تقديره: إذا عرفتم كيفية صلاة الخوف، وأردتم بيان حكم ما إذا زال الخوف .. فأقول لكم: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَمِنتم﴾: فعل وفاعل في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَاذْكُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿اذكروا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، والظرف متعلق به، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾: الكاف: حرف جر وتعليل. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَلَّمَكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا﴾. ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾ تقديره: ما لم تكونوا عالمين، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿تَعْلَمُونَ﴾ وجملة ﴿عَلَّمَكُمْ﴾ صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف التعليلية المتعلقة باذكروا تقديره: فاذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه قبل بعثة محمَّد ﵌، وقبل نزول القرآن.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿الذين﴾: مبتدأ، ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾: فعل مغيَّر ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ضمير الغائب. ﴿وَيَذَرُونَ﴾: معطوف على جملة الصلة. ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به. ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب مفعول مطلق لفعل محذوف هو خبر المبتدأ تقديره: فليوصوا وصية، وعلى قراءة الرفع وصية: مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليهم وصية، والجملة الإسمية خبر المبتدأ الذي هو الموصول أيضًا، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿وصية﴾ تقديره: وصية كائنة لأزواجهم.
﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
стр. 1402
﴿مَتَاعًا﴾: منصوب إما على إضمار فعل من لفظه؛ أي: متعوهن متاعًا، أو من غير لفظه؛ أي: جعل الله لهن متاعًا، وجوزوا أن يكون ﴿مَتَاعًا﴾ صفة لـ ﴿وصية﴾، أو بدلًا منها، أو حالًا من الموصين؛ أي: ممتعين أو ذوي متاع. ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿متاعا﴾. ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: حال من الأزواج ومضاف إليه؛ أي: غير مخرجات، أو حال من الموصين؛ أي: غير مخرجين، وجوزوا أن يكون صفة لـ ﴿متاعًا﴾ أو بدلًا منه.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنها غير مخرجات، وأردتم حكم ما إذا خرجن بأنفسهن .. فأقول لكم: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿خَرَجْنَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فيما﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾. ﴿فَعَلْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: فيما فعلنه. ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿فعلن﴾، ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف من ﴿فعلن﴾ أو من ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾.
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ الواو: استئنافية. ﴿للمطلقات﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَتَاعٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مَتَاعٌ﴾. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: حق ذلك حقًّا. ﴿عَلَى
стр. 1403
الْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بعامل المصدر المحذوف.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تبيينًا كائنًا كالتبيين الذي ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبين﴾، ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف تعليل ونصب بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة تقديره: يبين الله لكم آياته تبيينًا كائنًا كذلك لتدبركم.
﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للإستفهام التعجبي، أو الإقراري، والاستفهام التعجبي: هو إيقاع المخاطب في أمر عجيب غريب. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: أنت يعود على محمَّد ﵌، أو إلى أي مخاطب، وإنما عداه هنا بإلى؛ لأن معناه: ألم ينته علمك إلى كذا، والرؤية هنا بمعنى العلم، والجملة مستأنفة ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تر﴾، ﴿خَرَجُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خرجوا﴾. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل ﴿خَرَجُوا﴾، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: مفعول لأجله ومضاف إليه، والعامل فيه ﴿خَرَجُوا﴾.
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿فَقَالَ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿قال﴾: فعل ماضٍ. ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَرَجُوا﴾. ﴿مُوتُوا﴾: مقول محكي، أو فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿ثُمَّ
стр. 1404
أَحْيَاهُمْ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ومهلة. ﴿أَحْيَاهُمْ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فقال لهم الله موتوا، فماتوا ثم أحياهم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿ذو﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿فَضْلٍ﴾: مضاف إليه وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿فضل﴾، أو متعلق بـ ﴿فضل﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَ﴾ اسمها. ﴿النَّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾ تقديره: ولكن أكثر الناس غير شاكرين، والجملة جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب، استدرك بها عن محذوف تقديره: فيجب عليهم شكره.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾.
﴿وَقَاتِلُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿قاتلوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قاتلوا﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قاتلوا﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿سَمِيعٌ﴾ خبر أول، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا كون الله سميعًا عليمًا.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
﴿مَنْ ذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل الرفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبره، أو ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذَا﴾: اسم إشارة خبر المبتدأ ﴿الَّذِي﴾: بدل من اسم الإشارة، أو نعت له، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿يُقْرِضُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿قَرْضًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿حَسَنًا﴾؛ صفته. ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية ﴿يضاعف﴾: منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والهاء مفعول به.
стр. 1405
﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يضاعف﴾. ﴿أَضْعَافًا﴾: حال من ضمير المفعول، أو منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿كَثِيرَةً﴾: صفة له، وجملة ﴿يضاعف﴾ من الفعل والفاعل صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك تقديره: من ذا الذي يكون منه قرض حسن فمضاعفة من الله له، وبالرفع فهو معطوف على جملة الصلة.
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾ الواو: استئنافية. ﴿اللَّه﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقْبِضُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿وَيَبْسُطُ﴾ في محل الرفع معطوف على جملة ﴿يَقْبِضُ﴾، ﴿وَإِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ترجعون﴾، وجملة ﴿تُرْجَعُونَ﴾ من الفعل المغيّر ونائبه معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ على كونها مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿يَقْبِضُ﴾ على كونها خبر المبتدأ.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الوسطى: مؤنث الأوسط بمعنى الفضلى مؤنث الأفضل، كما قال أعرابي يمدح رسول الله ﵌:
يَا أَوْسَطَ اَلنَّاسِ طُرًّا في مَفَاخِرِهِمْ ... وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمًّا بَرَّةً وأَبَا
لا من الأوسط بمعنى المتوسط بين شيئين، وذلك لأن أفعل التفضيل لا يبنى إلا مما يقبل الزيادة والنقص، وكذلك فعل التعجب، فكل ما لا يقبل الزيادة والنقص .. لا يبنيان منه.
﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل، يقال منه: رجل يرجل رجلًا إذا عُدم المركوب ومشى على قدميه، فهو راجل ورجل، ورجل على وزن رجل مقابل امرأة، ويجمع على رجُل ورجْل ورجال وأراجل وأرجيل.
﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾: جمع راكب، قيل: لا يطلق الراكب إلا على راكب الإبل، فأما راكب الفرس: ففارس، وراكب البغل والحمار؛ فبغَّال وحمَّار، الأجود صاحب بغل وحمار، وهذا بحسب اللغة، والمراد بهم هنا ما يعم الكل.
стр. 1406
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ الأصل (١) في ترى ترأى مثل يرعى إلا أن العرب اتفقوا على حذف الهمزة في المستقبل تخفيفًا، ولا يقاس عليه، وربما جاء في ضرورة الشعر على أصله، ولما حذف الهمزة .. بقي آخر الفعل ألفًا، فحذفت في الجزم والألف منقلبة عن ياء، وأما في الماضي: فلا تحذف الهمزة.
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾: جمع أَلْف، والأَلْف عدد معروف، وجمعه في القلة آلاف، وفي الكثرة ألوف، ويقال آلفت الدراهم، وآلفت هي، وقيل: ألوف جمع آلف كشاهد وشهود.
﴿قَرْضًا﴾ القرض: القطع بالسكين، ومنه سمي المقراض؛ لأنه يقطع به، وقال ابن كيسان: القرض أن تعطي شيئًا ليرجع إليه مثله، ومنه يقال: أقرضت فلانًا؛ أي: قطعت له قطعة من المال، والقرض: اسم مصدر لأقرض، والمصدر الإقراض، ويجوز أن يكون القرض هنا بمعنى: المقروض كالخلق بمعنى المخلوق، فيكون مفعولًا به.
