تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد التاسع والعشرون»
стр. 13268
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 13269
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظة وشفاء لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه ذلك القرآن من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد الذي أجرى من مُسجَّلِهِ ما يحاكي السلسبيل والرحيق، وأفحم بلاغته كل متكلم منطيق، وفسر الآيات في الأنفس والآفاق، على مراد الله الملك الخلاق، وعلى آله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم بإحسان ممن تخلق بالقرآن في كل زمان.
أما بعدُ: فيقول العبد الفقير المعترف بذنبه وخطأه، المنادي لربه في عفوه وعطاه، الراجي في إسبال سجاف الندى عليه، المناجي في إرسال رسول الهدى إليه، حفظه الله سبحانه وأخلاءه وأعاذه وإياهم من الشيطان الرجيم، وجعل يومه خيرًا من أمسه إلى الإياس من حياة نفسه سمّي محمد الأمين الهرري: إني لمّا فرغت من تفسير الجزء السابع والعشرين من القرآن الكريم عزمت - إن شاء الله تعالى - على الشروع في تفسير الجزء الثامن والعشرين، وإن كان علم التفسير لا يقحم في معاركه كل ذمير وإن كان أسدًا، ولا يحمل لواءه كلّ أمير وإن مات حسدًا، وذلك أظهر من أن يورد عليه دليل كالنيرين لغير كليل، ومع خطر هذا الأمر فالأمد قصير، وفي العبد تقصير وكم ترى من نحرير كامل في التحرير والتقرير قد أصابه سهم القضاء قبل بلوغ الأمل، وذلك بحلول ريب المنون والأجل، أو بتطاول يد الزمان، فإن الدنيا لا تصفو لشارب وان كانت ماء الحيوان، وأي وجود لا ينسج عليه عناكب العاهات، وأي نعيم لا يكدره الدهر؟ هيهات، هيهات:
مِحَنُ الزَّمَانِ كَثِيْرَةٌ لَا تَنْقَضِيْ ... وَسُرُوْرُهُ يَأْتِيْكَ كَالأَعْيَادِ
اللهم: كما عوّدتني في الأول خيرًا كثيرًا فيسر لي الأمر في الآخر تيسيرًا، واجعل رقيمي هذا سببًا لبياض الوجه يوم تبيض وجوه أولئك، وامح مسودات صحائف أعمالي بحق كتابك الكريم، واعف عني بكل حرف كتبته منه ألف ألف سيئة، واكتب لي بكل حرف رقمته منه ألف ألف حسنة، وارفع لي بكل سطر سطرته
стр. 13273
منه ألف ألف درجة في فراديس جنتك ودار كرامتك، ولم أكن بدعائك رب شقيًا بكرةً وعشيًا ما دمت حيًا، ذلك الحمد - يا إلهي - في الأولى والأخرى على عنايتك الكبرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وبتوفيقه أقول، وقولي هذا:
سورة المجادلة
سورة المجادلة نزلت بعد المنافقون، وهي مدنيَّةٌ، قال القرطبي: في قول الجميع إلَّا روايةً عن عطاء: أن العشر الأول منها مدني، وباقيها مكّي. وقال الكلبي: نزلت جميعها بالمدينة إلا قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾. فنزلت بمكّة.
وهي اثنتان وعشرون آية وأربع مئة وثلاث وسبعون كلمة، وألف وسبع مئة واثنتان وتسعون حرفًا.
التسميةُ: سميت بالمجادلة - بكسر الدال، اسم فاعل على الأصح كما سيأتي عن الشهاب - لبيانها قصة المرأة المجادلة - خولة بنت ثعلبة - في شأن زوجها الذي ظاهر على عادة أهل الجاهلية في تحريم الزوجة بالظهار منها.
المناسبةُ: مناسبتها لما قبلها من وجهين (١):
١ - أن الأولى ختمت بفضل الله، وافتتحت هذه بما هو من هذا الوادي.
٢ - أنه ذكر في مطلع الأولى صفاته الجليلة، ومنها: الظاهر والباطن، وذكر في مطلع هذه أنّه سميع قول المجادلة التي شكت إليه تعالى.
الناسخُ والمنسوخُ فيها: قال محمد بن حزم: سورة المجادلة كلها محكم إلا آية واحدة؛ وهي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ...﴾ الآية (١٢) من المجادلة، نسخت بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ...﴾ الآية (١٣). فنسخ الله تعالى ذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والطاعة لله وللرسول.
стр. 13274
سبب نزولها: ما أخرجه أحمد في "المسند" عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه كل الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا ...﴾ إلى آخر الآية".
وأخرجه البخاري تعليقًا، والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي.
والله أعلم
* * *
أن الله سبحانه لما ذكر أحكام كفّارة الظهار، وبين أنه إنما شرعها تغليظًا على الناس حتى يتركوا الظهار - وقد كان ديدنهم في الجاهلية - ويتبعوا أوامر الشريعة، ويلين قيادهم لها، ويخلصوا لله ربهم في جميع أعمالهم، فتصفو نفوسهم وتزكو بصالح الأعمال .. أردف هذا ببيان أنّ من يشاق الله ورسوله، ويعصي أوامره يلحق به الخزي والهوان في الدنيا، وله في الآخرة العذاب المهين في نار جهنم، ثم أعقب ذلك بالوعيد الشديد، فبين أنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو عليم بمناجاة المتناجين، فإن كانوا ثلاثة .. فهو رابعهم، وإن كانوا خمسة .. فهو سادسهم، وإن كانوا أقل من ذلك أو أكثر .. فهو معهم أينما كانوا، فلا تظنوا أنه تخفى عليه أعمالكم وسينبئكم بها عند العرض والحساب، وحين ينصب الميزان، فتلقون جزاء ما كسبت أيديكم، وتندمون ولات ساعة مندم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لمّا ذكر أنّه عليم بالسر والنجوى، وأنه لا تخفى عليه خافية من أمرهم، فهو عليم بما يكون من التناجي بين الثلاثة والخمسة والأكثر والأقل، ومجازيهم على ما يكون به التناجي .. خاطب رسوله معجبًا له من اليهود والمنافقين الذين نهوا عن التناجي دون المؤمنين، فعادوا لما نهوا عنه، وما كان تناجيهم إلا بما هو إثم وعدوان على غيرهم، ثم ذكر أنهم كانوا إذا جاؤوا الرسول .. حيوه بغير تحية الله، فيقولون: السام عليك - يريدون الموت، ثم يقولون في أنفسهم: لو كان رسولًا .. لعذبنا الله؛ للاستخفاف به، وإن جهنم لكافية جدّ الكفاية لعذابهم، ثم نهى المؤمنين أن يفعلوا مثل فعلهم، بل يتناجون بالبرّ والتقوى. ثم بين أن التناجي بالإثم والعدوان من الشيطان، ولن يضيرهم شيء منه إلا بإذن الله، فعليه فليتوكلوا.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سببًا للتباغض من التناجى بالإثم والعدوان .. أمرهم بما يكون سبب التوادّ والتوافق بين بعض المؤمنين وبعضٍ، من التوسع في المجالس حين إقبال الوافد، والانصراف إذا طلب
стр. 13277
منكم ذلك. فإذا فعلتم ذلك .. رفع الله سبحانه منازلكم في جناته، وجعلكم من الأبرار الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنه لما كان المؤمنون يتنافسون في القرب من مجلس الرسول ﷺ لسماع أحاديثه ولمناجاته في أمور الذين، وأكثروا في ذلك حتى شق عليه ﷺ ، وشغلوا أوقاته التي يجب أن تكون موزعة بين إبلاغ الرسالة والعبادة والقيام ببعض وظائفه الخاصة، فإنه بشر يحتاج إلى قسط من الراحة، وإلى التحنث إلى ربّه في خلواته .. أمرهم الله بتقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول والحديث معه؛ لما في ذلك من منافع ومزايا:
١ - إعظام الرسول، وإعظام مناجاته؛ فإن الشيء إذا نيل مع المشقة استعظم، وإن نيل بسهولة لم يكن له منزله ورفعة شأن.
٢ - نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقات المقدمة قبل المناجاة.
٣ - وتمييز المنافقين الذين يحبون المال ويريدون عرض الدنيا من المؤمنين حق الإيمان الذين يريدون الآخرة وما عند الله من نعيم مقيم.
قال ابن عباس: أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفّف عن نبيه، وأنزل هذه الآيات، فكفّ كثير من الناس عن المناجاة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات (١): ما أخرجه الحاكم، وصححه عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع لام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول: يا رسول الله! أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فما
стр. 13278
برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وهو أوس بن الصامت.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان، قال: (كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، فكانوا إذا مرّ بهم رجل من الصحابة جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنّهم يتناجون بقتله أو بما يكرهه، فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى فلم ينتهوا، فأنزل الله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه أحمد، والبزار والطبراني بسند جيّد عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : السام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذّبنا الله بما نقول. فنزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ ...﴾ الآية. وفي الباب عن أنس وعائشة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بينهم، وكان ذلك يغيظ المؤمنين ويَكْبُر عليهم، فأنزل الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير - أيضًا - عن قتادة قال: كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلًا ضنوا بمجلسهم عند رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: أنها نزلت يوم الجمعة، وقد جاء ناس من أهل بدر وفي المكان ضيق فلم يفسح لهم، فقاموا على أرجلهم، فأقام ﷺ نفرًا بعدتهم وأجلسهم مكانهم، فكره أولئك النفر ذلك، فنزلت.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ ...﴾ الآية فلما نزلت صبر كثير من الناس، وكفوا عن المسألة، فأنزل الله ذلك: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ ...﴾ الآية.
