← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أي: كم قدر الزمان الذي مكثت فيه هنا ميتًا قبل أن أبعثك من مكانك حيًّا؟ ﴿قال﴾ عزير ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ واحدًا؛ وذلك أن الله تعالى أماته ضحىً في أول النهار، وأحياه بعد مئة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس، فقال: لبثت يومًا، وهو يرى أن الشمس قد غابت، ثم التفت في أي بقية من الشمس، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ أي: بل لبثت بعض يوم، وظن أن الشمس شمسُ يوم إِماتته ﴿قَالَ﴾ الله تعالى له بواسطة الملك ﴿بَلْ لَبِثْتَ﴾؛ أي: مكثت ميتًا هنا ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾. و ﴿بَل﴾ هذه عاطفة لهذه الجملة على جملة محذوفة تقديرها: قال ما لبثت هذه المدة، بل لبثت مئة عام. وقرأَ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار التاء في لبثتَ، وهو أَحْسَنُ لِبُعْدِ مخرج الثاءِ من مخرجِ التاءِ، قاله الشوكاني ولعلهم رأوه أسهل؛ لأن كلا القراءتين متواتر؛ فلا تفاضل بينهما. وقرَأَ الباقون بإدغام الثاءِ في التاء لِتقارُبِهما في المخرجِ. ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ أَيْ التِّين والعِنبِ الذي كان معه قبلَ موته، ﴿وَشَرَابِكَ﴾؛ أي: العصيرِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؛ أَيْ: لم يتغيَّرْ، ولم ينضُب في هذه المدةِ المتطاولةِ، فكان التين والعنب كأنه قد قطف من ساعته، والعصير كأنه عُصر مِنْ ساعتِه، واللبن كأنه قد حُلب من ساعته. وقرأ ابن مسعود: ﴿وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه﴾، وقرأ طلحة ابن مصرف ﴿وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة﴾، وروي عن طلحة أيضًا أنه قرأ: ﴿لم يَسَّنَّ﴾ بإدغام التاء في السين، وحذف الهاء، وكل هذه القراءات شاذة عدا قراءة الجمهور. وقراءة الجمهور بإثبات الهاء في الوصل، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف في المتواتر بحذفها وصلًا فقط. والتَّسَنُّهُ: مأخوذ من السَّنَة؛ أي: لم تغيره السنون، أو المعنى على التشبيه؛ كأنه لم تمرَّ عليه المئة سنة لبقائه على حاله، وعدم تغيره، وإنْ شككت فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنب وتين وعصير، فوجدها على حالها لم تفسد. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ كيف تقطعت أوصاله، وكيف تلوح عظامه بيضاء، فنظَرَ فإذا هو عظامٌ بِيضٌ، فركَّب الله تعالى العظامَ بعضَها على بعض، ثم كساها اللحم

стр. 1472

والجلدَ، وأحياه وهو ينظر. فعلنا ذلك - الإحياء - لتُعاين ما ابتعدته من الإحياء بعد دهر طويل ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: ولكي نجعلك علامة للناس في إحياء الموتى، وأنهم يحيون على ما يموتون لأنه مات شابًّا، وبعث شابًّا، وعبرة للناس؛ لأنه كان ابن أربعين سنة حين أماته الله، وابنُه ابنُ مئة وعشرين سنة حين بعثه الله. وقيل: إنه أتى قومه راكبًا حماره وقال: أنا عزير. فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة، فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه، ولم يحفظها أحد قبله، وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخًا وهو شاب. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾؛ أي: عظام الحمار، أو الأموات الذين تعجب من إحيائهم ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي المنقوطة؛ أي: كيف نرفع بعضها على بعض، ونركبه عليه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ﴿ننشرها﴾ بالراء المهملة؛ أي: كيف نحييها ونخلقها؟ مِنْ أنشر الله الموتى إذا أحياهم. وروى أبان عن عاصم ﴿نَنْشُرُها﴾ بفتح النون الأولى وسكون الثانية وضم الشين والراء، من نشَرَ بمعنى: أَحْيَا وهي قراءة شاذة، وقرأ أُبي شذوذًا: ﴿كيف ننشيها﴾ بالياء؛ أي: نخلقها، وقال بعضهم: العظام لا تحيى على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض، فالزاي أولى بهذا المعنى؛ إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء. ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾؛ أي: العظام ﴿لَحْمًا﴾؛ أي: ننبت عليها العصب والعروق واللحم والجلد والشعر، ونجعل فيه الروح بعد ذلك. والمعنى: ثم نستر العظام باللحم كما يستر الجلد باللباس. وفي الآية (١): تقديم وتأخير، تقديره: وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ولنجعلك آية للناس ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾؛ أي: فلما اتضح له عيانًا ما كان استغربه أولًا من إحياء القرية، ورآه عيانًا في نفسه ﴿قَالَ﴾ عُزيرٌ ﴿أَعْلَمُ﴾ علم (٢) مشاهدة بعد العلم اليقيني الحاصل بالفطرة والأدلة العقلية ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى

стр. 1473

كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإماتة والإحياء ﴿قَدِيرٌ﴾ قرأ الجمهور (١): ﴿تَبَيَّنَ﴾ مبنيًّا للفاعل، وقرأ ابن عباس شذوذًا ﴿تُبِيِّن له﴾ مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابْنُ السُّميفع شذوذًا أْيضًا ﴿بُيِّن له﴾ مبنيًّا للمفعول بغير تاء. وقرأ الجمهور ﴿أَعْلَمُ﴾ مضارعًا، فيه ضمير المار. وقال ذلك على سبيل الاعتبار، وقرأ حمزة والكسائي (٢): ﴿اعلم﴾ من: عَلِم الثلاثي أمرًا من الله، أو من المَلَك عن الله، أو منه لنفسه؛ نزَّلها منزلة الأجنبي المخاطب، وقرىء شذوذًا ﴿أْعْلِمْ﴾ أمرًا من: أعلَمَ الرباعي؛ أي: قال الله له: أعلِمْ غيرك بما شاهدته من قدرة الله تعالى. ٢٦٠ - ﴿و﴾ اذكر يا محمَّد قصة ﴿إذ قال إبراهيم﴾ الخليل ﵇؛ أي: طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ سأله عن إراءَة كيفية الإحياء مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان. قال الحسن (٣) والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: سبب سؤاله: أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر، وقد توزعها دواب البحر والبر، فإذا مدَّ البحر .. أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر .. جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت السباع .. جاءت الطيور، فأكلت وطارت، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها، وقال: يا رب، إني قد علمت أنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطيور وأجواف الدواب، فأرني كيف تحييها؛ لأعاين ذلك، فأزداد يقينًا، فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؛ أي: أتسالني عن ذلك، لم توقن وتصدق بقدرتي على الإحياء. ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿بَلَى﴾ يا رب آمنت وصدقت أنك ﴿قادر﴾ على الإحياء، وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ أي: ولكن سألتك عن ذلك؛ ليوقن قلبي ويزداد طمأنينةً وبصيرةً بمُضامَّةِ العِيان إلى الوحي والاستدلال، أو سألتك لتسكن حرارة قلبي، وأعلم بأني خليلك مجاب الدعوة والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريًّا.

стр. 1474

فإن قلتَ: كيف قال ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا؟ قلتُ: ليجيب بما أجابه به؛ لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. قال الله : إن أردت ذلك يا إبراهيم ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ أشتاتًا. قال مجاهد: كانت طاووسًا وغرابًا وحمامة وديكًا؛ أي: خذ أربعة أنواع من الطيور ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قرأ حمزة: ﴿فصِرهن﴾ بكسر الصاد، ومعناه: قطعهن ومزقهن. وقرأ الباقون بضمها، وتخفيف الراء، ومعناه: اضْمُمْهُنَّ وأملهنَّ إليك واجمعهن عندك؛ أي: خذ أربعة أنواع منها، واضممهُنَّ إليك، واجمعهن عندك، ثم اذبحهن، وقطع لحومهن، واخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة (١). وقرأ ابن عباس وقوم شذوذًا ﴿فصُرَّهن﴾ - بتشديد الراء وضم الصاد وكسرها - من: صَرَّه يصُره ويصِره إذا جمعه، نحو: ضرَّه يضِره ويضُره، وعنه أيضًا: ﴿فصَرَّهن﴾ - بفتح الصاد وتشديد الراء وكسرها -: من الصرِيَةِ. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾؛ أي؛ ضع على كل جبل من الجبال التي بحضرتك؛ أي: على أربعة أجبل من الجبال التي بقربك ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أي: جزءًا من لحومهن المجزأة. وقرأ الجمهور ﴿جُزْءًا﴾ بإسكان الزاي وبالهمزة، وضم أبو بكر شعبة الزاي فقرأ: ﴿جزُءا﴾. وقرأ أبو جعفر ﴿جزّا﴾ بحذف الهمزة وتشديد الزاي؛ أي: جزِّىء لحومهن، وفرقهن على رؤوس الجبال ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾؛ أي: نادهن بأسمائهن، وقيل لهن: تعالين بإذن الله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ﴾؛ أي: يجئن إليك مشيًا أو طيرانًا ﴿سَعْيًا﴾؛ أي؛ حالة كونهن ساعيات مسرعات إليك في مشيهن، أو طيرانهن. وقيل معنى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾؛ أي: مشيًا سريعًا ولم تأتِ طائرة ليتحقق أن أرجلهن سليمة في هذه الحالة. ﴿وَاعْلَمْ﴾ يا إبراهيم ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب على جميع الممكنات، لا يعجزه شيء عما يريده ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وصنعه، عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء. روي أنه ﵇ أمر بذبحها، ونتف ريشها، وتقطيعها جزءًا جزءًا، وخلط دمائها

