← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فالرزق والكسوة لحق الزوجية، ولهن أجرة الرضاع إن امتنعن منه وطلبن ما ذكر ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما يتعارفه الناس من غير إسراف ولا تقتير ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ بالنفقة على الرضاع ولا تلزم ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: طاقتها وما يسعها وقدر ما أعطاها الله تعالى من المال. وقوله (١): ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تقييد لقوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه. وقيل: المراد لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف، بل يراعي القصد، وقرأ أبو رجاء شذوذًا: ﴿لا تكلف﴾ - بفتح التاء؛ أي: لا تتكلف، وارتفع نفس على الفاعلية، وحذفت إحدى التائين. وفي هذه الآية (٢): دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد؛ لعجزه وضعفه، ونسبه تعالى إلى الأم؛ لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع، وأجمع العلماء على أنه يجب على الأب نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾؛ أي: بأخذ ولدها منها بعد ما رضيت بما أعطي غيرها على الرضاع مع شدة محبتها له ﴿وَلَا﴾ يضار ﴿مَوْلُودٌ لَهُ﴾ وهو الأب ﴿بِوَلَدِهِ﴾؛ أي: بطرح الولد عليه بعد إلف أمه، ولا يقبل ثدي غيرها مع أن الأب لا يمتنع عليها من الرزق والكسوة، فقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ راجع لقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ راجع لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ و ﴿لا﴾ في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ يحتمل أن تكون نافية؛ فالفعل مرفوع على أنه بدل من ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾، وأن تكون ناهية، فهو مجزوم. قوله: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ قرأ (٣) أبو عمرو، وابن كثير وجماعة، ورواه أبان عن

стр. 1367

عاصم بالرفع على الخبر. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه بفتح الراء المشددة على النهي، وعلى كل من القراءتين يحتمل أن يكون الفعل مبنيًّا للفاعل أو للمفعول، وأصله لا تُضارر، أو لا تَضارر بالبناء للفاعل أو المفعول، والباء في قوله: ﴿بولدها﴾ أو ﴿بولده﴾ سببية، والمعنى: لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة، أو بأن تفرط في حفظ الولد، والقيام بما يحتاج إليه، أو لا تضارر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين، فهذه أربع قراءات سبعية. وقرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿لا تضارَر﴾ على الأصل بفتح الراء الأولى، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ﴿لا تضارْ﴾ بإسكان الراء وتخفيفا، على أنه حذف الراء الثانية فرارًا من التشديد في الحرف المكرر، وهو الراء، وروي عنه الإسكان والتشديد، وجاز حينئذ الجمع بين الساكنين؛ إما لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، أو لأن مدة الألف تجري مجرى الحركة، فهاتان قراءتان شاذتان عن أبي جعفر المذكور. وقرأ الحسن، وابن عباس شذوذًا: ﴿لا تضارِر﴾ بكسر الراء الأولى، فجملة ما في هذه الكلمة من القراءات ثمانية، ويحتمل أن تكون الباء في قوله: ﴿بِوَلَدِهِ﴾ صلة لقوله: ﴿تُضَارَّ﴾ على أنه بمعنى تضر؛ أي: لا تضر والدة ولدها، ولا أب ولده، فتسيء تربيته، أو تقصر في غذائه، وأضيف الولد تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم؛ لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل، وتقرير للجملة التي قبلها؛ أي: لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما لا يطيقه، فلا تضاره بسبب ولده. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ أي (١): وعلى الصبي الذي هو وارث أبيه المتوفى مثل ما على الأب من النفقة والكسوة، فإنه إن كان له مال .. وجب أجر الرضاعة

стр. 1368

في ماله، وإن لم يكن له مال .. أجبرت أمه على الرضاعة، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان؛ وهو قول مالك والشافعي، وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين أخذًا من قوله: "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا". وقيل (١): المراد بالوارث وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه؛ أي: فعلى هذا الوارث مثل ما كان على أب الصبي في حال حياته، واختلف في أي وارث هو؟ فقيل: هم عصبة الصبي كالجد والأخ والعم وابنه، وقيل: هو كل وارث له من الرجال والنساء، وبه قال أحمد، فيجبرون على نفقة الصبي كل على قدر سهمه منه، وقيل: هو من كان ذا رحم محرم منه، وبه قال أبو حنيفة لقراءة ابن مسعود ﵁ ﴿وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك﴾. ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾؛ أي: الوالدان، وقرىء شذوذًا: ﴿فإن أراد﴾ بلا ألف، ﴿فِصَالًا﴾؛ أي: فطامًا للولد عن اللبن قبل تمام الحولين صادرًا ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ واتفاق ﴿مِنْهُمَا﴾ لا من أحدههما فقط ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾؛ أي: مشاورة بينهما؛ أي: تدقيق النظر فيما يصلح للولد؛ أي: يشاوران أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي بما فيه مصلحة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فلا حرج ولا إثم على الوالدين في الفطام قبل الحولين إذا لم يضر بالولد، وكما يجوز النقص عن الحولين عند اتفاق الأبوين عليه، كذلك تجوز الزيادة عليهما باتفاقهما ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ أيها الآباء ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؛ أي: أن تطلبوا لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم، أو تعذر ذلك لعلة بهن من انقطاع لبن، أو غير ذلك أو أردن التزويج ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ ولا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في ذلك الاسترضاع ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المراضع المستأجرات ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ بالمد على قراءة الجمهور؛ أي: ما أعطيتم؛ أي: سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه وإعطاءه لهن من الأجرة ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بطيب نفس وسرور

стр. 1369

وموافقة، أو (١) بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن، أو حط بعض ما هو لهن من ذلك، فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن عن التساهل بأمر الصبي، والتفريط في شأنه، فليس تسليم الأجرة شرطًا لصحة الإجارة، بل لتكون المرضعة طيبة النفس راضية، فيصير ذلك سببًا لصلاح حال الصبي، وللاحتياط في مصالحه. وقرأ ابن كثير وحده في المتواتر: ﴿ما أتيتم﴾ مقصورة الألف؛ أي: ما أتيتم وفعلتم به؛ أي: ما أردتم إتيانه وفعله، ومنه قول زهير: وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ وقيل المعنى: إذا سلمتم إلى أمهاتهم من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن لكم إلى وقت إرادة الاسترضاع، وروى شيبان عن عاصم: ﴿ما أوتيتم﴾ مبنيا للمفعول؛ أي: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ونحوها. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله فيما فرض عليكم من الحقوق، وفيما أوجب عليكم لأولادكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا تخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرها وعلانيتها، فإنه تعالى يراها ويعلمها، فيجازيكم عليها، ولما تقدم (٢) أمر ونهي .. أمر بتقوى الله تعالى، ولما كان كثير من أحكام هذه الآية متعلقًا بأمر الأطفال الذين لا قدرة لهم، ولا منعة مما يفعل بهم .. حذر وهدى بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، وأتى بالصفة التي هي ﴿بَصِيرٌ﴾ مبالغة في الإحاطة بما يفعلونه معهم والاطلاع عليه. ٢٣٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قرأ الجمهور بضم الياء مبنيًّا للمفعول؛ أي: يتوفاهم الله ويموتون، وقرأ علي، والمفضل عن عاصم: ﴿يَتوفون﴾ بفتح الياء مبنيًّا للفاعل؛ أي: يستوفون آجالهم، وهو مبتدأ، ولكنه على حذف مضاف؛ ليصح الإخبار عنه بما بعده؛ أي: وأزواج الذين يموتون من رجالكم ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛

стр. 1370

أي: يتركون زوجات حرائر حائلات سواء كانت مدخولًا بها أو غيرها، وسواء كانت من ذوات الأقراء أو آيسة أو صغيرة، ولو كانت زوجة صبي، لعموم الآية الكريمة لهن. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ أي: ينتظرون ويتصبرن عن النكاح بعد وفاتهم ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: أنفسهن، فالباء زائدة ومدخولها توكيد للنون، أو سببية؛ أي: بسبب أنفسهن لا بسبب ضرب قاضٍ كما تقدم نظيره ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ من الليالي أن يمكثن أربعة أشهر وعشرة أيام من وفاة أزواجهن، إحدادًا على أزواجهن وعدة لوفاتهم، وهذه العدة سببها الوفاة عند الأكثرين، لا العلم بالوفاة كما قال به بعضهم، فلو انقضت المدة أو أكثرها، ثم بلغ المرأة خبر وفاة زوجها .. وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل على ذلك: أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة. أما الحوامل: فعدتهن بوفع الأحمال بآية سورة الطلاق، والأمة على النصف من ذلك بالسنة، وإنما قال: ﴿عَشْرًا﴾ بلفظ التأنيث؛ لأن العرب إذا أبهمت في العدد من الليالي والأيام غلّبوا الليالي حتى إن أحدهم ليقول: صمت عشرًا من الشهر؛ لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فإذا أظهروا الأيام .. قالوا: صمنا عشرة أيام. والحكمة في جعل عدة الوفاة هذا المقدار: أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة، فتتأخر حركته قليلًا، ولا تتأخر عن هذا الأجل. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: انقضت عدتهن ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: لا حرج ولا إثم ﴿عليكم﴾ يا أولياء الميت، أو أيها الأئمة والحكام، أو أيها المسلمون ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: في تركهن على ما فعلن في أنفسهن من التزين والتطيب، والنقلة من المسكن، والتعرض للخطاب، وغير ذلك مما حرم عليهن في زمن العدة؛ لأجل وجوب الإحداد عليهن حال كونهن ملتبسات ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما يحسن عقلًا وشرعًا، ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعًا بأن تبرجن،

стр. 1371

وبالغن في الزينة، أو تزوجن في مدة العدة .. فإنه يحرم على الأولياء إقرارهن على ذلك ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم بباطنه كظاهره، فيجازيكم عليه. فائدة: ويجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وهو ترك الزينة والطيب، ودهن الرأس بكل الدهن والكحل المطيب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة لرمد .. فيرخص لها فيه، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: تكتحل به بالليل، وتمسحه بالنهار. روى مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا". وروى الشيخان عن أم عطية ﵂ قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضها في نبذة من كُسْتِ أظَفَارٍ. تنبيه: وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول، وإن كانت هذه الآية مقدمة في التلاوة، وسنذكر تمام الكلام عليه بعد في موضعه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. ٢٣٥ - ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: لا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها الرجال ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ ولوحتم وأشرتم ﴿بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ المعتدات عن الوفاة، أو عن الطلاق البائن كقولكم لهن: إنك لجميلة ورب راغب فيك، ولعل الله أن ييسر لي امرأة صالحة، والتعريض وكذا التلويح: إفهام المقصود باللفظ الذي لم يوضع له حقيقة، ولا مجازًا كقول الفقير للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، والكناية: إفهام المقصود بذكر لوازمه وروادفه، كقولك للمضياف: كثير الرماد، والتصريح إفهام المقصود باللفظ الدال عليه حقيقة، والخِطبة - بكسر الخاء - طلب النكاح

стр. 1372

والتماسه من المرأة أو الولي. ﴿أَوْ﴾ فيما ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ وسترتم به ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وقلوبكم من نكاحهن، إذا انقضت عدتهن، و ﴿أو﴾ هنا للإباحة أو للتخيير أو التفصيل أو الإبهام على المخاطب، أما التصريح بخطبتهن كقوله: أريد نكاحك .. فحرام مطلقًا، وأما الرجعيات: فيحرم التعريض والتصريح بخطبتهن ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بقلوبكم ولا تصبرون على السكوت عنهن، وعن الرغبة فيهن؛ لأن شهوة النفس والتمني لا يخلو عنه أحد، وهذا كالتعليل لقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: وإنما أباح لكم التعريض؛ لعلمه بأنكم لا تصبرون عنهن، وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ استدراك على محذوف دل عليه قوله: ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ تقديره: فاذكروا خطبتهن تعريضًا، ولكن لا تواعدوهن؛ أي: لا تذكروا خطبتهن سرًّا؛ أي: صريحًا بأن تذكروا صريح النكاح كقوله: أريد نكاحك، فالمراد بالسر: صريح الخطبة، وقيل: المراد بالسر: الجماع، والمعنى حينئذ: ولكن لا تواعدوهن بذكر الجماع، وهو كما قال ابن عباس ﵄: بأن يصف الخاطب نفسه لها بكثرة الجماع، كأن يقول لها: آتيك الأربعة والخمسة، وقيل: المراد بالسر النكاح، والمعنى حينئذ: ولكن لا تأخذوا ميثاقهن على النكاح؛ لكي لا ينكحن غيركم، كأن يقول لها: عاهديني أن لا تتزوجي غيري. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ في الشرع، وهو أن تعرضوا لهن بالخطبة، ولا تصرحوا بها، أو المعنى: إلا أن تسارروهن بالقول غير المنكر شرعًا، كأن يعدها الخاطب في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدًا لذلك التعريض. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾؛ أي: ولا تحققوا عقد النكاح، أو لا تجزموا ولا تقطعوا قصد عقد النكاح ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: حتى تبلغ العدة المكتوبة المفروضة ﴿أَجَلَهُ﴾؛ أي: آخرها ونهايتها، وصارت منقضية ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها الرجال ﴿أنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وقلوبكم من العزم على ما نهيتم عنه ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾؛ أي: فخافوا عقابه بالاجتناب عن العزم على ذلك ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ

стр. 1373

غَفُورٌ﴾ لمن يقلع عن عزمه خشية منه تعالى: ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة على ذنوبكم. ٢٣٦ - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: لا تبعة ولا مطالبة عليكم بالمهر، ولا ثقل عليكم بلزومه ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: إن لم تجامعوهن فـ ﴿ما﴾ شرطية بمعنى إن، وهو الأقعد من جعلها مصدرية، وقرأ حمزة والكسائي: بضم التاء وبالألف بعد الميم في جميع القرآن، فهو بمعنى الأول ﴿أَوْ﴾ ما لم ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ أي: أو لم تبينوا لهن صداقًا معينًا. وهذا في المفوضة، وهي رشيدة قالت لوليها: زوجني بلا مهر، فزوجها كذلك بأن نفى المهر أو سكت عنه، أو زوج بدون مهر المثل، أو بغير نقد البلد، فلا مهر لها؛ لخلو النكاح عن الوطء والفرض، ولكن لها المتعة كما سيأتي، أما الممسوسة - أي: الموطؤة - فلها كل المهر، وإن لم يفرض لها، وأما غير الممسوسة: فلها نصف المسمى إن فرض لها، وإن لم يفرض لها .. فلا مهر لها، بل تجب لها المتعة كما ذكره بقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معطوف على مقدر تقديره: فطلقوهن ومتعوهن؛ أي: أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به جبرًا لإيحاش الطلاق والمتعة والمتاع، وما يتبلغ به من الزاد، وتقديرها: مفوض إلى رأي الحاكم كما يدل عليه قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾؛ أي: على الغني الذي في سعة من غناه ﴿قَدَرُهُ﴾؛ أي: قدر إمكانه وطاقته، وهو بفتح الدال وكسرها قراءتان سبعيتان ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾؛ أي: وعلى الفقير الذي في ضيق من فقره. ﴿قَدَرُهُ﴾؛ أي: قدر إمكانه وطاقته، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بفتح الدال، وقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ مصدر مؤكد لعامله؛ أي: متعوهن تمتيعًا كائنًا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالوجه الذي تعرفه وتستحسنه الشريعة والمروءة من غير حيف ولا ظلم، ولا بخس ولا نقص، فلا يزاد على المقتر فوق طاقته، ولا ينقص من الموسع عن طاقته، وقوله: ﴿حَقًّا﴾ صفة ثانية لمتاعًا، أو مصدر مؤكد لعامله؛ أي: حق ذلك حقًّا، ووجب وجوبًا ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: متاعًا واجبًا على (١) المؤمنين الذين يحسنون إلى

