضمير الرفع التحرك فسكن آخره فالتقى ساكنان، فحذفت الألف.
﴿الْأَمَانِيُّ﴾ الأباطيل التي لا أصل لها من طول الآمال، الطمع في انتكاس الإِسلام. جمع أمنية كأضحية وأضاحي، وأصل أمنية: أمنوية بضم الهمزة، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءٌ، وأدغمت الياء في الياء، ثم كسرت النون لمناسبة الياء.
وقرأه أبو جعفر بتخفيف الياء ساكنة، فلم يعتد بحرف المد الموجود في المفرد الذي هو سبب التشديد عند الجمهور.
﴿الْغَرُورُ﴾ بالفتح: الشيطان. ﴿فِدْيَةٌ﴾ والفدية والفداء: ما يبذل لحفظ النفس أو المال من الهلاك. ﴿مَأْوَاكُمُ﴾؛ أي: منزلكم الذي تأوون إليه. وأصله: مأويكم بوزن مفعل بفتح العين، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ أصله: موليكم بوزن مفعل بفتح العين، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بسكون الهمزة وكسر النون مضارع أنى من باب رمى، يقال: أنى الأمر يأني كرمى يرمي رميًا وأناءً وأني إذا جاء أناه؛ أي: وقته. فهو معتل حذفت منه الياء التي هي لامه للجازم، فوزنه يفع لحذف لامه.
وقرأ الحسن ﴿يَئِنْ﴾ بكسر الهمزة وسكون النون مضارع آن من باب باع، يقال: آن يئين مثل: باع يبيع، فجزم بسكون النون، ومعنى ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾؛ أي: ألم يقرب وقت خشوع قلوبهم، ويجيء وقته. ومنه: قول الشاعر:
стр. 13219
أَلَمْ يأنِ لِيَ يَا قلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الجَهْلَا ... وَإِنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ المُنِيرُ لَنَا عَقْلا
﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أصله: أءتيوا، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت للتخفيف، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمت التاء لمناسبة الواو، وأبدلت الهمزة الساكنة واوًا حرف مد للأولى.
﴿فَطَالَ﴾ أصله: طول، من باب فعل المضموم، فقلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، ففيه إعلال بالقلب. ﴿فَقَسَتْ﴾ أصله: قسو، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقائها مع تاء التأنيث الساكنة لما لحقت الفعل، فوزنه فعت. والقسوة: غلظ القلب، وعدم لينه لقبول الخير كما مر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وبين ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ وبين ﴿الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
ومنها: المقابلة بين ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، وبين ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾.
ومنها: رد العجز على الصدر في قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.
ومنها: حذف مفعول ﴿أَنْفِقُوا﴾ في قوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ فِيه للمبالغة في الحث على الإنفاق، وعدم البخل بالمال. وحذف مفعول ﴿تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لما تقدم ولتشديد التوبيخ؛ أي: وأيّ شيء لكم في أن لا تنفقوا ما هو قربة لله تعالى.
ومنها: الاستعارة التصريحية في ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأن السبيل حقيقة في الممر، فاستعير لكل خير يوصلهم إليه تعالى.
ومنها: حذف ثاني الاستوائين لأن الاستواء لا يتم إلا بعد شيئين، فلا بد من تقدير ثان، تقديره: لا يستوي منكم من أنفق من قبل فتح مكة، وقوّة الإِسلام، ومن
стр. 13220
أنفق من بعد الفتح. فحذف لوضوح الدلالة عليه، ويسمى هذا الحذف بالإيجاز.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: ليخرجكم من ظلمات الشرب إلى نور الإيمان. فاستعار لفظ الظلمات للكفر والضلالة، ولفظ النور للإيمان والهداية.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فقد شبه الإنفاق في سبيل الله بإقراضه، ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به، والجامع بينهما إعطاء شيء بعوض.
ومنها: حذف متعلق الظرف في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أعني اذكر تفخيمًا لشأن ذلك اليوم، كما في "الروح".