﴿أَضْعَافًا﴾ جمع (٢) ضعف، والضعف هو العين، وليس بالمصدر، والمصدر الأضعاف أو المضاعفة، فعلى هذا: يجوز أن يكون حالًا من الهاء في يضاعفه، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا على المعنى؛ لأن معنى يضاعفه يصيره أضعافًا، ويجوز أن يكون جمع ضعف، والضعف اسم وقع موقع المصدر كالعطاء، فإنه اسم للمعطي، وقد استعمل بمعنى العطاء، فيكون انتصاب أضعافًا على المصدر.
البلاغة
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ وفي إيراد هذه (٣) الشرطية بكلمة ﴿إن﴾ المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف وقلته، وفي إيراد الشرطية الثانية بكلمة ﴿إذا﴾ المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في جواب الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار.
стр. 1407
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: قال أبو حيان (١): وفي هذه الآيات من بدائع البديع وصنوف الفصاحة:
منها: النقل من صيغة افعلوا إلى فاعلوا؛ للمبالغة، وذلك في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾.
ومنها: الاختصاص بالذكر في قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.
ومنها: الطباق المعنوي في ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ لأن التقدير في ﴿حَافِظُوا﴾، وهو مراعاة أوقاتها وهيأتها إذا كنتم آمنين.
ومنها: الحذف في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ العدو، أو ما جرى مجراه، وفي قوله: ﴿فَرِجَالًا﴾؛ أي: فصلوا رجالا، وفي قوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ سواء رفع، أو نصب وفي قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾؛ أي: لهن من مكانهن الذي يعتددن فيه، وفي قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ من بيوتهن من غير رضا منهن، وفي قوله: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: من ميلهن إلى التزويج أو الزينة بعد انقضاء المدة، وفي قوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أي: عادة أو شرعًا، وفي قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: انتقامه، وفي قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: في أحكامه، وفي قوله: ﴿حَقًّا﴾؛ أي: حق ذلك حقًّا، وفي قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: عذاب الله.
ومنها: التشبيه في قوله ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾.
ومنها: التجنيس المماثل؛ وهو أن يكون بفعلين أو باسمين، وذلك في قوله: ﴿عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، و ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾؛ أي: يقاربون الوفاة.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ثم قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ فيكون للتأكيد إن كان إياه، ولاختلاف المعنيين إن كان غيره.
стр. 1408
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ضروب علم البيان، وصنوف البلاغة:
منها: الاستفهام الذي أجري مجرى التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾.
ومنها: الحذف بين ﴿مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾؛ أي: فماتوا ثم أحياهم، وفي قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ملك الله بإذنه، وفي قوله: ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يشكرونه، وفي قوله: ﴿سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمالكم، وفي قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فيجازي كلًّا بما عمل.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾، وفي ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ومنها: التشبيه بغير أدائه في قوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ شبه قبوله تعالى إنفاق العبد في سبيله ومجازاته عليه بالقرض الحقيقي، فأطلق اسم القرض عليه.
ومنها: الاختصاص بوصفه بقوله: ﴿حَسَنًا﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا﴾، وجمعه لاختلاف جهات التضعيف بحسب اختلاف الإخلاص، ومقدار القرض واختلاف أنواع الجزاء.
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ وفي تأخير البسط (١) عن القبض في الذكر إيماء إلى أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء.
والله أعلم
* * *
стр. 1409
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.
المناسبة
مناسبة (١) هذه الآيات لما قبلها ظاهرة؛ وذلك أنه لما أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، وكان قد قدم قبل ذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت إما بالقتال أو بالطاعون على سبيل التشجيع والتثبيت للمؤمنين، والإعلام بأنه لا يُنجي حذرٌ من قدر .. أردف ذلك بأن القتال كان مطلوبًا مشروعًا في الأمم
стр. 1410
السابقة، فليس من الأحكام التي خصصتم بها؛ لأن ما وقع فيه الاشتراك كانت النفس أميل لقبوله من التكليف الذي يكون يقع به الانفراد.
التفسير وأوجه القراءة
٢٤٦ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والاستفهام استفهام تعجيب وتشويق للسامع، والملأ من القوم وجوههم وأشرافهم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والنفر، ويجمع على أملاء كسبب وأسباب سمّوا بذلك؛ لأنهم يملؤون القلوب مهابة، والعيون حسنًا وبهاء؛ أي: ألم ينته علمك يا محمَّد إلى قصة القوم الذين كانوا من بني إسرائيل حالة كونهم كائنين ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ وفاة ﴿مُوسَى﴾ ﵇ ﴿إِذْ قَالُوا﴾؛ أي: حين قال أولئك الملأ ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ شمويل كما قاله وهب بن منبه، أو شمعون، أو يوشع بن نون كما قاله قتادة، وهذا القول ضعيف، أو حزقيل كما حكاه الكرماني، أو غيرهم كما قاله غيرهم، ولكن (١) معرفة حقيقة هذا النبي بعينه ليست مرادة من القصة، إنما المراد منها الترغيب في الجهاد، وذلك حاصل بلا معرفة عينه ﴿ابْعَثْ لَنَا﴾؛ أي: أقم وعين لنا ﴿مَلِكًا﴾؛ أي: أمير نرجع إليه ونعمل برأيه، ووله وأمره علينا ﴿نُقَاتِلْ﴾؛ أي: ننهض معه للقتال ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطاعته ونقاتل بأمره عدونا ﴿نُقَاتِلْ﴾ بالنون والجزم على جواب الأمر، وبه قرأ الجمهور، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة شذوذًا ﴿يقاتل﴾ بالياء ورفع الفعل على أنه صفة للملك، وقرىء شذوذًا أيضًا ﴿نقاتلُ﴾ بالنون والرفع على أنه حال، أو كلام مستأنف.
وسبب سؤال بني إسرائيل نبيهم ذلك: أنه لما مات موسى وعظمت الخطايا .. سلط الله عليهم قوم جالوت، وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرًا من ذراريهم، وأسروا من أبناء ملوكهم أربع مئة وأربعين غلامًا، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ولم يكن لهم حينئذ نبي يدبر أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا، فلم
стр. 1411
يبق منهم إلا امرأة حبلى، فحبسوها في بيت، فولدت غلامًا، فلما كبر كفله شيخ من علمائهم في بيت المقدس، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل، فقال له: اذهب إلى قومك، فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيًّا، فلما أتاهم كذبوه، وقالوا استعجلت بالنبوة، فإن كنت صادقًا .. فبين لنا ملك الجيش.
