← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13301–13340 · переход к 13306.

стр. 13301

﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾؛ أي: وإذا جاءك يا محمد هؤلاء المتناجون من اليهود ﴿حَيَّوْكَ﴾؛ أي: خاطبوك، وعظّموك، وسلموك ﴿بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أي: بشيء لم يقع من الله أن يحييك به؛ أي: بتحية لم يأذن الله فيه أن يقال لك، فيقولون: السام عليك؛ أي: إنهم يقولون إذا جاؤوك في تحيتهم إياك: السام عليك يا محمد، وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليك، فيرد النبي ﷺ فيقول: "عليكم" - بدون الواو -. ورواية: "وعليكم" بالواو خطأ، كذا في "عين المعاني". والسام بلغة اليهود: الموت. أو يقولون: أنعم صباحًا، وهو تحية الجاهلية، من النعومة؛ أي: ليصر صباحك ناعمًا لينًا لا بؤس فيه. والله يقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، ﴿أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾. واختلفوا في رد السلام على أهل الذمة (١): فقال ابن عباس، والشعبي وقتادة: هو واجب؛ لظاهر الأمر بذلك. وقال مالك: ليس بواجب فإدن رددت فقل: عليك. وقال بعضهم: يقول في الرد: علاك السلام؛ أي: ارتفع عنك. وقال بعض المالكية: يقول في الرد: السلام عليك - بكسر السين -، يعني: الحجارة. ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: فيما بينهم إذا خرجوا من عندك ﴿لَوْلَا﴾ تحضيضية؛ أي: هلا ﴿يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ لمحمد؛ أي: هلا يغضب علينا، ويقهرنا بجزائنا على الدعاء بالشر على محمد لو كان نبيًا حقًا، وقيل: المعنى: لو كان نبيًا .. لاستجيب له فينا حيث يقول: وعليكم ووقع علينا الموت عند ذلك. ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا، مبتدأ وخبر (٢)؛ أي: محسبهم وكافيهم جهنم في التعذيب، من أحسبه إذ كفاه. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يدخلونها ويقاسون حرها لا محالة، وإن لم يعجل تعذيبهم لحكمة. والمراد: الاستهزاء بهم، والاستخفاف بشأنهم لكفرهم وعدم إيمانهم ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ والمرجع لهم، والمخصوص بالذم ﴿جَهَنَّمُ﴾. قال في "برهان القرآن": الإتيان بالفاء لما فيه من معنى التعقيب؛ أي: فبئس المصير ما صاروا إليه، وهو جهنم، انتهى. وقال بعض المفسرين: وقولهم ذلك من جملة ما غفلوا عمّا عندهم من العلم، فإنهم كانوا أهل كتاب يعلمون أن

стр. 13302

بعض الأنبياء قد عصاه أمته وآذوه، ولم يعجل تعذيبهم لحكمة ومصلحة، علمها عند الله تعالى، انتهى. ثم إن الله سبحانه يستجيب دعاء الرسول ﵇، كما روي: أن عائشة ﵂ سمعت قول اليهود، فقالت: عليكم السام والذام واللعن، فقال ﵇: "يا عائشة ارفقي؛ فإن الله يحب الرفق في كل شيء، ولا يحب الفحش والتفحش، أما سمعت ما رددت عليهم فقلت: عليكم، فيستجاب لي فيهم". والمعنى: أي يفعلون ذلك، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وهم يريدون شتمه، ويحدثون أنفسهم أنه لو كان نبيًا حقًا لعذبنا الله بما نقول؛ لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان نبيًا حقًا .. لعاجلنا بالعقوبة في الدنيا، فرد الله عليهم بقوله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: وإن جهنم وما فيها من العذاب الأليم لكافية لعقابهم ونكالهم، وقد أجّل عذابهم إلى هذا اليوم. ٩ - ثم قال تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين: أن لا يكونوا مثل اليهود والمنافقين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم وقلوبهم ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ وتحدثتم في أنديتكم وخلواتكم ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾؛ أي: لا تتحدثوا ﴿بِالْإِثْمِ﴾ والكذب، والمكر، والكيد بالرسول ﷺ ﴿و﴾ لا بـ ﴿الْعُدْوَانِ﴾ على المؤمنين باللمز والطعن والتعيير بهم ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: ولا بمعصية الرسول ومخالفته، كما يفعله المنافقون واليهود. ثم بين لهم ما يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم فقال: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ أي: بما يتضمن خير المؤمنين ﴿وَالتَّقْوَى﴾ أي: وبما يتضمن الإتقاء عن معصية الرسول ﷺ . قال سهل ﵀: وتناجوا بذكر الله وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾. وأدغم ابن محيصن التاء في التاء وقرأ الكوفيون، والأعمش، وأبو حيوة، وروش: ﴿فلا تنتجوا﴾ مضارع انتجى. وقرأ الجمهور بضم عين ﴿العدوان﴾، وأبو حيوة بكسرها حيث وقع. وقرأ الضحاك: ﴿ومعصيات الرسول﴾ بالجمع، والجمهور على الإفراد. وقرأ عبد الله: ﴿إذا انتجيتم

стр. 13303

فلا تنتجوا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا أيها المؤمنون عقاب الله ﴿الَّذِي إِلَيْهِ﴾ وحده ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غيره استقلالًا، ولا اشتراكًا فيجازيكم بكل ما تأتون وما تذرون. والمعنى (١): أي إذا حدث منكم - أيها المؤمنون - تناج ومسارّة في أنديتكم وخلواتكم .. فلا تفعلوا كما يفعل أولئك الكفار من أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، وتناجوا بما هو خير، واتقوا الله فيما تأتون وما تذرون، فإليه تحشرون فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها. ودلت الآية (٢) على أن التناجي ليس بمنهي عنه مطلقًا، بل مأمور به في بعض الوجوه، إيجابًا واستحبابًا وإباحة، على مقتضى المقام. فإن قيل: كيف يأمر الله بالاتقاء عنه، وهو المولى الرحيم، والقرب منه ألذ المطالب، والأنس به أقصى المآرب، فالتقوى توجب الاجتناب، والحشر إليه يستدعي الإقبال إليه؟ يجاب عنه: بأن في الكلام مضافًا؛ إذ التقدير: واتقوا عذاب الله، أو قهر الله، أو غيرهما. فإن قيل: إن العبد لو قدر على الخلاص من العذاب والقهر لأسرع إليه، لكنه ليس بقادر عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والأمر إنما يكون بالمقدور ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؟ أجيب عنه: بأن المراد: الاتقاء عن السبب من الذنوب والمعاصي الصادرة عن العبد العاصي، فالمراد: اتقوا ما يفضي إلى عذاب الله، ويقتضي قهره في الدارين، من الإثم والعدوان ومعصية الرسول التي هي السبب الموجب لذلك. فالمراد: النهي عن مباشرة الأسباب، والأمر بالاجتناب عنها. وإن قيل: إن ذلك الاتقاء إنما يكون بتوفيق الله له، فإن وفق العبد له فلا حاجة إلى الأمر به، وإن لم يوفقه فلا قدرة له عليه، والأمر إنما يحسن في

стр. 13304

المقدور؟ أجيب: بأنه تعالى علَّمَهُ الحق أولًا، ووهب له إرادةً جزئية يقدر بها على اختيار شيء، فله الاختيار السابق على إرادة الله تعالى، ووجود الاختيار في الفاعل المختار أمر يطلع عليه كل أحد حتى الصبيان، والله أعلم. ١٠ - ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي هو من جهة الشيطان، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول بقرينة قوله: ﴿لِيَحْزُنَ﴾. ولأن ﴿أل﴾ فيه للعهد. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ لا من غيره، فإنه المزين لها، والحامل عليها فكأنها منه؛ أي: من تزيينه وتسويله. ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خبر آخر (١). من الحُزن - بضم - فسكون متعد من الباب الأول، من الحَزَن بفتحتين لازمًا من الباب الرابع؛ كقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. فيكون الموصول مفعوله. قال الراغب: والحُزن: خشونة في النفس، لما يحصل فيها من الغمّ، ويضاده الفرح. والمعنى: إنما هي ليجعل الشيطانُ المؤمنين محزونين بتوهمهم أنهم في نكبة أصابتهم في سيرتهم، يعني: أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا متألمين، بذلك فاترين في تدبير الغزو، إلى غير ذلك مما يشوش قلوب المؤمنين. وفي الحديث: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه". متفق عليه. ﴿وَلَيْسَ﴾؛ أي: الشيطان أو التناجي ﴿بِضَارِّهِمْ﴾؛ أي: بالذي يضر المؤمنين ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء أو شيئًا من الضرر ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ ، أي: إلا بمشيئته وإرادته؛ أي: ما أراده من حزن أو وسوسة. وفي "الكشاف" ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بمشيئته، وهو: أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة. والمعنى: أي إنما فعل ذلك ليسوء المؤمنين بإيهامهم أن ذلك في نكبة أصابتهم وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئًا إلا بإرادة الله ومشيئته. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه خاصة ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليعتمد المؤمنون عليه