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وحيث استعار النور للهدى والرضوان الذي هم فيه، فحذف المشبه وأبقى المشبه به.
ومنها: تخصيص الإيمان بالذكر في قوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ولم يذكر الشمائل مع أن المراد: جميع الجهات إظهارًا لشرفها على الشمائل.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ بعد قوله: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ حيث استعار الضرب للبناء لكون البناء مما يحتاج إلى ضرب باليد، ونحوها من الدلالات.
ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ أيضًا حيث شبه بقاء المنافقين في حندس نفاقهم وظلامه بمن ضرب بينهم، وبين النور الهادي سور يحجب كل نور.
ومنها: الطباق بين باطنه وظاهره وبين الرحمة والعذاب في قوله: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.
ومنها: حذف الجواب في قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ إقامة لحرف الجواب مقامه.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.
стр. 13221
ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾؛ أي: لا ولي لكم ولا ناصر إلا نار جهنم. وهو تهكم بهم.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ حيث شبه تليين القلوب بالذكر والتلاوة بعد قساوتها ونبوها عن استماع الحق والعمل بأوامره بإحياء الأرض الميتة بالغيث من حيث اشتمال كل واحد منهما على بلوغ الشيء إلى كماله المتوقع بعد خلوه عنه، أو يكون استعارة تمثيلية لإحياء الأموات، بأن شبه إحياءها بإحياء الأرض الميتة، وأن من قدر على الثاني قادر على الأول. فحقه أن تخشع القلوب لذكره.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
بينهما من فارق يوم القيامة .. ذكر هنا التفاوت بين حال المؤمنين وحال الكافرين.
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا بشر المؤمنين بأن نورهم يوم القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وحثهم على بذل الجهد وترك الغفلة، وذكر ثواب المتصدقين والمتصدقات .. أردف ذلك بوصف حال الدنيا، وسرعة زوالها، وتقضيها، وضرب لذلك مثل الأرض ينزل عليها المطر، فتنبت الزرع البهيج الناضر الذي يعجب الزرّاع لنمائه وجودة غلته، وبينما هو على تلك الحال إذا به يصفر بعد النضرة والخضرة، ويجف ثم يتكسر ويتفتت، وما الحياة الدنيا إلا مزرعة للآخرة، فمن أجاد زرعه حصد وربح، ومن توانى وكسل ندم ولات حين مندم.
قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى وطلب الآخرة فنعم المتاع، ونعم الوسيلة، ثم حث سبحانه على عمل ما يوصل إلى مغفرة الله ورضوانه، ويمهد إلى الدخول في جنات عرضها السماوات والأرض، أعدها لمن آمن به وبرسله فضلًا منه ورحمة، وهو المنعم عظيم الفضل.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (١) أن متاع هذه الدنيا زائل فان، وأن ما فيها من خير أو شر لا يدوم .. أردف ذلك بتهوين المصايب على المؤمنين، فذلك يكون مصدر سعادة نفوسهم واطمئنانها، وبدونه يكون شقاؤها وكآبتها. وآية ذلك أن لا يحزنوا على فائت، ولا يفرحوا بما يصل إليهم من لذاتها الفانية.
ثم بين أن المختالين الذين يبخلون بأموالهم على ذوي الحاجة والبائسين، ويأمرون بذلك، ويعرضون عن الإنفاق لا يبخلون إلا على أنفسهم، والله غني عنهم، وهو المحمود على نعمه التي لا تدخل تحت حد.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات، وأنه أنزل الميزان
стр. 13224
والحديد، وأمر الخلق بأن يقوموا بنصرة رسله؛ أتبع ذلك ببيان ما أنعم به على أنبيائه من النعم الجسام، فذكر أنه شرف نوحًا وإبراهيم ﵉ بالرسالة، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فما جاء أحد بعدهما بالنبوة إلا كان من سلائلهما.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن من آمنوا من أهل الكتاب إيمانًا صحيحًا لهم أجرهم عند ربهم. ذكر هنا من آمنوا منهم بعيسى أولًا، وبمحمد ﷺ ثانيًا يؤتيهم أجرهم مرتين لإيمانهم بنبيهم، ثم بمحمد من بعده، ثم ذكر أن النبوة فضل من الله ورحمة منه، لا يخص به قومًا دون قوم، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، لا كما يقول اليهود: إن الوحي والرسالة فينا، لا تعدونا إلى سوانا، فنحن شعب الله المختار، ونحن أبناء الله وأحبّاؤه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند فيه من لا يعرف عن ابن عباس: أنّ أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي ﷺ ، فشهدوا معه أحدًا، فكانت فيهم جراحات، ولم يقتل منهم أحد، فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله إنا أهل ميسرة، فأذن لنا نجيء بأموالنا نواسى بها المسلمين، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ الآيات، فلمّا نزلت قالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم. فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما نزلت: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ...﴾ الآية، فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: لنا أجران ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
стр. 13225
اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ...﴾ والآية. فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب.
قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال: بلغنا أنه لما نزلت: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ .. حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبيٌّ فيقطع الأيدي، والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا. فأنزل الله سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ...﴾ الآية. يعني بالفضل: النبوّة.
التفسير وأوجه القراءة
١٨ - ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قرأ الجمهور (١) بتشديد الصاد والدال في الموضعين، من الصدقة، وأصله: المتصدقين والمتصدقات، فأدغمت التاء في الصاد، وقرأ أبي ﴿المتصدقين والمتصدقات﴾ وبإثبات التاء على الأصل.
والمعنى على هاتين القراءتين: إن الذين آمنوا من الرجال والنساء، وتصدقوا صدقة واجبة أو تطوعًا.
وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، والمفضل، وأبان، وأبو عمرو في رواية هارون بتخفيف الصاد وتشديد الدال من التصديق؛ أي: إن الذين صدقوا رسول الله ﷺ فيما جاء به عن الله، واللاتي صدقنه كذلك.
وقوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ معطوفة على اسم الفاعل في المصدقين؛ لأنه وقع صلة للألف واللام الموصولة، حل محل الفعل، فصح العطف عليه، نظير قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. والإقراض (٢) الحسن عبارة عن التصدق من الطيب عن طيبة النفس، وخلوص النية على المستحق للصدقة.
стр. 13226
والمعنى على القراءتين الأوليين: إن الناس الذي تصدقوا، واللاتي تصدقن أي صدقة سواء كانت حسنة أم لا، والذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا واللاتي أقرضن كذلك، فاندفع ما يتوهم من التكرار؛ لأن الإقراض تصدق مقيد، وما قبله تصدق مطلق، وأما على القراءة الثالثة فلا إيهام، ولا إشكال.
وقوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ على البناء للمفعول، مسند إلى ما بعده من الجار والمجرور. وقيل: إلى مصدر ما في حيز الصلة على حذف مضاف؛ أي: يضاعف لهم ثواب التصدق والإقراض الحسن، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقوله: ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك المتصدقين والمقرضين ﴿أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: ثواب حسن في الجنة. والأجر الكريم: هو الذي يقترن به رضا وإقبال.
وهذا العطف أعني: عطف ﴿أَقْرَضُوا﴾ على صلة الألف واللام على مذهب أبي عليّ الفارسي، ومن وافقه كالزمخشري، قال أبو حيّان (١): ولا يصح أن يكون معطوفًا على ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾؛ لأن المعطوف على الصلة صلة، وقد فصل بينهما بمعطوف، وهو قوله: ﴿وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾. ولا يصح أيضًا أن يكون معطوفًا على صلة أن في ﴿المصدقات﴾ لاختلاف الضمائر. إذ ضمير المتصدقات مؤنث، وضمير ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ مذكر. فالأولى أن يتخرج ما هنا على حذف الموصول لدلالة ما قبله عليه، فكأنّه قيل: والذين أقرضوا الله. فيكون مثل قوله:
فَمَنْ يَهْجُوْ رَسُوْلَ الله مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
يريد: ومن يمدحه. وقيل: جملة ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ معترضة بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها، وهو ﴿يُضَاعَفُ﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ بالبناء للمفعول. وقرأ الأعمش (٢) ﴿يضاعفه لهم﴾ بكسر العين على صيغة المعلوم، وزيادة الهاء. والفاعل ضمير يعود على الله. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ بتشديد العين وفتحها.