وكان صلاح أمر بني إسرائيل بالإجماع على الملوك وبطاعة الملوك أنبياءهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي هو الذي يقيم أمره ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه فـ ﴿قال﴾ لهم ذلك النبي ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بفتح السين وكسرها لغتان، وبالثانية قرأ نافع، وبالأولى قرأ الباقون، وهذا الكلام استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال لهم النبي حينئذ؟ فقيل: قال لهم النبي: هل عسيتم وحسبتم وظننتم ﴿إِنْ كُتِبَ﴾ وفرض ﴿عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾؛ أي: قال لهم نبيهم: هل ظننتم أن لا تقاتلوا عدوكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك؟ فصل بين عسى وخبره بالشرط والاستفهام؛ لتقرير المتوقع به، وإثباته، والمعنى: أتوقع وأخشى جبنكم عن القتال إن كتب عليكم القتال ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا﴾؛ أي: وأي شيء ثبت لنا في ﴿أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطاعته ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾ وأبعدنا ﴿مِنْ دِيَارِنَا﴾ وأوطاننا ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ وأولادنا، وأفرد الأولاد بالذكر؛ لأنهم الذين وقع عليهم السبي، أو لأنهم بمكان فوق مكان سائر القرابة، ولأجل (١) قولهم هذا لم يتم قصدهم؛ لأنه لم يخلص لحق الله عزمهم، ولو أنهم قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله؛ لأنه قد أمرنا وأوجب علينا، لعلهم وفقوا لإتمام ما قصدوا، والمعنى: وأي شيء ثبت لنا في ترك القتال في سبيل الله، والحال أنه قد أخرج وأبعد بعضنا من المنازل والأولاد، والقائلون لنبيهم بما ذكر كانوا في ديارهم، فسأل الله تعالى ذلك النبي، فبعث لهم ملكًا يقاتلون معه، وكتب عليهم القتال مع ذلك الملك ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ وأوجب ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ في سبيل الله ﴿تَوَلَّوْا﴾؛ أي: أعرضوا عن قتال عدوهم لما شاهدوا كثرة العدو وشوكته ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ثلاث مئة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر، وهم الذين عبروا النهر
стр. 1412
مع طالوت، واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي، وهذا القليل ثبتوا على نياتهم في قتال أعدائهم، وقرأ أُبي (١): ﴿تولوا إلا أن يكون قليل منهم﴾ وهو استثناء منقطع؛ لأن الكون معنى من المعاني، والمستثنى ﴿مِنْهُمْ﴾ حيث ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: عالم من ظلم نفسه حين خالف ربه، ولم يف بما قبل من ربه، وهذا وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد مخالفة لأمره تعالى، فالمراد بالظالمين بقية السبعين ألفًا، وهم من عدا القليل المذكور.
٢٤٧ - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾؛ أي: أخبرهم نبيهم بأن الله تعالى قد بعث لأجل سؤالكم وأمر عليكم طالوت؛ لتكونوا تحت إمرته في تدبير أمر الحرب، واختاره ليكون أميرًا عليكم، واسم طالوت بالعبرانية: ساول بن قيس، من سبط بنيامين بن يعقوب، وإنما سمي طالوت لطوله، وكان أطول من جميع الناس برأسه ومنكبيه، وكان طالوت رجلًا دباغًا يدبغ الأديم. قاله وهب ﴿قَالُوا﴾ لنبيهم معترضين عليه ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ﴾؛ أي: كيف يكون ﴿الْمُلْكُ﴾ والإمرة لطالوت ﴿عَلَيْنَا﴾ ولم يكن هو من بيت الملك حتى نتبعه لشرفه ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ﴾ وأولى ﴿بِالْمُلْكِ﴾ والإمرة ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من طالوت ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؛ أي: لم يعط غنى من المال يستعين به على إقامة الملك.
والمعنى (٢): كيف يتملك علينا، والحال إنه لا يستحق التملك؛ لوجود من هو أحق بالملك منه، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك؛ لأن النبوة كانت في سبط لآوى بن يعقوب ﵇، والملك في سبط يهوذا، وهو كان من سبط بنيامين، ولم يكن فيهم النبوة والملك، وكان رجلًا سقاء يستقي الماء على حمار له، أو دباغا فقيرًا، وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكًا، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت ﴿قَالَ﴾ نبيهم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿اصْطَفَاهُ﴾ واختاره للملك ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أجابهم نبيهم على ذلك الاعتراض، فقال: إن الله اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾؛ أي: سعة في علوم السياسة والديانة والحروب
стр. 1413
﴿وَالْجِسْمِ﴾ بالقوة على مبارزة العدو، وبالجمال وبطول القامة، فإنه كان أطول من غيره برأسه ومنكبيه حتى إن الرجل القائم كان يمد يده، فينال رأسه، فكان أعلم بني إسرائيل يومئذ، وأجملهم وأتمهم خلقًا، والعمدة في الاختيار أمران: العلم؛ ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، والأمر الثاني: قوة البدن؛ ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء، ومكابدة الشدائد، وقد خصه الله منهما بحظ وافر. قال ابن كثير: ومن ها هنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي﴾؛ أي: يعطي ﴿مُلْكَهُ﴾ وسلطنته في الدنيا ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، إيتاءه من عباده، وإن لم يكن من سبط الملك، فلا اعتراض عليه ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ الفضل والعطاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أهل
٢٤٨ - للملك، ويليق به، ولما قال القوم لنبيهم: ليس ملكه من الله بل أنت ملكته علينا، وطلبوا منه آية تدل على اصطفاء الله تعالى إياه للملك .. أجابهم إلى ذلك ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾؛ أي: إن علامة ملكه واصطفائه من الله عليكم ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾؛ أي: يرد الله إليكم الصندوق الذي أخذ منكم، وهو صندوق التوراة، وكانوا يعرفونه، وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاة موسى ﵇ لسخطه على بني إسرائيل لما عصوا وأفسدوا، فلما طلب القوم من نبيهم آية تدل على ملك طالوت .. قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء إلى الأرض، والملائكة يحفظونه، فأتاهم، والقوم ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت، وقرأ الجمهور: ﴿التَّابُوتُ﴾ بالتاء، وقرأ أبي وزيد بالهاء وهي لغة الأنصار ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك التابوت ﴿سَكِينَةٌ﴾ وقرأ أبو السماك: ﴿سكّينة﴾ بتشديد الكاف؛ أي: طمأنينة لقلوبكم؛ أي: مودع فيه ما تسكنون إليه؛ وهو التوراة، وكان موسى ﵇ إذا قاتل قدَّمه فسكن نفوسَ بني إسرائيل ولا يفرون، أو الضمير في الإتيان؛ أي: في إتيان ذلك التابوت سكون لكم وطمأنينة وبشارات ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: من كتب ربكم المنزلة على موسى وهارون، ومن بعدهما من الأنبياء ﵈ بأن الله ينصر طالوت وجنوده، ويزيل عنهم الخوف من العدو ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾؛ أي: تركة ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾؛ أي: مما ترك موسى وهارون أنفسهما، والآل مقحم؛ لتفخيم شأنهما
стр. 1414
كما في قوله ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" فالمراد به داود نفسه، وهي رضاض الألواح؛ أي: كسرها، وعصا موسى، وثيابه ونعلاه، وشيء من التوراة ورداء هارون وعمامته، حال كون ذلك التابوت ﴿تَحْمِلُهُ﴾ وقرأ مجاهد شذوذًا: ﴿يحمله﴾ بالياء من أسفل؛ أي: تسوقه ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ إليكم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في إتيان التابوت ورجوعه إليكم ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾؛ أي: لعلامة لكم دالة على أن ملكه من الله تعالى، أو لآية (١) لكم على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمر لكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين بتمليكه عليكم، أو بالله واليوم الآخر.
أو المعنى: أن في هذه الآية من نقل القصة معجزة باهرة دالة على نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بهذه التفاصيل من غير سماع من البشر إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة والرسالة، فلما رد الله عليهم التابوت .. قبلوا وأقروا بملكه، وتسارعوا إلى الجهاد، واختار من الشبان الفارغين من الأشغال ثمانين ألفًا، وقيل: مئة وعشرين ألفًا، وخرجوا معه.
٢٤٩ - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ﴾ بين هذه الجملة والتي قبلها محذوف؛ تقديره: فجاءهم التابوت، وأقروا له بالملك، وتأهبوا للخروج، فلما فصل طالوت؛ أي: خرج من بيت المقدس وتوجه ﴿بِالْجُنُودِ﴾؛ أي: بالجيش التي اختارها إلى جهة العدو، وكان من جملتهم داود ﵇ كما سيأتي، وكان الوقت قيظًا، وسلك بهم في أرض قفرة، فأصابهم حر وعطش شديد، فطلبوا منه الماء ﴿قَالَ﴾ طالوت ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾؛ أي: مختبركم ﴿بِنَهَرٍ﴾ جارٍ ليظهر منكم المطيع والعاصي؛ وهو بين الأردن وفلسطين، وقرأ الجمهور: ﴿بِنَهَرٍ﴾ بفتح الهاء، وقرأ حميد ومجاهد والأعرج شذوذًا بسكون الهاء، والغرض من هذا الابتلاء: أن يميز الصديق من الزنديق، والموافق من المخالف ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾؛ أي: كرع من ماء النهر، قليلًا كان أو كثيرًا ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي: من أهل ديني، أو من أتباعي المؤمنين، فلا يكون مأذونًا له في هذا القتال ﴿وَمَنْ لَمْ
стр. 1415
يَطْعَمْهُ﴾؛ أي: ومن لم يذقه أصلًا، لا كثيرًا ولا قليلًا ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ أي: من أتباعي ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾؛ أي: إلا من أخذ شيئًا قليلًا من الماء بيده؛ فإنه مني ويكون أهلًا لهذا القتال. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿غَرفة﴾ بفتح الغين، وكذلك يعقوب وخلف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم، فالغُرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف، والغَرفة بالفتح الفعل؛ وهو الاغتراف مرة واحدة، فكانت تكفيهم هذه الغرفة لشربهم ودوابهم وحملهم؛ أي: قال لهم طالوت: من شرب من النهر وأكثر .. فقد عصى الله، ومن اغترف غرفة بيده .. أقنعته بعد عطش شديد، فوقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب، فهؤلاء جبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فقويت قلوبهم، وعبروا النهر، فذلك قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾؛ أي: فلما وصلوا إلى النهر .. وقفوا فيه وشربوا منه بالكرع بالفم كيف شاؤوا ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ثلاث مئةٍ وثلاثة عشر رجلًا، فلم يشربوا إلا قليلًا، وهو الغرفة. روي (١) أن من اغترف غرفة كما أمر الله .. قوي قلبه، وصح إيمانه، وعبر النهر سالمًا، وكفته تلك الغرفة لشربه ودوابه وخدمه، وحمله مع نفسه؛ إما لأنه كان مأذونًا في أخذ ذلك المقدار، وإما لأن الله تعالى يجعل البركة في ذلك الماء حتى يكفي لكل هؤلاء، وذلك معجزة لنبي ذلك الزمان، وأما الذين شربوا منه، وخالفوا أمر الله تعالى فقد اسودت شفاههم، وغلبهم العطش، فلم يرووا، وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وقرىء شذوذًا: ﴿إلا قليل﴾ بالرفع حملًا على المعنى، فإن قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ في معنى: فلم يطيعوه، وفيه تعسف ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾؛ أي: النهر ﴿هُوَ﴾؛ أي: طالوت ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ والظرف متعلق بـ ﴿جاوز﴾ من حيث عمله في المعطوف، وهو الموصول؛ أي: فلما جاوزه وجاز معه الذين آمنوا؛ وهم أولئك القليل الذين اقتصروا على الغرفة، وقال القرطبي: هم الذين لم يذوقوا الماء أصلًا. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال الذين شربوا وخالفوا أمر الله ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا﴾؛ أي: لا قوة لنا ﴿الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾ هو
стр. 1416
جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكان في بيضته ثلاث مئة رطل من الحديد؛ أي: لا قدرة لنا اليوم بمحاربة جالوت ﴿وَجُنُودِهِ﴾ وكانوا مئة ألف رجل شاكي السلاح. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾؛ أي: يوقنون ويعلمون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾؛ أي: ملاقوا ثواب الله ورضوانه في الدار الآخرة؛ وهم القليل الذين اقتصروا على الغرفة ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ وقرأ أبي شذوذًا: ﴿وكأين﴾ وهي مرادفة لـ ﴿كم﴾ في التكثير؛ أي: كم من جماعة قليلة من المؤمنين ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾؛ أي: غلبت جماعة كثيرة من الكافرين ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بنصر الله تعالى إياهم، أو بقضاء الله وإرادته ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والعون؛ أي: معين الصابرين على الحرب بالنصرة على أعدائهم.
٢٥٠ - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا﴾؛ أي: ولما برزوا طالوت وجنوده المؤمنون، وظهروا ﴿لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ الكافرين، ودنوا منهم وصافوا لهم ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال طالوت وجنوده جميعًا متضرعين إلى الله تعالى مستعينين به تعالى؛ أي: قالوا ملتجئين إلى الله بثلاث دعوات ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾؛ أي: اصبب ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ على القتال والمخاوف والأمور الهائلة؛ أي: أفض علينا صبرا يعمنا في جمعنا، وفي خاصة أنفسنا لنقوى على قتال أعدائك، وهذه هي الدعوة الأولى. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ أي: أرسخها حتى لا تفر، أو قو قلوبنا لتثبت أقدامنا على مداحض القتال بكمال القوة عند المقارعة، وعدم التزلزل وقت المقاومة، وهذه هي الدعوة الثانية. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ جالوت وجنوده؛ أي: أعنا وأظفرنا بقهرهم وهزمهم، وذلك لأن جالوت وقومه كانوا يعبدون الأصنام، وهذه هي الدعوة الثالثة، وفيها (١) ترتيب بليغ إذ سألوا أولًا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب السبب عنه، ثم النصر على
٢٥١ - العدو والمترتب عليهما غالبًا. ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾؛ أي: هزم طالوت وجنوده جالوت وجنوده؛ أي: كسروهم وغلبوهم وقهروهم وردوهم ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بنصره أو بقضائه وإرادته، أو بتمكين الله منهم إجابة لدعائهم ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ﴾
стр. 1417
ابن إيشا ﵇ كان من سبط يهودا بن يعقوب، وكان في عسكر بني إسرائيل ﴿جَالُوتَ﴾ الكافر، ولم يبين تعالى كيفية القتل ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾؛ أي: وأعطى الله لداود ﴿الْمُلْكَ﴾ الكامل سبع سنين بعد موت طالوت؛ أي: ملك بني إسرائيل في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: النبوة بعد موت شمويل، وكان موته قبل طالوت، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة لأحد قبله إلا له، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط آخر، ومع ذلك جمع الله له ولابنه سليمان بين الملك والنبوة، وقيل: الحكمة العلم النافع ﴿وَعَلَّمَهُ﴾؛ أي: وعلم الله داود ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾؛ أي: ما يشاء تعليمه من معلوماته كصنعة الدروع من الحديد، وكان يلين في يده وينسجه، وفهم كلام الطير والنمل، وكيفية القضاء، وما يتعلق بمصالح الدنيا، ومعرفة الألحان الطيبة، ولم يعط الله تعالى أحدًا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور .. تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وتظله الطير ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ قرأ نافع هنا وفي الحج: ﴿دفاع الله﴾؛ أي: ولولا أن يدفع الله ﴿النَّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ بدل بعض من الناس، ويكف شرهم، وهم أهل الكفر والمعاصي ﴿بِبَعْضٍ﴾ منهم؛ وهم أهل الإيمان والطاعة ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وخربت بغلبة المشركين، وقتل المسلمين، وتخريب المساجد، قال ابن عباس ﵄: ولولا دفع الله بجنود المسلمين .. لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد، كما دفع الله جالوت وجنوده بطالوت وجنوده، ومن المعلومات أن لولا حرف امتناع لوجود، والمعنى: امتنع فساد الأرض لأجل دفع الناس بعضهم لبعض، وهذه الآية كالدليل لما ذكر في القصة من مشروعية القتال، ونصر داود على جالوت. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿ذُو فَضْلٍ﴾؛ أي: ذو تفضل وإنعام عظيم ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ كافة بسبب دفع ذلك الفساد؛ يعني: أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام وإفضال عم الناس كلهم، وجه (١) الاستدراك هو أنه لما
стр. 1418
قسم الناس إلى مدفوع به ومدفوع، وأنه بدفعه بعضهم ببعض امتنع فساد الأرض، فيهجس في نفس من غلب وقهر عن ما يريد من الفساد في الأرض أن الله تعالى غير متفضل عليه إذا لم يبلغه مقاصده ومآربه، فاستدرك أنه وإن لم يبلغ مقاصده هذا الطالب للفساد أن الله لذو فضل عليه ويحسن إليه.
٢٥٢ - ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذه الآيات التي قصصناها عليك يا محمَّد من حديث الألوف وموتهم وإحيائهم تمليك طالوت، وإظهاره الآية؛ وهي التابوت وإهلاك الجبابرة على يد صبي ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ المنزلة من عنده تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾؛ أي: نقرأ تلك الآيات عليك يا محمَّد بواسطة جبريل حالة كونها ملتبسة ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق واليقين الذي لا يشك فيه أحد من أهل الكتاب لما يجدونها موافقة لما في كتبهم ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى الإنس والجن كافة بشهادة إخبارك عن الأمم الماضية من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع على أحد يخبرك بذلك، فدل ذلك على رسالتك، وأن الذي تخبر به وحي من الله تعالى؛ أي: وإنك يا محمَّد لمن جملة الرسل الذين أرسلهم الله تعالى لتبليغ دعوة الله .
فائدة: قال ابن عباس ﵄ (١): إن داود ﵇ كان صغيرًا لم يبلغ الحنث راعيًا للغنم، وله سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم إيشا - بوزن كسرى - أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المطاف، وبادر جالوت الجبار، وهم من قوم عاد إلى البراز، فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على حق .. لبارزني بعضكم، فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوا، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته، فمر به طالوت وهو يحرض الناس، فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي، فقال داود: فأنا خارج إليه، وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى، وكان طالوت عارفًا بجلادته، فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت .. مر بثلاثة أحجار، فقلن يا داود: خذنا معك
стр. 1419
ففينا ميتة جالوت، فلما خرج إلى جالوت الكافر رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ثلاثين رجلًا فهزم الله تعالى جنود جالوت، وخر جالوت قتيلًا، فأخذه داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح بنو إسرائيل وانصرفوا إلى البلاد سالمين غانمين، فجاء داود إلى طالوت، وقال أنجزني ما وعدتني، فزوجه ابنته وأعطاه نصف الملك كما وعده، فمكث معه كذلك أربعين سنة، فمات طالوت، وأتى بنو إسرائيل بداود، وأعطوه خزائن طالوت، واستقل داود بالملك سبع سنين، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى، فسبحان من لا ينقضي ملكه.
الإعراب
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التعجبي التقريري، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على كل مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿الْمَلَإِ﴾ تقديره: حال كونهم كائنين من بني إسرائيل. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله، ولا يضر تعلق حرفي جر متحدي اللفظ بعامل واحد؛ لاختلاف معناهما، فـ ﴿مِنْ﴾ الأولى تبعيضية، والثانية لابتداء الغاية. ﴿إِذْ قَالُوا﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، والظرف متعلق بـ ﴿تر﴾ أو بمحذوف؛ تقديره: ألم تر إلى قصتهم إذ قالوا: ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿لِنَبِيٍّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قالوا﴾. ﴿لَهُمُ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿نبي﴾. ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿ابْعَثْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿نبي﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بعث﴾. ﴿مَلِكًا﴾: مفعول به. ﴿نُقَاتِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلَإِ﴾، والجملة الفعلية جواب الطلب لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نُقَاتِلْ﴾.
стр. 1420
﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿بَنِي﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام ﴿عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ إلى آخره مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿عَسَيْتُمْ﴾ ﴿عسى﴾: من أفعال المقاربة ترفع الاسم وتنصب الخبر، والتاء ضمير المخاطبين في محل الرفع اسمها. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْقِتَالُ﴾: نائب فاعل، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف تقديره: إن كتب عليكم القتال فلا تقاتلوا، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مع جوابها جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين عسى وخبرها. ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾: نافية ﴿تُقَاتِلُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عسى﴾، ولكن لا بد من تقدير وتأويل؛ لأن المصدر معنى من المعاني، فلا يخبر به عن الجنة، والتقدير: هل عسيتم كون حالكم عدم المقاتلة، وجملة ﴿عسى﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا لَنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿وَمَا لَنَا﴾ الواو: رابطة (١) هذا الكلام بما قبله. ﴿ما﴾: استفهامية في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُقَاتِلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿الْمَلَإِ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نُقَاتِلْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿إن﴾ المصدرية، ﴿إن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: وما لنا في عدم قتالنا، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾ الواو: حالية.
стр. 1421
﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أُخْرِجْنَا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿مِنْ دِيَارِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾، ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾: معطوف على ﴿دِيَارِنَا﴾، وجملة ﴿أُخْرِجْنَا﴾ في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿نُقَاتِلَ﴾ تقديره: حالة كوننا مخرجين من ديارنا وأبنائنا.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قالوا لنبيهم، وما قال النبي لهم، وأردت بيان حالهم بعد ما كتب كليهم القتال .. فأقول لك ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الْقِتَالُ﴾: نائب فاعل، والجملة من الفعل الصغير ونائبه فعل شرط لـ ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل والجملة جواب لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿الله﴾: مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿عليم﴾، والجملة مستأنفة.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
﴿وَقَالَ﴾ الواو: عاطفة. ﴿قال﴾: فعل ماض، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿نَبِيُّهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿بَعَثَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، ﴿طَالُوتَ﴾: مفعول به. ﴿مَلِكًا﴾: حال من ﴿طَالُوتَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾.
стр. 1422
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ﴾ إلى قوله: ﴿قال﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف في محل النصب حال من ﴿الْمُلْكُ﴾، والعامل (١) فيه ﴿يَكُونُ﴾، ولا يعمل فيه واحد من الظرفين؛ لأنه عامل معنوي، فلا يتقدم الحال عليه. ﴿يَكُونُ﴾: مضارع ناقص، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يكون﴾. ﴿الْمُلْكُ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (٢) ﴿الْمُلْكُ﴾، والعامل فيه ﴿يَكُونُ﴾ أو الخبر، ويجوز أن يكون الخبر ﴿عَلَيْنَا﴾ و ﴿له﴾ حال، ويجوز أن تكون تامة، فيكون ﴿لَهُ﴾ متعلقًا بـ ﴿يكون﴾ و ﴿عَلَيْنَا﴾ حال، والعامل فيه ﴿يَكُونُ﴾؛ أي: كيف يقع أو يحدث له الملك علينا، وفي "السمين": ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ (٣) إما تامة أو ناقصة، و ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿الْمُلْكُ﴾؛ لأن مادته تتعدى بعلى، تقول: ملك فلان على بني فلان أمرهم اهـ. ﴿وَنَحْنُ﴾: الواو: حالية. ﴿نحن﴾: مبتدأ. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر ﴿بِالْمُلْكِ﴾: متعلق بـ ﴿أحق﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَحَقُّ﴾ أيضًا، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿عَلَيْنَا﴾. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿يُؤْتَ﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿طَالُوتَ﴾. ﴿سَعَةً﴾: مفعول ثان. ﴿مِنَ الْمَالِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿سعة﴾ تقديره: سعة كائنة من المال، والجملة من الفعل المغيّر ونائبه في محل النصب معطوف على جملة قوله: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ﴾ على كونها حالًا من ضمير ﴿عَلَيْنَا﴾.
﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على نبيهم والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿اصْطَفَاهُ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾،
стр. 1423
والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اصْطَفَى﴾ ﴿وَزَادَهُ﴾ الواو: عاطفة. ﴿زاده﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿اصْطَفَاهُ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿بَسْطَةً﴾: مفعول ثان. ﴿فِي الْعِلْمِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَسْطَةً﴾، أو متعلق بـ ﴿بسطة﴾، ﴿وَالْجِسْمِ﴾: معطوف على ﴿الْعِلْمِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: عاطفة، أو اعتراضية ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿يُؤْتِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: والله مؤت ملكه والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾، أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب إن قلنا: إنها من كلام الله لمحمد ﷺ . ﴿مُلْكَهُ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿يُؤْتِي﴾ لأنه بمعنى يعطي. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره يشاءه. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: عاطفة. ﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿وَاسِعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي﴾.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ الواو: عاطفة. ﴿قال﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿نَبِيُّهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ﴾. ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿آيَةَ﴾: اسمها. ﴿مُلْكِهِ﴾: مضاف إليه. ﴿إن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿إن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه خبرًا لـ ﴿إن﴾ تقديره: إن آية ملكه إتيان التابوت إياكم، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿فِيهِ﴾: خبر مقدم. ﴿سَكِينَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿سكينة﴾ تقديره: سكينة كائنة من ربكم،
стр. 1424
والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿التَّابُوتُ﴾، ولكنها حالة سببية تقديره: حال كون التابوت موصوفًا بكون السكينة فيه.
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.
﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ الواو: عاطفة. ﴿بقية﴾. معطوف على ﴿سَكِينَةٌ﴾، ﴿مما﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بقية﴾. ﴿تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه. ﴿وَآلُ هَارُونَ﴾: معطوف على ﴿آلُ مُوسَى﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما تركه آل موسى. ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل: والجملة في محل النصب حال من ﴿التَّابُوتُ﴾ تقديره: حالة كونه محمولًا للملائكة، أو الجملة مستأنفة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿لَآيَةً﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿آية﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آية﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول قال ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِن﴾ محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين؛ أي: مصدقين بأن الله جعل لكم طالوت ملكًا .. فالآية على ملكه حاصلة، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب بمقول قال.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال لهم نبيهم، وما قالوا، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك: ﴿لما فصل﴾، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿فَصَلَ طَالُوتُ﴾: فعل وفاعل ﴿بِالْجُنُودِ﴾: متعلق بـ ﴿فصل﴾، أو حال من ﴿طالُوتُ﴾، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير
стр. 1425
يعود على ﴿طالُوت﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها: ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾: خبر ﴿إن﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿أن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بِنَهَرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ ﴿الفاء﴾: تفصيلية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿شَرِبَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَرِبَ﴾. ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة جامدية؛ لأنه من المواضع السبعة المجموعة في قول بعضهم:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدِ ... وَبِمَا وَلَنْ وَقَدْ وَبِالتَّنْفِيْسِ
﴿ليس﴾: فعل ماضٍ ناقص في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، واسمها ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿مِنِّي﴾: جار ومجرور خبر ﴿ليس﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ الواو: عاطفة ﴿من﴾، اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿يَطْعَمْهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿مِنِّي﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة إن في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنِ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾، ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾: ﴿إلا﴾: أداة استثناء، ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، وأنت (١) بالخيار إن شئت جعلته استثناء من ﴿من﴾ الأولى، وإن شئت من ﴿مَنِ﴾ الثانية.
стр. 1426
﴿اغْتَرَفَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿غُرْفَةً﴾ إما مفعول مطلق، أو مفعول به. ﴿بِيَدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اغترف﴾، أو بمحذوف صفة لـ ﴿غرفة﴾، ﴿فَشَرِبُوا﴾: الفاء: عاطفة ﴿شربوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿قليلًا﴾، وجملة ﴿شربوا﴾ معطوفة على محذوف تقديره: فابتلوا بذلك النهر فشربوا منه إلا قليلًا منهم على كونها مستأنفة.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنهم شربوا منه، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿جَاوَزَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿طَالُوتُ﴾، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿هُوَ﴾: ضمير مؤكد لضمير الفاعل المستتر، ليعطف عليه. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ضمير الفاعل المستتر. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق (١) بـ ﴿جاوز﴾ من حيث عمله في المعطوف وهو الموصول؛ أي: فلما جاوزه وجاوز معه الذين آمنوا. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿قال﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿طَاقَةَ﴾: اسمها. ﴿لَنَا﴾ خبرها، وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وهذا الجار والمجرور في قوله: ﴿بِجَالُوتَ﴾ متعلق بالاستقرار
стр. 1427
المذكور، وجالوت كطالوت ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ﴿وَجُنُودِهِ﴾: معطوف على ﴿جالوت﴾ ومضاف إليه.
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَظُنُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَظُنُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب، ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: خبر ﴿أن﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿يَظُنُّونَ﴾ تقديره: لقاء الله. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا؛ لتضمنه معنى رب التكثيرية، ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿فِئَةٍ﴾: تمييز لكم منصوب بفتحة مقدرة، وقد تحذف ﴿مِنْ﴾؛ فيجر تمييزها بالإضافة، لا بمن مقدرة على الصحيح. ﴿قَلِيلَةٍ﴾: صفة لـ ﴿فئة﴾. ﴿غَلَبَتْ﴾ غلب فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِئَةً﴾، والجملة من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر ﴿كَمْ﴾، كثير من فئة قليلة غالبة فئة كثيرة، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فِئَةً﴾: مفعول ﴿غَلَبَتْ﴾. ﴿كَثِيرَةً﴾: صفة لـ ﴿فئة﴾، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿فئة﴾؛ لتخصصها بالصفة وإن كانت نكرة، أو متعلق بـ ﴿غَلَبَتْ﴾ ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: عاطفة، أو استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿كم من فئة﴾ على كونها من مقولهم، ويحتمل أنها من كلام الله تعالى، أخبر الله تعالى بها عن حال الصابرين، فتكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾.
стр. 1428
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿بَرَزُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لِجَالُوتَ﴾: متعلق بـ ﴿بَرَزُوا﴾. ﴿وَجُنُودِهِ﴾ معطوف على ﴿جالوت﴾ ومضاف إليه. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿أَفْرِغْ﴾: فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿أفرغ﴾. ﴿صَبْرًا﴾ مفعول ﴿أَفْرِغْ﴾. ﴿وَثَبِّتْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿ثبت﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَفْرِغْ﴾، ﴿أَقْدَامَنَا﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَانْصُرْنَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَفْرِغْ﴾، ﴿عَلَى الْقَوْمِ﴾: متعلق بـ ﴿انصرنا﴾، ﴿الْكَافِرِينَ﴾ صفة لـ ﴿لقوم﴾.
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، هزموهم: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا﴾. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿هزموا﴾، أو حال من ضمير الفاعل. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على ﴿هزموهم﴾ ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿الْمُلْكَ﴾: مفعول ثان. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: معطوف على ﴿الْمُلْكَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿قتل داود﴾. ﴿وَعَلَّمَهُ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿قتل﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثانٍ. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: مما يشاءه.
стр. 1429
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ الواو: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. ﴿النَّاسَ﴾: مفعول المصدر، ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بدل من ﴿النَّاسَ﴾، بدل بعض من كل ﴿بِبَعْضٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿دفع﴾، وهو في محل المفعول الثاني، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا؛ لقيام جواب ﴿لولا﴾ مقامه تقديره: موجود. ﴿لَفَسَدَتِ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لولا﴾، ﴿فسدت الأرض﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مع جوابها مستأنفة. ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك ونصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿ذُو﴾: خبر ﴿لكن﴾. ﴿فَضْلٍ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لولا﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.
﴿تِلْكَ﴾: ﴿تِ﴾ اسم إشارة يشار به إلى المفردة المؤنثة البعيدة في محل الرفع مبتدأ مبني بسكون على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، ﴿اللام﴾: لبعد المشار إليه، أو لمبالغة البعد حرف لا محل له من الإعراب مبني على السكون، ﴿الكاف﴾: حرف قال على الخطاب. ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿نَتْلُوهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿عَلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نتلوا﴾، وجملة ﴿نتلوا﴾ يجوز (١) أن تكون حالًا من الآيات، والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون مستأنفة، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور يجوز أن يكون متعلقًا بـ ﴿نتلوا﴾، وأن يكون حالًا من ضمير الآيات المنصوب؛ أي؛ متلبسة بالحق، ويجوز أن يكون حالًا من الفاعل؛ أي: ومعنا الحق، ويجوز أن يكون حالًا من الكاف؛ أي: ومعك الحق، وجملة ﴿تِلْكَ﴾ من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من
стр. 1430
الإعراب. ﴿وَإِنَّكَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد، والكاف اسمها. ﴿لَمِنَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿من المرسلين﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إن﴾ تقديره: وإنك لكائن من المرسلين، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ على كونها مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ سعة وزنها عَلَةً، أصله وسع حذفت فاء الكلمة، وهي الواو وعوض عنها تاء التأنيث كما في عدة وزنة، وإنما حذفت الفاء في المصدر حملًا له على المضارع، وإنما حذفت في المضارع لوقوعها بين عدوتيها الياء وهي حرف المضارعة والكسرة المقدرة؛ لأن أصله يوسع، وذلك أن وسع مثل وثق، فحق مضارعه أن يجيء على يفعل بكسر العين، وإنما منع ذلك في يسع كون لامه حرف حلق، ففتح عين مضارعه لذلك وإن كان أصلها الكسرة، ولذلك قلنا بين ياء وكسرة مقدرة، فالفتحة عارضة، فأجرى عليها حكم الكسرة، ثم جعلت في المصدر مفتوحة؛ لتوافق الفعل، ويدلك على ذلك أن قولك وعد يعد مصدره عدة بالكسر لما خرج على أصله.
﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع قيل: هو على معنى النسب؛ أي: هو ذو سعة، وقيل: جاء على حذف الزائد، والأصل أوسع فهو موسع، وقيل: اسم فاعل من وسع الثلاثي؛ لأنك تقول: وسع علمه وحلمه.
﴿التَّابُوتُ﴾: وزنه فاعول مشتق (١) من التوب الذي هو الرجوع، لما أنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وتاؤه مزيدة لغير التأنيث كملكوت وجبروت، والمشهور أن يوقف على تائه من غير أن تقلب هاء، ومنهم من يقلبها.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ السكينة: فعيلة من السكون، وهو الوقار، تقول: في فلان سكينة؛ أي: وقار وثبات.
﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ (٢) وأصل بقية بقيية، ولام الكلمة ياء ولا حجة في بقي لانكسار
стр. 1431
ما قبلها، ألا ترى أن شقي أصلها واو.
﴿وَجُنُودِهِ﴾ الجنود جمع جند، وهو معروف واشتقاقه من الجند، وهو الغليظ من الأرض إذ بعضهم يعتصم ببعض، وفي "المصباح" الجند الأنصار والأعوان، والجمع أجناد وجنود، الواحد جندي، فالياء للوحدة مثل روم ورميّ اهـ، والياء في ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾ بدل من واو؛ لأنه من بلاه يبلوه.
﴿بِنَهَرٍ﴾ فتح الهاء وإسكانها لغتان، والمشهور في القراءة فتحها، وقرأ حميد بن قيس شذوذًا بإسكانها، وأصل النهر والنهار الاتساع، ومنه ما أنهر الدم. ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ الغُرفة - بضم الغين - اسم للقدر المغترف من الماء كالأكلة للقدر الذي يؤكل، وبفتح الغين مصدر للمرة الواحدة، نحو ضربت ضربة، والاغتراف الأخذ من الشيء باليد أو بآلته، والغرف مثل الاغتراف، فمعناهما واحد، والغرفة البناء العالي المشرف. ﴿لَا طَاقَةَ﴾ وعين الطاقة واو؛ لأنه من الطوق، وهو القدرة تقول: طوقته الأمر.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ الفئة القطعة من الناس، وأصل فئة فيئة؛ لأنه من فاء يفيء إذا رجع، فالمحذوف عينها، وقيل: أصلها فيوءة لأنها من فأوت رأسه إذا كسرته، فيكون المحذوف لام الكلمة.
﴿أَقْدَامَنَا﴾ جمع قدم، والقدم الرجل، وهي مؤنثة تقول في تصغيرها قديمة، والاشتقاق في هذه الكلمة يرجع لمعنى التقدم.
البلاغة
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: فيه مجاز بالحذف إذ الأصل إلى قصة الملأ، وهذا المحذوف هو متعلق الظرف في قوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾: في الكلام إيجاز وحذف تقديره: فسأل الله ذلك النبي، فكتب عليهم القتال وبعث لهم ملكًا؛ أي: عينه لهم ليقاتل بهم، فلما كتب عليهم القتال .. إلخ.
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ والظاهر أن هذا من كلام ذلك النبي، قال ذلك لهم لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد
стр. 1432
أن يتم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض فيه، وهو أظهر التأويلين، الثاني: أنه من كلام الله تعالى لمحمد ﷺ ، وتكون الجملتان معترضتين في هذه القصة للتشديد والتقوية لمن يؤتيه الله الملك؛ أي: فإذا كان الله تعالى هو المتصرف في ملكه .. فلا اعتراض عليه لا يسئل عما يفعل.
