← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

وهو مبال في مبال، وفي الحديث: "ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب قام في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها". والخلاصة (١): أي اعلموا أيها الناس أن متاع الدنيا ما هو إلا لعب ولهو تتفكهون به، وزينة تتزينون بها، وبها يفخر بعضكم على بعض، وتتابهون فيها بكثرة الأموال والأولاد. ثم ضرب مثلًا يبين أنها زهرة فانية، ونعمة زائلة، فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾؛ أي: كمثل مطر ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: الزراع ﴿نَبَاتُهُ﴾؛ أي: النبات الحاصل بذلك المطر. ومحل (٢) الكاف النصب على الحالية من الضمير في ﴿لعب﴾؛ لأنَّ فيه معنى الوصف؛ أي: تثبت لها هذه الأوصاف حال كونها مشبهة غيثًا، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كمثل أو خبر بعد خبر للحياة الدنيا. والغيث؛ مطر محتاج إليه، يغيث الناس من الجدب عند قلة المياه، فهو مخصوص بالمطر النافع، بخلاف المطر، فإنه عام. والمراد بالكفار هنا: الحراث، والعرب تقول للزارع: كافر لأنه يكفر، أي: يستر بذره بتراب الأرض، والكفر لغة: الستر، كما سيأتي. وقيل (٣): المراد بهم. الكافرون بالله؛ لأنهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجبًا .. انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحسن به فيستغرق فيه إعجابًا، وقد منع في بعض المواضع عن إظهار الزينة صونًا لقلوب الضعفاء، كما في الأعراس ونحوها. أي: صفة الدنيا في إعجابها كصفة مطر أعجب الزراع النبات الحاصل بذلك ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ أي: يجف ذلك النبات وييبس بعد خضرته ونضارته بآفة سماوية أو أرضية. ﴿فَتَرَاهُ﴾؛ أي: فترى أيها المخاطب ذلك النبات بعدما رأيته ناضرًا ﴿مُصْفَرًّا﴾؛ أي: متغيرًا عما كان عليه من الخضرة والرونق إلى لون الصفرة والذبول. وإنما لم يقل: فيصفر إيذانًا بأن اصفراره مقارن لجفافه، وإنما المرتب عليه رؤيته كذلك، وقرىء ﴿مُصْفَارًّا﴾. ﴿ثُمَّ يَكُونُ﴾ ذلك النبات المصفر ﴿حُطَامًا﴾؛

стр. 13232

أي: فتاتًا هشيمًا متكسرًا متحطمًا بعد يبسه؛ أي: مثل الحياة الدنيا كمثل الزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته وكثرة نضارته، ثم لا يلبث أن يصير هشيمًا تبنًا كأن لم يكن. وحطام (١) صيغة مبالغة كعجاب. وحاصل المعنى: أي ما مثل هذه الحياة الدنيا في سرعة فنائها وانقضائها على عجل، إلا مثل أرض أصابها مطر وابل فأنبتت من النبات ما أعجب الزراع، وجعلهم في غبطة وحبور وبهجة وسرور، وبينما هو على تلك الحال إذا هو يصوح، ويأخذ في الجفاف واليبس، ثم يكون هشيمًا تذروه الرياح. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾. ثم ذكر عاقبة المنهمكين فيها، الطالبين لتحصيل لذاتها، المتهالكين في جمع حطامها، والمعرضين عنها الطالبين لرضوان ربهم. فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لمن أقبل عليها، ولم يطلب بها الآخرة، وقدم ذكر العذاب لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ كثير منه تعالى، لا يقادر قدره لمن أعرض عنها، وقصد بها الآخرة، بل الله تعالى لأن الدنيا والآخرة ليستا مقصودتين لأهل الله؛ أي: وفي الآخرة إما عذاب شديد دائم لمن انهمك في لذاتها، وأعرض عن صالح الأعمال، ودسّ نفسه بالشرك، والآثام، وإما مغفرة من الله ورضوان من لدنه لمن زكي وأخبت لربه وأناب إليه. قَدِّمْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَهَا ... فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا ثم ذكر سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾؛ أي: إلا كالمتاع الذي يغر ويخدع به الغير أي: إلا مثل (٢) المتاع الذي يتخذ من نحو الزجاج، والخزف مما يسرع فناؤه يميل إليه الطبع أول

стр. 13233

ما رآه، فإذا أخذه، وأراد أن ينتفع به ينكسر ويفنى. والمعنى: أي وما هذه الحياة الدنيا إلا متاع فإني زائل خادع من ركن إليه، واغتر به، وأعجبه حتى اعتقد أن لا دار سواها، ولا معاد وراءها، واطمأن بها ولم يجعلها ذريعة إلى الآخرة، وأما من اشتغل بطلب الآخرة .. فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منها، وهي الجنة، والدنيا غير مقصودة لذاتها بل لأجر الآخرة، وفي الحديث: نعم المال الصالح للرجل الصالح" فما شغل العبد عن الآخرة .. فهو من الدنيا، وما لا .. فهو من الآخرة. ٢١ - وهذه (١) الجملة مقررة للمثل المتقدم ومؤكدة له. ولما أبان أن الآخرة قريبة، وفيها العذاب الأليم، والنعيم حث على المبادرة إلى فعل الخيرات، فقال: ﴿سَابِقُوا﴾؛ أي: سارعوا أيها الناس مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار، وهو الميدان. ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ومالككم، أي: سارعوا إلى أسبابها وموجباتها كالاستغفار وسائر الأعمال الصالحة؛ أي: بحسب وعد الله، وإلا فالعمل نفسه غير موجب، وفي دعائه ﷺ "أسألك عزائم مغفرتك"؛ أي: أن توفقني للأعمال التي تغفر لصاحبها لا محالة، ويدخل فيها المسابقة إلى تكبيرة الإحرام مع الإِمام، قاله مكحول. وقيل: المراد الصف الأول، ولا وجه لتخصيص ما في هذه الآية بمثل هذا بل هو من جملة ما تصدق عليه صدقًا شموليًّا أو بدليًّا. ﴿وَ﴾ إلى ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: كعرض سبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض على أن يكون اللام في ﴿السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ للاستغراق، وإذا كان عرضها كذلك فما ظنك بطولها؛ فإن طول كل شيء أكثر من عرضه. وفي "البحر": ﴿عَرْضُهَا﴾؛ أي: مساحتها في السعة اهـ. ويقال: هذا التشبيه (٢) تمثيل للعباد بما يعقلون، وبما يقع في نفوسهم من مقدار السماوات والأرض، وتقديم المغفرة على الجنة لتقدم التخلية على التحلية، وقيل: المراد بالجنة التي عرضها هذا العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة، وقال ابن كيسان: عني به: جنة واحدة من الجنات؛ أي: سابقوا أقرانكم في مضمار الأعمال الصالحة، وأدوا ما كلفتم به من أوامر الشريعة، واتركوا نواهيها يدخلكم ربكم بما

стр. 13234

قدمتم لأنفسكم جنة سعتها كسعة السماوات والأرض. ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة أخرى، فقال: ﴿أُعِدَّتْ﴾؛ أي: هيئت ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ سبحانه ﴿و﴾ بجميع ﴿رُسُلِهِ﴾ كافة عليهم الصلاة والسلام. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وفيه (١) دليل على أن الجنة مخلوقة بالفعل كما هو مذهب أهل السنة، وأن الإيمان وحده كاف في استحقاقه إذ لم يذكر مع الإيمان شيء آخر، ولكن الدرجات بالأعمال، وفيه شيء لأن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب عما نهاه الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، ولأن الإيمان بالرسل لا يكمل إلا بالإيمان بما في أيديهم من الكتب الإلهية والعمل بما فيها. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما وعد الله من المغفرة والجنة ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وعطاؤه. وهو ابتداء لطف بلا علة ﴿يُؤْتِيهِ﴾؛ أي: يعطيه تفضلًا وإحسانًا ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إيتاءه إياه من غير إيجاب، لا كما زعمه أهل الاعتزال؛ أي (٢): هذا الذي أعده الله تعالى لهم هو من فضله ورحمته ومنته عليهم، وفي الصحيح: أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور "الأموال" بالأجور والدرجات العلا، والنعيم المقيم، قال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون ولا نتصدّق، ويعتقون ولا نعتق، قال: "أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه .. سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: والله واسع العطاء، عظيم الفضل، فيعطي من يشاء ما شاء كرمًا منه وفضلًا، ويبسط له الرزق في الدنيا، ويهب لهم النعم، ويعرفهم مواضع الشكر، ثم يجزيهم في الآخرة ما أعده لهم مما وصفه قبل. ٢٢ - ثم بين سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب، قد سبق بذلك قضاؤه

