← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تبيينًا كائنًا كتبيين هذا المثل المذكور. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة .. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍ وتعليل، والكاف: اسمها. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾ تقديره: لعلكم متفكرون، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، أيُّ: منادى نكرة مقصودة، ها: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب، أو الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَنْفِقُوا﴾. ﴿كَسَبْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: كسبتموه. ﴿وَمِمَّا﴾: جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾، ولكنه على تقدير مضاف تقديره: ومن طيبات ما أخرجنا لكم. ﴿أَخْرَجْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: أخرجناه. ﴿لَكُم﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلق أيضًا بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَيَمَّمُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْفِقُوا﴾. ﴿الْخَبِيثَ﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿تُنفِقُونَ﴾، وجملة ﴿تُنفِقُونَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَيَمَّمُوا﴾، وهي حال مقدرة؛ لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه،

стр. 1507

ويجوز أن يكون حالًا من الخبيث؛ لأن في الكلام ضميرًا يعود إليه، أي: منفقًا منه. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. ﴿وَلَسْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لستم﴾: فعل ناقص، واسمه. ﴿بِآخِذِيهِ﴾: الباء زائدة في خبر ليس ﴿آخذيه﴾: خبر ﴿ليس﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿ليس﴾ مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تُغْمِضُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُغْمِضُوا﴾، وجملة ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بباء محذوفة تقديره: إلا بإغماضكم فيه، والباء المحذوفة متعلقة بـ ﴿آخِذِيهِ﴾، ومفعول الإغماض محذوف تقديره: أبصاركم؛ أي: بإغماضكم فيه أبصاركم. وجوز أبو البقاء أنْ تكون ﴿أَنْ﴾ وما في حيزها في محل نصب على الحال، والعامل فيها ﴿آخِذِيهِ﴾، والمعنى: لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: الواو استئنافية. ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿غَنِيٌّ﴾: خبر أول لها. ﴿حَمِيدٌ﴾: خبر ثانٍ لها، والجملة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾ تقديره: واعلموا كون الله غنيًّا حميدًا. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، وجملة: ﴿يأمركم﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَعِدُكُمُ﴾ ﴿بِالْفَحْشَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يأمركم﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير

стр. 1508

يعود على الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مَغْفِرَةً﴾. ﴿وَفَضْلًا﴾: معطوف على مغفرة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿وَاسِعٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة أو معطوفة. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿يُؤْتِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، وأتى هنا بمعنى: أعطى، يتعدى إلى مفعولين. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: مفعول أول له ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ له. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء إيتاءَه ﴿وَمَنْ يُؤْتَ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُؤْتَ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصِّيغةِ مجزوم، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وهو المفعول الأول. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: مفعول ثانٍ. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقترانه بقَدْ. ﴿أُوتِيَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جوابًا لها، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وهو المفعول الأول ﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثانٍ. ﴿كَثِيرًا﴾؛ صفة له، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية، إما معطوفة على جملة ﴿يُؤْتِي﴾، أو مستأنفة. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ الواو استئنافية ﴿ما﴾: نافية ﴿يَذَّكَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: والسنابل: جمع سنبلة على وزن فُنْعلة، والنون فيه زائدة، والسنبلة معروفة، يدلك على ذلك قولهم: أسبل الزرعُ إذا أخرج سبله، والسبَلُ مثل السنابل واحدتها سَبَلة، مثل قَصَب وقصَبَة، ويقال: سَنْبل الزرع إذا أخرج

стр. 1509

سنبله، وقال (١) بعض أصحابنا: النون أصلية، ووزنه فعلل؛ لأن فنعل لم يثبت، فيكون مع أسبل كسبط وسبطر. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: والأصل في مئة: مئية. يقول: مئيت القوم، إذا كملتهم مئة، ثم حذفت اللام تخفيفًا؛ كما حذفت لام يدٌ ودمٌ. ﴿وَلَا أَذًى﴾: ولام (٢) الأذى ياء، يقال: أذى يأذي أذىً مثل نصب ينصِب نصبًا. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: والهمزة الأولى في ﴿رِئَاءَ﴾: عين الكلمة؛ لأنه من رئى، والأخيرة بدل من الياء؛ لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة كالقضاء والدماء، ويجوز تخفيف الهمزة الأولى؛ بأن تقلب ياءً فرارًا من ثقل الهمزة بعد الكسرة. وقد قرئ به كما مَرَّ، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول، وفي "الجمل": ورئاء (٣): مصدر كقائل قئالًا، والأصل ريايًا، فالهمزة الأولى بدل من ياءٍ هي عين الكلمة، والثانية بدلٌ من ياءِ هي لام الكلمة؛ لأنها وقعت طرفًا بعد ألف زائدة والمفاعلة في ﴿رِئَاءَ﴾ على بابها؛ لأن المرائي يُري الناس أعماله حتى يروه الثناءَ عليه والتعظيم له. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: الصفوان: الحجر الكبير الأملس كما سبق، وهو جمع صفوانه، والأفصح أن يقال: جنس لا جمع، ولذلك عاد الضمير عليه بلفظ الإفراد في قوله: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ وقيل: هو مفرد، وقيل: جمع واحدهُ صفا، ولكن جمعُ فَعَلٍ على فَعْلَان قليلٌ، وحُكي: صِفوان - بكسر الصاد - وهو أكثر في المجموع. ويقرأ بفتح الفاء، وهو شاذ؛ لأن فعلانًا شاذ في الأسماء، وإنما يجيء في المصادر؛ كالغليان كما مر. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾: التراب معروف، ويقال: فيه توراب. وتَرِب الرجل: افتقر. وأترب: استغنى، الهمزة فيه للسلب؛ أي: زال عنه التراب وهو الفقر، وإذا زال

стр. 1510

عنه كان غنيًّا. ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: وألف ﴿أصابه﴾ بَدَلٌ من واو؛ لأنه من: صاب يصوب كقال يقول. وفي "المصباح": وبلت السماء وبلًا من باب: وعد وبولًا: اشتد مطرها، وكان الأصل: وبل مطر السماء، فحذف للعلم به، ولهذا يقال للمطر: وابل. فائدة: المطر أوله رشٌّ، ثم طشٌّ، ثم طلٌّ، ثم نضح، ثم هطل، ثم وبل. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ وفي "المختار": حجر صلد؛ أي: صُلْبٌ أملس، وصلد الزند - من باب: جلس - إذا صوَّت، ولم يخرج نارًا، وأصلد الرجل: صلد زنده، ويقال أيضًا: صلِد بكسر اللام يصلَد بفتحها. ﴿طل﴾: الطل: المستدق من القطر الخفيف، وفي "الصحاح": الطل أضعف المطر، والجمع: طلال، يقال: طلت الأرض، وهي مطلول. ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ونخيل فيها قولان: أحدهما: أنه اسم جمع واحدهُ نخلة. والثاني: أنه جمع نخل الذي هو اسم جنس، والأعناب جمع عنبٍ الذي هو اسم جنس واحدهُ عنبة، والعنب تمر الكرم، وقال الراغب: سمي النخل؛ لأنه منخول الأشجار وصفوها، وذلك أنه أكرم ما ينبت؛ لكونه مشبهًا للحيوان في احتياج الأنثى للذكر، وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر. ﴿يَعِدُكُمُ﴾ أصله: يوعدكم، فحذفت الواو؛ لوقوعها بين عدوتيها الياء والكسرة ﴿يَذَّكَّرُ﴾ أصله: يتذكر فأبدلت التاء ذالًا؛ لتقرب منها فتدغم. البلاغة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾: فيه مجاز بالحذف؛ لأنه لا بدَّ من تقدير مضاف في أحد الجانبين؛ أي: مثل نفقاتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾: شبّه النفقة التي تنفق في سبيله بحبة أنبتت سبع سنابل، فأصبحت سبع مئة حبة، ففيه تشبيه مرسل مجمل؛ لذكر أداة التشبيه،