﴿آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: فيه مجاز بالزيادة؛ لأن المراد أنفسهما، فلفظ آل مقحم وفائدة هذه الزيادة تفخيم شأنهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ وإفراد (١) حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين بتأويل الفريق أو غيره كما سلف في قوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ فيه استعارة تمثيلية، فقد شبه حالهم - والله تعالى يفيض عليهم الصبر - بحال الماء يصب ويفرغ على الجسم، فيعمه كله ظاهره وباطنه، فيلقي في القلب بردًا وسلامًا وهدوءًا واطمئنانًا.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ وهو كناية (٢) عن تشجيع قلوبهم وتقويتها، ولما سألوا ما يكون مستعليًا عليهم من الصبر .. سألوا تثبيت أقدامهم وإرساخها.
﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه ثلاث تأكيدات .. التأكيد بإن، وباللام، وباسمية الجملة.
اللهم كما وفقتني بابتدائه، فأكرمني بانتهائه، وصلى الله وسلَّم على سيدنا ومولانا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. آمين (٣).
والله أعلم
стр. 1433
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الرابع»
стр. 1434
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 1435
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.
المناسبةُ
مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لَمَّا ذكر اصطفاءَ طالوت على بني إسرائيل، وتفضيلَ داود عليهم بإيتائِه المُلْكَ والحكمة وتعليمِه، ثم خاطب نبيَّه محمدًا ﷺ بأنه من المرسلين، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين المرسلين .. بيّن بأنَّ المرسلين متفاضلون أيضًا، كما كان التفاضل بين غير المرسلين، كطالوت وبني إسرائيل.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: هو أنه لما ذُكِرَ أن الله تعالى أراد الاختلاف إلى مؤمن وكافر، وأراد الامتثال، وأمر به المؤمنين، وكان الجهاد يحتاج صاحبه إلى الإعانة عليه .. أمر تعالى بالنفقة من بعض ما رَزَقَ، فشَمِلَ النفقةَ في الجهاد، وهي وإن لم ينص عليها مندرجةٌ في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾، وداخلة فيها دخولًا أوَّليًّا؛ إذ جاء الأمرُ بها عقب ذِكْر المؤمنِ والكافرِ، وَاقْتِتَالِهم. قال ابنُ جريج: والأكثرون على أن الآية عَامَّة في كل صدقة واجبة، أو تطوع.
стр. 1439
التفسير وأوجه القراءة
٢٥٣ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾؛ أَي: جماعةُ الرسل المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وأتى بإشارة البعيد إشعارًا ببُعْدِ مرتبتهم في الكمال. ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في مراتب الكمال؛ بأن خصصناه بمنقبةٍ لَيْستَ لغيره؛ أيْ: لم نجعَلْهم سواءً في الفَضِيْلَة، وإنْ اسْتَوَوْا في القِيام بالرسالةِ؛ كالمؤمنين مُسْتوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان. فإن قلتَ (١): هذه الآيةُ يُعارضها ما ورد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "لا تفضِّلوني على الأنبياء"، وفي لفظ آخر: "لا تُفَضِّلوا بينَ الأنبياءِ" وفي لفظ: "لا تخيَّروا بين الأنبياء"؟
قلتُ: لا تعارض بين القرآن والسُّنّة بوجهٍ من الوجوه؛ فالقرآنُ: فيه الإخبارُ من الله بأنه فضَّل بعضَ أنبيائه على بعضٍ، والسنةُ: فيها النهيُ لعباده أن يُفضّلوا بين أنبيائه، فمَنْ تعرَّض للجمع بينهما زاعمًا أنهما متعارضان فقد غَلِطَ غلطًا بَيِّنًا.
ثُمَّ بيَّن ذلك بقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾. قرأ الجمهور: ﴿كلّم﴾ بالتشديدِ، ورفعِ الجلالة، والعائدُ على: ﴿مَن﴾ محذوفٌ؛ تقديره: مَنْ كلَّمه الله، وقُرىء بنصب الجلالة، والفاعل مستترٌ، يعود على ﴿مَن﴾، وقرأ أبو المتوكل، وأبو ﴿نَهْشَلٍ﴾، وابن السُّمَيْفِع شذوذًا: ﴿كالم اللهُ﴾ بالألف، ونَصْبِ الجلالة مِنَ المُكالمة، وهي: حُدُوثُ الكلامِ من اثنين، ومنه قيل: كَلِيْمُ الله؛ أَيْ: مُكالِمُهُ؛ فعيل بمعنى مُفاعل؛ أي: منهم من كَلَّمهم الله بلا واسطةٍ، كموسى؛ حيث كَلَّمه ليلةَ الحَيْرَةِ؛ وهي تحيُّره في معرفة طريقِه في مسيره من مَدْينَ إلى مصر، وفي الطور، ومحمدٌ ﷺ ؛ حيث كلَّمه ليلة المعراج.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ على بعض ﴿دَرَجَاتٍ﴾؛ أي: في الدرجات، والفضائِل؛ كما ثبت (٢) في حديث الإسراء حين رَأَى النَّبِيُّ ﷺ الأنبياءَ في السموات بحسبِ
стр. 1440
تفاوت منازلهم عند الله . وقال بعضُ المفسرين: أي رَفَع بعضَ الأنبياء والمرسلين على بعضهم الآخر في الدرجات والمنازل كإبراهيم؛ لأنه تعالى اتخذه خليلًا، ولم يُؤْتِ أحدًا مِثْلَه هذه الفضيلةَ، وإدريسَ فإنه تعالى رَفَعَهُ مكانًا عليًّا، وداودَ فإنه تعالى جَمَعَ له المُلْكَ والنُّبوةَ، ولم يَحْصُل هذا لغيره، وسليمانَ فإنه تعالى سخَّر له الإنسَ والجنَّ والطيرَ والرِّيْحَ، ولم يكنْ هذا حاصلًا لأبيه داود، ومحمدًا ﷺ ؛ فإنه تعالى خَصَّه بعُموم رسالته، وبأنَّ شرعه ناسخ لجميع الشرائع، ولكن هذا تفسيرٌ بالرَّأْيِ لا بالنَّقْلِ، والأَوْلَى تَرْكهُ مُبْهمًا كما أَبْهمَه ، كما ذَكَره الشوكانيُّ.
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: أعطيناه الآياتِ الباهرة، والمعجزاتِ الظاهرة الدالة على صدقه ونبوَّته، كإحياءِ الموتى، وإبراءِ الأكمه، والأبرص، والإخبار بالمغيبات. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيْنَاه. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، أي: بالروحِ المقدَّس، وأعَنَّاهُ بجبريل ﵇ في أولِ أمره، وفي وَسطِه، وفي آخره؛ وهو نَفْخُ جبريل الروحَ في عِيْسى، وتعليمهُ العلومَ، وحفظُه من الأعداء، وإعانتُه ورفعُه إلى السماء حين أرادت اليهود قتله، فكان يسيرُ معه حيثُ سار.
فإن قلتَ (١): لِمَ خُصَّ موسى وعيسى بالذِّكر من بين سائر الأنبياء؟ قلتُ: لَمَّا أوتيا من الآياتِ العظيمة، والمعجزاتِ الباهرة .. خُصَّا بالذكر في باب التفضيل. فعلى هذا: كل مَنْ كان من الأنبياء أعظمَ آياتٍ، وأكثرَ معجزاتِ .. كانَ أفضلَ؛ ولهذا أَحْرزَ نبيُّنا ﷺ قَصَباتِ السبق في الفَضْل؛ لأنه أعظم الأنبياءِ آياتٍ، وأكثرهم معجزاتٍ، فهو أفضلُهم ﷺ وعليهم أجمعين.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عَدَمَ (٢) اقْتِتالِهم، أو هُدى (٣) الناس جميعًا؛ أي: ولو أرادَ