стр. 1374

أنفسهم بالمسارعة إلى طاعة الله تعالى، أو إلى المطلقات بتمتيعهن؛ لأن المتعة بدل المهر، وسماهم محسنين قبل الفعل باعتبار المشارفة والقرب له ترغيبًا، وتحريضًا لهم على ذلك. قيل (١): نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقًا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فقال له النبي ﵌: "أمتعتها؟ " قال: لم يكن عندي شيء قال: "متعها ولو بقلنسوات". واعلم: (٢) أنه اختلف العلماء في المتعة، فقيل: واجبة نظرًا للأمر، ولقوله: ﴿حَقًّا﴾ وبه أخذ الشافعي، وقيل: مندوبة نظرًا لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وبه أخذ مالك. ٢٣٧ - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ أي: طلقتم النساء ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: تجامعوهن ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ أي: والحال أنكم سميتم لهن مهرًا مقدرًا معلومًا ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ أي: فلهن نصف المهر المسمى ونصفه ساقط، وهذا في المطلقة بعد تسمية المهر، وقبل الدخول حكم الله لها بنصف المهر ولا عدة عليها، وقرأ ابن مسعود شذوذًا: ﴿من قبل أن تجامعوهن﴾ أخرجه عنه ابن جرير، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وعاصم: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ بلا ألف، وقراءة حمزة والكسائي ﴿تماسوهن﴾ بالألف من المفاعلة. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؛ أي: إلا أن يسامحن المطلقات بإبراء حقها، فيسقط كل المهر، وأن والفعل في موضع النصب على الاستثناء؛ أي: فلهن نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من حقهن من نصف المهر، ويتركن لكم، فيسقط كل المهر حينئذ لا نصفه ﴿أَوْ﴾ إلا أن ﴿يَعْفُوَ﴾ ويسامح الزوج ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ وسلطنته ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ أي: عصمة النكاح وعقده؛ أي: يترك الزوج المالك لعقد النكاح وحله حقه من النصف الذي يعود إليه بالتشطير، ويبعث المهر لها كاملًا، فيثبت كل المهر حينئذ لا نصفه.

стр. 1375

فرع لو مات أحد الزوجين بعد التسمية، وقبل المسيس .. فلها المهر كاملًا، وعليها العدة إن كان الزوج هو الميت ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا، وإنما غلب جانب التذكير؛ لأن الذكورة هي الأصل والتأنيث فرع عنها، والمعنى: وعفو بعضكم عن بعض أيها الرجال والنساء أقرب إلى حصول التقوى، وطيب النفس من عدم العفو الذي فيه التنصيف، وقيل: هو خطاب للزوج، والمعنى: وليعف الزوج، فيترك حقه الذي ساق من المهر إليها قبل الطلاق، فهو أقرب للتقوى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ قرأ الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ أبو نهيك والشعبي بالياء التحتية، فيكون الخطاب مع الرجال ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: ولا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض بأن يسلم الزوج المهر إليها بالكلية، أو تترك المرأة المهر بالكلية، حثهما جميعًا على الإحسان ومكارم الأخلاق. وقرأ الجمهور ﴿وَلَا تَنْسَوُا﴾ بضم الواو، وقرأ يحيى بن يعمر شذوذًا بكسرها، وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة شذوذًا أيضًا: (ولا تناسوا﴾ والمعنى: أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على الآخر. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الفضل والإحسان ﴿بَصِيرٌ﴾ لا يضيع فضلكم وإحسانكم، بل يجازيكم عليه، وإنما ختم هذه الآية بهذه الصفة الدالة على المبصرات؛ لأن ما تقدمه من العفو من المطلقات والمطلقين؛ وهو أن يدفعن شطر ما قبضن، أو يكملون لهن الصداق هو مشاهد مرئي، فناسب ذلك المجيء بالصفة المتعلقة بالمبصرات، ولما كان آخر قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ...﴾ الآية. قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ مما يدرك بلطف وخفاء .. ختم ذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ في ختم هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعد جميل للمحسن، وحرمان لغير المحسن.

стр. 1376

الإعراب ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿يُرْضِعْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: والوالدات مرضعات، والجملة مستأنفة. ﴿أَوْلَادَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿حَوْلَيْنِ﴾: منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿يُرْضِعْنَ﴾. ﴿كَامِلَيْنِ﴾: صفة لـ ﴿حَوْلَيْنِ﴾ مؤكدة له. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: ذلك المذكور من إرضاع حولين كائن لمن ﴿أَرَادَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَنْ يُتِمَّ﴾: ﴿أن﴾: حرف مصدر. ﴿يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: فعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: لمن أراد إتمام الرضاعة. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿وَعَلَى﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿على المولود﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿لَهُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿المولود﴾. ﴿رِزْقُهُنَّ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾. ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾: معطوف على ﴿رِزْقُهُنَّ﴾. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، والعامل (١) فيها معنى الاستقرار في على، والتقدير: حالة كونهما ملتبسين بالمعروف. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾. فعل ونائب فاعل، والجملة معترضة لاعتراضها بين المعطوف الذي هو قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾، وبين المعطوف عليه الذي هو قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، أو في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ لأنها

стр. 1377

علة لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ﴿إلّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿وُسْعَهَا﴾ (١): مفعول ثانٍ ومضاف إليه، وليس بمنصوب على الاستثناء؛ لأن ﴿تُكَلَّفُ﴾ يتعدى إلى مفعولين، ولو رفع الوسع هنا .. لم يجز؛ لأنه ليس ببدل. ﴿لَا تُضَارَّ﴾: ﴿لَا﴾: نافية، أو ناهية. ﴿تُضَارَّ﴾: فعل مضارع مبني للمفعول، أو للفاعل مرفوع، أو مجزوم ﴿وَالِدَةٌ﴾: نائب فاعل، أو فاعل، والجملة يجري فيها مثل ما جرى في قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾. ﴿بِوَلَدِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُضَارَّ﴾. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ﴾: معطوف على ﴿وَالِدَةٌ﴾. ﴿بِوَلَدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تضار﴾. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾: الواو: عاطفة ﴿على الوارث﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾. ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن مدة الرضاع التام حولان كاملان، وأردت بيان حكم ما إذا أرادا النقص عنهما .. فأقول لك ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿أَرَادَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿فِصَالًا﴾: مفعول به. ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فِصَالًا﴾ تقديره: فصالًا كائنًا عن تراضٍ منهما، أو متعلق بـ ﴿أَرَادَا﴾. ﴿مِنْهُمَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿تراض﴾ تقديره: عن تراض كائن منهما. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾: معطوف على ﴿تَرَاضٍ﴾ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إن﴾، ﴿جُنَاحَ﴾ اسمها ﴿عليهما﴾: خبرها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

стр. 1378

﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَسْتَرْضِعُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾: مفعول أول ومضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف؛ تقديره: مرافع، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: وإن أردتم استرضاع أولادكم ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة ﴿لا﴾: نافية. ﴿جُنَاحَ﴾: اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبرها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿سَلَّمْتُمْ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها تقديره: فلا جناح عليكم وقت تسليمكم. ﴿مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، والظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾ ويحتمل كونها شرطية وجوابها معلوم مما قبلها. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿آتَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطى ينصب مفعولين، ومفعولاه محذوفان تقديره: ما أتيتموهن إياه. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سلمتم﴾، أو بـ ﴿أتيتم﴾، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿سَلَّمْتُمْ﴾، أو من فاعل ﴿آتَيْتُمْ﴾ تقديره: متلبسين بالمعروف، وجملة ﴿آتَيْتُمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره إياه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَاتَّقُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ الواو: عاطفة. ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوا﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بصير﴾ الآتي. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تعملونه. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر سادٍ مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا كون الله بصيرًا بما تعملون.