стр. 13227
والمعنى: أي (١) إنَّ المتصدقين والمتصدقات بأموالهم ابتغاء مرضات الله تعالى، لا يريدون جزاءًا ولا شكورًا، يضاعف لهم ربهم ثواب إنفاقهم فيقابل الحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف ذلك إلى سبع مئة ضعف، ولهم ثواب جزيل ومرجع صالح.
١٩ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ جميعًا. وهو مبتدأ أول. والإشارة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصول، وهو مبتدأ ثان. ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثالث، خبره قوله: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾. وهو مع خبره خبر لأولئك، والجملة خبر للموصول؛ أي: أولئك ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بمنزلة الصدّيقين والشهداء، المشهورين بعلو المرتبة ورفعة المحل، وهم الذين سبقوا إلى التصديق، واستشهدوا في سبيل الله تعالى، فالكلام على التشبيه البليغ، والصديق (٢) من أبنية المبالغة. قال الزجاج: ولا يكون فيما أحفظ إلا من ثلاثي. وقال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق. وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم يكذبوهم، وقال في "فتح الرحمن": الصديق نعت لمن كثر منه الصدق، وهم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإِسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة. وتاسعهم عمر بن الخطاب ﵃، ألحقه الله بهم، وإن تم به الأربعون لما عرف من صدق نيته.
وقيل: الشهداء على ثلاث درجات (٣):
الدرجة الأولى: الشهيد بين الصفين، وهو أكبرهم درجة.
والدرجة الثانية: ثم كل من قضى بقارعة أو بلية، مثل: الغرق، والحرق، والهالك في الهدم، والمطعون، والمبطون، والغريب، والميتة بالوضع، والميت يوم الجمعة وليلة الجمعة، والميت على الطهارة.
والدرجة الثالثة: ما نطقت به هذه الآية العامة للمؤمنين. وقال بعضهم في معنى الآية: هم المبالغون في الصدق، حيث آمنوا، وصدقوا جميع أخباره تعالى
стр. 13228
ورسله، والقائمون بالشهادة لله بالوحدانية، ولهم بالإيمان أو على الأمم يوم القيامة. وقال مجاهد: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم. واختار هذه القول الفراء، والزجاج. وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وكذا قال ابن جرير. وقيل: هم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة لأنبيائهم بالتبليغ.
والظاهر (١): أنّ معنى الآية: إن الذين آمنوا بالله ورسله جميعًا بمنزلة الصدِّيقين والشهداء، المشهورين بعلو الدرجة عند الله تعالى.
ثم بين سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله. فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة خبر ثان للموصول، والضمير الأول على الوجه الأول أعني: كون الكلام على التشبيه راجع للموصول، والأخيران للصدّيقين والشهداء. ولا بأس بتشتيث الضمائر عند الأمن. وهذه الجملة بيان لثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال.
والمعنى (٢): أي للذين آمنوا مثل أجر الصديقين والشهداء، ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال، وقد حذف أداة التشبيه تنبيهًا على قوّة المماثلة وبلوغها حد الإتحاد، فالمماثلة بين تمام ما للأول من الأصل والأضعاف، وبين ما للأخيرين من الأصل بدون الأضعاف؛ ليحصل التفاوت. وأما (٣) على قول من قال: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين والشهداء. فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شيء واحد. والمعنى: لهم الأجر والنور الموعودان لهم.
وهذا المعنى المذكور على القول: بأن الشهداء معطوف على الصديقين. ويجوز أن يكون الوقف على ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره، ومعنى الآية عليه؛ أي: (٤) والذين أقروا بوحدانية الله، وصدقوا رسله، وآمنوا بما جاؤوهم به من عند ربهم أولئك هم في حكم الله بمنزلة الصديقين، والذين استشهدوا في سبيل الله لهم أجر جزيل، ونور عظيم يسعى بين أيديهم. وهم
стр. 13229
يتفاوتون في ذلك بحسب ما كانوا عليه في الدنيا من الأعمال.