стр. 1511

وحذف وجه الشبه. وهذا (١) التمثيل تصوير للأَضْعافِ كأنها ماثلة بين عين الناظر. قالوا: والممثل به موجود، شوهد ذلك في سنبلة الجاروس والذرة والدخن. قيل: واختص هذا العدد؛ لأن السبْع أكثر أعداد العشرة، والسبعين أكثر أعداد المئة، وسبع مئة أكثر أعداد الألف، والعرب كثيرًا ما تراعي هذه الأعداد. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: وإسناد الإنبات إلى الحبة إسناد مجازي، ويسمى: المجاز العقلي؛ لأن المنبِت في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما نسب الإنبات إليها؛ لأنها كانت سببًا له كما يُنسب ذلك إلى الأرض والماء. ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾: من باب ذِكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول؛ لأن الأذى يشمل المن، وفي توسيط كلمة ﴿لا﴾ دلالة على شمول النفي. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية. وفي تكرير الإسناد، وتقييد الأجر بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من التأكيد والتشريف ما لا يخفى، وفي إخلاء الخبر من الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها إيذانٌ بأن ترتب الأجر على ما ذكر من الإنفاق، وترك اتباع المن والأذى أمرٌ بَيِّنٌ، لا يحتاج إلى التصريح بالسببية. ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾: وهذه الجملة تذييل (٢) لما قبلها، مشتملة على الوعد والوعيد، مقرِّرةٌ لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعًا. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ فيه تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدّد، وكذلك يوجد تشبيه تمثيلي في قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: وهذه الجملة تذييل (٣) مقرِّر لمضمون ما قبلها، وفيها تعريض بأنَّ كلًّا من الرياء، والمن والأذى على الإنفاق من خصائص

стр. 1512

الكفار، فلا بدَّ للمؤمنين أن يجتنبوها. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ...﴾ الآية. لم يذكر المشبه، ولا أداة التشبيه، وهذا النوع يسميه البيانيون استعارة تمثيلية، وهي تشبيه حال بحال لم يذكر فيه سوى المشبَّه به فقط، وقامت قرائن تدل على إرادة التشبيه. والهمزة للاستفهام الإنكاري، والمعنى على النفي والتبعيد؛ أي: ما يود أحد ذلك. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾: هذا مؤكِّد للأمر؛ إذ هو مفهوم من قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، وفي هذا طباقٌ بذكر الطيبات، والخبيث. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ في الكلام مجاز مرسل واستعارة؛ إذ الإغماض في اللغة: غمض البصر، وإطباق الجفن. والمراد هنا: التجاوز والمساهلة؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يكره .. أغمض عينيه؛ لئلا يرى ذلك. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾: وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها؛ لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها. والله أعلم * * *

стр. 1513

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها ظاهرةٌ؛ لما فيها من بيان أمر كلي شامل لجميع أفراد النفقات، وما في حكمها من النذور، بعد ما بيّن ما كان منها في سبيل الله تعالى. ولا تزال الآيات تتحدَّث عن الإنفاق في وجوه البر والخير، وأعلاها: الجهاد في سبيل الله، والإنفاق لإعلاء كلمة الله، وتُرغِّب في إخفاء الصدقات؛ لأنها أبعد عن الرياء. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر تعالى قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. اقتضى أنه ليس أحد آتاه الله الحكمة، فانقسم الناس من مفهوم هذا قسمين: من أتاه الله الحكمة فهو يعمل بها، ومن لم يؤته إياها فهو يخبط عشواء في الضلال، فنبه بهذه الآية أن هذا القسم ليس عليك هداهم، بل الهداية، وإيتاء الحكمة. إنما ذلك إلى الله تعالى ليتسلى بذلك في كون هذا القسم لم يحصل له السعادة الأبدية، ولينبه على أنهم وإنْ لم يكونوا مهتدين تجوز الصدقة عليهم.

стр. 1514

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا ...﴾ الآية، قال (١) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا الحسين بن زياد المحاربي: أخبرنا موسى بن عمير عن عامر الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا ...﴾ الآية، قال: أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما أمّا عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي ﵌، فقال له النبي ﵌: ما خلفت وراءك يا عمر؟ قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر: فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي ﵌، فقال له النبي ﵌: ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقًا. قال ابن كثير: وإنما أوردنا هذا الحديث ها هنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك. قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ...﴾ روى (٢) النسائي والحاكم والبزار والطبراني وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا عن ذلك، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﵌: أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ...﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل أهل دين.

стр. 1515

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ...﴾ قال (١) ابن عباس ﵄ في رواية عنه: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب ﵁، كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلًا وبدرهم نهارًا وبدرهم سرًّا وبدرهم علانية. وفي رواية عنه قال: لمّا نزل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف ﵁ بدنانير كثيرة إلى أهل الصفة، وبعث علي بن أبي طالب ﵁ في الليل بوَسَق من تمر، فأنزل الله فيهما: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ يعني بنفقة الليل نفقة علي، وبالنهار نفقة عبد الرحمن. التفسير وأوجه القراءة ٢٧٠ - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي: أديتم وبذلتم أيها المؤمنون ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾؛ أي: نفقة كانت في حق أو باطل، سرًّا أو علانية، قليلة كانت أو كثيرة. ﴿أَوْ﴾ ما ﴿نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾؛ أي: نذر كان في طاعة أو معصية، بشرط أو بغير شرط، متعلقًا بالمال أو بالأفعال؛ كالصيام والحج فوفيتم به. والنذر: أن يوجب الإنسان على نفسه شيئًا ليس بواجب بأصل شرعي ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿يَعْلَمُهُ﴾؛ أي: يعلم ما أنفقتم أو نذرتم، فيجازيكم عليه، وإنما قال (٢): ﴿يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل: يعلمهما؛ لأنه ردَّ الضمير على الآخر منهما، فهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾. وقيل: إن الضمير عائد على ما في قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾؛ لأنها اسم، فهو كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ولم يقل: بهما. وقيل: إنما أفرد الضمير؛ لكون العطف بأو، وإذا كان العطف بأو .. كان الضمير مفردًا؛ لأن المحكوم عليه هو أحدهما. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي للواضعين للنفقات أو النذور في غير موضعها بالإنفاق، والنذر

стр. 1516

في المعاصي أو بمنع الزكاة، وعدم الوفاء بالنذور، أو بالإنفاق بالخبيث، أو بالرياء والمن والأذى ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾؛ أي: من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى، ففيه وعيد شديد لكل ظالم. روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من نذر أن يطيع الله .. فليطعه، ومن نذر أن يعص الله. فلا يعصه". وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵌ قال: "من نذر نذرًا لم يسمه .. فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية .. فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه .. فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا فأطاقه .. فليَفِ به". أخرجه أبو داود. وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم". أخرجه النسائي. ٢٧١ - ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾؛ أي: إن تظهروا أيها المؤمنون إعطاء ﴿الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾؛ أي: فنعم شيئًا إبداؤها وإظهارها، ولم يكن رياء ولا سمعة. وقيل (١): فنعمت الخصلة هي. وقيل: فنعم الشيء هي. والصدقات: جمع صدقة، والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربى، فيدخل فيه الزكاة الواجبة، وصدقة التطوع. وقرأ ابن عامر (٢) وحمزة والكسائي وخلف هنا، وفي النساء: ﴿فَنِعِمَّا﴾ بفتح النون وكسر العين، وهذه القراءة على الأصل؛ لأن الأصل في نَعِمَ أن يكون على وزن: فَعِل كعلم. وقرأ ابن كثير وورش وحفص ﴿فَنِعِمّا﴾ بكسر النون والعينِ، وإنما كسرت النون إتباعًا لكسرة العين، وهي لغة هذيل. قيل: وتحتمل قراءة كسر العين على أن يكون أصل العين السكون، فلما وقعت ﴿ما﴾ بعدها، وأدغمت ميم ﴿نعم﴾ فيها .. كُسرت العين لالتقاء الساكنين. اهـ "سمين". وقال الشوكاني: وقرىء بفتح النون وكسر العين،

