← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1437

شعر: أَخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالدٌ بَعْدَ موتِه ... وأَوْصَالُهُ تَحْتَ التُّرَابِ رَمِيمُ شعر: وعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ... ولكنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا

стр. 1438

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. المناسبةُ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لَمَّا ذكر اصطفاءَ طالوت على بني إسرائيل، وتفضيلَ داود عليهم بإيتائِه المُلْكَ والحكمة وتعليمِه، ثم خاطب نبيَّه محمدًا ﷺ بأنه من المرسلين، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين المرسلين .. بيّن بأنَّ المرسلين متفاضلون أيضًا، كما كان التفاضل بين غير المرسلين، كطالوت وبني إسرائيل. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: هو أنه لما ذُكِرَ أن الله تعالى أراد الاختلاف إلى مؤمن وكافر، وأراد الامتثال، وأمر به المؤمنين، وكان الجهاد يحتاج صاحبه إلى الإعانة عليه .. أمر تعالى بالنفقة من بعض ما رَزَقَ، فشَمِلَ النفقةَ في الجهاد، وهي وإن لم ينص عليها مندرجةٌ في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾، وداخلة فيها دخولًا أوَّليًّا؛ إذ جاء الأمرُ بها عقب ذِكْر المؤمنِ والكافرِ، وَاقْتِتَالِهم. قال ابنُ جريج: والأكثرون على أن الآية عَامَّة في كل صدقة واجبة، أو تطوع.

стр. 1439

التفسير وأوجه القراءة ٢٥٣ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾؛ أَي: جماعةُ الرسل المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وأتى بإشارة البعيد إشعارًا ببُعْدِ مرتبتهم في الكمال. ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في مراتب الكمال؛ بأن خصصناه بمنقبةٍ لَيْستَ لغيره؛ أيْ: لم نجعَلْهم سواءً في الفَضِيْلَة، وإنْ اسْتَوَوْا في القِيام بالرسالةِ؛ كالمؤمنين مُسْتوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان. فإن قلتَ (١): هذه الآيةُ يُعارضها ما ورد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "لا تفضِّلوني على الأنبياء"، وفي لفظ آخر: "لا تُفَضِّلوا بينَ الأنبياءِ" وفي لفظ: "لا تخيَّروا بين الأنبياء"؟ قلتُ: لا تعارض بين القرآن والسُّنّة بوجهٍ من الوجوه؛ فالقرآنُ: فيه الإخبارُ من الله بأنه فضَّل بعضَ أنبيائه على بعضٍ، والسنةُ: فيها النهيُ لعباده أن يُفضّلوا بين أنبيائه، فمَنْ تعرَّض للجمع بينهما زاعمًا أنهما متعارضان فقد غَلِطَ غلطًا بَيِّنًا. ثُمَّ بيَّن ذلك بقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾. قرأ الجمهور: ﴿كلّم﴾ بالتشديدِ، ورفعِ الجلالة، والعائدُ على: ﴿مَن﴾ محذوفٌ؛ تقديره: مَنْ كلَّمه الله، وقُرىء بنصب الجلالة، والفاعل مستترٌ، يعود على ﴿مَن﴾، وقرأ أبو المتوكل، وأبو ﴿نَهْشَلٍ﴾، وابن السُّمَيْفِع شذوذًا: ﴿كالم اللهُ﴾ بالألف، ونَصْبِ الجلالة مِنَ المُكالمة، وهي: حُدُوثُ الكلامِ من اثنين، ومنه قيل: كَلِيْمُ الله؛ أَيْ: مُكالِمُهُ؛ فعيل بمعنى مُفاعل؛ أي: منهم من كَلَّمهم الله بلا واسطةٍ، كموسى؛ حيث كَلَّمه ليلةَ الحَيْرَةِ؛ وهي تحيُّره في معرفة طريقِه في مسيره من مَدْينَ إلى مصر، وفي الطور، ومحمدٌ ﷺ ؛ حيث كلَّمه ليلة المعراج. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ على بعض ﴿دَرَجَاتٍ﴾؛ أي: في الدرجات، والفضائِل؛ كما ثبت (٢) في حديث الإسراء حين رَأَى النَّبِيُّ ﷺ الأنبياءَ في السموات بحسبِ

стр. 1440

تفاوت منازلهم عند الله . وقال بعضُ المفسرين: أي رَفَع بعضَ الأنبياء والمرسلين على بعضهم الآخر في الدرجات والمنازل كإبراهيم؛ لأنه تعالى اتخذه خليلًا، ولم يُؤْتِ أحدًا مِثْلَه هذه الفضيلةَ، وإدريسَ فإنه تعالى رَفَعَهُ مكانًا عليًّا، وداودَ فإنه تعالى جَمَعَ له المُلْكَ والنُّبوةَ، ولم يَحْصُل هذا لغيره، وسليمانَ فإنه تعالى سخَّر له الإنسَ والجنَّ والطيرَ والرِّيْحَ، ولم يكنْ هذا حاصلًا لأبيه داود، ومحمدًا ﷺ ؛ فإنه تعالى خَصَّه بعُموم رسالته، وبأنَّ شرعه ناسخ لجميع الشرائع، ولكن هذا تفسيرٌ بالرَّأْيِ لا بالنَّقْلِ، والأَوْلَى تَرْكهُ مُبْهمًا كما أَبْهمَه ، كما ذَكَره الشوكانيُّ. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: أعطيناه الآياتِ الباهرة، والمعجزاتِ الظاهرة الدالة على صدقه ونبوَّته، كإحياءِ الموتى، وإبراءِ الأكمه، والأبرص، والإخبار بالمغيبات. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيْنَاه. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، أي: بالروحِ المقدَّس، وأعَنَّاهُ بجبريل ﵇ في أولِ أمره، وفي وَسطِه، وفي آخره؛ وهو نَفْخُ جبريل الروحَ في عِيْسى، وتعليمهُ العلومَ، وحفظُه من الأعداء، وإعانتُه ورفعُه إلى السماء حين أرادت اليهود قتله، فكان يسيرُ معه حيثُ سار. فإن قلتَ (١): لِمَ خُصَّ موسى وعيسى بالذِّكر من بين سائر الأنبياء؟ قلتُ: لَمَّا أوتيا من الآياتِ العظيمة، والمعجزاتِ الباهرة .. خُصَّا بالذكر في باب التفضيل. فعلى هذا: كل مَنْ كان من الأنبياء أعظمَ آياتٍ، وأكثرَ معجزاتِ .. كانَ أفضلَ؛ ولهذا أَحْرزَ نبيُّنا ﷺ قَصَباتِ السبق في الفَضْل؛ لأنه أعظم الأنبياءِ آياتٍ، وأكثرهم معجزاتٍ، فهو أفضلُهم ﷺ وعليهم أجمعين. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عَدَمَ (٢) اقْتِتالِهم، أو هُدى (٣) الناس جميعًا؛ أي: ولو أرادَ

стр. 1441

اللهُ ذلك ﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: ما اختلَف الذين من بعدِ مجيءِ الرسل مِنَ الأممِ المختلفةِ اختلافًا مؤدِّيًا إلى الاقْتتالِ. فعَبَّرَ بالمُسَبِّبِ الذي هو الاقتتالُ عن السبب الذي هو الاختلافُ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: مِنْ بعد ما جاءَتْهم المعجزاتُ الواضحة، والبراهينُ الساطعة التي جاءَتْهم بها رُسلُهم؛ بأَنْ جَعَلهم مُتَّفِقِينَ على اتباع الرسلِ المتفقةِ على كلمةِ الحق. ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ في الدِّين. وهذا الاستدراكُ واضحٌ؛ لأنَّ ما قبلها ضِدٌّ لِمَا بعدها؛ لأن المعنى: لو شاء الاتفاقَ لاتفقوا، ولكنْ شاء الاختلافَ فاختلفوا بمشيئته، ثم بَيَّنَ الاختلافَ فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ بما جاءت به أولئك الرسلُ مِنْ كلِّ كتابٍ، وعملوا به، وثَبَتُوا عليه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ بذلك بإعراضهِ عنه؛ لخذلانِ اللهِ إيَّاه؛ كالنصارى بعد المسيح اختلفوا فصاروا فِرَقًا، ثُمَّ تحاربوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ قيل: هذه الجملةُ كُرِّرَتْ توكيدًا للأُولى، قاله الزمخشري. وقيل: لا توكيدَ، بل كُرِّر ذِكْرُ المشيئة باقتتالهم تكذيبًا لمَنْ زعم أنَّهم فَعَلوا ذلك من عند أنفسهم، ولم يوجبْه قضاءٌ مِنَ اللهِ؛ أي: ولو شاء الله عدمَ اقتتالهم بعدَ هذا الاختلافِ ما اقتتلوا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لا رادَّ لحُكْمه، ولا مُبدِّل لقضائه، فهو يفعلُ ما يشاءُ، ويحكم ما يريد، فيوفِّقُ مَنْ يشاء، ويَخذلُ مَنْ يشاء، لا اعتراضَ عليه في فعله. ٢٥٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصَدَّقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ ﴿أَنْفِقُوا﴾؛ أي: اصرِفُوا وتَصَدَّقُوا ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: مما أعطيناكم من الأموال في الخيرات ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ أي: من قبل أن يجيء ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ وهو: يوم القيامة؛ أي: لا يُؤْخذ فيه بَدَلٌ، ولا فِداءٌ يَفْتَدي به الإنسانُ نَفْسَه مِنْ عذابِ اللهِ لو فُرِضَ، وإنما سمَّاه بيعًا؛ لأنَّ الفِداءَ شِراءُ النفس من الهلاك. والمعنى: قَدِّموا لأنفسكم اليوم من أموالكم، من قبل أن يأتي يومٌ لا تجارةَ فيه؛ فيكسب الإنسانُ ما يفتدي به من عذاب الله. ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾؛ أي: ولا مَودّةَ ولا صَدَاقةَ تنفعُ يومئذٍ. قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾، وقال أيضًا؛ ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾. ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ للكافرين؛ أي: ولا تنفعهم شفاعةُ الشافعين. وقَرَأ ابن كثير،