стр. 13305

تعالى في شؤونهم، وليفوضوا أمورهم إليه، وليثقوا به، ولا يبالوا بنجوى أعدائهم، فإنه تعالى يعصمهم من شرها وضررها، فينبغي للعبد التوكل التام، فإن المؤثر في كل شيء هو الله تعالى. والمعنى (١): أي إن ما يتناجى به المنافقون مما يحزن المؤمنين - إن وقع - فإنما يكون بإرادة الله ومشيئته، فلا يكترثن المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلن على الله ولا يحزنن، فإن من قول عليه لا يخيب أمله، ولا يبطل سعيه. ١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المخلصين ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ من أي قائل كان من الإخوان ﴿تَفَسَّحُوا﴾؛ أي: توسعوا ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾؛ أي: في أماكن الجلوس، متعلق بـ ﴿تَفَسَّحُوا﴾، وقال في "الإرشاد": متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾، والأول أولى؛ لأن التفسح يتعدى بـ (في). ﴿فَافْسَحُوا﴾؛ أي: فوسعوا وأنتم جالسون أو قائمون. يقال: أفسح عني، تنح وتباعد عني. ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿لَكُمْ﴾ في الجنة، أو في كل ما تريدون التفسح فيه من الرزق، والصدر، والقبر، وغيرها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أمرهم الله سبحانه بحسن الأدب مع بعضهم بعضًا بالتوسعة في المجلس وعدم التضايق فيه. والآية عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان مجلس رسول الله ﷺ وكانوا يتضامُّون فيه تنافسًا في القرب منه ﷺ وحرصًا على استماع كلامه أو مجلس حرب إذا اصطفوا للقتال كانوا يتشاحون على الصف الأول، فلا يوسع بعضهم لبعض ويأتي الرجل الصف ويقول: تفسحوا، ويأبون لحرصهم على الشهادة، أو مجلس ذكر، أو مجلس يوم الجمعة. وإن كل واحدٍ، وإن كان أحق بالمكان الذي سبق إليه لكنه يوسع لأخيه ما لم يتأذ لذلك، فيخرجه الضيق من موضعه. وفي الحديث: "لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا". وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَفَسَّحُوا﴾. وداوود بن أبي هند، وقتادة، وعيسى: ﴿تفاسحوا﴾. وقرأ الجمهور: ﴿في المجلس﴾ بالإفراد. قرأ السلمي، وزر بن

стр. 13306

حبيش، وعاصم ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ على الجمع؛ لأن لكل واحد منهم مجلسًا في بيت رسول الله ﷺ . وقرىء ﴿في المجلس﴾ بفتح اللام، وهو الجلوس؛ أي: توسعوا في جلوسكم، ولا تتضايقوا فيه. والمعنى: أي يا أيها الذين آمنوا بالله، وصدقوا برسوله إذا قيل لكم: توسعوا في مجالس رسول الله ﷺ أو في مجالس القتال .. فافسحوا يفسح الله في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في قلوبكم، أو في الدنيا والآخرة، أقوال. أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله ﷺ يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناسٌ، منهم: ثابت بن قيس، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي ﷺ ، ثم سلموا على القوم، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فقال لبعض من حوله: "قم يا فلان قم يا فلان" فأقام نفرًا بمقدار من قدم، فشق ذلك عليهم، وعرفت كراهيته في وجوههم، وطعن المنافقون وقالوا: والله ما عدل محمد على هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه أقامهم وأجلس من أبطأ عنه. فنزلت الآية. ويستفاد من الآية أمور (١): ١ - أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من مجلس رسول الله ﷺ لسماع حديثه؛ لما فيه من الخير العميم والفضل العظيم، ومن ثم قال ﷺ : "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى". ٢ - الأمر بالتفسح في المجالس، وعدم التضام فيها متى وجد إلى ذلك سبيل؛ لأن ذلك يدخل المحبة في القلوب، والاشتراك في سماع أحكام الدِّين. ٣ - أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة .. وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة. وبالجملة: فالآية تشتمل التوسع في إيصال جميع أنواع الخير إلى المسلم، وإدخال السرور عليه ومن ثم قال ﷺ : "لا يزال الله في عون

стр. 13307

العبد ما دام العبد في عون أخيه". ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لكم أيها المؤمنون، سواء كان القائل رسول الله ﷺ أو غيره ﴿انْشُزُوا﴾ مِنْ نشز الرجل إذا نهض وارتفع في المكان؛ أي (١): وإذا قيل لكم: قوموا للتوسعة على المقبلين؛ أي: على من جاء بعدكم .. ﴿فَانْشُزُوا﴾؛ أي: فارتفعوا وقوموا؛ يعني: إذا كثرت المزاحمة، وكانت بحيث لا تحصل التوسعة، بتنحي أحد الشخصين عن الآخر حال قعود الجماعة وقيل: قوموا جميعًا، تفسحوا حال القيام .. فانشزوا وانهضوا، ولا تثاقلوا عن القيام. أو إذا قيل لكم: قوموا عن مواضعكم فانتقلوا منها إلى موضع آخر لضرورة داعية إليه .. أطيعوا من أمركم به، وقوموا من مجالسكم وتوسعوا لإخوانكم. ويؤيده: أنه ﷺ كان يكرم أهل بدر، فأقبلت جماعة، منهم: ثابت بن قيس، فلم يوسعوا لهم ... إلى آخر ما مر في الحديث السابق آنفًا. فأنزل الله الآية، فالقائل هو الرسول ﷺ . ويقال: وإذا قيل: انشزوا - أي: انهضوا - عن مجلس رسول الله؛ أي: أمرتم بالنهوض عنه .. فانهضوا، ولا تملوا رسول الله ﷺ بالارتكان فيه. أو قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة، أو إلى الجهاد، أو الشهادة أو غير ذلك من أعمال الخير .. انهضوا لا تفرطوا، فالقائل يعم الرسول وغيره. والظاهر (٢): حمل الآية على العموم، والمعنى: إذا قيل لكم: انهضوا إلى أمر من الأمور الدينية .. فانهضوا، ولا تتثاقلوا. ولا يمنع من حملها على العموم كون السبب خاصًا، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو الحق. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، وابن عامر، ونافع، وحفص بضم الشين في الموضعين. وقرأ الحسن، والأعمش، وطلحة، وباقي السبعة بكسرها فيهما. وهما لغتان بمعنى واحد. وقال المراغي: والمعنى (٣): أي وإذا دعيتم إلى القيام عن مجلس رسول الله ﷺ .. فقوموا؛ لأن الرسول ﷺ كان يؤثر الانفراد أحيانًا لتدبير شؤون الدين، أو لأداء وظائف تخصه لا تؤدى أو لا يكمل أداؤها إلا بالانفراد. وقد

стр. 13308

عمموا هذا الحكم، فقالوا: إذا قال صاحب مجلس لمن في مجلسه: قوموا .. ينبغي أن يجاب، ولا ينبغي لقادم أن يقيم أحدًا ليجلس في مجلسه؛ فقد أخرج مالك، والبخاري، والترمذي، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ولكن تفسّحوا وتوسعوا". وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون بامتثال أوامره وأوامر رسوله في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما - جواب (١) للأمر - أي؛ من فعل ذلك طاعة للأمر وتوسعة للإخوان يرفعهم الله تعالى بالنصر، وحسن الذكر في الدنيا، والإيواء إلى غرف الجنان في الآخرة؛ لأن من تواضع رفعه الله، ومن تكبر وضعه، فالمراد: الرفعة المطلقة الشاملة للرفعة الصورية والمعنوية. وقوله: ﴿و﴾ يرفع ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ منكم، معطوف على الموصول الأول، عطف خاص على عام، للدلالة على علو شأنهم وسمو مكانهم حتى كأنهم جنس آخر؛ أي: ويرفع الله الذين أوتوا العلم الديني منكم ﴿دَرَجَاتٍ﴾؛ أي: طبقات عالية، ومراتب مرتفعة، بسبب ما جمعوا من العلم والعمل، فإن العلم لعلو درجته يقتضي للعمل المقرون به مزيد رفعة لا يدرك شأنه العمل العاري عنه وإن كان في غاية الصلاح، ولذا يقتدى بالعالم في أفعاله، ولا يقتدى بغيره. فعلم من هذا التقرير أنه لا شركة للمعطوف عليه في الدرجات، كما قال ابن عباس ﵄: تم الكلام عند قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وينتصب ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بفعل مضمر؛ أي: ويرفعهم درجات، وانتصاب ﴿دَرَجَاتٍ﴾ إما على إسقاط الخافض؛ أي: إلى درجات، أو على المصدرية؛ أي: رفع درجات، فحذف المضاف، أو على الحالية من الموصول؛ أي: ذوي درجات، أو على التمييز. وفي هذه الآية فضيلة عظيمة للعلم وأهله، وقد دلّ على فضله وفضلهم آيات قرآنية وأحاديث نبوية، كما بسطناها في كتابنا: "سلم المعراج على خطبة المنهاج". وعبارة الشوكاني هنا: ومعنى الآية (٢): أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم .. رفعه الله بإيمانه درجات ثم رفعه بعلمه درجات. وقيل: المراد بالذين

стр. 13309

آمنوا من الصحابة، وكذلك الذين أوتوا العلم. وقيل: المراد بالذين أوتوا العلم: الذين قرأوا القرآن. والأولى حمل الآية على العموم في كل مؤمن وكل صاحب علم من علوم الدين من جميع أهل هذه الملة. ولا دليل يدل على تخصيص الآية بالبعض دون الآخر. اهـ. والخلاصة (١): إنكم أيها المؤمنون إذا فسح أحدكم لأخيه إذا أقبل أو إذا أمر بالخروج فخرج. فلا يظنن أن ذلك نقص في حقه، بل هو رفعةٌ وزيادة قربى عند ربه، والله تعالى لا يضيع ذلك بل يجزي به في الدنيا والآخرة؛ فإن من تواضع لأمر الله .. رفع الله قدره، ونشر ذكره. ويعلم من الآية سرّ تقدم العالم على غيره في المجالس والمحاضر (٢)؛ لأن الله تعالى قدمه وأعلاه، حيث جعل درجاته عالية. وفي الحديث: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"؛ أي: فضل العالم الباقي بالله على العابد الفاني في الله، كما في "التأويلات النجمية". قال بعضهم: المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة. وحيث مدح العلم فالمراد به: العلم المقرون بالعمل. قال بعض الحكماء: ليت شعري أيَّ شيء أَدْرَكَ من فَاته العلم، وأَيُّ شيءٍ فات من أدرك العلم، وكل علم لم يوطَّد بعمل .. فإلى ذلّ يصير. وعن الزهري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. قال مقاتل: إذا انتهى المؤمن إلى باب الجنة يقال له: لست بعالم، ادخل الجنة بعملك، ويقال للعالم: قف على باب الجنة واشفع للناس. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: لأن أَعلَم مسألة أحب إلى من أن أصلي مئة ركعة، ولأن أُعلِّم مسألة أحب إلى من أن أصلي ألف ركعة. وعن أبي هريرة وأبي ذر الغفاري ﵄ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء الموت طالب العلم على هذه الحال .. مات وهو شهيد". ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بعملكم أو بالذي تعملونه ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم ببواطنه كظواهره، لا يخفى عليه شيء منه، لا ذاته جنسًا أو