стр. 1517

وبكسرهما، وبكسر النون وسكون العين، وبكسر النون وإخفاء حركة العين. وقد حكى النحويون في: نِعْمَ أربع لغات، وهي هذه التي قرئ بها في المتواتر. انتهى. ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾؛ وإن تسروا الصدقات ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾؛ أي؛ وتعطوها الفقراء في السر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: أفضل من إبدائها وإيتائها الأغنياء؛ أي: وإن (١) تخفوها وتصيبوا بها مصارفها من الفقراء، فالإخفاء خير لكم. وقد ذهب جمهور المفسرين: إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، لا في صدقة الفرض، فلا فضيلة للإخفاء فيها، بل قد قيل: إن الإظهار فيها أفضل، وقالت طائفة: إن الإخفاء أفضل في الفرض والتطوع. وعبارة "الخازن" هنا يعني: أن إخفاء الصدقة أفضل من العلانية، وكلٌّ مقبول إذا كانت النية صادقة، واختلفوا في المراد بالصدقة المذكورة في الآية فقال الأكثرون: المراد بها: صدقة التطوع. واتفق العلماء على أن كتمان صدقة التطوع أفضل، وإخفاءها خير من إظهارها؛ لأن ذلك أبعد من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص؛ ولأن فيه بعدًا عما تؤثره النفس من إظهار الصدقة، وفي صدقة السر أيضًا فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ، وهي أنه إذا أُعطي في السر .. زال عنه الذل والانكسار، وإذا أُعطي في العلانية .. يحصل له الذل والانكسار. انتهت. ويدل على أن صدقة السر أفضل، ما روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "سبعة يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله تعالى ... " الحديث، وفي آخره: "ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". ووجه جواز إظهار الصدقة (٢) يكون ممن قد أمن على نفسه من مداخلة الرياء في عمله، أو يكون ممن يُقتدى به في أفعاله، فإذا أظهر الصدقة تابَعه غيره

стр. 1518

على ذلك، وأما الزكاة: فإظهار إخراجها أفضل من كتمانها؛ كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل، وصلاة التطوع في البيت أفضل، ولكن في إظهار الزكاة نفي التهمة عن المزكي. وقيل: إن الآية واردة في زكاة الفرض وكان إخفاؤها خيرًا على عهد رسول الله ﵌؛ لأنهم كانوا لا يظنون بأحد أنه يمنع الزكاة، فأما اليوم في زماننا: فإظهار الزكاة أفضل حتى لا يساء الظن به. ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ الله، أو يكفِّر الإخفاءُ ﴿عَنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، ويستر شيئًا ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وذنوبكم يعني: من الصغائر؛ لأن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، أو بمحض فضل الله تعالى. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة ويعقوب وعاصم في رواية أبي بكر (١): ﴿نكفر﴾ بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي والأعمش وأبو جعفر وخلف: ﴿ونكفرْ﴾: بالنون والجزم؛ أي: ونكفرْ عنكم شيئًا من ذنوبكم بقدر صدقاتكم. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿ويكفرُ﴾ بالياء والرفع، والمعنى: يكفر الله، أو يكفر الإخفاء. وقرىء قراءة شاذة: بالتاء الفوقية، وبالرفع والجزم، والفاعل راجع للصدقات. وقرأ ابن عباس شذوذًا ﴿تُكفَر﴾: بالتاء الفوقية وفتح الفاء والجزم. وقرأ الحسين بن علي الجعفي شذوذًا أيضًا ﴿نكفَر﴾: بالنون ونصب الراء. وقال أبو حيان (٢): قرأ الجمهور بالواو في: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ وقرأ غيرهم بإسقاطها، وبالياء، والتاء، والنون، وبكسر الفاء، وفتحها، وبرفع الراء، وجزمها، ونصبها. فإسقاط الواو رواه أبو حاتم عن الأعمش شذوذًا، ونقل عنه أنه قرأ بالياء، وجَزمَ الراء وهو شاذ أيضًا. ووجهه: أنه بدل على الموضع من قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأنه في موضع جزم، وكأن المعنى يكن لكم إخفاء خيرًا من الإبداء، أو على إضمار حرف العطف؛ أي: ويكفر. انتهى. ومن قرأ بالنصب .. فعلى تقدير: أن. قال سيبويه: والرفع ها هنا هو الوجه الجيد. ﴿وَاللَّهُ﴾

стр. 1519

سبحانه وتعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من إظهار الصدقات وإخفائها ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم لا يخفى عليه شيء منه، ففيه ترغيب في الإسرار. ٢٧٢ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿هُدَاهُمْ﴾؛ أي: هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة؛ لأجل أن يدخلوا في الإِسلام، فتصدق عليهم لوجه الله تعالى، ولا توقف ذلك على إسلامهم، فلا يجب عليك أن تجعلهم مهتدين، وإنما عليك البلاغ والإرشاد والحث على المحاسن، والنهي عن القبائح، كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. فأعلمه الله تعالى أنه إنما بعث بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه، فأما كونهم مهتدين: فليس ذلك عليك. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: ولكن الله تعالى يوفق من يشاء هدايته، فيهديه إلى الدخول في الإِسلام. وأراد بالهداية هنا: هداية التوفيق، وأما هداية البيان والإرشاد والدعوة: فكانت على رسول الله ﵌، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فلما نزلت هذه الآية .. أعطَوهُم وتصدقوا عليهم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ تصرفونه في وجوه الخير كالفقراء وغيرهم ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: من مال ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: فثوابه لأنفسكم، لا ينتفع به في الآخرة غيرها، وحينئذٍ فلا تمنوا عليه إن أعطيتموه، ولا تؤذوه بالتطاول عليه، ولا تنفقوا من الخبيث، أو المعنى: وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير، ولو على كافر فإنما هو يحصل لأنفسكم ثوابه، فلا يضركم كفرهم ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: والحال أنكم لا تنفقون إلا ابتغاء وجه الله تعالى، وطلب رضوانه، أو المعنى: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله تعالى، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم، وسد خلة مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: من مال على الفقراء ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: يوفر ويعط لكم ثواب ذلك في الآخرة، والضمير في ﴿يُوَفَّ﴾ عائد على ﴿ما﴾. ومعنى تَوفيَتِه: إجزال ثوابه ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئًا،

стр. 1520

وفي هذا وفيما قبله (١): قطع عذرهم في عدم الإنفاق؛ إذ الذي ينفقونه هو لهم، حيث يكونون محتاجين إليه فيوفونه كاملًا موفرًا، فينبغي أن يكون إنفاقهم على أحسن الوجوه وأفضلها، وقد جاء قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقوله ﵌ في حديث أبي هريرة: "إذا تصدق العبد بالصدقة وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم ٢٧٣ - فُلوَّه أو فَصِيلَهُ حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحد". وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك الإنفاق المحثوث عليه مصروف للفقراء الذين حبسوا أنفسهم ووقفوها على الجهاد في سبيل الله، أو للفقراء الذين صفتهم كذا وكذا حق واجب. نزلت هذه الآية في حق فقراء المهاجرين من قريش (٢)، وكانوا نحو أربع مئة، وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد، ويتعلمون القرآن، ويصومون، ويخرجون في كل غزوة ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا يقدرون سيرًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ولا سفرًا فيها لطلب المعاش، ولا يتفرغون لطلبها، ثم عدم الاستطاعة للسير إما لاشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد، فذلك يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإما لخوفهم من الأعداء، كما قاله قتادة وابن زيد؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة وكانوا متى وجدوهم قتلوهم، فذلك يمنعهم من السفر، وإمَّا لمَرضهم بالجروح، كما قاله سعيد بن المسيب ﵁، فحث الله تعالى الناس على الإنفاق عليهم، فكان مَن عنده فَضْل أتاهم به إذا أمسى. ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم؛ أي: يظنهم من لم يختبر أمرهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾ غير محتاجين ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ أي: لأجل تحفظهم عن مسألة الناس وتركها، وإظهارهم التجمل. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: ﴿يحسَبهم﴾ - بفتح السين من