والخلاصة: أن العاملين أقسام. فمنهم: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾.
ولما ذكر الله سبحانه السعداء ومآلهم .. أردف ذلك بذكر حال الأشقياء ومصيرهم. فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسله ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: كذبوا بآيات الله، وحججه، وبراهينه الدالة على وحدانيته وصدق رسله ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات القبيحة المذكورة ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: أصحاب النار، خالدين فيها أبدا لا يفارقونها، يعذبون بها، ولا أجر لهم ولا نور، بل لهم عذاب مقيم وظلمة دائمة.
وفيه (١): دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفًا، وأراد بالكفر: الكفر بالله، فهو في مقابلة الإيمان بالله، وبتكذيب الآيات: تكذيب ما بأيدي الرسل من الآيات الإلهية، وتكذيبها تكذيبهم فهو في مقابلة الإيمان والتصديق بالرسل. ففيه وصف لهم بالوصفين القبيحين اللذين هما: الكفر والتكذيب.
٢٠ - ولما ذكر سبحانه حال الفريق الثاني، وما وقع منهم من الكفر والتكذيب، وذلك بسبب ميلهم إلى الدنيا وإيثارها بين لهم حقارتها، وأنها أحقر من أن تؤثر على الدار الآخرة. فقال: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيها المكبون على الدنيا المعرضون عن الآخرة ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لفظ الحياة زائد، والمضاف مضمر، و ﴿ما﴾ صلة؛ أي: اعلموا أن أمور الدنيا وشؤونها لشعب إلخ، ويجوز أن تجعل الحياة الدنيا مجازًا عن أمورها بعلاقة اللزوم. وفي "كشف الأسرار": الحياة القربى في الدار الأولى. فإن المقصود الحياة في هذه الدار، فكل ما قبل الموت دنيا، وكل ما تأخر عنه أخرى. ﴿لَعِبٌ﴾؛ أي: عمل باطل تتعبون فيه أنفسكم إتعاب اللاعب بلا فائدة. واللعب (٢) في أصله: هو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدًّا، ثم إن تلك الملاعب تنقضي من غير
стр. 13230
فائدة. ﴿وَلَهْوٌ﴾ تلهون به أنفسكم، وتشغلونها عما يهمكم من أعمال الآخرة. واللهو في أصله: هو فعل الشبان، فبعد انقضائه لا يبقى إلا التحزن؛ لأنَّ العاقل يرى المال ذاهبًا والعمر ذاهبًا، وقال مجاهد: كل لعب لهو، وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة. ﴿وَزِينَةٌ﴾ من الملابس، والمراكب، والمنازل الحسنة تتزينون بها. والزينة في أصله: دأب النسوان؛ لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح وتكميل الناقص. ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ بالأنساب والأحساب، تتفاخرون بها كتفاخر الأقران، يفتخر بعضهم على بعض بالنسب، أو بالقوة، أو بالقدرة، أو بالعساكر. وكلها ذاهبة، كما هو شأن العرب، والتفاخر في أصله: هو دأب الأقران، ومعنى الفخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ويعبر عن كل نفس بالفاخر، كما في "المفردات". وقرأ الجمهور (١) بتنوين ﴿تفاخر﴾، والظرف صفة له أو معمول له، وقرأ السلمي بالإضافة. ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾؛ أي: مغالبة في الكثرة ﴿فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ وتطاول بكثرة العَدَد والعُدَد، ومباهاة بكثرتهما. لا سيما التطاول بها على الفقراء والمساكين، فإنهم كانوا يتكاثرون بأموالهم وأولادهم، ويتطاولون بذلك على الفقراء، والتكاثر في أصله: شأن الدهقان "بضم الدال وكسرها: التاجر، ورئيس الإقليم، معرب". فالحياة (٢) الدنيا غير مذمومة، وإنما المذموم من صرف هذه الحياة إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى، لا إلى طاعة الله تعالى.