стр. 13235

وقدره، وثبت في أم الكتاب. فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ "ما" نافية. والمراد بالمصيبة هنا: النائبة. و ﴿من﴾ زائدة؛ أي: مصيبة، وذكر (١) فعلها وهو جائز التذكير والتأنيث، ومن التأنيث ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾. ولفظ ﴿مُصِيبَةٍ﴾ يدل على الشر؛ لأنَّ عرفها ذلك كما مر آنفًا. قال ابن عباس: ما معناه: أنه أراد عرف المصيبة، وهو استعمالها في الشر، وخصها بالذكر؛ لأنها أهم على البشر، والمصيبة في الأرض مثل القحط، والزلزلة، وعاهة الزرع، واحتلال الأجانب الظالمين، واستيلاء الحكام الفاسقين، وفي الأنفس: الأسقام والموت. وقيل: المراد بالمصيبة (٢): الحوادث كلها من خير أو شر؛ أي: ما حدثت حادثة كائنة في الأرض كجدب وعاهات في الزروع والثمار. ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أيها العباد كمرض، وآفة وموت ولد، وخوف عدو، وجوع. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ في محل نصب على الحال من مصيبة؛ أي: إلا حال كونها مكتوبة مثبتة في علم الله سبحانه، أو في اللوح المحفوظ. وجملة قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: من قبل أن نخلق الأنفس أو المصائب أو الأرض في محل جر، صفة لكتاب، والضمير في ﴿نَبْرَأَهَا﴾ عائد إلى المصيبة أو إلى الأنفس أو إلى الأرض أو إلى الجميع. و ﴿نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: نخلقها، فإن البرء في اللغة: هو الخلق، والبارىء: الخالق. وذكر (٣) ربيع بن صالح الأسلمي قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج حين أراد قتله، فبكى رجل من قومه، فقال سعيد: ما ييكيك؟ قال: ما أصابك، قال: فلا تبك قد كان في علم الله أن يكون هذا ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾؟ قال في "الروضة": رؤي الحجاج في المنام بعد وفاته، فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتيل قتلة. وبسعيد بن جبير سبعين قتلة. وفصل المصيبة هنا بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وأجمل في التغابن حيث قال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ موافقة لما قبلها. لأنه فصَّل هنا بقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ

стр. 13236

الدُّنْيَا﴾ الآية، بخلافه ثَمَّ. وفي الآية: دليل على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها، كذا جميع أعمال الخلق بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ليستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه تعالى عالمًا بجميع الأشياء قبل وجودها، وليعرفوا حلمه؛ فإنه تعالى مع علمه أنهم يقومون على المعاصي خلقهم، ورزقهم وأمهلهم، وليحذروا من أمثال تلك المعاصي، وليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم للطاعات وعصمته إياهم من المعاصي، وفيها دليل أيضًا على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها؛ لأن إثباتها في الكتاب قبل علمها محال، ولو سأل سائل: أن الله تعالى هل يعلم عدد أنفاس أهل الجنة؟ يقال له: إن الله يعلم أنه لا عدد لأنفاسهم. والمعنى (١): أي ما أصابكم أيها الناس من مصائب في آفاق الأرض كقحط وجدب وفساد زرع، أو في أنفسكم من أوصاب وأسقام إلا في أم الكتاب من قبل أن نبرأ هذه الخليقة. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾؛ أي: إثباتها في كتاب مع كثرتها ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَسِيرٌ﴾ غير عسير لاستغنائه فيه عن العدة والمدة، وان كان عسيرًا على العباد. والمعنى؛ أي: إن علمه بالأشياء قبل وجودها وكتابته لها طبق ما توجد في حينها يسير عليه تعالى؛ لأنه يعلم ما كان، وما سيكون وما لا يكون، أخرج الحاكم وصححه عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة ﵂، فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن النبي ﷺ كان يقول: "إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار"، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ﷺ ما كان يقول هكذا، كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار". ثم قرأ: و ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. ففي الآية (٢): توطين للنفوس على الرضا بالقضاء والصبر على البلاء، وحمل لها على شهود المبتلى في عين البلاء، فإن به يسهل التحمل، وإلا فمن كان غافلًا عن مبدأ اللطف، والقهر فهو غافل في اللطف والقهر، ولذا تعظم عليه المصيبة،

стр. 13237

بخلاف حال أهل الحضور؛ فإنهم يلتذون بالبلاء التذاذهم بالعافية، بل ولذة البلاء فوق لذة العافية، ومن أمثال العرب ضرب الحبيب زبيب؛ أي: لذيذ. ٢٣ - ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ يقال: أسى على مصيبة يأسى أسى من باب علم إذا حزن والجار والمجرور فيه متعلق بمحذوف، تقديره: أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب لكيلا يحصل لكم الحزن والألم، أي: لكيلا تحزنوا حزنًا يوجب القنوط كما يقيد بذلك في الفرح، وإلا فالحزن والفرح: الطبيعيان لا يخلو عنهما الإنسان. ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة والعافية. ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: أعطاكم الله منها. فإن من علم أن كلا من المصيبة والنعمة مقدر يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدر إتيانه لا محالة، لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آتٍ؛ إذ يجوز أن يقدر ذهابه عن قريب، وكل زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله، ولا يحزن على فواته. وقرأ الجمهور (١): ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ بالمد؛ أي: أعطاكم. وقرأ عبد الله ﴿بما أوتيتم﴾ مبنيًا للمفعول؛ أي: أعطيتم. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم، وأبو عمرو ﴿بما أتاكم﴾ بالقصر؛ أي: جاءكم. واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الأخيرة أبو عبيد. ومعنى الآية (٢): أي أعلمناكم بتقدم علمنا، وسبق كتابتنا للأشياء قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطاكم لم يكن ليصيبكم، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا بآت. والخلاصة: أن كل شيء قدر في الكتاب فكيف نفرح أو نحزن. قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح أو يحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا. وقال حكيم: الصبر مخرج من الشقاء فلا سعادة إلا بالصبر، ووصول النفس إلى كمالها الخلقي بحيث يمر المال والولد والقوة والعلم عليها، فيصيبها مرة ويخطئها أخرى، وهي مطمئنة لا يدخلها زهو ولا إعجاب بما نالت ولا حزن على ما فاتها، اهـ.

стр. 13238

وفي الآية (١): إشارة إلى أنه يلزم أن يثبت الإنسان على حالة واحدة في السراء والضراء، فإن كان لا بد له من فرح فليفرح شكرًا على إعطائه لا بطرًا، وإن كان لا بد من حزن فليحزن صبرًا على قضائه لا ضجرًا، وفي تخصيص (٢) التذييل بالنهي عن الفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. قال قتيبة بن سعيد: دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوء من الإبل الميتة بحيث لا تحصى، ورأيت شخصًا على تل يغزل صوفًا فسألته فقال: كانت باسمي فارتجعها من أعطاها، ثم أنشأ يقول: لَا والَّذِيْ أَنَا عَبْدٌ مِنْ خَلَائِقِهِ ... وَالْمَرْءُ فِيْ الدَّهْرِ نَصَبُ الرِّزْءِ وَالْمِحَنِ مَا سَرَّنِي أَنَّ إِبْلِيْ فِيْ مَبَارِكِهَا ... وَمَا جَرَى مِنْ قَضَاءِ الله لَمْ يَكُنِ وبالجملة (٣): فالحزن المذموم هو ما يخرج بصاحبه إلى ما يذهب عنه الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء الثواب، والفرح المنهي عنه هو الذي يطغى على صاحبه ويلهيه عن الشكر، ولذا عقب بقوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ : ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾؛ أي: متكبر بما أوتي من الدنيا ﴿فَخُورٍ﴾؛ أي: مبالغ في الفخر به على الناس؛ فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية، وعظمت في نفسه اختال، وافتخر بها لا محالة والمختال (٤): المتكبر المعجب وهو من الخيلاء، وهو التكبر من تخيل فضيلة تترائى للإنسان من نفسه؛ أي: لا يحب الله من اتصف بهاتين الصفتين وهما: الاختيال والافتخار، وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار. ٢٤ - وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أي: يمسكون أموالهم، ولا يخرجون منها حق الله تعالى؛ فإن البخل إمساك المقتنيات عما يحق إخراجها فيه، ويقابله الجود. ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾؛ أي: بإمساك أموالهم عن إخراجها في الحقوق الواجبة بدل من ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ﴾. وقيل: هو مستأنف، لا تعلق له بما قبله، وهو في محل رفع بالابتداء، والخبر مقدر، فيكون بيانا لصفة اليهود.