стр. 1521

حَسِبَ حيث وَقع وهو القياس؛ لأن ماضيه على فَعِل بكسر العين. وقرأ باقي السبعة ﴿يحسِبهم﴾ بكسرها، وهو مسموع ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ أيها المخاطب ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾؛ أي: بعلامتهم. والسيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي يُعرف بها الشيء، واختلفوا في معناها هنا، فقيل: هي الخضوع والتواضع وآثار الخشوع في الصلاة، وقيل: هي أثر الجهد من الحاجة والفقر، وقيل: هي صفرة ألوانهم من الجوع ورثاثة ثيابهم من الضر؛ أي: تعرفهم أيها المخاطب بعلامتهم من الهيبة، ووقع في قلوب الخلق، وآثار الخشوع في الصلاة، فكل من رآهم تواضع لهم. ورُوي أنهم كانوا يقومون الليل ويحتطبون بالنهار للتعفف. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ﴾ أموالهم أصلًا، ولا يلحفونهم ﴿إِلْحَافًا﴾؛ أي: ولا يلازمونهم ملازمة لطلب المال. والإلحاف (١) وكذا الإلحاح هو: أن يُلازِم المسؤولَ حتى يعطيهُ. من قولهم: لحفني من فضل لحافه؛ أي: أعطاني من فضل ما عنده. والمعنى: أنهم لا يسألون وإن سألوا للضرورة لم يلحفوا. وقيل: هو نفي للأمرين: السؤال والإلحاف؛ أي: لا يسألون إلحافًا، ولا غير إلحاف؛ أي: لا سؤال لهم أصلًا، فلا يقع منهم إلحاف؛ أي: كثرة التلطف وملازمة المسؤول؛ أي: أنهم سكتوا عن السؤال، ولا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف، بل يزينون أنفسهم عند الناس، ويتجملون بهذا الخلق، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق. وفي قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ دلالة على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافًا. وعن ابن مسعود ﵁: "إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السَّآل الملحف الذي إن أعطي كثيرًا أفرط في المدح وإن أعطي قليلًا أفرط في الذم. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌

стр. 1522

قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" متفق عليه. وعنه ﵁ أيضًا أن رسول الله ﵌ قال: "ليس المسكين الذي تردُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه عن الناس، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس". متفق عليه. وعن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه، أم منعوه". رواه البخاري. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خُموش - أو خدوش أو كدوح - قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: من مال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، فيجازيكم عليه أحسن جزاء؛ يعني: أن الله تعالى يعلم مقادير الإنفاق، ويجازي عليها، ففيه حث على الصدقة والإنفاق في الطاعة، خصوصًا على هؤلاء الفقراء. ٢٧٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ في الصدقات ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ حالان؛ أي: مسرين ومعلنين؛ أي (١): الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله ابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل ونهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهر، ويعممون جميع الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج .. عجّلوا قضاءها ولم يؤخروه، ولم يتعللوا بوقت ولا حال، وهذا شروع في بيان صفة الصدقة ووقتها، فصفتها: السر والعلانية، ووقتها:

стр. 1523

الليل والنهار. وعبارة الكرخي (١): أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة. ولعل تقديم الليل على النهار، والسر على العلانية؛ للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار. قيل: نزلت في شأن أبي بكر الصديق ﵁، تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة آلاف بالليل، وعشرة آلاف بالنهار، وعشرة آلاف بالسر، وعشرة آلاف بالعلانية. وقيل: غير ذلك كما سبق. وكون ما ذكر سببًا لنزولها لا يقتضي خصوص الحكم به، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالآية عامة في الذين ينفقون أموالهم في جميع الأوقات، ويعمون بها أصحاب الحاجات والفاقات. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا وتصديقًا بوعده .. كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة". يعني: حسنات. أخرجه البخاري. ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبر للموصول، وأتى بالفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها، أو لتضمن الموصول معنى اسم الشرط لعمومه؛ أي: فلهم جزاء أعمالهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الجنة ﴿وَلَا خَوْفٌ﴾ في الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم في الدنيا. الإعراب ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: شرطية في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا، أو موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾، أو متعلق بمحذوف حال من

стр. 1524

﴿ما﴾ تقديره: حال كونه كائنًا من نفقة، وكذا يقال، في قوله: ﴿مِنْ نَذْرٍ﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع ﴿نَذَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم معطوف على ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾. ﴿مِنْ نَذْرٍ﴾ متعلق بـ ﴿نَذَرْتُمْ﴾. وفي قوله (١): ﴿مِنْ نَذْرٍ﴾ دلالة على حذف موصول قبل قوله: ﴿نَذَرْتُمْ﴾ تقديره. أو ما نذرتم من نذر؛ لأن ﴿مِنْ نَذْرٍ﴾ تفسير وتوضيح لذلك المحذوف، وحذف ذلك للعلم به، ولدلالة ما في قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ عليه؛ كما حذف ذلك في قول حسان: أمَنْ يَهْجُوْ رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَينصُرُهْ سَوَاءُ؟! ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا أو رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا، ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿يَعْلَمُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم جواب ﴿ما﴾ الشرطية، أو في محل الرفع خبر المبتدأ، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية، أو جملة المبتدأ مستأنفة، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: الواو استئنافية ﴿ما﴾: نافية. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿أَنْصَارٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والتقدير: وما أنصار كائنون للظالمين، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة جامدية. ﴿نِعْمَ﴾: فعل ماضٍ من أفعال المدح، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو يعود على الشيء المبهم. ﴿ما﴾: نكرة تامة في محل النصب تمييز لفاعل ﴿نِعْمَ﴾. ﴿هي﴾: مخصوص بالمدح خبر لمبتدأ محذوف تقديره: المخصوص بالمدح هي؛ أي: إبداء تلك الصدقات. أو ﴿هي﴾: مبتدأ، والخبر جملة ﴿نعم﴾. وجملة ﴿نعم﴾ في محل الجزم جواب

стр. 1525

﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُخْفُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل الشرط، وجزمه حذف النون. ﴿وَتُؤْتُوهَا﴾: الواو عاطفة ﴿تؤتوها﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على تخفوها. ﴿الْفُقَرَاءَ﴾: مفعول ثان. ﴿فَهُوَ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿هو﴾: مبتدأ ﴿خَيْرٌ﴾ خبر. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿خَيْرٌ﴾، كما ذكره أبو حيان في "البحر" تقديره: فهو - أي: الإخفاء - خير كائن لكم، والجملة الإسمية في محل الجزم على كونها جواب الشرط، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾. ﴿وَيُكَفِّرُ﴾: الواو عاطفة. ﴿يُكفِّر﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على الله، أو على الإخفاء. ﴿عَنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، ويحتمل كون ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، والمفعول محذوف تقديره: شيئًا من سيئاتكم، والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ على كونها جواب الشرط. وقرىء ﴿يكفر﴾ بالجزم عطفًا على الجواب، وبالنصب على تقدير أن، والمصدر المؤول من ﴿أن﴾ معطوفٌ على ﴿خَيْرٌ﴾، والتقدير: فهو - أي الإخفاء - خير لكم، وتكفير سيئاتكم ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿الله﴾: مبتدأ ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾ الآتي. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه. ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص ﴿عَلَيْكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾.