والمعنى: اعلموا أن شغل البال بالحياة الدنيا دائر بين هذه الأمور الخمسة، وقيل: الدنيا لعب كعب الصبيان، وزينة كزينة النسوان، وتفاخر كتفاخر الأقران، وتكاثر كتكاثر الدهقان.
قال علي بن أبي طالب لعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما: لا تحزن على الدنيا، فإن الدنيا ستة أشياء: مطعوم، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكوح. فأكبر طعامها العسل: وهو ريقة ذبابة، وأكبر شرابها الماء، ويستوي فيه جميع الحيوان، وأكبر الملبوس الديباج: وهو نسج دودة، وأكبر المشموم المسك: وهو دم ظبية، وأكبر المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأكبر المنكوح النساء،
стр. 13231
وهو مبال في مبال، وفي الحديث: "ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب قام في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".
والخلاصة (١): أي اعلموا أيها الناس أن متاع الدنيا ما هو إلا لعب ولهو تتفكهون به، وزينة تتزينون بها، وبها يفخر بعضكم على بعض، وتتابهون فيها بكثرة الأموال والأولاد.
ثم ضرب مثلًا يبين أنها زهرة فانية، ونعمة زائلة، فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾؛ أي: كمثل مطر ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: الزراع ﴿نَبَاتُهُ﴾؛ أي: النبات الحاصل بذلك المطر. ومحل (٢) الكاف النصب على الحالية من الضمير في ﴿لعب﴾؛ لأنَّ فيه معنى الوصف؛ أي: تثبت لها هذه الأوصاف حال كونها مشبهة غيثًا، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كمثل أو خبر بعد خبر للحياة الدنيا. والغيث؛ مطر محتاج إليه، يغيث الناس من الجدب عند قلة المياه، فهو مخصوص بالمطر النافع، بخلاف المطر، فإنه عام. والمراد بالكفار هنا: الحراث، والعرب تقول للزارع: كافر لأنه يكفر، أي: يستر بذره بتراب الأرض، والكفر لغة: الستر، كما سيأتي. وقيل (٣): المراد بهم. الكافرون بالله؛ لأنهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجبًا .. انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحسن به فيستغرق فيه إعجابًا، وقد منع في بعض المواضع عن إظهار الزينة صونًا لقلوب الضعفاء، كما في الأعراس ونحوها.
أي: صفة الدنيا في إعجابها كصفة مطر أعجب الزراع النبات الحاصل بذلك ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ أي: يجف ذلك النبات وييبس بعد خضرته ونضارته بآفة سماوية أو أرضية. ﴿فَتَرَاهُ﴾؛ أي: فترى أيها المخاطب ذلك النبات بعدما رأيته ناضرًا ﴿مُصْفَرًّا﴾؛ أي: متغيرًا عما كان عليه من الخضرة والرونق إلى لون الصفرة والذبول. وإنما لم يقل: فيصفر إيذانًا بأن اصفراره مقارن لجفافه، وإنما المرتب عليه رؤيته كذلك، وقرىء ﴿مُصْفَارًّا﴾. ﴿ثُمَّ يَكُونُ﴾ ذلك النبات المصفر ﴿حُطَامًا﴾؛
стр. 13232
أي: فتاتًا هشيمًا متكسرًا متحطمًا بعد يبسه؛ أي: مثل الحياة الدنيا كمثل الزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته وكثرة نضارته، ثم لا يلبث أن يصير هشيمًا تبنًا كأن لم يكن. وحطام (١) صيغة مبالغة كعجاب.
وحاصل المعنى: أي ما مثل هذه الحياة الدنيا في سرعة فنائها وانقضائها على عجل، إلا مثل أرض أصابها مطر وابل فأنبتت من النبات ما أعجب الزراع، وجعلهم في غبطة وحبور وبهجة وسرور، وبينما هو على تلك الحال إذا هو يصوح، ويأخذ في الجفاف واليبس، ثم يكون هشيمًا تذروه الرياح. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾.
