← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13336–13375 · переход к 13341.

стр. 13336

قيل: هو تكرير لقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ للتأكيد. وقيل: الأول عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة. ولا وجه للقول بالتكرار، فإن العذاب الموصوف بالإهانة غير العذاب الموصوف بالشدة. والمعنى (١): أي أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وتستروا بالأيمان الكاذبة. فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم أنهم صادقون، وبهذه الوسيلة صدوا كثيرًا من الناس عن سبيل الله، وبتثبيط من لقوا عن الدخول في الإِسلام، بتحقير شأنه في نظرهم. ثم بيّن ما كافأهم به على عملهم فقال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: عذاب يلحقهم به الذل والهوان في النار، جزاء ما امتهنوا اسمه الكريم بالحلف به كذبًا. ١٧ - ثم أرشد إلى أنّ ما ظنوه منجيًا لهم من عذاب الله من المال والأولاد ليس بنافع لهم حينئذٍ، فقال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ ولن تدفع ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن هؤلاء المنافقين ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ الكثيرة ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ العديدة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من عذاب الله سبحانه يوم القيامة ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء والدفع. يقال: أغنى عنه كذا إذا كفاه، يعني: أنهم يحلفون كاذبين للوقاية المذكورة، ولا تنفعهم إذا دخلوا النار أموالهم ولا أولادهم التي صانوها وافتخروا بها في الدنيا. أو يقولون: إن كان ما يقول محمد حقًا .. لندفعنّ العذاب عن أنفسنا بأموالنا وأولادنا. فأكذبهم الله تعالى بهذه الآية، فإن يوم القيامة يومٌ لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا يكفي أحد أحدًا في شأن من الشؤون. ﴿أُولَئِكَ﴾: الموصوفون بما ذكر من الصفات القبيحة. قال في "برهان القرآن" بغير واو موافقة للجمل التي قبلها، ولقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها ومقارنوها أو مالكوها، لكونها حاصلهم وكسبهم الذي اكتسبوه في الدنيا بالسيئة المردية المؤدية إلى التعذيب. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها أبدًا. وضمير ﴿هُمْ﴾ لتقوية الإسناد ورعاية الفاصلة، لا للحصر؛ لخلود غير المنافقين فيها من الكفار. والمعنى: لن تغني عن هؤلاء المنافقين الأموال، فيفتدوا بها من عذاب الله،

стр. 13337

ولا الأولاد فينصروهم وينقذوهم من العذاب إذا هو عاقبهم. فأولئك هم أهل النار، وهم خالدون فيها أبدًا. ١٨ - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب باذكر، ﴿اللهُ﴾ سبحانه ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ضمير المفعول، بمعنى مجموعين. ﴿فَيَحْلِفُونَ﴾ في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة ﴿لَهُ﴾؛ أي: لله على أنهم مسلمون مخلصون، كما قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدنيا. وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم (١)؛ فإن يوم القيامة قد انكشفت فيه الحقائق، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة، فكيف يجترئون على أن يكذبوا في ذلك الموقف ويحلفون على الكذب؟ والمعنى: واذكر له - أيها الرسول - حالهم يوم يبعثهم الله جميعًا من قبورهم أحياء كهيئتهم قبل مماتهم، فيحلفون له قائلين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كما كانوا يحلفون لكم في الدنيا أنهم مؤمنون مثلكم. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ في الآخرة ﴿أَنَّهُمْ﴾ بتلك الأيمان الكاذبة ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ من جلب منفعة أو دفع مضرّة، كما كانوا عليه في الدنيا؛ حيث كانوا يدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم، ويستجلبون بها فوائد دنيوية. ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا أيها المخاطبون، واعلموا ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾؛ أي: المبالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها؛ حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب، وزعموا أن أيمانهم الفاجرة تروج الكذب لديه كما تروجه عند الغافلين من المؤمنين. و ﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه، والمراد (٢): التنبيه على توغلهم في النفاق وتعودهم به؛ حيث لا ينفكون عنه موتًا ولا حياة. ولو ردوا .. لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. والمعنى (٣): أي ويعتقدون أن ذلك نافع لهم، فيجلب لهم الخير ويدفع عنهم الضير، كما كان ذلك في شأنهم في الدنيا؛ إذ كانوا يدفعون بتلك الأيمان الفاجرة عن أرواحهم وأموالهم. ويحصلون على فوائد دنيوية أخرى، ثم أنكر عليهم أعمالهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فيما يحلفون عليه زعمًا منهم أن أيمانهم

стр. 13338

الفاجرة تروج الكذب لديه تعالى، كما تروجه لدى المؤمنين في الدنيا. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. ١٩ - ثم بيّن السبب الذي أوقعهم في الردى، وأوصلهم إلى قرارة جهنم فقال: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: غلب على عقولهم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ بوسوسته وتزيينه ﴿فـ﴾ اتبعوه حتى ﴿أَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ تعالى، فلم يُمكنهم من ذِكر الله واتباع أوامره وترك نواهيه بما زين لهم من الشهوات فأوقعهم في دركات جهنم، وبئس المصير. وقرأ الجمهور: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: غلب عليهم، واستعلى واستولى. قال المبرد: استحوذ على الشيء حواه، وأحاط به؛ أي: أحاط بهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم، واستولى عليها. وقيل: قوي عليهم. وقيل: جمعهم، يقال: أحوذ الشيء؛ أي: جمعه، وضم بعضه إلى بعض. والمعاني متقاربة؛ لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم واستعلى عليم واستولى وأحاط بهم. وتقدمت هذه المادة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ في سورة النساء، وأنها من حاذ الحمار العانة إذا ساقها وجمعها غالبًا لها، ومنه كان عمر أحوذيًّا نسيج وحده كما سيأتي، وقرأ عمر (١): ﴿استحاذ﴾. أخرجه على الأصل والقياس. واستحوذ: شاذ في القياس، فصيح في الاستعمال. ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ فهم لا يذكرونه لا بقلوبهم ولا بألسنتهم. وقيل: ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: أوامره والعمل بطاعته، فلم يذكروا شيئًا من ذلك. وقيل: زواجره في النهي عن معاصيه. و ﴿ذِكْرَ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: كان سببًا بالاستيلاء لنسيانه تعالى، فلم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ المنافقون الموصوفون بما ذكر من القبائح ﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: جنود الشيطان وأتباعه الساعون فيما أمرهم به. والحزب: الفريق الذي يجمعه مذهب واحد، كما سيأتي. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غاية وراءه؛ حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم.

стр. 13339

والمعنى (١): أي أولئك هم جنود الشيطان وأعوانه، وإن جنده لهم الهالكون المغبونون في صفقتهم، إذ هم قد فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، واستبدلوا به العذاب الأليم، وليس من دأب العاقل أن يقبل مثل هذا لنفسه. أو: هم الكاملون في الخسران، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران؛ لأنهم باعوا الجنة والهدى بالضلالة والعذاب، وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة. قال بعض المشايخ - بوأه الله الدرجات الشوامخ -: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والملابس والمراكب والمفارش، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمه عليه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب واللغو والغيبة والبهتان، وسمعه عن الحق باستماع اللهو والملاهي والفيديو والتلافيز، كما هو ديدن أهل زماننا ودأب أهل عصورنا. ٢٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي (٢): يعادونهما، ويخالفون أمرهما، ويتعدون حدودهما ويفعلون معهما فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها، فيجعل لها حدًا لا يتعداه خصمه. ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعزّ منهم .. قال تعالى نفيًا لهذا الغرور الظاهر: ﴿أُولَئِكَ﴾ الأباعد والأسافل بما فعلوا من المحادة ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾؛ أي: في جملة من هو أذل خلق الله من الأولين والآخرين، لا ترى أحدًا أذل منهم؛ لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر، حيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك، وذلك بالسبي، والقتل في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم، سوقة كانوا أو ملوكًا. والمعنى: أي إن الذين يخالفون أوامر الله ونواهيه، ويمتنعون عن أداء ما فرض عليهم من فرائضه هم في جملة أهل الذلة؛ لأن الغلبة لله ولرسوله، وذلهم في الدنيا يكون بالقتل والأسر والإخراج من الديار، كما حصل للمشركين واليهود، وفي

стр. 13340

الآخرة بالخزي والنكال والعذاب الأليم، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾. وفي هذا بشارة للمؤمنين بأنه سيظهرهم على عدوهم، ويكتب لهم الفوز، ويكونون هم الأعزاء وسواهم الأذلاء. ٢١ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ ، استئناف وارد لتعليل كونهم في الأذلين؛ أي: كتب الله سبحانه، وأثبت في اللوح المحفوظ. ولما جرى ذلك مجرى القَسَم .. أجيبَ بما يُجاب به القَسَم، حيث قال: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أكده لما لهم من ظن الغلبة بالكثرة والقوة، والمراد: الغلبة بالحجة والسيف أو بأحدهما. والغلبة بالحجة ثابتة لجميع الرسل؛ لأنهم الفائزون بالعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة. وأما الغلبة بالسيف: فهي ليست ثابتة للجميع؛ لأن منهم من لم يؤمر بالحرب. قال الزجاج: غلبة الرسول على نوعين: من بعث منهم بالحرب .. فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب .. فهو غالب بالحُجة. وإذا انضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف. كان أقوى. أي: كتب الله في اللوح المحفوظ وقضى في سابق علمه لأغلبن أنا ورسلي بالحجة والسيف. وعن مقاتل: أنه لما قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله تعالى على فارس والروم .. قال رئيس المنافقين عبد الله بن أبيّ ابن سلول: أتظنون الروم وبعض فارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله إنهم لأكثر عددًا وأشد بطشًا من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزل قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ ...﴾ الآية، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾. وحاصل المعنى: أي قضى الله وحكم في أمّ الكتاب بأن الغلبة بالحجة والسيف، وما يجري مجراهما تكون لله ورسله، فقد أهلك كثيرًا من أعدائهم بأنواع من العذاب: كقوم نوح وقوم صالح، وقوم لوط وغيرهم. والحرب بين نبينا وبين المشركين وإن كانت سجالًا كانت العاقبة فيها له ﷺ ، ثم تكون لأتباعه من بعده ما داموا على سننه، محافظين على الحدود التي أمروا بها، وجاهدوا عدوهم جهادًا خالصًا لله على نحو جهاد الرسل، لا لطلب ملك وسلطان، ولا لطلب دنيا ومال، ولا لطلب جاه ومقام عال.