стр. 1379

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذين﴾: مبتدأ، ولكنه على تقدير مضاف كما سبق تقديره: وأزواج الذين. ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾: فعل مغيّر ونائب فاعل على قراءة الجمهور، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ضمير الغائب تقديره: حال كونهم كائنين من رجالكم. ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. ﴿وَيَذَرُونَ﴾ الواو: عاطفة. ﴿يذرون﴾: فعل وفاعل. ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة. ﴿أنفسهن﴾: توكيد لنون الفاعل، أو الباء سببية متعلقة بـ ﴿يتربصن﴾ كما مرت الإشارة إليه. ﴿أَرْبَعَةَ﴾: منصوب على الظرفية، وهو مضاف. ﴿أَشْهُرٍ﴾: مضاف إليه ﴿وَعَشْرًا﴾: معطوف على ﴿أَرْبَعَةَ﴾، وجملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: أزواج الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا متربصات بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا، والجملة مستأنفة وفيه أوجه كثيرة من الإعراب، وهذا الذي ذكرناه أرجحها. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مدة تربصهن في العدة، وأردتم بيان حكم ما إذا انقضت المدة .. فأقول لكم. ﴿إذا﴾: ظرف لما استقبل من الزمان. ﴿بَلَغْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿جُنَاحَ﴾: اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبرها، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾. ﴿فَعَلْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط

стр. 1380

محذوف تقديره: فيما فعلنه. ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بفعلن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرو حال من الضمير المحذوف من ﴿فَعَلْنَ﴾ تقديره: حال كون ما فعلنه متلبسًا بالمعروف. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿الله﴾. مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾ الآتي ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تعملونه. ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿جُنَاحَ﴾: اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبرها، والجملة مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾. ﴿عَرَّضْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾ ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَرَّضْتُمْ﴾. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾. ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَنَّكُمْ﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿الكاف﴾ اسمها. ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: أنكم ذاكرون إياهن، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي ﴿عَلِمَ﴾؛ تقديره: علم الله ذكركم إياهن. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تُوَاعِدُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿سِرًّا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب استدرك بها عن محذوف تقديره: علم أنكم ستذكروهن فاذكروهن، ولكن لا تذكروا لهن صريح

стр. 1381

الخطبة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ ﴿قَوْلًا﴾: منصوب على المصدرية. ﴿مَعْرُوفًا﴾: صفة له، وجملة ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر على الاستثناء تقديره: إلا قولكم قولًا معروفًا في الشرع، وهو التعريض. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾: الواو: استئنافية ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَعْزِمُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿عُقْدَةَ﴾: مفعول به وهو مضاف. ﴿النِّكَاحِ﴾: مضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَبْلُغَ الْكِتَابُ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة. ﴿أَجَلَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿يبلغ﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى تقديره، إلى بلوغ الكتاب أجله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لا تعزموا﴾. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ لأنه بمعنى يعرف. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا علم الله ما في أنفسكم. ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿احذروه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اعلموا﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا كون الله غفورًا رحيمًا. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿جناح﴾: اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبرها، والجملة مستأنفة

стр. 1382

﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن طلقتم النساء .. فلا جناح عليكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿ما﴾: شرطية بمعنى إن، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ونفي ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿مَا﴾ الشرطية معلوم من السياق أيضًا تقديره: إن لم تمسوهن .. فلا جناح عليكم إن طلقتموهن، وجعل ﴿ما﴾ شرطية قيدًا للشرط الأول أَوْلَى من جعلها مصدرية كما مر. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿تَفْرِضُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿لَهُنَّ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿فَرِيضَةً﴾: مفعول به. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿متعوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فطلقوهن ومتعوهن. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿قَدَرُهُ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الفعل والمفعول المطلق، أو حال من فاعل ﴿متعوهن﴾، ولكن مع تقدير رابط تقديره: ومتعوهن حالة كون قدره كائنًا على الموسع منكم. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾: خبر مقدم، ﴿قَدَرُهُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. ﴿مَتَاعًا﴾: مفعول مطلق منصوب بـ ﴿متعوهن﴾، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿متاعًا﴾ تقديره: متاعًا كائنًا بالمعروف. ﴿حَقًّا﴾: صفة ثانية لـ ﴿متاعا﴾، أو مصدر مؤكد عامله محذوف تقديره: حق ذلك التمتيع حقًّا. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بالناصب للمصدر. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، أن: حرف نصب ومصدر. ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور

стр. 1383

بإضافة الظرف إليه تقديره: من قبل مسكم إياهن. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ الواو: حالية. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿فَرَضْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُنَّ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿فَرِيضَةً﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ تقديره: حالة كونكم فارضين لها فريضة. ﴿فَنِصْفُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة، ﴿نصف﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب عليكم نصف ما فرضتم، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿نصف﴾: مضاف. ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿فَرَضْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: ما فرضتموه. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَعْفُونَ﴾: فعل مضارع في محل النصب بـ ﴿أن﴾ مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، والواو فيه لام الكلمة لا واو الجماعة، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، ولكن الكلام على حذف أمرين: حرف الجر ومضاف للمصدر، والتقدير: فنصف ما فرضتم إلا في حال عفوهن، أو عفو الزوج .. فلا تنصيف بل يجب الكل، أو يسقط الكل، فالاستثناء منقطع؛ لأن عفوهن عن النصف، وسقوطه ليس من جنس استحقاقهن له، وقيل (١): الاستثناء متصل على أنه استثناء من أعم الأحوال؛ أي: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في حال عفوهن، وعفو الذي بيده عقدة النكاح، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ لكن لا يصح على مذهب سيبويه أن تكون أن وصلتها حالًا، فتعين أن يكون منقطعًا. اهـ "كرخي". ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾: ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿يَعْفُوَ﴾. فعل مضارع معطوف على ﴿يَعْفُونَ﴾. ﴿الَّذِي﴾ فاعل. ﴿بِيَدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية صلة الموصول،

стр. 1384

والعائد ضمير ﴿بِيَدِهِ﴾. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَأَنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تَعْفُوا﴾ فعل مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والفعل مع أن المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء تقديره: وعفوكم. ﴿أَقْرَبُ﴾: خبره. ﴿لِلتَّقْوَى﴾: متعلق بـ ﴿أقرب﴾، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾: الواو: استئنافية، أو عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَنْسَوُا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿الْفَضْلَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿تنسوا﴾، أو حال من ﴿الْفَضْلَ﴾ تقديره: حال كونه كائنًا بينكم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بصير﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر. ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ لأنها معللة لما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿يُرْضِعْنَ﴾: مضارع أرضعته أمه، وهو من مزيد الثلاثي، يقال: رضع يرضع رضعًا ورضاعًا ورضاعةً إذا مص الثدي لشرب لبنه، ويقال للئيم: راضع؛ وذلك لشدة بخله، لا يحلب الشاة مخافة أن يسمع منه الحلب، فيطلب منه اللبن، فيرضع ثدي الشاة حتى لا يفطن به. ﴿حَوْلَيْنِ﴾: والحول السنة يجمع على أحوال، ويقال: أحول الشيء إذا مضى له حول. ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾: والكسوة اللباس، يقال منه: كسا يكسو، وفعله يتعدى إلى مفعولين، تقول: كسوت زيدًا جبة. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾: هو مضارع كلف الرباعي، يقال: كلف يكلف تكليفًا،