وأخرج الترمذي - وحسنه - وغيره عن علي قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال لي النبي ﷺ : "ما ترى دينارًا"؟ قلت: لا يطيقونه، قال: "فنصف دينار"، قلت: لا يطيقونه، قال: "فكم"؟
стр. 13279
قلت: شعيرة، قال: "إنك لزهيد"؟ فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ...﴾ الآية. فخفف الله عن هذه الأمّة. قال الترمذي: حسن.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ، وأجاب: ﴿قَوْلَ الَّتِي﴾؛ أي: دعاء المرأة التي ﴿تُجَادِلُكَ﴾ وتخاصمك وتراجعك أيّها الرسول الكريم الكلام ﴿فِي﴾ شأن ﴿زَوْجِهَا﴾ أوس بن الصامت. واسمها خولة بنت ثعلبة - كما مرّ - وتلك المجادَلة: أنّها كلما قال لها رسول الله ﷺ : "حرمت عليه" .. كانت تقول: والله ما ذكر طلاقًا؛ أي: أجاب الله سبحانه دعاءها؛ بأن أنزل سبحانه حكم الظهار على ما يوافق مطلوبها. و ﴿سَمِعَ﴾ هنا مجاز مرسل (١) عن أجاب بعلاقة السببية.
والمجادلة: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، والمراد هنا: المكالمة ومراجعة الكلام؛ أي: معاودته.
والمعنى: أي قد أجاب الله دعاء المرأة التي تكالمك في حق زوجها استفتاء، وتراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من ظهاره إياها بغير وجه مشروع وسبب مقبول.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ بإدغام الدال في السين. وقرأ الجمهور بالإظهار. قال خلف بن هشام البزار: سمعت الكسائي يقول: من قرأ ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ فأظهر الدال عند السين .. فلسانه أعجمي ليس بعربيّ. ولا يلتفت إلى هذا القول؛ لأن الجمهور على الإظهار.
﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه: عطف على ﴿تُجَادِلُكَ﴾؛ أي: تتضرع إلى الله تعالى، وتظهر ما بها من المكروه والمشقة. وفي (٢) ذكر ﴿قَدْ﴾ إشعار بأن الرسول والمجادلة كانا يتوقعان أن ينزل الله حكم الحادثة، ويفرج عنها كربها؛ لأنها إنما تدخل على ماض متوقع.
وقد مرّ لك أن المجادلة هي خولة بنت ثعلبة بن مالك بن خزاعة الخزرجية،
стр. 13280
وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة. روي: أنّها كانت حسنة البدن، فرآها أوس وهي تصلي، فاشتهى مواقعتها، فلما سلمت .. راودها فأبت وكان به خفّة عقل - فغضب عليها بمقتضى البشرية، وقال: أنت عليّ كظهر أمي - وكان أول ظهار وقع في الإِسلام - ثم ندم على ما قال، بناء على أن الظهار والإيلاء كانا من طلاق الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلى وقد حرمت علي، فشقّ ذلك عليها، فأتت رسول الله ﷺ وعائشة ﵂ تغسل شق رأسه - فقالت: يا رسول الله! إن زوجي أوس بن الصامت، أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إلي، ظاهر مني وما ذكر طلاقًا، وقد ندم على فعله، فهل من شيء يجمعني وإياه؟ فقال ﷺ : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" فقالت: لا تقل ذلك يا رسول الله، وذكرت فاقتها ووحدتها بتفاني أهلها، وأن لها صبية صغارًا، فقالت: إن ضممتهم إليّ جاعوا، وإن ضممتهم إلى أبيهم ضاعوا. فأعاد النبي ﷺ قوله الأول وهو: "حرمت عليه" فجعلت تراجع رسول الله ﷺ مقالتها الأولى، وكلما قال لها رسول الله ﷺ : "حرمت عليه" هتفت، وقالت: أشكو إلى الله مما لقيت من زوجي حال فاقتي ووحدتي، وقد طالت معه صحبتي ونفضت له بطني؛ تريد بذلك: أني قد بلغت عنده سنّ الكبر وصرت عقيمًا لا ألد بعد، وكانت في ذلك ترفع رأسها إلى السماء على ما هو عادة الناس استنزالًا للأمر الإلهي من جانب العرش وتقول: اللهم أنزل على لسان نبيك، فقامت عائشة تغسل الشق الآخر من رأسه ﷺ ، وهي ما زالت في مراجعة الكلام مع رسول الله ﷺ وبث الشكوى إلى الله سبحانه حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآيات الأربع سمعًا لدعائها وقبولًا لشكواها، وكانت سببًا لظهور حكم الظهار.
وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ في محل نصب على الحال من الجلالة، أو مستأنفة جارية مجرى التعليل لما قبلها، كما سيأتي؛ أي: والله يعلم (١) تراجعكما في الكلام، وتخاطبكما، وتجاوبكما في أمر الظهار. فإن التحاور بمعنى التجاوب، وهو رجع الكلام وجوابه من الحور؛ بمعنى: الرجوع. وذلك كان برجوع الرسول إلى الحكم بالحرمة مرة بعد أخرى، وبرجوع المجادلة إلى طلب التحليل كذلك.
стр. 13281
ومثله: المحاورة في البحث ومنه قولهم في الدعاء: نعوذ بالله من الحور بعد الكور؛ أي: الرجوع إلى النقصان بعد الوصول إلى الزيادة، أو إلى الوحشة بعد الإنس. وقال الراغب: الحور: التردد، إما بالذات وإما بالتفكر. وقيل: نعوذ بالله من الحور بعد الكور؛ أي: من التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده. وفي نظمها في سلك الخطاب مع أفضل البريّات تغليب، إذ القياس: تحاورها وتحاورك، تشريفًا لها من جهتين. والجملة استئناف جار مجرى التعليل لما قبلها كما مرّ آنفًا. فإن إلحافها في المسألة ومبالغتها في التضرع إلى الله، ومدافعته ﵇ إياها بجواب منبىء عن التوقف وترقب الوحي، وعلمه تعالى بحالهما .. من دواعي الإحابة. وفي "كشف الأسرار": ليس هذا تكرارًا؛ لأن الأول لما حكته عن زوجها، والثاني لما كان يجري بينها وبين رسول الله ﷺ ؛ لأن الأول ماضٍ، والثاني مستقبل.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾؛ أي: مبالغ في السمع، يسمع كل مسموع. ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أي: مبالغ في الإبصار يبصر كل مبصر، ومن جملة ذلك ما جادلتك به هذه المرأة؛ أي: ومن قضيته أن يسمع تحاورهما، ويرى ما يقارنه من الهيئات التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء وسائر آثار التضرع.
وفي الآية دليل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق، ولم يبق له في مهمه أحد سوى ربه، وصدق في دعائه وشكواه .. كفاه الله في ذلك، ومن كان أضعف .. فالرب به ألطف. ولقد أجاد من قال:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِيْ الضَّمِيْرِ وَيَسْمَعُ ... أنْتَ الْمُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا ... يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
مَا لَي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيْلَةٌ ... وَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
حَاشَا لِجُوْدِكَ أَنْ تُقَنِّطَ عَاصِيًا ... الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أَوْسَعُ
وقد شاهدنا مشهدًا عجيبًا في إجابة الدعاء عند قراءة هذه الأبيات في الشدائد والنوائب، وفي المعارك.
стр. 13282
وفي الآية أيضًا: أن من استمع الله ورسوله والورثة إلى كلامه .. فسائر الناس أولى.
روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بهذه المرأة في خلافته، وهو على حمار والناس معه، فاستوقفته طويلًا ووعظته، وقالت: يا عمر! قد كنت تدعى عميرًا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر؛ فإنه من أيقن الموت .. خاف الفوت، ومن أيقن الحساب .. خاف العذاب. وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف الطويل؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره ما زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟!
ثم اعلم: أنه من أكبر الذنوب أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول في جوابه: عليك نفسك؛ أي: الزم نفسك، أنت تأمرني بهذا؟! وذلك لأنه إذا ذكر اسم الله .. يلزم التعظيم له، سواء صدر من مسلم أو كافر، وأعلم الناس لا يستغني عن تنبيه وإيقاظ، وقد قيل: اللائق بالعاقل أن يكون كالنحل يأخذ من كل شيء ثم يخرجه عسلًا، فيه شفاء من كل داء، وشمعًا له منافع لا سيما الضياء، فطالب الحكمة يأخذها من كل مقام سواء قعد أو قام.
الْمَرْءُ لَوْلَا عُرْفُهُ فَهُوَ الدُّمَى ... وَالْمِسْكُ لَوْلَا عَرْفُهُ فَهُوَ الدَّمُ
العرف الأول - بالضم - بمعنى المعروف، والثاني - بالفتح -: الرائحة الطيبة. والدمى - بضم الدال وفتح الميم -: جمع دمية، كالدجى جمع دجية، وهي الصورة المنقشة من رخام أو عاج.