стр. 1526

﴿هُدَاهُمْ﴾: اسمها مؤخر، ومضاف إليه، والتقدير: ليس هداهم كائنًا عليك، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو عاطفة ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يشاء﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: يشاء هدايته. ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية. ﴿ما﴾: شرطية في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿تُنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل الشرط. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿ما﴾. ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الفاء رابطة. ﴿لأنفسكم﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: فهو كائن لكم، والجملة الإسمية في محل الجزم جواب ﴿ما﴾ الشرطية، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾. ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ﴾ الواو استئنافية ﴿ما﴾: نافية ﴿تُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ إلا أداة استثناء مفرغ ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول لأجله، وهو مضاف. ﴿وَجْهِ﴾: مضاف إليه، وجه مضاف، ولفظ الجلالة ﴿الله﴾ مضاف إليه والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على الجملة التي قبلها، وهي خبرية اللفظ إنشائية المعنى قصد بها النهي، والمعنى: لا تنفقوا لغرض من الأغراض إلا لغرض ابتغاء وجه الله تعالى. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة. ﴿ما﴾: اسم شرط في محل النصب مفعول مقدم ﴿تُنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: حال من ﴿ما﴾ ﴿يُوَفَّ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿ما﴾، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، وأتت الواو حالية، أو استئنافية. ﴿أنتم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا تُظْلَمُونَ﴾ خبره،

стр. 1527

والجملة الإسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿إِلَيْكُمْ﴾، والعامل فيه ﴿يُوَفَّ﴾، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف جوازًا؛ تقديره: الصدقات مصروفة للفقراء، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنهم لما أمروا بالصدقات .. قالوا: فلمن هي؟ فأجيبوا: بأنها لهؤلاء الفقراء المذكورين. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول صفة ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. ﴿أُحْصِرُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير النائب .. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور مضاف إليه، متعلق بـ ﴿أُحْصِرُوا﴾. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: ﴿لَا﴾: نافية ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير النائب في ﴿أُحْصِرُوا﴾، والعامل فيه ﴿أُحْصِرُوا﴾؛ أي: أحصروا عاجزين، ويجوز أن يكون مستأنفًا. ﴿ضَرْبًا﴾: مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿ضَرْبًا﴾، أو بمحذوف صفة لـ ﴿ضَرْبًا﴾، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ فعل ومفعول أول وفاعل، ﴿أَغْنِيَاءَ﴾: مفعول ثانٍ. ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: جار ومجرور متعلق، بـ ﴿يحسب﴾؛ أي: يحسبهم لأجل تعففهم. والجملة في محل النصب حال أيضًا من ضمير النائب في ﴿أُحْصِرُوا﴾، ويجوز أن يكون مستأنفًا. ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة في محل النصب حال أيضًا، أو مستأنفة. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَسْأَلُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: أموالهم، والجملة في محل النصب حال، أو مستأنفة. ﴿إِلْحَافًا﴾: قال السمين: في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها: نصبه على المصدر بفعل مقدر؛ أي: يلحفون إلحافًا، والجملة المقدرة حال من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾.

стр. 1528

والثاني: أن يكون مفعولًا لأجله؛ أي: لا يسألون لأجل الإلحاف. والثالث: أن يكون مصدرًا في موضع الحال تقديره: لا يسألون ملحفين. انتهى. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية. ﴿ما﴾: اسم شرط في محل النصب مفعول مقدم. ﴿تُنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾، ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: حال من ﴿ما﴾. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها به متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿بِاللَّيْلِ﴾: الباء بمعنى: في، ﴿الليل﴾: مجرور بها، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على ﴿الليل﴾، ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾؛ مصدران في موضع الحال من فاعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: مسرين ومعلنين ﴿فَلَهُمْ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ؛ لِمَا في المبتدأ من العموم. ﴿لهم﴾: خبر مقدم. ﴿أَجْرُهُمْ﴾: مبتدأ ثانٍ ومضاف إليه ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبرٌ للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾: اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ على كونها خبرًا للمبتدأ الأول. ﴿وَلَا هُمْ﴾: الواو عاطفة. ﴿لا﴾: نافية ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في

стр. 1529

محل الرفع معطوفة أيضًا على جملة قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ على كونها خَبرًا للمبتدأ الأول. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾: أصلها نعم ما، ونعم (١): فعل جامد ليس له مضارع ولا أمر ولا غيرهما. فليس من مباحث الصرفيين ما هو معلوم، ولكن نذكره هنا لأجل هذا الإدغام، فهو في الأصل من باب فَعِل المكسور كـ: علِم كما جاء في الشعر كذلك، إلا أنهم سكنوا العين، ونقلوا حركتها إلى النون ليكون دليلًا على الأصل. ومنهم من يترك النون مفتوحة على الأصل، ومنهم من يكسر النون والعين إتباعًا. وبكل قد قرئ في المتواتر كما سبق، وفيه قراءة أخرى أيضًا وهي: إسكان العين والميم مع الإدغام. وفيه بُعْدٌ لما فيه من الجمع بين الساكنين، ولكنه متواتر فلا بعد فيه. ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: السيئات: جمع سيئة، ووزنها: فيعلة، وعينها واو، والأصل: سيوئة، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء، فصار سيئة. ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ التعفف مصدر تعفف، - من باب: تفعَّل - تعففًا إذا أعرض عن الشيء، وتركه مع القدرة على تعاطيه. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: السيما (٢) بالقصر: العلامة، ويجوز مدُّها، وإذا مدت .. فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد للإلحاق، إما واو أو ياء فهي كـ: علياء ملحقة بـ: سرداح، فالهمزة للإلحاق، لا للتأنيث، وهي منصرفة لذلك. وسيما مقلوبة قدمت عينها على فائها؛ لأنها مشتقة من الوَسْم، فهي من السمة؛ أي: العلامة. فلما وقعت الواو بعد كسره قلبت ياء، فوزن سيما: عُفْلا، كما يقال: اضمحلَّ وامضحل. ﴿إِلْحَافًا﴾ الإلحاف: (٣) الإلحاح في المسألة والتمادي فيها، وهو مشتق من اللِّحافِ، سُمِّي بذلك لاشتماله على وجود الطلب في المسألة، كاشتمال

стр. 1530

اللِّحافُ على التغطية. البلاغة ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ بين ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾ و ﴿نَفَقَةٍ﴾: جناس الاشتقاق، وكذلك بين ﴿نَذَرْتُمْ﴾ و ﴿نَذْرٍ﴾ .. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾: فالتعبير بالعلم كناية عن المجازاة، وإلا فهو معلوم، ذكره الكرخي. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾: فيه نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية قبله، وبيان له، ولذا ترك العطف بينهما، وفي الإبداء والإخفاء طباق لفظي، وكذلك بين لفظ الليل والنهار، والسر والعلانية. وهو من المحسنات البديعية. وفي قوله: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ طباق معنوي (١)؛ لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء، فكأنه قيل: إن يبد الصدقات الأغنياء. وفي قوله: ﴿هُدَاهُمْ﴾ طباق معنوي؛ إذ المعنى: ليس عليك هدى الظالمين. وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ إطناب؛ لوروده بعد قوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ الذي معناه يصلْكم وافيًا غير منقوص. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية طباق في موضعين: أحدهما: في قوله: ﴿أُحْصِرُوا﴾ و ﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾. والثاني: في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ و ﴿أَغْنِيَاءَ﴾. والله أعلم * * *

стр. 1531

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ...﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن ما قبلها وارد في تفضيل الإنفاق والصدقة في سبيل الله، وأنه يكون ذلك من طيبات ما كسب، ولا يكون من الخبيث، فذكر نوعًا غلب عليهم في الجاهلية - وهو خبيث - وهو: الربا، حتى يُمتنع من الصدقة بما كان من ربا، وأيضًا فتظهر مناسبة أخرى، وذلك أن الصدقات فيها نقصان مال، والربا فيه زيادة مال، فاستطرد من المأمور به إلى ذكر المنهي عنه، لما بينهما من مناسبة ذكر التضاد. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة؛ وذلك أنه لما ذكر حال آكل الربا، وحال من عاد إليه بعد مجيء الموعظة، وأنه كافر أثيم .. ذكر ضد هؤلاء؛ ليبين فرق ما بين الحالين.