стр. 1442

وأبو عَمْرو ويعقوب: بالفتحِ بلا تنوينٍ في: بيعَ وخلةَ وشفاعةَ. وقرأ الباقون جميعًا: بالرفع، وهما لغتان مشهورتان متواترتان، ووجهان معروفان عند النحاة. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني (١): والتاركونَ للزكاةِ هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، أو وضَعُوا المالَ في غير مَوضِعِهِ، وصَرَفُوه على غير وجهه، فوُضِع الكافرون موضِعَهم تغليظًا عليهم، وتهديدًا لهم، كقوله: و ﴿مَنْ كفر﴾ مكانَ ومَنْ لم يَحُجَّ، وإيذانًا بأنَّ تَرْك الزكاةِ مِنْ صفاتِ الكُفَّارِ لقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. وأخرج (٢) عبد بن حميد، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: قد عَلِم اللهُ أنَّ ناسًا يتخاللون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأمَّا يوم القيامة: فلا خُلَّةٌ إلا خُلَّةُ المتقين. وأخرج ابنُ جرير، وابنُ أبي حاتم، عن عطاءٍ قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. الإعراب ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿الرُّسُلُ﴾: بدل منه، أو عطفُ بيانٍ، أو صفةٌ له ﴿فَضَّلْنَا﴾: فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ خبرُ المبتدأ، والجملةُ الإسميةُ مستأنفةٌ. ﴿بَعْضَهُمْ﴾: مفعولٌ به، ومضافٌ إليه. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ جارٌ ومجرورٌ متعلق بفَضَّلْنا. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ صلة الموصول، والعائدُ محذوفٌ:

стр. 1443

تقديره؛ كَلَّمهُ الله، والجملةُ من المبتدأ والخبر مستأنفةٌ استئنافًا بيانيًّا، أو في محل الرفع خبر ثانٍ لتلك الرسل. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾: الواو عاطفة. ﴿رفع﴾: فعلٌ ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بَعْضَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿دَرَجَاتٍ﴾: منصوبٌ بنزع الخافض؛ تقديره: في درجات، وجملة ﴿وَرَفَعَ﴾ معطوفةٌ على جملة ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. ﴿وَآتَيْنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفةٌ. ﴿آتينا﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطينا. ﴿عِيسَى﴾: مفعول أول ﴿ابْنَ﴾: صفةٌ له، وهو مضاف. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف: العلميةُ والتأنيث المعنوي. ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ على كونها مستأنفةً. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفةٌ. ﴿أيدناه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتيناه﴾، ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلِّق بأيَّدْنا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا اقْتَتَلَ﴾: ما: نافية. ﴿اقْتَتَلَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿لو﴾ هنا منفيٌ بما، فالفصيح أنْ لا يدخل عليه اللام كما في الآية، ويجوز في القليل أنْ تدخل عليه اللام فيقول: لو قام زيدٌ لَمَا قامَ عَمْرٌو، وجملة ﴿لو﴾ مِنْ فعلِ شرطها وجوابها مستأنفةٌ. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلقٌ بمحذوف وجوبًا لوقوعه صلة الموصول. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اقتَتَلَ﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية، و ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بالإضافة تقديره: مِنْ بعدِ مجيء البينات إيَّاهم. ﴿وَلَكِنِ

стр. 1444

اخْتَلَفُوا﴾: ﴿وَلَكِنِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لو﴾. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. ﴿فَمِنْهُمْ﴾: الفاء: عاطفةٌ تفصيليّة ﴿منهم﴾: جار ومجرور خبرٌ مقدَّمٌ. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة الاستدراك. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿منهم﴾: خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخَّر، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾، ﴿كَفَر﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لو﴾ حرف شرط. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾ فعل شرطها. ﴿مَا اقْتَتَلُوا﴾ جوابها، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الأولى مؤكِّدةٌ لها. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكنَّ﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يَفْعَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة خبر ﴿لكن﴾ وجملة ﴿لكن﴾ معطوفةٌ على جملة ﴿لو﴾ الثانية. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفةٌ لها، والعائد أو الرابط محذوفٌ؛ تقديره: ما يريده. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: يا: حرف نداء ﴿أيُّ﴾: منادى نكرةٌ مَقْصُودَةٌ ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أيُّ: من الإضافة ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع، أو في محل النصب صفة لأي. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، وجملة النداء مستأنفةٌ. ﴿أَنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور

стр. 1445

متعلق بأنفقوا. ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفةٌ لها، والعائد أو الرابط محذوفٌ؛ تقديره: رزقناكموه. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ جار ومجرور متعلق أيضًا بأنفقوا، وجاز تعلُّق حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافهما معنىً؛ فإِنَّ الأُولى: للتبعيض، والثانية: لابتداء الغاية. ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ فعل وفاعل، منصوب بأن، والجملة في تأويل مصدر مجرور بالإضافة؛ تقديره: مِنْ قبل إِتْيَانِ يومٍ. ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿بَيْعٌ﴾: اسمها. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾؛ تقديره: لا بيع موجودًا فيه، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع صفة ليوم تقديره: من قبل أن يأتي يوم موصوفٌ بعدم البيع فيه، وكذلك جملة قوله: ولا خلةٌ فيه، ولا شفاعةٌ فيه، في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ على كونها صفة ليوم تقديره: موصوف بعدم الخلة وبعدم الشفاعة فيه. ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فَصْلٍ، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبره والجملة مستأنفةٌ. التصريف ومفردات اللغة ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا﴾ التضعيف فيه للتعدية. ﴿دَرَجَاتٍ﴾: جمع درجةٍ، وهي: المنزلة الرفيعة. ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: جمع بَيِّنَة؛ وهي: المعجزة والحُجَّة. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: هو مِنَ التأييد بمعنى التَقْوِيَةُ، يُقال: أَيَّد الحقَّ - من باب فَعَّل المضعَّف - يؤيده تأييدًا إذا نَصَره وأظهره. ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ البيع معروف: وهو مقابلة مال بمال على وجه التمليك، والفعل منه: باع يبيع، وهو من الأجوف اليائي. ومَنْ قال: أَباعَ في معنى باع .. فقد أَخْطَأَ؛ لأنه لم يُسْمَع منهم. ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾: الخُلَّة: الصداقة والمودة، سُمِّيتْ بذلك لأنها تتخلل الأعضاء؛ أي: تدخل خِلالَها ومنه الخليل. قال الشاعر: وَكَانَ لَهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ ... يُسَارِقُ بِالطَّرْفِ الخِبَاءَ المُسَتَّرَا ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: من الشَّفْع بمعنى: الضم؛ لانضمام الشافع إلى آخرَ ناصرًا

стр. 1446

له، وسائلًا عونه، والشفاعة في اصطلاحهم: طلب الخير للغير من الغير. البلاغة ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾: وأشار بتلك التي للبعيد؛ لبُعْد ما بينهم من الأزمان، وبين النبي ﷺ ، أو بُعْد مرتبتهم في الكمال، وأتى بتلك التي للواحدة المؤنثة وإنْ كانَ المشار إليه جمعًا؛ لأنه جمع تكسير، وجمع التكسير حكمهُ حكمُ الواحدة المؤنثة في الوَصْفِ، وفي عود الضمير، وفي غير ذلك. وكان جمعَ تكسيرٍ هنا لاخْتِصَارِ اللفظِ، ولإزالةِ قلق التكرار؛ لأنه لو قال: أولئك المرسلون فضلنا .. كان في اللفظ طولٌ، وكان فيه التكرارُ. ﴿فَضَّلْنَا﴾: فيه التفات؛ لأنه خروج إلى متكلِّم من غائب؛ إذ قبله ذُكِر لفظُ الله، وهو لفظٌ غائبٌ. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: هذا تفصيل لذلك التفضيل، ويسمى هذا في البلاغة: التقسيم، وكذلك في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾. وبَيْن لفظِ ﴿آمَنَ﴾ و ﴿كَفَرَ﴾ طِباقٌ، وفي قوله: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أيضًا: التفات؛ إذ هو خروج إلى ظاهرٍ غائبٍ منْ ضميرٍ متكلمٍ؛ لِمَا في ذِكْر هذا الاسم العظيم من التفخيم والتعظيم، ولزوالِ قلق تكرار ضمير المتكلم؛ إذ كان التركيب فضَّلْنا وكلَّمنا ورَفَعْنَا وآتينا. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله، وإعلاء قدره ما لا يخفى؛ لما فيه من الشهادة على أنه العَلَمُ الَّذي لا يَشْتَبه، والمتميِّز الذي لا يَلْتَبِسُ. وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾: الإطنابُ حيث كَرَّر جملة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: فيه قصرُ الصفة على الموصوف، وقد أُكِّدتْ بالجملة الإسمية، وبضمير الفصل. والله أعلم * * *