ومعنى الآية: أي قد قبل الله سبحانه شكوى المرأة التي تجادلك يا محمد في شأن زوجها، وبثت أمرها إلى ربها، وسمع ما سمع من تحاورها معك، والله سميع لما يقال، خبير بحال عباده، فأنزل فيها ما أزال غصتها، وفرج كربتها، وأقر به عينها، وبلّ به ريقها، وأرجع إلى كنفها صبيتها الذين كانوا مصدر شقوتها، وبهم اغتسلت - تعللت واحتجت - على رسوله ﷺ .
٢ - ثم بيّن سبحانه شأن الظهار في نفسه، وذكر حكمه، فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون؛ أي: يحرمون نساءهم على أنفسهم كتحريم الله عليهم ظهور
стр. 13283
أمهاتهم، فلا يلحق بهم الذمي؛ لأنه ليس من أهل الكفارة لغلبة جهة العبادة فيها، فلا يصح ظهاره؛ أي: الذين يقع منهم الظهار ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: من زوجاتهم، فيقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي يريد: أنك علي حرام كما أن أمي عليّ حرام، مخطئون فيما صنعوا.
ثم بيّن وجه خطئهم بقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ...﴾ إلخ. وفي "فتح الرحمن": قال ذلك هنا، وقال بعده: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ لأنّ الأوّل خطاب للعرب خاصة، وكان طلاقهم في الجاهلية الظهار، والثاني بيان أحكام الظهار للناس عامة، انتهى.
وهذا شروع في بيان الظهار نفسه (١)، وحكمه المترتب عليه شرعًا بطريق الاستئناف.
والظهار لغة: مصدر ظاهر الرجل؛ أي: قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، والظهر: العضو، والجارحة، ويعبر عن البطن بالظهر؛ أي: أنت عليّ حرام كبطن أمي؛ أي: فكنّى عن البطن بالظهر الذي هو عمود البطن لئلا يذكر ما يقارب الفرج، تأدبًا.
واعلم: أنه ألحق الفقهاء بالظهر نحو البطن والفخذ والفرج، مما يحرم النظر إليه من الأم، فمن قال: أنت عليّ كبطن أمي أو فخذها أو فرجها .. كان ظهارًا، بخلاف مثل اليد أو الرجل، وكذا ألحقوا بالأم سائر المحارم، فلو وضع المُظاهر مكان الأم ذات رحم محرم منه من نسب، كالخالة والنعمة، أو رضاع، أو صهر .. كان ظهارًا؛ مثل أن يقول: أنت عليّ كظهر خالتي أو عمتي أو أختي، نسبًا أو رضاعًا، أو كظهر امرأة أبي أو ابني. ولو شبّهها بالخمر أو الخنزير أو الدم أو الميتة، أو قتل المسلم، أو الغيبة أو النميمة، أو الزنا، أو الربا، أو الرشوة .. فإنه ظهار إذا نوى. وفي أنت عليّ كأمي: صح نية الكرامة؛ أي: استحقاق البرّ، فلا يقع طلاق ولا ظهار، وصح نية الظهار؛ بأن يقصد التشبيه بالأمّ في الحرمة .. فيترتب عليه أحكام الظهار لا غير. ونية الطلاق؛ بأن يقصد إيجاب الحرمة، فإن لم
стр. 13284
ينو شيئًا .. لغا. وأنت عليّ حرام كأمي: صحّ فيه ما نوى من ظهار أو طلاق أو إيلاء، ولو قال: أنت أمي أو أختي أو بنتي، بدون التشبيه .. فهو ليس بظهار، يعني: إن قال: إن فعلت كذا فأنت أمي، ففعلته .. فهو باطل وإن نوى التحريم. ولو قالت لزوجها: أنت عليّ كظهر أمّي .. فإنه ليس بشيء، وقال الحسن: إنه يمين. والكلام على الظهار مبسوط في كتب الفروع، فراجعها إن أردت الخوض فيه.
وفي إيراد (١) ﴿مِنكُم﴾ مع كفاية ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ مزيد توبيخ للعرب، وتقبيح لعادتهم في الظهار، فإنه كان من أيمان جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم، فلا يليق بهم بعد الإِسلام أن يراعوا تلك العادة المستهجنة، فكأنه قيل: منكم على عادتكم القبيحة المستنكرة. ويحتمل أن يكون لتخصيص نفع الحكم الشرعي للمؤمنين بالقبول والاقتداء به؛ أي: منكم أيها المؤمنون المصدّقون بكلام الله، المؤتمرون بأمر الله، إذ الكافرون لا يستمعون الخطاب، ولا يعلمون بالصواب.
وفي قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إشارة إلى أن الظهار لا يكون في الأمة، ومن ذلك قالوا: إن للظهار ركنًا، وهو: التشبيه المذكور، وشرطًا وهو: أن يكون المشبه منكوحةً؛ حتى لا يصح من الأمة، وأهلًا وهو: من كان من أهل الكفارة؛ حتى لا يصح من الذمي والصبي والمجنون، وحكمًا وهو: حرمة الوطء، حتى يكفّر مع بقاء أصل الملك.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يظّهَّرون﴾ بالتشديد مع فتح حرف المضارعة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿يَظَّاهرون﴾ بفتح الياء، وتشديد الظاء، وزيادة ألف. وقرأ أبو العالية، وعاصم، وزر بن حبيش: ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ بضم الياء وتخفيف الظاء، وكسر الهاء. وقد تقدم مثل هذا في سورة الأحزاب. وقرأ أبيّ: ﴿يتظاهرون﴾ بفك الإدغام.
وجملة قوله: ﴿مَا هُنَّ﴾؛ أي: ما نساؤهم ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾ خبر الموصول؛ أي: ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة، فهو كذب بحت؛ يعني: أن من قال لامرأته:
стр. 13285
أنت عليّ كظهر أمي .. ملحق في كلامه هذا للزوج بالأمّ، وجاعلها مثلها، وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين، وكانوا يريدون بالتشبيه الحرمة في المُظَاهر منها كالحرمة في الأم تغليظًا وتشديدًا. فإن قيل: فحاصل الظهار مثلًا: أنت محرّمة عليّ كما حرمت علي أمي، وليس فيه دعوى الأمومة حتى تنفى وتثبت للوالدات .. يقال: إن ذلك التحريم في حكم دعوى الأمومة، وأنّ المراد: نفي المشابهة، لكن نفي الأمومة للمبالغة فيه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾ بالنصب على اللغة الحجازية في إعمال (ما) عمل (ليس). وقرأ أبو عمرو، والسلمي، والمفضل عن عاصم بالرفع على عدم الإعمال، وهي لغة نجد وبني أسد. وقرأ ابن مسعود ﴿بأمهاتهم﴾ بزيادة الباء.
ثم بيّن سبحانه لهم أمهاتهم على الحقيقة فقال: ﴿إن﴾ نافية بمعنى: (ما) ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾ في الحقيقة والصدق ﴿إِلَّا اللَّائِي﴾ جمع التي، أي: ما أمهاتهم إلا النساء اللاتي ﴿وَلَدْنَهُمْ﴾؛ أي: ولدن المظاهرين، فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من أزواج النبي ﷺ والمرضعات، ومنكوحات الآباء لكرامتهن، وحرمتهن، فدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات .. فأبعد شيء من الأمومة فلا تلحق بهنّ في وجه من الوجوه.
ثم زاد سبحانه في توبيخهم وتقريعهم، فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإن المظاهرين منكم ﴿لَيَقُولُونَ﴾ بقولهم ذلك ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: فظيعًا قبيحًا من القول، ينكره الشرع، على (٢) أنَّ مناط التأكيد ليس صدور القول منهم فإنه أمر محقق، بل كونه منكرًا؛ أي: عند الشرع وعند العقل والطبع أيضًا، كما يشعر به تنكيره؛ وذلك لأنّ زوجته ليست بأمه حقيقة، ولا ممن ألحقه المثرع بها، فكان التشبيه بها إلحاقًا لأحد المتباينين بالآخر، فكان منكرًا مطلقًا غير معروف ﴿وَزُورًا﴾؛ أي: كذبًا باطلًا منحرفًا عن الحق. فإنّ الزور بالتحريك: الميل، فقيل للكذب: زور بالضم لكونه مائلًا عن الحق. قال بعضهم: ولعلَّ قوله: ﴿وَزُورًا﴾ من قبيل عطف السبب على المسبب.
стр. 13286
فإن قلت: قوله: أنت علي كظهر أمي، إنشاء لتحريم الاستمتاع بها وليس بخبر، والإنشاء لا يوصف بالكذب.
قلت: هذا الإنشاء يتضمن إلحاق الزوجة المحللة بالأم المحرمة أبدًا، وهذا إلحاق مناف لمقتضى الزوجية، فيكون كاذبًا. وقال بعضهم: لمّا كان مبنى طلاق الجاهلية الأمر المنكر الزور لم يجعله الله طلاقًا، ولم تبق الحرمة إلا إلى وقت التكفير.
والمعنى (١): أي وإنهم ليقولون قولًا منكرًا لا يجيزه شرع ولا يرضى به عقل ولا يوافق عليه ذو طبع سليم، فكيف تشبه من يسكن إليها، وتسكن إليه، وجعل بينه وبينها مودةً ورحمة وصلة خاصة لا تكون لأم ولا لأخت بمن جعل صلتها بابنها صلة الكرامة والحنو والإجلال والتعظيم؟ إلى أن الرجل قوام على المرأة، له حق تأديبها إذا اعوجت، وهجرانها في المضاجع إذا جمحت. ولم يعط ذلك الابن ليعامل به أمه؟ فهذا زور وبهتان عظيم. ولا يخفى ما في هذان الاستهجان وشديد التشنيع على صدور هذا القول منهم.