стр. 1385

والتكليف الإلزام. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾: الوارث معروف، يقال منه: ورِث يرث بكسر الراء في الماضي والمضارع وقياسها في المضارع الفتح، ويقال في فعله: أرث يرث إرثًا كما يقال: أنشده في ولده، والأصل الواو. ﴿فِصَالًا﴾: مصدر فصله يفصله فصلًا وفصالًا إذا فطمه ومنعه عن ثدي أمه. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾: هو مصدر تشاور من باب تفاعل الخماسي، والتشاور في اللغة: التأمل والإمعان للنظر واستخراج الرأي من قولهم: شرت العسل أشوره إذا اجتنيته، فكان كل واحد من المتشاورين أظهر ما في قلبه للآخر. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾: مأخوذ من توفيت الدين إذا قبضته، يقال: توفيت مالي من فلان واستوفيته إذا أخذته وقبضته، والمعنى هنا: والذين يُقبضون؛ أي: نقبض أرواحهم. ﴿وَيَذَرُونَ﴾: يذر معناه: يترك، ويستعمل منه الأمر، ولا يستعمل منه اسم الفاعل ولا اسم المفعول، وجاء الماضي منه على طريق الشذوذ. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير من صيغ المبالغة؛ لأنه على زنة فعيل، من خبرت الشيء إذا علمته، ولهذه المادة يرجع الخبر؛ لأنه الشيء المعلم به، والخبار: الأرض اللينة. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ من التعريض، والتعريض: الإشارة والتلويح إلى الشيء من غير تصريح إظهار وكشف، وأصله: إمالة الكلام عن نهجه إلى عُرض منه - بضم العين - أي: جانب، وقد سبق لك الفرق بين التصريح والتعريض والكناية. ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ والخِطبة - بكسر الخاء كالقِعدة والجلسة -: ما يفعله الخاطب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، فقيل: هي مأخوذة من الخطب؛ أي: الشأن الذي هو خطر؛ لما أنها شأن من الشؤون ونوع من الخطوب، وقيل: من الخطاب لأنها نوع مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة، وفي "السمين": والخطبة في الأصل مصدر بمعنى الخطب، والخطب: الحاجة، ثم خصت بالتماس النكاح؛ لأنه بعض الحاجات، يقال: ما خطبك؛ أي: شأنك اهـ.

стр. 1386

﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ يقال: أكنَّ في نفسه شيئًا؛ أي: أخفاه، وكنّ الشيء بثوب؛ أي: ستره به، فالهمزة في أكن للتفرقة بين الاستعمالين، كأشرقت وشرقت. ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ العقدة: في الحبل والغصن، يقال: عقدت الحبل والعهد، وأَعقدتُ العسلَ من العقد، وهو الشد، قال الراغب: العقدة اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ والمقتر: المقل اسم فاعل من أقتر الرجل إذا أفقر، ويقال: قتر يقتر ويقتر قترًا وقترةً وقتارًا. ﴿قَدَرُهُ﴾ القدَر بالفتح والقدْر بالتسكين لغتان، وقد قرئ بهما في المتواتر، وقيل: القدْر بالتسكين: الطاقة، وبالتحريك المقدار. ﴿مَتَاعًا﴾: اسم مصدر لمتّع الرباعي، والمصدر التمتيع، واسم المصدر يجري مجرى المصدر. ﴿حَقًّا﴾: مصدر حق الشيء حقًّا إذا ثبت. ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ النصف: هو الجزء من اثنين على السواء، ويقال: بكسر النون وضمها، ونصيف، ومنه حديث: "ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"؛ أي: نصفه، كما يقال: ثمن وثمين وعشر وعشير، ويقال: نصَفَ النهار ينصف ونصفَ الماء القدح، والإزار الساق، والغلام القرآن، وحكى الفراء في جميع هذا أنصف. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فعل مسند إلى جماعة الإناث، فالواو فيه لام الكلمة، والنون ضمير النسوة، فوزنه يفعلن نظير يخرجن. فائدة: والفرق بين قولهم: الرجال يعفون، والنساء يعفون: أن قولهم: الرجال يعفون ﴿الواو﴾ فيه ضمير جماعة الذكور، وحذفت قبلها واو أخرى هي لام الكلمة، فإن الأصل يعفوون بوزن يخرجون فاستثقلت الضمة على ﴿الواو﴾ الأولى، فحذفت الضمة، فبقيت ساكنة وبعدها واو الضمير ساكنة أيضًا، فحذفت ﴿الواو﴾ الأولى؛ لئلا يلتقي ساكنان، فوزنه يفعون، والنون علامة الرفع، فإنه من الأمثلة الخمسة، وأن قولهم: النساء يعفون ﴿الواو﴾ فيه لام الفعل، والنون ضمير جماعة الإناث، والفعل معها مبني على السكون، لا يظهر للعامل فيه أثر، فوزنه يفعلن.

стр. 1387

﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وتاء التقوئ مبدلة من واو، وواوها مبدلة من ياء؛ لأنه من وقيت. البلاغة ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾؛ أي: ليرضعن، فالآية خبر بمعنى الأمر أتى به بلفظ الخبر مبالغة في الحث على تحقيقه، كما مر نظيره في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾: فيه لطيفة، وهو: أنه لما كلف بمؤن المرضعة لولده من الرزق والكسوة .. ناسب أن يسلي بأن ذلك الولد هو ولد لك لا لأمه، وأنك الذي تنتفع به في التناصر وتكثير العشيرة، وأن لك عليه الطواعية كما كان عليك لأجله كلفة الرزق والكسوة لمرضعته. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وإنما أتى بالجملتين فعليتين، وأدخل عليهما حرف النفي الذي هو ﴿لا﴾ للموضوع للاستقبال غالبًا؛ لأن تكليف النفس فوق الطاقة، ومضارة أحد الزوجين الآخر مما يتجدد كل وقت. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيه مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع. وفي هذه الآية ضروب من البيان والبديع (١): منها: تلوين (٢) الخطاب ومعدوله في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ فإنه خبر معناه الأمر على قول الأكثر والتأكيد بـ ﴿كَامِلَيْنِ﴾، والعدل عن رزق الأولاد إلى رزق أمهاتهم؛ لأنهن سبب توصل ذلك، والإيجاز في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وتلوين الخطاب في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ فإنه خطاب للآباء

стр. 1388

والأمهات، ثم قال: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ وهو خطاب للآباء خاصة. ومنها: الحذف في قوله: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ التقدير: مراضع للأولاد، وفي قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ذكر العزم للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح، فإذا نهى عنه كان النهي عن الفعل من باب أولى. قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ...﴾ الآية، تضمنت هذه الآية ضروبًا من البديع (١): منها: معدول الخطاب: وهو أن الخطاب بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ عام، والمعنى على الخصوص. ومنها: النسخ: إذ هي ناسخة للحول على قول الأكثرين. ومنها: الاختصاص: وهو أن يخص عددًا، فلا يكون ذلك إلا لمعنى، وذلك في قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كنى بالسر عن النكاح؛ وهي من أبلغ الكنايات. ومنها: التعريض في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ومنها: التهديد بقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ومنها: الزيادة في الوصف بقوله: ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. والله أعلم * * *

стр. 1389

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ...﴾ الآية، والذي (١) يظهر في مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر جملة كثيرة من أحوال الأزواج والزوجات، وأحكامهم في النكاح والوطء والإيلاء، والطلاق والرجعة والإرضاع، والنفقة والكسوة والعدد، والخطبة والمتعة والصداق والتشطير، وغير ذلك، وكانت تكاليف عظيمة تشغل من كلفها أعظم شغل بحيث لا يكاد يسع معها شيء من الأعمال، وكان كل من الزوجين قد أوجب عليه للآخر ما يستفرغ فيه الوقت، ويبلغ منه الجهد، وأمر كلا منهما بالإحسان إلى الآخر حتى في حالة الفراق، وكانت مدعاة إلى التكاسل عن الاشتغال بالعبادة إلا لمن وفقه الله تعالى .. أمر تعالى بالمحافظة على الصلوات التي هي الوسيلة العظمى بين الله وبين عبده، وإذا كان قد أمر بالمحافظة على أداء حقوق الآدميين .. فلأن يؤمر بأداء حقوق الله تعالى أولى وأحق ولذلك جاء: فدين الله أحق أن يقضى، فكأنه قيل: لا يشغلنكم التعلق بالنساء وأحوالهن عن أداء ما فرض الله عليكم، فمع

стр. 1390

تلك الأشغال العظيمة لا بد من المحافظة على الصلاة حتى في حالة الخوف، فلا بد من أدائها رجالًا أو ركبانًا، وإن كانت حالة الخوف أشد من حالة الاشتغال بالنساء، فإذا كانت هذه الحالة الشاقة جدًّا لا بد معها من الصلاة .. فأحرى ما هو دونها من الأشغال المتعلقة بالنساء. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى متى ذكر شيئًا من الأحكام التكليفية .. أعقب ذلك بشيء من القصص على سبيل الاعتبار للسامع، فيحمله ذلك على الانقياد، وترك العناد، وكان تعالى قد ذكر أشياء من أحكام الموتى ومن خلفوا، فأعقب ذلك بذكر هذه القصة العجيبة، وكيف أمات الله هؤلاء الخارجين من ديارهم، ثم أحياهم في الدنيا. وقيل: مناسبة هذه الآية لما قبلها: هو أنه تعالى لمّا ذكر ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ .. ذكر هذه القصة؛ لأنها من عظيم آياته وبدائع قدرته. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر في الآية السابقة قصة الأمم الماضية وفرارهم من الموت .. ذكر هذه الآية مخاطبًا لهذه الأمة بالجهاد في سبيل الله، ومنبهًا لهم على أن لا يفروا من الموت كفرار أولئك، وتشجيعًا لهم وتثبيتا. قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله، وكان ذلك مما يفضي إلى بذل النفوس والأموال في إعزاز دين الله .. أثنى على من بذل شيئًا من ماله في طاعة الله، وكان هذا أقل حرجًا على المؤمنين؛ إذ ليس فيه إلا بَذْلُ المال دون النفس، فأتى بهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة معنى الطلب.

стр. 1391

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ...﴾ الآية، أخرج (١) أحمد والبخاري في "تاريخه" وأبو داود والبيهقي وابن جرير عن زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﵌ كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلاة على أصحابه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ...﴾. وأخرج أحمد والنسائي، وابن جرير عن زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﵌ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ...﴾. وأخرج الأئمة الستة وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم على عهد رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، وكان الرجل يأمر أخاه بالحاجة، فأنزل الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ...﴾. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ...﴾ الآية، أخرج إسحاق بن راهويه في "تفسيره" عن مقاتل بن حبان: أن رجلًا من أهل الطائف قدم المدينة، وله أولاد رجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النبي ﵌، فأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئًا غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ الآية، أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل

стр. 1392

الله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾. قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ..﴾ الآية، روى ابن حبان في "صحيحه"، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ...﴾ إلى آخرها .. قال رسول الله ﷺ : رب زد أمتي فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. التفسير وأوجه القراءة ٢٣٨ - ﴿حَافِظُوا﴾؛ أي: واظبوا وداوموا أيها المؤمنون ﴿عَلَى﴾ أداء ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ الخمس في أوقاتها بأركانها وشروطها وسننها وآدابها، وهذه المحافظة التي هي المفاعلة تكون بين العبد والرب، كأنه قيل له: احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة، وتكون أيضًا بين المصلي والصلاة، فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظك ﴿و﴾ حافظوا على ﴿الصلاة الوسطى﴾؛ أي: الفضلى، تأنيث الأوسط بمعنى الأفضل، وهي من الوسط الذي بمعنى الخيار، وليست من الوسط الذي معناه المتوسط، وأفردها بالذكر اهتمامًا بشأنها، لفضلها على غيرها كليلة القدر، فهي أفضل الليالي. وإنما أتى بهذه الآية في خلال ما يتعلق بالأزواج والأولاد تنبيهًا على أنه لا ينبغي للعبد أن يشتغل عن حقوق سيده بأمر الأزواج والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقد اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى على مذاهب: الأول: أن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر؛ وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد وغيرهم، وبه قال مالك والشافعي ﵃ أجمعين. المذهب الثاني: أنها صلاة الظهر؛ وهو قول زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري، ورواية عن عائشة، وبه قال عبد الله بن شداد، وهو رواية عن أبي حنيفة.

стр. 1393

والمذهب الثالث: أنها صلاة العصر وهو قول علي وابن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وعائشة ﵃، وهو قول أبي عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر، وقال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة فمن بعدهم، وقال الماوردي - من أصحاب الشافعية -: هذا مذهب الشافعي؛ لصحة الأحاديث فيه قال: إنما نص الشافعي على أنها الصبح؛ لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر، ومذهبه اتباع الحديث. ويدل على صحة هذا المذهب: ما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: - وفي رواية يوم الخندق - "ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وذكر نحوه، وزاد في أخرى "ثم صلاها بين المغرب والعشاء". أخرجاه في "الصحيحين" وفي مصحف عائشة وحفصة في قراءة تفسيرية شاذة: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر﴾ وهذا هو المذهب الحق الراجح. والمذهب الرابع: أنها صلاة المغرب قاله قبيصة بن ذؤيب. والمذهب الخامس: أنها صلاة العشاء ولم ينقل عن أحد من السلف فيها شيء، وإنما ذكرها بعض المتأخرين. والمذهب السادس: أنها إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، فأبهمها الله تعالى تحريضًا للعباد في المحافظة على أداء جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة. وإذا تقرر لك هذا (١)، وعرفت ما سقناه .. تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأما حجج بقية الأقوال: فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، وبعض القائلين

стр. 1394

بها عول على أمر لا يعول عليه، فقال: إنها صلاة كذا؛ لأنها وسطى بالنسبة إلى أن ما قبلها كذا من الصلوات، وبعدها كذا من الصلوات، وهذا الرأي المحض والتخمين البحت لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن النبي ﵌، فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة والقوة والثبوت عن رسول الله ﷺ ، وبالله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة وإعراضهم عن خير العلوم وأنفعها حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله، والتجري على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى، فجاؤوا بما يضحك منه تارة، ويبكي منه أخرى. ﴿وَقُومُوا﴾ في الصلاة مخلصين ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ أي: ساكنين فيها، ويدل لهذا المعنى حديث زيد بن أرقم في "الصحيحين" وغيرهما قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد رسول الله ﷺ في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، وقيل: مطيعين لقوله ﷺ : "كل قنوت في القرآن فهو طاعة". رواه أحمد وغيره، وقيل: ذاكرين، وقيل: داعين مواظبين على خدمة الله تعالى، وقد ذكر أهل العلم للقنوت ثلاثة عشر معنى، والمتعين هنا حمله على السكوت؛ للحديث المذكور. ٢٣٩ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدو أو سبع مثلًا، ولم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة من إتمام الركوع والسجود، والخضوع والخشوع؛ لخوف عدو أو غيره ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾؛ أي: فصلّوا حالة كونكم رجالًا؛ أي: ماشين على أرجلكم، أو حالة كونكم ركبانًا؛ أي: راكبين على دوابكم حيثما توجهتم مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وهذا في حال المقاتلة والمسايفة في وقت الحرب. وصلاة الخوف قسمان: أحدهما: أن يكون في حال القتال؛ وهو المراد في هذه الآية. وقسم في غير حال القتال، وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في موضعه، وقرأ عكرمة وأبو مجلز ﴿فرجالًا﴾ بضم الراء وتشديد الجيم، وروي

стр. 1395

عن عكرمة التخفيف مع ضم الراء، وقرىء ﴿فرُجَّلا﴾ بضم الراء وفتح الجيم مشددة بغير ألف وقرىء: ﴿فرَجْلا﴾ بفتح الراء وسكون الجيم - وقرأ بديل بن ميسرة: ﴿فرجالا فركبا﴾ بالفاء جمع راكب وما عدا قراءة الجمهور شاذة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ أي: فإذا زال عنكم الخوف ورجاء الأمن، أو لم يكن أصلًا ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فصلّوا الصلوات الخمس تامة بأركانها وشروطها وسننها، وعبر عن الصلاة بالذكر لاشتمالها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لأجل تعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون قبل بعثة محمَّد ﷺ من الشرائع. وكيفية الصلاة في حالتي الأمن والخوف، ففيه إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم، ولولا هدايته وتعليمه إيانا .. لم نعلم شيئًا، ولم نصل إلى معرفة شيء، فله الحمد على ذلك. فالأظهر جعل الكاف في الآية تعليلية، و ﴿ما﴾ مصدرية كما أشرنا إليه في الحل. ٢٤٠ - ثم قال تعالى مبينا أحكام العدة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قرأ: ﴿وَصِيَّةً﴾ - بالنصب - أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم، والمعنى على هذا: والذين قاربوا الموت من رجالكم، ويتركون أزواجًا .. فليوصوا وصية لأزواجهم أن يمتعن بالنفقة والكسوة والسكنى إلى تمام الحول من موت الزوج حالة كونهن غير مخرجات من سكنهن، وقرأ: ﴿وصيّة﴾ بالرفع، وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي على أنه مبتدأ محذوف الخبر، والمعنى على هذا: والذين يقربون الوفاة من رجالكم، ويتركون أزواجًا .. فعليهم وصية لأزواجهم ما يمتعن به من النفقة والكسوة والسكنى إلى تمام الحول حالة كونهن غير مخرجات من سكنهن، وقرأ أبيّ شذوذًا ﴿متاع لأزواجهم متاعًا إلى الحول﴾. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ عن منزل الأزواج باختيارهن قبل الحوف ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: فلا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: بسبب ما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب والتزين لهم ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أي؛ مما هو معروف في الشرع غير منكر، وفي هذا دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول، وليس ذلك بحتم عليهن.

стр. 1396

ولرفع الحرج عن الورثة وجهان (١): أحدهما: أنه لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والوجه الثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مقامها في بيت زوجها حولًا غير واجب عليها، خيرها الله تعالى بين أن تقيم في بيت زوجها حولًا، ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى، ثم نسخ الله ذلك بأربعة أشهر وعشر. واعلم: أنه دلت هذه الآية على مجموع أمرين: أحدهما: أن لها النفقة والسكنى من مال زوجها سنة. والثاني: أن عليها عدة سنة، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية بالنفقة والكسوة والسكنى: فنسخ بآية الميراث، فجعل لها الربع أو الثمن عوضًا عن النفقة والسكنى، ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلتُ: قد تكون الآية المتقدمة متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾. فإن قلت (٢): لِمَ نكَّر ﴿مَعْرُوفٍ﴾ هنا، وعرَّفه فيما سبق ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ قلتُ: لأن ما هنا سابق في النزول، فلم يسبق له عهد حتى يعرف، وما سبق متأخر عن هذا، فسبق له عهد، فعرف فما سبق هو عين ما هنا على القاعدة المشهورة عند البلغاء. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه، وتعدى حدوده. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرع وبين لعباده من الشرائع والأحكام، يراعي مصالحهم في أحكامه.

стр. 1397

٢٤١ - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ اللواتي لم يجب لهن نصف المهر فقط بأن وجب لها كل المهر؛ وهي المدخول بها؛ ولم يجب لها شيء أصلًا، وهي المزوجة تفويضًا إذا طلقت قبل فرض مهر لها، وقبل الدخول، وهذه هي المذكورة سابقًا بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. ﴿مَتَاعٌ﴾؛ أي: متعة مقدرة ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا؛ أي: مقدرة بقدر حال الزوجين وما يليق بهما، وضابطها أن الواجب فيها ما اتفق عليه الزوجان، ولا حد لقدرها، لكن يسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما، فإن اختلفا في قَدْرها، قَدَّرَها القاضي مراعيًا في تقديرها حال الزوجين، وإنما كرر قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ وأعاد حكم المتعة هنا؛ ليعم هنا الموطوءة وغيرها؛ لأن ما سبق في غير الموطوءة فقط، فهو من ذكر العام بعد الخاص ﴿حَقًّا﴾؛ أي: حق ذلك المتاع حقًّا؛ أي: وجب وجوبًا. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: على المؤمنين الذين يتقون الشرك، أو عقاب الله بمخالفة أمره؛ أي: واجب عليهم إمتاع المطلقات بقدر استطاعتهم جبرًا لوحشة الفراق، فأثبت تعالى بهذه الآية المتعة للمطلقات جميعًا بعد ما أوجبها لواحدة منهن. ٢٤٢ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين لكم ما ذكر من أحكام المطلقات والعدد ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يبين الله لكم ما تحتاجون إليه معاشًا ومعادًا من معالم دينه ودلائل أحكامه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تعقلوا وتفهموا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام، وما فيه صلاحكم وصلاح دينكم، وتعملوا بموجبها، ثم ذكر قصة غزاة بني إسرائيل، فقال: ٢٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ وقرأ السلمي: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بسكون الراء، قالوا: على توهم أن الراء آخر الكلمة، ويجوز أن يكون من إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد جاء في القرآن كإثبات أَلف الظنونا و ﴿السبيلا﴾ و ﴿الرسولا﴾؛ أي: ألم ينته ويصل علمك يا محمَّد، أو أيها المخاطب إلى حال القوم الذين خرجوا ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وأوطانهم ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ كثيرة: أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفًا ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: خوفًا من الموت وفرارًا منه، والغرض من هذا الاستفهام: التعجيب والتشويق إلى سماع قصتهم ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فماتوا ﴿ثُمَّ﴾ بعد

стр. 1398

ثمانية أيام ﴿أَحْيَاهُمْ﴾ الله تعالى بدعاء نبيهم حزقيل، فعاشوا دهرًا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبًا إلا عاد كالكفن، وبقي ذلك في أولادهم إلى اليوم، وهم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، فهربوا خوفًا من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام، ثم أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل، فعاشوا بعد ذلك دهرًا، وقيل: هم قوم من بني إسرائيل هربوا من الطاعون، فأماتهم الله تعالى وكان (١) في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، وفي هذه القصة: عبرة على أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ وإحسان عظيم ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ جميعًا، أما (٢) هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم فلكونه أحياهم ليعتبروا، وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ هم الكفار ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ استدراك على ما تضمنه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ تقديره: إن الله لذو فضل كثير على الناس بالإيجاد والرزق، فيجب عليهم أن يشكروا تفضله وإحسانه، ولكن أكثرهم غير شاكرين فضله تعالى كما ينبغي، أما الكفار فلم يشكروا أصلًا، وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره، وهذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت، فكان ذكر هذه القصة فضلًا وإحسانًا من الله تعالى على عبيده؛ لأن ذكر هذه القصة سبب لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة. ٢٤٤ - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: هو خطاب للذين أحياهم، فعلى هذا القول في الكلام محذوف تقديره: ثم أحياهم الله، فقال لهم: قاتلوا في سبيل الله، وقيل: هو خطاب لأمة محمَّد ﵌، ومعناه: لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء، فلم ينفعهم ذلك؛ أي: قاتلوا في طاعة الله مع عدوكم؛ أي: لإعلاء دينه لا لغنيمة ولإظهار شجاعة، وسميت (٣) العبادات سبيلًا إلى الله

стр. 1399

تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها، ويتوصل إلى الله بها، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين، فكان طاعة، فلا شك أن المجاهد مقاتل في سبيل الله. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لكلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، وفي تنفير الغير عنه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في صدوركم من البواعث والأغراض، وأن ذلك الجهاد لغرض الدين، أو لغرض الدنيا. ٢٤٥ - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ويسلفه ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: إقراضًا حسنًا طيبًا مقرونًا بالإخلاص لا لرياء وسمعة، أو مقرضًا حلالًا طيبًا ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾؛ أي: فيضاعف الله جزاءه وأجره له؛ أي: لذلك المنفق ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ كثرة لا يعلم قدرها إلا الله . قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي ﴿فيضاعفُه﴾ بالألف والرفع، وقرأ عاصم: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالألف والنصب، وقرأ ابن كثير: ﴿فيضعِّفُه﴾ بالتشديد والرفع بلا ألف، وقرأ ابن عامر: ﴿فيضعِّفَه﴾ بالتشديد والنصب، والمعنى: من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله ولإعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافًا كثيرة؛ لأنه قرض لأغنى الأغنياء رب العالمين ﷻ ، وهذا من تنزلات المولى لعباده حيث خاطبهم مخاطبة المحتاج المضطر مع أنه غني عنهم رحمة بهم على حد: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وسماه هنا قرضًا، وفي آية براءة بيعًا، وفي الحقيقة لا بيع ولا قرض؛ لأن الملك كله له سبحانه، وحينئذ فليست مضاعفته على ذلك ربًا؛ لأنه لا تجري أحكام الربابين السيد وعبده الحادثين لملكه له صورة، فأولى بين السيد المالك القديم وعبده الذليل الضعيف الذي لا يملك شيئًا أصلًا، فمن إحسانه عليه خلق ونسب إليه، بل هذا (١) تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغني الحميد، شبه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَقْبِضُ﴾؛ أي: يمسك الرزق عمن يشاء، ويضيق عليه ابتلاء هل يصبر أم لا؟ ﴿وَيَبْسُطُ﴾ يقرأ بالسين، وهو الأصل،