стр. 13239

والمعنى عليه (١): الذين يبخلون ببيان صفة النبي ﷺ التي في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم، ويأمرون الناس بالبخل به، لهم عذاب شديد، أو فإن الله غني عنهم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال سعيد بن جبير: هم الذين يبخلون بالعلم، ويأمرون الناس بالبخل به لئلا يعلموا الناس تلك المعجزة على يده. ٢٥ - أي: ولقد أرسلنا رسلنا إلى الأمم مؤيدين بالمعجزات الدالة على صدقهم في دعواهم. ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: جنس الكتب الشامل للكل لتبيين الحق وتمييز صواب العمل؛ أي: لتكميل القوة النظرية والعملية. وقوله: ﴿مَعَهُمُ﴾ يجعل على تفسير الرسل بالأنبياء حالًا مقدرة من ﴿الْكِتَابَ﴾. أي: مقدرًا كونه معهم، وإلا فالأنبياء لم ينزلوا حتى ينزل معهم الكتاب. فالنزول مع الكتاب شأن الملائكة، والإنزال إليهم شأن الأنبياء، ولذا قدم الوجه الأول؛ إذ لو كان المعنى: لقد أرسلنا الأنبياء إلى الأمم .. لكان الظاهر أن يقال: وأنزلنا إليهم الكتاب. ﴿و﴾ أمرناهم بـ ﴿الْمِيزَانَ﴾؛ أي: بالعدل ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ﴾؛ أي: ليتعامل الناس فيما بينهم ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل إيفاء واستيفاء، ولا يظلم أحد أحدًا في ذلك. ومعنى إنزاله: إنزال أسبابه، والأمر بأعداده، وإلا فالميزان من مصنوعات البشر، وليس بمنزل من السَّماء. وعلى القول: بأن المراد به: الآلة التي يوزن بها يكون معنى إنزاله إرشاد الناس إليه، وإلهامهم الوزن به، ويكون الكلام من باب علفتها تبنًا وماء باردًا". وروي: أن جبريل ﵇ نزل بالميزان نفسه فدفعه إلى نوح ﵇، وقال: مر قومك يزنوا به. والمعنى: أي ولقد أرسلنا الأنبياء إلى أممهم، ومعهم البراهين الدالة على صدقهم، المؤيدة لبعثهم من عند ربهم، ومعهم كتب الشرائع التي فيها هداية البشر وصلاحهم في دينهم ودنياهم، وأمرناهم بالعدل ليعملوا به فيما بينهم، ولا يظلم بعضهم بعضًا.

стр. 13240

ولما كان الناس فريقين: فريقًا يقوده العلم والحكمة، وفريقًا يقوده السيف والعصا، وكان ما يزع الشيطان أكثر مما يزع القرآن، وكان العدل والقانون لا بد له من حام يحميه، وهو الدولة والملك وأعوانه والجند، وهؤلاء لا بدل لهم من عدة يحمون بها القانون والعدل في داخل البلاد، وفي خارجها أعقب بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾؛ أي: خلقناه كما في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، والمعنى: أنه خلقه في المعادن، وعلم الناس صنعته واستخراجه من معدنه. وذلك أن أوامره وقضاياه وأحكامه تنزل من السماء، قاله الحسن. وأصل الحديد: ماء نزل من السماء، فتجمد في معادنه، ولذلك احتاج في صوغه إلى النار، كما أن الماء المثلج يحتاج إلى الحرارة في ذوبه. وقال بعضهم: وأخرجنا الحديد من المعادن؛ لأن العدل إنما يكون بالسياسة، والسياسة مفتقرة إلى العدة، والعدة مفتقرة إلى الحديد، وعن ابن عباس ﵄: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم ﵇: الحجر الأسود وهو أشد بياضًا من الثلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع، والحديد. ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في الحديد ﴿بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: قوة شديدة يعني: السلاح للحرب؛ لأنَّ آلات الحرب، إنما تتخذ منه. قال الزجاج: يمتنع به ويحارب. والمعنى: أنه تتخذ منه آلة للدفع، وآلة للضرب. قال مجاهد: فيه جنة وسلاح. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: وفيه منافع كثيرة للنَّاس، فإنهم ينتفعون بالحديد في كثير من أمور معاشهم كالسكين، والفأس والإبرة، وآلات الزراعة والصناعة، ونحوها. فإنه ما من صنعة إلا، والحديد أو ما يعمل بالحديد آلتها كالمراكب، والبواخر، والطوائر، والسوائر. وفيه إشارة إلى أن القيام بالقسط كما يحتاج إلى القائم بالسيف يحتاج أيضًا إلى ما به قوام التعايش من الصنائع وآلات المحترقة. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ معطوف (١) على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس بالقسط، وليعلم الله .. إلخ. أو معطوف (٢) على علة مقدرة يدل عليها ما قبله، فإنه حال متضمنة للتعليل كأنه قيل: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس ليستعملوه، وينتفعوا

стр. 13241

به، وليعلم الله علمًا يتعلق بالجزاء من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح، والمدافع، والبنادق، وسائر الأسلحة في مجاهدة أعدائه. وقال الشوكاني: والأول أولى؛ لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من فاعل ﴿يَنْصُرُهُ﴾؛ أي: ليعلم الله سبحانه من ينصر دينه، وينصر رسله حال كونهم غائبين عن الله تعالى مشاهدين له، كما قال ابن عباس ﵄: ينصرونه ولا يبصرونه. وإنما يحمد ويثاب من أطاع بالغيب من غير معاينة للمطاع، أو حال من مفعوله؛ أي: حال كونه تعالى غائبًا عنهم غير مرئي لهم (١)، أو حال من ﴿رسله﴾؛ أي: وإنما فعل ذلك ليراكم ناصري دينه باستعمال السلاح، والكراع لمجاهدة أعدائه وناصري رسله، وهم غائبون عنكم لا يبصرونكم. روى أحمد، وأبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم". ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿قَوِيٌّ﴾ على إهلاك من أراد إهلاكه ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يفتقر إلى نصرة الغير، وإنما أمرهم بالجهاد، لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه؛ أي: إن الله قوي قادر يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته غالب على أمره لا يقدر أحد على دفع العقوبة حتى أحلها بأحد من خلقه، وليس له حاجة إلى أن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك، لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين. قال الزروقي رحمه الله تعالى (٢): القوي هو الذي لا يلحقه ضعف في ذاته وصفاته، ولا في أفعاله، فلا يمسه نصب ولا تعب، ولا يدركه قصور، ولا عجز في نقض ولا إبرام. وخاصية هذا الاسم ظهور القوة في الوجود، فما تلاه ذو همة ضعيفة إلا وجد القوة، ولا ذو جسم ضعيف إلا كان له ذلك، ولو ذكره مظلوم بقصد إهلاك الظالم ألف مرة كان له ذلك، وكفى أمره. وخاصية الاسم العزيز: وجود الغنى، والعز صورة أو معنى، فمن ذكره أربعين يومًا في كل يوم أربعين مرة أعانه الله وأعزه، فلم يحوجه إلى أحد من

стр. 13242

خلقه. وقال السهرودي رحمه الله تعالى: من قرأه سبعة أيام متواليات كل يوم ألفًا أهلك خصمه، وإن ذكره في وجه العسكر سبعين مرة ويشير إليهم بيده؛ فإنهم ينهزمون. ٢٦ - ولما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالًا أشار هنا إلى نوع تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ وكرر القسم للتأكيد؛ أي: وعزّتي وجلالي .. لقد بعثنا ﴿نُوحًا﴾ إلى قومه. وهم (١) بنوا قابيل، وهو الأب الثاني للبشر. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قومه أيضًا، وهم نمرود ومن تبعه. ذكر الله رسالتهما تشريفًا لهما بالذكر، ولأنهما من أول الرسل وأبوان للأنبياء ﵈، فالبشر كلهم من ولد نوح. والعرب والعبرانيون كلهم من ولد إبراهيم. ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا﴾؛ أي: في نسلهما ﴿النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ بأن استنبأنا بعض ذريتهما، وأوحينا إلهم الكتب مثل: هود، وصالح، وموسى، وهارون، وداود، وغيرهم، فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو مدل إليهما بأمتن الأنساب، وأعظم الإنسان. أي: جعلنا فيهم النبوّة، والكتب المنزلة على الأنبياء منهم، وقيل: جعل بعضهم أنبياء، وجعل بعضهم يتلون الكتاب. والمعنى: ولقد بعثنا نوحًا إلى طائفة من خلقنا، ثم بعثنا إبراهيم من بعده إلى قوم آخرين، ولم يرسل بعدهما رسلًا بشرائع إلا من ذريتهما. ثم بين أن هذه الذرية افترقت فرقتين ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي: فمن ذريتهما ﴿مُهْتَدٍ﴾ إلى الحق مستبصر ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: ضلال خارجون عن طاعة الله تعالى، ذاهبون إلى طاعة الشيطان، مدسون أنفسهم باجتراح الآثام، وفي الآية إيماء إلى أنهم خرجوا من الطريق المستقيم بعد أن تمكنوا من الوصول إليه، وبعد أن عرفوه حق المعرفة، وهذا أبلغ في الذم وأشد في الاستهجان لعملهم. والمعنى: أي فمن الذرية من اهتدى بهدي نوح وإبراهيم. وقيل: المعنى: فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى، وكثير منهم خارجون عن طاعتنا. ٢٧ - ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: (٢) أتبعنا على آثار الذرية، أو

