← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13371–13410 · переход к 13376.

стр. 13371

وهم أهل كتاب -: يا محمد! ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، ووجد المسلمون في أنفسهم شيئًا. فنزلت هذه الآية. أي: أي شيء قطعتم من ذلك أو تركتم فبإذن الله تعالى. فجعل أمر الرسول ﷺ أمر الله تعالى؛ لأنه ما ينطق عن الهوى. وقرأ الجمهور (١): ﴿قَائِمَةً﴾ أنث قائمة، والضمير في ﴿تَرَكْتُمُوهَا﴾ على معنى ﴿مَا﴾ وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي ﴿قومًا﴾ بفتحتين على وزن فعل، جمع قائم، وقرىء ﴿قائمًا﴾ اسم فاعل، فذكر على لفظ ﴿مَا﴾ وقرأ الجمهور ﴿عَلَى أُصُولِهَا﴾ بالجمع، وقرىء ﴿على﴾ أصلها بغير واو على الإفراد. و ﴿اللام﴾: في قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ علة لمحذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على علة محذوفة، والتقدير: أذن في قطعها ليسر المؤمنين ويعزهم، ويخزي الفاسقين، أي: وليذل اليهود الخارجين عن دائرة الإِسلام؛ لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف أحبوا، ويتصرفون فيها حسبما شاؤوا من القطع والترك .. يزدادون غيظًا ويتضاعفون حسرة. وتخصيص (٢) اللينة بالقطع إن كانت من الألوان .. ليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية هما كرام النخل، وإن كانت هي الكرام .. ليكون غيظهم أشد. ويقال: إن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة. والعتيق الفحل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها. فلذا شق على اليهود قطعها، وظهر من هذا أن اللون هو ما عدا العجوة، والبرني من أنواع التمر بالمدينة. ومن أنواع التمر بالمدينة: الصيحاني. وفي "شرح مسلم" للنواوي: أنواع التمر مئة وعشرون. وفي "تاريخ المدينة الكبير" للسيد السمنودي: أن أنواع التمر بالمدينة التي أمكن جمعها بلغت مئة، وبضعًا وثلاثين. ويوافقه قول بعضهم: اختبرناها فوجدنا أكثر مما ذكره النواوي، قال: ولعل ما زاد على ما ذكر حدث بعد ذلك، وأما أنواع التمر بغير

стр. 13372

المدينة، كالمغرب .. فلا تكاد تنحصر. وكانت العجوة خير أموال بني النضير؛ لأنهم كانوا يقتاتونها، ولما قطعت العجوة .. شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل كما في "إنسان العيون". واستدل بهذه الآية على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم مثمرة كانت أو غير مثمرة، وإحراق زروعهم زيادة لغيظهم، وعلى جواز الاجتهاد وعلى تصويب المجتهدين. والكلام فيه مبسوط في كتب الأصول. والمعنى: وقد أذن الله في ذلك ليعز المؤمنين، وليخزي الفاسقين ويذلهم، ويزيد غيظهم، ويضاعف حسرتهم بنفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم. والخلاصة: أنكم بأمر الله قطعتم، ولم يكن ذلك فسادًا، بل نعمة من الله ليخزيهم ويذلهم بسبب فسقهم وخروجهم من طاعة الله ومخالفة أمره ونهيه. ٦ - ولما جلا بنو النضير عن أوطانهم (١)، وتركوا أرباعهم وأموالهم .. طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر. فنزلت: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ...﴾. فبين أن أموالهم فيء لم يوجف عليها خيل ولا ركاب ولا قطعت مسافة، إنما كانوا ميلين من المدينة مشوا مشيًا، ولم يركب إلا رسول الله ﷺ . وهذا شروع في (٢) بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل، وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع. و ﴿ما﴾ موصولة، وقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ خبره. ويجوز جعلها شرطية، وقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ جوابًا. والفيء في الأصل بمعنى الرجوع، وأفاء: أعاد وأرجع فهو على أصل معناه هنا. والمعنى: وما أعاده الله على رسوله ورده، وأرجع إليه من مالهم؛ أي: جعله عائدًا إليه، ففيه إشعار بأنه كان حقيقًا بأن يكون له ﷺ ، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فرجعه الله إلى مستحقه؛ لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، وهو ﷺ رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحق به. فالعود على هذا بمعنى: أن يتحول

стр. 13373

الشيء إلى ما فارق عنه، وهو الأشهر. ويجوز أن يكون معناه: صيّره له، فالعود على هذا بمعنى: أن يتحول الشيء إلى ما فارق عنه، وإن لم يكن ذلك التحول مسبوقًا بالحصول له قبل. والحمل هنا على هذا المعنى لا يحوج إلى تكلف توجيه بخلاف الأول. وكلمة ﴿على﴾ تؤيد المعنى الثاني. قال بعضهم: سمى ذلك المال فيئًا تشبيهًا له بالفيء، الذي والظل، تنبيهًا على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل. قال المطرزي في "المُغْرِب": الفرق بين الغنيمة، والفيء، والنفل: أن الغنيمة: ما نيل من أن الشرك عنوة والحرب قائمة، وحكمها: أن تخمس، وسائرها بعد الخمس للغانمين خاصة. والفيء: ما نيل منهم بعدما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار إسلام، ومنه الجزية، ومال أهل الصلح والخراج من أموالهم. وحكمه؛ أن يكون لكافة المسلمين، ولا يخمس. والنَّفَلُ - بالتحريك -: ما ينفلُه المغازي؛ أي: يعطاه زائدًا على سهمه؛ لكثرة نكايته في الأعداء، وكأن يقول الإِمام أو الأمير: من قتل قتيلًا .. فله سلبه، أو قال للسرية: ما أصبتم .. فلكم ربعه أو نصفه، ولا يخمس. وعلى الإِمام الوفاء به. ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير ﴿فَمَا﴾ نافية ﴿أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أجريتم على تحصيله وتغنمه من الوجيف، وهو سرعة السير. ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة بعد النفي للتأكيد؛ أي: خيلًا. وهو جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، كما سيأتي. ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾؛ أي: ولا ركابًا؛ أي: جملًا. والركاب هو: ما يركب من الإبل خاصة، كما أن الراكب عندهم راكبها لا غير. وأما راكب الفرس فإنهم يسمونه فارسًا، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: أي وما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير (١)، فما قطعتم لها شقة بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، ولا قتالًا شديدًا، وذلك أنه كانت قرى بني النضير على ميلين من المدينة، وهي ساعة واحدة بحساب الساعات النجومية، فذهبوا إليها مشيًا، وما كان فيهم راكب إلا النبي ﷺ ، وكان يركب حمارًا مخطومًا بليف أو جملًا، فافتتحها صلحًا من غير أن يجري بينهم مسايفة. كأنه قال:

стр. 13374

وما أفاء الله على رسوله منهم، فما حصلتموه بكد اليمين وعرق الجبين. والمعنى (١): أي ما صيره الله إلى رسوله من أموال بني النضير .. فهو لله ورسوله، ولا يجعل غنيمة للجيش يقسم تقسيم الغنائم؛ لأنه لم تقاتل فيه الأعداء بالمبارزة والمصاولة، بل نزلوا على حكم الرسول فرقًا ورعبًا، ولهذا: يصرف في وجوه البرّ والمنافع العامة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآيات. أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه؛ أي: ولكن جرت سنة الله تعالى بأن ﴿يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ من أعدائه، ويقذف الرعب في قلوبهم، فيستسلمون لهم بلا قتال، ولا مصاولة، ما سلط محمدًا ﷺ على هؤلاء، فنزلوا على حكمه دون اقتحام مضايق الخطوب ولا مقاومة شدائد الحروب، فلا حق للمقاتلة في الفيء، بل يكون أمره مفوضًا إلى الرسول، يصرفه كيف شاء ولا يقسمه تقسيم الغنائم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء كما يشاء، تارة على ما يعهد من السنن، وأخرى على غير ما يعهد منها، كما جرى لبني النضير من استسلامهم بلا قتال، على مناعة حصونهم وكثرة عددهم وعُددهم من سلاح وكراع، وما كان المسلمون يظنون أن هذا سيكون. وبعد أن أتمّ الكلام في إجلاء بني النضير وفيئهم أعقبه بالكلام في حكم ما أفاء الله على رسوله من قرى الكفار عامة، ٧ - فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ سبحانه ورده ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾؛ أي: من أموال الكفار أهل القرى. قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر وقرى عرينة، وينبع. وهذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان إفاءته على رسول الله ﷺ من غير أن يكون للمقاتلة فيه حق، ولذا لم يعطف عليه، كأنه لما قيل: ما أفاء على رسوله من أموال بني النضير

стр. 13375

شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، فلا يقسم قسمة الغنائم. قيل: فكيف يقسم؟ فقيل: ما أفاء الله .. إلخ. قال في "برهان القرآن": قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ﴾، وبعده ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ بغير واو؛ لأن الأول معطوف على قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، والثاني استئناف لبيان مصارف مطلق الفيء، وليس له به تعلق. وقول من قال: بدل من الأولى، مزيف عند أكثر المفسرين، انتهى. وإعادة عين العبارة الأولى لزيادة التقرير والتأكيد. ووضع أهل القرى موضع قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير؛ للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير وحدهم، بل هو حكم عام على كل قرية يفتحها رسول الله ﷺ صلحًا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. والمعنى: ما رده الله سبحانه على رسوله من كفار أهل القرى، كقريظة، والنضير، وفدك، وخيبر، يصرف في وجوه البرّ والخير، ولا يقسم تقسيم الغنائم؛ أي: لا تعطى أربعة أخماسه للمقاتلة؛ لأن القتال ليس موجودًا في الفيء، بل يخمس الفيء كالغنائم أيضًا، ولكن يصرف أربعة أخماسه في مصالح المسلمين، من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، والمدارس والمساجد، يقدم الأهم فالأهم. وأما الخمس الباقي: فيخمس أيضًا، فتصرف أخماسه في المصارف المذكورة بقوله: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ أي: يصرف خمس الخمس لله وللرسول يأمران فيه بما أحبّا. وذكر الله للتشريف والتعظيم والتبرك. والمراد: يصرف هذا الخمس لرسول الله ﷺ ينفق منه أهل بيته قوت سنة، وما بقي في مصالح المسلمين من السلاح والكراع. وقال الواحدي في تفسيره "الوجيز على القرآن العزيز": وكان الفيء يخمس خمسة أخماس، فكانت أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ يفعل فيها ما يشاء، والخمس الباقي يقسم بين المذكورين في هذه الآية. فأما اليوم فما كان للنبي ﷺ من الفيء يصرف إلى أهل الثغور والمترصدين للقتال في أحد قولي الشافعي، انتهى. والمراد: أن للرسول من الفيء خمس، والأربعة الأخماس، يعني: أن لهؤلاء الأصناف المذكورة هنا أربعة أخماس الخمس والباقي للرسول ﷺ في حياته، وهو أربعة أخماس الفيء وخمس الخمس، وبعده ﷺ أربعة أخماس الفيء للمرتزقة، وخمس الخمس لمصالحنا. اهـ. "شيخنا" انتهى من "الفتوحات".