стр. 1400

وبالصاد على إبدالها من السين؛ لتجانس الطاء في الاستعلاء؛ أي: يوسع لمن يشاء امتحانًا هل يشكر أم لا؛ أي: أن الإنفاق لا يقبض الرزق، وعدمه لا يبسطه، بل القابض والباسط هو الله ، أو المعنى. والله يقبض بعض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم، فيثيب المنفق ويعذب الممسك. الإعراب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾. ﴿حَافِظُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حافظوا﴾. ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ معطوف على الصلوات. ﴿الْوُسْطَى﴾: صفة لـ ﴿الصَّلَاةِ﴾، ﴿وَقُومُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿قوموا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿حَافِظُوا﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قوموا﴾. ﴿قَانِتِينَ﴾: حال من فاعل ﴿قوموا﴾. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم وجوب المحافظة على الصلوات، وأردتم بيان كيفية فعلها في حالة الخوف .. فأقول لكم: إن خفتم ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط المحذوف تقديره: فصلوا رجالًا، ﴿صلوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية ﴿رجالًا﴾: حال من فاعل ﴿صلوا﴾. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر

стр. 1401

تقديره: إذا عرفتم كيفية صلاة الخوف، وأردتم بيان حكم ما إذا زال الخوف .. فأقول لكم: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَمِنتم﴾: فعل وفاعل في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَاذْكُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿اذكروا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، والظرف متعلق به، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾: الكاف: حرف جر وتعليل. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَلَّمَكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا﴾. ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾ تقديره: ما لم تكونوا عالمين، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿تَعْلَمُونَ﴾ وجملة ﴿عَلَّمَكُمْ﴾ صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف التعليلية المتعلقة باذكروا تقديره: فاذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه قبل بعثة محمَّد ﵌، وقبل نزول القرآن. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿الذين﴾: مبتدأ، ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾: فعل مغيَّر ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ضمير الغائب. ﴿وَيَذَرُونَ﴾: معطوف على جملة الصلة. ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به. ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب مفعول مطلق لفعل محذوف هو خبر المبتدأ تقديره: فليوصوا وصية، وعلى قراءة الرفع وصية: مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليهم وصية، والجملة الإسمية خبر المبتدأ الذي هو الموصول أيضًا، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿وصية﴾ تقديره: وصية كائنة لأزواجهم. ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.

стр. 1402

﴿مَتَاعًا﴾: منصوب إما على إضمار فعل من لفظه؛ أي: متعوهن متاعًا، أو من غير لفظه؛ أي: جعل الله لهن متاعًا، وجوزوا أن يكون ﴿مَتَاعًا﴾ صفة لـ ﴿وصية﴾، أو بدلًا منها، أو حالًا من الموصين؛ أي: ممتعين أو ذوي متاع. ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿متاعا﴾. ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: حال من الأزواج ومضاف إليه؛ أي: غير مخرجات، أو حال من الموصين؛ أي: غير مخرجين، وجوزوا أن يكون صفة لـ ﴿متاعًا﴾ أو بدلًا منه. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿فَإِنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنها غير مخرجات، وأردتم حكم ما إذا خرجن بأنفسهن .. فأقول لكم: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿خَرَجْنَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فيما﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾. ﴿فَعَلْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: فيما فعلنه. ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿فعلن﴾، ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف من ﴿فعلن﴾ أو من ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة. ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾. ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ الواو: استئنافية. ﴿للمطلقات﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَتَاعٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مَتَاعٌ﴾. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: حق ذلك حقًّا. ﴿عَلَى

стр. 1403

الْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بعامل المصدر المحذوف. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تبيينًا كائنًا كالتبيين الذي ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبين﴾، ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف تعليل ونصب بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة تقديره: يبين الله لكم آياته تبيينًا كائنًا كذلك لتدبركم. ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للإستفهام التعجبي، أو الإقراري، والاستفهام التعجبي: هو إيقاع المخاطب في أمر عجيب غريب. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: أنت يعود على محمَّد ﵌، أو إلى أي مخاطب، وإنما عداه هنا بإلى؛ لأن معناه: ألم ينته علمك إلى كذا، والرؤية هنا بمعنى العلم، والجملة مستأنفة ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تر﴾، ﴿خَرَجُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خرجوا﴾. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل ﴿خَرَجُوا﴾، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: مفعول لأجله ومضاف إليه، والعامل فيه ﴿خَرَجُوا﴾. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿فَقَالَ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿قال﴾: فعل ماضٍ. ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَرَجُوا﴾. ﴿مُوتُوا﴾: مقول محكي، أو فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿ثُمَّ

стр. 1404

أَحْيَاهُمْ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ومهلة. ﴿أَحْيَاهُمْ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فقال لهم الله موتوا، فماتوا ثم أحياهم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿ذو﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿فَضْلٍ﴾: مضاف إليه وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿فضل﴾، أو متعلق بـ ﴿فضل﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَ﴾ اسمها. ﴿النَّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾ تقديره: ولكن أكثر الناس غير شاكرين، والجملة جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب، استدرك بها عن محذوف تقديره: فيجب عليهم شكره. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾. ﴿وَقَاتِلُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿قاتلوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قاتلوا﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قاتلوا﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿سَمِيعٌ﴾ خبر أول، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا كون الله سميعًا عليمًا. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. ﴿مَنْ ذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل الرفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبره، أو ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذَا﴾: اسم إشارة خبر المبتدأ ﴿الَّذِي﴾: بدل من اسم الإشارة، أو نعت له، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿يُقْرِضُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿قَرْضًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿حَسَنًا﴾؛ صفته. ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية ﴿يضاعف﴾: منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والهاء مفعول به.

стр. 1405

﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يضاعف﴾. ﴿أَضْعَافًا﴾: حال من ضمير المفعول، أو منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿كَثِيرَةً﴾: صفة له، وجملة ﴿يضاعف﴾ من الفعل والفاعل صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك تقديره: من ذا الذي يكون منه قرض حسن فمضاعفة من الله له، وبالرفع فهو معطوف على جملة الصلة. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية. ﴿اللَّه﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقْبِضُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿وَيَبْسُطُ﴾ في محل الرفع معطوف على جملة ﴿يَقْبِضُ﴾، ﴿وَإِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ترجعون﴾، وجملة ﴿تُرْجَعُونَ﴾ من الفعل المغيّر ونائبه معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ على كونها مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿يَقْبِضُ﴾ على كونها خبر المبتدأ. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الوسطى: مؤنث الأوسط بمعنى الفضلى مؤنث الأفضل، كما قال أعرابي يمدح رسول الله ﵌: يَا أَوْسَطَ اَلنَّاسِ طُرًّا في مَفَاخِرِهِمْ ... وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمًّا بَرَّةً وأَبَا لا من الأوسط بمعنى المتوسط بين شيئين، وذلك لأن أفعل التفضيل لا يبنى إلا مما يقبل الزيادة والنقص، وكذلك فعل التعجب، فكل ما لا يقبل الزيادة والنقص .. لا يبنيان منه. ﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل، يقال منه: رجل يرجل رجلًا إذا عُدم المركوب ومشى على قدميه، فهو راجل ورجل، ورجل على وزن رجل مقابل امرأة، ويجمع على رجُل ورجْل ورجال وأراجل وأرجيل. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾: جمع راكب، قيل: لا يطلق الراكب إلا على راكب الإبل، فأما راكب الفرس: ففارس، وراكب البغل والحمار؛ فبغَّال وحمَّار، الأجود صاحب بغل وحمار، وهذا بحسب اللغة، والمراد بهم هنا ما يعم الكل.
следующие страницы →