стр. 13310

نوعًا، ولا كيفيته إخلاصًا أو نفاقًا أو رياء أو سمعة ولا كميته قلة أو كثرة، فهو خبير بتفسّحكم ونشزكم ونيتكم فيهما، فلا تضيع عند الله سبحانه. وجعله بعضهم تهديدًا لمن لم يمتثل بالأمر أو استكرهه، فلا بد من التفسح والطاعة وطلب العلم الشريف. والمعنى: والله تعالى ذو خبرة بأعمالكم، لا يخفى عليه المطيع منكم من العاصي، وهو مجازيكم جميعًا بأعمالكم، فالمحسن بإحسانه، والمسيء بالذي هو أهله أو يعفو. ١٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وأخلصوا في إيمانهم ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ أي: إذا كلمتموه سرًّا في بعض شؤونكم المهمة الداعية إلى مناجاته ﷺ ، ومكالمته سرًّا. والمناجاة: المحادثة سرًّا .. ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾؛ أي: فتصدقوا قبلها على المستحق. والمعنى: إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم .. فقدموا بين يدي مساررتكم له صدقة. والآية نزلت حين أكثر الناس عليه السؤال، حتى أسأموه وأملّوه، فأمرهم الله بتقديم الصدقة عند المناجاة، فكف كثير من الناس عن مناجاته، أما الفقير: فلعسرته، وأما الغني: فلشحّه. وقرىء: ﴿صدقات﴾ بالجمع كما في الآتي. وفي هذا الأمر تعظيم الرسول، ونفع الفقراء، والزجر عن الإفراط في السؤال، والتمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الآخرة ومحب الدنيا (١). واختلف في أنه للندب أو للوجوب، لكنه نسخ بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ ...﴾ الآية، وهو وإن كان متصلًا به تلاوةً لكنه متراخ عنه نزولًا على ما هو شأن الناسخ. واختلف في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقيل: كان ساعة من النهار، والظاهر: أنه عشرة أيام؛ لما روي عن علي ﵁، كما قاله مقاتل بن حيان. وقال الكلبي: كان ذلك ليلة واحدة. وقال قتادة: ما كان ذلك إلا ساعة من نهار ثم نسخ. وهذا لا ينافي الجلوس في مجلسه المبارك، والتكلم معه لمصلحة دينية أو دنيوية بدون

стр. 13311

النجوى، إذ المناجاة تكلم خاص، وعدم الخاص لا يقتضي عدم العام. والمعنى (١): أي أيها المؤمنون إذا أراد أحد منكم أن يناجي الرسول ويسارّه فيما بينه وبينه .. فليقدم صدقة قبل هذا؛ لما في ذلك من تعظيم أمر الرسول ﷺ ، ونفع الفقراء والتمييز بين المؤمن حقًا والمنافق، ومن دفع التكاثر عليه ﷺ من غير حاجة ملحة إلى ذلك. ثم ذكر العلة في هذا فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ التصدق بين يدي نجواكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون من إمساكه؛ لما فيه من طاعة الله تعالى، ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لأنفسكم من دنس الريبة ودرن البخل الناشىء من حب المال الذي هو من أعظم حب الدنيا، وهو رأس كل خطيئة. وتقييد (٢) الأمر يكون امتثاله خيرًا لهم من عدم الامتثال وأطهر لنفوسهم ... يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب، لكن قوله فيما بعد: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ منبىء عن الوجوب؛ لأنه ترخيص لمن لم يجد، والظاهر: عدم الوجوب. والمعنى: أن في هذا التقديم خيرًا لكم؛ لما فيه من الثواب العظيم عند ربكم، ومن تزكية النفوس وتطهيرها من الجشع في جمع المال وحب ادّخاره، وتعويدها بذله في المصالح العامة؛ كإغاثة ملهوف، ودفع خصاصة فقير، وإعانة ذي حاجة والنفقة في كل ما يرقي شأن الأمة ويرفع من قدرها ويعلي كلمتها، ويؤيد الدين، وينشر دعوته. ثم أقام العذر للفقراء، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أيها الفقراء ما تتصدقون به بين يدي نجواكم، وعجزتم عن ذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن لم يجده ﴿رَحِيمٌ﴾ به حيث رخص له المناجاة بلا تصدق؛ لأنه ما أمر بها إلا من قدر عليها، وقد شرع هذا الحكم لتمييز المخلص من المنافق، ١٣ - فلما تمّ هذا الغرض انتهى ذلك الحكم، ورخص في المناجاة بدون تقديم صدقة، فقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾؛ أي: أبخلتم وخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم الصدقات بين يدي نجواكم، ووسوس لكم الشيطان أن في هذا الإنفاق ضياعًا للمال. والاستفهام (٣) فيه للتقرير، كأن بعضهم ترك المناجاة للإشفاق لا مخالفة للأمر. والإشفاق: الخوف من

стр. 13312

المكروه. وجمع ﴿صَدَقَاتٍ﴾ هنا نظرًا إلى كثرة المخاطبين. قال بعض المفسرين: أفرد الصدقة أولًا لكفاية شيء منها، وجمع ثانيًا نظرًا إلى كثرة التناجي والمناجي. والمعنى (١): أخفتم الفقر - يا أهل الغنى - من تقديم الصدقات، فيكون المفعول محذوفًا للاختصار. و ﴿أَنْ تُقَدِّمُوا﴾ في تقدير: لأن تقدموا. أو: أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر. قال الشاعر: هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلَا تُوْلَعْ بِإِشْفَاقِ ... فَإِنَّمَا مَالُنَا لِلْوَارِثِ الْبَاقِيْ ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به، وشقّ عليكم ذلك ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بأن رخص لكم في أن لا تفعلوه، وأسقط عنكم تقديم الصدقة. وذلك لأنه لا وجه لحملها على قبول التوبة حقيقة؛ إذ لم يقع منهم التقصير في حق هذا الحكم، بأن وقعت المناجاة بلا تصدق، وهذا هو الناسخ للآية السابقة. وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم من الانفعال ما قام مقام توبتهم. و ﴿إذ﴾ على معناها من الظرفية والمضي بمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى وتجاوز الله عنكم بفضله، فتداركوه بما تؤمرون به بعد هذا. وقيل: بمعنى (إذا) للمستقبل، كما في قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾. أو بمعنى إن الشرطية، وهو قريب مما قبله إلا أنّ ﴿إن﴾ تستعمل فيما يحتمل وقوعه واللاوقوعه. وقوله: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾. وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ جواب ﴿إذ﴾ مسبب عن قوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: فإذا فرطتم فيما أمرتم به من تقديم الصدقات، وتجاوز الله عنكم .. فتداركوه بالمواظبة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المفروضة. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، في سائر الأوامر، فإن القيام بها كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط. والتعميم بعد التخصيص لتتميم النفع. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ جملة حالية، أو استئنافية معترضة بين الشرط وجوابه. وهذه الجملة هي التي فيها نسخ الوجوب كما تقدم، تأمل. انتهى. والمعنى: أي فحين لم تفعلوا ما أمرتم به، وشق ذلك عليكم، وخفف عنكم ربكم فرخص لكم في المناجاة من غير تقديم صدقة، فأدوا الصلاة، وقوموها بأدائها

стр. 13313

على أكمل الوجوه؛ لما فيها من الإخبات والإنابة إليه، والإخلاص له في القول والعمل، ونهيها عن الفحشاء والمنكر، ولما في الزكاة من تطهير النفوس وإزالة الشحّ بالمال المستحوذ على القلوب الدافع لها إلى ارتكاب الشرور والآثام، وأطيعوا الله فيما يأمركم به من الفرائض والواجبات وينهاكم عنه من الموبقات. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عالم بالذي تعملون من الأعمال الظاهرة والباطنة، لا تخفى عليه خافية فيجازيكم عليه، فاعملوا ما أمركم به ابتغاء لمرضاته لا لرياء وسمعة، وتضرعوا إليه خوفًا من عقوباته خصوصًا بالجماعة يوم الجمعة. وقرأ عياش عن أبي عمرو (١): ﴿يعملون﴾ بالتحتية، والجمهور بالفوقية. ومن الأدعية النبوية: "اللهم: طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة. إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور". وفي تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر من بين العبادات المرادة بالأمر بالإطاعة العامة إشارة إلى علو شأنهما وإنافة قدرهما (٢)؛ لأن الصلاة رئيس الأعمال البدنية، جامعة لجميع أنواع العبادات، من القيام والركوع والسجود والقعود، ومن التعوذ والبسملة والقراءة والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والصلاة على النبي ﷺ ، ومن الدعاء الذي هو مخّ العبادة، ومن ذلك سميت صلاة، وهي الدعاء لغة. فهي عبادة من عبد الله تعالى بها .. فهو محفوظ بعبادة العابدين من أهل السماوات والأرضين، ومن تركها .. فهو محروم منها. فطوبى لأهل الصلاة، وويل لتاركها. وإن الزكاة هي أمّ الأعمال المالية، بها يطهر القلب من دنس البخل، والمال من خبث الحرمة، فعلى هذا هي بمعنى الطهارة، وبها ينمو المال في الدنيا بنفسه؛ لأنه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وفي الآخرة بأجره؛ لأنه تعالى يضاعف لمن يشاء. وفي الحديث: "من تصدق بقدر تمرة من كسب حلال - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه، حتى تكون مثل الجبل". فعلى هذا هي من الزكاء، بمعنى النماء؛ أي: الزيادة. فإن قلت: لم قدم المعمول على عامله في قوله السابق: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 13314