ثم ذكر عاقبة المنهمكين فيها، الطالبين لتحصيل لذاتها، المتهالكين في جمع حطامها، والمعرضين عنها الطالبين لرضوان ربهم. فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لمن أقبل عليها، ولم يطلب بها الآخرة، وقدم ذكر العذاب لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ كثير منه تعالى، لا يقادر قدره لمن أعرض عنها، وقصد بها الآخرة، بل الله تعالى لأن الدنيا والآخرة ليستا مقصودتين لأهل الله؛ أي: وفي الآخرة إما عذاب شديد دائم لمن انهمك في لذاتها، وأعرض عن صالح الأعمال، ودسّ نفسه بالشرك، والآثام، وإما مغفرة من الله ورضوان من لدنه لمن زكي وأخبت لربه وأناب إليه.
قَدِّمْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَهَا ... فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا
ثم ذكر سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾؛ أي: إلا كالمتاع الذي يغر ويخدع به الغير أي: إلا مثل (٢) المتاع الذي يتخذ من نحو الزجاج، والخزف مما يسرع فناؤه يميل إليه الطبع أول
стр. 13233
ما رآه، فإذا أخذه، وأراد أن ينتفع به ينكسر ويفنى.
والمعنى: أي وما هذه الحياة الدنيا إلا متاع فإني زائل خادع من ركن إليه، واغتر به، وأعجبه حتى اعتقد أن لا دار سواها، ولا معاد وراءها، واطمأن بها ولم يجعلها ذريعة إلى الآخرة، وأما من اشتغل بطلب الآخرة .. فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منها، وهي الجنة، والدنيا غير مقصودة لذاتها بل لأجر الآخرة، وفي الحديث: نعم المال الصالح للرجل الصالح" فما شغل العبد عن الآخرة .. فهو من الدنيا، وما لا .. فهو من الآخرة.
٢١ - وهذه (١) الجملة مقررة للمثل المتقدم ومؤكدة له. ولما أبان أن الآخرة قريبة، وفيها العذاب الأليم، والنعيم حث على المبادرة إلى فعل الخيرات، فقال: ﴿سَابِقُوا﴾؛ أي: سارعوا أيها الناس مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار، وهو الميدان. ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ومالككم، أي: سارعوا إلى أسبابها وموجباتها كالاستغفار وسائر الأعمال الصالحة؛ أي: بحسب وعد الله، وإلا فالعمل نفسه غير موجب، وفي دعائه ﷺ "أسألك عزائم مغفرتك"؛ أي: أن توفقني للأعمال التي تغفر لصاحبها لا محالة، ويدخل فيها المسابقة إلى تكبيرة الإحرام مع الإِمام، قاله مكحول. وقيل: المراد الصف الأول، ولا وجه لتخصيص ما في هذه الآية بمثل هذا بل هو من جملة ما تصدق عليه صدقًا شموليًّا أو بدليًّا.
﴿وَ﴾ إلى ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: كعرض سبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض على أن يكون اللام في ﴿السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ للاستغراق، وإذا كان عرضها كذلك فما ظنك بطولها؛ فإن طول كل شيء أكثر من عرضه. وفي "البحر": ﴿عَرْضُهَا﴾؛ أي: مساحتها في السعة اهـ. ويقال: هذا التشبيه (٢) تمثيل للعباد بما يعقلون، وبما يقع في نفوسهم من مقدار السماوات والأرض، وتقديم المغفرة على الجنة لتقدم التخلية على التحلية، وقيل: المراد بالجنة التي عرضها هذا العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة، وقال ابن كيسان: عني به: جنة واحدة من الجنات؛ أي: سابقوا أقرانكم في مضمار الأعمال الصالحة، وأدوا ما كلفتم به من أوامر الشريعة، واتركوا نواهيها يدخلكم ربكم بما
стр. 13234
قدمتم لأنفسكم جنة سعتها كسعة السماوات والأرض.
ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة أخرى، فقال: ﴿أُعِدَّتْ﴾؛ أي: هيئت ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ سبحانه ﴿و﴾ بجميع ﴿رُسُلِهِ﴾ كافة عليهم الصلاة والسلام. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وفيه (١) دليل على أن الجنة مخلوقة بالفعل كما هو مذهب أهل السنة، وأن الإيمان وحده كاف في استحقاقه إذ لم يذكر مع الإيمان شيء آخر، ولكن الدرجات بالأعمال، وفيه شيء لأن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب عما نهاه الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، ولأن الإيمان بالرسل لا يكمل إلا بالإيمان بما في أيديهم من الكتب الإلهية والعمل بما فيها.
والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما وعد الله من المغفرة والجنة ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وعطاؤه. وهو ابتداء لطف بلا علة ﴿يُؤْتِيهِ﴾؛ أي: يعطيه تفضلًا وإحسانًا ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إيتاءه إياه من غير إيجاب، لا كما زعمه أهل الاعتزال؛ أي (٢): هذا الذي أعده الله تعالى لهم هو من فضله ورحمته ومنته عليهم، وفي الصحيح: أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور "الأموال" بالأجور والدرجات العلا، والنعيم المقيم، قال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون ولا نتصدّق، ويعتقون ولا نعتق، قال: "أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه .. سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: والله واسع العطاء، عظيم الفضل، فيعطي من يشاء ما شاء كرمًا منه وفضلًا، ويبسط له الرزق في الدنيا، ويهب لهم النعم، ويعرفهم مواضع الشكر، ثم يجزيهم في الآخرة ما أعده لهم مما وصفه قبل.
٢٢ - ثم بين سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب، قد سبق بذلك قضاؤه
стр. 13235
وقدره، وثبت في أم الكتاب. فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ "ما" نافية. والمراد بالمصيبة هنا: النائبة. و ﴿من﴾ زائدة؛ أي: مصيبة، وذكر (١) فعلها وهو جائز التذكير والتأنيث، ومن التأنيث ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾. ولفظ ﴿مُصِيبَةٍ﴾ يدل على الشر؛ لأنَّ عرفها ذلك كما مر آنفًا. قال ابن عباس: ما معناه: أنه أراد عرف المصيبة، وهو استعمالها في الشر، وخصها بالذكر؛ لأنها أهم على البشر، والمصيبة في الأرض مثل القحط، والزلزلة، وعاهة الزرع، واحتلال الأجانب الظالمين، واستيلاء الحكام الفاسقين، وفي الأنفس: الأسقام والموت. وقيل: المراد بالمصيبة (٢): الحوادث كلها من خير أو شر؛ أي: ما حدثت حادثة كائنة في الأرض كجدب وعاهات في الزروع والثمار. ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أيها العباد كمرض، وآفة وموت ولد، وخوف عدو، وجوع. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ في محل نصب على الحال من مصيبة؛ أي: إلا حال كونها مكتوبة مثبتة في علم الله سبحانه، أو في اللوح المحفوظ.
وجملة قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: من قبل أن نخلق الأنفس أو المصائب أو الأرض في محل جر، صفة لكتاب، والضمير في ﴿نَبْرَأَهَا﴾ عائد إلى المصيبة أو إلى الأنفس أو إلى الأرض أو إلى الجميع. و ﴿نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: نخلقها، فإن البرء في اللغة: هو الخلق، والبارىء: الخالق.
وذكر (٣) ربيع بن صالح الأسلمي قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج حين أراد قتله، فبكى رجل من قومه، فقال سعيد: ما ييكيك؟ قال: ما أصابك، قال: فلا تبك قد كان في علم الله أن يكون هذا ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾؟ قال في "الروضة": رؤي الحجاج في المنام بعد وفاته، فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتيل قتلة. وبسعيد بن جبير سبعين قتلة. وفصل المصيبة هنا بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وأجمل في التغابن حيث قال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ موافقة لما قبلها. لأنه فصَّل هنا بقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