стр. 1447

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾. المناسبة ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...﴾ الآيات، مناسبةُ (١) هذه الآيات لِمَا قبلها: أنَّه تعالى لَمَّا ذكر أنه فَضَّل بعض الأنبياء على بعضٍ، وأنَّ منهم من كلَّمه، وفسِّر بموسى ﵇، وأنه رفع بعضهم درجاتٍ، وفسِّر بمحمدٍ ﷺ ، ونصَّ على عيسى ﵇، وتفضيلُ المتبوعِ يُفهَمُ منه تفضيلُ التابعِ، وكانت اليهود والنصارى قد أحدثوا بعد نبيهم بدعًا، وخرافاتٍ في أديانهم وعقائدهم، ونسبوا الله تعالى إلى ما لا يجوز عليه، وكان رسول الله ﷺ بُعثَ إلى الناس كافَّةً، فكان منهم العرب، وكانوا قد اتخذوا من دون الله آلهةً، وأشركوا، فصار جميع الناس المبعوث إليهم ﷺ على غير استقامة في شَرائِعِهم وعقائدِهم، وذَكَر تعالى أنَّ ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وهم الواضعون الشيءَ في غير موضعه .. أتى بهذه الآية العظيمة الدالة على إفراد الله بالوحدانية المتضمَّنة بصفاته العليا من الحياة، والاستبداد بالملك، واستحالة كونه مَحَلًّا للحوادث، ومُلكِهِ لِمَا في السموات والأرض، وامتناع الشفاعة عنده إلا بإذنه، وسَعَة علمه، وعدم إحاطة أحد بشيءٍ من علمه، وباهر ما خلق من الكرسيِّ العظيم الاتساع، ووصفه

стр. 1448

بالمبالغة في العلو والعظمة، إلى سائر ما تَضَمَّنتْهُ من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، نبههم بها على العقيدة الصحيحة التي هي محض التوحيد، وعلى طرح ما سواها، وذَكَر أنه لا إكراه في الدين؛ فقد سطع نور الحق، وأشرق ضياؤه، فمَنَ تمسَّكَ به .. فقد استمسك بالعروة الوثقى، وذَكَر أنه وليُّ المؤمنين، وأن الكافرين لا وليَّ لهم إلا الطاغوت. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ...﴾ روى أبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس ﵄ قال: تكون المرأة مقلاةً، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولدٌ أنْ تُهوِّده، فلما أُجليتْ بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندعُ أبنائنا، فَأَنْزَلَ الله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ...﴾. وأخرج ابن جرير من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت آية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ في رجلٍ من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلمًا، فقال للنبي ﷺ : ألا أَسْتَكْرِههُما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله الآية. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ أخرج ابن جرير، عن عبدة، عن أبي لبابة في قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى، فلما جاءهم محمدٌ ﷺ .. آمنوا به، وأُنزلت فيم هذه الآية، وأخرج عن مجاهد قال: كان قومٌ آمنوا بعيسى، وقومٌ كفروا به، فلما بُعث محمدٌ ﷺ .. آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى، فأنزل الله هذه الآية. التفسير وأوجه القراءة ٢٥٥ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ومما ورد في فضل هذه الآية الكريمة: ما أخرجه مسلم عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر، أتدري أيَّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ قلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فضرب في صدري، وقال: "ليَهْنِكَ العلم يا أبا المنذر".

стр. 1449

وما أخرجه أبو داود عن واثلة بن الأسقع ﵁: أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أيّ آية في القرآن أعظم؟ فقال: رسول الله ﷺ : " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ". وما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قرأ حين يصبح آية الكرسي، وآيتين من أول: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ .. حُفظ يومه ذلك حتى يُمسي، ومن قرأها حين يمسي .. حُفظ ليلته تلك حتى يُصبح". وقال: حديث غريب. وما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لكلِّ شيءٍ سَنَام، وإن سَنَام القرآنِ البقرة، وفيها آيةٌ هي سيدة آيِ القرآن؛ آية الكرسي" والمراد منه: تعظيمُ هذه السورة. وقوله هي سيدة آي القرآن؛ أي: أفضله. وقال العلماء (١): إنما تميَّزتْ آيةُ الكرسيِّ؛ بكونها أعظمَ آية في القرآن؛ لِمَا جَمعتْ من أصول الأسماء والصفات، من الإلهية، والوحدانية، والحياة، والعلم، والقيومية، والملك، والقدرة، والإرادة، فهذه أصول الأسماء والصفات؛ وذلك لأن الله تعالى أعظم مذكور، فما كان ذاكرًا له من توحيد وتعظيم .. كان أعظم الأذكار. وفي هذه الأحاديث حُجَّة لمن يقول: بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وتفضيله على سائر كتب الله المنزلة. وقالوا أيضًا: معنى أن هذه الآية - أو هذه السورة - أعظمُ، أو أفضلُ هو: أنَّ الثواب المتعلق بها أكثر، وهذا هو المختار. ومعنى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: الإله الذي يستحق منكم العبادة .. مُخبَرٌ عنه بكونه لا معبودَ بحق في الوجود إلا هو ، فجملة ﴿لا﴾ في محل الرفع خبرُ المبتدأ؛ نفى (٢) الإلهية عن كل ما سواه، وأثبتَ الإلهية له

стр. 1450

سبحانه وتعالى، فهو كقولك: لا كريم إلا زيدٌ، فإنه أبلغ من قولك: زيدٌ كريمٌ. ﴿الْحَيُّ﴾؛ أي: الباقي على الأبد، الدائم بلا زوال، الذي لا سبيل إليه للموت والفناء، والحيُّ في صفة الله تعالى: هو الذي لم يزل موجودًا، وبالحياة موصوفًا، لم تحدثْ له الحياة بعد موتٍ، ولا يعتريه الموت بعد حياة، وسائر الأحياء سواه يعتريهم الموت والعدم، فكل شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ . ﴿الْقَيُّومُ﴾؛ أي: القائم (١) على كُلِّ نفسٍ بما كسبت. وقيل: القائم بذاته، المقيم لغيره. وقال مجاهد (٢): القيوم: القائم على كلِّ شيءٍ؛ أي: القائم بتدبير خلقه في إيجادهم، وإرزاقهم، وجميع ما يحتاجون إليه. وقيل: هو القائم الدائم بلا زوال، الموجود الذي يمتنع عليه التغيير. وقرأ الجمهور (٣): ﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فيعول، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وعلقمة والنَّخَعِيُّ والأعمش شذوذًا ﴿القَيَّام﴾ بالألف، ورُوي ذلك عن عمر، وقرأ علقمة شذوذًا أيضًا ﴿القَيِّمِ﴾ كما تقول: دَيِّرْ ودَيَّار، ولا خلافَ بين أهل اللغة: أن القَيُّوم أعرف عند العرب، وأصحُّ بناءً، وأثبت عِلَّةً. وقال أمية: لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ وَالنُّجُومُ ... وَالشَّمْسُ مَعْهَا قَمَرٌ يَعُومُ قَدَّرَهَا الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّوْمُ ... وَالْحَشْرُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّعِيمُ إِلَّا لَأمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيْمُ ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾؛ أي: لا تعتريه. ﴿سِنَةٌ﴾؛ أي: نعاسٌ. ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ ثقيلٌ فيشغلَه عن تدبير خلقه وأمره؛ أَيْ: لا يأخذه نعاسٌ فضلًا عن أن يأخذه نوم؛ لأن النوم والسهو والغفلة محالٌ على الله تعالى؛ لأن هذه الأشياء عبارة عن عدم العلم، وذلك نقص وآفة، والله تعالى منزَّهٌ عن النقص والآفات، وأن ذلك تَغَيُّر، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن التغيُّر.