стр. 13243

على آثار نوح، إبراهيم ﴿بِرُسُلِنَا﴾ الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى، وإلياس، وداود، وسليمان، وغيرهم. فالضمير (١) لنوح وإبراهيم، ومن أرسلا إليهم من الأمم؛ أي: أرسلنا بعد نوح هودًا وصالحًا، وبعد إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف مثلًا. وفي "الروح": الضمير لا يرجع إلى الذرية؛ فإن الرسل المقفى بهم من الذرية. يقال: قفا (٢) أثره أتبعه، وقفى على أثره بفلان؛ أي: أتبعه إياه وجاء به بعده. والآثار جمع إثر بالكسر، كما سيأتي. تقول: خرجت على إثره؛ أي: عقبه. فالمعنى: أتبعنا من بعدهم واحدًا بعد واحد من الرسل. والخلاصة (٣): أي ثم بعثنا بعدهم رسولًا بعد رسول على توالي العصور والأيام. ثم خص من أولئك الرسل عيسى لشهرة شريعته في عصر التنزيل ولوجود أتباعه في جزيرة العرب وغيرها، فقال: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾؛ أي: أتبعنا أولئك الرسل الذين قفيناهم بعد نوح إبراهيم ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾؛ أي: أرسلنا رسولًا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم، فأتينا به بعدهم؛ أي: جعلناه تابعًا لهم؛ أي: متأخرًا عنهم في الزمان. فأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى ﵉، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه. ونسبه إلى أمه على حقيقة الإخبار. ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: أعطينا عيسى ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ دفعة واحدة، وهو الكتاب الذي أنزله الله عليه، وقد تقدَّم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران، وقرأ الجمهور (٤) ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ بكسر الهمزة. وقرأ الحسن بفتحها. قال أبو الفتح: وهو مثال لا نظير له، انتهى، وهي لفظة أعجمية فلا يلزم فيها أن تكون على أبنية كلم العرب. وقال الزمخشري: أمره أهون من أمر برطيل، يعني: أنه بفتح الباء، وكأنّه عربيّ، وأما الإنجيل فأعجمي. والمعنى: أي ثم أرسلنا رسولًا بعد رسول حتى انتهى الأمر إلى عيسى ﵇، وأعطيناه الإنجيل الذي أوحيناه إليه، وفيه شريعته ووصاياه، وقد جاء ما فيه مكملًا لما في القوراة، ومخفِّفًا بعض أحكامها التي شرعت تغليظًا على بني إسرائيل

стр. 13244

لنقضهم العهد والميثاق كما جاء في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾. ثم بين صفات أتباع عيسى، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾؛ أي: اتبعوا عيسى في دينه كالحواريين وأتباعهم. ﴿رَأْفَةً﴾؛ أي: لينًا. وقرىء ﴿رآفة﴾ بوزن فعالة، كما في "البيضاوي". ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: شفقة؛ أي (١): جعلنا في قلوبهم رأفة؛ أي: أشد رقة ولين على من كان يتسبب إلى الاتصال بهم، والاتباع لهم ورحمة؛ أي: رقة وعطفًا وشفقة على من لم يكن له سبب في الاتصال بهم والاتباع لهم، أي: يعطفون على جميع الناس من وافقهم في الدين، ومن لم يوافقهم، كما كان الصحابة ﵃ رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة، فهم أعزة على الكافرين. قيل: أمروا في الإنجيل بالصفح، والإعراض عن مكافأة الناس على الأذى. وقيل: لهم من لطم خدك الأيمن فوله خدك الأيسر، ومن سلب ردائك فاعطه قميصك، ولم يكن لهم قصاص على جناية في نفس أو طرف. فاتبعوا هذه الأوامر، وأطاعوا الله تعالى، وكانوا متوادين ومتراحمين. ووصفوا بالرحمة خلاف اليهود الذين وصفوا بالقسوة. وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ منصوب (٢) على الاشتغال بفعل مضمر يفسره المذكور بعده؛ أي: وابتدع أتباع عيسى رهبانية ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ أي: اخترعوها من قبل أنفسهم، وباختيارهم لا بأمر من الله، فيكون الكلام مستأنفًا؛ أي: حملوا أنفسهم على العمل بها. والرهبانية: المبالغة في العبادة بمواصلة الصوم، ولبس المسوح، وترك أكل اللحم، والامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والمنكح، والتعبد في الغيران، والتخلي في الصوامع. ومعناها: ابتدعوا الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بفتح الراء: وهو الخائف، فإن الرهبة مخافة مع تحزن واضطراب كما في "المفردات"، وهو فعلان من رهب كخشيان من خشي. وقيل: معطوفة على ما قبلها، وجملة ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ صفة لها؛ أي: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة مخترعة من عندهم؛ أي: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية، واستحداثها لينجوا من

стр. 13245

فتنة بولس اليهودي. والأوّل أولى (١)، ورجحه أبو علي الفارسي وغيره. وجملة ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ صفة ثانية لـ ﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ أو مستأنفة مقررة لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم. والمعنى: ما فرضنا عليهم تلك الرهبانية في كتابهم، ولا على لسان رسولهم. وسبب ابتداعهم إياها (٢): أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى، فقاتلوا ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا قليل، فخافوا أن يفتتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية في قلل الجبال، فارين بدينهم، مخلصين أنفسهم للعبادة، منتظرين البعثة النبوية التي وعدها لهم عيسى ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية. وروي: أن الله تعالى لما أغرق فرعون وجنوده استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة موسى ﵇ في الرجوع إلى الأهل والمال بمصر، فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا في رؤوس الجبال، فكانوا أول من ترهب، وبقيت طائفة منهم مع موسى ﵇ حتى توفاه الله تعالى؛ ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب عيسى ﵇. والرهبانية (٣) بفتح الراء وضمها، وقد قرىء بهما، وهي بالفتح من الرهب. وهو الخوف. وبالضم منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة، وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع؛ لأن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل، فترهبوا وتبتلوا. ذكر معناه الضحاك، وقتادة وغيرهما. وحاصل المعنى (٤): أن اتباع عيسى الذين ساروا على نهجه وشريعته اتصفوا بما يأتي: ١ - الرأفة بين بعضهم وبعض فيدفعون الشر ما استطاعوا إلى ذلك سبيل، ويصلحون ما فسد من أمورهم.

стр. 13246

٢ - الرحمة فيجلب بعضهم لبعض الخير، كما قال تعالى في حق أصحاب النبيّ ﷺ : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. ٣ - الرهبانية المبتدعة فقد انقطعوا عن الناس في الفلوات والصوامع معتزلين الخلق، وحرموا على أنفسهم النساء، ولبسوا الملابس الخشنة تبتلا إلى الله وإخباتًا له، ما فرضنا عليهم هذه الرهبانية ولكنهم استحدثوها طلبًا لمرضاة الله والزلفى إليه. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا﴾ منقطع؛ أي؛ لكن ابتدعوها ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: لطلب رضا الله تعالى. وقال الزجاج (١): ما كتبناها عليهم معناه: لم نكتب عليهم شيئًا البتة. قال: ويكون قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ بدلًا من الهاء في ﴿كَتَبْنَاهَا﴾. والمعنى: ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. فيكون الاستثناء متصلًا. ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾؛ أي: فما حفظ العيسويون الرهبانية ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾؛ أي: حق حفظها؛ لأنهم أتوها لطلب الدنيا والرياء والسمعة؛ أي: فما رعوا (٢) جميعًا حق رعايتها، بل أفسدوها بضم التثليث والقول بالاتحاد، وقصد السمعة، والكفر بمحمد ﷺ ، ونحوها إليها. وروي عنه ﷺ : أنه قال: "من آمن بي وصدقني .. فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي .. فأولئك هم الهالكون". قال مقاتل: لما استضعفوا بعد عيسى ﵇ التزموا الغيران فما صبروا وأكلوا الخنازير، وشربوا الخمور، ودخلوا مع الفساق، اهـ. وفي "المناسبات" ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾؛ أي: لم يحفظها المقتدون بهم بعدهم كما أوجبوا على أنفسهم حق رعايتها؛ أي: بكمالها، بل قصروا فيها ورجعوا عنها، ودخلوا في دين ملوكهم، ولم يبق على دين عيسى ﵇ إلا قليلًا منهم، ذمهم الله تعالى بذلك من حيث إن النذر عهد مع الله لا يحل نكثه سيما إذا قصد رضاء الله تعالى. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: فأعطينا الذين آمنوا إيمانًا صحيحًا ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من العيسيين، وهو الإيمان بمحمد ﷺ بعد رعاية رهبانيتهم لا مجرد رعايتها؛ فإنها بعد البعثة لغو محض، وكفر بحت، وأنى لهم استتباع الأجر. قال في "كشف