стр. 13376

﴿و﴾ يصرف الخمس الثاني ﴿لِذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: لذوي قربى رسول الله ﷺ من مؤمني بني هاشم وبني المطلب، الفقراء منهم، قيل: ولو كانوا أغنياء؛ لأنهم قد منعوا من الزكاة فجعل لهم حقًا في الفيء. وقال في "شرح الآثار" عن أبي حنيفة ﵀: أن الصدقات كلها جائزة على بني هاشم وبني المطلب، والحرمة عليهم كانت في عهد النبي ﷺ لوصول خمس الخمس إليهم، فلما سقط ذلك بموته ﷺ .. حلت لهم الصدقات. قال الطحاوي: وبالجواز نأخذ، كذا في "شرح الوقاية" لابن الملك. ﴿و﴾ يصرف الخمس الثالث لـ ﴿الْيَتَامَى﴾؛ أي: يتامى المسلمين؛ أي: أطفال المسلمين الذين هلكت آباؤهم وهم فقراء. جمع يتيم، وهو: صغير لا أب له، وإن كان له جد أو أمّ. ﴿و﴾ يصرف الخمس الرابع لـ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾؛ أي: مساكين المسلمين ذوي الحاجة. ﴿و﴾ يصرف الخمس الخامس لـ ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: للمسافر المنقطع عن ماله ووطنه، ولا يمكن له أن يصل إليه لبعد الشقّة، وانقطاع طرق المواصلات وقد كان ذلك حين كانت طرق الوصول شاقة لكنها الآن سهلة، وهي على أساليب شتى، فيمكن المرء أن يطلب ما شاء بحوالة على أي مصرف في أي بلد على سطح الكرة الأرضية. ومن ثم فهذا النوع لا يوجد الآن. ثم علل هذا التقسيم بقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ﴾ الفيء، ﴿دُولَةً﴾: علة لمحذوف، تقديره: أي (١) جعل الله سبحانه الفيء قسمة لمن ذكر من الأصناف؛ لأجل أن لا يكون الفيء شيئًا متداولًا ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾؛ أي: شيئًا مخصوصًا بهم يكاثرون به أموالهم، لا يخرجونه إلى المستحقين، ولا يصرفونه للفقراء والمساكين يعيشون بها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿كَيْ لَا يَكُونَ﴾ بالياء التحتية. ﴿دُولَةً﴾ - بضم الدال ونصب التاء -؛ أي: كي لا يكون الفيء دولة. وقال الخطيب: وترسم ﴿كي﴾ هنا مفصولة من ﴿لا﴾ انتهى. وقرأ عبد الله، وأبو جعفر، وهشام، والأعرج، وأبو حيوة ﴿تكون﴾ بالتاء الفوقية، و ﴿دَولة﴾ بفتح الدال ورفع التاء. قال عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي، ﴿دولة﴾ بضمها وفتحها، لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة - بالفتح -: الذي يتداول من الأموال، وبالضم: الفعل.

стр. 13377

وكذا قال أبو عبيدة. وال الكسائي، وحذاق البصرة: الدَّولة - بالفتح - في المُلك - بضم الميم -؛ لأنها الفِعْلة في الدهر، وبالضم في الملك بكسرِ الميمِ. والضمير في ﴿تكون﴾ بالتأنيث مع نصب ﴿دولةً﴾ على معنى ﴿مَا﴾ إذ المراد به: الأموال، والمغانم. وذلك الضمير اسم ﴿تكون﴾. وكذلك من قرأ بالياء أعاد الضمير على لفظ؛ ﴿مَّا﴾ أي: يكون الفيء، وانتصب ﴿دُولَة﴾ على الخبر. ومن رفع ﴿دولةٌ﴾ فتكون تامة، و ﴿دولةٌ﴾ فاعل؛ و ﴿كَيْ لَا يَكُونَ﴾ تعليل لقوله: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. أي: فالفيء وحكمه لله وللرسول، يقسمه على ما أمره الله تعالى؛ كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء بلغة يعيشون بها متداولًا بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم، كما كان رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم، ويقولون: من عزّ بزّ. والمعنى: كي لا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية، قاله أبو حيان. وعبارة "الخازن": وذلك أن الجاهلة كانوا إذا غنموا غنيمة، أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع، ثم يصطفي بعد المرباع منها ما شاء، فجعله الله سبحانه لرسوله ﷺ يقسمه على ما أمره الله به. اهـ. والمعنى (١): أي وإنما حكمنا بذلك وجعلناه مقسمًا بين هؤلاء المذكورين لئلا يأخذه الأغنياء ويتداولوه فيما بينهم ويتكاثرون به، كما كان ذلك دأبهم في الجاهلية، ولا يصيب الفقراء من ذلك شيء. ثم لما بيّن لهم سبحانه مصارف هذا المال. أمرهم بالاقتداء برسوله ﷺ ، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أي: وما، أعطاكم - أيها المؤمنون - الرسولُ من أموال الفيء وغيره ﴿فَخُذُوهُ﴾ منه؛ فهو لكم حلال ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾؛ أي: عن أخذه ﴿فَانْتَهُوا﴾ عنه؛ أي: فابتعدوا عنه، ولا تطلبوه، ولا تقربوه، فإن الرسول لا ينطق عن الهوى، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وقال ابن جريج (٢): ما آتاكم من طاعتي .. فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي .. فاجتنبوه.

стр. 13378

والحق: أن هذه الآية في كل شيء يأتي به رسول الله ﷺ من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصًا، كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وكل شيء أتانا به من الشرع .. فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها. أخرج الشيخان، وأبو داوود، والترمذي في جماعة، عن ابن مسعود قال: (لعن الله تعالى الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيّرات لخلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، كانت تقرأ القرآن، فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ، فقالت: لقد قرأت ما بين لوْحي المصحف فما وجدته، قال: إن كنت قرأته .. فقد وجدته، أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟. قالت: بلى، قال: فإنه ﷺ قد نهى عنه). وعن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدته في كتاب الله اتبعناه". وروي في سبب نزول هذه الآية (١): أن قومًا من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة، وقالوا: لنا منها سهمنا. فنزل ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...﴾ الآية. وهذا عام يدخل فيه قسمة ما أفاء الله والغنائم وغيرها، حتى أنه قد استدل بهذا العموم على تحريم الخمر، وحكم الواشمة والمستوشمة، وتحريم المخيط للمحرم. ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم به الرسول وترك ما نهاهم عنه .. أمرهم بتقواه وخوفهم شدة عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالي بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه، وخالف أمره، وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه. ورسوله ترجمان عما يريده لخير عباده

стр. 13379

وسعادتهم في الدنيا والآخرة. ٨ - وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ قيل (١): هو بدل من قوله: ﴿لذي القربى﴾ وما عطف عليه؛ أي: وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين. ولا يصح أن يكون بدلًا من ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ لئلا يلزم وصف الله تعالى والرسول بالفقر. والمعنى عليه: أنه أراد بهؤلاء الأربعة السالفين: فقراء المهاجرين الذين اضطرهم كفار مكة إلى الخروج من ديارهم وترك أموالهم، طلبًا لمرضاة الله، ونيلًا لثوابه، ونصرة لله ورسوله، وإعلاء لشأن دينه. وقيل: تقدير الكلام: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء المهاجرين. وقيل (٢): متعلق بمحذوف، تقديره: تعجبوا من حال الفقراء المهاجرين، ويكون خطابًا لكل من يصلح منه التعجب والتأمل في حال المهاجرين، حيث تركوا أوطانهم، وأموالهم، وتحملوا الضيق والتغرب في حب النبي ﷺ والإِسلام. وفي هذا نوع تخويف ونوع توبيخ للكفار والمنافقين القاطنين بأوطانهم مع الأمن والسعة، ولم يؤمنوا، فليتهم اعتبروا بالمهاجرين. ومعنى ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾؛ أي: الذين هاجروا وارتحلوا من أوطانهم إلى رسول الله ﷺ رغبة في الدّين ونصرة له. ومعنى ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: أخرجهم كفار مكة منها، واضطروهم إلى الخروج وكانوا مئة رجل. وقال قتادة: هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار والأموال والأهلين حال كونهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ تعالى في الدنيا ﴿وَرِضْوَانًا﴾ منه في الآخرة؛ أي (٣): حال كونهم طالبين منه تعالى رزقًا في الدنيا ومرضاة في الآخرة. وصفوا أولًا بما يدل على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار، وقد أعاد ذلك ثانيًا بما يوجب تفخيم شأنهم، ويؤكده، فهو حال من واو ﴿أُخْرِجُوا﴾. وفي ذكر حالهم ترقّ من العالي إلى الأعلى، فإن رضوان الله أكبر من عطاء الدنيا. ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ عطف على ﴿يَبْتَغُونَ﴾، فهي حال مقدرة؛ أي: ناوين

стр. 13380

نصرة الله بإعلاء دينه، ونصرة رسوله ببذل وجودهم في طاعته أو مقارنة، فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم مهاجرين إلى المدينة نصرة، وأي نصرة ﴿أُولَئِكَ﴾ المهاجرون الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة، وهو مبتدأ، وخبره ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الصدق الراسخون فيه، حيث ظهر ذلك بما فعلوا ظهورًا بينًا كأنّ الصدق مقصور عليهم لكمال آثاره. أي: هؤلاء (١) هم الصادقون في إيمانهم؛ إذ قد فعلوا ما يدل على الإخلاص فيه والرغبة الصادقة من نيل المغفرة والكرامة عند ربهم، فهم قد أخرجوا من ديارهم وهي العزيزة على النفوس المحببة إلى القلوب. بِلَادِيْ وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ ... وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوْا عَلَيَّ كِرَامُ وتركوا الأموال، والمال شقيق الروح، وكثيرًا ما يقتل المرء في سبيل الذود عنه وانتزاعه من أيدي غاصبيه، وما فعلوا ذلك إلا لإعلاء منار الدِّين ورفعة شأنه، وذيوع ذكره. فحق لهم من ربهم النعيم المقيم وجزيل الثواب، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كفاء ما قاموا به من جليل الأعمال وعظيم الخلال. روي: أن رجلًا منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ منهم الحفيرة في الشتاء، ماله دثار غيرها.! وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "بشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة". أخرجه أبو داود. ٩ - ثم مدح سبحانه الأنصار، وأثنى عليهم حين طابت نفوسهم على الفيء، إذ جعل للمهاجرين دونهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾؛ أي: لزموا دار الهجرة، وهي المدينة، ﴿و﴾ أخلصوا ﴿الْإِيمَانَ﴾ لله تعالي، مبتدأ خبره سيأتي. وهو كلام مستأنف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاص الفيء بهم أحسن رضا وأكمله. ويجوز نصبه على المدح.

стр. 13381

وجملة ﴿يُحِبُّونَ﴾ في محل النصب على الحال. والأنصار (١): بنو الأوس والخزرج، ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نيت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قال في "القاموس": قحطان بن عامر بن شالخ أبو حيّ انتهى. وهو أصل العرب العرباء. ومن الأنصار: غسان، كشداد، ماء قرب الجحفة نزل عليه قوم من ولد الأزد، فشربوا منه، فنسبوا إليه. يقال: تبوأ المكان، إذا اتخذه منزلًا واستقر فيه. والدار هي المدينة، وتسمي قديمًا: يثرب، وحديثًا: طيبة وطابة. ومعنى تبوئهم الدار والإيمان: أنهم اتخذوا المدينة والإيمان مباءة، وتمكنوا فيهما أشد تمكن، على تنزيل الحال منزلة المكان. وقيل: ضُمِّنَ التبوؤ معنى اللزوم. وقيل: تبؤوا الدار وأخلصوا الإيمان، أو قبلوه، أو آثروه، كقول من قال: عَلَّفْتُهَا تِبْنًا ومَاءً بَارِدًا أي: وسقيتها ماء باردًا فاختصر الكلام، وقيل: غير ذلك. يقول الفقير: لعل أصل الكلام: والذين تبؤوا دار الإيمان. فإن المدينة يقال لها: دار الإيمان لكونها مظهره ومأوى أصله، كما يقال لها: دار الهجرة. وإنما عدل إلى ما ذكر من صورة العطف تنصيصًا على إيمانهم، إذ مجرد التبوُّء لا يكفي في المدح. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل هجرة المهاجرين، فلا بدّ من تقدير مضاف، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل إيمان المهاجرين، بل منهم من آمن قبل الهجرة ومنهم من آمن بعدها. قال في "الإرشاد": يجوز أن يجعل اتخاذ الإيمان مباءة، ولزومه وإخلاصه عبارة عن إقامة كافة حقوقه، التي من جملتها إظهار عامة شعائره، وأحكامه، ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين؛ لظهور عجزهم عن إظهار بعضها، لا عن إخلاصه قلبًا واعتقادًا؛ إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. جملة قوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ خبر (٢) عن الموصول؛ أي: يحبونهم

стр. 13382

من حيث مهاجرتهم إليهم لمحبتهم الإيمان، ولأن الله وحبيبه أحباؤهم، وحبيب الحبيب حبيب. ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾؛ أي: ولا يجد الأنصار ﴿فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾؛ أي: وجدًا وحسدًا وغيظًا وحزازة ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾؛ أي: مما أوتي المهاجرون دونهم، من الفيء وغيره بل طابت أنفسهم بذلك. وفي الكلام مضاف محذوف؛ أي: لا يجدون في صدورهم مس حاجة أو أثر حاجة، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إليه .. فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم النبي ﷺ بني النضير .. دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين، من إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال: إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبين المهاجرين، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم والمشاركة لكم في أموالكم. وإن أحببتم أعطيتهم ذلك وخرجوا من دياركم. فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين، وطابت أنفسهم. ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾؛ أي: يقدمون المهاجرين، فالمفعول محذوف. والإيثار (١): تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا رغبة في حظوظ الآخرة. يقال: آثرته بكذا؛ أي: خصصته به. أي: ويقدم الأنصار المهاجرين ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ في كل شيء من أسباب المعاش، جودًا وكرمًا، حتى إن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما، ويزوجها واحدًا منهم. والإيثار أيضًا: عطاؤك ما أنت تحتاج إليه. وفي الخبر: "لم يجتمع في الدنيا قوم إلا وفيهم أسخياء وبجلاء إلا في الأنصار، فإن كلهم أسخياء، ما فيهم من بخيل. ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾؛ أي: حاجة وخلة وفقر. مأخوذة من خصاص البيت، وهي: الفرج التي تكون فيه. شبه حالة الفقر والحاجة ببيت ذي فرج في الاشتمال على مواضع الحاجة. والخص: بيت من قصب وشجر. وجملة قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ في محل نصب على الحال. وعن أنس ﵁: أنه قال: (أهدي لرجل من الأنصار رأس شاة، وكان مجهودًا، فوجه به إلى جار له زاعمًا أنه أحوج إليه منه، فوجه جاره أيضًا إلى آخر، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداول ذلك الرأس سبعة بيوت إلى أن رجع إلى المجهود الأول).

стр. 13383

قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم، فإذا برجل يقول: آه آه، فأشار إلى ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك، فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات". وهذا من قبيل الإيثار بالنفس، وهو فوق الإيثار بالمال. وقال في "التكملة": والصحيح: أن الآية نزلت في أبي طلبة الأنصاري ﵁ حين نزل برسول الله ﷺ ضيف، ولم يكن عنده ما يضيفه به، فقال: ألا رجلًا يضيف هذا ﵀، فقام أبو طلحة فانطلق به إلى رحله وقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، فنوّمت الصبية وأطفات السراج، وجعل الضيف يأكل، وهما يُرِيان أنهما يأكلان معه ولا يفعلان، فنزلت الآية. وكانت قناعة السلف أوفر ونفوسهم أقنع وبركتهم أكثر، ونحن نؤثر أنفسنا على الغير، فإذا وضعت مائدة بين أيدينا .. يريد كل منا أن يأكل قبل الآخر، ويأخذ أكثر مما يأخذ الرفيق، ولذلك لم توجد بركة الطعام، وينفد سريعًا. والمعنى: أي والذين سكنوا المدينة وأشربت قلوبهم حب الإيمان من قبل هجرة أولئك المهاجرين، لهم صفات كريمة وشيم جليلة تدل على كرم النفوس ونبل الطباع. فهم: ١ - يحبون المهاجرين ويتمنون لهم من الخير ما يتمنون لأنفسهم. ٢ - لا يطمحون إلى شيء مما أعطيه أولئك المهاجرون من الفيء وغيره. ٣ - يقدمون ذوي الحاجة على أنفسهم، ويبدؤون بسواهم قبلهم، حتى إن من كان عنده امرأتان ينزل عن إحداهما، ويزوجها واحدًا من المهاجرين. ثم بيّن سوء عاقبة الشح، فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ والوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. والشُّح - بالضم والكسر -: بخل مع حرص، فيكون جامعًا بين ذميمتين من صفات النفس. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها مقتضية للحرص على المنع الذي هو البخل. وقيل: الشح أشد من البخل. قال مقاتل: شح نفسه،

стр. 13384

حرص نفسه. وقال سعيد بن جبير: شح النفس: أخذ الحرام، ومنع الزكاة. وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه .. فقد وفي شح نفسه. وقال طاووس: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح: أن يشح بما في أيدي الناس. وقال ابن عيينة: الشح: الظلم. وقال الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. والظاهر من الآية: أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشيء من الأشياء التي يقبح الشح بها شرعًا، من زكاة أو صدقة أو صلة رحم أو نحو ذلك، كما تفيده إضافة الشح إلى النفس؛ أي: ومن يحفظ بتوفيق الله شحها وبخلها حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. والإشارة بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إلى ﴿مَنْ﴾ باعتبار معناها وهو مبتدأ وخبره ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: فأولئك المحفوظون من الشح هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه. والفلاح اسم لسعادة الدارين. والجملة (١) اعتراض وارد لمدح الأنصار، والثناء عليهم. فإن الفتوة هي الأوصاف المذكورة في حقهم، فلهم جلائل الصفات ودقائق الأحوال؛ ولذا قال ﷺ : "آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار". وقال ﷺ : "للهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُوقَ﴾ بسكون الواو وتخفيف القاف، من الوقاية. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو حيوة بفتح الواو وتشديد القاف. وقرأ الجمهور ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾ بضم الشين. وقرأ ابن عمر، وابن أبي عبلة بكسرها. والمعنى (٣): أي ومن يحفظوا أنفسهم من الحرص على المال والبخل به .. فأولئك هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه. أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه، عن أنس مرفوعًا: "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبدًا".

стр. 13385

وأخرج أحمد والبخاري في "الأدب" ومسلم والبيهقي، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح قد أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم". وروى الأموي عن ابن مسعود: (أن رجلًا أتاه، قال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وأنا رجل شحيح، لا أكاد أخرج من يدي شيئًا، فقال ابن مسعود: ليس ذاك الذي ذكر الله تعالى، وإنما الشح: أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل). ففرق بين الشح والبخل. وليس المراد من تقوى الشح الجودُ بكل ما يملك؛ فقد روى أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "برىء من الشح من أدى الزكاة، وقَرَى الضيف، وأعطى في النائبة". ١٠ - ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين والأنصار .. ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد هجرة المهاجرين الأولين، ومن بعد قوة إيمان الأنصار، وهم: التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة. وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإِسلام. والظاهر: شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة؛ لأنه يصدق على الكل أنهم جاؤوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار. والموصول (١) مبتدأ، وخبره ﴿يَقُولُونَ﴾، والجملة مسوقة لمدحهم بمحبتهم لمن تقدمهم من المؤمنين، ومراعاتهم لحقوق الأخوة في الدين والسبق بالإيمان ويجوز أن يكون الموصول معطوفًا على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ فيكون ﴿يَقُولُونَ﴾ في محل النصب على الحال، أو مستأنف. والمراد بالأخوة هنا: أخوة الدين، أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم ولمن تقدمهم من المهاجرين والأنصار.

стр. 13386

أي: والذين جاؤوا من بعدهم يدعون لهم قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ ما فرط منا ﴿وَلِإِخْوَانِنَا﴾؛ أي: في الدِّين، الذي هو أعزّ وأشرف عندهم من النسب. ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ وصفوهم بذلك اعترافًا بفضلهم. قدموا أنفسهم في طلب المغفرة لما في المشهور من أن العبد لا بد أن يكون مغفورًا له حتى يستجاب دعاؤه لغيره. وفيه حكم بعدم قَبول دعاء العاصين قبل أن يُغْفَرَ لهم، وليس كذلك كما دلت عليه الأخبار. فلعل الوجه: أن تقديم النفس كونها أقرب النفوس إليه مع أن في الاستغفار إقرارًا بالذنب، فالأحسن للعبد أن يرى أولًا ذنب نفسه، كذا في بعض التفاسير. يقول الفقير: نفس المرء أقرب إليه من نفس غيره، فكل جلب أو دفع فهو إنما يطلبه أولًا لنفسه لإعطاء حق الأقدم، وأما غيره .. فهو بعده ومتأخر عنه. وأيضًا: إن ذنب نفسه مقطوع بالنسبة إليه، وأما ذنب غيره .. فمحتمل، فلعل الله قد غفر له وهو لا يدري. وأيضًا: تقديمهم في مثل هذا المقام لا يخلو عن سوء أدب وسوء ظن في حق السلف. ويقال: إنما بدؤوا بأنفسهم؛ لقوله ﷺ : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". ويدعون لأنفسهم قائلين: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾؛ أي: حقدًا وبغضًا وحسدًا. وقرىء: ﴿غمرًا﴾. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله على الإطلاق، صحابة أو غيرهم. وفيه إشارة إلى أن الحقد على غيرهم جائز لغيرة الدِّين، وإن لم يكن الحسد جائزًا. أمرهم الله سبحانه (١). بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولًا أوليًّا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم .. فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلًّا لهم .. فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه ﷺ ، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله سبحانه، والاستغاثة به، والتوبة منه، والعياذ من ذلك كله بالله تعالى.

стр. 13387

والحقد والحسد هما رأس كل خطيئة، وينبوع كل معصية، فهما يوجبان سفك الدماء، والبغي، والظلم، والسرقة، وسائر أنواع الفجور. ونحو الآية قوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: ربنا إنك عظيم الرأفة بعبادك، كثير الرحمة لهم، فحقيق بأن تجيب دعاءنا، فأجب دعاءنا يا إلهنا ويا مالك أمرنا. وفي الآية (١) حث على الدعاء للصحابة وصفاء القلوب من بغض أحد منهم، ودليل على أن الترحم والاستغفار واجب على المؤمنين الآخرين للسابقين منهم، لا سيما لآبائهم ولمعلمهم أمور الدِّين. قالت عائشة ﵂: "أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم". وفي الحديث: "لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها"، وعن ابن عمر ﵄: أنه سمع رجلًا وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ثم قال: هؤلاء المهاجرون، أفمنهم أنت؛ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، فأنت منهم؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ...﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: ليس من هؤلاء من سب هؤلاء. وفي تكرير: ﴿رَبَّنَا﴾ إظهار لكمال الضراعة. وفي الأثر: "من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا .. أنجاه الله مما يخاف". الإعراب ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿سَبَّحَ﴾: فعل ماضي، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، وقيل: ﴿اللام﴾: زائدة، ﴿مَا﴾ فاعل، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿الْحَكِيمُ﴾:

стр. 13388

خبر ثان، والجملة في محل النصب حال من الجلالة، أو مستأنفة ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿أَخْرَجَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿كَفَرُوا﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: حال من ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، ﴿لِأَوَّلِ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتوقيت، بمعنى: عند متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾ أيضًا، ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: مجرور ومضاف إليه ﴿مَا﴾ نافية، ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَخْرُجُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن، أي: ما ظننتم خروجهم. ﴿وَظَنُّوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ظنوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿حُصُونُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر. ويجوز أن يكون ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ خبر ﴿أَنَّهُمْ﴾، ﴿حُصُونُهُمْ﴾: فاعل مانعتهم؛ لاعتماده على المخبر عنه. وجملة ﴿أَنْ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن؛ أي: وظنوا منع حصونهم من الله تعالى. و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾. ﴿فَأَتَاهُمُ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿أتاهم الله﴾: فعل ومفعول، وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ظنوا﴾، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: متعلق بـ ﴿أتاهم﴾، وجملة ﴿لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَقَذَفَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على ﴿فَأَتَاهُمُ﴾، ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿قذف﴾، ﴿الرُّعْبَ﴾: مفعول قذف ﴿يُخْرِبُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿قُلُوبِهِمُ﴾؛ لأن المضاف كان جزءًا من المضاف إليه، أو مستأنفة لبيان الرعب. ﴿بُيُوتَهُمْ﴾: مفعول به، ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِبُونَ﴾، ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف على ﴿أيديهم﴾. ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما فعل الله بهم وعقلتموه وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اعتبروا يا أولي الأبصار، ﴿اعتبروا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿يَا أُولِي﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أُولِي﴾: منادى مضاف

стр. 13389

منصوب، وعلامة نصبه الياء المحذوفة لفظًا للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه اسم جمع ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿أولي﴾: مضاف ﴿الْأَبْصَارِ﴾: مضاف إليه، وجملة النداء جواب الطلب، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن ﴿كَتَبَ اللهُ﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِمُ﴾: جار ومجرور متعلقان بـ ﴿كَتَبَ﴾. ﴿الْجَلَاءَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿كَتَبَ﴾ في محل الرفع خبر لـ ﴿أن﴾ المخففة وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ولولا كتاب الله الجلاء عليهم موجود ﴿لَعَذَّبَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لولا﴾. ﴿عَذَّبَهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على الله ﴿في الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ: عذب، والجملة الفعلية جواب ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة. ﴿وَلَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لهم﴾: خبر مقدم، ﴿في الْآخِرَةِ﴾: حال من ﴿عَذَابُ النَّارِ﴾، و ﴿عَذَابُ النَّارِ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية مستأنفة. ولا يجوز عطفها على ﴿عَذَّبَهُمْ في الدُّنْيَا﴾؛ لأن ذلك يقتضي أن ينجوا من عذاب الآخرة أيضًا؛ لأن ﴿لولا﴾ تقتضي انتفاء الجزاء بحصول الشرط. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، ﴿أنهم﴾: ناصب واسمه، ﴿شَاقُّوا اللهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، والتقدير: ذلك كائن بسبب مشاققتهم الله ورسوله. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة فعل الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُشَاقِّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿من﴾ الشرطية، ﴿اللهَ﴾: مفعول به، ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خبره. وجملة ﴿إنّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ على كونها

стр. 13390

مستأنفة، ويجوز أن تجعل الفاء تعليلية للجواب المحذوف، تقديره: ومن يشاق الله يعاقب؛ لأن الله شديد العقاب. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾. ﴿مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب، مفعول مقدم لـ ﴿قَطَعْتُمْ﴾، ﴿قَطَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنْ لِينَةٍ﴾: حال من ﴿مَا﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم ﴿تَرَكْتُمُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿قَطَعْتُمْ﴾، ﴿قَائِمَةً﴾: مفعول ثان لترك، أو حال من ضمير المفعول، ﴿عَلَى أُصُولِهَا﴾: متعلق بـ ﴿قَائِمَةً﴾، ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَا﴾ الشرطية، ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾: متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فقطعها أو تركها كائن بإذن الله وإرادته. والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جواب الشرط لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلِيُخْزِىَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على علة محذوفة متعلقة بعلول محذوف، تقديره: أذن الله في قطعها ليس المؤمنين، ويعزهم وليخزي الفاسقين. و ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يخزي﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: أذن في قطعها لإعزاز المؤمنين وإخزاء الفاسقين، والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور المقدر قبله على كونه تعليلًا لمحذوف. ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾؛ عاطفة أو استئنافية، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع، مبتدأ ﴿أَفَاءَ اللهُ﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما أفاءه الله. ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أفاء﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من العائد المحذوف؛ أي: ما أفاءه الله على رسوله حال كونه من أموالهم، فهو على تقدير مضاف، أو متعلق بـ ﴿أَفَاءَ﴾ ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ لشبه المبتدأ

стр. 13391

بالشرط، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَوْجَفْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْجَفْتُمْ﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿خَيْلٍ﴾: مفعول به، ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾: معطوف على ﴿خَيْلٍ﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكنه خبر سببيّ، والتقدير: والذي أفاءه الله على رسوله منهم فغير مجيفين أنتم عليه خيلًا ولا ركابًا. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ أو مستأنفة، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكنّ﴾، وجملة ﴿لكنّ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾. ﴿عَلَى مَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُسَلِّطُ﴾. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، و ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الابتدائية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿أَفَاءَ اللَّهُ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد محذوف؛ أي: ما أفاءه الله. ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَفَاءَ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: حال من ﴿مَا﴾ أو من العائد المحذوف، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: حال كونه من أموال أهل القرى، ﴿فَلِلَّهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ، لشبه المبتدأ بالشرط، ﴿لله﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ؛ أي: فكائن لله. والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لبيان مصارف الفيء. ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: معطوفان على ﴿لله﴾، ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوفات على ﴿ذي القربى﴾. ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾. ﴿كَيْ﴾: حرف جر وتعليل بمعنى اللام، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد كي التعليلية، واسمها ضمير يعود على الفيء. ﴿دُولَةً﴾: خبر ﴿يَكُونَ﴾، ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿دُولَةً﴾، ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من الأغنياء، وجملة ﴿يَكُونَ﴾: صلة أن المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿مَا﴾ التعليلية؛ أي: لعدم كونه دولة بين الأغنياء. والجار

стр. 13392

والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر في قوله: ﴿فَلِلَّهِ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: اسم موصول منصوب المحل على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، تقديره: خذوا ما آتاكم الرسول. ﴿آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن ﴿آتى﴾ بمعنى أعطى، يتعدى إلى مفعولين؛ أي: وخذوا ما آتاكم الرسول إياه. والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. ويجوز رفع ﴿ما﴾ على الابتداء، وجملة ﴿فَخُذُوهُ﴾ خبره. ﴿فَخُذُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لما في الموصول من شبه اسم الشرط، ﴿خذوه﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، أو في محل الرفع خبر لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾: معطوفة على ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. فهو نظيره في الإعراب. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فعل أمر، وفاعل ومفعول به. والجملة مستأنفة، أو معطوفة على قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾. ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: جار ومجرور، بدل من قوله: ﴿لذي القربى﴾ على مذهب أبي حنيفة، ومقتضاه اشتراط الفقر في استحقاق ذي القربى. ومن جنح إلى مذهب الشافعي علقه بمحذوف تقديره: اعجبوا للفقراء، ومقتضاه عدم اشتراط الفقر، وأنّ الاستحقاق يكون بالقرابة، فيأخذ ذو القربى الفقير لقرابته، كما مر. وعلى هذا نهج السيوطي، وغيره. والمعنى: اعجبوا لهؤلاء المهاجرين حيث تركوا أوطانهم وأموالهم. ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾: نعت للفقراء، ﴿الَّذِينَ﴾: نعت ثان للفقراء، ﴿أُخْرِجُوا﴾: فعل ونائب فاعل صلة الموصول، ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أُخْرِجُوا﴾، ﴿وَأَمْوَالِهِمْ﴾: معطوف على ﴿دِيَارِهِمْ﴾، ﴿يَبْتَغُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿فَضْلًا﴾: مفعول به، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أو بمحذوف نعت لـ ﴿فَضْلًا﴾، ﴿وَرِضْوَانًا﴾: معطوف على ﴿فَضْلًا﴾، والجملة الفعلية حال من مرفوع ﴿أُخْرِجُوا﴾؛ أي: حال كونهم طالبين فضلًا ورضوانًا. ﴿وَيَنْصُرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَبْتَغُونَ﴾، ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف عليه ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير

стр. 13393

فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الصَّادِقُونَ﴾: خبر لـ ﴿أُولَئِكَ﴾ أو خبر لـ ﴿هُمُ﴾، والجملة خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، وجملة ﴿أُولَئِكَ﴾ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الذين﴾: مبتدأ، ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به صلة الموصول، أو منصوب على المدح؛ أي: أمدح الذين تبؤوا الدار، أو في محل الجر معطوف على الفقراء، ﴿وَالْإِيمَانَ﴾: مفعول به لفعل محذوف، تقديره: وأخلصوا الإيمان، على حد قوله: عَلَفْتُهَا تِبْنًا ومَاءً بِارِدًا أي: سقيتها ماء باردًا، ويكون من عطف الجمل؛ لأن الإيمان لا يتخذ منزلًا، فاختصر الكلام. وقيل: هو على حذف مضاف؛ أي: والذين تبؤوا دار الهجرة ودار الإيمان. فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان وأقيم المضاف إليه مقامه، أو منصوب بـ ﴿تَبَوَّءُوا﴾ على تضمينه معنى لزموا، كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الإيمان. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: حال من فاعل ﴿تَبَوَّءُوا﴾. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾. ﴿يُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر ﴿الَّذِينَ﴾، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿تَبَوَّءُوا﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، ﴿هَاجَرَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به. والجملة صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوفة على ﴿يُحِبُّونَ﴾، ﴿وَلَا﴾: نافية، ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَجِدُونَ﴾، ﴿حَاجَةً﴾: مفعول به، ﴿مِمَّا﴾: نعت لحاجة، وجملة ﴿أُوتُوا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، والعائد محذوف؛ أي: مما أوتوه. ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُحِبُّونَ﴾، ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يؤثرون﴾، ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط مجرد عن معنى الشرط لا جواب لها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿بِهِمْ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها، ﴿خَصَاصَةٌ﴾: اسمها مؤخر.

стр. 13394

وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يؤثرون﴾؛ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم حالة كون الخصاصة بهم. ويصح أن تكون ﴿الواو﴾ عاطفة على شرط محذوف، و ﴿لو﴾: حرف شرط على بابها، والتقدير: ويؤثرون على أنفسهم إن لم تكن بهم خصاصة، ولو كانت بهم خصاصة يؤثرونهم على أنفسهم. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُوقَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾: مفعول ثان، ومضاف إليه. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿جَاءُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءُوا﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: خبر الذين، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿اغْفِرْ﴾: فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب مع البارىء سبحانه، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، ﴿لَنَا﴾: متعلق بـ ﴿اغْفِرْ﴾، ﴿وَلِإِخْوَانِنَا﴾: معطوف على ﴿لَنَا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿إخواننا﴾، وجملة ﴿سَبَقُونَا﴾ صلة الموصول، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ متعلق بـ ﴿سَبَقُونَا﴾ ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: دعائية، سلوكًا مسلك الأدب مع البارىء سبحانه، ﴿تَجْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الدعائية، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اغْفِرْ﴾، ﴿فِي قُلُوبِنَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجْعَلْ﴾. وهو في موضع المفعول الثاني لـ ﴿تَجْعَلْ﴾، ﴿غِلًّا﴾: مفعوله الأول، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿غِلًّا﴾؛ لأنه مصدر بمعنى: بغضًا. وقيل: نعت لـ ﴿غِلًّا﴾. وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول.

стр. 13395

﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾، وكرره للتأكيد، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب، واسمه، ﴿رَءُوفٌ﴾: خبره، ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ وفي محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها تعليلية للدعاء المذكور قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ والتسبيح: تبعيد الله عن السوء، وتنزيهه عما لا يليق بشأن ألوهيته، قولًا وفعلًا وقلبًا كما مر. ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هم بنو النضير، بزنة: أمير، قبيلة عظيمة من اليهود كبني قريظة. ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ والحشر: إخراج جمع من مكان إلى آخر، أي: في أول حشرهم؛ أي: جمعهم وإخراجهم من جزيرة العرب ونفيهم إلى بلاد الشام. وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: جمع دار، وهو: المكان الذي حوط ودور به للنزول فيه وإن لم يكن مسقفًا بخلاف البيت، وهو اسم لمبنى مسقف مدخله من جانب واحد للبيتوتة فيه، كما مرّ في مبحث التفسير بيان الفرق بينهما ﴿حُصُونُهُمْ﴾: جمع حصن، وهو القصر الشاهق والقلعة المشيدة. وفي "الروح": الحصون: جمع حصن - بكسر فسكون - وهو كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه، والقلعة: الحصين الممتنع على الجبل. فالأول أعم من الثاني. ويقال: تحصن، إذا اتخذ الحصين مسكنًا، ثم تجوز به فقيل: درع حصينة؛ لكونها حصنًا للبدن، وفرس حصان؛ لكونه حصنًا لراكبه. ﴿مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من بأسه وعقابه. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: جاءهم عذابه وبأسه. ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾؛ أي: من حيث لم يخطر لهم ببال؛ أي: من الجهة التي لم تخطر ببالهم، فالجهة هي المؤمنون، كانوا لا يخطر ببالهم أن الذل يأتيهم من جهة المؤمنين الضعفاء بالنسبة إليهم في ذلك الوقت. اهـ. "شيخنا". ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾؛ أي: أنزله فيها إنزالًا شديدًا، كأنه قد قذف الحجارة فيها. اهـ. "خطيب". وقَذْفُ الشيء: رميه بقوة. والمراد هنا: إثباته وركزه في قلوبهم، كما في "الكشاف"، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، لما أن قذف باللحم قذفًا، لاكتنازه وتداخل أجزائه. والرعب: الخوف الذي يملأ الصدور،

стр. 13396

فيغيّر العقل، ويعجز النفس، ويشوش الرأي. ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بالتشديد من التخريب، وبالتخفيف من الإخراب. والإخراب والتخريب بمعنى واحد يقال: خرب المكان خرابًا، وهو ضد العمارة. وقد أخربه وخربه؛ أي: أفسده بالنقض والهدم غير أن في التشديد مبالغة من حيث التكثير، لكثرة البيوت، وهو قراءة أبي عمرو. وفرق أبو عمرو بين الإخراب والتخريب، فقال: خرب - بالتشديد - بمعنى هدم ونقض وأفسد، وأخرب - بالهمزة - ترك الموضع. وقال - أي: أبو عمرو -: وإنما اخترت التشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابًا بغير ساكن. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾؛ أي: فاتعظوا بحالهم، ولا تغتروا، ولا تعتمدوا على غير الله. اهـ. "بيضاوي". والاعتبار: مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء. ولهذا سميت العبرة عبرة؛ لأنها تنتقل من العين إلى الخد، وسمي علم التعبير؛ لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع. ويقال: السعيد من اعتبر بغيره؛ لأنه ينقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ومن لم يعتبر بغيره .. اعتبر به غيره. ولهذا قال القشيري: الاعتبار هو: النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها؛ ليعرف بالنظر فيها شيء آخر. اهـ. "خطيب". ﴿الْأَبْصَارِ﴾: جمع بصر، يقال للجارحة: الناظرة، وللقوة التي فيها، ويقال للقلب المدركة: بصيرة وبصر، ولا يكاد يقال للجارحة: بصيرة، كما في المفردات. ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾. الجلاء: الخروج من الوطن والجولان في الأرض. يقال: أجليت القوم عن منازلهم؛ أي: أخرجتهم منها، وجلوا منها خرجوا. وقد فرقوا بين الإجلاء والإخراج من وجهين: ١ - أن الأول لا يكون إلا لجماعة، والثاني يكون لواحد ولجماعة. ٢ - أو أن الأول ما كان مع الأهل والولد، والثاني يكون مع بقائهما. وفي "المختار": الجلاء - بالفتح والمد -: الأمر الجلي، تقول منه: جلا الخبر، يجلو جلاء، إذا وضح. والجلاء أيضًا: الخروج من البلد والإخراج أيضًا. وقد جلوا عن

стр. 13397

أوطانهم، وجلاهم غيرهم. يتعدى، ويلزم. اهـ. وفي "المصباح": والفاعل من الثلاثي جال، مثل قاض، والجماعة جالية، ومنه قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر ﵁ من جزيرة العرب: جالية. ثم نقلت الجالية إلى الجزية التي أخذت منهم، ثم استعملت في كل جزية تؤخذ وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه فيقال: استعمل فلان على الجالية؛ أي: على أخذها من أهلها. والجمع: جوالي. اهـ. قلت: ومن هذه المادة سمّت الجُبُوش الأرُميا بالجالّا، إخفاء لحسبهم ونسبهم ووطنهم، فالجالا: هم الذيبن أخرجوا من وطنهم وأسكنوا في وطن الغير بالجزية. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ من المشاقة، وهو كون الإنسان في شق ومخالفه في شق آخر. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ واللينة فعلة، نحو: حنطة، من اللون، على أن أصلها لونة، فياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: ديمة، قيمة. وتجمع على: ألوان، وهي ضروب النخل كلها. وقيل: من اللين، وتجمع على لين وأليان، وهي النخلة الكريمة الشجرة، لكونها قريبة من الأرض، والطيبة الثمرة. قال الراغب في "المفردات": اللين ضد الخشونة، ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخُلق ولغيره من المعاني، فيقال: فلان لين وفلان خشن، وكل واحد منهما يمدح به طورًا، ويذم به طورًا، بحسب اختلاف المواضع والمقام. اهـ. وفي "الفتوحات": واللينة في معناها خلاف كثير، فقيل: هي النخلة مطلقًا، وقيل: هي النخلة ما لم تكن عجوة ولا برنية، وقيل: هي النخلة الكريمة، وقيل: هي العجوة، وقيل: هي أغصان الشجر للينها. وفي عين ﴿لِينَةٍ﴾ قولان: أحدهما: أنها واو؛ لأنها من اللّون، وإنما قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كديمة وقيمة. والثاني: أنها ياء؛ لأنها من اللين، وجمع اللينة لين؛ لأنه من باب اسم الجنس، كتمر وتمرة. وقد تكسر على ليان، وهو شاذ؛ لأن تكسير ما يفرق فيه بتاء التأنيث شاذ، كرطبة ورطب وأرطاب. اهـ. "سمين".

стр. 13398

﴿عَلَى أُصُولِهَا﴾: جمع: أصل، وهو ما يتشعب منه الفرع. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: وليذلهم. يقال: خزي الرجل لحقه انكسار، إما من نفسه؛ وهو: الحياء المفرط ومصدره الخزاية، وإما من غيره وهو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخزي. اهـ. "روح". ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ قال المبرد: يقال: فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إليه؛ أي: رده وصيره إليه. والفيء لغة: الرجوع، وشرعًا: ما أخذ من أموال الكفار من غير قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجفًا وجيفًا إذا أسرع، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع. وفي "القاموس": الوجيف: ضرب من سير الخيل والإبل. والخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائل؛ لأنه يختال، والجمع: أخيال، وخيول، كما في "القاموس". وقال الراغب: الخيلاء: التكبر، من تخيل فضيلة تتراءى لنسان من نفسه. ومنها: تتأول لفظة الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحد فرسًا إلا وجد في نفسه نخوة. وللخيل نوعان: عتيق وهجين: فالعتيق: ما أبواه عربيان؛ سمي بذلك لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه بالأمور المنقصة، وسميت الكعبة بالبيت العتيق لسلامتها من عيب الرق؛ لأنه لم يملكها ملك قط. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه عجمية. والفرق: أن عظم البرذونة أعظم من عظم الفرس، وعظم الفرس أصلب وأثقل، والبرذونة أحمل من الفرس، والفرس أسرع منه، والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذونة بمنزلة الشاة. ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ والركاب: ما يركب من الإبل خاصة، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها. والعرب لا تطلق لفظ الراكب، إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارسًا. قال في "المفردات": الركوب في الأصل: كون الإنسان على ظهر حيوان، وقد يستعمل في السفينة والراكب اختص في التعارف بممتطي البعير، جمعه: ركب وركبان وركوب، واختص الركاب بالمركوب، انتهى. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾؛ أي: على أعدائه من غير قتال، ولا مصاولة، بل بإلقاء الرعب في القلوب، فيكون الفيء للرسول يصرفه في مصارفه التي ستعلمها

стр. 13399

بعد. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾؛ أي: من أهل البلدان التي تفتح هكذا بلا قتال. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: لبني هاشم وبني المطلب، والقربى: مصدر سماعي، لقرب قربًا وقربى؛ أي: قرابة. ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم. واليتم: انقطاع الصبي عن أبيه قبل بلوغه، وفي سائر الحيوانات من قبيل أمه. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، ويفتح ميمه، وهو من لا شيء له، أو له ما لا يكفيه. سمي بذلك؛ لأن الفقر أسكنه؛ أي: قلل حركته، وهو من السكون، فنونه أصلية لا نون جمع، ولذلك تجري عليه حركات الإعراب الثلاثة. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: المسافر البعيد عن ماله، وسمي به لملازمته له، كما تقول لِلُصِّ القاطع: ابن الطريق، وللمعمر: ابن الليالي، ولطير الماء: ابن الماء، وللغراب: ابن دأبة، بإضافة الابن إلى دأبة البعير؛ لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت، والدأبة: الجنب. ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ بضم الدال وقرىء بفتحها، وهي: ما يدول للإنسان؛ أي: يدور، من الغنى، والجد والغلبة. قال المبرد: الدولة - بالضم -: الشيء الذي يتداوله القوم بينهم، يكون كذا مرة وكذا أخرى. والدولة - بالفتح -: انتقال حال سارة من قوم إلى قوم؛ أي: فالأول: اسم لما يتداول من المال والثانية: اسم لما ينتقل من الحال. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾: النزول في المكان، ومنه: المباءة للمنزل. وأصل البواء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النبو الذي هو منافاة الأجزاء يقال: مكان بواء إذا لم يكن نابيًا بنازله، وبوأت له مكانًا: سويت. والمراد بالدار: المدينة. والمراد بالحاجة: الحسد والغيظ. ﴿أُوتُوا﴾؛ أي: أعطي المهاجرون دون الأنصار. ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾؛ أي: يقدمون ويفضلون. ﴿خَصَاصَةٌ﴾ والخصاصة: الحاجة، من خصاص البيت، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج، وكذا كل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع. ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾ والشح: اللؤم، وهو: أن تكون النفس كزة حريصة على المنع. قال شاعرهم: يُمَارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إِذَا هَمَّ بِالمَعْرُوْفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلًا قال الراغب: البخل: المنع والشح: الحال النفسية التي تقتضي ذلك. وقيل: الشح: الحرص على المال. والفرق بينه وبين البخل: أن الشح غريزة، والبخل

стр. 13400

المنع نفسه، فهو أعم؛ لأنه قد يوجد البخل ولا شح له، ولا ينعكس. وفي الصحاح: والشح: البخل مع حرص. ﴿وَلِإِخْوَانِنَا﴾ جمع أخ. وفي "المصباح": الأخ لامه محذوفة، وهي واو، وترد في التثنية على الأشهر، فيقال: أخوان. وفي لغة يستعمل منقوصًا، فيقال: أخان. وجمعه: إخوة وإخوان، بكسر الهمزة فيهما، وضمها لغة. وقيل: جمعه بالواو والنون، وعلى آخاء بوزن آباء أقل. والأنثى: أخت وجمعها: أخوات، وهو جمع مؤنث سالم. اهـ. ﴿غِلًّا﴾؛ أي: حقدًا، وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام. اهـ. "خطيب". وفي: "المصباح": الحقد: الانطواء على العدواة والبغضاء، وحقد عليه: من باب ضرب. وفي لغة: من باب تعب، والجمع: أحقاد. وقال الراغب: الغل والغلول تدرع الخيانة والعداوة؛ لأن الغلالة اسم ما يلبس بين الشعار والدثار، وتستعار للدرع كما تستعار الدرع لها. ملحقات بالآيات من بعض أحكام الصرف نسيناها أولًا ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: الياء فيه منقلبة عن الواو؛ لأن مفرده: دار، أصله دور، قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ بدليل تصغيره على دويرة، ثم حمل الجمع على المفرد في الإعلال، فأعل الواو بقلبه ياء لما وقع بعد كسرة وقبل ألف. ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: فيه إعلال بالإبدال أصله: الجلاو، أبدلت الواو همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: الياء فيه مبدلة من ﴿واو﴾ إن قلنا: إنه من الدنو بمعنى القرب لقرب زوالها أو أصلية إن قلنا إنه من الدنيء؛ لدناءتها وخستها عند الله تعالى. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أصله: شاققوا، سكنت القاف الأولى وأدغمت في الثانية، وكذلك القول في: ﴿يُشَاقِّ﴾ أصله: يشاقق. ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾: ﴿قَائِمَةً﴾: فيه إعلال بالإبدال، وأصله: قاومة، أبدلت الواو همزة حملًا للوصف في الإعلال على فعله قام، حيث أعل بقلب الواو ألفًا أصل قام قوم. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أصله: أفيأ، بوزن أفعل، نقلت حركة الياء إلى الفاء، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ فيه إعلالان؛ لأن أصله: أأتيكم، أبدلت الهمزة

стр. 13401

الساكنة ألفًا حرف مد مجانسًا لحركة الأولى، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أصله: نهيكم، بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَانْتَهُوا﴾ أصله: فانتهيوا، أمر من انتهى الخماسي، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت .. حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الهاء لمناسبة الواو. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ أصله: يبتغيون، بوزن يفتعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت للتخفيف، فلما سكنت .. التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الغين لمناسبة الواو. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: طباق السلب في قوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. ومنها: القصر في قوله: ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ﴾. إن قلنا: إن ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ خبر مقدم، و ﴿حُصُونُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ﴿أَنَّهُمْ﴾. فإن تقديم المسند على المسند إليه يفيد قصر المسند إليه على المسند، فإن معنى قولك: (قائم زيد) أن زيدًا مقصور على القيام لا يتجاوزه إلى القعود، وكذا معنى الآية أن حصونهم ليس لها صفة غير المانعية. ومنها: المقابلة اللطيفة بين ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وبين ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾؛ لأن القذف حقيقة في الرمي البعيد، فاستعير لإلقاء الرعب وإثباته في قلوبهم. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن إسناد تخريب المؤمنين إليهم لما أنهم تسببوا في ذلك، فكأنهم كلفوهم إياه وأمروهم به. ومنها: الطباق بين القطع والترك في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا

стр. 13402

قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ لأن فيه حذف المعطوف عليه؛ فإن أصل الكلام: ليعز المؤمنين وليخزي الفاسقين. ومنها: التكرير في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. وهو إعادة عين العبارة الأولى لزيادة التقرير. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. فإن المراد: قرى بني النضير، ومقتضى السياق أن يقال: منهم، ولكنه أظهر للإشعار بشمول ما لعقاراتهم. ومنها: الفصل في هذه الآية، أعني قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. والفصل عند علماء المعاني: ترك عطف جملة على أخرى. وضده الوصل، وهو: عطف بعض الجمل على بعض. وهذا الباب أغمض أبواب علم المعاني، حتى قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل والوصل. قال: الْفَصْلُ تَرْكُ عَطْفِ جُمْلَةٍ أَتَت ... مِنْ بَعْدِ أُخْرَى عَكْسَ وَصْلٍ قَدْ ثَبَتْ ولكل منهما مواضع نلخصها فيما يلي: مواضع الفصل: يجب الفصل في خمسة مواضع: ١ - أن يكون بين الجملتين اتحاد تام، بأن تكون الثانية بدلًا من الأولى؛ كالآية التي نحن بصددها، أو بيانًا لها، نحو: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾، أو مؤكدة لها، نحو: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾. ويقال في هذا الموضع: إن بين الجملتين كمال الاتصال. ٢ - أن يكون بين الجملتين تباين تام؛ بأن تختلفا خبرًا، وإنشاء، كقوله: لَا تَسْأَلِ الْمَرْءَ عَنْ خَلَائِقِهِ ... فِي وَجْهِهِ شَاهِدٌ يُغْنِي عَنِ الْخَبَرِ ٣ - كون الجملة الثانية جوابًا عن سؤال نشأ من الجملة الأولى، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. ٤ - أن تسبق جملة بجملتين يصح عطفها على إحداهما لوجود المناسبة، وفي عطفها على الأخرى فساد، فيترك العطف دفعًا للوهم، كقوله:

стр. 13403

وَتَظُنُّ سَلْمَى أنَّنِي أَبْغِيْ بِهَا ... بَدَلًا أَرَاهَا فِيْ الضَّلَالِ تَهِيْمُ ٥ - أن لا يقصد تشريك الجملتين في الحكم لقيام مانع، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ فجملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لا يصح عطفها على ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لاقتضائه أنه من مقولهم، ولا على جملة ﴿قَالُوا﴾ لاقتضائه أن استهزاء الله بهم مقيد بحال خلوهم إلى شياطينهم. وللوصل مواضع كثيرة أيضًا مذكورة في كتب المعاني، ليس هذا الكتاب موضعها، فراجعها إن أردت الخوض فيها. ومنها: الترقي في ذكر حال المهاجرين من العالي إلى الأعلى في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، فإن رضوان الله أكبر من عطاء الدنيا. ومنها: الإتيان بضمير الفصل في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ لإفادة الحصر، فكأن الصدق مقصور عليهم لكمال آثار صدقهم. ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾. شبه الإيمان المتمكن في نفوسهم بمنزل ومستقر للإنسان نزل فيه وتمكن منه حتى صار منزلًا له، وهو من لطيف الاستعارة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13404

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما ذكر ما حدث لبني النضير من الاستسلام خوفًا ورهبةً لما قذفه في قلوبهم من الرعب، ثم ذكر مصارف الفيء التي تقدمت .. أردفه بذكر ما حصل من مناصحة المنافقين عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ورفقته لأولئك اليهود، وتشجيعهم لهم على الدفاع عن ديارهم، ومحاربتهم رسول الله ﷺ ، بما قصه الله علينا وفصله أتم تفصيل ليكون في ذلك عبرة لنا. وإنا لنشاهد كل يوم أن

стр. 13405

الناس يضل بعضهم بعضًا ويغوونهم ثم يتركونهم في حيرة من أمرهم، لا يجدون لهم مخلصًا مما وقعوا فيه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر المضلين من المنافقين، وبين أن ما يقولون غير ما يبطنون، وأن مثلهم كمثل الشيطان في الإغواء والإضلال، ثم أعقبه بذكر الضالين من بني النضير، وكيف خدعوا بتلك الوعود الخلابة التي كانت عليهم وبالًا ونكالًا، وكان فيها سوء حالهم في دنياهم ودِينهم .. شرع ينصح المؤمنين بلزوم التقوى، وأن يعملوا في دنياهم ما ينفعهم في أخراهم حتى ينالوا الثواب العظيم والنعيم المقيم، وأن لا ينسوا حقوق الله فيجعل الله الران على قلوبهم، فلا يقدموا لأنفسم ما به رشادهم وفلاحهم. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فرق المضلين من المنافقين والضالين من اليهود وغيرهم، وأمر عباده المؤمنين بالتقوى استعدادًا ليوم القيامة .. ذكر هنا أن لهم مرشدًا عظيمًا، وإمامًا هاديًا؛ هو القرآن الذي يجب أن تخشع لهيبته القلوب، وتتصدع لدى سماع عظاته الأفئدة؛ لما فيه من وعد ووعيد، وبشارة وإنذار، وحكم وأحكام، فلو أنا ألهمنا الجبل عقلًا وفهمه وتدبر ما فيه .. لخشع وتصدع من خوف الله ، فكيف بكم أيها البشر لا تلين قلوبكم، ولا تخشع، ولا تتصدع من خشيته؟ وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟. وبعد أن وصف القرآن بالعظم أتبعه بوصف عظمة المنزل للقرآن ذي الأسماء الحسنى الذي يخضع له ما في السماوات والأرض، وينقادون لحكمه وأمره ونهيه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه ابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو نعيم عن ابن عباس، أنه قال: نزلت هذه الآيات في رهط من بني عوف، منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول. ووديعة بن مالك وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم، وإن قوتلتم .. قاتلنا معكم، وإن أخرجتم .. خرجنا معكم، فتربصوا ذلك

стр. 13406

من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. التفسير وأوجه القراءة ١١ - ولما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاثة من المؤمنين .. ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة الكاذبة والأحوال الفاسدة؛ لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يصلح له؛ أي: ألم تنظر يا محمد، أو أيها المخاطب - ﴿إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: إلى أقوالهم الكاذبة، ومواعيدهم العاطلة، وأحوالهم الفاسدة، وهم: عبد الله بن أبيّ وأصحابه. وجملة قوله: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ مستأنفة لبيان المتعجب منه. والتعبير (١) بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية أو للدلالة على الاستمرار. والمراد بإخوانهم: بنو النضير، وبأخوَّتهم: إما توافقهم في الكفر، فإن الكفر ملة واحدة وإن اختلفت أنواعه. و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمُ﴾ هي لام التبليغ وفي قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ موطئة للقسم. وهي اللام الداخلة على حرف الشرط بعد تمام القسم ظاهرًا، أو مقدرًا ليؤذن أن الجواب له لا للشرط، وقد تدخل على غير الشرط. والمعنى: يقولون لهم: والله لئن أخرجتم .. أيها الإخوان .. من داركم وقراركم قسرًا بإخراج محمد وأصحابه إياكم منها ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ألبتة، ونذهبن في صحبتكم أينما ذهبتم لتمام المحبة بيننا وبينكم. وهو جواب القسم، وكررت اللام للتأكيد، وجواب الشرط مضمر. ولما كان جواب القسم وجواب الشرط متماثلين .. اقتصر على جواب القسم، وأضمر جواب الشرط، وجعل المذكور جوابًا للقسم بسعة. وكذا قوله: ﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ كل واحد منهما جواب القسم؛ ولذلك رفعت الأفعال ولم تجزم، وحذف جواب الشرط

стр. 13407

لدلالة جواب القسم عليه. ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾؛ أي: في شأنكم. وهو (١) معطوف على جملة ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾. فمقولهم ثلاث جمل. ﴿أَحَدًا﴾ يمنعنا من الخروج معكم من محمد وأصحابه ﴿أَبَدًا﴾ وإن طال الزمان. وهو ظرف للنفي لا للمنفي، ونصبه على الظرفية، وهو (٢) لاستغراق المستقبل، كما أن الأزل لاستغراق الماضي. ولاستعمالهما في طول الزمانين جدًّا قد يضافان إلى جمعهما، فيقال: أبد الآباد وأزل الآزال، وأما السرمد: فلاستغراق الماضي والمستقبل، يعني: لاستمرار الوجود لا إلى نهاية في جانبهما. ثم لما وعدوهم بالخروج معهم .. وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾؛ أي: قاتلكم محمد وأصحابه، حذفت منه اللام الموطئة. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾؛ أي: لنعاوننكم على عدوكم، ولا نخذلكم. ثم كذبهم سبحانه، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في مواعيدهم المؤكدة بالأيمان الفاجرة، من الخروج معهم والنصرة لهم. ١٢ - ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به .. فصّل ما كذبوا فيه، فقال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ قهرًا وإذلالًا ﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ وهذا مع ما بعده تكذيب لهم في كل واحد من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل على الإجمال بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكان الأمر كذلك، فإن ابن أبيّ وأصحابه أرسلوا إلى بني النضير، وذلك سرًا ثم أخلفوهم، يعني: أن ابن أبيّ أرسل إليهم: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصنكم، ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. فطمع بنو النضير فيما قاله اللعين، وهو جالس في بيته، حتى قال أحد سادات بني النضير - وهو سلّام بن مشكم - لحي بن أخطب الذي كان هو المتولي لأمر بني النضير: والله يا حيي! إن قول ابن أبيّ لباطل وليس بشيء، وإنما يريد أن يورطك في الهلكة حتى تحارب محمدًا، فيجلس في بيته ويتركك. فقال حيي: نأبى إلا عدواة محمد، وإلا قتاله. فقال سلام: فهو والله جلاؤنا من أرضنا، وذهاب أموالنا وشرفنا، وسبي ذرارينا مع قتل مقاتلينا. فكان ما كان كما سبق في

стр. 13408

أول السورة. وفيه حجة بيّنة لصحة النبوة وإعجاز القرآن، أما الأول: فلأنه أخبر عما سيقع فوقع كما أخبر؛ وذلك لأن نزول الآية مقدم على الواقعة. وعليه يدل النظم، فإن كلمة ﴿إن﴾ للاستقبال. وأما الثاني: فمن حيث الإخبار عن الغيب. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ على سبيل الفرض والتقدير؛ أي: لو قدر وجود نصرهم إياهم؛ لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده. قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾ المنافقون ﴿الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: الأقفاء منهزمين فارين. جمع دبر، ودبر الشيء خلاف القُبل؛ أي: الخلف. وتولية الأدبار كناية عن الانهزام الملزوم لتولية الأدبار. ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: المنافقون بعد ذلك؛ أي: يهلكهم الله تعالى، ولا ينفعهم نفاقهم؛ لظهور كفرهم بنصرهم اليهود، أو لينهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين. وفي الآية تنبيه على أن من عصى الله ورسوله وخالف الأمر .. فهو مقهور في الدنيا والآخرة وإن كان سلطانًا ذا منعة، وما يقع أحيانًا من الفرصة فاستدراج، وغايته إلى الخذلان. والحاصل (١): أن المراد من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ...﴾ إلخ .. تعجيب المخاطب من حال المحدث عنه، وأن أمره غاية في الغرابة، وموضع للدهشة والحيرة. فهؤلاء قوم من منافقي المدينة لهم أقوال تخالف ما يبطنون، منهم: عبد الله بن أبيّ وشيعته، رأوا رسول الله ﷺ يحاصر بني النضير ويقاتلهم، فأرسلوا إليهم يقولون لهم: إنا قادمون لمساعدتكم بخيلنا ورجلنا، ولا نسلمكم لمحمد أبدًا، فجدوا في قتالهم ولا تهنوا في الدفاع عن دياركم وأموالكم، حتى إذا اشتد الحصار وأوغل المسلمون في ديارهم، وجدّوا في تحريق نخيلهم وهدم بيوتهم .. رأى بنو النضير أن تلك الوعود ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. وأنهم بين أمرين:

стр. 13409

١ - الاستسلام، وقبول حكم محمد عليهم. ٢ - فناؤهم، وتخريب ديارهم. وقد أدخل الله الرعب في قلوبهم فاختاروا الدنية، وقبلوا الجلاء عن الديار، واستبان لهم أن المنافقين كانوا كاذبين لا عهود لم، ولا وعود، كما هو دأبهم في كل زمان ومكان. وبعد أن كذبهم على سبيل الإجمال .. كذبهم تفصيلًا ليزيد تعجيب المخاطب من حالهم، وليبين لهم مبلغ خبث طويتهم. وشدة جبنهم وفزعهم من القتال، وأن هذه الوعود أقوال كاذبة لاكتها ألسنتهم، وقلوبهم منها براء، فقال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ...﴾ إلخ. أي: والله! لئن أخرج بنو النضير من ديارهم فأجلوا عنها .. لا يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم بالخروج معهم من ديارهم ولئن قاتلهم محمد ﷺ .. لا ينصرونهم، ولئن نصروهم .. ليولن الأدبار منهزمين عن محمد وأصحابه، هاربين منهم خاذلين لهم، ثم لا ينصر الله بني النضير. وهذا إخبار بالغيب، ودليل من دلائل النبوة، ووجه من وجوه الإعجاز؛ فإنه قد كان الأمر كما أخبر الله قبل وقوعه. والخلاصة: أن بني النضير أخرجوا فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فما نصروهم. ولو كانوا قد نصروهم .. لتركوا النصرة، وانهزموا، وتركوا أولئك اليهود في أيدي الأعداء. ١٣ - ثم ذكر السبب في عدم نصرتهم لليهود والدخول مع المؤمنين في قتال فقال: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ يا معشر المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً﴾؛ أي: مرهوبية ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾؛ أي: في قلوب المنافقين، أو في صدور اليهود، أو صدور الجميع ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من رهبة الله، بمعنى: مرهوبيته، والرهبة: مخافة مع تحزّن واضطراب وهي هنا مصدر من المبنيّ للمفعول، وهو رهب؛ أي: أشد مرهوبية. وذلك لأن ﴿أَنْتُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخوف ليس واقعًا منهم بل من المنافقين، فالمخاطبون مرهوبون غير خائفين. وهذه الجملة في المعنى كالتعليل لقوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ كأنه قال: إنهم لا يقدرون على مقاتلتكم، لأنكم أشد رهبة ... إلخ.

стр. 13410

قال في "الكشاف": قوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ قال على نفاقهم؛ يعني: أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله. فإن قلت: كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد. قلت: معناه: أن رهبتهم في السرّ منكم أشد من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم، وكانوا يظهرون رهبة شديدة من الله. يقول الفقير: إنما رهبوا من المؤمنين لظهور نور الله فيهم، فكما أن الظلمة تنفر من النور ولا تقاومه، فكذا أهل الظلمة ينفر من أهل النور ولا يقوم معه. ومرادنا بالظلمة: ظلمة الشرك، والكفر، والرياء والنفاق. وبالنور: نور التوحيد، والإيمان، والإخلاص، والتقوى. ولذلك قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، حيث إن الله تعالى أثبت معيته لأهل التقوى، فنصرهم على مخالفيهم. ثم ذكر سبب الرهبة منهم من دون الله، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ شيئًا من الأشياء حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته، ولو كان لهم فقه .. لعلموا أن الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحق بالرهبة منه دونكم. وفي "فتح الرحمن": ختمه هنا بـ ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ وفيما بعد بـ ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ لأن الأول متصل بقوله: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لأنهم يفقهون ظاهر الشيء بدون باطنه، والفقه: معرفة الظاهر والباطن، فناسب نفي الفقه عنهم. والثاني متصل بقوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ...﴾ إلخ؛ أي: لو عقلوا .. لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا، فناسب نفي العقل عنهم، انتهى. وفيه تنبيه على أن من علامات الفقه (١): أن يكون خوف العبد من الله أشد من خوفه من الغير، وتقبيح لحال أكثر الناس على ما ترى وتشاهد. وعنه ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". قال بعضهم: لا ينقص الكفيل من الرجال خوفهم من سبع أو ظالم أو نحو ذلك؛ لأن الجزع في النشأة الإنسانية أصلي، فالنفوس أبدًا مجبولة على الخوف،
следующие страницы →