خَبِيرٌ﴾، وأخّره هنا حيث قال: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فما الفرق بين الموضعين؟ قلتُ: فَعَلَ ما فَعَلَ في الموضعين رعاية للفواصل التي كانت بعدهما؛ لأنه بعد الأول وقع ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، و ﴿رَحِيمٌ﴾ بوزن خبير - وإن كان الحرف الأخير مختلفًا - وبعد الموضع الثاني الفواصل نفس ما فيه. وقيل: قدم في الأول تأكيدًا للتهديد المفهوم من الجملة؛ لأنها وقعت تعليلًا للأوامر العزائم قبلها، وفي الموضع الثاني لا حاجة إلى التأكيد المذكور؛ لأن الجملة وإن وقعت تعليلًا لما قبلها؛ لأن الأوامر قبلها إنما وقعت للترخي وقيل: للتفنن. فليتأمل، هكذا وقع في فهمي السقيم، والله أعلم بأسرار كتابه. الإعراب ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿سَمِعَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿قَوْلَ الَّتِي﴾: مفعول به، ومضاف إليه ﴿تُجَادِلُكَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الموصول، ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ومن هذا سميت السورة سورة المجادلة بكسر الدال، على أنها اسم فاعل. وقيل: بفتحها وكسرها كما في "حاشية الشهاب على البيضاوي". والكسر أرجح على كل حال؛ لأنه أنسب بالسياق. ﴿فِي زَوْجِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تُجَادِلُكَ﴾: ولا بد من حذف مضاف؛ أي: في شأن زوجها. ﴿وَتَشْتَكِي﴾: معطوف على ﴿تُجَادِلُكَ﴾. ويجوز أن تكون الواو حالية، والجملة في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿تُجَادِلُكَ﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بـ ﴿تشتكي﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿الله﴾: مبتدأ وجملة ﴿يَسْمَعُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تُجَادِلُكَ﴾ أيضًا. ﴿يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن الجلالة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول له، ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر ثان. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، لا محل لها من الإعراب.

стр. 13315

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ صلته. ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من فاعل ﴿يُظَاهِرُونَ﴾؛ أي: حال كونهم منكم ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُظَاهِرُونَ﴾. ﴿مَا﴾: حجازية، ﴿هُنَّ﴾: اسمها. ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾: خبرها، نصب بالكسرة نيابةً عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الابتدائية مستأنفة مسوقة لبيان أحكام المظاهر. ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿اللَّائِي﴾: اسم موصول للجمع المؤنث، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَدْنَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إنهم﴾: ناصب واسمه، ﴿لَيَقُولُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾. ﴿مُنْكَرًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولًا منكرًا ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ صفة لـ ﴿مُنْكَرًا﴾، ﴿وَزُورًا﴾: معطوف على ﴿مُنْكَرًا﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَعَفُوٌّ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿عفو﴾: خبر أول لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿غَفُورٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى. ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذين﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُظَاهِرُونَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، وجملة ﴿يَعُودُونَ﴾ معطوفة على جملة ﴿يُظَاهِرُونَ﴾. ﴿لِمَا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، وجملة ﴿قَالُوا﴾: صلة ﴿ما﴾ المصدرية، والمصدر المؤول من ﴿ما﴾ المصدرية وصلتها مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَعُودُونَ﴾، ولك أن تجعل ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف؛ أي: لما قالوه. ﴿فَتَحْرِيرُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ؛ لما في المبتدأ من معنى الشرط، ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: فتحرير رقبة واجب عليهم، والجملة الاسمية في محل

стр. 13316

الرفع خبر عن الموصول، وجملة الموصول مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر؛ أي: فتحرير رقبة واجب هو عليهم حال كون ذلك التحرير من قَبْلِ تماسهما. أو متعلق بـ ﴿تحرير﴾. ﴿أَن﴾: حرف مصدر، ﴿يَتَمَاسَّا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من قبل تماسهما. ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تُوعَظُونَ﴾ من الفعل المغير، ونائبه في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُوعَظُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر عن الجلالة، وجملة الجلالة مستأنفة أو معطوفة على ما قبلها. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿لَمْ يَجِدْ﴾: صلة ﴿من﴾ الموصولة، ﴿يَجِدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾: وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿فَصِيَامُ﴾: ﴿الفاء﴾؛ رابطة الخبر بالمبتدأ لشبهه الشرط، ﴿صيام﴾: مبتدأ، ﴿شَهْرَيْنِ﴾: مضاف إليه، ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾: صفة له، والخبر محذوف تقديره: واجب عليه، والجملة خبر لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وجملة ﴿من﴾: الموصولة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر؛ أي: حال كون ذلك الصوم من قبل أن يتماسا، وجملة ﴿أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿من﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ﴾: صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿فَإِطْعَامُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ، ﴿إطعام﴾: مبتدأ، ﴿سِتِّينَ﴾: مضاف إليه، مجرور بالياء، ﴿مِسْكِينًا﴾: تمييز لـ ﴿سِتِّينَ﴾: منصوب به، والخبر محذوف تقديره: فإطعام ستين مسكينًا واجب عليه، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وجملة من الموصولة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تؤمنوا﴾ فعل مضارع، وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تؤمنوا﴾، ﴿وَرَسُولِهِ﴾:

стр. 13317

معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام: تقديره: ذلك واقع أو واجب لطلب إيمانكم بالله ورسوله، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَتِلْكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿تلك﴾: مبتدأ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿للكافرين﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة عذاب، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿كُبِتُوا﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿و﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لزفّ البشرى إلى رسول الله ﷺ والمؤمنين بكبت أعدائهم وإذلالهم. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جرّ وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية ﴿كُبِتَ الَّذِينَ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل. والمجملة صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: كبتوا كبتًا كائنًا ككبت الذين من قبلهم. و ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف صلة الموصول، ﴿وَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿آيَاتٍ﴾: مفعول به، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: صفة لآيات، والجملة الفعلية في محل النصب حال من واو ﴿كُبِتُوا﴾، والتقدير: كبتوا لمحادتهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات بينات تدل على صدق الرسول كما في "أبي السعود". ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿للكافرين﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مُهِينٌ﴾: صفة عذاب، والجملة مستأنفة. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف منصوب، متعلق بمحذوف تقديره: اذكرهم، أو متعلق بـ ﴿مُهِينٌ﴾، أو بـ ﴿عَذَابٌ﴾، أو بالاستقرار الذي تعلق به ﴿للكافرين﴾. ﴿يَبْعَثُهُمُ

стр. 13318

اللهُ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من مفعول ﴿يَبْعَثُهُمُ﴾ أو تأكيد له، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾: فعل مضارع، ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهُ﴾. والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يَبْعَثُهُمُ﴾. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ على أنه مفعول ثان له، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة الموصول، ﴿أَحْصَاهُ اللهُ﴾: فعل ماضي، ومفعول به وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَنَسُوهُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿نسوه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿أَحْصَاهُ﴾، ولكنه على تقدير: قد. ﴿وَاللهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾، و ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل الإحصاء. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التعجبي؛ ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطَب. والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر سادّ مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾؛ أي: ألم تعلم علم الله. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿وَمَا في الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا في السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع تام، ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿نَجْوَى﴾: فاعل، ﴿ثَلَاثَةٍ﴾: مضاف، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتقرير سعة علمه تعالى، وبيان كيفيته. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿رَابِعُهُمْ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من ﴿ثَلَاثَةٍ﴾؛ أي: إلا حالة كونهم مصطحبين الله، فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، كما مر. ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: معطوف على ثلاثة ﴿إلا﴾: أداة حصر، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿سَادِسُهُمْ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من ﴿خَمْسَةٍ﴾، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية، ﴿أَدْنَى﴾: معطوف على ﴿نَجْوَى﴾، ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْنَى﴾، ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾: معطوف على أدنى. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر،

стр. 13319

﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة في محل النصب حال من ﴿أَدْنَى﴾ و ﴿أَكْثَرَ﴾. ﴿أَيْنَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية، و ﴿ما﴾: زائدة، والظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ﴿مَعَهُمْ﴾؛ أي: مصاحب لهم بعلمه في أي مكان استقروا فيه. ﴿كَانُوا﴾: فعل تام، وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿أَيْنَ﴾؛ لأن ﴿مَا﴾ زائدة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ على أنه مفعول ثان له، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة الموصول، و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ أيضًا، وجملة ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ معطوفة على جملة ﴿يَعْلَمُ﴾ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وما بينهما اعتراض. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. و ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطَب، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿تَرَ﴾؛ لأنه بمعنى النظر، فيتعدى بلى. وجملة ﴿نُهُوا﴾: صلة الموصول، وهو فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ﴿عَنِ النَّجْوَى﴾: متعلق بـ ﴿نُهُوا﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿يَعُودُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نُهُوا﴾. وعدل عن صيغة الماضي إلى المضارع لاستحضار صورة العود الماضي. ﴿لِمَا﴾ متعلق بـ ﴿يَعُودُونَ﴾، وجملة ﴿نُهُوا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿نُهُوا﴾، ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَعُودُونَ﴾، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية ﴿بِالْإِثْمِ﴾: متعلق بـ ﴿يتناجون﴾، ﴿وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: معطوفان على ﴿الإثم﴾. ﴿وَإذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لِما يُستقبل من الزمان، ﴿جَاءُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿حَيَّوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من

стр. 13320

الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَيَّوْكَ﴾. ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، و ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُحَيِّكَ﴾ ولفظ الجلالة فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿حَيَّوْكَ﴾، أو حال من فاعل ﴿حَيَّوْكَ﴾، ﴿في أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يقولون﴾، ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض ﴿يُعَذِّبُنَا﴾: فعل ومفعول به مقدم، ﴿اللهُ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾، ﴿بمَا﴾: متعلق بـ ﴿يُعَذِّبُنَا﴾، وجهملة ﴿نَقُول﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من ﴿جَهَنَّمُ﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿بِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾، ولكنها على تقدير القول؛ أي: حالة كونها يصلونها، وحالة كونها مقولًا فيها: بئس المصير. ويصح أن تكون الفاء استئنافية، والمخصوص بالذمِّ محذوف وجوبًا تقديره: هي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ أو بدل منه، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿تَنَاجَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تَتَنَاجَوْا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة جواب ﴿إذا﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿بِالْإِثْمِ﴾: متعلق بـ ﴿تَتَنَاجَوْا﴾، ﴿وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: معطوفان على ﴿الإثم﴾. ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾. ﴿وَتَنَاجَوْا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿تناجوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة معطوفة على ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾. ﴿بِالْبِرِّ﴾: متعلق

стр. 13321

بـ ﴿تناجوا﴾، ﴿وَالتَّقْوَى﴾: معطوف عليه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر، وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿وَتَنَاجَوْا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾، وجملة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿النَّجْوَى﴾: مبتدأ، ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: خبر، و ﴿مِنَ﴾: فيه ابتدائية، والجملة مستأنفة. ﴿لِيَحْزُنَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يحزن﴾: فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانِ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لحزنه الذين آمنوا، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ثان لـ ﴿النَّجْوَى﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول. وقيل: إن الموصول فاعل بـ ﴿يحزن﴾. ﴿وَلَيْسَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿ليس﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانِ﴾، ﴿بِضَارِّهِمْ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿ضارهم﴾: خبر ﴿ليس﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول مطلق؛ أي: شيئًا من الضرر. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿ضارهم﴾، وجملة ﴿ليس﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يحزن﴾. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتوكل﴾، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: ﴿الفاء﴾: زائدة، و ﴿اللام﴾: لام الأمر، ﴿يتوكل﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدم إعرابه قريبًا. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. وإن شئت قلت: ﴿تَفَسَّحُوا﴾: فعل أمر، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾: متعلق بـ ﴿تَفَسَّحُوا﴾. ﴿فَافْسَحُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ ﴿افسحوا﴾: فعل أمر، وفاعل والجملة جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿يَفْسَحِ﴾: فعل مضارع مجزوم

стр. 13322

بالطلب، ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَفْسَحِ﴾، والجملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يُستقبل من الزمان، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿انْشُزُوا﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. وإن شئت قلت: ﴿انْشُزُوا﴾: فعل أمر، وفاعل والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿فَانْشُزُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة، ﴿انْشُزُوا﴾: فعل أمر، وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذَا﴾ الأولى. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بالطلب، لا محل له من الإعراب، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته، ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من فاعل ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول، ﴿أُوتُوا﴾: فعل ماضى، ونائب فاعل، ﴿الْعِلْمَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُوتُوا﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿دَرَجَاتٍ﴾: منصوب بنزع الخافض أو تمييز. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تقدم إعرابه مرارًا. ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَقَدِّمُوا﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إذَا﴾، قدموا: فعل أمر، مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿بَيْنَ﴾: ظرف، متعلق بـ ﴿قدموا﴾، ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، ﴿يَدَيْ﴾: مضاف إليه مجرور بالياء، ﴿يَدَيْ﴾: مضاف، ﴿نَجْوَاكُمْ﴾: مضاف إليه، ﴿نجوى﴾: مضاف، والكاف: مضاف إليه. وكثرة الإضافة لا تخرج الكلام عن الفصاحة لورودها في الكتاب والسنة. وجملة ﴿قدموا﴾: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ جواب النداء، ﴿صَدَقَةً﴾: مفعول قدموا. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾: خبر والجملة مستأنفة. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بخير، ﴿وَأَطْهَرُ﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فقدموا بين يدي نجواكم صدقة إن وجدتم ما تتصدقون بهِ، فإن لم تجدوا إلخ. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿لَمْ﴾: حرف

стр. 13323

جزم، ﴿تَجِدُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة في محل الجزم بإن الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾. ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: أأشفقتم وخفتم الفقر والعيلة. والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تُقَدِّمُوا﴾: فعل مضارع، منصوب بـ ﴿أن﴾، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تُقَدِّمُوا﴾، ﴿صَدَقَاتٍ﴾: مفعول ﴿تُقَدِّمُوا﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جرّ محذوف، تقديره: أخفتم الفقر من تقديم الصدقات بين يدي نجواكم. والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أشفقتم﴾. ﴿فَإِذْ﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية، ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذ﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿وَتَابَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، أو استئنافية، أو اعتراضية، ﴿تاب الله﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تاب﴾، والجملة في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تَفْعَلُوا﴾ أو معترضة بين الشرط وجوابه، ﴿فَأَقِيمُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿أَقِيمُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿إذ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذ﴾ مستأنفة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَقِيمُوا﴾، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تعملونه.

стр. 13324

التصريف ومفردات اللغة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾؛ أي: أجاب وقَبِلَ، كما يقال: سمع الله لِمَنْ حمده. ﴿تُجَادِلُكَ﴾؛ أي: تراجعك الكلام في شأن زوجها، وما صدر منه في شأنها، وأصله من جدلت الحبل؛ أي: أحكمت قتله، فكأن المتجادلين يفتل كلّ واحد منهما الآخر عن رأيه. والمراد هنا: المكالمة، ومراجعة الكلام؛ أي: معاودته. ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: تتضرع إلى الله تعالى، وتُظهر ما بها من المكروه. قال في "المفردات": الشكاية، والشكاة، والشكوى: إظهار البث. يقال: شكوت واشتكيت. وأصل الشكوى: فتح الشكوة وإظهار ما فيها. وهي سقاء صغير يجعل فيه الماء. وكان في الأصل استعارة، كقولك: بثثت له ما في وعائي، ونفضت ما في جرابي، إذا أظهرت ما في قلبك. وفي "كشف الأسرار": الفرق بين الشكوى والاشتكاء: أن الاشتكاء إظهار ما يقع بالإنسان من المكروه، والشكوى: إظهار ما يصنعه غيره به. والمعنى هنا أي: تبث إليه ما انطوت عليه نفسها من غم وهم، وتتضرع إليه أن يزيل كربها. ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾؛ أي: تراجعكما الكلام، وتخاطبكما، وتجاوبكما في أمر الظهار. والحوار في الكلام معروف. وفي "المصباح": وحاورته: راجعته الكلام، وتحاورا وأحار الرجل الجواب بالألف: رده، وما أحاره: ما رده، انتهى. والتحاور: المرادة في الكلام، والكلام المردد. كما يقال: كلمته فما رجع إليّ حوار؛ أي: ما رد عليّ بشيء. ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: مضارعُ ظاهَرَ، من باب فاعل. والظهار لغة: مصدر ظاهَرَ، ويراد به معان مختلفة باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر فلان فلانًا؛ أي: نصره وظاهر بين ثوبين؛ أي: لبس أحدهما فوق الآخر، وظاهر من امرأته؛ أي: قال لها: أنت علي كظهر أمي؛ أي: محرمة، وكان هذا أشد طلاق في الجاهلية. والظهار شرعًا: تشبيه المرأة أو عضو منها بامرأة محرمة نسبًا، أو رضاعًا، أو مصاهرة، بقصد التحريم لا بقصد الكرامة، ولهذا المعنى نزلت الآية. ﴿مُنْكَرًا﴾: والمنكر: ما ينكره الشرع والعقل والطبع، ﴿وَزُورًا﴾؛ أي: كذبًا. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أي: عتق عبد أو أمة. والتحرير: هو جعل الإنسان حرًا،

стр. 13325

وهو خلاف الرقيق. والرقبة: ذات مرقوق مملوك كما مر. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي: من قبل أن يجتمعا اجتماع الأزواج. أصله: يتماسَسَا، فكرهوا توالي المثلين فأدغمت السين الأولى في الثانية. ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ والياء في الصيام منقلبة عن واو؛ لأنّ أصله: صوام فقلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة كقوام في قيام. ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ الوعظ: زجر يقترن بتخويف. ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والإطعام: جعله الغير طاعمًا. والمسكين بكسر الميم، وقد تفتح: من لا شيء له من المال، أو له ما لا يكفيه، سمي به لأنه أسكنه الفقر أي: قلل حركته وأذله، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: أحكام شرعه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾ أي: يشاقون، ويعادون. وأصل المحادة: الممانعة، ومنه قيل للبواب: حداد. وأصله: يحادون بوزن يفاعلون بدالين، أدغمت الأولى منهما في الثانية لكراهة توالي المثلين. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والأليم بمعنى المؤلم؛ أي: الموجع، كالبديع بمعنى المبدع أو بمعنى المتألم، كما مر. ﴿كُبِتُوا﴾ وفي "المفردات": الكبت: الرد بعنف، وتذليل. وفي "القاموس": كبته يكبته - من باب ضرب - صرعه، وأخزاه، وصرفه، وكسره، ورد العدو بغيظه، وأذله، اهـ. ﴿مُهِينٌ﴾ اسم فاعل من أهان الرباعي أصله: مهون بوزن مفعل، نقلت حركة الواو إلى الهاء فسكنت إثر كسرة فقلبت ياء حرف مد. ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ أي: أحاط الله به علمًا، وحفظه كما عمله، لم يفت منه شيء، ولم يغب. قال الراغب: الإحصاء: التحصين بالعدد، يقال: أحصيت كذا. وذلك من لفظ الحصي، واستعمال ذلك فيه؛ لأنهم كانوا يعتمدون اعتمادنا فيه على الأصابع. وقال بعضهم: الإحصاء: عد بإحاطة وضبط؛ إذ أصله: العدد بآحاد الحصى للتقوي في الضبط، فهو أخص من العد لعدم لزوم الإحاطة فيه. وفيه إعلال بالقلب، أصله: أحصي بوزن إفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا.