﴿وَإِنَّ اللهَ﴾ ﴿لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾؛ أي: لكثير العفو والمغفرة لما سلف من الذنب متى تاب فاعله منه؛ إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم عن هذا القول المنكر الزور. والفرق بين المغفرة والعفو: أن العفو محو للذنوب عن صحف الملائكة، والمغفرة سترها عن أعينهم.
٣ - ثم فصل حكم الظهار، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: والذين يقولون ذلك القول المنكر الفظيع لنسائهم ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾؛ أي: ثم يريدون العود إلى ما حرموا على أنفسهم بلفظ الظهار من الاستمتاع. ففيه تنزيل القول منزلة المقول فيه، واللام فيه بمعنى إلى؛ لأنّهما قد يتقارضان. أو يعودون لما قالوا إما بالسكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلقها فيه، كما قاله الشافعي، أو إما باستباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة - كما قاله أبو حنيفة - أو بالعزم على جماعها، كما قاله مالك - ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أي (٢): فالواجب عليهم إعتاق
стр. 13287
رقبة مؤمنة، فلا تجزىء كافرة قياسًا على كفّارة القتل على ما ذهب إليه الشافعي ومالك، واشترطا أيضًا: سلامتها من كل عيب. أو إعتاق أي رقبة مؤمنة كانت أو كافرة، وإن كان الأولى تحرير المؤمنة على ما قاله أبو حنيفة، وهو الظاهر.
والتحرير: جعل الإنسان حرًا، وهو خلاف الرقيق. والرقبة: ذات مرقوق مملوك، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، هنديًا أو روميًا، عربيًا أو حبشيًا. فيعتقها مقرونًا بالنية، وإن كان محتاجًا إلى خدمتها، فلو نوى بعد العتق أو لم ينو .. لم يجزىء، وإن وجد ثمن الرقبة وهو محتاج إليه .. فله الصيام، كما في "الكواشي". ولا يجزىء إعتاق أمّ الولد، والمدبر، والمكاتب الذي أدّى شيئًا، فإن لم يؤدّ .. جاز. ويجب أن تكون سليمة من العيوب الفاحشة بالاتفاق. واشترط الشافعي الإيمان قياسًا على كفّارة القتل، كما قال تعالى فيها: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمَنَةٍ﴾. قلنا: حمل المطلق على المقيد إنما هو عند اتحاد الحادثتين واتحاد الحكم أيضًا، وهنا ليس كذلك.
و ﴿الفاء﴾: فيه رابطة الخبر بالمبتدأ لشبهه بالشرط، وفيها معنى السببية. ومن فوائدها (١): الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار؛ لأن تكرر السبب يوجب تكرر المسبب، كقراءة آية السجدة في موضعين. فلو ظاهر من امرأته مرتين أو ثلاثًا في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة .. لزمه بكل ظهار كفارة. هذا عند الأحناف ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؛ أي: من قبل أن يستمتع كل من المظاهر والمظاهر منها بالآخر جماعًا وتقبيلًا ولمسًا، ونظرًا إلى الفرج بشهوة، ذلك لأنّ اسم التماس، يتناول الكلّي، وإن وقع شيء من ذلك قبل التكفير .. يجب عليه أن يستغفر؛ لأنه ارتكب الحرام. ولا يعود حتى يكفر وليس عليه شيء سوى الكفارة الأولى بالاتفاق. وإن أعتق بعض الرقبة ثمّ مسّ .. فعليه أن يستأنف عند أبي حنيفة، ولا تسقط الكفارة بل يأتي بها على وجه القضاء، كما لو أخّر الصلاة عن وقتها فإنه لا يسقط عنه الإتيان بها بل يلزمه قضاؤها.
وفي الآية دليل على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تدع الزوج أن يقربها قبل الكفارة؛ لأنه نهاهما جميعًا عن المسيس قبل الكفارة. قال القهستاني: لها مطالبة
стр. 13288
التكفير والحاكم يجبر عليه بالحبس ثم بالضرب، فالنكاح باقٍ والحرمة لا تزول إلا بالتكفير. وكذا لو طلقها ثم تزوجها بعد العدة أو زوج آخر .. حرم وطؤها قبل التكفير، ثم العود الموجب لكفارة الظهار عند أبي حنيفة هو: العزم على جماعها، كما مر. فمتى عزم على ذلك لم تحل له حتى يكفر، ولو مات بعد مدة قبل أن يكفر .. سقطت عنه الكفارة؛ لفوت العزم على جماعها.
والمعنى (١): أي والذين يقولون هذا القول المنكر الزور ثم يتداركونه بنقضه ويرجعون عمّا قالوا فيريدون المسيس .. فعلى كل منهم عتق عبد أو أمة قبل التماس إن كان ذلك لديه.
ثم بيّن السبب في شرع هذا الحكم، فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحكم بالكفارة أيها المؤمنون. وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾؛ أي: تؤمرون به أو تزجرون به؛ لأن الوعظ زجر يقترن بتخويف؛ أي: تزجرون به من ارتكاب المنكر المذكور. فإن الغرامات مزاجر من تعاطي الجنايات. والمراد بذكره: بيان أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علم في استتباع الثواب العظيم، بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه.
والحاصل: أن في المؤاخذة الدنيوية نفعًا لكلّ من المظاهر وغير المظاهر؛ بان يحصل للمُظاهر الكفارة والتدارك، ولغير المُظاهر الاحتياط والاجتناب. وقال الزجاج: معنى الآية: ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به؛ أي: إن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار، انتهى.
﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من جناية الظهار والتكفير ونحو ذلك من قليل وكثير ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم بظواهرها وبواطنها، ومجازيكم بها، فحافظوا حدود ما شرع لكم، ولا تخلوا بشيء منها.
والمعنى: أي إنه شرع لكم حكم الكفارة عند طلب العودة إلى المسيس ليكون ذلك زاجرًا لكم من ارتكاب المنكر، فإن الكفارة تمنع من وقوع الجرم. والله خبير بأعمالكم، لا يخفى عليه شيء منها، وهو مجازيكم بها، فانتهوا عن قول المنكر،
стр. 13289
وحافظوا على ما شرع لكم من الحدود، ولا تخلوا بشيء منها.
٤ - ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن التكفير بالإعتاق، فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي (١): فالمُظاهر الذي لم يجد الرقبة في ملكه وعجز عن قيمتها فاضلًا عمّا لا بدّ له منه من مسكن وثياب وقوت، والذي غاب ماله .. فهو واجد بأن كان فقيرًا وقت التكفير، وهو من حين العزم إلى أن تقرب الشمس من الغروب من اليوم الأخير مما صام فيه من الشهرين، فلا يتحقق العجز الحقيقي إلا بذلك.
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾؛ أي: فعليه صيام شهرين ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: متواليين ليس فيهما رمضان ولا الأيام الخمسة المحرم صومها؛ أي: يوما العيد وأيام التشريق الثلاثة فيصومهما بحيث لا يفصل يومًا عن يوم ولا شرًا عن شهر بالإفطار، فإن أفطر فيهما يومًا أو أكثر بعذر أو بغير عذر .. استأنف، ولم يحسب ما صام إلا بالحيض، كما سيأتي قال الشافعي ومالك وغيرهما: إن أفطر بعذر كمرض وسفر .. لا يستأنف بل يبني على ما صام؛ أي: فعليه صيام شهرين متتابعين ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؛ أي: من قبل أن يتجامع المظاهِر والمظاهَر منها، ليلًا أو نهارًا، عمدًا أو خطأ. ولو جامع زوجةً أخرى ناسيًا .. لا يستأنف، ولو أفطرت المرأة للحيض في كفّارة القتل أو الفطر في رمضان .. لا تستأنف، لكنها تصل صومها بأيام الحيض. وقال الشافعي: ولو وطىء ليلًا .. لا يستأنف؛ لأنه ليس محلًا للصوم. والأول أولى (٢). ثم إنه إن صام بالأهلة .. أجزأه، وإن صام ثمانية وخمسين؛ بأن كان كل من الشهرين ناقصًا، وإن صامها بغيرها .. فلا بد من ستين يومًا، حتى لو أفطر صبيحة تسعة وخمسين .. وجب عليه الاستئناف.
والمعنى: أي فمن لم يجد رقبة، ولا ثمنها فاضلًا عن قدر كفايته .. فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين من قبل التماس، فإن أفطر يومًا من الشهرين ولو اليوم الأخير ولو بعذر مرض أو سفر .. لزمه الاستئناف بصوم جديد لزوال التتابع.
﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ صيام شهرين متتابعين بسبب من الأسباب (٣)، كالهرم، والمرض المزمن؛ أي: الممتد الغير المرجو برؤه .. فإنه بمنزلة العاجز من كبر
стр. 13290
السن، وإن كان يرجى برؤه واشتدت حاجته إلى وطء امرأته .. فالمختار أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام، ولو كفر بالإطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام .. أجزأه. ومن الأعذار: الشبق المفرط، وهو: أن لا يصبر عن الجماع، فإنه ﷺ رخّص للأعرابي أن يعطي الفدية لأجله. ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾؛ أي: فعليه إطعام ستين مسكينًا من قبل أن يتماسا، حملًا للمطلق هنا على المقيد في الإعتاق والصيام عند غير أبي حنيفة، فيجب تقديمه على المسيس عند غيره، ولو وطىء في خلال الإطعام .. استأنف. وأما عند أبي حنيفة: فلا يستأنف؛ لأنه تعالى لم يذكر التماس مع الإطعام، وقيد المسكين اتفاقي؛ لجواز صرفه إلى غيره من مصارف الزكاة.
يقول الفقير: إنما خصّ المسكين بالذكر لكونه أحق بالصدقة من سائر مصارف الزكاة. وإطعام ستين مسكينًا يشمل ما كان حقيقيًا وما كان حكميًا؛ بأن يطعم واحدًا ستين يومًا، فإنه في حكم ستين مسكينًا، وإن أعطاه في يوم واحد وبدفعات لا يجوز على الصحيح.
والإطعام: جعل الغير طاعمًا، ففيه رمز إلى جواز التمليك والإباحة في الكفارة. والمسكين - ويفتح ميمه - من لا شيء له - أو له ما لا يكفيه وأسكنه الفقر؛ أي: قلل حركته - والذليل والضعيف.
أي: فعليه أن يطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين مدّان، وهما: نصف صاع. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قال الشافعي وغيره: لكل مسكين مدّ. والظاهر من الآية: أن يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم وبعضهم في يوم آخر.
والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدم ذكره من الأحكام. وهو مبتدأ خبره مقدر؛ أي: ذلك البيان والتعليم للأحكام، والتنبيه عليها واقع كائن، ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ويجوز أن يكون اسم الإشارة في محل النصب بفعل محذوف، والتقدير: فعلنا ذلك لتصدقوا بالله ورسوله، وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، وتقفوا عند حدود الشرع، ولا تتعدوها، ولا تعودوا إلى الظهار الذي هو منكر من القول.
стр. 13291
وإن قيل (١): إذا كان ترك الظهار مفروضًا فما بال الفقهاء يجعلونه بابًا في الفقه؟
أجيب: بأن الله تعالى، وإن أنكر الظهار وشنع على من تعوّد به من الجاهلين، إلا أنه تعالى وضع له أحكامًا يعمل بها من ابتلي به من الغافلين، فبهذا الاعتبار جعلوه بابًا ليبينوا تلك الأحكام، وزادوا قدر ما يحتاج إليه مع أن المحققين قالوا: إن أكثر الأحكام الشرعية للجهال؛ فإن الناس لو احترزوا عن سوء المقال والفعال .. لما احتيج إلى تكثير القيل والقال.
ودلّت الآية على أن الظهار أكثر خطأ من الحنث في اليمين، لكون كفارته أغلظ من كفارة الحنث. واللام في ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ للحكمة والمصلحة؛ لأنها إذا قارنت فعل الله تكون للمصلحة؛ لأنه الغني المطلق، وإذا قارنت فعل العبد تكون للغرض؛ لأنه المحتاج المطلق.
والإشارة في قوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ إلى الأحكام المذكورة، وهو مبتدأ خبره ﴿حُدُودُ اللهِ﴾؛ أي: وتلك الأحكام المذكورة من تحريم الظهار، وإيجاب العتق للواجد، وإيجاب الصوم لغير الواجد إن استطاع، وإيجاب الإطعام لمن لم يستطع .. حدود الله التي لا يجوز تعديها، وشرائعه الموضوعة لعباده التي لا يجوز تجاوزها إلى ما يخالفها. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الذين لا يقفون عند حدود الله، ولا يعملون بها، ولا يقبلونها ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم موجع. والأليم: بمعنى المؤلم، كالبديع بمعنى المبدع، أو بمعنى المتألم، لكن أسند مجازًا إلى العذاب مبالغةً، كأنه في الشدة بدرجة تتألم بها نفسه. وفي إثبات العذاب للكافرين حث للمؤمنين على قبول الطاعة. وعبر عن ترك العمل بمقتضى الظهار بالكفر للتغليظ على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ يعني: أن إطلاق الكفر لتأكيد الوجوب والتغليظ على تارك العمل، لا لأنه كفر حقيقة كما يزعمه الخوارج. قال بعضهم في قوله ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر"؛ أي: قارب الكفر، كما يقال: دخل البلدة، لمن قاربها.
стр. 13292
وختم الآية (١) هنا بـ ﴿أَلِيمٌ﴾، وفيما بعده بـ ﴿مُهِينٌ﴾؛ لأن الأول متصل بضده وهو الإيمان، فتوعدهم على الكفر بالعذاب الأليم الذي هو جزاء الكافرين، والثاني متصل بقوله: ﴿كُبِتُوا﴾، وهو الإذلال والإهانة، فوصف العذاب بمثل ذلك فقال: ﴿مُهِينٌ﴾.
والمعنى (٢): أي ذلك الذي بيناه لكم من وجوب الكفارة حين الظهار لتقروا بتوحيد الله، وتصدقوا رسوله، وتنتهوا عن قول الزور والكذب، وتتبعوا ما حده الدين من حدود الله، وبينه لكم من فرائض، وللجاحدين بهذه الحدود وغيرها من فرائض الله عذاب مؤلم على كفرهم بها. وأطلق اسم الكافر على متعدي هذه الحدود تغليظًا للزجر، كما مرّ آنفًا، كما قال في المتهاون في أداء فريضة الحج: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
والخلاصة (٣): أي ولمن جحد هذه الأحكام، وكذب بها عذاب أليم، فإن عجز عن جميع خصال الكفارة .. لم تسقط عنه، بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها، ولا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر، كما مرّ، فإن تهاون بالتكفير .. حال الإِمام بينه وبينها، وأجبره على التكفير وإن كان الإجبار بالضرب، ولا شيء من الكفّارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها؛ لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة، وامتناع من إيفاء حقها.
وروي (٤): أنه لما نزلت هذه الآيات الأربع تلاها رسول الله ﷺ ، فقال لأوس بن الصامت ﵁: "هل تستطيع عتق رقبة؟ " قال: إذن يذهب جلّ مالي، قال: "فصيام شهرين متتابعين" قال: يا رسول الله! إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات .. كلّ بصري وخشيت أن تعشو عيني، قال: "فإطعام ستين مسكينًا"، قال: لا، إلا أن تعينني عليه، قال: "أعينك بخمسة عشر صاعًا"، وأنا داعٍ لك بالبركة". وتلك البركة بقيت في آله، كما في "عين المعاني".
٥ - ولما ذكر سبحانه المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين، فقال: ﴿إنَّ
стр. 13293
الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: محمدًا ﷺ ؛ أي: يعادونهما، ويشاقونهما، ويخالفونهما فيما أمرا به ونهيا عنه. وقال الزجاج: المحادة أن تكون في حد يخالف صاحبك وأصلها: الممانعة. ومنه الحديد، ومنه: الحداد للبواب. وفي إيراد (١) المحادة في أثناء ذكر حدود الله دون المعاداة والمشاقة من حسن الموقع ما لا غاية وراءه.
وقال بعضهم في معنى الآية: إن الذين يحادون؛ أي: يضعون أو يختارون حدودًا غير حدودهما. ففيه وعيد عظيم للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أمورًا خلاف ما حده الشرع، وسموها: القانون والنظام.
﴿كُبِتُوا﴾؛ أي: أذلوا وأخزوا. وذلك كما وقع للمشركين يوم بدر، فإن الله كبتهم بالقتل والأسر والقهر. يقال: كبت الله فلانًا إذا أذله. وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا، وقال ابن زيد: عذبوا، وقاله السدي: لعنوا، وقال ابن الشيخ: يصلح لأن يكون دعاء عليهم وإخبارًا عما سيكون بالماضي لتحققه؛ أي: سيكبتون. ويدخل فيهم المنافقون والكافرون جميعًا. أما الكافرون: فمحادتهم في الظاهر والباطن. وأمّا المنافقون: ففي الباطن فقط.
﴿كَمَا كُبِتَ﴾ وأذل وأهلك وعذب ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية المعادين المحادين للرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل: أقوام نوح، وهود، وصالح وغيرهم. وكان السريّ - رحمه الله تعالى - يقول: عجبت من ضعيف عصى قويًا، فيقال له: كيف ذلك؟ ويقول: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
وجملة قوله: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ حال (٢) من واو ﴿كُبِتُوا﴾؛ أي: كبتوا لمحادّتهم الله ورسوله، والحال أنّا قد أنزلنا آياتٍ واضحات فيمن حاد الله ورسوله ممن قبلهم من الأمم، وفيما فعلنا بهم، أو آيات بينات تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به.