стр. 1475

ولحومها، وأن يمسك رؤوسها بيده، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعًا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها سعيًا على أرجلها، وانضم كل رأس إلى جثته، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى. الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التقريري التعجبي ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة مستأنفة ﴿إِلَى الَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تر﴾. ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿فِي رَبِّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿حَاجَّ﴾. ﴿أَنْ آتَاهُ﴾: ﴿أَنْ﴾: مصدرية. ﴿آتَاهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿الْمُلْكَ﴾ مفعول ثانٍ، والجملة صلة ﴿أَنْ﴾ المصدريةُ ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة تقديره: لأجل إيتاء الله إياه الملك، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿حَاجَّ﴾. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بـ ﴿حَاجَّ﴾. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلتَ ﴿رَبِّيَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿الَّذِي﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿يُحْيِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة له. ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوف على ﴿يُحْيِي﴾. ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نمروذ اللعين، والجملة

стр. 1476

مستأنفة ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: مقول محكيٌ، وإن شئتَ قلتَ: ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل في محل الرفع مبتدأ، والاسم منه أنْ، والألف زائدة لبيان الحركة في الوقف؛ ولذلك حذفت وصلًا، والصحيح أنَّ فيه لغتين: إحداهما: لغة تميم وهي إثبات أَلِفِه وصلًا ووقفًا. والثانية: إثباتها وقفًا، وحذفها وصلًا. وقيل بل ﴿أَنَا﴾ كله ضمير، وفيه لغات: أنا، وأنْ؛ كلفظ أنْ الناصبة وآن، وكأنه قدم الألف على النون فصار آن مثل آن، المراد به: الزمان، وقالوا: آنه، وهي هاء السكت، لا بدل من الألف. اهـ "سمين". وجملة ﴿أُحْيِي﴾: خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول ﴿وَأُمِيتُ﴾: معطوف على أحي. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ وإنْ شئت قلت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾. الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أَفْصَحت عن شرطٍ مقدَّرٍ تقديره: إذا كنت قادرًا كقدرة الله .. فأقول لك: ﴿إن الله﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يَأْتِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ﴿بِالشَّمْسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَأْتِي﴾ وجملة ﴿يَأْتِي﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ تقديره: فإن الله آتٍ بالشمس، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿مِنَ الْمَشْرِقِ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِي﴾ أيضًا ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿ائت﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على الكافر اللعين. ﴿بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾: كلاهما متعلق بـ ﴿ائت﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة إن على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. ﴿فَبُهِتَ﴾: الفاء: حرف عطف وتقريع. ﴿بهت الذي﴾: فعل وفاعل،

стр. 1477

وهذا (١) الفعل من جملة الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمفعول، والمعنى فيها على البناء للفاعل؛ فلذلك فسَّروه بدَهِش وتَحيَّر. فـ ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾: فاعل، لا نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿كَفَرَ﴾: فعلٌ ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الموصول والجملة صلة له. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على الله. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل وتخيير في التعجب، ﴿الكاف﴾: زائدة، ﴿الذي﴾: في محل الجر معطوف على الموصول في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو الذي مرَّ على قرية، وإنْ شئت قلت: الكاف حرف جر معنًى، ﴿إِلَى الَّذِي﴾: في محل الجر بالكاف، والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ لأن حروف الجر بعضها يتقارض عن بعض، كما هو كثير في كلامهم، كما أشرنا إلى هذا الوجه الأخير في محل التفسير ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هي﴾: مبتدأ. ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خبره، والجملة (٢) في محل النصب حال من الفاعل الذي في ﴿مَرَّ﴾، أو من ﴿قَرْيَةٍ﴾، ولكن مجيءَ الحال من النكرة إذا تأخَّرَتْ قليل، وقيل: الجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، ويُبعِد هذا القولَ الواوُ. ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

стр. 1478

﴿قَالَ﴾: فعل، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ إلى قوله: ﴿مَوْتِهَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى متى في محل النصب على الظرفية الزمانية، أو بمعنى كيف في محل النصب حال من ﴿هَذِهِ﴾، وعلى كِلا التقديرين، فالعامل فيه ﴿يُحْيِي﴾. ﴿يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُحْيِي﴾. ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾. ﴿فَأَمَاتَهُ﴾: الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿أماته الله﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿مِائَةَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿أماته﴾. ﴿عَامٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿بَعَثَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَمَاتَهُ﴾. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿كَمْ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَبِثْتَ﴾؛ أي: كم مدة لبثت. ﴿لَبِثْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة مستأنفة ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَبِثْتُ﴾ فعل وفاعل ﴿يَوْمًا﴾: ظرف متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف بمعنى بل: التي للإضراب ﴿بَعْضَ﴾: معطوف على ﴿يَوْمًا﴾ وهو مضاف. ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.

стр. 1479

﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿لَبِثْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾: ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿لَبِثْتَ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة هي مقول ﴿قَالَ﴾ تقديرها: قال: ما لبثتُ يومًا أو بعض يوم، بل لبثتُ مئة عام. ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَلْ لَبِثْتَ﴾ على كونها مقول القول لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿انظر﴾، ﴿وَشَرَابِكَ﴾: معطوف على طعامك ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ فعل مضارع مجزوم بسكون آخره؛ أعني: الهاء؛ لأنها أصلية، وفاعله ضمير يعود على الطعام والشراب، والجملة في محل النصب حال من ﴿طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ تقديره: حالة كونهما غير مُتسنِّهَين؛ أي: متغيِّرين. ﴿وَانْظُرْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَانْظُرْ﴾. ﴿إِلَى حِمَارِكَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿انظر﴾. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، اللام: لام كي، ﴿نجعلك﴾: فعل ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿آيَةً﴾: مفعول ثانٍ. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آية﴾، وجملة ﴿نجعلك﴾ صلة أنْ المصدرية، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولجعلنا إياك آية للناس، والجار والمجرور (١) معطوف على مقدَّر متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف، مُقَرِّر لمضمون ما سَبَقَ؛ تقديرهُ: فعلْنَا بك ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر؛ لتعاين ما ابتعدته من الإحياء بعد دهر طويل، ولنجعلك آية للناس. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾. ﴿إِلَى الْعِظَامِ﴾: جار ومجرور متعلق

стр. 1480

به. ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾: في محل النصب على الحالية، وصاحب الحال مفعول ﴿نُنْشِزُهَا﴾، ﴿نُنْشِزُهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر بدل من ﴿الْعِظَامِ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء؛ عاطفة، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿تَبَيَّنَ﴾: فعل ماضٍ له متعلق به، وفاعله ضمير يعود على معلوم من السياق تقديره: فلما تبين له كيفية الإحياء التي استغربها. والجملة فعل شرط لـ ﴿لمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قَالَ﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة جواب ﴿لمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿لمَّا﴾ - من فعل شرطها وجوابها - معطوفة على (١) مقدَّر يقتضيه المقام تقديره: فأنشزها الله تعالى، وكساها لحمًا، فنظر إليها، فتبين له كيفية الإحياء، فلما تبين له؛ أي: اتضح له اتضاحًا تامًّا .. قال: أعلم .... الآية. ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿أَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المار، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، وهو خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ - من اسمها وخبرها - في تأويل مصدر سادٌّ مسد مفعولي ﴿أَعْلَمُ﴾ تقديره: أعلم قدرة الله على كلِّ شيء. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. ﴿وَإِذْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة قصةً على قصة، أو استئنافية. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمَّد قصة ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه

стр. 1481

لـ ﴿إذ﴾، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء؛ لكثرة الاستعمال، منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَرِنِي﴾: فعل، ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. وأرى هنا: بصرية (١) متعدية لواحد، وبدخول همزة النقل عليها طلبت مفعولًا آخر هو: جملة الاستفهام. ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب على الحال بـ ﴿تُحْيِ﴾. ﴿تُحْيِ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْمَوْتَى﴾: مفعول به، وجملة ﴿تُحْيِ﴾ في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿أرني﴾ تقديره: ربِّ أرني كيفية إحيائِك الموتى. وجملة رأى في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قَالَ: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئتَ قلتَ: الهمزة للاستفهام التقريري؛ كالهمزة في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. والواو: عاطفة على محذوف تقديره: أتسأل، و ﴿لم تؤمن﴾ ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تُؤْمِنْ﴾ مجزوم بلم، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة ﴿بَلَى﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي، ومدخولها محذوف تقديره: بلى آمنت. والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ اللام: لام كي. ﴿يطمئن﴾: فعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي ﴿قَلْبِي﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة صلة أن المضمرة تقديره: ولكن لاطمئنان قلبي، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: ولكن سألتك لاطمئنان قلبي، وجملة الاستدراك معطوفة

стр. 1482

على محذوف تقديره؛ بلى آمنت، وما سألت عن غير إيمان، ولكن سألتُ ليطمئن. ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَخُذْ﴾ الفاء: رابطة لجواب شرط محذوف تقديره: إن أردت ذلك .. ﴿خذ﴾: فعل، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة في محل الجزم جواب لذلك الشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف مع جوابه في محل النصب مقول قال. ﴿أَرْبَعَةً﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيْرِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أربعة﴾. ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿صرهن﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً﴾. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿اجْعَلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة معطوفة على جملة ﴿صرهن﴾. ﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اجعل﴾. ﴿مِنْهُنَّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿جُزْءًا﴾؛ لأنه نعت نكرة فلما قُدِّم عليها .. نصب حالًا. ﴿جُزْءًا﴾: مفعول به لـ ﴿اجعل﴾؛ لأنه بمعنى ألقِ، فيتعدى لمفعول واحد. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿ادْعُهُنَّ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ﴾. ﴿يَأْتِينَكَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول. في محل الجزم بالطلب السابق ﴿سَعْيًا﴾: حال من ضمير الفاعل، أو منصوب على المصدر النوعي؛ لأنه من الإتيان؛ إذ هو إتيان بسرعة، فكأنه قيل: يأتينك إتيانًا سريعًا. ﴿وَاعْلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اعلم﴾: فعل

стр. 1483

أمر، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف فصب ومصدر ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدرٍ سَادٍّ مسَدَّ مفعولَي ﴿اعلم﴾ تقديره: واعلم كون الله عزيزًا حكيمًا. التصريف ومفردات اللغة ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: يقال حاجَّةُ محاجة إذا خاصمه وجادله. من باب: فَاعَل. والمحاجة: الغالبة من الجانبين. ومعنى: ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾؛ أي: عارض حجته بمثلها، أو أتى على الحجة بما يبطلها، أو أظهر المغالبة في الحجة، ثلاثة أقوال. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾: على صورة المبني للمفعول، ومعناه على البناء للفاعل؛ كما سبق. وفي "القاموس": والبهت: الانقطاع والحيرة. وفعلُهما كعَلِم ونَصَر وكَرُم وزَهَي. وهو مبهوت، لا باهت ولا باهيت. اهـ. ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾: وأصل القرية من قريت الماء إذا جمعته، فالقرية مجتمع الناس ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ وفي "المصباح": خوت الدار تخوى من باب: ضَرَب خَوْيًا إذا خلت من أهلها، أو سقطت. وخواء أيضًا: بالفتح والمد. وخويت خوىً من باب: تعب لغة اهـ. والعُروشُ: جمعُ عرش: وهو سقف البيت، وكذلك كل ما هيء ليُستظل به. وقيل: هو البنيان نفسه. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ واشتقاقه من: السَّنَه، والهاء أصلية إِن قدِّرت لامَ السَّنَه هاءً؛ لقولهم في التصغير: سُنَيْهة، وفي الجمع: سَنَهات. وقالوا: سانهتُ وأسنهت عند بني فلان، وهي لغة الحجاز. وهاء السكت إن قُدرت لام الكلمة محذوفة للجازم، وهي ألف منقلبة عن واو عندما يُجعل لام السنه المحذوف واوًا؛ لقولهم: سنيته وسنوات، واشتق من الفعل فقيل: سانيت وأسنى وأسنتْ. أبدل من الواو تاء، وقيل أصله لم يتسنن؛ أي: لم يتغير من الحمأ المسنون، فأبدلت النون الثالثة ألفًا فرارًا من كراهة اجتماع الأمثال؛ كما قالوا: تَظَنَّى أصله: تظنن.

стр. 1484

قال أبو عمرو: وخطَّأه الزجاج. ﴿إِلَى حِمَارِكَ﴾: الحمار هو الحيوان المعروف، ويجمع في القلة على أَفْعِلة قالوا: أحمرة، وفي الكثرة على فُعُل، قالوا: حُمُر. وعلى فعيل، قالوا: حمير. ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ - بالزاي -: من أنشز الشيء إذا رفعه؛ أي: كيف نرفعها عن الأرض؟ لنركب بعضها مع بعض ونردَّها إلى أَماكنها من الجسد، فنركبها تركيبًا لائقًا بها. ﴿وننشرها﴾ - بالراء المهملة -: من أنشر الله الموتى إذا أحياهم ونشرهم، ونشر الميت إذا حيي، ولكن ليس المراد بالإحياء هنا، معناه الحقيقي الذي هو نفخ الروح؛ لقوله: ثم نكسوها لحمًا؛ أي: نسترها به كما يستر الجسد باللباس. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي﴾ وأصل أرني: أرئيني بوزن أكرمني، فحذفت الياء الأولى؛ لأن الأمر كالمضارع في الحذف، فصار أرئي، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة، فصار أَرِني بوزن أَفِني؛ فإنه حُذف منه عينه ولامه، وهي الياء. ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾: والهمزة في ﴿يطمئن﴾ أصلية، ووزنه يفعلل، ولذلك جاء ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ مثل: اقشعررتم. والطمأنينة مصدر: اطمأن على غير القياس، والقياس الاطمئنان، وهو السكون. ﴿أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ والطير: اسم جمع كركب، وقيل بل جمع طائر نحو: تاجر وتُجرَ. وهذا مذهب أبي الحسن. وقيل: بل هو مخفف طَيّر بالتشديد، كقولهم: هيْن وميْت في هيِّن وميِّت، وقال أبو البقاء: هو في الأصل مصدر طار يطير، ثم سُمِّي به هذا الجنس. ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ وفي "المختار" صاره - من باب: قال وباع - إذا أمال إليه وقربه منه أمره بإمالتِهن إليه؛ أي: تقريبِهن منه؛ ليتحقق أوصافَهن حتى يعلم بعد الإحياء أنه لم ينتقل منها جزءٌ من موضعه الأول أصلًا، وصار الشيء إذا فعله وقطعه من بابي: قال وباع أيضًا.

стр. 1485

﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾: والجبل معروف، ويجمع في القلة على: أجبال وأجبُل، وفي الكثرة على: جبال والجزء القطعة من الشيء، يقال: جزأ الشيء إذا جعله قِطعًا. البلاغة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: الهمزة فيه للاستفهام التعجبي التَّقْرِيْري. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: التعبير بالمضارع يفيد التجدد، والاستمرار، وفي الجملة دلالةً على الاختصاص والقصر؛ لأنهم قد ذكروا أن الخبر إذا كان بمثل هذا .. دلَّ على الاختصاص. فتقول: زيد الذي يصنع كذا؛ أي: المختص بالصنع، وهنا المبتدأ والخبر كانا معرفتين، والمعنى: أنه سبحانه وحده هو الذي يحيي ويميت. وبين كلمتي يحيي ويميت من المحسِّنات البديعية: الطباق، وكذلك بين لفظي المشرق والمغرب. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾: التعبير بالموصول مع صلته يُشعر بالعلة، وأن سبب الحيرة هو: كفره. ولو قال: فبهت الكافر .. لَمَا أفاد ذلك المعنى الدقيق. ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وفي نسبة الإحياء والإماتة إلى القرية مجاز بالاستعارة: إنْ أُريد بهما العمارة والخراب، ومجاز مرسل: إن أريد أهلها .. فهو من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال على حدِ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾؛ أي؛ نسترها به؛ كما يستر الجسد باللباس فاستعار اللباس لذلك، كما استعاره النابغة للإسلام فقال: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيتُ من الإِسلام سربالًا والله أعلم * * *

стр. 1486

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها هي: أنه تعالى لما ذكر قصة المار على قرية، وقصة إبراهيم، وكانا من أدلِّ دليل على البعث .. ذكر هنا ما ينتفع به يوم البعث، وما يجد جدوى هناك؛ وهو: الإنفاق في سبيل الله؛ لأن ثمرة النفقة في سبيل الله، إنما

стр. 1487

تظهر حقيقةً يوم البعث، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا. واستدعاءُ النفقة في سبيل الله مذكِّر بالبعث، وحاضُّ على اعتقاده؛ لأنه لو لم يعتقد وجوده .. لما كان ينفق في سبيل الله، وفي تمثيل النفقة بالحبَّة المذكورة إشارة أيضًا إلى البعث وعظيم القدرة؛ إذ حبة واحدة يُخرج الله منها سبع مئة حبة، فمن كان قادرًا على مثل هذا الأمر العجاب .. فهو قادر على إحياء الموات. ويقال: لما ذكر المبدأ والمعاد، ودلائل صحتهما .. أتبع ذلك ببيان الشرائع، والأحكام والتكاليف، فبدأ بإنفاق الأموال في سبيل الله، وأمعن في ذلك، ثم انتقل إلى كيفية تحصيل الأموال بالوجه الذي يجوز شرعًا. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لمّا شرط في الإنفاق أن لا يتبع منًّا ولا أذىً .. لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطِلًا للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما؛ ليقوى اجتناب المؤمن لهما؛ ولذلك ناداهم بوصف الإيمان. ولما جرى ذكر المن والأذى مرتين .. أعادهما هنا بالألف واللام، ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما: أنه لا ثواب فيهما عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها هي: أنه تعالى لما ذكر فضل النفقة في سبيل الله، وحثَّ عليها، وقبَّح المنة، ونهى عنها، ثم ذكر القصد فيها من الرياء، أو ابتغاء مرضات الله .. ذكر هنا وصف المنفَق من المختار الجيد، وسواء كان الأمر في الآية للوجوب، أو للندب، والأكثرون على أن ﴿طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ هو الجيد المختار، وأن الخبيث هو الرديء. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ قيل (٢): نزلت في

стр. 1488

عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك؛ حيث جهز عثمان ألف بعير بأحلاسها وأقتابها، ووضع بين يدي رسول الله ﷺ ألف دينار، فصار رسول الله ﷺ يقلبها ويقول: "ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم". وأتى عبد الرحمن بن عوف النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم، فقال: يا رسول الله، كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أمسكتَ وفيما أعطيت"، فنزلت فيهما الآية. قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ...﴾ الآية، أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر يومًا لأصحاب النبي ﷺ : فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ قالوا: الله أعلم، قال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: لِرَجل غنيٍّ يعمل لطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل في المعاصي حتى أغرق عمله. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...﴾ الآية. روى (١) الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن البراء ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا - معشرَ الأنصار - كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو، فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...﴾ الآية. وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن سهل بن حنيف ﵁ قال: كان الناس يتيممون شر ثمارهم، فجاء رجل بتمر ردِيءٍ، فنزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...﴾ الآية. وروى ابن أبي حاتم عن

стр. 1489

ابن عباس ﵄ قال: كان أصحاب رسول الله ﵌ يشترون الطعام الرخيص، ويتصدَّقون به، فأنزل الله هذه الآية. التفسير وأوجه القراءة ٢٦١ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾؛ أي: صفة صدقات الذين يصرفون أموالهم في طاعة الله، ووجوه الخير من الواجب أو النفل كصفة حبة أخرجت ساقًا واحدًا، تشعَّب منه سبع شعب، في كل واحدة منها سنبلة ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ فجملة ما فيها من الحبوب سبع مئة، وذلك مشاهد في الذرة والدخن، بل فيهما أكثر من ذلك. هذا إن قلنا: إن في الكلام حذفًا من أوله، ويحتمل كون الحذف في آخره، والمعنى حينئذٍ: مثل الذين ينفقون أموالهم في وجوه الخيرات، كمثل زارع حبة أخرجت ساقًا تشعب منه سبع شعب، في كل واحدة منها سنبلة، في كل سنبلة مئة حبة. فإن قلتَ: هل (١) رأيت سنبلة فيها مئة حبة حتى يضرب المثل بها؟ قلتُ: ذلك غير مستحيل، وما لا يكون مستحيلًا .. فضرب المثل به جائز وإنْ لم يوجد. والمعنى ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ أن جعل الله ذلك فيها. وقيل: هو موجود في الدخن. وقيل: إن المقصود من الآية: أنه إذا علم الإنسان الطالب للزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبع مئة حبة .. ما كان ينبغي له ترك ذلك، ولا التقصير فيه، فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر عند الله في الآخرة، أن لا يترك الإنفاق في سبيل الله إذا علم أنه يحصل له بالواحد عشرة ومئة وسبع مئة؛ أي: فكذلك نفقات هؤلاء تضاعف إلى سبع مئة. ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ أكثر من ذلك؛ أي: أكثر من سبع مئة. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لا لكل الناس بل على حسب حال المنفِقِ من الخصاصة وتعبه؛ ولذلك تفاوتت مراتب الأعمال في مقادير الثواب؛ أي: فالزيادة (٢) على السبع مئة لبعض الناس، بخلاف السبع مئة؛ فإنها لكل

стр. 1490

منفِق. وقيل المراد: والله يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء؛ أي: لبعض الناس، لا لكلهم. فالسبع مئة غير مطردة على هذا، بل المطرد التضعيف إلى عشرة فقط. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ فضله، لا يضيق عليه ما يتفضل به من التضعيف ﴿عَلِيمٌ﴾ بنية المنفِق، وبمن يستحق المضاعفة، وبما يستحقه المنفق من الجزاء والثواب عليه. ٢٦٢ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ وهذا تقييد (١) لما قبله؛ أي: إن المضاعفة المذكورة مشروطة بعدم المن والأذى. والمعنى: الذين يصرفون أموالهم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في وجوه الخيرات واجبة كانت، أم لا. ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ أي: لا يعقبون ما أنفقوا ﴿مَنًّا﴾ على المنفَق عليه، وتحدثًا بما أعطى له. والمن: أن يعدد إحسانه على من أحسن إليه؛ كأن يقول له: أعطيتك كذا وكذا، فيعدد نعمه عليه، فيكدرها عليه، وهو من الكبائر، كما ثبت في "صحيح" مسلم وغيره: أن المانّ أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وقدم المن على الأذى؛ لكثرة وقوعه، ووَسَّط كلمة ﴿لَا﴾ بينهما في قوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾؛ للدلالة على شمول النفي باتباع كل واحد منهما؛ أي: ولا يتبعون نفقاتهم أذىً للمنفَق عليه. والأذى: هو أن يعيِّره، فيقول: كم تسأل، وأنت فقير أبدًا، ولا تكتسب، وقد بليت بك، وأراحني الله منك، وأمثال ذلك، كالعبوس في وجهه. إذا عرفت هذا فنقول: المن: هو إظهار المعروف إلى الناس، والمن عليهم به. والأذى: هو أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم، فحرم الله تعالى على عباده المن بالمعروف، والأذى فيه، وذم فاعله. وقال عبد الرحمن بن يزيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا، ورأيت أن سَلَامك يثقل عليه .. فلا تسلم عليه. والعرب تمدح بترك المن، وكتم النعمة، وتذم على إظهارها، والمن بها. قال قائلهم في المدح بترك المن: زَادَ مَعْرُوْفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ... أَنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُوْرٌ حَقِيْر

стр. 1491

تَتَنَاسَاهُ كَأنْ لَمْ تَأْتِهِ ... وَهُوَ فِي الْعَالَمِ مَشهُوْرٌ كَبِيْر وقال قائلهم يذم المنان بالعطاء: أتَيْتَ قَلِيلًا ثُمَّ أَسْرَعْتَ مِنَةً ... فَنَيْلُكَ مَمْنُونٌ لِذَلِكَ قَلِيْلُ وقيل المراد بالمن: هو المن على الله، وهو العُجب والأذى لصاحب النفقة. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: ثواب إنفاقهم مدخرًا لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يوم القيامة؛ أي: فلا يخافون فَقْد أجورهم، ولا يخافون العذاب البتة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا خلفهم من الدنيا. ٢٦٣ - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ أي: كلام جميل يرد به السائل، من غير إعطاء شيء ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ من المسؤول عن بذاءَة لسان الفقير ﴿خَيْرٌ﴾ للسائل ﴿مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا﴾؛ أي: يعقبها ﴿أَذًى﴾؛ أي: مَنٌّ وتعيير للسائل بالسؤال؛ لكونها مشوبة بضرر التعيير له؛ أي: هذا القول المعروف من المسؤول، والرد الجميل، والمسامحة عن بذاءة لسان السائل خيرٌ للسائل من صدقة يأخذها، ويعقبها المن والتعيير من المسؤول له. وقال الشوكاني (١): والمعنى: أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو: التأنيس والترجية بما عند الله، والرد الجميل خير من الصدقة التي يتبعها أذى. وقد ثبت في "صحيح مسلم" عنه ﵌: الكلمة الطيبة صدقة، وأن "مِنَ المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طلق". وما أحسن ما قاله ابن دريد: لاَ تُدْخِلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مِنْ سَائِلٍ ... فَلِخَيْرِ دَهْرِكَ أَنْ تُرَى مَسْؤُولاَ لاَ تَجْبَهَن بِالرَّدِّ وَجْهَ مَؤَمِّلٍ ... فَبَقَاءُ عِزِّكَ أَنْ تُرَى مَأْمُولاَ والمراد بالمغفرة: الستر للخلة وسوء حالة المحتاج، والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدِّر صدر المسؤول. انتهى. ٢٦٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد ﵌ ﴿لَا

стр. 1492

تُبْطِلُوا﴾؛ أي: لا تحبطوا أجور ﴿صَدَقَاتِكُمْ﴾، ولا تفسدوها ﴿بِالْمَنِّ﴾ على الفقير ﴿وَالْأَذَى﴾ له، أي: لا تبطلوها بالمن والأذى جميعًا، أو بأحدهما إبطالًا كإبطال أجر نفقة ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ﴾ في وجوه الخير ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ أي: مُرآةً لهم وسمعة بهم؛ ليروا نفقته، ويمدحوه، ويقولوا: إنه سخي كريم، ولا يريد بإنفاقه رضا الله، ولا ثواب الآخرة. وقرأ طلحة بن مصرف ﴿رياء﴾ بإبدال الهمزة الأولى ياء لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم لكنها شاذة. ﴿و﴾ لإبطال (١) المنافق الذي ﴿لا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾؛ أي: أصلًا بأن يكون كافرًا، أو إيمانًا كاملًا؛ بأن يكون مسلمًا عاصيًا، فإن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة، لا لوجه الله تعالى. ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى .. فقد أتى بتلك الصدقة، لا لوجه الله أيضًا؛ إِذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى. لما مَنَّ على الفقير، ولا آذاه. فالمقصود من الإبطال: الإتيان بالإنفاق باطلًا؛ لأن المقصود الإتيان به صحيحًا، ثم إحباطه بسبب المن والأذى ﴿فَمَثَلُهُ﴾؛ أي: فمثل هذا المرائي والمنافق، وصفته في إنفاقه، وحالته ﴿كصفوان﴾؛ أي: كصفة صفوان، وحالته. و ﴿الصفْوان﴾ بسكون الفاء: الحجر الكبير الأملس. وقرأ ابن المسيب والزهري ﴿كصفوان﴾ بفتح الفاء ولكنّه شاذٌّ في الأسماء؛ لأن الفتح في المصادر، كالغليان والفوقان؛ أي: كحالة الحجر الأملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾؛ أي: شيء من تراب فظنه الظان أرضًا منبتة طيبة ﴿فَأَصَابَهُ﴾؛ أي: أصاب ذلك الصفوان ﴿وَابِلٌ﴾؛ أي: مطر شديد ﴿فَتَرَكَهُ﴾؛ أي: فجعل المطر ذلك الحجر ﴿صَلْدًا﴾؛ أي: أجرد أملس نقيًّا من التراب، وأخلف ما ظنه الظان كذلك، هذا المنافق والمرائى يرى الناس أن له أعمالًا؛ كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة .. اضمحلت وبطلت؛ كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: لا يقدر هؤلاء المراؤون على ثواب شيء في الآخرة مما أنفقوا في الدنيا رئاءً، فضمير قوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائد على المرائي والمنافق، فيكون المعنى: إن الله

стр. 1493

تعالى شبَّه المانّ والمؤذي بالمنافق والمرائي، ثم شبه المنافق والمرائي بالحجر الكبير الأملس. وقيل: الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائد على المان والمؤذي، وأنه شبه بشيئين: أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس. والثاني: بصفوان عليه تراب. والمعنى: لا يجد المانُّ والمؤذي ثواب صدقة؛ كما لا يوجد على الصفوان التراب بعد ما أصابه المطر الشديد. قال القاضي (١) عبد الجبار: ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمن والأذى مثلين: فمثله أولًا: بمَنْ ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة مَنْ يتبعها بالمن والأذى. ثم مثله ثانيًا: بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم إذا أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلًا. قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان .. فكذا المن والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح القول في الإحباط والتكفير. انتهى. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ إلى الخير والرشاد، وفي هذه الآية: تعريض بأن كلًّا من الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من خصائص الكفار، فلا بد للمؤمنين أن يجتنبوها. ٢٦٥ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، أي: وصفة الذين يصرفون أموالهم في وجوه الخير طلب رضاء الله تعالى ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ويقينًا من قلوبهم بالثواب من الله تعالى، وتصديقًا بوعده يعلمون أن ما أنفقوا خير لهم مما تركوا. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾؛ أي: كمثل بستان

стр. 1494

في مكان مرتفع مستو، أصابه مطر شديد كثير ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾؛ أي: فأعطت صاحبها ثمرها حال كونه مضاعفًا؛ مثل ما يثمر غيرها بسبب الوابل الكثير، فتحمل من الريع في سنة واحدة ما يحمل غيرها في سنتين. وقيل: أضعفت فحملت في السنة مرتين. وخص الربوة؛ لأن شجرها أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا إذا كان لها ما يرويها من الماء. وقرأ ابن عامر وعاصم: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ بفتح الراء، وباقي السبعة ﴿برُبوة﴾ بالضم، وكذلك خلافهم في: ﴿قد أفلح﴾. وقرأ ابن عباس شذوذًا بكسر الراء، وقرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن شذوذًا: ﴿برباوة﴾ على وزن كراهة، وأبو الأشهب العقيلي أيضًا: ﴿برباوة﴾ على وزن رسالة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿أُكْلَها﴾ بضم الهمزة وسكون الكاف تخفيفًا، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿أكُلَها﴾ بتحريك الكاف بالضم. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾؛ أي: فطل يكفيها لجودة منبتها، ولطافة هوائها. والمعنى: إن لم يكن أصابها وابل، وأصابها طلٌّ .. فيكفيها. والطل: المطر الخفيف الضعيف المشدق القطر، والمراد: أن الطل ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين. يقول : كما أن هذه الجنة تثمر في كل حال، ولا يُخيب صاحبها، قلَّ المطر أم كثر .. كذلك يضعّف الله ثواب صدقة المؤمن قلَّتْ نفقتهُ أم كثُرَتْ ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عملًا ظاهرًا، أو قلبيًّا ﴿بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء منه، يجازيكم عليه. يعني: أنه تعالى لا تخفى عليه نفقة المخلص في صدقته الذي لا يمن بها ولا يؤذي، والذي يمن بصدقته ويؤذي. وهذا تحذير من الرياء، وترغيب في الإخلاص. وقرأ شذوذًا ﴿يعملون﴾ الزهري بالياء، فظاره أن الضمير يعود على المنافقين، ويحتمل أن يكون عامًّا؛ فلا يختص بالمنافقين، بل يعود على الناس أجمعين، وقرأ الجمهور ﴿تعملون﴾ بالتاء على الخطاب، وفيه التفات. ٢٦٦ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ هذه الجملة متصلة بقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ الخ. فهو مَثَل آخر لنفقة المرائي والمانّ، والهمزة فيه للإنكار؛ أي: أيحب أحدكم أيها المراؤون في صدقاتكم. أي: لا يحب ذلك. والود: حب الشيء مع تمنيه ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؛ أي: بستان ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ خصصهما بالذكر؛ لأنهما

стр. 1495

أشرف الفواكه وأحسنها، ولما فيهما من الغذاء والتفكه. ﴿تَجْرِي﴾ وتطرد ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ والسواقي، فإن جري الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك الأحد ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنة ﴿مِنْ كُلِّ﴾ أنواع ﴿الثَّمَرَاتِ﴾ والفواكه؛ لأن ذلك من تمام كمال البستان وحسنه ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿أصابه﴾؛ أي: أصاب ذلك الأحد ﴿الْكِبَرُ﴾، أي: كبر المن، فلا يقدر على الكسب ﴿و﴾ الحال أن ﴿له ذرية ضعفاء﴾، وقرىء شذوذًا ضعاف، وكلاهما جمع ضعيف كظريف وظرفاء وظراف؛ أي: أولاد صغار لا يقدرون على الكسب بسبب الضعف والصغر. ﴿فَأَصَابَهَا﴾؛ أي: أصاب تلك الجنة ﴿إِعْصَارٌ﴾؛ أي: ريح شديدة مرتفعة إلى السماء، تستدير في الأرض كأنها عمود، لها صوت شديد ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك الأعصار ﴿نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ تلك الجنة بذلك الإعصار، ففقدها أحوج ما كان إليها عند كبر السن، وكثرة العيال، وطفولة الأولاد، فبقي هو وأولاده عجزة متحيرين، لا يقدرون على حيلة، كذلك يبطل الله عمل المرائي والمنافق؛ حيث لا توبة لهما، ولا إقالة من ذنوبهما. والمقصود من هذا المثل: بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله، بل يقرن بها أمورًا تخرجها عن كونها موجبة للثواب، فحين يقدم يوم القيامة، وهو حينئذٍ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب .. عظمت حسرته، وتناهت حيرته. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين الله تعالى لكم أمر النفقةِ المقبولة وغير المقبولة ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: الدلائل في سائر أمور الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لكي تتفكروا في أمثال ٢٦٧ - القرآن، وتفهموها وتنزلوها على المعاني المرادة منها، وتتعظوا بها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد ﵌ ﴿أَنْفِقُوا﴾؛ أي: زكوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾؛ أي: من جياد وخيار ما جمعتم من الذهب والفضة وعروض التجارة والمواشي. وقيل من حلالات ما كسبتم بالتجارة والصناعة. وفيه: دليل على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى: طيب وخبيث. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا

стр. 1496

لَكُمْ﴾؛ أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من الحبوب والثمار والمعادن والركاز، فحذف المضاف، لدلالة ما قبله عليه. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾؛ أي: ولا تقصدوا الرديء من أموالكم للإنفاق منه. وقراءة الجمهور بفتح حرف المضارعة وتخفيف الياء، وقرأ البزّي عن ابن كثير بتشديد التاء لدى وصلها بما قبلها. وقرأ ابن مسعود شذوذًا: ﴿ولا تأمموا﴾، وهي لغة من أَمَمت؛ أي: قصدت. وقرأ أبو مسلم بن خباب شذوذًا أيضًا بضم الفوقية وكسر الميم، وحكى أبو عمرو: أن ابن مسعود شذوذًا أيضًا قرأ ﴿تُئِمموا﴾ بهمزة بعد المضمومة. وفي الآية (١): الأمر بإنفاق الطيب، والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف: إلى أن الآية في الصدقة المفروضة، وذهب آخرون: إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع، وهو الظاهر. وتقديم الظرف في قوله: ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يفيد التخصيص؛ أي: لا تخصوا الخبيث بالإنفاق، والجملة في محل نصب حال؛ أي؛ لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاقَ به، قاصرين له عليه. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تأخذونه في معاملتكم في وقت من الأوقات. وقيل معناه: ولستم بأخذيه لو وجد تمره يباع في السوق. وقيل: إن قوله: ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ على تقدير (٢) الاستفهام الإنكاري، و ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بالفعل بعده، والمعنى: أمن الخبيث تنفقون في الزكاة، والحال أنكم لستم قابلي الخبيث إذا كان لكم حق على صاحبكم. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أي: إلا بأن تساهلوا في الخبيث، وتتركوا بعض حقكم، كذلك لا يقبل الله الرديء منكم. وفي هذا دلالة على أن الفقراء شركاء رب المال، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد إلا بالتساهل. وقال البراء (٣) وابن عباس والضحاك وغيرهم: معنى هذا الكلام: ولستم

стр. 1497

بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تُساهِلُوا في ذلك، وتتركوا من حقوقكم، وتكرهونه ولا ترضونه؛ أي: فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. وقرأ الجمهور: ﴿تُغْمِضُوا﴾ من أغمض، وجعلوه مما حذف مفعوله؛ أي: تغمضوا أبصاركم أو بصائركم. وقرأ الزهري: ﴿تُغَمِّضُوا﴾ بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم المشددة ومعناها كمعنى قراءة الجمهور. وروي عنه ﴿تَغْمِضوا﴾ بفتح التاء وسكون الغين وكسر الميم مضارع غمض، وهي لغة في أغمض. وروي عن اليزيدي: ﴿تَغمُضوا﴾ بفتح التاء وضم الميم، ومعناه: إلا أن يخفى عليكم رأيكم فيه. وروي عن الحسن؛ ﴿تغمَّضوا﴾ مشددة الميم مفتوحة. وقرأ قتادة ﴿تُغْمَضوا﴾ بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففًا، ومعناه: إلا أن يغمض لكم، وما عدا قراءة الجمهور شاذ. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن إنفاقكم وصدقاتكم، وإنما يأمركم به لمنفعتكم ﴿حَمِيدٌ﴾؛ أي: محمود على كل حال، أو مستحق للحمد على نعمه العظام. وقيل: حامد بقبول الجيد، وبالإثابة عليه. ٢٦٨ - ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إبليس اللعين ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾؛ أي: يخوفكم بالفقر، ويخبركم بأسبابه عند الصدقة، ويقول لكم: أمسكوا أموالكم، فإنكم إذا تصدقتم .. صرتم فقراء، أو المعنى: النفس الأمارة بالسوء توسوس لكم بالفقر. والوعد: يكون في الخير، وفي الشر كما هنا. يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا. والفقر: سوء الحال، وقلة ذات اليد. وأصله من كسر فقار الظهر. وقرىء شذوذًا: ﴿الفُقْر﴾ بالضم والسكون، و ﴿الفُقُر﴾ بضمتين، وبفتحتين. وقراءة الجمهور: ﴿الفَقْر﴾ بالفتح والسكون. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: بالبخل ومنع الزكاة والصدقة؛ أي: يوسوس لكم بها، ويحسن لكم إياها، ويغريكم عليها إغراء الآمر للمأمور. والفحشاء: الخصلة الفحشاء، وهي المعاصي والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾؛ أي: سترًا لذنوبكم مكافأة على بذل أموالكم. ﴿وَفَضْلًا﴾؛ أي: خلفًا في الدنيا أفضل مما

стр. 1498

أنفقتم، أو وثوابًا عليه في الآخرة. فالمغفرة: إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل: إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرزق والخلف. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ بالمغفرة للذنوب، وبإغنائكم وإخلاف ما تنفقونه ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم وصدقاتكم، لا تخفى عليه خافية. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا". متفق عليه. وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال الله تعالى: "أنفق ينفق عليك". وفي رواية: "يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة سحَّاء الليل والنهار"، وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يده - وفي رواية: فإنه لم يغض ما في يمينه - وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع. وفي رواية: وبيده الأخرى الفيض والقبض، يرفع ويخفض" متفق عليه. وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﵌: "أنفقي، ولا تحصي فيحصى عليك، ولا توعي فيوعى عليك" متفق عليه. قوله: "ولا توعي" أي: لا تشحي فيشح الله عليك؛ أي: فيجازيك بالتَّقْتِير في رزقك، ولا يخلف عليك، ولا يبارك لك. والمعنى: لا تجمعي وتمنعي، بل أنفقي ولا تعتدي ولا تشحي. ٢٦٩ - ﴿يُؤْتِي﴾؛ أي: يعطي الله ﴿الْحِكْمَةَ﴾؛ أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ويريد إيتاءَه من عباده. واختلفوا في تفسير الحكمة على أقوال كثيرة جدًّا، فقال السّدّيّ: هي النبوة. وقال ابن عباس ﵄: الفهم بالقرآن ناسخِه ومنسوخه، مُحكمهِ ومتشابهه، عامِّه وخاصِّه، إلى غير ذلك. وقال مجاهد: الإصابة في القول. وقال مالك: الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقه فيه، والإتباع له، إلى غير ذلك من الأقوال المتلاطمة. وقراءة الجمهور بالياء في الفِعْلين. وقرأ الربيع بن خيثم بالتاء في ﴿يُؤْتِي﴾، وفي ﴿يَشَاءُ﴾

стр. 1499

على الخطاب، وفيه التفات؛ إذ فيه خروج من خطاب إلى غيبة. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؛ أي: إصابة القول والفعل والرأي. قرأ الجمهور: ﴿يُؤْتَ﴾ مبنيًّا للمفعول. وقرأ يعقوب: ﴿ومن يؤتِ﴾ بكسر التاء مبنيًّا للفاعل، وفاعله ضمير يعود على الله. وقرأ الأعمش شذوذًا: ﴿ومن يؤته الحكمة﴾ بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول، وفاعله ضمير عائد على الله تعالى؛ أي: ومن يعطِ الحكمة ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ أي؛ فقد أعطي خير الدارين ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾؛ أي: ما يتفكر في الحكمة ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي؛ إلا أصحاب العقول السليمة من الركون إلى متابعة الهوى، أو المعنى: وما يتعظ بما وعظه الله إلا ذوو العقول الكاملة، الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه، أو: العلماء العمال. والمراد به: الحث على العمل بما تضمنت الآيُ في معنى الإنفاق. الإعراب ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾. ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾ مضاف إليه، ولكن لا بد من تقدير مضاف في أحد الجانبين؛ ليصح الإخبار: إما في الأول تقديره: مثل نفقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة، أو في الثاني تقديره: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل باذر حبة. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور وضاف إليه متعلق بـ ﴿يُنفِقُونَ﴾، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: مثل نفقاتهم كائن كمثل حبة، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: فعل ومفعول به، ومضاف إليه مجرور بالفتح؛ لأنه على زنة مفاعل، وفاعله ضمير يعود على حبة، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿حَبَّةٍ﴾؛ تقديره: كمثل حبة منبِّتة سبع سنابل. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر مقدم

стр. 1500

﴿مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل الجر صفة لـ ﴿سَنَابِلَ﴾؛ تقديره: موصوفة يكون مئة حبة في كل سنبلة منها؛ أي: من تلك السنابل، ويصح أن يكون مئة حبة فاعلًا للجار والمجرور قبله؛ لاعتماده على موصوف؛ لوقوعه صفة لسنابل، وهذا الوجه هو أولى من الأول؛ لأن الأصل الوصف بالمفردات دون الجمل، ولكن لا بد من تقدير محذوف، أي: في كل سنبلة منها؛ أي: من السنابل، ويجوز أن تكون الجملة في محل النصب صفة لـ ﴿سَبْعَ﴾، كقولك: رأيت سبعة رجال أحرار وأحرارًا. وقرىء شاذًا: ﴿مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ بالنصب، وقُدِّر بـ: أخرجت، وقدَّره ابن عطية بـ: أنبتت، والضمير عائد على الحبة. ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية. ﴿الله﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُضَاعِفُ﴾: خبره، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُضَاعِفُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول المحذوف؛ تقديره: لمن يشاء. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿وَاسِعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب وتراخ (١)، نظرًا للغالب من أن وقوع المن والأذى يكون بعد الإنفاق بمدة. وقيل المراد: التراخي في الرتبة، وأن رتبة عدمهما أعظم في الأجر من رتبة الإنفاق. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُتْبِعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة

стр. 1501

على جملة الصلة ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾: ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول أول. ﴿أَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: ما أنفقوه. ﴿مَنًّا﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿يُتْبِعُونَ﴾. ﴿وَلَا أَذًى﴾: معطوف عليه، عطف عام على خاص، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿أَجْرُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، وجملة المبتدأ الأول وخبره مستأنفة، وإنما لم تدخل الفاء هنا في خبر الموصول؛ لعدم تضمُّنه معنى الشرط والتعليق؛ لأن هذه الجملة مفسِّرة لما قبلها، فهي كالشيء الثابت المفروغ منه، فلا تحتاج إلى تضمين تعليق. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر، أعني قوله: ﴿لَهُمْ﴾ تقديره: لهم أجرهم حالَ كونه مدخرًا لهم عند ربهم. ﴿وَلَا خَوْفٌ﴾: الواو عاطفة. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾ اسم ليس. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ على كونها خبر المبتدأ الأول، وكذا جملة قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معطوفة عليها على كونها خبرًا. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾. ﴿قَوْلٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفهُ بما بعده، والعطف عليها. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: معطوف عليه، وسوغ الإبتداء بها العطف، أو الصفة المقدرة؛ إذ التقدير: ومغفرة من السائل، أو من الله ﴿خَيْرٌ﴾ خبر عنهما، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ صَدَقَةٍ﴾: متعلق بخبر. ﴿يَتْبَعُهَا أَذًى﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر صفة صدقة. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿غَنِيٌّ﴾: خبر أول. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: يا: حرف نداء. أيُّ: منادى نكرة مقصودة، ها: حرف تنبيه

стр. 1502

زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب أو الرفع صفة لأي. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَا تُبْطِلُوا﴾؛ ﴿لَا﴾: ناهية. ﴿تُبْطِلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿صَدَقَاتِكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿بِالْمَنِّ﴾: متعلق بـ ﴿تُبْطِلُوا﴾. ﴿وَالْأَذَى﴾: معطوف على المن. ﴿كَالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر مع تقدير مضاف تقديره: لا تبطلوا إبطالًا كإبطال نفقات الذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ﴾: فعل، ومفعول به، ومضاف إليه، والفاعل ضمير يعود على الموصول، والجملة صلته ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مفعول لأجله، ومضاف إليه. ﴿وَلَا يُؤْمِنُ﴾: الواو عاطفة. ﴿لا﴾: نافية ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُنْفِقُ﴾ على كونها صلة الموصول ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾. ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لليوم. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ الفاء رابطة لما بعدها بما قبلها جوازًا ﴿مثله﴾: مبتدأ، ومضاف إليه، والضمير عائد على المرائي. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: صفته كائنة كصفة صفوان، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَيْهِ﴾: خبر مقدَّم. ﴿تُرَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجر صفة لصفوان. ولك (١) أن ترفع ترابًا بالجار؛ لأنه قد اعتمد على ما قبله، ﴿فَأَصَابَهُ﴾ الفاء عاطفة على الجار؛ لأن تقديره: استقر عليه تراب، فأصابه وابل، وهذا أحد ما يقوي شَبَه الظرف بالفعل، ذكره أبو البقاء. ﴿أصابه وابل﴾، فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ ﴿فَتَرَكَهُ﴾ الفاء عاطفة ﴿تركه صلدًا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على

стр. 1503

﴿وَابِلٌ﴾، ويحتمل كون ترك من أخوات صار الناقصة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾. ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَقْدِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه (١) قيل: فماذا يكون مآلهم حينئذٍ؟ فقيل: لا يقدرون، والضمير في ﴿يَقْدِرُونَ﴾ عائد على الموصول في قوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. ومن (٢) ضرورة كون مثلهم كما ذكر، كون مثل من يُشْبههم، وهم أصحاب المن والأذى كذلك. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَقْدِرُونَ﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لشيء؛ تقديره: شيء كائن مما كسبوا ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كسبوه. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿لَا يَهْدِي﴾: ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الْكَافِرِينَ﴾ صفة للقوم. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾. ﴿وَمَثَلُ﴾ الواو استئنافية. ﴿مثل﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه، ولكن على تقدير مضاف تقديره: ومثل نفقات الذين ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَمْوَالَهُمُ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول لأجله، وهو مضاف. ﴿مَرْضَاتِ﴾: مضاف إليه، مرضات: مضاف، ولفظ الجلالة ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَتَثْبِيتًا﴾: معطوف على ابتغاء. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَثْبِيتًا﴾: أي: لأجل الابتغاء والتثبيت، ويصح أن يكونا حالين؛ أي: مبتغين ومثبتين ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره:

стр. 1504

ومثل نفقات الذين ينفقون كائن كمثل جنة، والجملة مستأنفة. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿جَنَّةٍ﴾ تقديره: كائنة بربوة. ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر صفة ثانية لجنة، ويجوز (١) أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال من الجنة؛ لأنها قد وصفت، ويجوز أن تكون حالًا من الضمير في الجار، وقد مقدرة مع الفعل، ويجوز أن تكون الجملة صفة لربوة؛ لأن الجنة بعض الربوة. ﴿فَآتَتْ﴾: الفاء عاطفة، ﴿آتى﴾: فعل ماضٍ، والتاء علامة التأنيث، وفاعله ضمير يعود على الجنة، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَصَابَهَا﴾، وأتى يتعدى إلى مفعولين، أولهما محذوف تقديره: صاحبها ﴿أُكُلَهَا﴾: مفعول ثانٍ، ومضاف إليه. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: حال من ﴿أُكُلَهَا﴾؛ أي: حال كونه مضاعفًا. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حالها فيما إذا أصابها وابل، وأردت بيان حالها فيما إذا لم يصبها وابل .. فأقول لك ﴿إن لم يصبها﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يُصِبْهَا وَابِلٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿فَطَلٌّ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿طلّ﴾: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: فطل يكفيها، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، إما صلة لها، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.

стр. 1505

﴿أَيَوَدُّ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يود أحدكم﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، أو إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تَكُونَ﴾: فعل ناقص منصوب بـ ﴿أَن﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿تَكُونَ﴾. ﴿جَنَّةٌ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: أيود أحدكم كون جنة له. ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَأَعْنَابٍ﴾: معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿جَنَّةٌ﴾، ولكنها سببية. ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لمبتدأ محذوف تقديره: رزقٌ كائن من كل الثمرات، كائن له حالة كونه في تلك الجنة، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع صفة ثالثة لـ ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾. ﴿وَأَصَابَهُ﴾: الواو حالية. ﴿أصابه الكبر﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة حال من ﴿أَحَدُكُمْ﴾ وقد مقدرة فيها. ﴿وَلَهُ﴾: الواو حالية. ﴿له﴾: خبر مقدم ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿ضُعَفَاءُ﴾: صفة لـ ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾، والجملة في محل النصب حال من الهاء في ﴿أصابه﴾. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾. ﴿فَأَصَابَهَا﴾: الفاء عاطفة ﴿أصابها إعصار﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على صفة الجنة، قاله أبو البقاء؛ يعني على قوله: ﴿من نخيلٍ﴾ وما بعده. ﴿فِيهِ نَارٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع صفة الإعصار. ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾: الفاء عاطفة ﴿احترقت﴾: فعل ماضٍ، وتاء تأنيث، وفاعله ضمير يعود على ﴿جَنَّةٌ﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ على كونها صفة لـ ﴿جَنَّةٌ﴾.

стр. 1506

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تبيينًا كائنًا كتبيين هذا المثل المذكور. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة .. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍ وتعليل، والكاف: اسمها. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾ تقديره: لعلكم متفكرون، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، أيُّ: منادى نكرة مقصودة، ها: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب، أو الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَنْفِقُوا﴾. ﴿كَسَبْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: كسبتموه. ﴿وَمِمَّا﴾: جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾، ولكنه على تقدير مضاف تقديره: ومن طيبات ما أخرجنا لكم. ﴿أَخْرَجْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: أخرجناه. ﴿لَكُم﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلق أيضًا بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَيَمَّمُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْفِقُوا﴾. ﴿الْخَبِيثَ﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿تُنفِقُونَ﴾، وجملة ﴿تُنفِقُونَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَيَمَّمُوا﴾، وهي حال مقدرة؛ لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه،

стр. 1507

ويجوز أن يكون حالًا من الخبيث؛ لأن في الكلام ضميرًا يعود إليه، أي: منفقًا منه. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. ﴿وَلَسْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لستم﴾: فعل ناقص، واسمه. ﴿بِآخِذِيهِ﴾: الباء زائدة في خبر ليس ﴿آخذيه﴾: خبر ﴿ليس﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿ليس﴾ مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تُغْمِضُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُغْمِضُوا﴾، وجملة ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بباء محذوفة تقديره: إلا بإغماضكم فيه، والباء المحذوفة متعلقة بـ ﴿آخِذِيهِ﴾، ومفعول الإغماض محذوف تقديره: أبصاركم؛ أي: بإغماضكم فيه أبصاركم. وجوز أبو البقاء أنْ تكون ﴿أَنْ﴾ وما في حيزها في محل نصب على الحال، والعامل فيها ﴿آخِذِيهِ﴾، والمعنى: لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: الواو استئنافية. ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿غَنِيٌّ﴾: خبر أول لها. ﴿حَمِيدٌ﴾: خبر ثانٍ لها، والجملة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾ تقديره: واعلموا كون الله غنيًّا حميدًا. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، وجملة: ﴿يأمركم﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَعِدُكُمُ﴾ ﴿بِالْفَحْشَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يأمركم﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير

стр. 1508

يعود على الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مَغْفِرَةً﴾. ﴿وَفَضْلًا﴾: معطوف على مغفرة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿وَاسِعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة أو معطوفة. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿يُؤْتِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، وأتى هنا بمعنى: أعطى، يتعدى إلى مفعولين. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: مفعول أول له ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ له. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء إيتاءَه ﴿وَمَنْ يُؤْتَ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُؤْتَ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصِّيغةِ مجزوم، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وهو المفعول الأول. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: مفعول ثانٍ. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقترانه بقَدْ. ﴿أُوتِيَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جوابًا لها، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وهو المفعول الأول ﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثانٍ. ﴿كَثِيرًا﴾؛ صفة له، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية، إما معطوفة على جملة ﴿يُؤْتِي﴾، أو مستأنفة. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ الواو استئنافية ﴿ما﴾: نافية ﴿يَذَّكَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: والسنابل: جمع سنبلة على وزن فُنْعلة، والنون فيه زائدة، والسنبلة معروفة، يدلك على ذلك قولهم: أسبل الزرعُ إذا أخرج سبله، والسبَلُ مثل السنابل واحدتها سَبَلة، مثل قَصَب وقصَبَة، ويقال: سَنْبل الزرع إذا أخرج

стр. 1509

سنبله، وقال (١) بعض أصحابنا: النون أصلية، ووزنه فعلل؛ لأن فنعل لم يثبت، فيكون مع أسبل كسبط وسبطر. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: والأصل في مئة: مئية. يقول: مئيت القوم، إذا كملتهم مئة، ثم حذفت اللام تخفيفًا؛ كما حذفت لام يدٌ ودمٌ. ﴿وَلَا أَذًى﴾: ولام (٢) الأذى ياء، يقال: أذى يأذي أذىً مثل نصب ينصِب نصبًا. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: والهمزة الأولى في ﴿رِئَاءَ﴾: عين الكلمة؛ لأنه من رئى، والأخيرة بدل من الياء؛ لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة كالقضاء والدماء، ويجوز تخفيف الهمزة الأولى؛ بأن تقلب ياءً فرارًا من ثقل الهمزة بعد الكسرة. وقد قرئ به كما مَرَّ، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول، وفي "الجمل": ورئاء (٣): مصدر كقائل قئالًا، والأصل ريايًا، فالهمزة الأولى بدل من ياءٍ هي عين الكلمة، والثانية بدلٌ من ياءِ هي لام الكلمة؛ لأنها وقعت طرفًا بعد ألف زائدة والمفاعلة في ﴿رِئَاءَ﴾ على بابها؛ لأن المرائي يُري الناس أعماله حتى يروه الثناءَ عليه والتعظيم له. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: الصفوان: الحجر الكبير الأملس كما سبق، وهو جمع صفوانه، والأفصح أن يقال: جنس لا جمع، ولذلك عاد الضمير عليه بلفظ الإفراد في قوله: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ وقيل: هو مفرد، وقيل: جمع واحدهُ صفا، ولكن جمعُ فَعَلٍ على فَعْلَان قليلٌ، وحُكي: صِفوان - بكسر الصاد - وهو أكثر في المجموع. ويقرأ بفتح الفاء، وهو شاذ؛ لأن فعلانًا شاذ في الأسماء، وإنما يجيء في المصادر؛ كالغليان كما مر. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾: التراب معروف، ويقال: فيه توراب. وتَرِب الرجل: افتقر. وأترب: استغنى، الهمزة فيه للسلب؛ أي: زال عنه التراب وهو الفقر، وإذا زال

стр. 1510

عنه كان غنيًّا. ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: وألف ﴿أصابه﴾ بَدَلٌ من واو؛ لأنه من: صاب يصوب كقال يقول. وفي "المصباح": وبلت السماء وبلًا من باب: وعد وبولًا: اشتد مطرها، وكان الأصل: وبل مطر السماء، فحذف للعلم به، ولهذا يقال للمطر: وابل. فائدة: المطر أوله رشٌّ، ثم طشٌّ، ثم طلٌّ، ثم نضح، ثم هطل، ثم وبل. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ وفي "المختار": حجر صلد؛ أي: صُلْبٌ أملس، وصلد الزند - من باب: جلس - إذا صوَّت، ولم يخرج نارًا، وأصلد الرجل: صلد زنده، ويقال أيضًا: صلِد بكسر اللام يصلَد بفتحها. ﴿طل﴾: الطل: المستدق من القطر الخفيف، وفي "الصحاح": الطل أضعف المطر، والجمع: طلال، يقال: طلت الأرض، وهي مطلول. ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ونخيل فيها قولان: أحدهما: أنه اسم جمع واحدهُ نخلة. والثاني: أنه جمع نخل الذي هو اسم جنس، والأعناب جمع عنبٍ الذي هو اسم جنس واحدهُ عنبة، والعنب تمر الكرم، وقال الراغب: سمي النخل؛ لأنه منخول الأشجار وصفوها، وذلك أنه أكرم ما ينبت؛ لكونه مشبهًا للحيوان في احتياج الأنثى للذكر، وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر. ﴿يَعِدُكُمُ﴾ أصله: يوعدكم، فحذفت الواو؛ لوقوعها بين عدوتيها الياء والكسرة ﴿يَذَّكَّرُ﴾ أصله: يتذكر فأبدلت التاء ذالًا؛ لتقرب منها فتدغم. البلاغة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾: فيه مجاز بالحذف؛ لأنه لا بدَّ من تقدير مضاف في أحد الجانبين؛ أي: مثل نفقاتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾: شبّه النفقة التي تنفق في سبيله بحبة أنبتت سبع سنابل، فأصبحت سبع مئة حبة، ففيه تشبيه مرسل مجمل؛ لذكر أداة التشبيه،
следующие страницы →