стр. 13326

﴿وَنَسُوهُ﴾ أصله: نسيوه، استثلقت الضمة على الياء فحذفت فلما سكنت حذفت لالتقائها ساكنة مع واوٍ الجماعة، وضمت السين لمناسبة الواو. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ أصله: نهيوا بوزن فعلوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت ثم حذفت لما التقت ساكنة بواو الجماعة، وضمت الهاء لمناسبة الواو. ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أصله: يتناجيون بوزن يتفاعلون، قبلت الياء فيه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنةً مع واو الجماعة. والمناجاة: المحادثة سرًا، والنجوى مصدر بمعنى التناجي، كالشكوى بمعنى الشكاية. يقال: نجاه نَجوى ونِجوى: سارّه كناجاه مناجاة. والنجوى: السر الذي يكتم، اسم مصدر كما في "القاموس". وأصله: أن تخلو في نجوة من الأرض؛ أي: مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله، كأن المتناجي بنجوة من الأرض لئلا يطلع عليه أحد. والفرق بين الإثم والعدوان، ومعصية الرسول: أن الإثم مخالفة أوامر الله ونواهيه؛ بتركها أو بارتكابها، والعدوان: التحدي على المؤمنين، ومعصية الرسول: إساءة أدبه وعدم احترامه؛ بالطعن فيه وسبه. ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ﴾: أصله: حييوك، بوزن فعلوك، قلبت الياء الأخيرة لام الفعل ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أصله؛ يصليونها، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أصله: المصير، بوزن مفعل، نقلت حركة الياء إلى الصاد، فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ. وقوله: ﴿حَيَّوْكَ﴾: أيضًا أي: خاطبوك بتحية، ﴿بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ﴾؛ أي: بتحية لم يأذن الله أن تخاطب بها. والتحية في الأصل: مصدر حياك، على الإخبار، من الحياة، فمعنى: حياك الله: جعل لك حياة، ثم استعمل للدعاء بها، ثم قيل لكل دعاء فغلب في السلام، فكل دعاء تحية، لكون جميعه غير خارج عن حصول حياة أو سبب حياة، إما في الدنيا، وإما في الآخرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾: أصله: تتناجيون، حذفت منه نون

стр. 13327

الرفع لدخول أداة الجزم ﴿لا﴾ عليه، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، لكنها حذفت لما التقت بواو الجماعة لالتقاء الساكنين. ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ أصله: تناجيون، حذفت نون الرفع لبناء الأمر، ثم قلبت الياء ألفًا، وحذفت لالتقاء الساكنين. ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وفي "القاموس": الحزن بالضم، ويحرك: الهم والجفع: أحزان، وحزن كفرح، وحزنه الأمر حزنًا - بالضم - وأحزنه: جعله حزينًا، وحزنه: جعل فيه حزنًا. وقال الراغب: الحُزْنُ والحَزَن: خشونة في الأرض، وخشونة في النَّفْس؛ لما يحصل فيها من الغم، ويضاده الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغمّ قيل: خشنت بصدره، إذا أحزنته. ﴿بِضَارِّهِمْ﴾: الأصل: بضاررهم، أدغمت الراء في الراء للقاعدة المقررة عندهم؛ وهي: أن كل مثلين متحركين في كلمة يدغم الأول منهما في الثاني إلا ما استثني من ذلك، كما هو مقرر في محله. ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾؛ أي: توسعوا، وليفسح بعضكم عن بعض، ولا تتضاموا من قولهم: أفسح عني؛ أي: تنحّ، وأنت في فسحة من دِينك؛ أي: في وسعة ورخصة، وفلان فسيح الخلق؛ أي: واسع الخلق. ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: في رحمته، ويوسع لكم في أرزاقكم. ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾؛ أي: انهضوا للتوسعة على المقبلين. ﴿فَانْشُزُوا﴾؛ أي؛ فانهضوا، ولا تتباطؤوا. يقال: نشز الرجل إذا نهض، وارتفع في المكان نشزًا. والنشز كالفلس، وكذا النشز - بفتحتين -: المكان المرتفع من الأرض، ونشز فلان إذا قصد نشزًا، ومنه: نشز فلان عن مقره، وقلب ناشز: ارتفع عن مكانه رعبًا. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: أصل ﴿تاب﴾: توب بوزن فعل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، نظيرَ: قال. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الأصل فيه: أقوموا بوزن افعلوا، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أصله: أأتيوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت التاء لمناسبة الواو، وأبدلت الهمزة الساكنة ألفًا حرف مدّ للهمزة المفتوحة. ﴿الزَّكَاةَ﴾: الألف منقلبة عن واو؛ ولذلك ترسم بالواو.

стр. 13328

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أصله: أطوعوا، بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد، والله أعلم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾؛ لأنه مجاز عن (أجاب الله) بعلاقة السببية. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأن الشكوى حقيقة في فتح الشكوة، وإخراج ما فيها، وهي: سقاء صغير يجعل فيه ماء، ثم استعير لإظهار ما في قلب الإنسان من الغم والحزن، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور. ومنها: التغليب في قوله: ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾ حيث نظمها في سلك الخطاب مع أفضل البريات تشريفًا لها؛ إذ القياس: يسمع تحاورها وتحاورك. ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وفي قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ زيادة في التقرير والبيان. ومنها: التنكير في قوله: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ إفادة أنه منكر عند العقل والطبع، كما أنه منكر في الشرع. ومنها: فن السلب والإيجاب في قوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾. وهو فن عجيب من فنون البلاغة، وهو: بناء الكلام على نفي الشيء من جهة وإيجابه من جهة أخرى. وفي الكلام هنا نفي لصيرورة المرأة أمًا بالظهار، وإثبات الأمومة للتي ولدت الولد.

стр. 13329

ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾؛ لأن المعنى: عَلِمَهُ اللهُ وجهِلُوهُ، وفي قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾؛ لأن معنى ﴿أَدْنَى﴾: أقل، فحصل الطباق بينه وبين ﴿أَكْثَرَ﴾. ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿النَّجْوَى﴾، ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ﴾. وفيه الإطناب أيضًا بتكرار ﴿نُهُوا﴾. ومنها: الاستهزاء في قولهم: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾؛ لأن فيه استخفافًا بشأنهم، لكفرهم وعدم إيمانهم. ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ للدلالة على علو شأن العلماء وسمو مكانتهم، حتى كأنهم جنس آخر. ومنها: صيغة المضارع في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ للدلالة على تمكن عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة. وكذلك صيغة المضارع في قوله: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾. فإن اليدين استعيرت لمعنى (قبل) على سبيل التخييل، فقوله: ﴿نَجْوَاكُمْ﴾ استعارة بالكناية و ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ تخييلية، كذا في "الروح". ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13330

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما ذكر أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتنافسون في القرب من مجلس رسول الله ﷺ لتلقي الدِّين عنه والاهتداء بهديه، حتى كان يضيق بهم المجلس فأمروا أن يتوسعوا ولا يتضاموا .. ذكر هنا حال قوم من المنافقين يوادّون اليهود، ويطلعونهم على أسرار المؤمنين، فهم عيون لهم عليهم، وإذا لاقوا المؤمنين .. قالوا لهم: إنا معكم نؤيدكم على أعدائكم بكل ما أوتينا من قوة وهم كاذبون في كل ما يقولون، وقد جعلوا الأيمان وقاية لستر ما يبطنون، فأمنوا من المؤاخذة، وجاسوا خلال ضعفاء المؤمنين يصدونهم عن الدِّين، ويذكرون لهم ما يبغضهم فيه. ثم أبان أن الله قد أعد لمثل هؤلاء عذابًا شديدًا يوم القيامة، وما هم فيه من مال وولد في الدنيا لن يغني عنهم شيئًا حينئذٍ. ثم ذكر أن

стр. 13331

الذي جرأهم على ما فعلوا هو الشيطان؛ فقد استولى على عقولهم وزين لهم قبيح أعمالهم، فأنساهم عذاب اليوم الآخِر. ثم ذكر أن أولئك هم جند الشيطان، وجنود الشيطان لن تفلح في شيء، وسيرد الله سبحانه عليهم كيدهم في نحورهم، ويحبط سعيهم، ويظهر نور دينه ولو كره الكافرون. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر حال أولئك المنافقين الذين يحلفون كذبًا أنهم مؤمنون، ويمالئون المؤمنين طورًا واليهود طورًا آخر اكتسابًا لرضا الفريقين، ثم بين أن الذي حملهم على ذلك هو الشيطان؛ إذ غلبهم على أمرهم حتى أنساهم ذكر الله وما يجب له من تعظيم والإيمانَ باليوم الآخر، ثم حكم عليهم بأن صفقتهم خاسرة؛ لأنهم باعوا الباقي بالفاني، والزائل الذي لا دوام له بما هو دائم أبدًا سرمدًا .. بين هنا سبب خسرانهم، وهو: أنهم شاقّوا الله ورسوله، وعصوا أمرهما، فكتب عليهم الذلة في الدنيا والآخرة؛ إذ قَضى بأن العزة والغلب له ولرسله، والذلة لأعدائه. ثم ذكر أن الإيمان الحق لا يجتمع مع موالاة أعدائه، مهما قرب بهم النسب، بأن كانوا آباء أو أبناء أو إخوانًا أو من ذوي العشيرة؛ لأن المحادين كتبت عليهم الذلة، وأولئك كتبت لهم العزة، وقواهم ربهم بالطمأنينة والثبات على الإيمان، وهم جند الله وناصرو دينه، وحزب الله مفلح لا محالة، وقد كتبت لهم السعادة في الدارين، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه أحمد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظلّ حُجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: "إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم .. فلا تكلموه"، فلم

стр. 13332

يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور فقال حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؛ فقال: ذرني آتيك بهم، فحلفوا واعتذروا. فأنزل الله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ...﴾ الآية، والتي بعدها. قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "سننه" عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر .. قصده أبو عبيدة، فقتله. فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...﴾ إلى آخرها. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال: حدثت أن أبا قحافة سبّ النبي ﷺ ، فصكه أبو بكر صكة شديدة، فسقط. فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "أوفعلته يا أبا بكر؟ فقال: والله لو كان السيف قريبًا مني .. لضربته به. فنزلت: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا ...﴾ الآية. وقيل (١): نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سلول؛ وذلك أنه كان جالسًا إلى جنب رسول الله ﷺ ، فشرب رسول الله ﷺ ماء، فقال عبد الله: يا رسول الله، أبق فضلة من شرابك، قال: "وما تصنع بها"؟ قال: أسقيها أبي لعل الله سبحانه يطهر قلبه، ففعل، فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال: فضلة من شراب رسول الله ﷺ ، جئتك بها لتشربها، لعل الله يطهر قلبك، فقال: هلا جئتني ببول أمك؟ فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي في قتل أبي، قال: فقال رسول الله ﷺ : "ارفق به، وأحسن إليه". فنزلت هذه الآية. قاله السدي. وقيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكَّة يخبرهم أن رسول الله ﷺ قد عزم على قصدهم، قاله مقاتل، واختاره الفراء والزجاج. التفسير وأوجه القراءة ١٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: تعجيب (٢) من حال المنافقين الذين يتخذون اليهود أولياء،

стр. 13333

ويناصحونهم، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين. والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل من يسمع ويعقل. وتعدية الرؤية بـ ﴿إِلَى﴾ لكونها بمعنى النظر؛ أي: ألم تنظر يا محمد ﴿إلى﴾ حال المنافقين ﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: والوا، من التولي، بمعنى الموالاة، لا بمعنى الإعراض؛ أي: اتخذوا ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أولياء وأصدقاء وهم اليهود، كما أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. ينقلون؛ أي: المنافقون أسرار المؤمنين إليهم؛ أي: إلى اليهود. والغضب: حركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام، وهو بالنسبة إليه تعالى نقيض الرضا، أو إرادة الانتقام، أو تحقيق الوعيد، أو الأخذ الأليم، والبطش الشديد، أو هتك الأستار والتعذيب بالنار، أو تغيير النعة، هكذا قالوا. والأسلم الذي عليه السلف: أن الغضب صفة ثابتة لله تعالى، نعتقده ولا نكيّفه ولا نمثله، ولكن أثرها الانتقام من أعدائه. ﴿مَا هُمْ﴾؛ أي: ما أولئك المنافقون الذين يوالون اليهود ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون في الحقيقة؛ لأنهم يبطنون الكفر، ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولا من القوم المغضوب عليم؛ لأنهم يظهرون الإِسلام مذبذبون بين ذلك. فهم وإن كانوا كفارًا في الواقع لكنهم ليسوا من اليهود حالًا؛ لعدم اعتقادهم بما اعتقدوا وعدم وفائهم لهم، ومآلًا؛ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. وهذه الجملة مستأنفة معترضة. وقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: معطوف على ﴿تَوَلَّوْا﴾، داخل في حكم التعجب. وصيغة الضارع للدلالة على تكرر الحلف وتجدده، حسب تكرر ما يقتضيه؛ أي: ويحلفون لكم على الكذب، ويقولون: والله إنا لمسلمون، فالكذب المحلوف عليه هو ادعاء الإِسلام. أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلى اليهود. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب على الحال من فاعل ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾، مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا؛ فإن الحلف على ما يعلم أنه كذب في غاية القبح. وفي هذا التقييد دلالة على أن الكذب يعمّ ما يعلم المخبر عدم مطابقته للواقع وما لا يعلمه، فيكون حجة على النَّظَّام والجاحظ. أي: والحال أنهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له؛ أي: يوالونهم، ويحلفون لكم على أنهم مسلمون منكم، والحال أنهم يعلمون أن المحلوف عليه كذب، كمن يحلف بالغَموس؛ وهو: الحلف على فعل أو ترك ماض كاذبًا عمدًا، سمي بالغموس لأنه يغمس صاحبه في

стр. 13334

الإثم ثم في النار. ولم يجعل حلفهم غموسًا؛ لأن الغموس حلف على الماضي، وحلفهم هذا على الحال. والمعنى (١): أي ألم تنظر يا محمد، أو أيها المخاطب إلى حال هؤلاء المنافقين الذين اتخذوا اليهود أولياء يناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، إن حالهم لتستدعي العجب، يقابلون كل قوم بوجه؛ فهم مع اليهود نصحاء أمناء، يبلغونهم ما يعرفونه من دخائل المؤمنين اكتسابًا لصداقتهم وودهم، ومع المؤمنين مؤمنون مخلصون، قد بلغ الإيمان قرارة نفوسهم وملك عليهم مشاعرهم وحواسهم، وفي الحقيقة إنهم يخدعون الفريقين، كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: فلا هم بالمؤمنين حقًا، بل هم مؤمنون من طرف اللسان مداراةً للمؤمنين وخوفًا من بطشهم، ولا هم باليهود؛ لأنهم لا يعتقدون أنهم على الدِّين الحق، ولكنهم يريدون أن ينتفعوا بما عندهم من عرض الدنيا، وأن يحتفظوا بمودّتهم إذا احتاجوا إليها، فهم كما قال الله فيهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. وفي الحديث: "مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين" أي: المترددة بين قطيعين - لا تدري أيهما تتبع". ثم ذكر أنهم يؤكدون إيمانهم وإخلاصهم بالأيمان الكاذبة، فقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: إنّا آمنَّا، وإذا جاء الرسول حلفوا وقالوا له: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ فيما يقولون؛ لأنهم لا يعتقدون صِدقه. ١٥ - ثم ذكر مآلهم، وبيّن ما يلقون من النكال والوبال، فقال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾ ؛ أي: أرصد، وهيأ ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المنافقين بسبب هذا التولي والحلف الباطل ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في الدنيا والآخرة. والمراد نوعًا عظيمًا من العذاب (٢). فالنوعية مستفادة من تنكير ﴿عَذَابًا﴾، والعظيم من توصيفه بالشدة. ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي؛ إن هؤلاء المنافقين ﴿سَاءَ﴾ وقبح ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ساء ما تمرنوا عليه وأصروا وتمرنهم أي: اعتيادهم واستمرارهم

стр. 13335

على مثل اما عملوه في الحال من العمل السوء، مستفاد من ﴿كان﴾ الدالة على الزمان الماضي؛ أي: العمل السيء دأبهم. والمعنى: أي أرصد الله لهم نكالًا وعذابًا أليمًا، جزاء صنيعهم بغش المسلمين وإطلاع أعدائهم على أسرارهم ونصحهم لهم. ١٦ - ثم ذكر ما جعلوه تكأة لهم على تصديقهم فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الفاجرة التي يحلفون بها عند الحاجة. واليمين في الحلف مستعار من اليد، اعتبارًا بما يفعله المحالف، والمعاهد عنده. ﴿جُنَّةً﴾؛ أي: كالجنّة وهي الترس الذي يجن صاحبه من السلاح؛ أي: يستره. أي: جعلوها وقاية وسترة يستترون بها من المؤمنين ومن قتلهم ونهب أموالهم. قرأ الجمهور (١): ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ بفتح الهمزة، جمع يمين. وهي: ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين، توقِّيًا من القتل. فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم، كما يجعل المقاتل الجُنة وقاية له من أن يصاب بسيف أو رمح أو سهم. وقرأ الحسن، وأبو العالية: ﴿إيمانهم﴾ بكسر الهمزة، أي: جعلوا تصديقهم جُنة من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم. فالاتخاذ (٢) عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة، لا عن استعمالها بالفعل. فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية، والخيانة، واتخاذ الجنّة لا بد أن يكون قبل المؤاخذة، وعن سببها أيضًا، كما تعرب عنه الفاء في قوله: ﴿فَصَدُّوا﴾؛ أي: منعوا الناس وصرفوهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دينه في خلال أمنهم وسلامتهم، بسبب ما يصدر عنهم من التثبط وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم عندهم. وقيل المعنى: فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام. ﴿فَلَهُمْ﴾؛ أي: فلهؤلاء المنافقين بسبب كفرهم وصدهم عن سبيل الله ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: يهينهم ويخزيهم بين أهل المحشر. وعيد ثانٍ بوصف آخر لعذابهم.

стр. 13336

قيل: هو تكرير لقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ للتأكيد. وقيل: الأول عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة. ولا وجه للقول بالتكرار، فإن العذاب الموصوف بالإهانة غير العذاب الموصوف بالشدة. والمعنى (١): أي أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وتستروا بالأيمان الكاذبة. فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم أنهم صادقون، وبهذه الوسيلة صدوا كثيرًا من الناس عن سبيل الله، وبتثبيط من لقوا عن الدخول في الإِسلام، بتحقير شأنه في نظرهم. ثم بيّن ما كافأهم به على عملهم فقال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: عذاب يلحقهم به الذل والهوان في النار، جزاء ما امتهنوا اسمه الكريم بالحلف به كذبًا. ١٧ - ثم أرشد إلى أنّ ما ظنوه منجيًا لهم من عذاب الله من المال والأولاد ليس بنافع لهم حينئذٍ، فقال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ ولن تدفع ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن هؤلاء المنافقين ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ الكثيرة ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ العديدة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من عذاب الله سبحانه يوم القيامة ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء والدفع. يقال: أغنى عنه كذا إذا كفاه، يعني: أنهم يحلفون كاذبين للوقاية المذكورة، ولا تنفعهم إذا دخلوا النار أموالهم ولا أولادهم التي صانوها وافتخروا بها في الدنيا. أو يقولون: إن كان ما يقول محمد حقًا .. لندفعنّ العذاب عن أنفسنا بأموالنا وأولادنا. فأكذبهم الله تعالى بهذه الآية، فإن يوم القيامة يومٌ لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا يكفي أحد أحدًا في شأن من الشؤون. ﴿أُولَئِكَ﴾: الموصوفون بما ذكر من الصفات القبيحة. قال في "برهان القرآن" بغير واو موافقة للجمل التي قبلها، ولقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها ومقارنوها أو مالكوها، لكونها حاصلهم وكسبهم الذي اكتسبوه في الدنيا بالسيئة المردية المؤدية إلى التعذيب. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها أبدًا. وضمير ﴿هُمْ﴾ لتقوية الإسناد ورعاية الفاصلة، لا للحصر؛ لخلود غير المنافقين فيها من الكفار. والمعنى: لن تغني عن هؤلاء المنافقين الأموال، فيفتدوا بها من عذاب الله،

стр. 13337

ولا الأولاد فينصروهم وينقذوهم من العذاب إذا هو عاقبهم. فأولئك هم أهل النار، وهم خالدون فيها أبدًا. ١٨ - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب باذكر، ﴿اللهُ﴾ سبحانه ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ضمير المفعول، بمعنى مجموعين. ﴿فَيَحْلِفُونَ﴾ في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة ﴿لَهُ﴾؛ أي: لله على أنهم مسلمون مخلصون، كما قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدنيا. وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم (١)؛ فإن يوم القيامة قد انكشفت فيه الحقائق، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة، فكيف يجترئون على أن يكذبوا في ذلك الموقف ويحلفون على الكذب؟ والمعنى: واذكر له - أيها الرسول - حالهم يوم يبعثهم الله جميعًا من قبورهم أحياء كهيئتهم قبل مماتهم، فيحلفون له قائلين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كما كانوا يحلفون لكم في الدنيا أنهم مؤمنون مثلكم. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ في الآخرة ﴿أَنَّهُمْ﴾ بتلك الأيمان الكاذبة ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ من جلب منفعة أو دفع مضرّة، كما كانوا عليه في الدنيا؛ حيث كانوا يدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم، ويستجلبون بها فوائد دنيوية. ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا أيها المخاطبون، واعلموا ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾؛ أي: المبالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها؛ حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب، وزعموا أن أيمانهم الفاجرة تروج الكذب لديه كما تروجه عند الغافلين من المؤمنين. و ﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه، والمراد (٢): التنبيه على توغلهم في النفاق وتعودهم به؛ حيث لا ينفكون عنه موتًا ولا حياة. ولو ردوا .. لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. والمعنى (٣): أي ويعتقدون أن ذلك نافع لهم، فيجلب لهم الخير ويدفع عنهم الضير، كما كان ذلك في شأنهم في الدنيا؛ إذ كانوا يدفعون بتلك الأيمان الفاجرة عن أرواحهم وأموالهم. ويحصلون على فوائد دنيوية أخرى، ثم أنكر عليهم أعمالهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فيما يحلفون عليه زعمًا منهم أن أيمانهم

стр. 13338

الفاجرة تروج الكذب لديه تعالى، كما تروجه لدى المؤمنين في الدنيا. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. ١٩ - ثم بيّن السبب الذي أوقعهم في الردى، وأوصلهم إلى قرارة جهنم فقال: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: غلب على عقولهم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ بوسوسته وتزيينه ﴿فـ﴾ اتبعوه حتى ﴿أَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ تعالى، فلم يُمكنهم من ذِكر الله واتباع أوامره وترك نواهيه بما زين لهم من الشهوات فأوقعهم في دركات جهنم، وبئس المصير. وقرأ الجمهور: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: غلب عليهم، واستعلى واستولى. قال المبرد: استحوذ على الشيء حواه، وأحاط به؛ أي: أحاط بهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم، واستولى عليها. وقيل: قوي عليهم. وقيل: جمعهم، يقال: أحوذ الشيء؛ أي: جمعه، وضم بعضه إلى بعض. والمعاني متقاربة؛ لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم واستعلى عليم واستولى وأحاط بهم. وتقدمت هذه المادة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ في سورة النساء، وأنها من حاذ الحمار العانة إذا ساقها وجمعها غالبًا لها، ومنه كان عمر أحوذيًّا نسيج وحده كما سيأتي، وقرأ عمر (١): ﴿استحاذ﴾. أخرجه على الأصل والقياس. واستحوذ: شاذ في القياس، فصيح في الاستعمال. ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ فهم لا يذكرونه لا بقلوبهم ولا بألسنتهم. وقيل: ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: أوامره والعمل بطاعته، فلم يذكروا شيئًا من ذلك. وقيل: زواجره في النهي عن معاصيه. و ﴿ذِكْرَ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: كان سببًا بالاستيلاء لنسيانه تعالى، فلم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ المنافقون الموصوفون بما ذكر من القبائح ﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: جنود الشيطان وأتباعه الساعون فيما أمرهم به. والحزب: الفريق الذي يجمعه مذهب واحد، كما سيأتي. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غاية وراءه؛ حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم.

стр. 13339

والمعنى (١): أي أولئك هم جنود الشيطان وأعوانه، وإن جنده لهم الهالكون المغبونون في صفقتهم، إذ هم قد فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، واستبدلوا به العذاب الأليم، وليس من دأب العاقل أن يقبل مثل هذا لنفسه. أو: هم الكاملون في الخسران، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران؛ لأنهم باعوا الجنة والهدى بالضلالة والعذاب، وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة. قال بعض المشايخ - بوأه الله الدرجات الشوامخ -: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والملابس والمراكب والمفارش، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمه عليه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب واللغو والغيبة والبهتان، وسمعه عن الحق باستماع اللهو والملاهي والفيديو والتلافيز، كما هو ديدن أهل زماننا ودأب أهل عصورنا. ٢٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي (٢): يعادونهما، ويخالفون أمرهما، ويتعدون حدودهما ويفعلون معهما فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها، فيجعل لها حدًا لا يتعداه خصمه. ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعزّ منهم .. قال تعالى نفيًا لهذا الغرور الظاهر: ﴿أُولَئِكَ﴾ الأباعد والأسافل بما فعلوا من المحادة ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾؛ أي: في جملة من هو أذل خلق الله من الأولين والآخرين، لا ترى أحدًا أذل منهم؛ لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر، حيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك، وذلك بالسبي، والقتل في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم، سوقة كانوا أو ملوكًا. والمعنى: أي إن الذين يخالفون أوامر الله ونواهيه، ويمتنعون عن أداء ما فرض عليهم من فرائضه هم في جملة أهل الذلة؛ لأن الغلبة لله ولرسوله، وذلهم في الدنيا يكون بالقتل والأسر والإخراج من الديار، كما حصل للمشركين واليهود، وفي

стр. 13340

الآخرة بالخزي والنكال والعذاب الأليم، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾. وفي هذا بشارة للمؤمنين بأنه سيظهرهم على عدوهم، ويكتب لهم الفوز، ويكونون هم الأعزاء وسواهم الأذلاء. ٢١ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ ، استئناف وارد لتعليل كونهم في الأذلين؛ أي: كتب الله سبحانه، وأثبت في اللوح المحفوظ. ولما جرى ذلك مجرى القَسَم .. أجيبَ بما يُجاب به القَسَم، حيث قال: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أكده لما لهم من ظن الغلبة بالكثرة والقوة، والمراد: الغلبة بالحجة والسيف أو بأحدهما. والغلبة بالحجة ثابتة لجميع الرسل؛ لأنهم الفائزون بالعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة. وأما الغلبة بالسيف: فهي ليست ثابتة للجميع؛ لأن منهم من لم يؤمر بالحرب. قال الزجاج: غلبة الرسول على نوعين: من بعث منهم بالحرب .. فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب .. فهو غالب بالحُجة. وإذا انضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف. كان أقوى. أي: كتب الله في اللوح المحفوظ وقضى في سابق علمه لأغلبن أنا ورسلي بالحجة والسيف. وعن مقاتل: أنه لما قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله تعالى على فارس والروم .. قال رئيس المنافقين عبد الله بن أبيّ ابن سلول: أتظنون الروم وبعض فارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله إنهم لأكثر عددًا وأشد بطشًا من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزل قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ ...﴾ الآية، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾. وحاصل المعنى: أي قضى الله وحكم في أمّ الكتاب بأن الغلبة بالحجة والسيف، وما يجري مجراهما تكون لله ورسله، فقد أهلك كثيرًا من أعدائهم بأنواع من العذاب: كقوم نوح وقوم صالح، وقوم لوط وغيرهم. والحرب بين نبينا وبين المشركين وإن كانت سجالًا كانت العاقبة فيها له ﷺ ، ثم تكون لأتباعه من بعده ما داموا على سننه، محافظين على الحدود التي أمروا بها، وجاهدوا عدوهم جهادًا خالصًا لله على نحو جهاد الرسل، لا لطلب ملك وسلطان، ولا لطلب دنيا ومال، ولا لطلب جاه ومقام عال.
следующие страницы →