стр. 1451

وفي "الجمل" (١) قوله: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ رتَّبَهما بترتيب وجودهما؛ إذ وجود السِّنَة سابق على وجود النوم، فهو على حدٍّ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها؛ قصدًا إلى الإحاطة والإحصاء. والمعنى: أنه تعالى لا يغفل عن دقيق، ولا عن جليلٍ. عَبَّر بذلك عن الغفلة؛ لأنه سببها فأطلق اسم السبب على المسبِّب. والسِّنةُ: ما يتقدَّم النومَ من الفتور مع بقاء الشعور، وهو المسمَّى: بالنعاس. والنومُ: حالةٌ تعرض بسبب استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبة الأبخرة المتصاعدة، فتمنع الحواس الظاهرة من الإحساس رأسًا، ويمكن إيقاظ صاحبه. وقيل: النوم مزيل للقوة والعقل، وأمَّا السِّنة: ففي الرأس، والنعاس: في العين وقيل: السِّنةُ هي: النعاس. وقيل السِّنةُ: ريح النوم تبدو في الوجه، ثم تنبعث إلى القلب، فينعس الإنسان فينام. انتهى. وقال الشوكاني (٢): وإذا ورد على القلب والعين دفعةً واحدة، فإنه يقال له: نوم، ولا يقال له: سِنة، فلا يستلزم نفيُ السِّنة نفيَ النوم، وقد ورد عن العرب نفيُهما جميعًا، ومنه قول زهير: لاَ سِنَةٌ طِوَالِ اللَّيْلِ تَأْخُذُهُ ... وَلاَ يَنَامُ وَلاَ فِي أَمْرِهِ فَنَدُ فلم يكتفِ بنفي السِّنةِ. وأيضًا فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السِّنة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم؛ فقد يأخذه النومُ، ولا تأخذه السِّنة. فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السِّنة .. لم يُفِدْ ذلك نفيَ النوم، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم .. لم يُفِدْ نفيَ السِّنة، فكم من ذي سِنة غير نائم، وكُرِّرَ حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما. انتهى. وأخرج مسلم عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بخمس كلماتٍ فقال: "إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي

стр. 1452

له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور - وفي رواية: النار - لو كشفه .. لأحرقتْ سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". ﴿لَهُ﴾ ، لا لغيره جميعُ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ السبع من الملائكة ﴿و﴾ جميع ﴿ما في الأرض﴾ من الخلق مَلِكًا ومُلْكًا. ذكر ما فيهما دونهما للردِّ على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء، والأصنام التي في الأرض؛ أي: فلا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها مملوكةٌ لله، مخلوقةٌ له. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾؛ أي؛ لا يشفع عنده أحدٌ من أهل السموات والأرض يومَ القيامة. ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، أي: إلا بأمره وإرادته تعالى، وهذا ردٌّ على المشركين؛ حيث زعموا أن الأصنام تشفع لهم، فإنه تعالى لا يأذن لأحدٍ في الشفاعة إلا للمطيعين، وهو ما استثناه بقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يريد بذلك: شفاعة النبي ﷺ ، وشفاعة بعض الأنبياء والملائكة، وشفاعة المؤمنين بعضهم بعضًا. وفي هذا (١) الاستفهام من الإنكار على مَنْ يزعم: أنَّ أحدًا من عباده يَقْدِر على أن ينفع أحدًا منهم بشفاعة أو غيرها، ومن التقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدَّفْع في صدور عُبَّادِ القبور، والصَّد في وجوهم، والفَتِّ في أَعْضَادِهِم ما لا يرتاد قدرهُ، ولا يبلغْ مَدَاه. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضميران لـ ﴿﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، بتغليب العقلاء على غيرهم؛ أي: يعلم ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ما هو حاضرٌ مشاهَدٌ لهم، وهو: الدنيا وما فيها. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: قُدَّامهم، وهو: الآخرة وما فيها. وقيل: بعكسه؛ لأنهم يُقْدِمون على الآخرة، ويُخَلِّفون الدنيا وراء ظهورهم. وقيل: يعلم ما كان قبلهم، وما كان بعدهم. وقيل: يعلم ما قَدَّموه بين أَيديهم من خيرٍ أو شرٍّ، وما خَلْفَهم مما هم فاعلوه. والمقصود من هذا: أنه عالمٌ بجميع المعلومات، لا يخفى عليه شيءٌ من أحوال جميع خلقه، وكَنَّى بهاتين الجهتين عن سائر

стр. 1453

جهات من أحاط علمه به. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: لا يعلمون شيئًا قليلًا من معلوماته. ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ الله أن يُعْلِمَهم بها؛ أي: إنَّ أحدًا لا يحيط بمعلومات الله تعالى إلا ما شاء هو أن يُعْلِمَهم، أو المعنى: إنهم لا يعلمون الغيب إلا عند اطلاع الله بعض أنبيائه على بعض المغيبات؛ ليكون ما يُطلِعهم عليه من علمٍ غَيَّبَهُ دليلًا على نبوتهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ : ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أحاط كرسيُّه، واشتمل عليهما لعظمته. وأصل (١) الكرسيِّ في اللغة: مِنْ تركب الشيء بعضه على بعضٍ، ومنه: الكُرَّاسة؛ لتركُّب بعض أوراقها على بعضٍ، والكرسيُّ في العُرْف: اسم لما يُقعد عليه، سُمِّيَ به لتركُّب خشباته بعضها على بعض. واختلفوا في المراد بالكرسيِّ هنا على أربعة أقوالٍ: أحدها: أنَّ الكرسيَّ: هو العرش. والقول الثاني: أن الكرسيَّ: غير العرش، وهو أمامه، وهو فوق السموات ودون العرش، فهو جسم عظيم تحت العرش، وفوق السماء السابعة، وهو أوسع من السموات والأرض. وقال ابن كثير: والصحيح: أن الكرسيَّ غيرُ العرش، والعرش أكبر منه، كما دلَّتْ على ذلك الآثار والأخبار. والقول الثالث: أنَّ الكرسي: هو الاسم الأعظم؛ لأن العلم يعتمد عليه، كما أن الكرسيَّ يُعتمد عليه. والقول الرابع: المراد بالكرسيِّ: المُلْك والسلطان والقدرة؛ لأن الكرسيَّ موضع السلطان، فلا يَبْعد أن يُكنى عن الملك بالكرسيِّ على سبيل المجاز. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾؛ أي لا يُثقله، ولا يُجهده، ولا يُتعبه، ولا يَشق عليه ﴿حِفْظُهُمَا﴾؛ أي: حفظ السموات والأرض، فحَذَفَ الفاعلَ، وأضاف المصدرَ

стр. 1454

إلى المفعول ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَلِيُّ﴾؛ أي: الرفيع فوق خلقه، الذي ليس فوقه شيءٌ فيما يجب له أن يوصف به، من صفات الجلال والكمال، فهو العليُّ بالإطلاق، المتعالي عن الأشباه والأنداد والأضداد ﴿الْعَظِيمُ﴾؛ أي: ذو العظمة والكبرياء، الذي لا شيء أعظم منه، أو الذي يستحقر كلَّ ما سواه بالنسبة إليه، فهو تعالى أعلى وأعظم من كلِّ شيء. ومن فضائلها أيضًا: أنه رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما قُرِئتْ هذه الآيةُ في دارٍ .. إلا هَجرتها الشياطينُ ثلاثين يومًا، ولا يدخُلُها ساحرٌ ولا ساحرة أربعينَ ليلةً". وعن عليٍّ ﵁ أنه قال: سمعتُ نبيَّكم على أعواد المنبر وهو يقول: "مَنْ قرأ آية الكرسي في دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ .. لم يمنعْهُ من دخول الجنة إلا الموت"؛ أي: فإذا مات دخل الجنة، ولا يواظب عليها إلا صِدِّيقٌ أو عابدٌ، ومَنْ قرأها إذا أخذ مَضجِعه .. أُمِنَهُ على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات ٢٥٦ - التي حوله. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لا إجبار على الدخول في دين الإِسلام؛ إذ الإكراهُ في الحقيقة: إِلْزَامُ الغيرِ فِعْلًا لا يَرى فيه خيرًا يَحْمِلُه عليه ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾؛ أي؛ قد تَميَّز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة؛ بكثرة الدلائل، والبراهين الساطعة. وقُرىء بسكون الشين، وبضمها، وبفتح الراء والشين، وكله عدا قراءة الجمهور شاذ، وقُرىء كذلك وبألف بعد الشين، وقُرىء بإدغام دال ﴿قَد﴾ في تاء ﴿تَبَيَّنَ﴾ لجميع القراء في المتواتر، وقُرىء بإظهارها شاذًا. وقال الشوكاني (١): وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوالٍ: الأول: أنها منسوخةٌ؛ لأن رسول الله ﷺ قد أكره العرب على دين الإِسلام، وقاتلهم، ولم يرضَ منهم إلا الإِسلام، والناسخُ لها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا

стр. 1455

الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾، وقد ذهب إلى هذا كثيرٌ من المفسرين. القول الثاني: أنها ليست بمنسوخةٍ، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصةً، وأنهم لا يُكْرَهُون على الإِسلام إذا أَدَّوا الجِزْية، بل الذين يكرهون هم: أهلُ الأوثان، فلا يُقبل منهم إلا الإِسلام، أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاكُ. القول الثالث: أن هذه الآية في الأنصار خاصةً، كما سبق لك بيان ما ورد في ذلك. القول الرابع: أن معناها لِمَن أسلمَ تحت السيف؛ أنَّه مكرهٌ، فلا إكراه في الدين، إلى غير ذلك من الأقوال. والذي ينبغي اعتماده، ويتعيَّن الوقوف عنده: أنها في السَّبَبِ الذي نَزَلتْ لأجله، مُحْكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ؛ وهو أن المرأة من الأنصار كانت مقلاةً، لا يكاد يعيش لها ولدٌ إلى آخر ما سبق ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾؛ أي: بالشيطان، أو الأصنام، أو بكلِّ ما عُبد من دون الله ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: ويُصدِّق بالله أنه ربه، ومعبودُه من دون كلِّ شيءٍ كان يعبده، وفيه: إشارةٌ إلى أنه لا بد للكافر أن يتوب أولًا عن الكفر، ويستبرأ منه، ثُمَّ يؤمنَ بعد ذلك بالله، فمَنْ فعل ذلك .. صحَّ إيمانه، وناسب ذلك أيضًا اتصاله بلفظ الغيِّ، ولم يَكْتَفِ بالجملة الأُوْلَى؛ لأنها لا تستلزم الجملة الثانية؛ إذ قد يَرْفُض عبادتَها، ولا يؤمن بالله، لكنَّ الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾؛ أي: تَمَسَّكَ ﴿بِالْعُرْوَةِ﴾؛ أي: بالعقدة ﴿الْوُثْقَى﴾؛ أي: المحكمة ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾؛ أي: لا انقطاع لتلك العروة حتى تُوصله إلى الجنة؛ أي: فقد أخذ بالحبل الوثيق، الشديد المحكم المأمون، الذي لا انقطاع له؛ أي: فقد أَخَذ بالثقة بـ ﴿لا إله إلا الله﴾ التي لا انقطاع لصاحبها عن نعيم الجنة، ولا زوال عن الجنة، ولا هلاكَ بالبقاء في النار. وهذا تمثيلٌ للمعلوم بالنظر والاستدلال بالشاهد المحسوس حتى يَتَصَوَّره السامع كأنَّه ينظرُ إليه بعينه، فيُحْكِمُ اعتقاده. والمعنى: فقد عَقَد لنفسه من الدين

стр. 1456

عِقدًا وثيقًا لا تَحُلُّه شُبْهةٌ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ قول من يتكلم بالشهادتين وقول من يتكلم بالكفر ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث، أو يقال: والله سميعٌ لدعائك يا محمَّد، عليمٌ بحرصك على إسلام أهل الكتاب؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ كان يحِبُّ إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سِرًّا وَعلَانِيَةً. ٢٥٧ - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الذين أرادوا أن يؤمنوا؛ أي: ناصِرُهم، ومعينُهم، ومحبُّهم، ومتولي أمورهم، وهِدَايتهم؛ كعبد الله بن سَلَام وأصحابه ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بلطفه وتوفيقه ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: من ظلمات الكفر والضلالة، واتباع الهوى، وقبول الوساوس والشُّبه المؤدية إلى الكفر. وجُمِعَتْ ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ لاختلاف أنواع الضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: إلى نور الإيمان والهداية، ووُحِّد النور؛ لأن الإيمان واحدٌ لا يتنوع. وقال الواقدي (١): كلُّ شيءٍ في القرآن من الظلمات والنور .. فإنه أراد به: الكفر والإيمان، غير التي في الأنعام، وهو: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ فإنه أراد به: الليل والنهار. وقال الواسطي: يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها؛ كالرضا والصدق والتوكل والمعرفة والمحبة. وقال أبو عثمان: يُخرجهم من ظلمات الوَحْشة والفرقة إلى نور الوصلة والإلفة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: والذين صَمَّموا على الكفر أمرَهُم، ككعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾؛ أي: ولاة أمورهم. ﴿الطَّاغُوتُ﴾؛ أي: الشياطين، وسائر المضلين عن طريق الحق. وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿الطواغيت﴾ بالجمع. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالوساوس وغيرِها من طرق الإضلال، وأتى بضمير الجمع؛ لأن الطاغوت في معنى الجمع. ﴿مِنَ النُّورِ﴾ الفطري؛ أي: الذي جُبل

стр. 1457

عليه الناس كافةً، أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبي ﷺ . ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: إلى ظلمات الكفر، والانهماك في الضلال والشهوات، أو إلى ظلمات الشكوك والشبهات. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون من الطَّاغوت والكفار ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملَابِسُوها ومُلازِمُوها. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها أبدًا لا يموتون، ولا يخرجون بسبب مَا لَهُم من الجرائم. الإعراب ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوفٌ جوازًا تقديره: موجودٌ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغٌ. ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المُنَزَّه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾ تقديره: لا إله موجودٌ هو إلا هو، وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مِنَ المبتدأ والخبر مستأنفةٌ استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿الْحَيُّ﴾: صفةٌ أولى للمبتدأ الذي هو الله، مرفوعٌ. ﴿الْقَيُّومُ﴾: صفةٌ ثانية له، وقيل (١): مرفوع على أنه خبر بعد خبر، أو على أنه بدل من ﴿هُوَ﴾، أو من ﴿اللَّهُ﴾، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو، أو على أنه مبتدأ، والخبر: لا تأخذه. وأجود هذه الأوجه أولُها؛ أي: جعله صفة للمبتدأ، ويدل عليه قراءة من قرأ: ﴿الحيَّ القيوم﴾ بالنصب، فقطع على إضمار أمدح، فلو لم يكن وصفًا .. ما جاز فيه القطع، ولا يقال في هذا الوجه: الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر؛ لأن ذلك جائز حسن، تقول: زيدٌ قائمٌ العاقلُ. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. ﴿لَا﴾: نافيةٌ ﴿تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ ﴿الواو﴾:

стр. 1458

عاطفة. ﴿لا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد نفي ما قبلها ﴿نَوْمٌ﴾: معطوف على ﴿سِنَةٌ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ويجوز (١) أن تكون خبرًا آخر للفظ الجلالة، أو خبرًا لـ ﴿الْحَيُّ﴾، ويجوز أن تكون حالًا من الضمير المستتر في القيوم؛ أي: يقوم بأمر الخلق غير غافل. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو في محل الرفع خبر بعد خبر للفظ الجلالة. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. ﴿مَنْ ذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل الرفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبر له، والجملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿يَشْفَعُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَشْفَعُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَشْفَعُ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به؛ لأن عَلِم هنا بمعنى عَرَف. ﴿بَيْنَ﴾: منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، وهو مضاف. ﴿أيدي﴾: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدَّرة، وهو مضاف، والضمير مضاف إليه ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: معطوف على ﴿مَا﴾ الأولى. ﴿خَلْفَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لا﴾: نافية

стр. 1459

﴿يُحِيطُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِشَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُحِيطُونَ﴾. ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لشيءٍ؛ أي: بشيء كائن من معلوماته. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُحِيطُونَ﴾، ولا يضر (١) تعلُّق هذين الحرفين المتحدين لفظًا ومعنىً بعامل واحد؛ لأن الثاني ومجرورَه بدل من ﴿شيءٍ﴾ بإعادة العامل بطريق الاستثناء؛ كقولك: ما مررت بأحد إلا بزيد. ﴿شَاءَ﴾ فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد - أو الرابط - محذوف تقديره: إلا بما شاء. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مفعول به ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَئُودُهُ﴾: فعل ومفعول. ﴿حِفْظُهُمَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَسِعَ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ﴾: خبر أول. ﴿الْعَظِيمُ﴾: خبر ثانٍ، أو صفة لـ ﴿العلي﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿إِكْرَاهَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿فِي الدِّينِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: لا إكراه كائن في الدين، والجملة مستأنفة ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾: فعل وفاعل ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبَيَّنَ﴾؛ لأنه بمعنى تميَّز، والجملة في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ لأن هذه الجملة (٢) كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين، ولا موضع لها من

стр. 1460

الإعراب. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ ﴿فمن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدَّر تقديره: إذا عرفتَ أنه لا إكراه في الدين، وأردت بيان حكم مَنْ كفر بالطاغوت .. فأقول لك: (من): اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿بِالطَّاغُوتِ﴾ متعلق بـ ﴿يَكْفُرْ﴾ ﴿وَيُؤْمِنْ﴾: معطوف على ﴿يَكْفُرْ﴾ مجزومٌ بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يؤمن﴾. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿فَقَدِ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ وجوبًا؛ لاقترانه بقد. ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿اسْتَمْسَكَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا له، وفاعله: ضمير يعود على ﴿من﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدَّرة مستأنفة. ﴿بِالْعُرْوَةِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَمْسَكَ﴾ ﴿الْوُثْقَى﴾: صفة للعروة. ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ لا: نافية. ﴿انْفِصَامَ﴾: في محل النصب اسمها ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾ تقديره: لا انفصام كائن لها، وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب حال من ﴿العروة﴾، والعامل فيها ﴿اسْتَمْسَكَ﴾، أو حال (١) من الضمير المستتر في ﴿الْوُثْقَى﴾، أو مستأنفة مُقرِّرةٌ لِمَا قبلها مِنْ وَثَاقة العروة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، والجملة خبر (٢) بعد

стр. 1461

خبر، أو حال من المستكن في الخبر، أو من الموصول، أو منهما، أو استئناف مبيَّن ومُقرِّرٌ للولاية. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: كلاهما متعلق بـ ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الذين﴾: مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾: مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه. ﴿الطَّاغُوتُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره معطوفة على جملة قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، أو حال (١) من الطاغوت، والعامل فيه معنى الطاغوت؛ لأنه بمعنى المضلِّين، وهو نظير ما قاله أبو علي من نصب: ﴿نَزَّاعَةً﴾ على الحال، والعامل فيها ﴿لظى﴾. ﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾: وهو خبر المبتدأ والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿الْحَيُّ﴾: عينه ولامه ياءان؛ لأنه من: حَيِيَ بياءين، يحيا - من باب رضي - فهو حيٌّ. ﴿الْقَيُّومُ﴾: على وزن فيعول؛ لأنه مِن قام بالأمر يقوم به إذا دَبَّره، وأصله: قيووم، اجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأُدغمت الياء فيها، فصار قيومًا. ﴿سِنَةٌ﴾: أصله وَسْنة؛ لأنه من: وسن يسن، من باب: وعد يعد، فلما حُذفت الواو في المضارع حذفت في المصدر.

стр. 1462

﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾: العلم هنا: مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: من معلوماته؛ كالخلق بمعنى: المخلوق، واللفظ بمعنى: الملفوظ. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: في "المصباح": آده يؤده أودًا من باب: قال، فـ: انآد بوزن انفعل؛ أي: ثقل به، وآده أودًا إذا عطفه وحَنَاه. اهـ. ﴿الْعَلِيُّ﴾ هو فعيل؛ لأن أصله عليو؛ لأنه من: علا يعلو، اجتمعت الواو والياء وسُبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، فأدغمت الياء فيها، فصار عليًّا. ﴿بِالطَّاغُوتِ﴾ والطاغوت (١): بناء مبالغة؛ كالجبروت والملكوت، واختُلِفَ فيه فقيل: هو مصدر في الأصل، فلذلك يؤنث ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان، وهذا مذهب الفارسي، وقيل: هو اسم جنس مفرد، فلذلك لزم الإفراد والتذكير، وهذا مذهب سيبويه، وقيل: هو جمع، وقد يؤنث بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾، واشتقاقه من: طغى يطغى، كسعى يسعى، أو من: طغا يطغو على حسب ما فيه من الخلاف: هل هو من ذوات الواو، أو من ذوات الياء؟ وعلى كلا التقديرين فأصله: طَغْيُوتْ، أو طَغْوُوت؛ لقولهم: طغيان، فقلبت الكلمة: بأن قُدمت اللام وأُخرت العين، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله، فقلبت ألفًا، فوزنه الآن: فلعوت، وقيل: تاؤه ليست زائدة، وإنما هي بدل من لام الكلمة، فوزنه: فاعول. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: العروة في الأصل: موضع شد اليد، وأصل المادة تدل على التعلق، ومنه: عروته إذا ألممت به متعلقًا به، واعتراه الهمُّ إذا تعلق به. و ﴿الْوُثْقَى﴾: على وزن فعلى للتفضيل، تأنيث الأوثق؛ كفضلى تأنيث الأفضل، وجمعها على: وُثَقَ؛ ككبرى وكُبَر، وأما وُثُق بضمتين: فجمع وثيقَ. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الولي: فعيل بمعنى فاعل، وهو الناصر.

стр. 1463

البلاغة ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: وتقديم السّنة على النوم يفيد المبالغة من حيث إن نفى السّنة يدل على نفى النوم، ففي ذكره ثانيًا صريحًا إفادة المبالغة؛ أي: لا تأخذه سنَة فضلًا عن أن يأخذه نوم، وكُررت ﴿لَا﴾ تأكيدًا، وفائدتها: انتفاء كل واحد منهما على حِدَتِه؛ إذ لو أُسقطت ﴿لَا﴾ .. لاحْتُمل انتفاؤهما بقيد الاجتماع. تقول: ما قام زيد وعمرو، بل أحدهما، ولا يقال: ما قام زيد ولا عمرو، بل أحدهما. ﴿اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: هذا الكلام: إما من (١) باب الاستعارة التمثيلية، مبني على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم، وإما من باب الاستعارة المفردة؛ حيث استعيرت العروة الوثقى للاعتقاد الحق. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: فيه استعارة تصريحية؛ حيث شبَّه الكفر بالظلمات والإيمان بالنور. قال في "تلخيص البيان": وذلك من (٢) أحسن التشبيهات؛ لأن الكفر كالظلمة يتسكع فيها الخابط، ويضل فيها المقاصد، والإيمان كالنور الذي يَؤُمه الجائر، ويهتدي به الحائر، وعاقبة الإيمان مضيئة بالنعيم والثواب، وعاقبة الكفر مظلمة بالجحيم والعذاب. وقال أبو حيان (٣): وذكروا في هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة، وعلم البيان: منها: في آية الكرسي حسن الافتتاح؛ لأنها افْتُتحِتْ بأجلِّ أسماء الله تعالى، وتكرار اسمه في ثمانية عشر موضعًا، وتكرير الصفات، والقطع للجمل بعضها عن بعض، ولم يصلها بحرف العطف. ومنها: الطباق في قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ فإن النوم

стр. 1464

موت وغفلة، و ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ يناقضه، وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ﴾. ومنها: التشبيه في قراءة من قرأ شذوذًا: ﴿وسْعُ كرسيهِ السمواتُ والأرضُ﴾ بسكون السين وضم العين، والسموات والأرض بالرفع: مبتدأ وخبر؛ أي: كوسع كرسيه، فإن كان الكرسي جُرْمًا: فتشبيه محسوس بمحسوس، أو معنىً: فتشبيه معقول بمحسوس. ومنها: معدول الخطاب في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إذا كان المعنى لا تُكرهوا على الدين أحدًا. ومنها: الطباق في قوله أيضًا: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ وفي قوله: ﴿آمَنُوا﴾ و ﴿كَفَرُوا﴾ وفي قوله: ﴿الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ومنها: التكرار في الإخراج لتباين تعليقهما. ومنها: التأكيد بالمضمر في قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ انتهى. والله أعلم * * *

стр. 1465

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه تعالى لَمَّا أخبر أنه ولي الذين آمنوا، وأخبر أن الكفار أولياؤهم الطاغوت .. ذكر هذه القصة التي جَرَتْ بين إبراهيم والذي حاجه، وأنه نَاظَر ذلك الكافر فغلبه وقطعه؛ إذ كان الله وليَّه، وانقطع ذلك الكافر وبهت؛ إذ كان وليه هو الطاغوت. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فصارت هذه القصة مثلًا للمؤمن والكافر اللذين تقدم ذكرهما. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ...﴾ وهذا إخبار من الله تعالى بأن الظالم لا يهديه، وظاهره العموم، ومناسبة (٢) هذه الآية بهذا الإخبار ظاهرة؛ لأنه ذكر حال مدع شركة الله في الإحياء والإماتة، مُموِّهًا بما فعله أنه إحياء

стр. 1466

وإماتة، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك، فأخبر الله تعالى: أن من كان بهذه الصفة من الظلم، لا يهديه الله إلى اتباع الحق، ومثل هذا محتوم عليه عدم الهداية، مختوم له بالكفر. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها في غاية الظهور؛ إذ كلاهما أتى بها دلالة على البعث المنسوب إلى الله تعالى في قول إبراهيم لنمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ لكن المار على القرية أراه الله ذلك في نفسه، وفي حماره وإبراهيم ﵇ أراه ذلك في غيره وقُدِّمت آية المار على آية إبراهيم ﵇، وإنْ كان إبراهيم ﵇ مقدَّمًا في الزمان على المار؛ لأنه تعجب من الإحياء بعد الموت وإنْ كان تعجب اعتبار فأشبهَ الإنكار، وإنْ لم يكن إنكارًا .. فكان أقرب إلى قصة النمروذ وإبراهيم ﵇. وأما إن كان المار كافرًا: فظهرت المناسبة أقوى ظهور، وأما قصة لُبَّة - أي شدة سؤاله - إبراهيم ﵇ فهي سؤال لإرائه كيفية الإحياء؛ ليشاهد عيانًا ما كان يعلمه بالقلب، وأخبر به نمروذ. التفسير وأوجه القراءة ٢٥٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾؛ أي: هل (٢) انتهى إليك يا محمَّد خبر الذي خاصم إبراهيم في ربه وجادله؛ لأن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، فالهمزة لإنكار النفي، ولتقرير المنفي، أي: هل انتهى إليك يا محمَّد خبر هذا الطاغوت كيف تصدَّى لإضلال الناس، وإخراجهم من النور إلى الظلمات الذي حاج، وخاصم إبراهيم ﵇ في معارضة ربوبية ربه؟ والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ يرجع إلى ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أو إلى ﴿الَّذِي حَاجَّ﴾ فهو ربهما. وقرأ علي بن أبي طالب شذوذًا: ﴿ألم تَرْ﴾ بسكون الراء، وهو من إجراء

стр. 1467

الوصل مجرى الوقف، وهذا استشهاد (١) على ما ذُكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وتقرير له؛ كما أن ما بعده وهو قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ استشهاد على ولاية الله للمؤمنين، وتقرير لها. وإنما بدأ بهذا؛ لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله، ولأن فيما بعده تعدد، أو تفصيلًا. والذي حاج إبراهيم ﵇ هو: نمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ﵇، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض، وادَّعى الربوبية، ملك زمانه، وصاحب النار والعوضة، وكان ابن زنا، وهو أول من صَلَب، وقطع الأيدي والأرجل. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: طغى، وادَّعى الربوبية، فحاج إبراهيم ﵇؛ لأنْ أعطاه الله الملك؛ أي: إنَّ إِيتَاءَ المُلْك له حَمَلَه على البطر، وأورثه الكِبْر والعتو، فحاج لذلك. وقال الزمخشري (٢): فإن قلتَ: كيف جاز أن يؤتي الله المُلْك الكافرَ؟ قلتُ: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط، من المال والخدم والاتباع، وأما التغليب والتسليط: فلا، وقيل: مَلَّكه امتحانًا لعباده. انتهى. وقال مجاهد (٣): مَلَك الأرض أربعة؛ مؤمنان وكافران، فأما المؤمنان: فسليمان بن داود، وذو القرنين. وأما الكافران: فنُمروذ، وبختنصرُ. واختلفوا في وقت هذه المحاجة. فقيل: لما كَسَر إبراهيم الأصنام سجنه نمروذ، ثم أخرجه ليحرقه فقال له: مَنْ ربك الذي تدعونا إليه؟ قال إبراهيم: الذي يحيي ويميت. وقيل: كان هذا بعد إلقائه في النار، وخروجه منها سالمًا. وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكان الناس يمتارون من عنده، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام .. سأله: مَن ربك؟ فإن قال: أنت، باع منه الطعام. فأتاه إبراهيم، فقال له: مَنْ

стр. 1468

ربك؟ فقال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت؛ كما ذكره تعالى بقوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بفتح ياء ربي. وقرأ حمزة بسكونها، وقرىء شذوذًا بحذفا. و ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿حَاجَّ﴾؛ أي: ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وفيه إشارة إلى أنه هو الذي أوجد الكافر، ويحيه ويميته؛ كأنه قال: ربي الذي يحيي ويميت، هو متصرف فيك وفي أشباهك، بما لا تقدر عليه أنت ولا أشباهك، من هذين الوصفين العظيمين المشاهدين للعالم، اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء، ولا طب الأطباء، وفيه إشارة أيضًا إلى المبدأ والمعاد. واختار إبراهيم من آيات الله الإحياء والإماتة؛ لأنهما أبدع آيات الله، وأشدها وأدلها على تمكُّن القدرة. ﴿قَالَ﴾ نمروذ اللعين ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ قرَأَ جمهورُ القُرَّاء (١): ﴿أَنَا أُحْيِي﴾ بطرح الألفِ التي بعد النون من ﴿أَنَا﴾ في الوصل، وأثبتها نافع وابن أبي أويس. أراد (٢) إبراهيم ﵇ أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر أن يعفو عن القتل، فيكون ذلك إحياءً، وعلى أن يقتل، فيكون ذلك إماتة. فكان هذا جوابًا أحمق، لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم؛ لأنه أراد غير ما أراده الكافر. فلو قال له: ربُّهُ الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر بادئ بدء، وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسًا لخناقه وإرسالًا لعنان المناظرة. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ له ائتني ببيان ذلك، فدعا نمروذ برجلين من السِّجْنِ، فقتل أحدهما، وترك الآخر، قال: هذا بيان ذلك. قال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾، أي: يطلعها كل يوم من المشرق ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾؛ أي: فأطلعْها ولو يومًا واحدًا من المغرب إنْ كنت صادقًا فيما تدعيه من الربوبية، قال له ذلك؛ لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. وكانوا أهل تنجيم (٣). وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم. والحركة

стр. 1469

الشرقية المحسوسة لنا قسرية؛ كتحريك الماء النملَ على الرحى إلى غير جهة حركة النمل، فقال: إن ربي يحرك الشمس قسرًا على غير حركتها، فإن كنت ربًّا فحرِّكْها بحركتها فهو أهون ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾؛ أي: تحير نمروذ وسكت بغير حجة، فبقي مغلوبًا لا يجد للحجة مقالًا، ولا للمسألة جوابًا، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ إشعارًا بأن تلك المحاجة كُفْر. قراءة الجمهور (١): ﴿فبُهت﴾ مبنيًّا للمفعول، والفاعل المحذوف إبراهيم؛ إذ هو المناظِر له، فلما أتى بالحجة .. بهته بذلك وحيره وغلبه. ويحتمل أن يكون الفاعل المحذوف المصدرَ المفهوم من ﴿قَالَ﴾؛ أي: فحيره قول إبراهيم وبهته. وقرأ ابن السميفع شذوذًا: ﴿فبَهت﴾ بفتح الباء والهاء، والظاهر أنه متعدٍّ كقراءة الجمهور مبنيًّا للمفعول؛ أي: فبهَتَ إبراهيمُ الذي كفر، فـ ﴿الَّذِي﴾ في موضع نصب، وقيل المعنى: فبهَتَ الكافرُ إبراهيمَ، أي: سَبَّ وقذف إبراهيم حين انقطعت الحجة، ولم تكن له حيلة. ويحتمل أن يكون لازمًا، ويكون الذي كفر فاعلًا، والمعنى فبهت؛ أي: أتى بالبهتان وقرأ أبو حيوة شذوذًا: ﴿فبَهُت﴾ بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في بَهِت بكسر الهاء، وقرىء شذوذًا أيضًا فيما حكاه الأخفش ﴿فبهِت﴾ بكسر الهاء. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر إلى طريق الحجة؛ أي: لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة والبرهان. بخلاف أولياؤه المتقين. قيل وعنى بالظالمين: نمروذ، ولكن الظاهر العموم، والذي يظهر أن هذا إخبار من الله بأن من حَكَم عليه وقضى بأن يكون ظالمًا، أي: كافرًا، وقدَّر أن لا يسلم، فإنه لا يمكن أن تقع هداية من الله له ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾. ٢٥٩ - ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قرأ الجمهور ﴿أَوْ﴾ ساكنة الواو. قيل ومعناها التفضيل، وقيل التخيير في التعجيب من حال من ينشأ منهما. وقرأ (٢) أبو

стр. 1470

سفيان بن حسين شذوذًا ﴿أوَ كالذي﴾ بفتح الواو، وهي حرف عطف دخل عليها ألف التَّقْرِيرِ، والكاف بمعنى إلى فهو معطوف على قوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: أَلَمْ ينتهِ علمك يا محمَّد إلى قصة الذي حاج إبراهيم، وإلى قصة الذي مرَّ وجاوز على قرية وهو عزير بن شرخيا؟ والقرية: هي بيت المقدس حين خربه بُخْتُنَصَّرُ، أو القريةُ التي أَهْلَكَ اللهُ فيها الذين خَرجُوا مِنْ دِيارَهِم حذَرَ الموتِ، أَيْ: هل انْتَهى إليك يا محمَّد خَبرُهُ وقصتُه كيف هداه الله وأخرجه من ظلمةِ الاشتباهِ إلى نور العيان؟. ومقصود القصة (١): تعريف منكري البعث قدرة الله تعالى على إحياء خلقه بعد إماتتهم، لا تعريف اسم ذلك المار في هذه القصةِ دلالة عظيمة بنبوة نبينا محمد ﷺ ؛ لأنه أخبر اليهود بما يجدونه في كتبهم ويعرفونه، وهو أميٌّ لم يقرأ الكتب القديمة. ﴿وَهِيَ﴾؛ أي: والحال أن تلك القرية ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: خالية ساقطة جدرانها على سقوفها؛ وذلك أن السقوف سقطت أولًا، ثم وقعت الحيطان عليها بعد ذلك. ﴿قَالَ﴾ ذلك المار ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾؛ أي: كيف يحيي ﴿هَذِهِ﴾ القرية الخاوية ﴿اللهُ﴾ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: قال كيف يحي الله أهل هذه القرية بعد موتهم!! تعجبًا من قدرة الله تعالى على إحيائها، واستعظامًا لقدرته، واعترافًا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء؛ وذلك (٢) لِمَا رأى من دثورها، وشدة خرابها، وبُعدها عن العود إلى ما كانت عليه. ﴿فأماته الله﴾ مكانه فالبثه ميتًا ﴿مائة عامٍ﴾ وعمرت القرية بعد مضى سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجع بنوا إسرائيل إليها ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ أي: أحياه في آخر النهار، فلما (٣) بعثه الله بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه: عينيه؛ لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحي بدنه، فلما استقل سويًّا ﴿قَالَ﴾ الله تعالى له بواسطة المَلَك: يا عزير ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أي: مكثت هنا بعد الموت؛

стр. 1471

أي: كم قدر الزمان الذي مكثت فيه هنا ميتًا قبل أن أبعثك من مكانك حيًّا؟ ﴿قال﴾ عزير ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ واحدًا؛ وذلك أن الله تعالى أماته ضحىً في أول النهار، وأحياه بعد مئة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس، فقال: لبثت يومًا، وهو يرى أن الشمس قد غابت، ثم التفت في أي بقية من الشمس، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ أي: بل لبثت بعض يوم، وظن أن الشمس شمسُ يوم إِماتته ﴿قَالَ﴾ الله تعالى له بواسطة الملك ﴿بَلْ لَبِثْتَ﴾؛ أي: مكثت ميتًا هنا ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾. و ﴿بَل﴾ هذه عاطفة لهذه الجملة على جملة محذوفة تقديرها: قال ما لبثت هذه المدة، بل لبثت مئة عام. وقرأَ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار التاء في لبثتَ، وهو أَحْسَنُ لِبُعْدِ مخرج الثاءِ من مخرجِ التاءِ، قاله الشوكاني ولعلهم رأوه أسهل؛ لأن كلا القراءتين متواتر؛ فلا تفاضل بينهما. وقرَأَ الباقون بإدغام الثاءِ في التاء لِتقارُبِهما في المخرجِ. ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ أَيْ التِّين والعِنبِ الذي كان معه قبلَ موته، ﴿وَشَرَابِكَ﴾؛ أي: العصيرِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؛ أَيْ: لم يتغيَّرْ، ولم ينضُب في هذه المدةِ المتطاولةِ، فكان التين والعنب كأنه قد قطف من ساعته، والعصير كأنه عُصر مِنْ ساعتِه، واللبن كأنه قد حُلب من ساعته. وقرأ ابن مسعود: ﴿وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه﴾، وقرأ طلحة ابن مصرف ﴿وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة﴾، وروي عن طلحة أيضًا أنه قرأ: ﴿لم يَسَّنَّ﴾ بإدغام التاء في السين، وحذف الهاء، وكل هذه القراءات شاذة عدا قراءة الجمهور. وقراءة الجمهور بإثبات الهاء في الوصل، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف في المتواتر بحذفها وصلًا فقط. والتَّسَنُّهُ: مأخوذ من السَّنَة؛ أي: لم تغيره السنون، أو المعنى على التشبيه؛ كأنه لم تمرَّ عليه المئة سنة لبقائه على حاله، وعدم تغيره، وإنْ شككت فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنب وتين وعصير، فوجدها على حالها لم تفسد. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ كيف تقطعت أوصاله، وكيف تلوح عظامه بيضاء، فنظَرَ فإذا هو عظامٌ بِيضٌ، فركَّب الله تعالى العظامَ بعضَها على بعض، ثم كساها اللحم

стр. 1472

والجلدَ، وأحياه وهو ينظر. فعلنا ذلك - الإحياء - لتُعاين ما ابتعدته من الإحياء بعد دهر طويل ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: ولكي نجعلك علامة للناس في إحياء الموتى، وأنهم يحيون على ما يموتون لأنه مات شابًّا، وبعث شابًّا، وعبرة للناس؛ لأنه كان ابن أربعين سنة حين أماته الله، وابنُه ابنُ مئة وعشرين سنة حين بعثه الله. وقيل: إنه أتى قومه راكبًا حماره وقال: أنا عزير. فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة، فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه، ولم يحفظها أحد قبله، وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخًا وهو شاب. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾؛ أي: عظام الحمار، أو الأموات الذين تعجب من إحيائهم ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي المنقوطة؛ أي: كيف نرفع بعضها على بعض، ونركبه عليه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ﴿ننشرها﴾ بالراء المهملة؛ أي: كيف نحييها ونخلقها؟ مِنْ أنشر الله الموتى إذا أحياهم. وروى أبان عن عاصم ﴿نَنْشُرُها﴾ بفتح النون الأولى وسكون الثانية وضم الشين والراء، من نشَرَ بمعنى: أَحْيَا وهي قراءة شاذة، وقرأ أُبي شذوذًا: ﴿كيف ننشيها﴾ بالياء؛ أي: نخلقها، وقال بعضهم: العظام لا تحيى على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض، فالزاي أولى بهذا المعنى؛ إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء. ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾؛ أي: العظام ﴿لَحْمًا﴾؛ أي: ننبت عليها العصب والعروق واللحم والجلد والشعر، ونجعل فيه الروح بعد ذلك. والمعنى: ثم نستر العظام باللحم كما يستر الجلد باللباس. وفي الآية (١): تقديم وتأخير، تقديره: وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ولنجعلك آية للناس ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾؛ أي: فلما اتضح له عيانًا ما كان استغربه أولًا من إحياء القرية، ورآه عيانًا في نفسه ﴿قَالَ﴾ عُزيرٌ ﴿أَعْلَمُ﴾ علم (٢) مشاهدة بعد العلم اليقيني الحاصل بالفطرة والأدلة العقلية ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى

стр. 1473

كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإماتة والإحياء ﴿قَدِيرٌ﴾ قرأ الجمهور (١): ﴿تَبَيَّنَ﴾ مبنيًّا للفاعل، وقرأ ابن عباس شذوذًا ﴿تُبِيِّن له﴾ مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابْنُ السُّميفع شذوذًا أْيضًا ﴿بُيِّن له﴾ مبنيًّا للمفعول بغير تاء. وقرأ الجمهور ﴿أَعْلَمُ﴾ مضارعًا، فيه ضمير المار. وقال ذلك على سبيل الاعتبار، وقرأ حمزة والكسائي (٢): ﴿اعلم﴾ من: عَلِم الثلاثي أمرًا من الله، أو من المَلَك عن الله، أو منه لنفسه؛ نزَّلها منزلة الأجنبي المخاطب، وقرىء شذوذًا ﴿أْعْلِمْ﴾ أمرًا من: أعلَمَ الرباعي؛ أي: قال الله له: أعلِمْ غيرك بما شاهدته من قدرة الله تعالى. ٢٦٠ - ﴿و﴾ اذكر يا محمَّد قصة ﴿إذ قال إبراهيم﴾ الخليل ﵇؛ أي: طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ سأله عن إراءَة كيفية الإحياء مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان. قال الحسن (٣) والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: سبب سؤاله: أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر، وقد توزعها دواب البحر والبر، فإذا مدَّ البحر .. أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر .. جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت السباع .. جاءت الطيور، فأكلت وطارت، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها، وقال: يا رب، إني قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطيور وأجواف الدواب، فأرني كيف تحييها؛ لأعاين ذلك، فأزداد يقينًا، فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؛ أي: أتسالني عن ذلك، لم توقن وتصدق بقدرتي على الإحياء. ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿بَلَى﴾ يا رب آمنت وصدقت أنك ﴿قادر﴾ على الإحياء، وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ أي: ولكن سألتك عن ذلك؛ ليوقن قلبي ويزداد طمأنينةً وبصيرةً بمُضامَّةِ العِيان إلى الوحي والاستدلال، أو سألتك لتسكن حرارة قلبي، وأعلم بأني خليلك مجاب الدعوة والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريًّا.

стр. 1474

فإن قلتَ: كيف قال ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا؟ قلتُ: ليجيب بما أجابه به؛ لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. قال الله : إن أردت ذلك يا إبراهيم ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ أشتاتًا. قال مجاهد: كانت طاووسًا وغرابًا وحمامة وديكًا؛ أي: خذ أربعة أنواع من الطيور ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قرأ حمزة: ﴿فصِرهن﴾ بكسر الصاد، ومعناه: قطعهن ومزقهن. وقرأ الباقون بضمها، وتخفيف الراء، ومعناه: اضْمُمْهُنَّ وأملهنَّ إليك واجمعهن عندك؛ أي: خذ أربعة أنواع منها، واضممهُنَّ إليك، واجمعهن عندك، ثم اذبحهن، وقطع لحومهن، واخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة (١). وقرأ ابن عباس وقوم شذوذًا ﴿فصُرَّهن﴾ - بتشديد الراء وضم الصاد وكسرها - من: صَرَّه يصُره ويصِره إذا جمعه، نحو: ضرَّه يضِره ويضُره، وعنه أيضًا: ﴿فصَرَّهن﴾ - بفتح الصاد وتشديد الراء وكسرها -: من الصرِيَةِ. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾؛ أي؛ ضع على كل جبل من الجبال التي بحضرتك؛ أي: على أربعة أجبل من الجبال التي بقربك ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أي: جزءًا من لحومهن المجزأة. وقرأ الجمهور ﴿جُزْءًا﴾ بإسكان الزاي وبالهمزة، وضم أبو بكر شعبة الزاي فقرأ: ﴿جزُءا﴾. وقرأ أبو جعفر ﴿جزّا﴾ بحذف الهمزة وتشديد الزاي؛ أي: جزِّىء لحومهن، وفرقهن على رؤوس الجبال ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾؛ أي: نادهن بأسمائهن، وقيل لهن: تعالين بإذن الله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ﴾؛ أي: يجئن إليك مشيًا أو طيرانًا ﴿سَعْيًا﴾؛ أي؛ حالة كونهن ساعيات مسرعات إليك في مشيهن، أو طيرانهن. وقيل معنى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾؛ أي: مشيًا سريعًا ولم تأتِ طائرة ليتحقق أن أرجلهن سليمة في هذه الحالة. ﴿وَاعْلَمْ﴾ يا إبراهيم ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب على جميع الممكنات، لا يعجزه شيء عما يريده ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وصنعه، عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء. روي أنه ﵇ أمر بذبحها، ونتف ريشها، وتقطيعها جزءًا جزءًا، وخلط دمائها

стр. 1475

ولحومها، وأن يمسك رؤوسها بيده، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعًا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها سعيًا على أرجلها، وانضم كل رأس إلى جثته، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى. الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التقريري التعجبي ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة مستأنفة ﴿إِلَى الَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تر﴾. ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿فِي رَبِّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿حَاجَّ﴾. ﴿أَنْ آتَاهُ﴾: ﴿أَنْ﴾: مصدرية. ﴿آتَاهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿الْمُلْكَ﴾ مفعول ثانٍ، والجملة صلة ﴿أَنْ﴾ المصدريةُ ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة تقديره: لأجل إيتاء الله إياه الملك، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿حَاجَّ﴾. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بـ ﴿حَاجَّ﴾. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلتَ ﴿رَبِّيَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿الَّذِي﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿يُحْيِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة له. ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوف على ﴿يُحْيِي﴾. ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نمروذ اللعين، والجملة
следующие страницы →