стр. 13247

الأسرار": لما بعث محمد ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل حط رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به ﷺ ، وهم المرادون بقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. والصومعة: كل بناء متصومع الرأس؛ أي: متلاصقه. والدير: خان النصارى، وصاحبه ديار. أي: فآتينا الذين آمنوا منهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى، وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد ﷺ لما بعثه الله تعالى؛ أي: أعطيناهم ما يحسن، ويليق بهم من الأجر، وهو الرضوان الذي طلبوه برهبانيتهم، وبإيمانهم بمحمد ﷺ . ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من العيسيين، وهم الذين ابتدعوا فضيعوا، وكفروا بمحمد ﷺ ﴿فَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن حد الاتباع، وهم الذين تهودوا وتنصروا؛ أي: خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به؛ ووجه (١) الذم لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع، أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها، وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينًا، وأما على القول: بأن الاستثناء متصل؛ وأن التقدير: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها، فوجه الذم ظاهر. والمعنى (٢): أي فما حافظوا على هذه الرهبانية المبتدعة، وما قاموا بما التزموه حق القيام، بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى بن مريم، فضموا إليه التثليث، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا. وفي هذا ذم لهم من وجهين: ١ - أنهم ابتدعوا في دين الله ما لم يأمر به. ٢ - أنهم لم يقوموا بما فرضوه على أنفسهم بما زعموا أنه قربة يقربهم إلى ربهم. وقد كان ذلك كالنذر الذي يجب رعايته، والعهد الذي يجب الوفاء به. روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: "قال لي رسول الله ﷺ : يا ابن مسعود قلت: لبيك يا رسول الله قال: "اختلف من كان قبلنا على إحدى وسبعين

стр. 13248

فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم، فرقة من الثلاث وازت الملوك، وقاتلتهم على دين الله، ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، فقتلتهم الملوك، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك، فأقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله، ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، فقتلتهم الملوك بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بالمقام بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله، ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه فلحقوا بالبراري، والجبال فترهبوا فيها، فهو قول الله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. فمن آمن بي، واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون". ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ... الآية؛ أي: فأعطينا الذين آمنوا منهم إيمانًا صحيحًا طبعت آثاره في أعمالهم، فزكوا أنفسهم وأخبتوا لربهم، وأدوا فرائضه أجورهم التي استحقوها كفاء ما عملوا، وكثير منهم فسقوا عن أمر الله واجترحوا الشرور والآثام، وظهر فسادهم في البر والبحر، بما كسبت أيديهم فكبكبوا في النار، وباءوا بغضب من الله، ولهم عذاب عظيم. ٢٨ - ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدمين بالتقوى والإيمان بمحمد ﷺ ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بالرسل المتقدمة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما نهاكم عنه ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾؛ أي: بمحمد ﷺ ، وفي إطلاقه إيذان بأنه علم فرد له في الرسالة لا يذهب الوهم إلى غيره. ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾؛ أي: نصيبين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، لكن لا على أن شريعتهم باقية بعد البعثة بل على أنها كانت حقًّا قبل النسخ. ونقل عن الراغب: الكفل: الحظ الذي فيه الكفالة، كأنّه تكفل بأمره، والكفلان هما النصيبان المرغوب فيهما بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ انتهى. وقيل (١): النداء في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداء لمن آمن به من أمة محمد ﷺ ، فمعنى ﴿آمَنُوا﴾: داوموا واثبتوا على إيمانكم، وهكذا المعنى في كل أمر يكون المأمور متلبسًا بما أمر به يؤتكم كفلين. قال أبو موسى الأشعري: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ ضعفين بلسان الحبشة، انتهى.

стр. 13249

والمعنى: أنه يؤتكم مثل ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ إذ أنتم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله. وروي: أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، وادعوا الفضل عليهم فنزلت هذه الآية. وقيل: النداء للمنافقين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم اتقوا الله، وآمنوا بقلوبكم إيمانًا صحيحًا. ويؤيد المعنى الأول ما رواه الشعبي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدى حق مواليه، وحق الله عن وجل، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها، فأحسن تأديبها، وعلمها، وأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران" متفق عليه. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ على الصراط وبين الناس حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ فهو (١) الضياء الذي يمشون به على الصراط إلى أن يصلوا إلى الجنة. وذلك لأن جهنم خلقت من الظلمة، إذ هي صورة النفس الأمّارة بالسوء، وهي ظلمانية، فنور الإيمان والتقوى يدفعها ويزيلها. وقيل المعنى: ويجعل لكم سبيلًا واضحًا في الدين تهتدوا به ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسلفتم من الذنوب والمعاصي. فأما حسنات الكفار فمقبولة بعد إسلامهم على ما ورد في الحديث الصحيح، كما رواه مسلم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي مبالغ في المغفرة والرحمة. والمعنى (٢): أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، خافوا الله بأداء طاعته واجتناب معاصيه، وآمنوا بمحمد ﷺ يعطكم ضعفين من الأجر لإيمانكم بعيسى، والأنبياء قبل محمد ﷺ ثم بإيمانكم بمحمد بعد أن بعث نبيًا، ويجعل لكم نورًا تستبصرون به من العمى والجهالة، ويغفر لكم ما أسلفتم من الذنوب، وما فرطتم في جنب الله، والله واسع المغفرة لمن يشاء، رحيم

стр. 13250

بعباده يقبل توبتهم متى أنابوا إليه وخشعت له قلوبهم. والخلاصة (١): أنه تعالى وعد المؤمنين برسوله بعد إيمانهم بالأنبياء قبله بأمور ثلاثة: ١ - أن يضاعف لهم الأجر والثواب. ٢ - أن يجعل لهم نورًا بين أيديهم، وعن شمائلهم يوم القيامة يهديهم إلى الصراط السوي ويوصلهم إلى الجنة. ٣ - أن يغفر لهم ما اجترحوا من الذنوب والآثام. ٢٩ - ثم رد على أهل الكتاب الذين خصوا فضل الرسالة بهم، فقال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ واللام (٢) فيه متعلقة بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة معنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله .. يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم الذين لم يسلموا من أهل الكتاب؛ أي: ليعلموا، و ﴿لا﴾ مزيدة كهي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ كما ينبىء عنه قراءة ﴿ليعلم﴾، وقراءة ﴿لكي يعلم﴾، وقراءة ﴿لأن يعلم﴾ بإدغام النون في الياء. قال في "كشف الأسرار": وإنما يحسن إدخالها في كلام يدخل في أواخره، أو في أوائله جحد، اهـ. و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملتها في حيز النصب علي أنها مفعول ﴿يَعْلَمَ﴾؛ أي: ليعلم الذين لم يسلموا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله الذي تفضل به على من آمن، بمحمد ﷺ من الكفلين والنور والمغفرة، ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان بمحمد ﷺ ، ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له. وجملة ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ معطوفة على جملة ﴿أن﴾ المخففة؛ أي: ليعلموا أنهم لا يقدرون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه. وقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ خبر ثان؛ لأنَّ أو هو الخبر، والجار والمجرور في محل نصسب على الحال. وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ مقررة لمضمون ما قبلها؛ أي: والله واسع الفضل، كثير العطاء، يمنحه من شاء من عباده،