والسؤال بأنّ الإنزال نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وهو إنما يتصور في الأجسام والآيات التي هي من الكلام من الأعراض الغير القارّة، فكيف يتصور
стр. 13294
الإنزال فيها؟
يجاب عنه: بأن المراد منه إنزال من يتلقّف من الله ويرسل إلى عباده تعالى. فيسند إليها مجازًا لكونها المقصودة منه. أو المراد منه: الإيصال، والإعلام، على سبيل الاستعارة.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يذهب بعزهم وكبرهم، من الإهانة بمعنى التحقير. والمراد: عذاب الكبت الذي هو في الدنيا، فيكون ابتداء كلام، أو عذاب الآخرة، فيكون للعطف، بمعنى: أن لهم الكبت في الدنيا ولهم عذاب مهين في الآخرة، فهم معذبون في الدارين. وقال بعضهم: وصف الله تعالى العذاب الملحق بالكافرين أولًا بالإِسلام وثانيًا بالإهانة لأن الإيلام يلحق بهم أولًا ثم يهانون به، وإذا كانت الإهانة ما في الآخرة .. فالتقديم ظاهر، وقد سبق غير هذا.
ومعنى الآية (١): أي أن الذين يختارون لأنفسهم حدودًا غير ما حده الله ورسوله ويضعون شرائع غير ما شرعه الله سيلحقهم الخزي والنكال في الدنيا كما لحق من قبلهم من كفار الأمم الماضية الذين حادوا الله ورسله، وقد تحقق ذلك. وفي هذا بشارة عظيمة للمؤمنين بظهورهم على عدوهم ونصر الله لهم، كما أن فيه وعيدًا عظيمًا للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا قوانين وشرائع وضعية غير ما شرع الله، وألزموا رعاياهم العمل بها والجري على نهجها، وعينوا لذلك قضاةً يحكمون بها، ونبذوا ما جاء في شرعهم، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. نعم: إنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت باتفاق ذوي الآراء من أهل الحل والعقد على وجه يكون به انتظام شمل الجماعات، إذا كانت لا تخالف في أحكامها روح التشريع الديني؛ كتعيين مراتب التأديب للزجر عن المعاصي والجنايات التي لم ينص الشارع فيها على حدّ معين، بل فوض الأمر فيها للإمام، وليس في ذلك محادة لله ورسوله، بل فيها استيفاء لحق الله على الوجه الأكمل. وبالجملة: فلا بأس في النظام الذي لا يخالف روح الشرع، من ترتيب أحوال الداخلية والخارجية، مما لا بد منه في الحياة
стр. 13295
الاجتماعية.
﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: وكيف يفعلون ذلك، وقد أقمنا دلائل واضحات تبين معالم الشريعة، وتوضح حدودها، وتفصل أحكامها، وتبين سر تشريعها. فلا عذر لهم في مخالفتها، والانحراف عن سننها، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: وللجاحدين بتلك الآيات عذاب يذهب بعزهم وكبريائهم.
والخلاصة: أن لهؤلاء المحادين عذابًا في الدنيا بالخزي والهوان، وعذابًا في الآخرة في جهنم، وبئس القرار.
٦ - والظرف في قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب (١) باذكر المقدر تعظيمًا لذلك اليوم وتهويلًا، أو بـ ﴿مُهِينٌ﴾ أو بما تعلق به اللام من الاستقرار، أو بـ ﴿أَحْصَاهُ﴾ المذكور بعده، والمراد به: يوم القيامة؛ أي: واذكر لقومك - يا محمد - أهوال يوم يحييهم الله فيه بعد الموت للجزاء ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: كلهم، بحيث لا يبقى منهم أحد غير مبعوث، فيكون تأكيدًا للضمير، أو يبعثهم مجتمعين في حالة واحدة، فيكون حالًا منه. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾؛ أي: فيخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا من الأعمال القبيحة، ببيان صدورها منهم أو بتصويرها في تلك النشأة بما يليق بها من الصور الهائلة على رؤوس الأشهاد، توبيخًا لهم وتخجيلًا لهم، وتشهيرًا لحالهم وتشديدًا لعذابهم، ولتكميل الحجة عليهم، وإلا .. فلا فائدة في نفس الإنباء لينبهوا على ما صدر منهم.
وجملة قوله: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ مستأنفة (٢) واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: كيف ينبئهم بأعمالهم على كثرتها واختلاف أنواعها، وهي أعراض منقضية متلاشية؟ فقيل: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾؛ أي: أحصى الله سبحانه عمل عبده، وأحاط به عددًا، وحفظه كما عمله، لم يفت منه شيء، ولم يغب عنه. ﴿وَ﴾ الحال أنهم قد ﴿نَسُوهُ﴾؛ أي: نسوا عملهم، ولم يحفظوه؛ لكثرته أو لتهاونهم حين ارتكبوه لعدم اعتقادهم المجازاة؛ أي: وجدوه حاضرًا مكتوبًا في صحائف أعمالهم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: حاضر مطلع عليه، لا يغيب عنه أمر من
стр. 13296
الأمور، فالشهيد بمعنى الشاهد، من الشهود بمعنى الحضور. فالعاقل لا بد له من استحضار الذنوب، والبكاء عليها، وطلب التوبة من الله تعالى الذي يحصي كل شيء، ولا ينساه، قبل أن يجيء يوم يفتضح فيه المصرّ على رؤوس الأشهاد، ولا يقبل الدعاء والمعذرة من العباد.
ومعنى الآية (١): أي واذكر لهم - أيها الرسول - حالهم يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيخبرهم بما كسبت أيديهم تشهيرًا لهم وخزيًا على رؤوس الأشهاد، والله قد حفظه وضبطه، وهم قد نسوه، والله شهيد على كل شيء، فلا يغيب عنه شيء ولا ينسى شيئًا، وفي هذا شديد الوعيد والتقريع العظيم ليعرفوا أن ما حاق بهم من العذاب إنما كان من جزاء أعمالهم وقبيح أفعالهم.
٧ - ثم أكد ما سبق من إحاطة علمه تعالى بكل شيء، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ والاستفهام فيه تقريري. وفي "الروح": ﴿الهمزة﴾: فيه للإنكار المقرر بالرؤية لما أن الإنكار نفي معنيٌّ، ونفي النفي يقرر الإثبات، فتكون الرؤية ثابتة مقررة. والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل من يستحق الخطاب.
والمعنى (٢): ألم تعلم علمًا يقينيًا بمرتبة المشاهدة أنه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض من الموجودات، سواء كان بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما.
روي عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية. كانوا يومًا يتحدثون فقال أحدهم: أترى الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضًا، وقال الثالث: إن كان يعلم بعضه فهو يعلم كله - وصدق؛ لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها؛ لأنَّ كونه عالمًا بغير سبب ثابت له مع كل معلوم - فنزلت الآية.
وجملة قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ إلخ، مستأنفة لتقرير شمول علمه، وإحاطته بكل المعلومات. و ﴿ما﴾ نافية، و ﴿يَكُونُ﴾ تامة، بمعنى: يوجد ويقع. و ﴿مِن﴾ مقحمة، و ﴿نَجْوَى﴾ فاعله، وهو مصدر بمعنى التناجي، مضاف إلى فاعله؛
стр. 13297
أي: ما يقع تناجي ثلاثة نفر ومسارّتهم ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ﴿رَابِعُهُمْ﴾؛ أي: جاعلهم أربعة من حيث إنه تعالى يشاركهم في الاطلاع عليها، كما قال الحسين النوري: إلا هو رابعهم علمًا وحكمًا، لا نفسًا وذاتًا. وهو استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال؛ أي: ما يوجد في حال من الأحوال إلا في هذه الحال. وفي الكلام اعتبار التصيير. قال النصر أبادي: من شهد معيّة الحق معه .. زجره عن كل مخالفة وعن ارتكاب كل محذور، ومن لا يشاهد معيته .. فإنه متخط إلى الشبهات والمحارم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَكُونُ﴾ بالتحتية، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، والأعرج وأبو حيوة بالفوقية نظرًا إلى تأنيث النجوى، والتذكير على قراءة العامة؛ لأنه مسند إلى ﴿مِنْ نَجْوَى﴾ وهو يقتضي الجنس، وذلك مذكر، وليس الأكثر في هذا الباب التذكير؛ لأن ﴿من﴾ زائدة، فالفعل مسند إلى مؤنث، فالأكثر التأنيث، وهو القياس. قال تعالى: ﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. و ﴿نَجْوَى﴾: احتمل أن تكون مصدرًا مضافًا إلى ﴿ثَلَاثَةٍ﴾؛ أي: من تناجي ثلاثة، أو مصدرًا على حذف مضاف؛ أي: من ذوي نجوى، أو مصدرًا أطلق على الجماعة المتناجين؛ أي: ما يكون من جماعة متناجين. فـ ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ على هذين التقديرين قال ابن عطية: بدل أو صفة. وقرأ ابن أبي عبلة ثلاثة وخمسة بالنصب على الحال، والعامل ﴿يتناجون﴾ مضمرة، يدل عليه ﴿نَجْوَى﴾. قال الفراء (٢): ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ نعت للنجوى فانخفضت وإن شئت أضفت ﴿نَجْوَى﴾ إليها، ولو نصبت على إضمار فعل .. جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة. ويجوز رفع ثلاثة على البدل من موضع نجوى.
﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾؛ أي: ولا نجوى خمسة نفر ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه ﴿سَادِسُهُمْ﴾؛ أي: إلا وهو تعالى جاعلهم ستة في الاطلاع على ما وقع بينهم. وتخصيص (٣) العددين بالذكر لخصوص الواقعة؛ لأن المنافقين المجتمعين في النجوى كانوا مرة ثلاثة وأخرى خمسة، ويقال: إن التشاور غالبًا إنما يكون من ثلاثة إلى ستة ليكونوا أقل لفظًا وأجدر رأيًا وأكتم سرًا، ولذا ترك عمر ﵁ حين علم بالموت
стр. 13298
أمر الخلافة شورى بين ستة؛ أي: على أن يكون أمر الخلافة بين ستة ومشاورتهم واتفاق رأيهم. قال الفراء: العدد غير مقصود؛ لأنه سبحانه مع كل عدد قل أو كثر يعلم السر والجهر، لا تخفى عليه خافية، ولذا عمم الحكم، فقال: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ...﴾ إلخ؛ أي: ولا يكون نجوى عدد أقل مما ذكر من الثلاثة كالاثنين والواحد، فإن الواحد أيضًا يناجي نفسه ﴿وَلَا﴾ نجوى ﴿أَكْثَرَ﴾ من ذلك المذكور من الخمسة كالستة والسبعة ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه ﴿مَعَهُمْ﴾؛ أي: مع المتناجين بالعلم والسماع، يعلم ما يتناجون به، ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم، ومحاضرهم، تعالى الله عن المشاهدة والحضور معهم حضورًا جسمانيًا. ومما يدل على أن المراد بالمعية، معية العلم لا معيّة الذات: أنه تعالى بدأ الآية بالعلم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾. ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾؛ أي: في أي مكان كانوا فيه من الأماكن، ولو كانوا تحت الأرض، فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قربًا وبعدًا.
وفي "كشف ما يلتبس من القرآن": إن قلت: لِمَ خص (١) الثلاثة والخمسة بالذكر؟
قلت: لأن قومًا من المنافقين تحلقوا للتناجي فيما بينم، يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك، وكانوا بعدة العدد المذكور، فلما طال ذلك، وكثر .. شكوا إلى رسول الله ﷺ ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآيات بصفة حالهم عند تناجيهم. أو لأن الفرد أشرف من الزوج؛ لأنه الله تعالى، وتر يحب الوتر، فخصص العددان المذكوران بالذكر تنبيهًا على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور، ثم بعد ذكرهما زيد عليهما ما يعم غيرهما من المتناجين بقوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ تعميمًا للفائدة، انتهى بزيادة فيه.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ بالجر بالفتحة عطفًا على لفظ ﴿نَجْوَى﴾. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، والأعمش، وأبو حيوة، وسلام، ويعقوب، وأبو العالية، ونصر، وعيسى بن عمر بالرفع عطفًا على محل ﴿نَجْوَى﴾ إن أريد به
стр. 13299
المتناجون. ومن جعله مصدرًا محضًا فعلى حذف مضاف؛ أي: ولا نجوى أدنى أو أكثر ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه. ويجوز أن يكون ﴿وَلَا أَدْنَى﴾ مبتدأ والخبر ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾. فهو من عطف الجمل. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ بالمثلثة. وقرأ الحسن أيضًا، ومجاهد، والخليل بن أحمد، ويعقوب أيضًا ﴿ولا أكبر﴾ بالباء الموحدة والرفع، واحتمل الإعرابين: العطف على الموضع، والرفع بالابتداء.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: ثم بعد بعثهم يخبرهم بالذي عملوه في الدنيا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفضيحًا لهم، وإظهارًا لما يوجب عذابهم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المعلومات ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: مبالغ في علمه، لا يخفى عليه شيء كائنًا ما كان. وقرىء: ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ بالتخفيف والهمز. وقرأ زيد بن علي بالتخفيف وترك الهمز وكسر الهاء، والجمهور بالتشديد والهمز وضم الهاء.
ومجمل معنى الآية (٢): أي ألم تعلم أنه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، فلا يتناجى ثلاثة إلا والله معهم ويعلم ما يقولون وما يدبرون ولا خمسة إلا وهو سادسهم يعلم ما به يتناجون، ولا نجوى أكثر من هذه الأعداد، ولا أقل منها إلا وهو عليم بها وعليم بزمانها ومكانها، لا يخفى عليه شيء من أمرها. وإنما خص هذه الأعداد لأن أقل ما لا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تدبير المصالح العامة ثلاثة، فيكون الاثنان كالمتنازعين نفيًا وإثباتًا، والثالث كالحكم بينهما، وحينئذٍ تكمن المشورة ويتم الغرض، وهكذا في كل جمع اجتمعوا للمشورة لا بد من واحد يكون حكمًا مقبول القول، ومن ثم يكون عدد رجال المشورة فردًا، كما جاء في الآية ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ...﴾ إلخ؛ أي: ثم ينبىء هؤلاء المتناجين بما عملوا من عمل يحبه أو يسخطه يوم القيامة، وإنه لعليم بنجواهم وإسرارهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم.
٨ - وقد علمت أن هذا الإنباء إنما هو لزيادة التقريع والتوبيخ على مرأى ومسمع من أهل الموقف، فيكون ذلك أنكى وأشد إيلامًا لهم. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تنظر يا محمد ﴿إِلَى الَّذِينَ نُهُوا﴾ ومنعوا ﴿عَنِ النَّجْوَى﴾ والمحادثة فيما بينهم دون المؤمنين
стр. 13300
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ ويرجعون ﴿لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من تلك النجوى مرة بعد مرة إيقاعًا للحزن في قلوب المؤمنين، وإيهامًا لهم بأنّهم يتشاورون عليهم وهؤلاء هم من تقدم ذكرهم من اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم، ويتحلقون ثلاثة وخمسة ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله ﷺ ثم عادوا لمثل فعلهم والخطاب (١) للرسول ﷺ و ﴿الهمزة﴾: للتعجب من حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة. قال أبو سعيد الخدري ﵁: خرج ﷺ ذات ليلة ونحن نتحدث، فقال: "ما هذه النجوى، ألم تنهوا عن النجوى"؟ فقلنا: تبنا إلى الله إنا كنا في حديث الدجال، قال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم منه؟ والشرك الخفي" يعني: المراءاة.
﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما هو إثم في نفسه، كالكذب ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ للمؤمنين ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾؛ أي: ومخالفة الرسول ﷺ . وهو معطوف على قوله: ﴿يَعُودُونَ﴾، داخل في حكمه، وبيان لما نهوا عنه لضرره في الدين؛ أي: يتحدثون سرًا بما هو إثم في نفسه، وعدوان للمؤمنين، وتواص بمعصية الرسول. والعدوان: الظلم والجور، والمعصية: خلاف الطاعة، كما سيأتي.
فائدة: رسمت ﴿معصيت﴾ هذه والتي بعدها بالتاء المبسوطة، وإذا وقف عليها فأبو عمرو، وابن كثير والكسائي يقفون بالهاء، غير أن الكسائي يقف بالإمالة على أصله، والباقون يقفون بالتاء على الرسم، واتفقوا في الوصل على التاء. اهـ. "خطيب".
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يتناجون﴾ بوزن يتفاعلون، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وأبو حاتم لقوله فيما بعد: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾. وقرأ حمزة، وخلف، وورش عن يعقوبـ ﴿وينتجون﴾ بوزن يفتعلون مضارع ﴿انتجى﴾ وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه. وحكى سيبويه: أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو: تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا واقتتلوا. وقرأ الجمهور ﴿وَمَعْصِيَتِ﴾ بالإفراد. وقرأ الضحاك وحميد ومجاهد: ﴿ومعصيات﴾ بالجمع.
стр. 13301
﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾؛ أي: وإذا جاءك يا محمد هؤلاء المتناجون من اليهود ﴿حَيَّوْكَ﴾؛ أي: خاطبوك، وعظّموك، وسلموك ﴿بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أي: بشيء لم يقع من الله أن يحييك به؛ أي: بتحية لم يأذن الله فيه أن يقال لك، فيقولون: السام عليك؛ أي: إنهم يقولون إذا جاؤوك في تحيتهم إياك: السام عليك يا محمد، وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليك، فيرد النبي ﷺ فيقول: "عليكم" - بدون الواو -. ورواية: "وعليكم" بالواو خطأ، كذا في "عين المعاني". والسام بلغة اليهود: الموت. أو يقولون: أنعم صباحًا، وهو تحية الجاهلية، من النعومة؛ أي: ليصر صباحك ناعمًا لينًا لا بؤس فيه. والله يقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، ﴿أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾.
واختلفوا في رد السلام على أهل الذمة (١): فقال ابن عباس، والشعبي وقتادة: هو واجب؛ لظاهر الأمر بذلك. وقال مالك: ليس بواجب فإدن رددت فقل: عليك. وقال بعضهم: يقول في الرد: علاك السلام؛ أي: ارتفع عنك. وقال بعض المالكية: يقول في الرد: السلام عليك - بكسر السين -، يعني: الحجارة.
﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: فيما بينهم إذا خرجوا من عندك ﴿لَوْلَا﴾ تحضيضية؛ أي: هلا ﴿يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ لمحمد؛ أي: هلا يغضب علينا، ويقهرنا بجزائنا على الدعاء بالشر على محمد لو كان نبيًا حقًا، وقيل: المعنى: لو كان نبيًا .. لاستجيب له فينا حيث يقول: وعليكم ووقع علينا الموت عند ذلك.
﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا، مبتدأ وخبر (٢)؛ أي: محسبهم وكافيهم جهنم في التعذيب، من أحسبه إذ كفاه. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يدخلونها ويقاسون حرها لا محالة، وإن لم يعجل تعذيبهم لحكمة. والمراد: الاستهزاء بهم، والاستخفاف بشأنهم لكفرهم وعدم إيمانهم ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ والمرجع لهم، والمخصوص بالذم ﴿جَهَنَّمُ﴾. قال في "برهان القرآن": الإتيان بالفاء لما فيه من معنى التعقيب؛ أي: فبئس المصير ما صاروا إليه، وهو جهنم، انتهى. وقال بعض المفسرين: وقولهم ذلك من جملة ما غفلوا عمّا عندهم من العلم، فإنهم كانوا أهل كتاب يعلمون أن
стр. 13302
بعض الأنبياء قد عصاه أمته وآذوه، ولم يعجل تعذيبهم لحكمة ومصلحة، علمها عند الله تعالى، انتهى.
ثم إن الله سبحانه يستجيب دعاء الرسول ﵇، كما روي: أن عائشة ﵂ سمعت قول اليهود، فقالت: عليكم السام والذام واللعن، فقال ﵇: "يا عائشة ارفقي؛ فإن الله يحب الرفق في كل شيء، ولا يحب الفحش والتفحش، أما سمعت ما رددت عليهم فقلت: عليكم، فيستجاب لي فيهم".
والمعنى: أي يفعلون ذلك، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وهم يريدون شتمه، ويحدثون أنفسهم أنه لو كان نبيًا حقًا لعذبنا الله بما نقول؛ لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان نبيًا حقًا .. لعاجلنا بالعقوبة في الدنيا، فرد الله عليهم بقوله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: وإن جهنم وما فيها من العذاب الأليم لكافية لعقابهم ونكالهم، وقد أجّل عذابهم إلى هذا اليوم.
٩ - ثم قال تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين: أن لا يكونوا مثل اليهود والمنافقين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم وقلوبهم ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ وتحدثتم في أنديتكم وخلواتكم ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾؛ أي: لا تتحدثوا ﴿بِالْإِثْمِ﴾ والكذب، والمكر، والكيد بالرسول ﷺ ﴿و﴾ لا بـ ﴿الْعُدْوَانِ﴾ على المؤمنين باللمز والطعن والتعيير بهم ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: ولا بمعصية الرسول ومخالفته، كما يفعله المنافقون واليهود. ثم بين لهم ما يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم فقال: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ أي: بما يتضمن خير المؤمنين ﴿وَالتَّقْوَى﴾ أي: وبما يتضمن الإتقاء عن معصية الرسول ﷺ . قال سهل ﵀: وتناجوا بذكر الله وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾. وأدغم ابن محيصن التاء في التاء وقرأ الكوفيون، والأعمش، وأبو حيوة، وروش: ﴿فلا تنتجوا﴾ مضارع انتجى. وقرأ الجمهور بضم عين ﴿العدوان﴾، وأبو حيوة بكسرها حيث وقع. وقرأ الضحاك: ﴿ومعصيات الرسول﴾ بالجمع، والجمهور على الإفراد. وقرأ عبد الله: ﴿إذا انتجيتم
стр. 13303
فلا تنتجوا﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا أيها المؤمنون عقاب الله ﴿الَّذِي إِلَيْهِ﴾ وحده ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غيره استقلالًا، ولا اشتراكًا فيجازيكم بكل ما تأتون وما تذرون.
والمعنى (١): أي إذا حدث منكم - أيها المؤمنون - تناج ومسارّة في أنديتكم وخلواتكم .. فلا تفعلوا كما يفعل أولئك الكفار من أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، وتناجوا بما هو خير، واتقوا الله فيما تأتون وما تذرون، فإليه تحشرون فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها.
ودلت الآية (٢) على أن التناجي ليس بمنهي عنه مطلقًا، بل مأمور به في بعض الوجوه، إيجابًا واستحبابًا وإباحة، على مقتضى المقام.
فإن قيل: كيف يأمر الله بالاتقاء عنه، وهو المولى الرحيم، والقرب منه ألذ المطالب، والأنس به أقصى المآرب، فالتقوى توجب الاجتناب، والحشر إليه يستدعي الإقبال إليه؟
يجاب عنه: بأن في الكلام مضافًا؛ إذ التقدير: واتقوا عذاب الله، أو قهر الله، أو غيرهما.
فإن قيل: إن العبد لو قدر على الخلاص من العذاب والقهر لأسرع إليه، لكنه ليس بقادر عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والأمر إنما يكون بالمقدور ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؟
أجيب عنه: بأن المراد: الاتقاء عن السبب من الذنوب والمعاصي الصادرة عن العبد العاصي، فالمراد: اتقوا ما يفضي إلى عذاب الله، ويقتضي قهره في الدارين، من الإثم والعدوان ومعصية الرسول التي هي السبب الموجب لذلك. فالمراد: النهي عن مباشرة الأسباب، والأمر بالاجتناب عنها.
وإن قيل: إن ذلك الاتقاء إنما يكون بتوفيق الله له، فإن وفق العبد له فلا حاجة إلى الأمر به، وإن لم يوفقه فلا قدرة له عليه، والأمر إنما يحسن في
стр. 13304
المقدور؟
أجيب: بأنه تعالى علَّمَهُ الحق أولًا، ووهب له إرادةً جزئية يقدر بها على اختيار شيء، فله الاختيار السابق على إرادة الله تعالى، ووجود الاختيار في الفاعل المختار أمر يطلع عليه كل أحد حتى الصبيان، والله أعلم.
١٠ - ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي هو من جهة الشيطان، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول بقرينة قوله: ﴿لِيَحْزُنَ﴾. ولأن ﴿أل﴾ فيه للعهد. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ لا من غيره، فإنه المزين لها، والحامل عليها فكأنها منه؛ أي: من تزيينه وتسويله. ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خبر آخر (١). من الحُزن - بضم - فسكون متعد من الباب الأول، من الحَزَن بفتحتين لازمًا من الباب الرابع؛ كقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. فيكون الموصول مفعوله. قال الراغب: والحُزن: خشونة في النفس، لما يحصل فيها من الغمّ، ويضاده الفرح.
والمعنى: إنما هي ليجعل الشيطانُ المؤمنين محزونين بتوهمهم أنهم في نكبة أصابتهم في سيرتهم، يعني: أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا متألمين، بذلك فاترين في تدبير الغزو، إلى غير ذلك مما يشوش قلوب المؤمنين. وفي الحديث: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه". متفق عليه.
﴿وَلَيْسَ﴾؛ أي: الشيطان أو التناجي ﴿بِضَارِّهِمْ﴾؛ أي: بالذي يضر المؤمنين ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء أو شيئًا من الضرر ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ ، أي: إلا بمشيئته وإرادته؛ أي: ما أراده من حزن أو وسوسة. وفي "الكشاف" ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بمشيئته، وهو: أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة.
والمعنى: أي إنما فعل ذلك ليسوء المؤمنين بإيهامهم أن ذلك في نكبة أصابتهم وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئًا إلا بإرادة الله ومشيئته.
﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه خاصة ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليعتمد المؤمنون عليه
стр. 13305
تعالى في شؤونهم، وليفوضوا أمورهم إليه، وليثقوا به، ولا يبالوا بنجوى أعدائهم، فإنه تعالى يعصمهم من شرها وضررها، فينبغي للعبد التوكل التام، فإن المؤثر في كل شيء هو الله تعالى.
والمعنى (١): أي إن ما يتناجى به المنافقون مما يحزن المؤمنين - إن وقع - فإنما يكون بإرادة الله ومشيئته، فلا يكترثن المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلن على الله ولا يحزنن، فإن من قول عليه لا يخيب أمله، ولا يبطل سعيه.
١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المخلصين ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ من أي قائل كان من الإخوان ﴿تَفَسَّحُوا﴾؛ أي: توسعوا ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾؛ أي: في أماكن الجلوس، متعلق بـ ﴿تَفَسَّحُوا﴾، وقال في "الإرشاد": متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾، والأول أولى؛ لأن التفسح يتعدى بـ (في). ﴿فَافْسَحُوا﴾؛ أي: فوسعوا وأنتم جالسون أو قائمون. يقال: أفسح عني، تنح وتباعد عني. ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿لَكُمْ﴾ في الجنة، أو في كل ما تريدون التفسح فيه من الرزق، والصدر، والقبر، وغيرها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أمرهم الله سبحانه بحسن الأدب مع بعضهم بعضًا بالتوسعة في المجلس وعدم التضايق فيه.
والآية عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان مجلس رسول الله ﷺ وكانوا يتضامُّون فيه تنافسًا في القرب منه ﷺ وحرصًا على استماع كلامه أو مجلس حرب إذا اصطفوا للقتال كانوا يتشاحون على الصف الأول، فلا يوسع بعضهم لبعض ويأتي الرجل الصف ويقول: تفسحوا، ويأبون لحرصهم على الشهادة، أو مجلس ذكر، أو مجلس يوم الجمعة. وإن كل واحدٍ، وإن كان أحق بالمكان الذي سبق إليه لكنه يوسع لأخيه ما لم يتأذ لذلك، فيخرجه الضيق من موضعه. وفي الحديث: "لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا".
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَفَسَّحُوا﴾. وداوود بن أبي هند، وقتادة، وعيسى: ﴿تفاسحوا﴾. وقرأ الجمهور: ﴿في المجلس﴾ بالإفراد. قرأ السلمي، وزر بن