стр. 1532

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ...﴾ أخرج (١) ابن جرير عن ابن جريج قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي ﵌ على أن ما لَهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا .. فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف يأخذون الربا من ابن المغيرة، وكان بنو المغيرة يرابون لهم في الجاهلية، فجاء الإِسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإِسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله ﵌، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ فكتب بها رسول الله ﵌ إلى عتاب، وقال: "إن رضوا، وإلا فأذنهم بحرب". وأخرج أهل السنن وغيرهم عن عمرو بن الأحوص: أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﵌، فقال: "ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم، لا تَظلمون ولا تُظلمون، وأول ربا موضوع: ربا العباس". وأخرج ابن منده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو وأصحابه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. وعن ابن عباس ﵁ قال (٢): آخر آية نزلت من القرآن على النبي ﵌: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وقال: وكان بين نزولها وبين موت النبي ﵌ إحدى وثمانون يومًا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﵁ أنه عاش النبي ﵌ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات.

стр. 1533

التفسير وأوجه القراءة ٢٧٥ - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ أي: يأخذونه استحلالًا، ويعاملون به، وإنما خص الأكل؛ لأنه معظم الأمر المقصود من المال لأن المال لا يؤكل، وإنما يصرف في المأكول، ثم يؤكل، فمنع الله التصرف في الربا بما ذكر فيه من الوعيد، ولأن الربا شائع في المطعومات. وأخرج مسلم عن جابر ﵁ قال: لعن رسول الله ﵌ أكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: "هم سواء". وأصل الربا في اللغة: الزيادة. يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر، فالربا شرعًا: الزيادة في المال. ومنه: ربا الفضل، وربا النسيئة. وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلَّ أجل الدَّين، قال مَنْ هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقضِ زاد مقدارًا في المال الذي عليه، وأَخَّر له الأجل إلى حين، وهذا حرام بالاتفاق. ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ من قبورهم إذا بعثوا يوم القيامة ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾؛ أي: الجنون، فقوله: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ إما متعلق بـ ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ على أن: ﴿مِنَ﴾ للتعليل، والمعنى (١): لا يقومون من قبورهم - لأجل المس والجنون والخبل الواقع بهم في الموقف - إلا قيامًا كقيام الشخص الذي يتخطبه ويصرعه ويسقطه الشيطان والجن في الدنيا إذا مسه بخبل وجنون. ومعنى الآية: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مثل المصروع المجنون، لا يستطيع الحركة الصحيحة، وذلك ليس لخلل في عقله، بل لأن الربا الذي أكله في الدنيا يربو في بطنه، فلا يقدر على الإسراع في النهوض، فإذا قام تميل به بطنه. قال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا يوم القيامة إذا استحله في الدنيا. يعني: أن آكل (٢) الربا يُبعث يوم القيامة مجنونًا، وذلك كالعلامة

стр. 1534

المخصوصة بأكل الربا، فيعرفه أهل الموقف بتلك العلامة أنه أكل الربا في الدنيا، فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بالجنون، وإما متعلق بـ ﴿يقوم﴾ أو بـ ﴿يتخبط﴾ والخبط: الضرب، والمشي من غير استواء. وهذا على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، وفي الآية (١) دليل على فساد قول من قال: أن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم: أنه من فِعْل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح. وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسٌّ، وقد استعاذ النبي ﵌ من أن يتخبطه الشيطان، كا أخرجه النسائي وغيره. ﴿ذَلِكَ﴾ العقاب الذي نزل بهم، وهو كون التخبل علامة آكل الربا في الآخرة ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾؛ أي: بسبب قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾؛ أي: (٢) إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل، كالبيع بزيادة عند حلوله، فإن العرب لا تعرف ربا إلا ذلك، وإنما شبهوا البيع بالربا مع أن الكلام في الربا، وكان مقتضاه: إنما الربا مثل البيع مبالغةً بجعلهم الربا أصلًا في الحل، والبيع فرعًا فيه. أو المعنى (٣): إنما الزيادة والربح في البيع كالزيادة في الربا؛ أي: اعتقدوا مدلول هذا القول وفعلوا مقتضاه؛ أي: ذلك العذاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح، فاستحلوا الربا استحلال البيع، وقالوا: يجوز بيع درهم بدرهمين؛ كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين، فجعلوا الربا أصلًا في الحل، وقاسوا به البيع مع وضوح الفرق بينهما، فإن من أعطى درهمين بدرهم .. ضيَّع درهمًا، ومن اشترى سلعة بدرهمين تساوي درهمًا .. فلعل مساس الحاجة إليها، أو توقع رواجها يجبرُ هذا الغُبْن.

стр. 1535

وذكر بعضهم الفرق بين البيع والربا، فقال: إذا باع ثوبًا يساوي عشرة بعشرين، فقد جعل ذات الثوب مقابلًا للعشرين، فلما حصل التراخي على هذا التقابل .. صار كل واحد منهما مقابلًا للآخر في المالية عندهما، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئًا بغير عوض، أما إذا باع عشرة دراهم بعشرين: فقد أخذ العشرة الزائدة بغير عوض، ولا يمكن أن يقال: إن العوض هو الإمهال في مدة الأجل؛ لأن الإمهال ليس مالًا أو شيئًا يُشار إليه حتى يجعله عوضًا عن العشرة الزائدة، فقد ظهر الفرق بين الصورتين. انتهى. وعبارة "الخازن": وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حلَّ ماله على غريمه فيطالبه، يقول الغريم لصاحب الحق: زدني في الأجل حتى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك. وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند المحل لأجل التأخير، فكذبهم الله تعالى، ورد عليهم ذلك بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾؛ أي: أحل الله لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء، وحرم عليكم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل؛ وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده، وهو مالكهم يحكم فيهم بما يشاء، ويستعبدهم بما يريد، ليس لأحد أن يعترض عليه في شيء مما أحل أو حرم، وإنما على كافة الخلق الطاعة والتسليم لحكمه وأمره ونهيه. ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: فمن بلغته موعظةٌ من الله، وزَجْرٌ وتخويفٌ عن الربا. وإنما ذكر الفعل؛ لأن الفاعل مؤنث مجازي، أو لوجود الفاصل. وقرأ أبو الحسن شذوذًا: ﴿فمن جاءته﴾ بالتاء على الأصل. ﴿فَانْتَهَى﴾؛ أي: فامتثل النهي الذي جاءه، وانزجر عن أخذه ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي: له ما تقدم، وأكل من الربا قبل النهي، وليس عليه رد ما أخذ وسلف قبل النهي، فلا يؤاخذ به؛ لأنه أخذه قبل نزول التحريم، وأما ما لم يقضِ قبل النهي: فلا يجوز له أخذه، وإنما له رأس ماله فقط. ﴿وَأَمْرُهُ﴾؛ أي: أَمْر من عامل بالربا مفوض ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة، وصدق النية، وقيل: يحكم في شأنه يوم القيامة بما شاء، وليس من أمره إليكم شيء، فلا تطالبوه به.