стр. 13251

لا يخص به قومًا دون آخرين، ولا شعبًا دون آخر. والمراد بالفضل هنا: ما تفضل به على الذين اتقوا، وآمنوا برسوله ﷺ من الأجر المضاعف، وقال الكلبيّ: هو رزق الله، وقيل: نعم الله التي لا تحصى، وقيل: هو الإِسلام. وقيل (١): إن ﴿لا﴾ في ﴿لئلا﴾ غير مزيدة، وضمير ﴿لا يقدرون﴾ للنبيّ ﷺ وأصحابه، والمعنى: لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي، والمؤمنون على شيء من فضل الله الذي هو عبارة عما أوتوه. والأول أولى. وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ بلا المزيدة. وقرأ خطاب بن عبد الله ﴿لآن يعلم﴾. وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، وعبد الله بن سلمة ﴿ليعلم﴾ وقرأ الجحدري ﴿لِيَنْيَعَلَمَ﴾، أصله: لأن يعلم، قلبت الهمزة ياء لكسرة ما قبلها، وأدغم النون في الياء بغير غنة كقراءة خلف ﴿أن يَضْرب﴾ بغير غنّةٍ، وروى ابن مجاهد عن الحسن ﴿لَيْلًا﴾ مثل: ليلى اسم امرأة، ﴿يعلم﴾ برفع الميم، أصله: لأن لا بفتح لام الجر، وهي لغة فحذفت الهمزة اعتباطًا، وأدغمت النون في اللام، فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من الساكنة ياء، فصار ليلًا ورفع الميم لأن ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، إذ الأصل لأنه لا يعلم. وروى قطرب عن الحسن أيضًا ﴿لئلا﴾ بكسر اللام، وتوجيهه كالذي قبله إلا أنه كسر اللام على اللغة المشهورة في لام الجر. وعن ابن عباس ﴿كَيْ يَعْلَم﴾، وعنه: ﴿لِكَيْلا يعلم﴾. وعن عبد الله، وابن جبير، وعكرمة ﴿لكي يعلم﴾. وقرأ الجمهور (٣) ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ بالنون، فأن هي المخففة من الثقيلة. وقرأ عبد الله بحذفها، فأن هي الناصبة للمضارع. والله أعلم. الإعراب ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾. ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ ناصب واسمه، ﴿وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ معطوف على ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾،

стр. 13252

﴿وَأَقْرَضُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على صلة أل في ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾، والتقدير: إن الذين اصدقوا وأقرضوا الله، ولفظ الجلالة الله مفعول به، و ﴿قَرْضًا﴾ مفعول مطلق، ﴿حَسَنًا﴾ صفة ﴿قَرْضًا﴾، ﴿يُضَاعَفُ﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير التصدق، ولكنه على تقدير مضاف. ﴿وَلَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُضَاعَفُ﴾؛ أي: يضاعف لهم ثواب التصدق. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة ﴿أَجْرٌ﴾. والجملة الاسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿يُضَاعَفُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ معطوف على الجلالة، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان، ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ وخبر ﴿أُولَئِكَ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ وخبره خبر الأوّل. ويجوز أن يكون ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثالثًا، و ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ خبره، و ﴿هُمُ﴾ مع خبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ إمّا معطوف على ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ والوقف عنده تام أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون شهداء، ويجوز أن تكون ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ مبتدأ، وخبره إما الظرف بعده أعني: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والثاني: أنه قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿أَجْرُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿وَنُورُهُمْ﴾ معطوف على ﴿أَجْرُهُمْ﴾، و ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف متعلق بمحذوف حال من أجرهم؛ أي: حال كونه مدّخرًا لهم عند ربهم. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلته، ﴿وَكَذَّبُوا﴾ معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان، ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ خبر ﴿أُولَئِكَ﴾. والجملة خبر الموصول، وجملة الموصول مستأنفة. ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾.

стр. 13253

﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، و ﴿الواو﴾ فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتحقير الدنيا، وبيان هوان أمرها. ﴿أَنَّمَا﴾ أن مكفوفة، و ﴿ما﴾ وكافّة، ﴿الْحَيَاةُ﴾ مبتدأ، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة، ﴿لَعِبٌ﴾ خبر. والجملة الاسمية سادة مسد مفعولي ﴿اعْلَمُوا﴾. ﴿وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ﴾ معطوفات على ﴿لَعِبٌ﴾، ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف متعلق بمحذوف، صفة لـ ﴿تَفَاخُرٌ﴾، و ﴿تَكَاثُرٌ﴾ معطوف على ﴿لَعِبٌ﴾، ﴿فِي الْأَمْوَالِ﴾ متعلق بـ ﴿تَكَاثُرٌ﴾، ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ معطوف على ﴿الْأَمْوَالِ﴾، ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: مثلها كمثل غيث أو حال من معنى ما تقدم؛ أي: ثبتت لها هذه الصفات حال كونها مشبهة بغيث. ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ فعل، ومفعول مقدم، ﴿نَبَاتُهُ﴾ فاعل، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿غَيْثٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع التراخي، ﴿يَهِيجُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على النبات، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَعْجَبَ﴾. ﴿فَتَرَاهُ﴾ الفاء عاطفة ﴿ترى﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير المخاطب، والهاء: مفعول له، ﴿مُصْفَرًّا﴾ حال. لأن الرؤية هنا بصرية، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَهِيجُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿يَكُونُ﴾ فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على النبات، ﴿حُطَامًا﴾ خبره. والجملة معطوفة على جملة ﴿تراه﴾. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الواو: عاطفة، في الآخرة خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿شَدِيدٌ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ معطوف على ﴿عَذَابٌ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿مغفرة﴾، ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ معطوف على ﴿مغفرة﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿الْحَيَاةُ﴾ ومبتدأ، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةُ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿مَتَاعُ﴾ خبر المبتدأ، ﴿الْغُرُورِ﴾ مضاف إليه. والإضافة فيه بيانية. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾. ﴿سَابِقُوا﴾ فعل أمر، وفاعل. والجملة مستأنفة مسوقة لبيان أسباب المفاخرة الحقيقية التي يصح التفاخر بها. ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿سَابِقُوا﴾، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ صفة لـ ﴿مَغْفِرَةٍ﴾، ﴿وَجَنَّةٍ﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةٍ﴾، ﴿عَرْضُهَا﴾ مبتدأ، ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر المبتدأ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَمَاوَاتٍ﴾.

стр. 13254

والجملة صفة لـ ﴿جنة﴾، ﴿أُعِدَّتْ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الجنّة. والجملة صفة ثانية لـ ﴿جنة﴾، ويجوز أن تكون مستأنفة. ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أُعِدَّتْ﴾، ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿يُؤْتِيهِ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ومفعول أول، ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعول ثان، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿يُؤْتِيهِ﴾ حال من ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ﴿ذُو الْفَضْلِ﴾ خبره، ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الْفَضْلِ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿أَصَابَ﴾ فعل ماضي، ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ فاعل، و ﴿مِن﴾ زائدة، وذكّر الفعل لأن المصيبة مجازيّ التأنيث، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾ أو متعلق بها، أو متعلق بـ ﴿أَصَابَ﴾، ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ معطوف على في الأرض. ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿فِي كِتَابٍ﴾ حال من مصيبة لتخصصها بالوصف، أو بالعمل، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: إلا وهي كائنة في كتاب، والجملة أيضًا حال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ متعلق بما تعلق به قوله: ﴿فِي كِتَابٍ﴾؛ أي: إلا ثابتة في كتاب من قبل أن نبرأها، أو صفة لكتاب؛ أي: كتاب كائن من قبل أن نبرأها، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿نَبْرَأَهَا﴾ فعل مضارع، ومفعول به، وفاعله ضمير المتكلم المعظم نفسه، يعود على الله سبحانه، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من قبل برئنا إياها. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾، و ﴿يَسِيرٌ﴾ خبره. وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿لِكَيْلَا﴾ اللام: حرف جرّ وتعليل، ﴿كي﴾ حرف نصب ومصدر بمنزلة أن المصدرية وليست للتعليل لئلا يلزم علينا اجتماع حرفي تعليل في معلّل واحد، و ﴿لا﴾ نافية ﴿تَأْسَوْا﴾ فعل مضارع منصوب بكي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أعلمناكم ذلك أو أخبرناكم لكيلا تأسوا؛ أي لعدم أساكم. ﴿عَلَى مَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَأْسَوْا﴾، ﴿فَاتَكُمْ﴾ فعل ماضي، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَا﴾، ومفعول به،

стр. 13255

والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾. ﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿تَأْسَوْا﴾، و ﴿لَا﴾ نافية، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿تَفْرَحُوا﴾، وجملة ﴿آتَاكُمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ومتعلق ﴿فَاتَكُمْ﴾ و ﴿آتَاكُمْ﴾ محذوف، تقديره: من النعم. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُحِبُّ﴾ خبره. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ مفعول به، ﴿فَخُورٍ﴾ نعت مختال، ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ﴾؛ أي: لا يحب الذين يبخلون، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين يبخلون، أو منصوب على الذمّ، وجملة ﴿يَبْخَلُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿يَبْخَلُونَ﴾، ﴿بِالْبُخْلِ﴾ متعلق بـ ﴿يأمرون﴾، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ الواو: استئنافية، ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما، ﴿يَتَوَلَّ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذت حرف العلّة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطة وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، وفي قراءة سقوطه وهو مما يرجح كونه فصلًا لا مبتدأ، ﴿الْغَنِيُّ﴾ خبر ﴿إن﴾، ﴿الْحَمِيدُ﴾ خبر ثان لها، والجملة الاسمية في محل الجزم على كونها جوابًا لمن الشرطية، وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾. ﴿لَقَدْ﴾ اللام: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل، وفاعل، ﴿رُسُلَنَا﴾ مفعول به، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حال من ﴿رُسُلَنَا﴾؛ أي: حال كونهم مؤيدون بالمعجزات، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿مَعَهُمُ﴾ ظرف متعلق بمحذوف حال مقدرة من ﴿الْكِتَابَ﴾، و ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول به؛ أي: وأنزلنا الكتاب حال كونه آيلًا وصائرًا،