стр. 13341

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه، تعليل للقهر والغلبة، أكده لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه ﴿قَوِيٌّ﴾ على نصر أنبيائه. قال بعضهم: القوي: هو الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا يمسه نصب ولا تعب، ولا يدركه قصور ولا عجز في نقض ولا إبرام. والقوة في الأصل: عبارة عن شدة البنية وصلابتها المضادة للضعف، ويراد بها: القدرة بالنسبة إلى الله تعالى. ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يغلب عليه في مراده. والمعنى: أن الله الذي له الأمر كله - قوي على نصر رسله، لا يُغلب على مراده، فمتى أراد شيئًا .. كان، ولم يجد معارضًا ولا ممانعًا، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾. فإن قلت (١): فإذا كان الله قويًا عزيزًا غير عاجز. فما وجه انهزام المسلمين في بعض الأحيان وقد وعد النصر لأوليائه؟ قلت: إن النصرة والغلبة منصب شريف فلا يليق بالكافر، لكن الله تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار، وأخرى على المؤمنين؛ لأنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات .. لحصل العلم الضروري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ولو كان كذلك .. لبطل التكليف والثواب والعقاب. فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان، وأخرى على أهل الكفر، لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإِسلام، فيعظم ثوابه عند الله تعالى. ٢٢ - ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد. و ﴿تَجِدُ﴾ إما متعد إلى اثنين، فقدله: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ مفعوله الثاني، أو إلى واحدٍ؛ بأن كان بمعنى: صادف، فهو حال من مفعوله، لتخصيصه بالصفة، وهو ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. والموادة: الصحابة، مفاعلة من المودة، بمعنى: المحبة، وهي: حالة تكون في القلب أولًا، ويظهر آثارها في القالب ثانيًا. والمراد بمن حاد الله ورسوله: المنافقون، واليهود، والفساق، والظلمة، والمبتدعة. والمراد

стр. 13342

بنفي الوجدان: نفي الموادة على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال وإن جد في طلبه كل أحد، وجعل ما لا ينبغي وجوده غير موجود لشركته في فقد الخير. ويجوز أن يقال: لا تجد قومًا كاملي الإيمان على ما يدل عليه سياق النظم، فعدم الوجدان على حقيقته. أي: لا تجد يا محمد، أو أيها المخاطب قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان، موادين ومحبين من حاد الله ورسوله، وخالفهما في أوامرهما ونواهيهما ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾؛ أي: من حاد الله ورسوله. والجمع باعتبار معنى ﴿مَنْ﴾ كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها. ﴿آبَاءَهُمْ﴾؛ أي: آباء الموادين ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قدم الأقدم حرمة ثم الأحكم محبة ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ نسبًا ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾؛ أي: أقاربهم؛ أي: ولو كان المحادون لله ورسوله آباء الموادين .. إلخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك، ويمنع منه، ورعايته أقوى من رعاية الأبوة والبنوة والأخوة والعشيرة. والمعنى (١): أي لا تجد قومًا يجمعون بين الإيمان بالله واليوم الآخر، ومودة أعداء الله ورسوله؛ لأن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين، إذ من كان مؤمنًا حقًا لا يوالي كافرًا، فمن أحب أحدًا .. امتنع أن يوالي عدوه. والمراد من موالاته: مناصحته وإرادة الخير له في الدِّين والدنيا. أما المخالطة والمعاشرة: فليست بمحظورة، ولقد أصاب المسلمين اليوم من ذلك بلاءً شديد، فإنا نرى الأمم الإِسلامية أصبحت في أخريات الأمم، ويصادقون الأفارج والنصارى، وينصرونهم على أبناء جنسهم، ويقتدون بهم في عاداتهم وأخلاقهم، ولو كان في ذلك ذل لهم ولدينهم وأمتهم، ولن تزول هذه الغفلة إلا بالاستشعار بالعزة الدينية والكرامة القومية، والدفاع عن حوزة الدِّين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. ثم بالغ في الزجر، وأبان أنه لا ينبغي لمؤمن أن يفعل ذلك ولو مع الأقارب، كالآباء الذين يجب طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف، أو الأبناء الذين هم فلذات الأكباد، أو الإخوان الذين هم الناصرون لهم، أو العشيرة الذين يعتمد عليهم بعد الإخوان. والخلاصة: أنه لا يجتمع إيمان مع موادة أعداء الله؛ لأن من أحب أحدًا .. امتنع من محبة عدوه، فإذا حصل في القلب مودّة أعداء الله .. لم يحصل فيه

стр. 13343

الإيمان الصحيح، وكان صاحبه منافقًا. أخرج الطبراني والحاكم والترمذي مرفوعًا: يقول الله ﵎: "وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي". وأخرج الديلمي من طريق الحسن عن معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم لا تجعل لفاجر ولا لغاش عليّ يدًا ولا نعمة فيوده قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت إليّ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. تتمّة: وبدأ بالآباء (١)؛ لأنهم الواجب على الأولاد طاعتهم، فنهاهم عن مودتهم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. ثم ثنى بالأبناء؛ لأنهم أعلق بالقلوب، ثم أتى ثالثًا بالإخوان؛ لأن بهم التعاضد، كما قيل: أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُ ... كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ ثم رابعًا بالعشيرة؛ لأن بها التناصر، وبهم المقاتلة والتغلب، والتسرع إلى ما دعوا إليه ما قال: لَا يَسْأَلُوْنَ أَخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانا وقرأ الجمهور: ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ على الإفراد، وأبو رجاء على الجمع ﴿عَشِيْرَاتِهم﴾. ورويت هذه القراءة عن عاصم. ثم بيَّن العلة في عدم اجتماع الإِيمان، ومودة أعدائه، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين سلفت أوصافهم. فهو إِشارة إِلى الذين لا يوادونهم وإن كانوا أقرب الناس إليهم وأمسهم رحمًا. ﴿كَتَبَ﴾ الله سبحانه؛ أي: خلق، وأثبت، وأركز ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ وهو (٢) الإيمان الوهبي الذي وهبه الله لهم قبل خلق الأصلاب والأرحام، إذ لا يزال أبدًا بحال كالإِيمان المستعار. وفيه دلالة على خروج العمل من مفهوم الإِيمان، فإن الجزء الثابت في القلب ثابت فيه قطعًا، ولا شيء من أعمال الجوارح

стр. 13344

يثبت فيه. وفيه حجة ظاهرة على القدرية حيث زعموا أن الإِيمان والكفر يستقل بعملهما العبد، وهم القائلون بنفي كون الخير والشر كله بتقدير الله ومشيئته، يعني: هم الذين يزعمون أن كل عبد خالق لفعله، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله. وسموا بذلك لمبالغتهم في نفيه وكثرة مدافعتهم إياه. وقيل: لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد، وليس بشيء؛ لأن المناسب حينئذٍ القدري بضمّ القاف. وقرأ الجمهور (١): ﴿كَتَبَ﴾ مبنيًا للفاعل ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ نصبًا على المفعولية؛ أي: كتب الله. وقرأ أبو حيوة، وزرّ بن حبيش، والمفضل عن عاصم: ﴿كُتِبَ﴾ مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿الْإِيمَانُ﴾ على النيابة. والمعنى: أي أولئك الذين لا يوادون مَنْ حاد الله ورسوله أثبت (٢) الله سبحانه في قلوبهم الإِيمان، والإيمان نعمة عظيمة لا تحصل لمن يواد من حاد الله ورسوله. وفي هذا مبالغة عظيمة في الزجر عن موادة أعداء الله. ثم ذكر سببًا آخر يمنع من موادتهم، فقال: ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾؛ أي: قواهم الله سبحانه. وأصله: قوَّى يدهم ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾؛ أي (٣): من عند الله تعالى. و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، وهو نور القرآن، أو النصر على العدوّ؛ أي: قوَّى يدهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا. وسمى نصره لهم روحًا لأن به يحيا أمرهم. وقيل: هو نور القلب. وهو بإدراك حقيقة الحال، والرغبة في الارتقاء إلى المدارج الرفيعة الروحانية، والخلاص من درك عالم الطبيعة الدنية. وكل ذلك سمي روحًا لكونه سببًا للحياة. وقيل: بجبريل. وقيل: برحمة. وقيل (٤): الضمير للإِيمان؛ فإنه سبب لحياة القلب. أي: إنه قوَّاهم بطمأنينة القلب، والثبات على الحق. فلا يبالون بموادة أعداء الله، ولا يأبهون لهم. ثم ذكر ما أعده لهم من النعيم المقيم، فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها أو

стр. 13345

قصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة: الماء، واللبن، والخمر، والعسل، حال كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي (١): ماكثين فيها أبدَ الآباد لا يقرب منهم زوال، ولا موت، ولا مرض، ولا فقر، كما قال ﷺ : "ينادي منادٍ: آن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وآن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وآن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وآن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا". ثم ذكر السبب فيما أفاض عليهم من نعمه، فقال: ﴿﵃﴾؛ أي: قبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة. والرضى: ضد السخط. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: فرحوا بما أعطاهم عاجلًا وآجلًا. والمعنى (٢): أي ﵃، فأغدق عليهم رحمته العاجلة والآجلة، فأدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوا لابتهاجهم بما أوتوا عاجلًا وآجلًا، فإنهم لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى .. عوضهم بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم. ثم أشاد بتشريفهم فجعلهم جنده تعالى، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات السابقة ﴿حِزْبُ اللَّهِ﴾؛ أي: جنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه وينصرون أولياءه. وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم عظيم وتكريم فخيم. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ وأعوانه ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الناجون من المكروه والفائزون بالمحبوب، دون غيرهم المقابلين لهم من حزب الشيطان المخصوصين بالخذلان والخسران، وهو بيان لاختصاصهم بالفوز بسعادة النشأتين وخير الدارين. والمعنى (٣): أي هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، الكاملون في الفلاح، الذين صار فلاحهم هو الفرد الكامل حتى كان فلاح غيرهم بالنسبة إلى فلاحهم كَلَا فلاح. الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى

стр. 13346

الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التعجبي، ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وعلامة جزمه: حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى محمد، أو إلى أي مخاطَب، ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿تَرَ﴾ وهو متعد بإلى؛ لأنه بمعنى: تنظر. والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة للتعجب من حال المنافقين الذين اتخذوا اليهود أولياء. ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿مَا﴾: مفعول به، وجملة ﴿غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ صفة قومًا، ﴿مَا﴾: نافية حجازية، ﴿هُمْ﴾: اسمها، ﴿مِنْكُمْ﴾: خبرها. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، (لا): نافية، ﴿مِنْهُمْ﴾: معطوف على ﴿مِنْكُمْ﴾، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية مستأنفة، أو صفة ثانية لـ ﴿قَوْمًا﴾، أو حال من فاعل ﴿تَوَلَّوْا﴾. ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَوَلَّوْا﴾. وهو داخل في حيّز الصلة. ﴿عَلَى الْكَذِبِ﴾ متعلق بـ ﴿يحلفون﴾، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يحلفون﴾. ﴿أَعَدَّ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به، ﴿شَدِيدًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض بمعنى قبح، مجرد عن معنى الإنشاء، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿سَاءَ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وجملة ﴿سَاءَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾. ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، من أخوات ظنّ، ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾: مفعول أول لـ ﴿اتخذ﴾، ﴿جُنَّةً﴾: مفعول ثان له، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فَصَدُّوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿صَدُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اتَّخَذُوا﴾، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿صدوا﴾، ﴿فَلَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لهم﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مهِين﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿صدوا﴾ ﴿لَنْ﴾: حرف نصب واستقبال، ﴿تُغْنِيَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُغْنِيَ﴾، ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾: فاعل، ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾: معطوف على ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾، ﴿مِنَ

стр. 13347

اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُغْنِيَ﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول مطلق؛ أي: قليلًا من الإغناء. والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿أَصْحَابُ﴾: خبره، ﴿النَّارِ﴾: مضاف إليه، والجملة مستأنفة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، و ﴿خَالِدُونَ﴾: خبرهم، والجملة في محل النصب حال من ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر، والجملة مستأنفة، ﴿يَبْعَثُهُمُ﴾: فعل ومفعول مقدم ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير المفعول، أي: مجتمعين. ﴿فَيَحْلِفُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يحلفون﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَبْعَثُهُمُ﴾، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿يحلفون﴾، ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿يَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كحلفهم لكم. والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: فيحلفون له حلفًا مثل حلفهم لكم. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب حال من الواو في ﴿يَحْلِفُونَ﴾؛ أي: يحلفون له حال كونهم ظانين أنّ حلفهم في الآخرة يجديهم من عذابها. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: خبره، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر سادّ مسد مفعولي حسب، أي: ويحسبون كونهم على شيء، ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه واستفتاح. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ، ﴿الْكَاذِبُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾ على الأول، وخبر ﴿هُمُ﴾ على الثاني، والجملة خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿اسْتَحْوَذَ﴾: فعل ماضي، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَحْوَذَ﴾، ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان استيلاء الشيطان عليهم. ﴿فَأَنْسَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أنساهم﴾: فعل ماضي، وفاعل مستتر يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، ومفعول به أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَحْوَذَ﴾، ﴿ذِكْرَ اللَّهِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أنساهم﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: خبره. والجملة مستأنفة ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح وتنبيه. ﴿إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ﴾ ناصب

стр. 13348

واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ، ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: خبر على الحالين، كما مر آنفًا. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة صلة الموصول، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾: خبر. والجملة الابتدائية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وقد تضمن ﴿كَتَبَ﴾: معنى فعل القسم، وأجيب عنه بقوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. كأنه قيل: أقسم بالله لأغلبن أنا .. إلخ. ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أغلبن﴾: فعل مضارع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا، والجملة جواب القسم المضمن في ﴿كَتَبَ﴾، لا محل لها من الإعراب. و ﴿أنا﴾: تأكيد لفاعل ﴿أغلبن﴾، ﴿وَرُسُلِي﴾: معطوف على الضمير المستتر في ﴿أغلبن﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿قَوِيٌّ﴾: خبر أول، ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر ثان له. وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَجِدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، والجملة مستأنفة. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول أول، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: صفة قومًا، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة، ﴿الْآخِرِ﴾: صفة اليوم، ﴿يُوَادُّونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تَجِدُ﴾، ﴿حَادَّ اللَّهَ﴾: فعل ماضي، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة.

стр. 13349

هذا إن كان وجد بمعنى علم، وإن كان بمعنى صادف .. فجملة ﴿يُوَادُّونَ﴾: حال من ﴿قَوْمًا﴾، لتخصصه بالصفة. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف تقديره: لا يوادون من حاد الله ورسوله لو كانوا غير أبائهم أو أبنائهم، إلخ، لا يوادونهم. وجملة الشرط المحذوف في محل النصب حال من ﴿مَن﴾ الموصولة في قوله: ﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص، ﴿آبَاءَهُمْ﴾: خبر كان، ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾: معطوفات على ﴿آبَاءَهُمْ﴾. وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لو﴾ الشرطية، وجوابها محذوف تقديره: لا يوادونهم. وجملة ﴿لو﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لو﴾ المحذوفة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿كَتَبَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على اللهَ، ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الْإِيمَانَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿كَتَبَ﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾: فعل ماضي، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿كَتَبَ﴾، ﴿بِرُوحٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَيَّدَ﴾، ﴿مِنْهُ﴾: صفة روح، ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به أول، معطوف على ﴿كَتَبَ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على السعة، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق به، ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من هاء ﴿يدخلهم﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿رَضِىَ﴾، ﴿وَرَضُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿رَضِيَ﴾، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿وَرَضُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح. ﴿إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ أو خبر ﴿هُمُ﴾، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾: من التولي، بمعنى الموالاة، لا بمعنى الإعراض. والموالاة: المودة، والمحبة، والصداقة. وأصله: توليوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿تولوا﴾. ﴿قَوْمًا﴾: هم اليهود. ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: غضب الله: سخطه، وطرده من رحمته. والغضب

стр. 13350

في الأصل: حركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام ممن أساء لك. ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: والحلف: العهد بين القوم، والمحالفة: العهد. والحلف أصله: اليمين التي يأخذ بعضهم من بعض بها العهد، ثم عبر به عن كل يمين. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾: أصله: أعدد، نقلت حركة الدال الأولى، إلى العين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية. ﴿سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أصله: سوأ، بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿جُنَّةً﴾: الجنة - بضم الجيم -: الترس؛ لأنه يجن صاحبه ويقيه من السلاح. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ فالاتخاذ عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة، اهـ من "الروح". ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ من الإغناء، يقال: أغنى عنه كذا، إذا كفاه. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ مصدره الحسبان، وهو أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله، فيحسبه ويعقد عليه الأصبع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك، يقاربه الظن، لكن الظن: أن يخطر النقيضان بباله، فيغلب أحدهما على الآخر. ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ من حذف الإبل، إذا استوليت عليها وجمعتها وسقتها سوقًا عنيفًا، وهو مما جاء على الأصل، كاستصوب واستنوق؛ أي: على خلاف القياس، فإن القياس أن يقال: استحاذ، بقلب الواو ألفًا، كاستقام واستعاذ، فهو فصيح استعمالًا وشاذ قياسًا. ومنه قول عائشة ﵂: "كان عمر أحوذيًا نسيج وحده"؛ أي: سائمًا ضابطًا للأمور، لا نظير له. ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: لم يمكنهم من ذكرهم إياه تعالى بما زين لهم من الشهوات. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ والحزب: الفريق الذي يجمعه مذهب واحد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: يعادونهما، ويخالفون أمرهما، من حادّه محادّةً، كشاقه مشاقة. وكلّ منهما: المخالفة، والمعاداة، والمنازعة. ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾؛ أي: في جملة أذل خلق الله وأحقره؛ لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزّة الآخَر. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾: ﴿تَجِدُ﴾: فيه إعلال بالحذف، إذ قياسه: توجد، من وجد المثالي، من باب فعل بفتح العين، يفعل بكسرها، نظير وعد يعد، لكن فاء هذا الفعل حذفت من المضارع حذفًا مطردًا. ﴿يُوَادُّونَ﴾ أصله: يواددون، بوزن يفاعلون، سكنت الدال الأولى وأدغمت في الثانية. ﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ أصله: حادد بوزن فاعل، كرهوا توالي المثلين فسكنوا الدال

стр. 13351

الأولى، فأدغموها في الثانية. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ العشيرة: أهل الرجل الذين يتكثّر بهم؛ أي: يصيرون بمنزلة الكامل. وذلك أن العشرة هو العدد الكامل، فصار العشيرة لكل جماعة من أقارب الرجل يتكثر بهم. والعشير: المعاشر قريبًا أو معارفًا. وفي "القاموس": عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون أو قبيلته، انتهى. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ للدلالة على تكرر الحلف وتجدده حسب تكرر ما يقتضيه. ومنها: التقييد بقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: دلالة على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم مطابقته للواقع وما لا يعلمه، فيكون حُجة على النظَّام، والجاحظ، كما مر. فائدة: ذكر علماء البلاغة في حد الصدق والكذب أقوالًا أربعة: أولًا - إن الصدق مطابقة حكم الخبر للواقع، والكذب عدم مطابقته له. ولو كان الاعتقاد بخلاف ذلك في الحالين. ثانيًا - وهو للنظَّام من كبار المعتزلة -: أن الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر، ولو خطأ، والكذب: عدم مطابقته للاعتقاد، ولو صوابًا. وما الاعتقاد معه على هذا القول داخل في الكذب بلا واسطة. ثالثًا - وهو للجاحظ، أحد شيوخ المعتزلة أيضًا -: أن الصدق المطابقة للخارج مع اعتقاد المخبر المطابقة. والكذب عدم المطابقة للواقع مع اعتقاد عدمها. وما عدا ذلك ليس بصدق ولا كذب - أي: واسطة بينهما -. وهو أربع صور: المطابق ولا اعتقاد لشيء، والمطابق مع اعتقاد عدم المطابقة، وغير المطابق مع اعتقاد المطابقة، وغيره ولا اعتقاد. رابعًا - وهو للراغب -: وهو مثل قول الجاحظ، غير أنه وَصَف الصور الأربع بالصدق والكذب باعتبارين؛ فالصدق باعتبار المطابقة للخارج أو للاعتقاد، والكذب من حيث انتفاء المطابقة للخارج أو للاعتقاد. وحجة ما لكل من الأقوال مذكورة

стр. 13352

في محله. ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إفادة لنوعية العذاب؛ لأنه يدل على أنه نوع من أنواع العذاب الشديد. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية، أو التشبيه البليغ في قوله: ﴿جُنَّةً﴾ من قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾؛ لأنه حقيقة في الترس، فاستعير لما هو وقاية للشيء، أو كالجنة. ومنها: الجناس الناقص بين ﴿يَعْلَمُونَ﴾، و ﴿يَعْمَلُونَ﴾ لتغيير الرسم. ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾؛ لأنه حذف منه وجه الشبه، وهو عدم النفع في كل من الحلفين. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وفي قوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وبين قوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ومنها: توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾، ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، ﴿خَالِدُونَ﴾، ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ومنها: رعاية الترتيب العجيب في قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ إلخ. فقد بدأ أولًا بالآباء؛ لأنهم أدعى إلى الاهتمام بهم، لوجوب إخلاص الطاعة لهم، ثم ثنى بالأبناء؛ لأنهم أعلق بحبات القلوب ثم ثلث بالإخوان؛ لأنهم هم المثابة عند الحاجة والناصر عند نشوب الأزمات، ثم ربع بالعشيرة؛ لأنها المستغاث في الشدائد، وهي الموئل والمفزع في النوائب، وهم المسرعون إلى النجدة. كما مر. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13353

خلاصة موضوعات هذه السورة الكريمة اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - ألفة الأزواج في المنازل. ٢ - ألفة الأصحاب في المجالس. ٣ - الأدب مع الحكام؛ بترك مضايقتهم لكثرة أعمالهم. ٤ - رفق الحكام بالمحكومين عليهم إذا رأوا أمرًا يثقلهم. ٥ - مجانبة خيانة الأمة بموالاة أعدائها، وبالنفاق والشقاق، فإن ذلك يضعفها، ويفرق جمعها، ويذلها (١). والله أعلم * * *

стр. 13354

سورة الحشر سورة الحشر نزلت بعد سورة البيّنة، وتسمى: سورة النضير. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، فقال: قل: سورة النضير؛ يعني: أنها نزلت في بني النضير كما صرح بذلك في بعض الروايات. وهي مدنيّة - قال القرطبي -: في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي، عن ابن عباس قال: (نزلت سورة الحشر بالمدينة). وآيها أربع وعشرون آية، وكلماتها سبع مئة، وخمس وأربعون كلمة، وحروفها ألف وتسع مئة وثلاثة عشر حرفًا. مناسبتها لما قبلها من وجوه (١): ١ - أن في آخر السالفة قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، وفي أول هذه قال: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. ٢ - أن في السابقة ذكر من حاد الله ورسوله، وفي أول هذه ذكر من شاق الله ورسوله. ٣ - أن في السابقة ذكر حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضًا، وفي هذه ذكر ما حل باليهود وبيان عدم فائدة تولي المنافقين إياهم. وعبارة أبي حيان: مناسبتها لما قبلها (٢): أنه لما ذكر في السابقة حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضًا .. ذكر هنا أيضًا ما حلّ باليهود من غضب الله عليهم وجلائلهم، وإمكان الله تعالى رسوله ﷺ ممن حاد الله ورسوله رام الغدر بالرسول ﷺ ، وأظهر العداوة بحلفهم مع قريش.

стр. 13355

تسميتها: سميت سورة الحشر، وسورة النضير؛ لذكر حشر بني النضير، وإخراجهم من المدينة إلى الشام فيها. الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الحشر ليس فيها منسوخ، وفيها ناسخ، وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ...﴾ الآية (٧)، نسخ الله تعالى بها آية الأنفال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾ الآية (١) من سورة الأنفال. فضائلها (١): ومما ورد في فضلها: ما أخرجه الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر .. وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات من يومه .. مات شهيدًا، ومن قرأها حين يمسي .. فكذلك". وقال: حديث حسن غريب. ومنه: ما روى ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ سورة الحشر .. لم يبق شيء من الجنة والنار، والعرش والكرسي، والسموات والأرض، والهوام والريح، والسحاب، والطير والدواب، والشجر والجبال، والشمس والقمر، والملائكة، إلا صلوا عليه واستغفروا له، فإن مات في يومه أو ليلته .. مات شهيدًا". أخرجه الثعلبي، وفيه مقال. والله أعلم * * *

стр. 13356

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. المناسبة قد عرفتَ مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما (١): أن الله سبحانه لما بين ما حل ببني النضير من العذاب العاجل؛ كتخريب بيوتهم بأيديهم، وتحريق نخيلهم وتقطيعها، ثم إجلائهم من بعد ذلك عن الديار إلى الشام دون أن يحملوا إلا القليل من المتاع .. ذكر هنا حكم ما أخذ من أموالهم،

стр. 13357

فجعله فيئًا لله ورسوله، ينفق مثله على أهله نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، ولا يقسم بين المقاتلة كالغنيمة؛ لأنهم لم يقاتلوا لأجله. روي: أن الصحابة ﵃ طلبوا من الرسول ﷺ أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة في بدر وغيرها بينهم، فبيّن سبحانه الفرق بين الأمرين: بأن الغنيمة تكون فيما أتعبتم أنفسكم في تحصيله وأوجفتم عليه الخيل والركاب، والفيء فيما لم تتحلوا في تحصيله تعبًا. وحينئذٍ يكون أمره مفوّضًا إلى الرسول ﷺ يضعه حيث يشاء. قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بيّن مصارف الفيء فيما سلف، وذكر أنه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين .. ذكر هنا أنه أراد بهم فقراء المهاجرين الذين لهم هذه الصفات السامية والمناقب الرفيعة، ثم مدح الأنصار ساكني المدينة، وبالغ في مدحهم. فذكر لهم هذه الفضائل: ١ - أنهم يحبون المهاجرين. ٢ - أنهم ليس في قلوبهم حقد ولا حسد لهم. ٣ - أنهم يفضلونهم على أنفسهم، ويعطونهم ما هم في أشد الحاجة إليه. وما ذاك إلا لأن الله عصمهم من الشحّ المردي والبخل المهلك الذي يدنِّس النفوس ويمنعها من اكتساب الخير وعمل البر. ثم ذكر أن التابعين لهم بإحسان - وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة - يَدْعُون لأنفسهم ومن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة. ويطلبون من الله أن لا يجعل في قلوبهم حقدًا وحسدًا لهم. أسباب النزول سورة الحشر سبب نزولها (١): ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم

стр. 13358

ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر، قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير". الحديث أخرجه مسلم أيضًا. وما أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن عائشة ﵂ قالت: "كانت غزوة بني النضير - وهم: طائفة من اليهود - على رأس ستة أشهر من غزوة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنا لهم ما أقَلَّتِ الإبلُ من الأمتعة والأموال إلا الحلقة؛ يعني: السلاح، فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾. فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، كان الله قد كتب عليهم ذلك. ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي. وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام. تنبيه: الحديث - أي: حديث الحاكم - ليس على شرط الشيخين؛ لأنهما لم يُخرجا لزيد بن المبارك ومحمد بن ثور، وهما ثقتان. فالحديث صحيح، لكن في قوله: (على شرطهما) نظر. قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه البخاري عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة، فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الحديث، أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وأبو داود، وأحمد، وابن جرير، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن ابن عباس في قول الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة: النخلة، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم، قال: وأمروا بقطع النخل، فحك في صدورهم، فقالوا: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، ولنسألن رسول الله ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ

стр. 13359

مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : "من يضم أو يضيف هذا"؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه كأنهما يأكلان، فباتا طاوين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ضحك الله الليلة - أو عجيب - من فعالكما. فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وأخرج ابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي: أن رجلًا من المسلمين ... فذكر نحوه، وفيه أن الرجل الذي أضاف هو: ثابت بن قيس بن شماس. فنزلت فيه الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: إن جميع ما في السماوات والأرض من الأشياء يقدسه سبحانه، ويمجّده، إما (١) باللسان أو بالقلب أو بدلالة الحال لانقياده لتصريفه له كيف شاء، لا معقب لحكمه. والتسبيح معناه: تبعيد الله عن السوء، وتطهيره عما لا يليق بشأن ألوهيته. ويكون بالجنان واللسان والحال: الأول: اعتقاد العبد بتعاليه عما لا يليق بالألوهية، وذلك لأن من معاني التفعيل الاعتقاد بشيء والحكم به؛ مثل: التوحيد، والتمجيد، والتعظيم؛ بمعنى: الاعتقاد بالوحدة، والمجد، والعظمة، والحكم بها. والثاني: القول بما يدل على تعاليه؛ مثل: التكبير، والتهليل، والتأمين؛ بمعنى: أن يقول: الله أكبر، ولا إله إلا الله، وآمين. وهو المشهور عند الناس.

стр. 13360

والثالث: دلالة المصنوعات على أن صانعها متصف بنعوت الجلال، مقدس عن الإمكان وما يتبعه. وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيًّا كان أو جمادًا، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده. وهذا على الإطلاق. وأما بالنسبة إلى كل موجود: فالتسابيح مختلفة، فلكل موجود تسبيح مخصوص به من حيث ما يقتضيه نشأته، كما قال بعض الكبار. فإذا رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بالذكر الذي أنت عليه .. فكشفك خيالي غير صحيح لا حقيقي، وإنما ذلك خيالك أقيم لك في الموجودات، فإذا شهدت في هؤلاء تنوعات الأذكار .. فهو الكشف الصحيح، انتهى. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: ذو العزة القاهرة ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: ذو الحكمة الباهرة. وفي إيراد الوصفين بعد التسبيح إشارة إلى الباعث له والداعي إليه؛ لأن العزة أثر الجلال، والحكمة أثر الجمال، فله تعالى الاتصاف بصفات الكمال. ٢ - قال المفسرون (١): نزلت هذه السورة في بني النضير - وهم: طائفة من اليهود من ذرية هارون أخي موسى ﵇ وكان بنو النضير، وقريظة وبنو قينقاع في وسط أرض العرب من الحجاز وإن كانوا يهودًا، والسبب في ذلك: أن بني إسرائيل كانت تُغِير عليهم العماليق في أرض الحجاز، وكانت منازلهم: يثرب والجحفة إلى مكة، فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى ﵇، فوجه إليهم جيشًا وأمرهم أن يقتلوهم ولا يبقوا منهم أحدًا، ففعلوا ذلك، وترك منهم ابن مَلِكٍ لهم كان غلامًا حسنًا، فرقوا له. ثم رجعوا إلى الشام وموسى قد مات، فقالت بنو إسرائيل: قد عصيتم وخالفتم فلا نؤويكم، فقالوا: نرجع إلى البلاد التي غلبنا عليها ونكون بها، فرجعوا إلى يثرب، فاستوطنوها وتناسلوا بها إلى أن نزل عليهم الأوس والخزرج بعد سيل العرم، فكانوا معهم إلى الإِسلام، فلما هاجر النبي ﷺ .. صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا وظهر على المشركين .. قال بنو النضير: والله إنه النبي الأمي الذي نجد نعته في التوراة، لا تُردُّ له راية. فلما غزا أُحدًا وهزم المسلمون .. ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، ونقضوا

стр. 13361

العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشًا، فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد ﷺ ، ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش، وكعبُ بن الأشرف في الأربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل ﵇ فأخبر النبي ﷺ بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة - بفتح الميم - الأنصاري، وكان أخا كعب من الرضاعة، فقتله غيلةً - أي: خدعة - وذلك أنه أتاه ليلًا فاستخرجه من ييته بقوله: إني أتيتك لأستقرض منك شيئًا من التمر، فخرج إليه فقتله، ورجع إلى النبي ﷺ فأخبره، ففرح النبي ﷺ به؛ لأنه أضعف قلوبهم، وسلب قوتهم، وإن النبي ﷺ قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح حَجَر على النبي ﷺ من الحصن، فعصمه الله سبحانه منهم، وأخبره بذلك جبريل ﵇. فلما قتل كعب بن الأشرف .. أصبح رسول الله ﷺ ، وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها: زهرة، فلما سار إلهم النبي ﷺ وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمد! واعية على إثر واعية، وباكية على إثر باكية، قال: "نعم". فقالوا: ذرنا نبك شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي ﷺ : "اخرجوا من المدينة"، فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب وأذَّنوا بالقتال، ودس المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصين، فإن قاتلوكم .. فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم .. لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها، ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله ﷺ فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك .. آمنا كلنا. فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من اليهود، حتى كانوا في براز من الأرض، فقال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك،

стр. 13362

ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فيسمعون منك، فإن آمنوا بك .. آمنا بك وصدقناك، فخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها - وهو رجل مسلم من الأنصار - فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ ، فأقبل أخوها سريعًا حتى أدرك النبي ﷺ فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي ﷺ ، فلما كان من الغد صبحهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، فسألوا رسول الله ﷺ الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة - وهي: السلاح - وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. قال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي ﷺ ما بقي. وقيل: أعطي كل ثلاثة نفر بعيرًا وسقاء، ففعلوا ذلك، وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حييّ بن أخطب؛ فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة. فذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: من بيوتهم التي كانت بالمدينة. قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ﷺ من أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان، انتهى. أي: أمر بإخراج أهل التوراة؛ يعني: بني النضير من ديارهم. جمع دار. والفرق بين الدار والبيت: أن الدار دار وإن زالت حوائطها، والبيت ليس ببيت بعدما انهدم جدرانها؛ لأن البيت اسم لمبنى مسقف، مدخله من جانب واحد بني للبيتوتة، سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثة. وهذا المعنى موجود في الضُّفَّة إلا أن مدخلها واسع، فيتناولها اسم البيت. والبيوت اسم أخص بالمسكن، والأبيات بالشِّعر. و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ للتوقيت كاللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، متعلقة بـ ﴿أَخْرَجَ﴾؛ أي: عند أول حشرهم وسوقهم إلى الشام، وفي "كشف الأسرار": اللام لام العلة؛ أي: أخرجوا من ديارهم ليكون حشرهم إلى

стр. 13363

الشام أول الحشر، والحشر معناه: إخراج جمع من مكان إلى آخر، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، إذ كان انتقالهم من بلاد الشام إلى جانب المدينة عن اختيار منهم، وهم أول في أخرج به من جزيرة العرب إلى الشام، فعلى هذا الوجه ليس الأول مقابلًا للآخر. وسميت جزيرة؛ لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات. قال الخليل بن أحمد: مبدأ الجزيرة من حفر أبي موسى، إلى اليمن في الطول، ومن رمل بِبِريش - وهو موضع بحذاء الإِحساء - إلى منقطع السماوة في العرض. والسماوة بالفتح: موضع بين الكوفة والشام. أو يقال: هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر ﵁ إياهم من خيبر إلى الشام، وذلك حين بلغه الخبر عن النبي ﷺ : "لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وقيل: آخر الحشر: حشر جمع الناس يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام. قال عكرمة: من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام .. فليقرأ هذه الآية، فإن النبي ﷺ لما قال لهم: "اخرجوا" .. قالوا: إلى أين؛ قال: "إلى أرض المحشر". قال ابن العربي: الحشر أوّل وأوسط وآخر. فالأول: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء أهل خيبر، والآخر: يوم القيامة، انتهى. ﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾؛ أي (١): أن يخرج بنو النضير من ديارهم وبيوتهم بهذا الذل والهوان؛ بشدة بأسهم ووثاقة حصونهم؛ لأنهم كانوا أهل حصون مانعة، وعقار ونخيل واسعة، وأهل عَدد كثيرة وعُدد وافرة. ﴿وَظَنُّوا﴾؛ أي: ظن بنو النضير ظنًا قويًا هو بمرتبة اليقين؛ لأن ﴿أَنْ﴾ لا تقع إلا بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته. ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ﴾ وحافظتهم ﴿حُصُونُهُمْ﴾ وقلاعهم ﴿مِنَ﴾ بأس ﴿اللَّهِ﴾ وعذابه وبطشه؛ أي: وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وقهره وبطشه. وقوله: ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿حُصُونُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ﴿أَنَّهُمْ﴾. وقدم الخبر وأسند الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم في عزة ومنعة لا يبالى بسببها، فتقديم المسند يفيد قصر المسند إليه على المسند. فإن معنى قائم زيد: أن زيدًا مقصور على القيام لا

стр. 13364

يتجاوزه إلى القعود، وكذا معنى الآية: أن حصونهم ليس لها صفة غير المانعية، ويجوز أن يكون ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ خبر ﴿أَنَّهُمْ﴾، و ﴿حُصُونُهُمْ﴾ فاعل ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ لاعتماده على المبتدأ. ورجح الثاني أبو حيان، والأول أولى. فإن قيل: ما المانع من جعل ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ مبتدأ ﴿حُصُونُهُمْ﴾ خبرًا، فإن كليهما معرفة؟ قلت: كون ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ نكرةً؛ لأن إضافتها غير مخصصة، وأن القصد إلى الإخبار عن الحصون. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: أتى بني النضير أمرُ الله وقدره المقدور لهم ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ولم يظنوا ولم يخطر ببالهم؛ أي: أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة، وهو: أنه سبحانه أمر نبيه ﷺ بقتالهم وإجلائهم، وكانوا لا يظنون ذلك. وقيل: هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه، قاله ابن جريج، والسدي، وأبو صالح؛ فإنّ قَتْلَهُ ممَّا أضعف قوتهم، وقيل شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب. و ﴿الفاء﴾: إما للتعقيب إشارة إلى أن البأس لم يكن متراخيًا عن ظنهم، أو للسبب إشارة إلى أنهم إنما أخذوا بسبب إعجابهم بأنفسهم وقطعهم النظر إلى صدرة الله وقوَّته. ﴿وَقَذَفَ﴾؛ أي: ألقى الله ، وأركز، وأثبت ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾؛ أي: في قلوب بني النضير ﴿الرُّعْبَ﴾؛ أي: الخوف الذي أرعبها وملأها، بحيث غير عقلهم، وأعجز أنفسهم، وشوش رأيهم، وفرق تدبيرهم؛ أي: ألقى في قلوبهم الخوف من المسلمين. والمراد (١) بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم هو: الذي ثبت في "الصحيح" من قوله ﷺ : "نصرت بالرعب مسيرة شهر". وجملة قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ مستأنفة لبيان حالهم عند الرعب أو في محل النصب على الحال؛ أي: يخربونها بأيديهم ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا تبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء .. حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها

стр. 13365

من داخل والمسلمون من خارج، ولينقلوا معهم بعض آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل. ﴿وَ﴾ بـ ﴿أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث كانوا يخربونها إزالة لمتحصنهم ومتمنعهم، وتوسيعًا لمجال القتال، وإضرارًا بهم، وإسناد هذا إليهم لما أنهم السبب فيه، فكأنهم كلفوهم إياه، وأمروهم به، وهذا كقوله ﷺ : "من أكبر الكبائر: أن يسب الرجل والديه"، فقالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ فقال: "يساب الرجل، فيسب أباه فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". وقال الضحَّاك وقتادة: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. وقال الزهري، وابن زيد، وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي ﷺ على أن لهم ما أقلت الإبل .. كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود، فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. وقال الزهري أيضًا: يخربون بيوتهم بنقض المعاهد، وأيدي المؤمنين بالمقاتلة. وقال أبو عمرو: بأيديهم بتركم لها، وبأيدي المؤمنين بإجلائهم عنها. وقرأ الجمهور (١): ﴿يخْربون﴾ بالتخفيف. وقرأ الحسن، والسلمي، ونصر بن عاصم، وأبو العالية، وأبو عمرو، وقتادة، والجحدري، ومجاهد، وأبو حيوة، وعيسى: ﴿يخرِّبون﴾ بالتشديد. والقراءاتان بمعنى واحد، إلا أن في التشديد معنى التكثير. وفيه إشارة إلى أن استناد الكفار إلى الحصون والأحجار والسلاح، وأن اعتماد المؤمنين على الله الملك الغفار؟ ولا شك أن من اعتمد على المأمن الحقيقي ظفر بمراده في دنياه وآخرته، وأن ما استند إلى ما سوى الله تعالى خسر خسرانًا مبينًا في تجارته. ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾؛ أي: فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار. ﴿يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ والعقول والبصائر الكاملة، واتقوا مباشرة ما أدّاهم إليه من الكفر والمعاصي، وانتقلوا من حال الفريقين إلى حال

стр. 13366

أنفسكم، فلا تعولوا على تعاضد الأسباب كبني النضير الذين اعتمدوا على حصونهم ونحوها، بل توكلوا على الله تعالى. وفي "عين المعاني": فاعتبروا بها خراب جميع الدنيا. ومعنى الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي (١): هو الذي أجلى بني النضير من المدينة بقوته وعزته وعظيم سلطانه. وكان هذا أول مرة حشروا فيها وأخرجوا من جزيرة العرب، لم يصبهم الذل قبلها؛ لأنهم كانوا أهل عزة ومنعة: وآخر حشر لهم: إجلاء عمر ﵁ لهم من خيبر إلى الشام. ثم بيّن فضل الله على المؤمنين ونعمته عليهم في إخراج عدوهم من ديارهم ولم يكن ذلك منتظرًا، فقال: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾؛ أي: ما خطر لكم ذلك - أيها المؤمنون - ببال؛ لشدة بأسهم ومنعتهم، وقوة حصونهم، وكثرة عَددهم وعُددهم. وفي ذكر هذا تعظم النعمة؛ فإن النعمة إذا جاءت من حيث لا ترتقب .. كانت مكانتها في النفوس أعظم وكانت بها أشد سرورًا وابتهاجًا، والمسلمون ما ظنوا أن يبلغ الأمر بهم إلى إخراج اليهود من ديارهم، ويتخلصوا من مكايدهم وأشراكهم التي ما فتئوا ينصبونها للمؤمنين. وبذا قضى الله عليهم قضاءه الذي لا مرد له، وصدق الله ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. ثم ذكر ما جرأهم على مشاكسة النبي ﷺ وتأليب المشركين عليه، فقال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: وظن بنو النضير أن حصونهم المنيعة القوية تمنعهم من أن ينالهم عدو بسوء، فلا يستطيع جيش مهما أوتي من بأس أن يصل إليهم بأذى، فاطمأنوا إلى تلك القوة، وأوقدوا نار الفتنة بين الرسول ﷺ والمشركين طمعًا في القضاء عليه بعد أن أصبحت له الزعامة الدينية والسياسية في المدينة، وسيكون في ذلك القضاء عليهم لو صبروا، وقد غبروا وهم أصحاب السلطان فيها، لأنهم من وجه أهل كتاب، ومن وجه آخر أرباب النفوذ المالي فيها وأصحاب الثروة والجاه العريض. ثم أكد ما سلف وقرره بقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾؛ أي: فجاءهم بأس الله وقدرته التي لا تدفع من حيث لم يخطر ذلك لهم ببال، وصدق

стр. 13367

فيهم ما قيل: قد يؤتى الحَذِرُ من مأمنه. فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة، فذهبت طائفة منهم إلى أذرعات من أعالي الشام، وطائفة إلى خيبر، على أن يأخذوا معهم ما حملت إبلهم. ثم بيّن أسباب هذا الاستسلام السريع والنزول على حكم الرسول على مناعة الحصون وكثرة العَدد والعُدَد فقال: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾؛ أي: بث في قلوبهم الهلع والخوف حين جاء رسول الله ﷺ وأصحابه إليهم، فلم يستطيعوا إلى المقاومة سبيلًا، ومما كان له بالغ الأثر في هذا الخوف: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غيلة، وما رأوه من كذب وعد عبد الله بن أبي رأس المنافقين في نصرتهم وإرسال المدد إليهم وتغريره بهم، وتوسيع مسافة الخلف بينهم وبين الرسول ﷺ . فهم قد أوقدوا نارًا كانوا هم حطب لهبها، وفتحوا ثغرة برؤوسهم قد سدوها، ووقعوا في حفرة هم الذين كانوا قد حفروها، فابتلعتهم لا إلى رجعة. ثم بيَّن مدى ما لحقهم من الهلع والجزع، وكيف حاروا في الدفاع عن أنفسهم، فقال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ...﴾ إلخ؛ أي: يخربون بيوتهم بأيديهم. ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجاز أفواه الأزقة، حتى لا يدخلها العدو، وحتى لا تبقى صالحة لسكنى المؤمنين بعد. جلائهم، ولينقلوا بعض أدواتها التي تصلح للاستعمال في جهات أخرى؛ كالخشب والعمد والأبواب. ويخربها المؤمنون من خارج؛ ليدخلوها عليهم، ويزيلوا تحصنهم بها، وليتسع مجال القتال، ويكون في ذلك عظيم التنكيل والغيظ لهم. ثم ذكر ما يجب أن يجعله العاقل نصب عينيه من عظة واعتبار، فقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾؛ أي: فاتعظوا يا ذوي البصائر السليمة والعقول الراجحة بما جرى لهؤلاء، من أمور عظام وبلاء ما كان يخطر لهم ببال، وأسباب تحار في فهمها العقول، ولا يصل إلى عنه حقيقتها ذوو الآراء الحصيفة. وابتعدوا عن الكفر والمعاصي التي أوقعتهم في هذه المهالك، فالسعيد من وعظ بغيره وإياكم والغدر والاعتماد على غير الله، فما اعتمد أحد على غيره إلا ذلّ. ٣ - ثم بيَّن أن الجلاء الذي كتب عليهم كان أخف من القتل والأسر، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ﴾ وحكم في سابق علمه ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على بني النضير

стр. 13368

﴿الْجَلَاءَ﴾؛ أي: الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع. و ﴿لولا﴾ (١) امتناعية، وما بعدها مبتدأ محذوف الخبر. فإن ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المقدر؛ أي: ولولا أنه، و ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: خبرها، وجملة ﴿أنْ﴾ في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: ولولا كتاب الله عليهم الجلاء واقع في علمه أو في لوحه .. ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة إخوانهم من اليهود. قال بعضهم: لما استحقوا بجرمهم العظيم قهرًا عظيمًا .. أخذوا بالجلاء الذي جعل عديلًا لقتل النفس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ مع أن فيه احتمال إيمان بعضهم بعد مدة وإيمان من يتولد منهم. وكان (٢) بنو النضير من الجيش الذين عصوا موسى ﵇ في كونهم لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق، تركوه لجماله وعقله، وقال موسى ﵇: لا تستحيوا منهم أحدًا، فلما رجعوا إلى الشام .. وجدوا موسى ﵇ قد مات، فقال لهم بنو إسرائيل: أنتم عصاة، والله لا دخلتم علينا بلادنا. فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجراه بختنصر على أهل الشام؛ فإنه أجلى معظمهم من بلاد الشام إلى العراق، وكان الله قد كتب على بني إسرائيل جلاء، فنالهم هذا الجلاء على يد محمد ﷺ ، ولولا ذلك .. لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كأهل بدر وغيرهم. ويقال: جلا القوم عن منازلهم، وأجلاهم غيرهم. قيل: والفرق بين الجلاء والإخراج: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج: قد يكون مع بقاء الأهل والولد. وقال الماوردي: الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج قد يكون لجماعة ولواحد. وقرأ الجمهور: ﴿الْجَلَاءَ﴾ ممدودًا، والحسن بن صالح، وأخوه عليّ بن صالح مقصورًا. وقرأ طلحة مهموزًا من غير ألف كـ ﴿النبأ﴾. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾؛ أي: إن نجوا من عذاب الدنيا .. لم ينجوا في

стр. 13369

الآخرة. والجملة (١) مستأنفة غير متعلقة بجواب ﴿لولا﴾ إذ لو كانت معطوفة عليه .. لزم أن ينجوا من عذاب الآخرة أيضًا؛ لأن ﴿لولا﴾ تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط، وإنما جيء به لبيان أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا بكتابة الجلاء .. لا نجاة لهم من عذاب الآخرة. يقول الفقير: لا يلزم من نجاتهم من عذاب الدنيا أن لا يكون جلاؤهم من قبيل العذاب، وإنما لم يكن منه بالنسبة إلى عذاب الاستئصال. والحكمة في جلائهم: أنهم قصدوا قتل النبي ﷺ ، وقتله شر من ألف قتل، فأخذوا بالجلاء ليموتوا كل يوم ألف مرة؛ لأن انقطاع النفس عن مألوفاتها بمنزلة موتها، فجاء الجزاء من جنس العمل. والمعنى (٢): أي ولولا أن الله قدر الجلاء من المدينة وخروجهم من أوطانهم على هذا الوجه المهين .. لعذبهم في الدنيا بما هو أفظع منه، من قتل وأسر، كما فعل مع المشركين في وقعة بدر، وكما فعل مع بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، كفاء غدرهم وخيانتهم، وتأليب المشركين على المؤمنين، والسعي في إطفاء نور الإِسلام حتى لا تقوم لهم قائمة، إلى ما أعد لهم في الآخرة من عذاب مقيم ونكال وجحيم، حين تقوم الساعة وتجازى كل نفس بما كسبت. ٤ - ثم بيّن السبب فيما حل بهم، وذر علته بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما حاق بهم من الجلاء، وسيحيق من عذاب الآخرة. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: خالفوا أمرهما، وفعلوا ما فعلوا مما حكي عنهم من القبائح. والمشاقة: كون الإنسان في شق ومخالفه في شق آخر. ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ كائنًا من كان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له. فهو (٣) نفس الجواب بحذف العائد، أو تعليل للجزاء المحذوف؛ أي: يعاقبه الله، فإن الله شديد العقاب، فإذًا لهم عقاب شديد أيضًا لكونهم من المشاقين، وأيا ما كان، فالشرطية تحقيق للسببية بالطريق البرهانيّ. وفيه إشعار بأنّ المخالفة تقتضي المؤاخذة بقدر قوتها وضعفها، فليحذر المؤمنون من العصيان مطلقًا. واقتصر هاهنا على مشاقة الله؛ لأنَّ مشاقته مشاقة لرسوله. وقيل: بينهما فوق، فإن مشاقة الله: الامتناع من امتثال المأمورات بإنكارها، كالامتناع من أداء الصلوات لجحدها، وكذا للزكاة والحج مثلًا. ومشاقة

стр. 13370

الرسول: المنازعة معه في حكمة أمره ونهيه، مثل أسرار الصلوات الخمس واختلاف أعدادها، واختلاف قراءتها جهرًا وسرًّا، ومثل: أسرار الزكاة واختلاف أحكامها، ومثل: أحكام الحج ومناسكه. ونحن أمرنا بمحضى الامتثال والانقياد، وما كلفنا بمعرفة أسرارها وحقائقها، والشعبي ﷺ مع كمال عرفانه وجلال برهانه يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وقال: "نحن نحكم بالظواهر والله يعلم السرائر". وقرأ الجمهور: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ بالإدغام. وقرأ طلبة بن مصرف ومحمد بن السميع ﴿يشاقق﴾ بالإظهار، كالمتفق عليه في الأنفال. والمعنى: أي إنه تعالى إنما فعل ذلك بهم، وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين؛ لأنهم خالفوا الله ورسوله، وكذبوا بما أنزله على رسله المتقدمين من البشارة بمحمد ﷺ ، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ثم ذكر مآل من يعادي الله ورسوله، فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: ومن يعاد الله فإن الله يعاقبه أشد العقاب، وينزل به الخزي والهوان في الدنيا، والنكال السرمدي في الآخرة. ٥ - ثم ذكر أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: ﴿مَا﴾ شرطية، نصب بـ ﴿قَطَعْتُمْ﴾. واللينة: وزان فعلة، نظير حنطة، وهي: النخلة الكريمة الشجرة، بكونها قريبة من الأرض والطيبة الثمرة، ولا تختص بنوع من النخل دون نوع، كما قاله الراغب. وقيل: اللينة ضروب النخل كلها، ما خلا العجوة والبرنية، وهما أجود النخل. والمعنى: أي شيء قطعتم من نخلة من نخيلهم بأنواعها ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ الضمير لـ ﴿مَا﴾ وتأنيثه لتفسيره باللينة كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾. ﴿قَائِمَةً﴾: في حال من ضمير المفعول ﴿عَلَى أُصُولِهَا﴾ وسوقها كما كانت، من غير أن تتعرضوا لها بشيء من القطع. جمع أصل، وهو ما يتشعب منه الفرع. ﴿فـ﴾ ـذاك ﴿بإذن الله﴾ تعالى؛ أي: قطعُها وتركُها واقع بأمر الله لإرادته، فلا جناح عليكم فيه؛ فإن في كل من القطع والترك حكمة ومصلحة. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، فقال بنو النضير -

стр. 13371

وهم أهل كتاب -: يا محمد! ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، ووجد المسلمون في أنفسهم شيئًا. فنزلت هذه الآية. أي: أي شيء قطعتم من ذلك أو تركتم فبإذن الله تعالى. فجعل أمر الرسول ﷺ أمر الله تعالى؛ لأنه ما ينطق عن الهوى. وقرأ الجمهور (١): ﴿قَائِمَةً﴾ أنث قائمة، والضمير في ﴿تَرَكْتُمُوهَا﴾ على معنى ﴿مَا﴾ وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي ﴿قومًا﴾ بفتحتين على وزن فعل، جمع قائم، وقرىء ﴿قائمًا﴾ اسم فاعل، فذكر على لفظ ﴿مَا﴾ وقرأ الجمهور ﴿عَلَى أُصُولِهَا﴾ بالجمع، وقرىء ﴿على﴾ أصلها بغير واو على الإفراد. و ﴿اللام﴾: في قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ علة لمحذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على علة محذوفة، والتقدير: أذن في قطعها ليسر المؤمنين ويعزهم، ويخزي الفاسقين، أي: وليذل اليهود الخارجين عن دائرة الإِسلام؛ لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف أحبوا، ويتصرفون فيها حسبما شاؤوا من القطع والترك .. يزدادون غيظًا ويتضاعفون حسرة. وتخصيص (٢) اللينة بالقطع إن كانت من الألوان .. ليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية هما كرام النخل، وإن كانت هي الكرام .. ليكون غيظهم أشد. ويقال: إن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة. والعتيق الفحل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها. فلذا شق على اليهود قطعها، وظهر من هذا أن اللون هو ما عدا العجوة، والبرني من أنواع التمر بالمدينة. ومن أنواع التمر بالمدينة: الصيحاني. وفي "شرح مسلم" للنواوي: أنواع التمر مئة وعشرون. وفي "تاريخ المدينة الكبير" للسيد السمنودي: أن أنواع التمر بالمدينة التي أمكن جمعها بلغت مئة، وبضعًا وثلاثين. ويوافقه قول بعضهم: اختبرناها فوجدنا أكثر مما ذكره النواوي، قال: ولعل ما زاد على ما ذكر حدث بعد ذلك، وأما أنواع التمر بغير

стр. 13372

المدينة، كالمغرب .. فلا تكاد تنحصر. وكانت العجوة خير أموال بني النضير؛ لأنهم كانوا يقتاتونها، ولما قطعت العجوة .. شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل كما في "إنسان العيون". واستدل بهذه الآية على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم مثمرة كانت أو غير مثمرة، وإحراق زروعهم زيادة لغيظهم، وعلى جواز الاجتهاد وعلى تصويب المجتهدين. والكلام فيه مبسوط في كتب الأصول. والمعنى: وقد أذن الله في ذلك ليعز المؤمنين، وليخزي الفاسقين ويذلهم، ويزيد غيظهم، ويضاعف حسرتهم بنفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم. والخلاصة: أنكم بأمر الله قطعتم، ولم يكن ذلك فسادًا، بل نعمة من الله ليخزيهم ويذلهم بسبب فسقهم وخروجهم من طاعة الله ومخالفة أمره ونهيه. ٦ - ولما جلا بنو النضير عن أوطانهم (١)، وتركوا أرباعهم وأموالهم .. طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر. فنزلت: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ...﴾. فبين أن أموالهم فيء لم يوجف عليها خيل ولا ركاب ولا قطعت مسافة، إنما كانوا ميلين من المدينة مشوا مشيًا، ولم يركب إلا رسول الله ﷺ . وهذا شروع في (٢) بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل، وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع. و ﴿ما﴾ موصولة، وقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ خبره. ويجوز جعلها شرطية، وقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ جوابًا. والفيء في الأصل بمعنى الرجوع، وأفاء: أعاد وأرجع فهو على أصل معناه هنا. والمعنى: وما أعاده الله على رسوله ورده، وأرجع إليه من مالهم؛ أي: جعله عائدًا إليه، ففيه إشعار بأنه كان حقيقًا بأن يكون له ﷺ ، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فرجعه الله إلى مستحقه؛ لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، وهو ﷺ رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحق به. فالعود على هذا بمعنى: أن يتحول

стр. 13373

الشيء إلى ما فارق عنه، وهو الأشهر. ويجوز أن يكون معناه: صيّره له، فالعود على هذا بمعنى: أن يتحول الشيء إلى ما فارق عنه، وإن لم يكن ذلك التحول مسبوقًا بالحصول له قبل. والحمل هنا على هذا المعنى لا يحوج إلى تكلف توجيه بخلاف الأول. وكلمة ﴿على﴾ تؤيد المعنى الثاني. قال بعضهم: سمى ذلك المال فيئًا تشبيهًا له بالفيء، الذي والظل، تنبيهًا على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل. قال المطرزي في "المُغْرِب": الفرق بين الغنيمة، والفيء، والنفل: أن الغنيمة: ما نيل من أن الشرك عنوة والحرب قائمة، وحكمها: أن تخمس، وسائرها بعد الخمس للغانمين خاصة. والفيء: ما نيل منهم بعدما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار إسلام، ومنه الجزية، ومال أهل الصلح والخراج من أموالهم. وحكمه؛ أن يكون لكافة المسلمين، ولا يخمس. والنَّفَلُ - بالتحريك -: ما ينفلُه المغازي؛ أي: يعطاه زائدًا على سهمه؛ لكثرة نكايته في الأعداء، وكأن يقول الإِمام أو الأمير: من قتل قتيلًا .. فله سلبه، أو قال للسرية: ما أصبتم .. فلكم ربعه أو نصفه، ولا يخمس. وعلى الإِمام الوفاء به. ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير ﴿فَمَا﴾ نافية ﴿أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أجريتم على تحصيله وتغنمه من الوجيف، وهو سرعة السير. ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة بعد النفي للتأكيد؛ أي: خيلًا. وهو جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، كما سيأتي. ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾؛ أي: ولا ركابًا؛ أي: جملًا. والركاب هو: ما يركب من الإبل خاصة، كما أن الراكب عندهم راكبها لا غير. وأما راكب الفرس فإنهم يسمونه فارسًا، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: أي وما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير (١)، فما قطعتم لها شقة بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، ولا قتالًا شديدًا، وذلك أنه كانت قرى بني النضير على ميلين من المدينة، وهي ساعة واحدة بحساب الساعات النجومية، فذهبوا إليها مشيًا، وما كان فيهم راكب إلا النبي ﷺ ، وكان يركب حمارًا مخطومًا بليف أو جملًا، فافتتحها صلحًا من غير أن يجري بينهم مسايفة. كأنه قال:

стр. 13374

وما أفاء الله على رسوله منهم، فما حصلتموه بكد اليمين وعرق الجبين. والمعنى (١): أي ما صيره الله إلى رسوله من أموال بني النضير .. فهو لله ورسوله، ولا يجعل غنيمة للجيش يقسم تقسيم الغنائم؛ لأنه لم تقاتل فيه الأعداء بالمبارزة والمصاولة، بل نزلوا على حكم الرسول فرقًا ورعبًا، ولهذا: يصرف في وجوه البرّ والمنافع العامة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآيات. أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه؛ أي: ولكن جرت سنة الله تعالى بأن ﴿يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ من أعدائه، ويقذف الرعب في قلوبهم، فيستسلمون لهم بلا قتال، ولا مصاولة، ما سلط محمدًا ﷺ على هؤلاء، فنزلوا على حكمه دون اقتحام مضايق الخطوب ولا مقاومة شدائد الحروب، فلا حق للمقاتلة في الفيء، بل يكون أمره مفوضًا إلى الرسول، يصرفه كيف شاء ولا يقسمه تقسيم الغنائم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء كما يشاء، تارة على ما يعهد من السنن، وأخرى على غير ما يعهد منها، كما جرى لبني النضير من استسلامهم بلا قتال، على مناعة حصونهم وكثرة عددهم وعُددهم من سلاح وكراع، وما كان المسلمون يظنون أن هذا سيكون. وبعد أن أتمّ الكلام في إجلاء بني النضير وفيئهم أعقبه بالكلام في حكم ما أفاء الله على رسوله من قرى الكفار عامة، ٧ - فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ سبحانه ورده ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾؛ أي: من أموال الكفار أهل القرى. قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر وقرى عرينة، وينبع. وهذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان إفاءته على رسول الله ﷺ من غير أن يكون للمقاتلة فيه حق، ولذا لم يعطف عليه، كأنه لما قيل: ما أفاء على رسوله من أموال بني النضير

стр. 13375

شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، فلا يقسم قسمة الغنائم. قيل: فكيف يقسم؟ فقيل: ما أفاء الله .. إلخ. قال في "برهان القرآن": قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ﴾، وبعده ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ بغير واو؛ لأن الأول معطوف على قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، والثاني استئناف لبيان مصارف مطلق الفيء، وليس له به تعلق. وقول من قال: بدل من الأولى، مزيف عند أكثر المفسرين، انتهى. وإعادة عين العبارة الأولى لزيادة التقرير والتأكيد. ووضع أهل القرى موضع قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير؛ للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير وحدهم، بل هو حكم عام على كل قرية يفتحها رسول الله ﷺ صلحًا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. والمعنى: ما رده الله سبحانه على رسوله من كفار أهل القرى، كقريظة، والنضير، وفدك، وخيبر، يصرف في وجوه البرّ والخير، ولا يقسم تقسيم الغنائم؛ أي: لا تعطى أربعة أخماسه للمقاتلة؛ لأن القتال ليس موجودًا في الفيء، بل يخمس الفيء كالغنائم أيضًا، ولكن يصرف أربعة أخماسه في مصالح المسلمين، من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، والمدارس والمساجد، يقدم الأهم فالأهم. وأما الخمس الباقي: فيخمس أيضًا، فتصرف أخماسه في المصارف المذكورة بقوله: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ أي: يصرف خمس الخمس لله وللرسول يأمران فيه بما أحبّا. وذكر الله للتشريف والتعظيم والتبرك. والمراد: يصرف هذا الخمس لرسول الله ﷺ ينفق منه أهل بيته قوت سنة، وما بقي في مصالح المسلمين من السلاح والكراع. وقال الواحدي في تفسيره "الوجيز على القرآن العزيز": وكان الفيء يخمس خمسة أخماس، فكانت أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ يفعل فيها ما يشاء، والخمس الباقي يقسم بين المذكورين في هذه الآية. فأما اليوم فما كان للنبي ﷺ من الفيء يصرف إلى أهل الثغور والمترصدين للقتال في أحد قولي الشافعي، انتهى. والمراد: أن للرسول من الفيء خمس، والأربعة الأخماس، يعني: أن لهؤلاء الأصناف المذكورة هنا أربعة أخماس الخمس والباقي للرسول ﷺ في حياته، وهو أربعة أخماس الفيء وخمس الخمس، وبعده ﷺ أربعة أخماس الفيء للمرتزقة، وخمس الخمس لمصالحنا. اهـ. "شيخنا" انتهى من "الفتوحات".
следующие страницы →