стр. 1536

﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى تحليل الربا بعد التحريم فأخذه، أو إلى القول: بأن البيع مثل الربا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العائدون إلى الربا ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها أبدًا؛ لأنهم باستحلاله صاروا كافرين؛ لأن من أحل ما حرم الله تعالى فهو كافر؛ فلذا استحق الخلود فيها، فقوله: ﴿أولئك﴾ راجع لـ ﴿مَنْ﴾ باعتبار معناها. ٢٧٦ - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾؛ أي: يذهب بركته وإن كان كثيرًا، ويهلك المال الذي دخل فيه في الدنيا. وقيل: يمحق بركته في الآخرة. قال ابن عباس ﵄: إن الله تعالى لا يقبل منه صدقة، ولا جهادًا، ولا حجًّا، ولا صلة رحم. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾؛ أي: يزيدها ويثمرها، ويبارك في المال الذي أخرجت منه في الدنيا، ويضاعف أجرها في الآخرة. روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "ما تصدق أحد بصدقة من كَسْب طيِّب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله". وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: "من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيِّب، ولا يصعد إلى الله - وفي رواية: ولا يقبل الله - إلا الطيِّب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل". ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾؛ أي: لا يرضى ولا يحب محبته للتوابين؛ يعني: يعاقبه ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾؛ أي: جاحد بتحريم الربا، أو كل مصر على كفره مقيم عليه مستحل لأكل الربا. ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: فاجر بأخذه مع اعتقاده التحريم. فوائد تتعلق في تحريم الربا الأولى: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهًا: أحدها: أن الربا يقتضي أخذ مال الغير بغير عوض؛ لأن من باع درهمًا

стр. 1537

بدرهمين نقدًا كان، أو نسيئة .. فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض فهو حرام. الوجه الثاني: إنما حرم عقد الربا؛ لأنه يمنع الناس من الاشتغال بالتجارة؛ لأن صاحب الدراهم إذا تمكن من عقد الربا .. خَفَّ عليه تحصيل الزيادة من غير تعب ولا مشقة، فيفضي ذلك إلى انقطاع منافعِ الناس بالتجارات وطلب الأرباح. الوجه الثالث: أن الربا هو سبب إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، فلما حرَّم الربا طابت النفوس بقرض الدراهم للمحتاج، واسترجاع مثله لطلب الأجر من الله تعالى. الوجه الرابع: أن تحريم الربا قد ثبت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بتحريم الربا وإن كنا لا نعلم وجه الحكمة في ذلك. الثانية: اعلم أن الربا في اللغة: هو الزيادة. وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام، فثبت أن الزيادة المحرمة هو: الربا، وهو على صفة مخصوصة في مال مخصوص بيّنه رسول الله ﵌. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " الذهب بالوَرِق ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء، وفي رواية: الوَرِق بالوَرِق ربًا إلا هاء وهاء، والذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء" متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل، فمن زاد واستزاد .. فقد أربى، وفي رواية: التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد واستزاد .. فقد أربى إلا ما اختلف ألوانه" أخرجه مسلم.

стр. 1538

وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف .. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ". أخرجه مسلم. الثالثة: الربا نوعان: ربا فضل: وهو الزيادة، وربا نسيئة: وهو الأجل. فإن باع ما يدخل فيه الربا بجنسه؛ كأن باع الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة .. اشترط في صحة العقد ثلاثة شروط: التقابض، والحلول، والتماثل بمعيار الشرع. فإن كان موزونًا كالذهب فبالوزن، وإن كان مكيلًا كالحنطة والشعير فبالكيل، فإن باع ما يدخل فيه بغير جنسه .. ففيه تفصيل، فإن باع بما لا يوافقه في وصف الربا وعلته؛ كان باع مطعومًا بأحد النقدين .. فلا ربا فيه؛ كما لو باعه بغير مال الربا. وإن باعه بما يوافقه في علة الربا ووصفه، لا في الجنس؛ كأن باع الدراهم بالدنانير، أو الحنطة بالشعير .. فلا يثبت فيه ربا التفاضل، فيجوز بيعه متفاضلًا، ويثبت فيه ربا النسيئة، فيشترط في صحة بيعه أمران: التقابض، والحلول. واختلفوا في علة الربا في النقود والمطعومات على أقوال كثيرة، والراجح منها: أن علة الربا في النقود: كونها قيم الأشياء وثمنها، وفي المطعومات: الطعم كما هو مقرر في محله. ٢٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسله وكتبه وبتحريم الربا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: فيما بينهم وبين ربهم، وتركوا الربا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: أتموا الصلوات الخمس بما يجب فيها من الأركان والشروط ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: أعطوا زكاة أموالهم. نص عليهما وإن كانا داخلين في قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ لعظم شأنهما ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: أجر أعمالهم وثوابها ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من مكروه آتٍ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على محبوب فات. ٢٧٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: اخشوا الله في الربا، وقوا أنفسكم عقابه. ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾؛ أي: اتركوا طلب ما بقي لكم من الربا والزيادة

стр. 1539

على رأس المال، وخذوا رؤوس أموالكم فقط ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين بقلوبكم في تحريم الربا، فإن دليله امتثال ما أُمرتم به. قيل: نزلت في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني المغيرة. كانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى ناسٍ من ثقيف، فجاء الإِسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية. ٢٧٩ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيها المؤمنون ما أمرتم به من التقوى، وترك بقايا الربا، وعدم الفعل، إما مع إنكار حرمة الربا .. فحربهم حينئذٍ حرب المرتدّين، وإما مع اعتقاد حرمتها .. فحربهم حرب البُغاة ﴿فَأْذَنُوا﴾؛ أي: فاعلموا ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ لكم ﴿وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: فاستعدوا للعذاب من الله في الآخرة بالنار، وللعذاب من رسوله في الدنيا بالسيف. قرأ الجمهور: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بفتح الذال مع القصر؛ أي: فاعلموا أنتم، وأيقنوا بحربهما لكم. وهو من أذن الثلاثي. يقال أذن بالشيء: إذا علم به. وقرأ حمزة وأبو بكر شعبة عن عاصم ﴿فآذِنوا﴾ بالمد وكسر الذال، أمر من: آذن الرباعي على معنى: فاعلموا غيركم أنكم على حربهما وقيل المعنى: فاعلموا أيها المؤمنون من لم ينتهِ عن ذلك بحرب من الله ورسوله. وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿فأيقنوا بحرب﴾ وتقوي قراءة الحسن هذه قراءةُ الجمهور بالقصر. وقد دل هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك. وتنكير الحرب للتعظيم، وزادها تعظيمًا نسبتها إلى اسم الله الأعظم، وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من معاملة الربا، وتركتموها ورجعتم عنها ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾؛ أي: أصولها دون الزيادة ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾؛ أي: بنقصان رأس المال وبالمطل. فلما (١) نزل هذه الآية .. قال بنو عمرو الثقفي، ومن كان يعامِل بالربا من غيرهم: بل نتوب إلى الله، فإنه لا يُدان لنا؛ يعني: لا قوة لنا بحرب الله ورسوله، ورضوا برؤوس أموالهم، فشكا بنو المغيرة العسرة، ومن كان عليه

стр. 1540

دين، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله عزَّ ٢٨٠ - وجلّ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾؛ أي: وإن وجد من غرمائكم غريم ذو عسرة؛ أي: غريم صاحب إعسار وعجز عن أداء الحق الذي عليه ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾؛ أي: فإنظاره وإمهاله إلى وقت يساره، وقدرته على أداء حقكم واجبٌ عليكم أيها الدائنون، لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه: إما أن تقضي، وإما أن تربي. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾؛ أي: وتصدقكم على المعسر برؤوس أموالكم بالإبراء منها ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من التأخير والأخذ؛ لأنه يحصل لكم الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضل التصدق على الإنظار والقبض فافعلوه. وقرأ الجمهور (١): ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ بالواو: على أن ﴿كَانَ﴾ تامة. وروي عن أُبي وابن مسعود وعثمان وابن عباس: ﴿ذا عسرة﴾ بالألف على أن ﴿كَانَ﴾ ناقصة. وقرأ الأعمش: ﴿وإن كان معسرا﴾. وقرىء: ﴿ومن كان ذا عسرة﴾، وهي قراءة أبان بن عثمان، وحكى المهدوي: أن في مصحف عثمان ﴿فإن كان﴾ بالفاء وما عدا قراءة الجمهور شاذ. وقرأ الجمهور: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ بوزن: نَبِقَة. وقرأ أبو رجاء ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة: ﴿فنظْرة﴾ بسكون الظاء وهي لغة تميمية. يقولون في كَبِد: كَبْد. وقرأ عطاء: ﴿فناظرة﴾ على وزن فاعلة، وخرَّجه الزجّاج على أنه مصدر كقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾، وقال: قرأ عطاء ﴿فناظرة﴾ بمعنى: فصاحب الحق ناظرهُ؛ أي: منتظرهُ، وعنه: ﴿فناظِرْهُ﴾ بصيغة الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها. انتهى. وقرأ عبد الله: ﴿فناظروه﴾؛ أي: فأنتم منتظروه، فهذه ست قراءات كلها شاذة عدا قراءة الجمهور. ومن جعله اسم مصدر أو مصدرًا .. فهو يرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالأمر أو الواجب على صاحب الدِّيْن نظرة منه لطلب الدين من المدين إلى ميسرة منه.

стр. 1541

وقرأ نافع وحده ﴿ميسُرة﴾ بضم السين، والضم لغة أهل الحجاز، وهو قليل كمقبرة ومشرفة، والكثير مفعَلة بفتح العين، وقرأ الجمهور: ﴿ميسَرة﴾ بفتح السين على اللغة الكثيرة، وهي لغة أهل نجد. وقرأ عبد الله شذوذًا: ﴿إلى ميسوره﴾ على وزن مفعول مضافًا إلى ضمير الغريم، وهو عند الأخفش مصدر كالمعقول والمجلود في قولهم: ماله معقول ولا مجلود؛ أي: عقل وجلد. ولم يثبت سيبويه مفعولًا مصدرًا. وقرأ عطاء ومجاهد: شذوذًا أيضًا ﴿إلى ميسرِهِ﴾ بضم السين وكسر الراء، بعدها ضمير الغريم. وقرىء كذلك بفتح السين، وخرِّج ذلك على حذف التاء لأجل الإضافة، وهو مذهب الفراء. وقرأ الجمهور: ﴿وَأَن تَصَّدَقُواْ﴾ بإدغام التاء في الصاد، وقرأ عاصم: ﴿تصَدقوا﴾ بحذف التاء، وفي مصحف عبد الله شذوذًا: ﴿تتصدقوا﴾ بتائين، وهو الأصل، والإدغام تخفيف، والحذف أكثر تخفيفًا. فصل في ذكر الأحاديث الواردة في فضل إنظار المعسر، والوضع عنه، وتشديد أمر الدَّين والأمر بقضائه وعن أبي قتادة ﵁: أنه طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر، قال: الله الله! فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة .. فلينفِّس عن معسر، أو يضع عنه". أخرجه مسلم. وعن أبي اليسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه .. أظله الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله". أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس، فإن رأى معسرًا .. قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه". متفق عليه. وعن أبي موسى ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

стр. 1542

قال: "إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه به عبدٌ بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين، لا يدع له قضاء". أخرجه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها .. أدَّى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها .. أتلفه الله". أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "مطل الغني ظلم". زاد في رواية: "وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع". متفق عليه. وعن كعب بن مالك ﵁: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﵌ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﵌ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى فقال: "يا كعب"، قلت: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده: أن ضع الشطر من دينك، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال: "قم فأقضه". متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجلٍ على رسول الله ﵌ سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه فقال: "أعطوه"، فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سِنًّا فوقها، فقال: "أعطوه"، فقال: أوفيتني وفَّاك الله، فقال النبي ﵌: "إن خيركم أحسنكم قضاءً". وفي رواية: أنه أغلظ لرسول الله ﵌ حين استقضاه حتى همَّ به بعض أصحابه، فقال: "دعوه، فإن لصاحب الحق مقالًا"، ثم أمر له بأفضل من سنه. متفق عليه. وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ عن النبي ﵌: أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله .. تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﵌: "نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 1543

وآله وسلم: "كيف قلت؟ " قال: أرأيت إن قتلت في سبيلى الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﵌: "نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدَّين، فإن جبريل قال لي ذلك". أخرجه مسلم. وعن محمَّد بن جحش ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﵌، فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع يده على جبهته، ثم قال: "سبحان الله ماذا نزل من التشديد!! " فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد .. سألته: يا رسول الله، ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: "والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قُتل، ثم أحيي، وعليه دين .. ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه". أخرجه النسائي. ٢٨١ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: وخافوا عذاب يوم ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: تردون فيه إلى حسابه لأعمالكم، وهو يوم القيامة، فتأهبوا لمصيركم إليه. ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ وتوفر فيه ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ بَرّةٍ وفاجرةٍ جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ وعملت من خير أو شر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في ذلك اليوم بنقص حسنة، أو زيادة سيئة، وفي هذه الآية وعيد شديد وزجر عظيم. وعن ابن عباس ﵄: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﵌، وعاش بعدها رسول الله ﵌ أحدًا وعشرين يومًا. وقيل: تسع ليال. وقيل: سبعًا. ومات ﵌ لليلتين خلتا من ربيع الأول في يوم الاثنين سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقرأ (١) يعقوب وأبو عمرو: ﴿تَرجِعون﴾ بفتح التاء الفوقية وكسر الجيم مبنيًّا للفاعل؛ أي: تصيرون فيه إلى الله. وقرأ باقي السبعة ﴿تُرجَعون﴾ مبنيًّا للمفعول؛ أي: تردون إلى الله. وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿يَرجِعون﴾ بياء الغيبة مبنيًّا للمفعول على معنى: يرجع فيه جميع الناس، وهو من باب الالتفات. وقرأ أُبيّ شذوذًا أيضًا: ﴿تردون﴾ بضم التاء، حكاه عنه ابن عطية، وقال الزمخشري: وقرأ عبد الله

стр. 1544

﴿يردون﴾ وقرأ أُبي شذوذًا أيضًا: ﴿تصيرون﴾ انتهى. الإعراب ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿يَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿الرِّبَا﴾: مفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَا﴾: نافية ﴿يَقُومُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والرابط ضمير الفاعل ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الكاف﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية ﴿يَقُومُ الَّذِي﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: إلا كقيام الذي يتخبطه الشيطان، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: لا يقومون إلا قيامًا كائنًا كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس. ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتخبط﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء حرف جر ﴿أن﴾: حرف نصب، والهاء: اسمها. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء المتعلقة بواجب الحذف؛ لوقوعه خبر المبتدأ تقديره: ذلك كائن بسبب قولهم: إنما البيع، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿أحل الله البيع﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الواو عاطفة. ﴿حرم﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الرِّبَا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة أحل الله البيع. ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.

стр. 1545

﴿فَمَنْ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لإنها أفصح عن شرط مقدَّر تقديره: إذا عرفت أن الله حرم الربا، وأردت بيان حكم من انتهى عنه بعد ما بلغه التحريم، وحكم من عاد إليه .. فأقول لك: ﴿مَنْ﴾ إمَّا شرطية في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو موصولة وخبرها جملة قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ﴿جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، أو صلة الموصول ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جاء﴾ ﴿فَانْتَهَى﴾: الفاء عاطفة، ﴿انتهى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاء﴾. ﴿فَلَهُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، أو رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا؛ لما في المبتدأ من العموم. ﴿فَلَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، أو في محل الرفع خبر ﴿مَا﴾ الموصولة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية، أو الموصولة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿سَلَفَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، ﴿وَأَمْرُهُ﴾: الواو عاطفة ﴿أمره﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: وأمره مفوض إلى الله، والجملة الإسمية في محل الجزم، أو في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو عاطفة. ﴿مَن﴾: موصولة في الرفع مبتدأ أول ﴿عَادَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ثانٍ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبره ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾: وهو خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في
следующие страницы →