стр. 13256

لأن يكون معهم إذا وصل إليهم في الأرض. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ معطوف على الكتاب، ﴿لِيَقُومَ﴾ اللام: حرف جرّ وتعليل، ﴿يقوم﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، ﴿النَّاسُ﴾ فاعل، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ متعلق بـ ﴿يقوم﴾. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لقيام الناس بالقسط، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾ و ﴿أَرْسَلْنَا﴾. لأنه علة للإرسال والإنزال. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿فِيه﴾ خبر مقدم، ﴿بَأْسٌ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل النصب حال من ﴿الْحَدِيدَ﴾؛ أي: فيه قوة ومنعة، ﴿شَدِيدٌ﴾ وصفة ﴿وَمَنَافِعُ﴾ معطوف على بأس، ﴿لِلنَّاسِ﴾ صفة لـ ﴿منافع﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ الواو: عاطفة على محذوف، واللام: حرف جرّ وتعليل، ﴿يعلم﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، ﴿اللهُ﴾ فاعل، و ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَنْصُرُهُ﴾ صلة لمن، ﴿وَرُسُلَهُ﴾ معطوف على الهاء؛ أي: وينصر رسله أيضًا، ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من مفعول ينصره؛ أي: غائبًا عنهم غير مرئيّ لهم في الدنيا، وجملة ﴿يَعْلَمَ﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور معطوف على تعليل محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: وأنزلنا الحديد ليستعملوه وينتفعوا به وليعلم الله علمًا يتعلق بالجزاء من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح في مجاهدة أعدائه، أو معطوف على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. والأوّل أولى خلافًا لما قاله الشوكاني كما مرّ؛ لأن هذا ليس علة للإرسال. ﴿إِنَّ اللهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ خبران له، والجملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم السابق. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ معطوف على ﴿وَجَعَلْنَا﴾، ﴿وَجَعَلْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿في ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿النُّبُوَّةَ﴾ مفعول أوّل لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿وَالْكِتَابَ﴾ معطوف على ﴿النُّبُوَّةَ﴾، ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت

стр. 13257

إرسالنا، وجعلنا المذكور وأردت بيان مآلهم بعد ذلك فأقول لك. ﴿مِنْهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿مُهْتَدٍ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مبتدأ، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لـ ﴿كثير﴾، ﴿فَاسِقُونَ﴾ خبره. والجملة معطوفة على قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾. ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب، ﴿قَفَّيْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿جعلنا﴾، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَفَّيْنَا﴾، ﴿بِرُسُلِنَا﴾ مفعول به لـ ﴿قَفَّيْنَا﴾، والباء: زائدة، ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿قَفَّيْنَا﴾ الأول، ﴿بِعِيسَى﴾ مفعول به، والباء: زائدة، ﴿ابْنِ مَرْيَمَ﴾ صفة لـ ﴿عيسى﴾، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعولان معطوف على ﴿قَفَّيْنَا﴾ الثاني، ﴿وَجَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿آتيناه﴾، ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿اتَّبَعُوهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿رَأْفَةً﴾ مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾ ﴿وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ معطوفان على ﴿رَأْفَةً﴾ ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ وفعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة صفة لـ ﴿رهبانية﴾. ويجوز أن يكون ﴿رهبانية﴾ منصوبًا على الاشتغال بفعل محذوف يفسّره المذكور بعده، تقديره: وابتدعوا رهبانية، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿جعلنا﴾. وجملة ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ جملة مفسرة، لا محل لها من الإعراب. والرهبانية: رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، واتخاذ الصوامع. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿كَتَبْنَاهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿كتبنا﴾. والجملة صفة ثانية لـ ﴿رهبانية﴾ أو مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿ابْتِغَاءَ﴾ منصوب على الاستثناء، إن قلنا: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن، أو منصوب على أنه مفعول لأجله إن قلنا: إن الاستثناء متصل؛ أي: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله تعالى، ويكون ﴿كتب﴾ بمعنى قضى. ﴿رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ مضاف إليه، ﴿فَمَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿رَعَوْهَا﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾، ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿رِعَايَتِهَا﴾ مضاف

стр. 13258

إليه، ﴿فَآتَيْنَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿آتَيْنَا الَّذِينَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول، معطوف على قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل، وفاعل، صلة الموصول، ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من الموصول، ﴿أَجْرَهُمْ﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتَيْنَا﴾، ﴿وَكَثِيرٌ﴾ الواو: استئنافية، ﴿كثير﴾ مبتدأ، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة له، ﴿فَاسِقُونَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة، والهاء: حرف تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿أيّ﴾ أو بدل منه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل ماض، وفاعل والجملة صلة الموصول، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فعل أمر، وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَآمِنُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿اتَّقُوا﴾، ﴿بِرَسُولِهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَآمِنُوا﴾ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول أول مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. والجملة جواب الطلب، لا محل لها من الإعراب، ﴿كِفْلَيْنِ﴾ مفعول ثان لـ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾، ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ صفة لـ ﴿كِفْلَيْنِ﴾، ﴿وَيَجْعَلْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْعَلْ﴾ وهو في موضع المفعول الثاني، ﴿نُورًا﴾ مفعول أول لـ ﴿يجعل﴾، وجملة ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ صفة لـ ﴿نُورًا﴾، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ معطوف على ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أيضًا، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يغفر﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول، ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. ﴿لِئَلَّا﴾ اللام: حرف جر وتعليل، ﴿أن﴾ حرف مصدر ونصب، و ﴿لا﴾ زائدة، ﴿يَعْلَمَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ فاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لعلم أهل الكتاب، الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: إن تتقوا الله، وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لعلم أهل الكتاب؛ أي: ليعلموا. ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة،

стр. 13259

واسمها ضمير الشأن، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَقْدِرُونَ﴾ فعل وفاعل، ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَقْدِرُونَ﴾، ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، وجملة ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾؛ أي: فعلنا ذلك بكم ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل الله. ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ﴾ ناصب واسمه، ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ خبره، وجملة أن معطوفة على ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾، داخل في حيز المعلوم. وجملة ﴿يُؤْتِيهِ﴾ مستأنفة، أو خبر ثان لـ ﴿أنّ﴾، والهاء مفعول أول لـ ﴿يُؤْتِيهِ﴾؛ لأنّه بمعنى أعطى. ﴿من﴾ اسم موصول مفعول ثان ليؤتيه، جملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الْفَضْلِ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قرىء بتشديد الصاد والدال فيهما اسم فاعل من تصدق الخماسي من باب تفعل، وأصله: المتصدّقين والمتصدّقات أبدلت التاء صادًا، ثم أدغمت في الصاد فاء الكلمة. وقرىء ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ بتخفيف الصاد فيهما اسم فاعل من صدّق الرباعي من باب فعّل المضعّف العين. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مصدر حذفت زوائده، أصله: إقراضًا حسنًا نظير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾؛ أي: إنباتًا، والإقراض الحسن: هو عبارة عن الدفع بالمال الطيّب بطيب نفس، وخلوص نيّة ابتغاء مرضاة الله تعالى، لا يريدون جزاء ممن أعطوه. ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ جمع صديق، وهو من أوزان المبالغة ولا يجيء إلا من ثلاثي غالبًا، اهـ سمين. وفرقوا بين الصديق، والصادق بأن الصادق كالمخلص بالكسر من تخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقًا كالرياء، والسمعة والصديق كالمخلص بالفتح من تخلص أيضًا عن شوائب الغيرية، والثاني أوسع فلكًا، وأكثر إحاطة، فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس، اهـ من الروح. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ واللعب: إتعاب النفس بلا فائدة كفعل الصبيان، واللهو: شغل النفس عما يهمك من أعمال الآخرة، والتفاخر بالأنساب والأحساب، والفخر:

стр. 13260

المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان: كالمال والجاه. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ والغيث: المطر المحتاج إليه؛ لأنّه يغيث الناس من الجدب عند قلة المياه، فهو مخصوص بالمطر النافع بخلاف المطر؛ فإنه عام. ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: الحرّاث والزرّاع. قال الأزهري: والعرب تقول للزارع: كافر؛ لأنه يكفر؛ أي: يستر بذره بتراب الأرض، والكفر في اللغة: التغطية، ولهذا سمي الكافر كافرًا؛ لأنه يغطي الحق بالباطل، والكفر أيضًا: القبر لسترها الناس. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يقال: هاج النبت هيجًا وهيجانًا، وهياجًا بالكسر إذا يبس، والهائجة: أرض يبس بقلها أو اصفر، وأهاجه أيبسه وأهيجها وجدها هائجة للنبات. ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ قال في "القاموس": الحطم: الكسر أو خاص باليابس. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصله: أعتدت، قلبت التاء دالًا فأدغمت الدال في الدال فصار أعدت؛ أي: هيئت. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ والمصيبة أصلها في الرمية، يقال: أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى الصواب، ثم اختص بالنائبة والحادثة. وأصل ﴿أَصَابَ﴾ أصوب بوزن أفعل، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الصاد، فسكنت لكنها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. ﴿مُصِيبَةٍ﴾ أصله: مصوبة بوزن مفعلة اسم فاعل من أصاب الرباعي، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الصاد فسكنت إثر كسرة فقلبت ياء حرف مد. ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ مضارع منصوب بحذف النون، والواو: فاعل. وأصله: تأسيون، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصارت تأساون، فالتقى ساكنان: الألف والواو التي هي الفاعل، فحذفت لالتقاء الساكنين، فصار وزنه تفعون؛ لأن لامه التي هي الياء المنقلبة ألفًا قد حذفت. والمصدر أسى مقصور، فيقال: أسي أسًى مثل: جوي جوًى من باب تعب. فقول بعض النحاة عند الاستشهاد بهذه الآية في باب النواصب. والتقدير: لأجل عدم إساءتكم فيه نظر؛ لما علمت من أن مصدر هذا الفعل أسًى لا إساءة، اهـ شيخنا. وفي "المصباح": أسي أسًى من باب تعب حزن، فهو أسي على فعيل مثل: حزين اهـ. وفي "المختار": وأسي على مصيبته من باب عدا أي: حزن، وأسي له أي: حزن له، اهـ.

стр. 13261

﴿مَا فَاتَكُمْ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: فوتكم تحركت ﴿الواو﴾ انفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فصار فاتكم. ﴿آتَاكُمْ﴾ فيه إعلالان، أصله: أأتيكم بوزن أفعل، أبدلت الهمزة الثانية ألفًا حرف مد مجانسًا لحركة الأولى، وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿مُخْتَالٍ﴾ اسم فاعل من اختال من باب افتعل الخماسي، أصله: مختيل قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. والمختال: هو المتكبر بسبب فضيلة تراءت له من نفسه. والفخور: هو المباهي بالأشياء العارضة: كالمال والجاه، وهو صيغة مبالغة. ﴿بِالْبُخْلِ﴾ والبخل: إمساك المال عما يجب إخراجه فيه. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أصله: موزان بوزن مفعال، من الوزن قلبت ﴿الواو﴾ ياء حرف مد لسكونها إثر كسرة. ﴿قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾ والتقفية: جعل الشيء في إثر الشيء على الاستمرار، ولهذا قيل لمقاطع الشعر: قواف. إذ كانت تتبع البيت على أثره مستمرة على منهاجه. وفي المختار: وقفا أثره اتبعه، وبابه عدا، وقفى على أثره بفلان أي: أتبعه إياه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾، ومنه الكلام المقفى. ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ والمراد من الرأفة: دفع الشر، ومن الرحمة: جلب الخير، وبذا يكون بينهم مودة. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ والرهبانية: المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس. وهي هنا عبارة عن ترهبهم في الجبال فارّين بدينهم من الفتنة، مخلصين أنفسهم للعبادة متحملين المشاق من الخلوة واللباس الخشن والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف. منسوبة إلى الرهبان بفتح الراء، وهو المبالغ في الخوف من رهب، كالخشيان من خشي، ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف فإن الرهبة: مخافة مع تحزن واضطراب، كما في "المفردات". وهو فعلان من رهب كخشيان من خشي. وقرئت بالضم كأنها نسبت إلى الرهبان جمع واهب كراكب وركبان. وعبارة "القاموس": والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، أو الرهبان بالضم قد يكون واحدًا، وجمعه راهبين ورهابنة ورهبانون. ولا رهبانية في الإِسلام، هي كالإخصاء، واعتناق السلاسل، ولبس

стр. 13262

المسوح، وترك اللحم، ونحوها، اهـ. ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ استحدثوها، ولم تكن في دينهم. ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾؛ أي: طلبًا لرضاه، ومحبته، وفيه إعلال بالإبدال، أصله: ابتغاى أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾؛ أي: ما حافظوا عليها، أصله: رعيوها، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. ﴿كِفْلَيْنِ﴾؛ أي: نصيبين ضخمين. والكفل: الحظ. قال المؤرخ السدوسي: الكفل: النصيب بلغة هذيل. وقال غيره: بل بلغة الحبشة. وقال المفضل الضبي: أصل الكفل: كساء يديره الراكب حول سنام البعير، ليتمكن من القعود عليه، والنوم إذا أراده، فيحفظه من السقوط، ففيه حظ من التحرز. ﴿تَمْشُونَ﴾ أصله: تمشيون بوزن تفعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الشين لمناسبة الواو. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ فقد حذف أداة التشبيه تنبيهًا على قوة المماثلة، وبلوغها حد الاتحاد، كما فعل ذلك أوّلًا حيث قال: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾. وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور، وبين تمام ما للأخيرين من الأصل بدون الإضعاف، فيحصل التفاوت، كذا في "روح البيان"، فراجعه إن شئت. ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ...﴾ الآية، حيث مثل الحياة الدنيا في سرعة انقضائها، وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى، وأعجب به الحراث. فوجه التشبيه منتزع من متعدد. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ...﴾ إلخ، فقد طابق بين العذاب والمغفرة في قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ ولكنه طابق بين واحد وشيئين،

стр. 13263

فهو من باب: لن يغلب عسر بين يسرين، وسيأتي تفصيله في سورة الانشراح. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾؛ أي: إلا كالمتاع الذي يتخذ من نحو الزجاج، والخزف في كونه مزخرف الظاهر فحذف الأداة ووجه الشبه. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حيث شبه مبادرتهم إلى الطاعات بمسابقة الفرسان في الميدان. ومنها: التنوين للتعظيم في قوله: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ومنها: التشبه في قوله: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ تمثيلًا للعباد بما يعقلون، ويقع في نفوسهم. ومنها: تقديم المغفرة على الجنة في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ إلخ، لتقدم التخلية على التحلية. ومنها: الاقتصار على الإيمان في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إشعارًا بأن مجرد الإيمان كاف في استحقاق الجنة. إذ لم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر، ولكن الدرجات مختلفة باختلاف الأعمال. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. ومنها: تخصيص التذييل بالنهي عن الفرح المذكور إيذانًا بأنه أقبح من الأسى. ومنها: الجناس المغاير بين ﴿يَبْخَلُونَ﴾ و ﴿البخل﴾ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. ومنها: التهديد في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ لتغير الشكل وبعض الحروف.

стр. 13264

ومنها: السجع المرصع كأنه الدر المنظوم في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13265

خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة ١ - صفات الله وأسماؤه الحسنى، وظهور آثاره في بدائع خلقه. ٢ - الحض على الإنفاق. ٣ - بشرى المؤمنين بالنور يوم القيامة. ٤ - ثواب المتصدقين الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا. ٥ - ذم الدنيا وأنها لهو ولعب. ٦ - الترغيب في الآخرة وتشمير العزيمة للعمل لها. ٧ - التسلية على المصايب. ٨ - ذم الاختيال والفخر والبخل. ٩ - الحث على العدل. ١٠ - الاعتبار بالأمم السالفة. ١١ - قصص نوح وإبراهيم. ١٢ - إن أهل الكتاب الذين آمنوا برسلهم، وآمنوا بمحمد ﷺ يضاعف لهم الأجر عند ربهم. ١٣ - الله يصطفي من رسله من يشاء فهو أعلم حيث يجعل رسالته (١). والله أعلم * * *

стр. 13266

شعرٌ العَفْوُ يُرُجَى مِنْ بَنِي آدَمٍ ... فَكَيْفَ لَا أَرْتَجِي مِنْ رَبِّيْ فَإِنَّهُ أَرْأَفُ بِيْ مِنْهُمْ ... حَسْبِي بِهِ حَسْبِيْ بِهِ حَسْبِيْ آخرُ يَا مَنْ مَلَكُوْتُ كُلِّ شَيءٍ بِيَدِهْ ... طُوْبَى لِمَنِ ارْتَضَاكَ ذُخْرًا لِغَدِهْ آخرُ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا ... إِلَّا مَا ألْهَمْتَ لَنَا سُبْحَانَكَ بِعَدِّ مَا ... سَيَكُوْنُ وَكَانَا

стр. 13267

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد التاسع والعشرون»

стр. 13268

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 13269

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [٢٩]

стр. 13270

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →