← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 15086–15125 · переход к 15091.

стр. 15086

والإنسان جميعه خسر مساعيه وضل مناهجه، وصرف عمره في غير مطالبه فهو قد جاء إلى الأرض؛ ليخلص نفسه من الرذائل، ويتحلى بالفضائل، حتى إذا رجع إلى عالم الأرواح كان أقوى جناحًا وأمضى سلاحًا، لكنه حين رجع إلى مقره في عالم السموات لم يجد إلا نقصًا يحيط به، وجهلًا يرديه، فندم إلا طائفة منه عاشوا في الدنيا مفكرين، فآمنوا بأنبيائهم وصدقوا برسلهم، وأحبوا بني جنسهم، وأحسنوا إلى إخوانهم، فساعدوهم بأنفسهم وأموالهم، وصاروا معهم متعاضدين متعاونين، وصبروا على ما نزل بهم من الحدثان، ورُموا به من البهتان، فهؤلاء في الدنيا يفوزون بما يريدون، وفي الآخرة يفرحون بالنعيم المقيم. أقسام الصبر: والصبر من الخلال الشخصية التي ينبغي للمرء أن يتدرع بها ويروَّض نفسه عليها منذ الحداثة والصغر، على الآباء والأمهات أن يربوا أولادهم على الصبر واحتمال الأذى، والصبر في أصل معناه اللغوي: الحبس، وهو باعتبار متعلَّقه ينقسم ثلاثة أقسام: ١ - حبس النفس عن فعل السوء والشر ودواعي الهوى والشهوة، وكل ما يمس كرامة الإنسان ويشوّه سمعته. ٢ - الصبر على المكروه والألم وتحمل الرزايا والمصائب، وكل ما يقلق الراحة وينغص العيش، ومثل ذلك الصبر على ما يفوت الإنسان من المآرب والحظوظ الدنيوية. ٣ - الصبر في مواطن الخوف والذعر، بل في مواطن الخطر أحيانًا دفاعًا عن حق، من حماية لمصلحة أو وقاية لعرض وشرف، وهذا النوع من الصبر يسمى: الشجاعة والإقدام، والشجاعة ضرب من الصبر، قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. قال بعض الحكماء: ليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون الرجل قوي الجسد على الكد والتعب؛ لأن هذا تشاركه فيه الدابة، ولكن أن يكون للنفس غَلُوبًا، وللخطوب حَمُولًا، ولجأشه عند الحفاظ مرتبطًا؛ أي: مالكًا نفسه عند الغضب، قال لقمان لابنه: الذهب يجرَّب بالنار، والعبد الصالح يجرب بالبلاء،

стр. 15087

وقال الفضيل بن عياض: إن الله ليتعهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعهد الرجل أهله بالخير، ولولا أن في حلول الكوارث ونزول الحوادث تخفيفًا من الأوزار، وحطًا من الذنوب، ومحوًا من السيئات ما استطعنا عليهم صبرًا، ولولا أن في موافقة اللذات ومقارنة الشهوات أنواعًا من المكاره، وأصنافًا من الشدائد؛ ما وجدنا عنها صبرًا، ولكثر إسرعنا، وقيل عنها امتناعنا، لا جرم أن جميع خلال الخير وخصال البر وأحوال الطاعة وما يجعل الله في الإنسان من حسن الشيم وكرم الأخلاق وأسباب الديانة ودواعى الإيمان إنما هي كلها مرتبطة بالصبر، وراجعة إلى الصبر، ومحمولة على الصبر، وجارية مع الصبر كيفما تأملتها، وعلى أي حال تدبرتها، فإنه قطب تدور عليه جميع الأفعال المحمودة، لذا أمر الله سبحانه بالتواصي به؛ لأنه جماع صفلت الخير، ألا ترى أن الكرم صبر على مفارقة المال وعلى حبه، وأن العدل صبر على إمضاء الحكم وإن شق، وأن الصدق صبر، فربما خالطه شوائب تكره, وإن الحلم جامع لأشتات الصبر، فما منح الله الصبر عبدًا من عبيده، وهو يريد به شيئًا سوى الخير، وكل شيء في الوجود يولد صغيرًا، ثم يكبر إلا المصائب , فإنها تولد كبارًا، ثم تصغر وتضمحل، والصبر محمود الأثر شريف الغاية, ولو لم يكن فيه إلا أنه مظهر من مظاهر الكمال والرجولة اللائقة بكل إنسان .. لكفى , قال الشاعر: فَلَوْ كَانَ يُغْنِيْ أَنْ يُرَى الْمَرْءُ جَازِعًا ... لِحَادِثَةٍ أَوْ كَانَ يُغْنِيْ التَّذَلُّلُ لَكَانَ التَّعَزِّيْ عِنْدَ كُل مُصِيْبَةٍ ... وَنَائِبَةٍ بِالْحُرِّ أَوْلَى وَأَجْمَلُ قال بعض الحكماء: الجزع على الفائت آفة، وعلى المتوقع سخافة، فهو لا يخلو عمره من النكد، ولا يستفيق من التعذيب والكمد، وإذا استولى الجزع تضاعف الكرب, واشتد حتى أصبح لا يطاق، كما قال ابن الرومي: إِنَّ الْبَلَاءَ يُطَاقُ غَيْرَ مُضَاعَفٍ ... فَإِذَا تَضَاعَفَ صَارَ غَيْرَ مُطَاقِ ومن الحكم المشهورة: من أكثر الشكوى عظمت عليه البلوى، ومن كلام بعض العلماء: من كثر جزعه كثرت زلته وعظمت علته وبعد أمله وحبط عمله، وإذا كان الجزع يحبط الحسنات فإن الصبر يربي الحسنات، وهو من أجل القربات، قال الأشعث بن قيس دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ -

стр. 15088

فوجدته قد أثَّر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلًا ونهارًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة؟ فما زاد على أن قال: اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الإِدْلَاجِ فِيْ السَّحَرِ ... وَفِيْ الرَّوَاحِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِيْ الْبُكَرِ إِنِّيْ رَأيْتُ وَفِيْ الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُوْدَةَ الأَثَرِ وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِيْ شَيْءٍ يُؤَمِّلُهُ ... وَاسْتَشْعَرَ الصَّبْرَ إِلَّا فَازَ بِالظَّفَرِ وفي هذا المعنى قال بعضهم: يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ ... وَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيْهِ خُسْرَانُ عَلَيْكَ بِالنَّفْسِ فَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ وقد رُكب في طباع الإنسان حب تفضيله على جنسه، فما أحد إلا ويحب أن يكون أعلى درجة من غيره، فإذا وقعت نكبة بإنسان أوجبت نزوله عن مرتبة سواه، فينبغي له أن يتجلد؛ لئلا يُرى بعين النقص، وليتجمل بالصبر، فإنه عدة الرجال الكَمَلة قال الشاعر: وَتَجَلُّدِيْ لِلشَّامِتِيْنَ أُرِيْهِمُ ... أَنِّيْ لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... ألْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لَا تَنْفَعُ فأهل الكمال يُظهرون التجلد عند المصائب والفقر والبلاء؛ لئلا يتحملوا مع النوائب شماتة الأعداء، وإنها على بعض النفوس لأشد من كل نائبة، لذا كان فقيرهم يظهر الغنى، ومريضهم يظهر العافية، وإليكم هذا المثل من الشريعة الغراء حين قدم الرسول ﷺ مكة المكرمة أصابتهم الحمى، وقد أراد المسلمون الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والمشركون ينظرون إلى المسلمين، فخاف النبي ﷺ أن يشمت بهم الأعداء حين رأوا ضعفهم عن السعي، فقال مخاطبًا للمسلمين: "رحم الله من أظهر من نفسه التجلد"، فرملوا، والرمَل شدة السعي، وقد زال ذلك السبب، وبقي الحكم في أعمال الحج ليُتذكَّر السبب فيفهم معناه ومغزاه لهذه الأسباب وغيرها من معاني الصبر وآثاره في حياة الفرد والجماعة، فقد أمر الله سبحانه بالصبر، وأمر بالتواصي بالصبر بين المؤمنين والمؤمنات، فقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

стр. 15089

الإعراب ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾. ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿العصر﴾: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالعصر والدهر، وجملة القسم مستأنفة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿في خسر﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء ﴿الَّذِينَ﴾: مستثنى من ﴿الْإِنْسَانَ﴾ في محل النصب على الاستثناء، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَتَوَاصَوْا﴾: فعل ماض وفاعل مبني بفتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿تواصوا﴾. ﴿وَتَوَاصَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف أيضًا على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِالصَّبْرِ﴾: متعلق به. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ قال في "القاموس": العصر مثلثة العين، وبضمتين الدهر، والجمع أعصار وعصور وأعصر وعُصُر، والعصر اليوم والليلة والعشي إلى احمرار الشمس، ويحرك، والغداة والحبس والرهط والعشيرة، والمطر من المعصرات والمنع والعطية، يقال: عصره يعصره، وبالتحريك الملجأ والمنجاة كالعصر بالضم إلى آخر هذه الصاد الطويلة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ والإنسان هو هذا النوع من المخلوقات، وهو لفظ يقع على الذكر والأنثى من بني آدم، وربما أنثت العرب، فقالوا: إنسان وإنسانة، فقال: إِنْسَانَةٌ تَسْقِيْكَ مِنْ إِنْسَانِهَا ... خَمْرًا حَلَالًا مُقْلَتَاهَا عِنَبُهْ و ﴿أل﴾ فيه لاستغراق الجنس، فيشمل المؤمن والكافر بدليل الاستثناء. ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ أي: لفي خسران ونقصان، وذلك لأن الإنسان لا ينفك عن خسران؛ لأن الخسران هو تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة من عمر الإنسان إما

стр. 15090

أن تكون تلك الساعة في طاعة أو معصية، فإن كانت في معصية فهو الخسران البين الظاهر، وإن كانت في طاعة فلعل غيرها أفضل وهو قادر على الإتيان به، فكان فعل غير الأفضل تضييعًا وخسرانًا، فبان بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران اهـ "جمل". ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ أي: لفي غبن وخسارة، وفي "المصباح": خسر في تجارته خسارة - بالفتح - وخسرًا وخسرانًا، ويتعدى بالهمزة، فقال: أخسرته فيها، وخسر خسرًا وخسرانًا أيضًا هلك، والخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال، والمراد به ما ينغمس فيه الإنسان من الآفات المهلكة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فحكم بالخسران على جميع الناس إلا من كان آتيًا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذه الأمور اشتملت على ما يخص نفسه، وهو الإيمان والعمل الصالح وما يخص غيره، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهما معطوفان على ما قبلهما من عطف الخاص على العام للمبالغة. اهـ. "رازي". والحاصل: أن كل ما مضى من عمر الإنسان في طاعة الله فهو في صلاح وخير، وما كان بضده فهو في خسر وفساد وهلاك. اهـ. "خازن". وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ فعل ماض من باب تفاعل مأخوذ من المواصاة، وهي التقديم إلى الغير بما يعمل به مقرونًا بوعظ ونصيحة من قولهم: أرض واصية؛ أي: متصلة بالنبات، يقال: واصيت إليه بكذا؛ أي: قدمته إليه إذا أمرته قبل الحاجة إلى الفعل. اهـ. "كرخي" بتصرف. ﴿بِالْحَقِّ﴾: وهو كل ما حكم الشرع بصحته، ولا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله تعالى وطاعته واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. اهـ. "خطيب"، وقيل: الحق هو ما تصدّر من حقيقة ثابتة أرشد إليها دليل , قاطع، أو عيان ومشاهدة، أو شريعة صحيحة جاء بها نبي معصوم. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والصبر: هو قوة للنفس تدعوها إلى احتمال المشقة في العمل

стр. 15091

الطيب، وتهون عليها احتمال المكروه في سبيل الوصول إلى الأعراض الشريفة، والتواصى بالحق أن يوصي بعضهم بما لا سبيل إلى إنكاره وهو كل فضيلة وخير، والتواصي بالصبر أن يوصي بعضهم بعضًا به ويحثه عليه، ولا يكون ذلك نافعًا مقبولًا إلا إذا كمَّل للمرء نفسه به، وإلا صدق عليه قول أبي الأسود الدؤلي: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيْمُ تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِيْ السِّقَامِ وَذِيْ الضَّنَى ... كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيْمُ لَا تْنَهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيْمُ وأصل ﴿تواصوا﴾: تواصَيُوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، فالتقى ساكنان وهما الألف والواو، ثم حذفت الألف لبقاء دالِّها، فصار: ﴿تواصوا﴾ بوزن تفاعوا. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: إدخال ﴿أل﴾ الاستغراقية على ﴿الْإِنْسَانَ﴾؛ ليعم المؤمن والكافر بدليل الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو العهدية؛ ليخص الكافر المعهود، كما مر في مبحث التفسير. ومنها: التنكير في قوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ ليدل على التفخيم والتعظيم؛ أي: لفي خسر عظيم ودمار شديد، لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه. ومنها: تكرار ﴿تواصوا﴾؛ لاختلاف المفعولين، وهما قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ و ﴿بِالصَّبْرِ﴾. ومنها: تخصيص ذكر التواصي بالصبر مع اندراجه تحت التواصي بالحق؛ لإبراز كمال الاعتناء به، أو لأن الأول: عبارة عن رتبة العبادة التي هي فعل ما يرضي الرب سبحانه، والثاني: عبارة عن العبودية التي هي الرضا بما فعل الرب سبحانه.

стр. 15092

ومنها: ذكر الخاص بعد العام بقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ بعد قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ لأن الصبر داخل في عموم الحق إلا أنه خصه بالذكر إشارةً بفضيلة الصبر. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم * * *

стр. 15093

سورة الهمزة سورة الهمزة مكية، نزلت بعد سورة القيامة، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ نزلت بمكة، وهي: تسع آيات، وثلاثون كلمة، ومئة وثلاثون حرفًا. ومناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر سبحانه في السورة السابقة أن جميع أفراد الإنسان منغمسون في الضلال إلا من عصم الله .. ذكر هنا بعض صفات أهل الضلال. وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها أنه لما قال فيما قبلها: إن الإنسان لفي خسر .. بيَّن هنا حال الخاسر. التسمية: سميت سورة الهمزة؛ لذكر لفظ الهمزة فيها. الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - سورة: الهمزة كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. والله أعلم * * *

стр. 15094

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾. أسباب النزول قال عطاء والكلبي والسدي (١): نزلت هذه السورة في الأخنس بن شُريق كان يلمز الناس ويغتابهم، وبخاصة رسول الله ﷺ ، وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة: كان يغتاب النبي ﷺ من ورائه ويطعن فيه في وجهه، وأخرج ابن جرير عن رجل من أهل الرقة قال: نزلت في جميل بن عامر الجمحي، وأخرج ابن المنذر عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة، قال: كان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله ﷺ همزه ولمزه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ ... السورة كلها، وأخرج ابن أبي حاتم عن عثمان وابن عمر قالا: ما زلنا نسمع أن: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ نزلت في أبي بن خلف. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك شديد، وهو مبتدأ سوَّغ الابتداء به مع كونه نكرة، كونه دعاء عليهم، خبره قوله: ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، والمعنى (٢): خزي شديد وعذاب أليم، أو هلاك هائل أو واد في جهنم من قيح ودم كائن لكل همزة لمزة، قال أبو عبيدة والزجاج: الهمزة الذي يغتاب الناس، وعلى هذا فهما بمعنى واحد، وقيل: هما من الهمز، وهو الكسر كالهزم. واللمز، وهو الطعن كاللهز، شاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وفي "القاموس": الهامز والهمزة الغماز، واللمزة: العياب للناس، أو الذي يعيبك في وجهك، والهمزة من يعيبك في الغيب انتهى، وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يغتاب الرجل

стр. 15095

في وجهه، واللمزة الذي يغتابه من خلفه، وقال قتادة: عكس هذا، وروي عن قتادة ومجاهد أيضًا أن الهمزة الذي يغتاب الناس في أنسابهم، وفي "الخازن" قال ابن عباس: هم المَشَّاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب، وقيل: معناهما واحد، كما مر آنفًا، وهو العياب المغتاب للناس في بعدهم، قال الشاعر: إِذَا لَقِيْتُكَ مِنْ كُرْهٍ تُكَاشِرُنِيْ ... وَإِنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَا وقيل: بل يختلف معناهما، فقيل: الهمزة: الذي يعيبك في الغيب، واللمزة: الذي يعيبك في الوجه، وقيل: هو على ضده، وقيل: الهمزة: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم، وقيل: هو الذي يهمز بلسانه ويلمز بعينه، وقيل: الهمزة: الذي يؤدي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يرمق بعينه ويشير برأسه ويرمز بحسب جبيه، وقيل: الهمزة: المغتاب للناس، واللمزة: الطعان في أنسابهم. وحاصل هذه الأقاويل (١): يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار العيب، وأصل الهمز: الكسر والقبض على الشيء بالعنف، والمراد منه هنا: الكسرُ من أعراض الناس، والغَضُّ منهم، والطعن فيهم، ويدخل فيه من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم؛ ليضحكوا منه، وهما نعتان للفاعل على وزن فُعَلة نحو سُخرة وضُحَكة ولُعَنة وهُزَأة للذي يسخر من الناس، ويضحك منهم، ويلعنهم ويهزأ منهم، يقال: رجل هُزَأة لمن يهزأ بالناس. واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية كما مر، فقيل: نزلت في الأخنس بن شُريق بن وهب، كان يقع في الناس ويغتابهم، وقال محمد بن إسحاق: مازلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي ﷺ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه، وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: هي عامة في كل شخص هذه صفته كائنًا من كان، وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ والحكم، ومن قال: إنها في إناس معينين قال: إن كون اللفظ عامًا لا ينافي أن يكون المراد منه شخصًا معينًا،

стр. 15096

وهو تخصيص العام بقرينة العُرف، والأولى أن تُحمل على العموم في كل مَن هذه صفته. انتهى من "الخازن". وقرأ الجمهور (١): ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بفتح الميم فيهما مع ضم أولهما - بوزن فُعَله، وقال في "الروح": بناء فُعَلة يدل على الاعتياد، فلا يقال: ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود، وقرأ الباقر والأعرج بسكون. الميم فيهما، وقرأ أبو وائل والنخعي والأعمش: ويل للهمزة اللمزة بإدخال أن عليهما، وفي "أدب الكاتب" لابن قتيبة: فُعْلة بسكون العين من صفات المفعول، وفُعَلة بفتح العين من صفات الفاعل، يقال: رجل هُزْأة للذي يُهزأ به، وهُزَأة لمن يَهزأ بالناس، وعلى هذا القياس لعنة ولعنة، ولمزة ولمزة، وهمزة وهمزة وغيرها اهـ. ومعنى الآية: سخط (٢) وعذاب من الله سبحانه لكل طَعَّان في الناس، أَكَّال للحومهم، مؤذ لهم في غيبتهم، أو في حضورهم، ٢ - ثم ذكر سبب عيبه وطعنه في الناس، فقال: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾، بدل من كل، كأنه قيل: ويل للذي جمع مالًا، وإنما وصفه الله بهذا الوصف المعنوي؛ لأنه يجري مجرى السبب للهمزة واللمزة، من حيث إنه أعجب بنفسه مما جمع من المال، وظن أن كثرة المال سبب لعزة المرء وفضله، فلذا استنقص غيره، وقيل: في محل النصب على الذم وهذا أرجح؛ لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح، وإنما لم يُجعل وصفًا نحويًا لكل؛ لأنه نكرة لا يصح توصيفها بالموصولات، وتنكير مالًا للتفخيم والتكثير الموافق؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: عده مرة بعد أخرى من غير أن يؤدي حق الله منه، ويؤيد أنه من العد وهو الإحصاء، لا من العُدَّة أنه قرىء: ﴿وعدَّده﴾ بفك الإدغام، على أنه فعل ماض بمعنى أحصاه وضبط عدده، وقيل: معنى عدده: جعله عُدَّة وذخيرة لنوائب الدهر، وكان للأخنس المذكور أربعة آلاف دينار، أو عشرة آلاف. وقرأ الجمهور (٣): ﴿جَمَعَ﴾ مخففًا، وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد، وقرأ الجمهور: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ بتشديد الدال الأولى؛ أي: أحصاه

стр. 15097

وحافظ عليه، وقيل: جعله عدة لحوادث الدهر، وقرأ الحسن والكلبي ونصر بن عاصم وأبو العالية بالتخفيف؛ أي: جمع المال وضبط عدده، وقيل: جمع عددًا من عشيرته وأقاربه، وفي "الشوكاني" والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير، وهو جمع الشيء وتعديده مرة بعد أخرى، قال الفراء: معنى ﴿عدَّده﴾ أحصاه، وقال الزجاج: وعدده لنوائب الدهر، يقال: أعددت الشيء وعددته إذا أمسكته، وقال السدي: أحصى عدده، وقال الضحاك: أعد ماله لمن يرثه، وقيل المعنى: فاخر بكثرته وعدده، والمقصود ذمه على جمع المال وإمساكه وعدم إنفاقه في سبيل الخير، وقيل: المعنى على قراءة التخفيف في عدده أنه جمع عشيرته وأقاربه، قال المهدوي: من خفف ﴿وعدده﴾ فهو جعله معطوفًا على المال؛ أي: وجمع عدده. وخلاصة معنى النيابة: أي (١) إن الذي دعاه إلى الحط من أقدار الناس والزراية بهم هو جمعه للمال، وتعديده مرة بعد أخرى شغفًا به وتلذذًا بإحصائه؛ لأنه يرى أن لا عزة إلا به ولا شرف بغيره، فهو كلما نظر إلى كثرة ما عنده ظن أنه بذلك قد ارتفعت مكانته، وهزأ بكل ذي فضل ومزية دونه، ثم هو لا يخشى أن تصيبه قارعة بهمزه ولمزه وتمزيقه أعراض الناس؛ لأن غروره أنساه الموت، وأعمى بصيرته عن النظر في مآله والتأمل في أحواله، ٣ - ثم بين خطأه في ظنه، فقال: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾. ويجوز (٢) ﴿أن﴾ تكون هذه الجملة مستأنفة استئنافًا بيانًا واقعًا في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما باله يجمع المال ويهتم به، ويجوز أن تكون حالًا من فاعل جمع، و ﴿أَخْلَدَهُ﴾ ماض معناه المضارع؛ أي: يخلده اهـ "سمين". أي: يظن لجهله أن ماله الذي جمعه وعدده يخلده؛ أي: يوصله إلى رتبة الخلود والدوام في الدنيا، فيصير خالدًا فيها، فلا يموت أو يعمل من تشييد البنيان وإيثاقه بالصخر والآجر وغرس الأشجار وجري الأنهار عمل من يظن أنه لا يموت، بل ماله يبقيه حيًا ويزيد في عمره، وإظهار (٣) المال في موضع الإضمار؛ لزيادة التقريع والتوبيخ، فالحسبان ليس بتحقيقي، بل هو محمول على التمثيل، أو هو تعريض بالعمل الصالح، وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأما المال فما

стр. 15098

أخلد أحدًا فيه، وقال (١) أبو بكر بن طاهر - رحمه الله تعالى -: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد والدوام، وإنما قال: أخلده بصيغة الماضي ولم يقل يخلده بصيغة المضارع؛ لأن المراد أن هذا الإنسان يحسب أن المال قد ضمن له الخلود والبقاء في الدنيا وأعطاه الأمان من الموت، فكأنه حُكم قد فُرغ منه، ولذلك ذكره بلفظ الماضي، قال الحسن - رحمه الله تعالى -: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه كالموت. ونعم ما قال. ومعنى الآية: أي (٢) يظن هذا الهماز العياب أن ما عنده من المال قد ضمن له الخلود في الدنيا، وأعطاه الأمان من الموت، فهو لذلك يعمل عمل من يظن أنه باق حيًا أبد الدهر، ولا يعود إلى حياة أخرى يعاقب فيها على ما كسب من سيء الأعمال، ٤ - وبعد أن توعد من هذه صفاته بشديد العقاب، وأردفه ذكر السبب الذي حمله على ارتكاب هذه الخصال الممقوتة من ظنه أن ماله يضمن له الأمان من الموت .. أعقبه بتفصيل ما أعد له من هذا العذاب المحتوم، فقال: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ ﴿كَلَّا﴾: ردع له عن ذلك الحسبان، أي: ارتدع أيها الحاسب عما حسبته وظننته من أن هذا المال الذي جمعته وعددته يخلدك في الدنيا، فليس الأمر على ما حسبته؛ أي: لا عن همزه ولمزه، كما توهم؛ لبعده لفظًا ومعنى اهـ "شهاب"، وقيل: ﴿كَلَّا﴾ معناه حقًا اهـ خطيب، و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ واقعة في جواب قسم محذوف، وجملة القسم مستأنفة مبينة لعلة الردع؛ أي: والله ليطرحن ذلك الذي يحسب وقوع الممتنع بسبب تعاطيه للأفعال المذكورة، وقال بعضهم (٣): ولك أن ترد الضمير إلى كل من الهمزة واللمزة، ويؤيده قراءة: ﴿لينبذانِ﴾ بألف التثنية. ﴿في الْحُطَمَةِ﴾؛ أي: في النار التي شأنها أن تحطم وتكسر كل ما يُلقى فيها، كما أن شأنه الكسر بأعراض الناس وجمع المال، قال بعضهم: قولهم: إن فُعَلة بفتح العين للمتكثر المتعود ينتقض بالحطمة، فإنها أُطلقت على النار، وليس الحطم عادتها، بل طبيعتها وجوابه أن كونه طبيعيًا، لا ينافي كونه عادة؛ إذ العادة على ما في "القاموس" الديدن والشأن والخاصية، وهو يعم الطبيعي وغيره، ومنه يُعلم أن النبذ في الحطمة كان جزاء وفاقًا لأعمالهم، فإنه لما كان

стр. 15099

الهمز واللمز عادتهم كان الحطم أيضًا عادة، فقوبل صيغة فعلة بفعلة، وكذا ظنوا أنفسهم أهل الكرامة والكثرة، فعبر عن جزائهم بالنبذ المنبىء عن الاستحقار والاستقلال، يعني: شبههم استحقارًا لهم واستقلالًا بعددهم بحصيات أخذهن أحد في كفه، فطرحهن في البحر، وفيه إشارة إلى الإسقاط عن مرتبة الفطرة إلى مرتبة الطبيعة الغالبة. وقرأ الجمهور (١): ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ بصيغة المضارع المبني للمجهول المسند إلى ضمير الواحد، وقرأ علي والحسن بخلاف عنه ومحمد بن كعب وابن محيصن وحميد وهارون عن أبي عمرو ومجاهد ونصر بن عاصم: ﴿لينبذانِ﴾ بصيغة المضارع المبني للمجهول المسند إلى ضمير اثنين؛ أي: لينبذن الهمزة وماله، وقرأ الحسن أيضًا ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ بضم الباء على صيغة المعلوم؛ أي: لينبذن ذلك الجامع مالَهُ في النار، وقرأ الجمهور: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾ وقرأ زيد بن علي: ﴿في الحاطمة وما أدراك ما الحاطمة﴾، وهي النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يُلقى فيها كما مر آنفًا. وقال الضحاك: ﴿الْحُطَمَةُ﴾ الدرك الرابع من النار، وقال الكلبي: الطبقة السادسة من جهنم، وحكى عنه القشيري: أنها الدركة الثانية، وعنه أيضًا: الباب الثاني، وقال الواحدي: باب من أبواب جهنم. والمعنى: أي (٢) ازدجر أيها العياب عما خُيّل إليك من أن المال يخلدك ويبقيك، بل الذي ينفع هو العلم وصالح العمل، فإنك والله مطروح في النار لا محالة، لا يؤبه لك ولا يُنظر إليك، وأُثر عن علي - كرم الله وجهه - من عظة له: يا كميل هلك خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، يريد أن خزان الأموال ممقوتون مكروهون عند الناس؛ لأنهم لا ينالون شيئًا، أما العلماء فالثناء عليهم مستمر ما بقي على الأرض إنسان ينتفع بعلمهم، ويغترف من بحار فضلهم، وروي أن الحسن - رحمه الله تعالى - زار موسرًا وعاده في مرضه، وقال: ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم، ولا تفضلت بها على كريم، قال الحسن: ولكن لماذا جمعت؟ قال الموسر:

стр. 15100

لنبوة الزمان وجفوة السلطان، ونوائب الدهر، ومخافة الفقر، قال: إذن تدعه لمن لا يحمدك، وتَرِدُ على من لا يعذرك، وما أجاد قول الشاعر: شَغَلَتْنَا الدُّنْيَا بِهَاكَ وَهَاتِ ... وَنَسِيْنَا مَصَارعَ الأَمْوَاتِ نَحْنُ مَوْتَى وَإِنَّمَا بَيْنَ مَنْ يَمْـ ... ـضِيْ وَيَبْقَى تَفَاوُتُ الأَوْقَاتِ فاحذروا أيها المسلمون أن تسقط ورقتكم من شجرة الحياة قبل أن تتوبوا إلى الله تعالى، وتتركوا ما حرم عليكم ربكم، فإن حياتكم والله معلقة بشجرة الحياة، فإذا هبت عليها ريح القدرة تمايلت وتساقطت، فلا تغتروا بالدنيا ولا تحقروا أحدًا من الناس ولا تهمزوا ولا تلمزوا، واحذروا وعبد الله، فإنه قد أوعد في هذه السورة مَن هذه صفاته بالويل والثبور والهلاك والنكال، فقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾، ٥ - ثم أخذ يهول أمر هذه النار ويعظم شأنها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾، والاستفهام (١) فيه للتهويل والتعظيم والتفظيع، حتى كأنها ليست مما تُدركه العقول وتبلغه الأفهام؛ أي: وما أعلمك يا محمد جواب هذا الاستفهام؛ لأنها من الأمور التي تنالها عقول الخلق؛ أي: إن هذه الحطمة مما لا تحيط بها معرفتك على حقيقتها فلا يعلم شأنها، ولا يقف على كنهها إلا من أعدها لمن يستحقها، ٦ - ثم فسر هذه الحطمة بعد إبهامها، فقال: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾؛ أي: هي: نار الله الموقدة الملتهبة بأمر الله ، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها، وكذلك في وصفها بالإيقاد، فما أوقد وأُشعل بأمره تعالى لا يقدر أن يُطفئه غيره تعالى، وفيه دلالة على أنها ليست كسائر النيران، وفي الحديث: "أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة"، وعن علي ﵁: عجبًا بمن يعصي الله على وجه الأرض، والنار تُسعر من تحته. أي: إنها (٢) النار التي لا تُنسب إلا إليه سبحانه؛ إذ هو الذي أنشاها وأعدها لعقاب العصاة والمذنبين، وفي وصفها بالموقدة إيماء إلى أنها لا تُخمد أبدًا، بل

стр. 15101

هي ملتهبة التهابًا لا يدرك حقيقته إلا من أوجدها، ٧ - ثم وصفها بأوصاف تخالف بها نيران الدنيا؛ ليؤكد مخالفتها لها، فقال: ١ - ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ ويخلص حرها إلى القلوب، فيعلوها ويغشاها؛ أي: إن تلك النار تعلو أوساط القلوب وتغشاها، فإن الفؤاد وسط القلب ومتصل بالروح، يعنيك أن تلك النار تحطم العظام وتأكل اللحوم، فتدخل في أجواف أهل الشهوات، وتصل إلى صدورهم، وتستولي على أفئدتهم إلا أنها لا تحركها بالكلية؛ إذ لو احترقت لماتت أصحابها، ثم إن الله تعالى يُعيد لحومهم وعظامهم مرة أخرى، وتخصيص الفؤاد بالذكر لما أنها ألطف ما في الجسد وأشدُّ تألمًا فأدنى أذى يمسه، أو لأنه محل العقائد الزائغة والنابات الخبيثة ومنشأ الأعمال السيئة، فاطلاعها على الأفئدة التي هي خزانة الجسد ومحل ودائعه يستلزم الاطلاع على جميع الجسد بطريق الأولى. وقد يكون (١) المراد بالاطلاع المعرفة والعلم، وكأن هذه النار تدرك ما في أفئدة الناس يوم البعث، فتميز العاصي من المطيع، والخبيث من الطيب، وتفرق بين من اجترحوا السيئات في حياتهم الأولى، ومن أحسنوا أعمالهم، يعني: أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بأمارات عرَّفها الله بها، وإنا لنكل أمر ذلك إلى علَّام الغيوب، وفي وصفها بالاطلاع على الأفئدة التي أودعت باطن الإنسان في أخفى مكان منه إشارة إلى أنها إلى غيره أشد وصولًا وأكثر تغلبًا. ٢ - ٨ ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾؛ أي: أن تلك (٢) النار الموصوفة مطبقة أبوابها عليهم تأكيدًا؛ ليأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد، من آصدت الباب وأوصدته؛ أي: أطبقته، وقد سبق بيانه في سورة البلد؛ أي: إنها مطبقة مغلقة عليهم لا يخرجون منها، ولا يستطيعون الخروج إذا شاءوا فهم ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾. ٣ - ٩ ﴿في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ جمع عمود، كما في "القاموس"، والعمود كل مستطيل من خشب أو حديد، قاله أبو عبيدة، ومعنى كون العمد ممدودة أنها

стр. 15102

مطولة، وهي أرسخ من القصيرة، وهو في محل نصب على الحال من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: حال كونهم موثقين في أعمدة مطولة مغلولين عليها بأغل الذي أعناقهم، وقيل (١): هو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم مغلولون بأغل الذي أعناقهم في أعمدة طوال في وسط جهنم، والنار ملتهبة من تحتهم، أو صفة لـ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ و ﴿في﴾ بمعنى الباء، والمعنى: أنها مؤصدة مطبقة مغلقة عليهم أبوابها مشدودة تلك الأبواب بعمد ممددة؛ أي: بأعمدة طوال تعرض عليها وتشد بها، يعني (٢): إن أبواب جهنم أغلقت عليهم ممدودة على أبوابها عمد تشديدًا في الإغلاق، كما قاله ابن جزيّ. وفي "القرطبي": ﴿في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ ﴿في﴾ بمعنى الباء؛ أي: مؤصدة بعمد ممددة، قاله ابن مسعود وهي قراءته: ﴿بعمد ممدودة﴾ وفي حديث رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "ثم إن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد بتلك المسامير، وتمد بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غم، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يبعثون بعدها، وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيرًا وشهيقًا"، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وقال قتادة: هم في عمد يعذبون، واختار هذا القول ابن جرير الطبري، وقال ابن عباس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم، وقيل: قيود في أرجلهم، قال: أبو صالح (٣)، وقال القشيري: والمعظم على أن العمد أوتاد الأطباق التي تُطبق على أهل النار، تشد تلك الأطباق بالأوتاد التي هي العمد حتى يرجع عليها غمها وحرها، فلا يدخل عليهم روح، وقيل: أبواب النار مطبقة عليهم، وهم في عمد في سلاسل وأغلال مطولة، وهي أحكم وأرسخ من القصيرة، وقيل: هم في عمد ممددة؛ أي: في عذابها وألمها يضربون بها، وقيل المعنى: في دهر ممدد؛ أي: لا انقطاع له. والله أعلم اهـ. والمراد بذلك: تصوير شدة إطباق النار على هؤلاء وإحكامها عليهم، والمبالغة في ذلك؛ ليودع في قلوبهم اليأس من الخلاص منها، وعلينا أن نؤمن

стр. 15103

بذلك، ولا نبحث عن كون العمد من نار أو حديد، ولا في أنها تمتد طولًا أو عرضًا، ولا في أنها مشبهة بعمد الدنيا أم لا، بل نكل أمر ذلك إلى الله تعالى؛ لأن شؤون الآخرة غير شؤون الدنيا, ولم يأتنا خبر من الرسول ﷺ يبين ذلك، فالكلام فيه قول بلا علم وافتراء على الله بكذب. وقرأ الأخوان (١) - حمزة والكسائي - وأبو بكر ﴿في عُمُد﴾ - بضمتين - جمع عمود كرسول ورسل، وقيل: جمع عماد نحو كتاب وكتب، وقرأ هارون عن أبي عمرو بضم العين وسكون الميم، وهو تخفيف لهذه القراءة، وقرأ الباقون: ﴿عَمَد﴾ بفتحتين، فقيل اسم جمع لعمود، وقيل: بل هو جمع له، وقال الفراء جمع عمود كأديم وأدم، وقال أبو عبيدة: جمع عماد، واختار أبو عبيدة وأبو حاتم قراءة الفتحتين، وقال الجوهري: العمود عمود البيت، وجمع القلة أعمدة، وجمع الكثرة: عَمَد وعُمُد، وقرىء بهما اهـ. الإعراب ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾. ﴿وَيْلٌ﴾: مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء عليهم بالهلكة كما مر، وقيل: إنه معرفة؛ لأنه اسم واد في جهنم، ويجوز في غير القرآن نصبه على الدعاء، فيقال: ويلًا لكل همزة؛ أي: الزمه الله ويلًا، قال جرير: كَسَا الُّلؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً فِيْ جُلُودِهَا ... فَوَيْلًا لِتَيْمٍ مِنْ سَرَابِيْلِهَا الخُضْرِ بالنصب على الرواية الصحيحة ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ أي: ويل كائن لكل همزة، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًا ﴿لُمَزَةٍ﴾: بدل من ﴿هُمَزَةٍ﴾، وقيل: تأكيد لـ ﴿هُمَزَةٍ﴾ تأكيدًا لفظيًا بالمرادف ﴿الَّذِي﴾ بدل من كل بدل المعرفة من النكرة، أو منصوب على الذم بفعل محذوف، وأعربها ابن خالويه نعتًا ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ وهو غير صواب، لكونه معرفة. ﴿جَمَعَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود إلى الموصول. ﴿مَالًا﴾: مفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَعَدَّدَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿جَمَعَ﴾.

стр. 15104

﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾. ﴿يَحْسَبُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿الَّذِي جَمَعَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿جَمَعَ﴾؛ أي: جمع مالًا حالة كونه حاسبًا ظانًا أن المال سيخلده؛ أي: يوصله إلى رتبة الخلود فلا يموت، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافًا بيانًا واقعًا في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما باله يجمع المال ويهتم به؟ ﴿أَنَّ مَالَهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخْلَدَهُ﴾ خبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب سادة مسد مفعولَي ﴿يَحْسَبُ﴾ تقديره: إخلاد ماله إياه. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر له عن حسبانه؛ أي: ارتدع عن حسبانك؛ أي: ليس الأمر كما دار في خَلَده من أن المال يخلده. ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿ينبذن﴾: فعل مضارع مغير الصيغة في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على الحاسب، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ينبذن﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو مستأنفة. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَدْرَاكَ﴾: فعل ماض ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ الاستفهامية، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن ﴿ما﴾ الاستفهامية، وجملة ﴿ما﴾ الاستفهامية معطوفة على جملة القسم، أو مستأنفة. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ: ﴿الْحُطَمَةِ﴾: خبر، والجملة الاسمية المعلقة بالاستفهام سدت مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾. ﴿نَارُ اللَّهِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي نار الله، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿الْمُوقَدَةُ﴾: صفة لـ ﴿النار﴾ ﴿الَّتِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿النار﴾، وجملة ﴿تَطَّلِعُ﴾ صلة الموصول. ﴿عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: متعلق بـ ﴿تَطَّلِعُ﴾ وفاعل ﴿تَطَّلِعُ﴾ ضمير يعود على النار. ﴿إِنَّهَا﴾: ناصب واسمها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، و ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿في عَمَدٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، وإليه ذهب أبو البقاء، فتكون النار داخل العمد، أو حال من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: حال كونهم موثقين في عمد

стр. 15105

﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ صفة لـ ﴿عَمَدٍ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَيْلٌ﴾ والويل: كلمة يدعى بها العذاب، ويُسأل بها على من استحقه، وعلى هذا يكون المعنى: اللهم ألحق الويل وأنزله بكل همزة، فتكون الجملة إنشائية، أو عَلَم لواد في جهنم، فيكون معرفة، وتكون الجملة خبرية، أخبرت بأن هذا الوادي ثابت معد لكل همزة لمزة، وقال بعضهم: الويل كلمة عذاب وهلاك وخزي، وهو لفظ يستعمل في الذم والتقبيح، والمراد به هنا: التنبيه على قبح ما سيذكر بعد من صفاتهم، والويس كلمة أخف، من الويل، والويح كلمة أخف من الويس، والويب كلمة أخف من الويح، يقال: ويل لزيد، وبقال: ويله وويحه وويسه وويبه، فمتى انفرد جاز فيه الرفع والنصب، ومتى أضيف لم يكن إلا منصوبًا؛ لأنه يبقى بلا خبر، ومتى انفصل جُعلت اللام خبرًا، وقال الحسن: ويح كلمة رحمة، فإن قيل: كيف تَصرَّف الفعل من ويح ووش وويل؟ فقل: ما صرفت العرب منها فعلًا، فأما هذا البيت المعمول: فَمَا وَالٍ وَمَا وَاحٍ ... وَمَا وَاسٍ أَبُوْ زَيْدِ فلا تلتفتن إليه، فإنه مصنوع خبيث. ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ في "المختار": الهمز كاللمز وزنًا ومعنى، وبابه ضرب، وفيه أيضًا واللمزُ العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، وبابه: ضرب ونصر، والتاء فيهما للمبالغة في الوصف، وقد تقدم أن بناء فُعَلة بضم الفاء وفتح العين لمبالغة الفاعل؛ أي: المكثرة لمأخذ الاشتقاق، وبناء فُعْلة بضم الفاء وسكون العين لمبالغة المفعول، يقال: رجل لُعَنة - بضم اللام وفتح العين - لمن كان يُكثر لعن غيره، ولُعْنة - بضم اللام وسكون العين - إذا كان ملعونًا للناس يكثرون لعنه. وعبارة "السمين": والعامة على فتح ميميهما، على أن المراد الشخص الذي يكثر منه ذلك الفعل، وقرأ الباقون: بالسكون، وهو الذي يهمز ويلمز؛ أي: يأتي بما يهمز به ويلمز، والضُحَكة لمن يكثر ضحكه، والضُحْكة لم يأتي بما يُضحَك منه، وهو مطرد أعني: أن فعلة بفتح العين لمن يكثر منه الفعل، وبسكونها لمن يكثر الفعل بسببه، والهاء في همزة لمزة دخلت للمبالغة في الذم، كقولهم: رجل همزة

стр. 15106

لمزة؛ أي: عيَّاب مغتاب، فلما دخلت الهاء لذلك استوى المذكر والمؤنث فيه، فيقال: امرأة همزة ورجل همزة، ولا يُثنّى ولا يُجمع، فيقال: رجال همزة ونساء همزة، والمهمزة عصًا في رأسها حديدة، تكون مع الرائض يهمز بها الدابة، والجمع: مهامز، ويقال: همزه يهمُزه - بضم الميم وبكسرها - همزًا إذا غمزه وضغطه ونخسه ودفعه وضربه وعضّه، واغتابه في غيبته فهو هماز وهمزة، وهمز الشيطان الإنسان همس في قلبه وسواسًا، وهمز به الأرض صرعه، وهمز الفرس نخسه بالمهماز ليعدو. ويقال: لمزه يلمُزه - بضم الميم وبكسرها - لمزًا إذا عاب، وأشار إليه بعينه ونحوها مع كلام خفي ودفعه وضربه، ولمزه الشيب ظهر فيه، وقال سعيد بن جبير: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيّبهم إذا غابوا، ومنه قول حسان ﵁: هَمَزْتُكَ فَاخْتَضَعْتَ بِذُل نَفْسٍ ... بِقَافِيَةٍ تَأَجَّجُ كَالشُّوَاظِ وأصل الهمز الكسر يقال: همز كذا إذا كسره، وأصل اللمز الطعن، يقال: لمزه بالرمح؛ أي: طعنه، ثم شاع استعمالهما فيما ذكرنا، قال زياد الأعجم: إِذَا لَقِيْتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكَاشِرُنِيْ ... وَإِنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الْهَامِزَ اللُّمَزَا ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾ قُرىء بالتخفيف والتشديد، فمن شدد ميمه نظر للمبالغة والتكثير، ومن خففها جعله محتملًا للتكثير وعدمه، والمعنى: جمعه وضبط عدده وأحصاه. ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: العامة على تثقيل الدال الأولى، وهو أيضًا للمبالغة، وقرأ الحسن والكلبي بتخفيفها كما مر، وقال ابن خالويه: ومن شدد جعله فعلًا ماضيًا يقال: عدَّد المال يعدده تعديدًا إذا عده مرة بعد أخرى شغفًا به، فهو معدد، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، ومن خفف جعله مصدرًا واسمًا؛ أي: جمع مالًا وعرف عدده وأحصاه. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾؛ أي: سيخلده ويوصله إلى رتبة الخلود، أي: ضمن له الخلود في الدنيا، وفي "المختار": الخلد بالضم: البقاء، وبابه دخل، وأخلده الله وخلَّده تخليدًا إذا أبقاه.

стр. 15107

﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾؛ أي: ليطرحن، والنبذ: الطرح مع الإهانة والتحقير، وعبارة ابن خالويه: ومعنى ﴿يُنْبَذَنَّ﴾ يتركَنَّ في جهنم، قال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: تركوه. ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾: وهي من أسماء النار من الحطم، وهو الكسر يقال: رجل حطمة إذا كان شديدًا لا يُبقي على شيء، وفي أمثالهم: شر الرعاء الحطمة؛ أي: الذي يحطم ماشيته ويكسرها بشد سوقها، قال الشاعر: قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِيْ إِبلٍ وَلَا غَنَمْ وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ وفي "المختار": حطمه - من باب ضرب - أي: كسره فانحطم وتحطم، والتحطيم التكسير، والحطمة من أسماء النار؛ لأنها تحطم ما تلتقم اهـ، والمراد بها هنا النار؛ لأنها تحطم العظام، وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب. ﴿الْمُوقَدَةُ﴾ وزنها: مفعلة من أُوقِدت أُوقِد إيقادًا، فأنا مُوقِد، والنار مُوقَدَة، وقد وقدت النار نفسها تَقِدُ وَقْدًا ووقودًا بضم الواو، فهي واقدة، قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ يعني حجارة الكبريت، والوَقود - بالفتح -: الحطب، قال حاتم الطائي: لَيْلُكَ يَا مُوْقِدُ لَيْلٌ قَرُّ ... وَالرِّيْحُ مَعْ ذَلِكَ رِيْحٌ صِرُّ أَوْقِدْ يَرَى نَارَكَ مَنْ يَمُرُّ ... إِنْ جَلَبَتْ ضَيْفًا فَأَنْتَ حُرُّ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ﴾ أصله: تفتعل، أبدلت تاء الافتعال طاء؛ لوقوعها بعد طاء، فأدغمت الطاء في الطاء؛ أي: تعلو أوسط القلوب وتغشاها. ﴿عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ جمع فؤاد، وهو خالص القلب ولبه، وهو للقلب كالقلب للصدر. ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾؛ أي: مطبقة من أوصدت الباب إذا أغلقته، قال الشاعر: تَحِنُّ إِلَى أَجْبَالِ مَكَّةً نَاقَتِيْ ... وَمِنْ دُوْنِهَا أَبْوَابُ صَنْعَاءَ مُؤْصَدَهْ ﴿فِي عَمَدٍ﴾: جمع عمود، كأديم وأَدَم ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾؛ أي: مطولة، تقدم لك البسط

стр. 15108

في هاتين الكلمتين، فلا حاجة إلى تطويل الكلام بهما. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾؛ لأن بناء فُعَلة يدل على التكثير، والمبالغة في الفعل. ومنها: التنكير في قوله: ﴿مَالًا﴾؛ أي: مالًا كثيرًا لا يكاد يحصى؛ ليدل على فخامته وكثرته بدليل قوله: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾؛ لزيادة التقرير والتأكيد، ومقتضى السياق أن يقال: يحسب أنه أخلده. ومنها: التعبير بصيغة الماضي دون المضارع في قوله: ﴿أَخْلَدَهُ﴾ حيث لم يقل: يخلده؛ لكونه أمرًا محققًا عنده؛ لأن هذا الإنسان يحسب أن المال قد ضمن له الخلود، وإعطاء الأمان من الموت، فكأنه حكم قد فُرغ منه. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ حيث شبههم استحقارًا لهم واستقلالًا بعددهم بحصيات أخذهن أحد في كله، فطرحهن في البحر، ويمكن أن تكون استعارة تصريحية تبعية، حيث استعار النبذ الذي هو الطرح للترك؛ لأن المعنى هنا: ليُتْرَكَنَّ في جهنم. ومنها: المقابلة اللفظية الرائعة بين قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ وقوله: ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾؛ لأنه لما وصفه بهذه الصفة بصيغة دلت على أنها راسخة فيه ومتمكنة منه .. أتبع المبالغة المتكررة في الهمزة واللمزة بوعيده بالنار التي سماها بالحطمة؛ لما يكابد فيها من هول ويلقى فيها من عذاب، واختار في تعيينها صيغة مبالغة على وزن الصيغة التي ضمنها ذنب المقترف حتى يحصل التعادل بين الذنب والجزاء. ومنها: التفخيم والتهويل في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾ تهويلًا لشأن جهنم.

стр. 15109

ومنها: الجناس الناقص بين ﴿لُمَزَةٍ﴾ و ﴿هُمَزَةٍ﴾ ويسمى الجناس الغير التام. ومنها: تخصيص ذكر ﴿الْأَفْئِدَةِ﴾ في قوله: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾؛ لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد، وأشده تألمًا بأدنى أذى يمسه، أو لأنه محل العقائد الزائغة، كما مر. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم * * *

стр. 15110

سورة الفيل سورة الفيل مكية، نزلت بعد سورة الكافرون، وهي مكية بلا خلاف، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أُنزلت بمكة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ وهي: خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفًا. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (١): أنه بيَّن في السورة السابقة أن المال لا يُغني من الله شيئًا، وهنا أقام الدليل على ذلك بقصص أصحاب الفيل. وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر فيما قبلها عذاب الكفار في الآخرة .. أخبر هنا بعذاب ناس منهم في الدنيا، وقال بعضهم: مناسبتها: أن الله لما ذكر في السورة السابقة ما أعده من العذاب لمن عاب الناس، واغتابهم، وطعن في أعراضهم، وركن إلى الدنيا، وظن أن المال سيخلده، فظلم نفسه، واستحق عذاب الله، ونزل به وعيده وتهديده، وتحطم في الحاطمة المدمرة جهنم وساءت مصيرًا .. بيَّن سبحانه هنا ما فعله بأصحاب الفيل، وهم الظالمون المعتدون الذين ظلموا أنفسهم، وأغاروا على حرم الله وبيته في مكة المكرمة، فجعل الله لهم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فرجعوا خائبين، وارتدوا منكسرين هالكين بعذاب الله تعالى، ونقمته التي صبها عليهم صبًا، وجعل كيدهم في تضليل، ثم جعلهم كعصف مأكول. وسميت سورة الفيل؛ لذكر لفظ الفيل فيها. الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الفيل كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. فضلها: ومن فضائلها ما روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الفيل عافاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ" ذكره "البيضاوي" ولكن لا أصل له.

стр. 15111

إعجاز هذه السورة: وهذه السورة من آيات الله البينات، ومن أعظم المعجزات القاهرات والدلائل الباهرة التي أظهرها الله تعالى في ذلك الزمان، ليدل على وجوب معرفته وجليل قدرته وعظيم جبروته، وفيها إرهاص لنبوة نبينا محمد ﷺ ، وقد وُلد في ذلك العام الذي فيه أرخ العرب، وقالوا: ولد في عام الفيل. وما كان لأحد أن ينكر هذا، فإنه ﷺ لما قرأ هذه السورة على أهل مكة لم ينكروا ذلك عليه ﷺ ، بل أقروا به وصدقوه فيما قال، مع شدة حرصهم على تكذيبه واعتنائهم بالرد عليه، وكانوا قريب عهد بأصحاب الفيل، ولو لم يكن لذلك عندهم حقيقة واضحة وأصل بيّن .. لأنكروه وجحدوه، وشنعوا على الرسول به وكذبوه، ولكنهم صمتوا ولاذوا بالفرار أمام عظمة القرآن وصدق من أُنزل عليه القرآن سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ وعليهم أجمعين. وكيف ينبس أحدهم ببنت شفة، وقد أرخوا بعام الفيل، وتناقل خبره الكبير والصغير, كما أرخوا ببناء الكعبة وموت قصي بن كعب وغير ذلك، كما أكثر الشعراء من ذكر عام الفيل، ونظموها في شعرهم، ونقلته الرواة عنهم، من ذلك ما قاله أمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة قال: إِنَّ آيَاتِ رَبِّنا بَاقِيَاتٌ ... مَا يُمَارِيْ فِيْهِنَّ إِلَّا الْكَفُوْرُ خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَكُلٌّ ... مُسْتَبِيْنٌ حِسَابَهُ مَقْدُوْرُ ثُمَّ يَجْلُوْ النَّهَارَ رَبٌّ رَحِيْمٌ ... بِمَهَاةٍ شُعَاعُهَا مَنْثُوْرُ حَبسَ الْفِيْلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى ... صَارَ يَحْبُوْ كَأَنَّهُ مَعْقُوْرُ حَوْلَهُ مِنْ مُلُوْكِ كِنْدَةً أَبْطَا ... لٌ مَلَاوِيْثٌ فِيْ الْحُرُوْبِ صُقُوْرُ كُلُّ دِيْنٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الـ ... ـلَّهِ إِلَّا دِيْنُ الْحَنِيْفَةِ بُوْرُ قال عبد الله بن عمرو بن مخزوم: أَنْتَ الْجَلِيْلُ رَبُّنَا لَمْ تُدْنَس ... أَنْتَ حَبَسْتَ الفِيْلَ بِالْمُغَمَّسِ مِنْ بَعْدِ مَا هَمَّ بِشَيْءٍ مُبْلِسِ ... حَبَسْتَهُ فِيْ هَيْئَةِ الْمُنَكَّسِ قال الحافظ بن كثير في "تفسبره": هذه من النعم التي امتن الله سبحانه بها

стр. 15112

على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها، فأبادهم الله تعالى، وأرغم آنافهم، وخيّب سعيهم، وأضل أعمالهم، وردهم بشر خيبة. وكانوا قومًا نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن من باب الإرهاص والتوطئة لنبوة محمد ﷺ ومبعثه، فإنه في ذلك العام وُلد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدرة يقول: لم ينصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرِّفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. والله أعلم * * *

стр. 15113

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام التعجيبي والتقريري؛ لتقرير رؤيته ﷺ بإنكار عدمها، وتعجيبه بما فعله الله تعالى، والخطاب لرسول الله ﷺ ، ويجوز أن يكون لكل من يصلح له، والرؤية (١) علمية لا بصرية؛ لأنه لم يكن وقت الواقعة موجودًا، وحُذفت ألف ﴿تَرَ﴾ للجازم، والمعنى: أقر بأنك علمت قصة أصحاب الفيل. ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ يا محمد و ﴿كَيْفَ﴾ معلقة للرؤية منصوبة على المصدرية بالفعل المذكور بعدها، و ﴿رَبُّكَ﴾ فاعل، والتقدير (٢): أي فعل فعله ربك، والجملة سدت مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾، ولا يصح نصب ﴿كَيْفَ﴾ على الحال من الفاعل؛ لأنه يلزم وصفه تعالى بالكيفية، وهو غير جائز اهـ "شهاب". وقرأ السلمي: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ - بسكون الراء - وهو جزم بعد جزم، ونُقل عن صاحب "اللوامح": ﴿ترأ﴾ بهمزأ مفتوحة مع سكون الراء على الأصل، وهي لغة لتيم، ذكره في "البحر". ﴿بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. وهم أبرهة بن الصباح الأشرم الحبشي ملك اليمن وقومه، ومعنى أبرهة بلسان الحبشة: الأبيض الوجه، ولُقّب بالأشرم؛ لأنه قُطع حاجبه وأنفه وعينه وشفته؛ أي: شُقَّت وخدشت كما سيأتي في القصة، وقيل: لأن أباه ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، والمراد بالفيل: هو الفيل الأعظم الذي اسمه محمود، وكنيته أبو العباس، كما سيجيء، ونسبوا إليه؛ لأنه مقدمهم، وهو الذي برك وضربوه في رأسه فأبى، وكان معه اثنا عشر فيلًا، وقيل ثمانية عشر، وقيل ألف، وأفرده حينئذ موافقة لرؤوس الآي، أو لكونه نسبهم إلى الفيل الأعظم الذي يقال

стр. 15114

له: محمود، والفيل: حيوان معروف يُجمع على أفيال وفيول وفيلة، قال ابن السكيت: ولا تقول أفيلة، وصاحبه فيَّال، ومن شأن الفيل المقاتلة، ولذلك كان في مربط ملك الصين ألف فيل أبيض، وهو مع عظم جسمه ضعيف يخاف من السنور ويفزع منه، والمعنى: قد علمت (١) يا محمد أو علم الناس الموجودون في عصرك ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من قصة أصحاب الفيل وما فعل الله بهم، فما لكم لا تؤمنون، وتعليق (٢) الرؤية بكيفية فعله تعالى لا بنفسه بأن يقال: ألم تر ما فعل ربك إلخ؛ لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئات عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه وحكمته، وعزة بيته وشرف رسوله، فإن ذلك من الإرهاصات، والإرهاص أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة تأسيسًا لها ومقدمةً، كإظلال الغمام له ﷺ ، وتكلم الحجر والمدر معه، قال بعضهم: الإرهاص الترصد؛ سميت الأمور الغريبة التي وقعت للنبي ﷺ إرهاصات؛ لأن كلًّا منها مما يترصد بمشاهدته نبوته، فالإرهاص إنما يكون بعد وجود النبي ﷺ وقبل مبعثه، وفي كلام بعضهم: أن الإرهاص يكون قبل وجوده أيضًا قريبًا من عهده، كما دل عليه قصة أصحاب الفيل، ورجحوا الأول. فإن قيل: اتحاد السنة بأن يكون وقوع القصة عام المولد أمر اتفاقي لا يمنع عن كون الواقعة لتعظيم الكعبة، قلنا شرفها أيضًا بشرف مكانه ﷺ ، ألا ترى أنه تعالى كيف قيَّد الإقسام بالبلد بحلوله ﷺ فيه، حيث قال ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾. قال في "فتح الرحمن": كان هذا عام مولد النبي ﷺ ، في نصف المحرم، ووُلد ﷺ في شهر ربيع الأول، فبين الفيل ومولده ﷺ خمس وخمسون ليلة، وهي سنة: ستة آلاف ومئة وثلاث وستين من هبوط آدم ﵇ على حكم التواريخ اليونانية المعتمدة عند المؤرخين، وبين قصة الفيل والهجرة الشريفة النبوية ثلاث وخمسون سنة والتاريخ الآن سبعة آلاف وست مئة وأربع وعشرون من هبوط آدم ﵇ على ما أرخه اليونانيون هو الأصح. والمقصود من ذكر القصة إما تسلية النبي ﷺ بأنه سيجزي من يظلمه، كما جزى من قصد الكعبة، وإما تهديد الظلمة،

стр. 15115

وتفصيل القصة سيأتي إن شاء الله تعالى. ومعنى الآية: أي ألم تعلم (١) يا محمد الحال العجيبة والكيفية الهائلة الدالة على عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه وحكمته فيما فعل بأصحاب الفيل الذين قصدوا هدم البيت الحرام، فتلك حال قد جاءت على غير ما يُعرف من الأسباب والعلل؛ إذ لم يُعهد أن يجيء طير في جهة، فيقصد قومًا دون قوم، وهم معهم في جهة واحدة، فذلك أمارة على أنه من صنع حكيم مدبر بعثه لإنفاذ مقصد معين. وإنما عبر عن العلم بالرؤية؛ للإيماء إلى أن الخبر بهذا القصصى متواتر مستفيض، فالعلم به مساو في قوة الثبوت مع الوضوح للعلم الناشىء عن الرؤية والمشاهدة. وخلاصة ذلك: أنك قد علمت ذلك علمًا واضحًا لا لبس فيه ولا خفاء، ٢ - ثم بيَّن الحال التي وقع عليها فعله، فقال: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ﴾ ربك يا محمد: ﴿كَيْدَهُمْ﴾ ومكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة واستباحة أهلها ﴿في تَضْلِيلٍ﴾ وخيبة وخسران فيما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت، ولا إلى ما أرادوا بكيدهم، والهمزة (٢) فيه للاستفهام التقريري، كأنه قال: قد جعل كيدهم في تضليل، والكيد: هو إرادة المضرة بالغير؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشًا بالقتل والسبي، ويكيدوا البيت الحرام بالتخريب والهدم، ويقال: ضلل كيده إذا جعله ضالًا ضائعًا، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ وضل الماء في اللبن، إذا ذهب وغاب، وقيل لامرىء القيس: الضليل؛ لأنه ضلل ملك أبيه؛ أي: ضيّعه، والمعنى (٣): قد جعل مكرهم وحيلتهم في تعطيل الكعبة عن الزوار وتخريبها في تضييعٍ وإبطالٍ بأن أهلكهم أشنع إهلاك، وجزاهم بعد إهلاكهم بمثل ما قصدوا حيث خرَّب كنيستهم. قال في "إنسان العيون": لما أُهلك صاحب الفيل وقومه .. عزت قريش وهابتهم الناس كلهم، وقالوا: هم أهل الله؛ لأن الله معهم، ومُزقت الحبشة كل ممزق، وخُرّب ما حول تلك الكنيسة التي بناها أبرهة بصنعاء، فلم يعمرها أحد، وكثرت حولها السباع والحيات ومردة الجن، وكل من أراد أن يأخذ منها شيئًا

стр. 15116

أصابته الجن، واستمرت كذلك إلى زمان السفاح الذي هو أول خلفاء بني العباس، فذُكر له أمرها، فبعث إليه عامله الذي باليمن فخربها، وأخذ خشبها المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير من الذهب، فحصل له منها مال عظيم، وعفا من حينئذ رسمها، وانقطع خبرها، واندرست اثارها. ٣ - وقوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أصحاب الفيل ﴿طَيْرًا﴾ معطوف (١) على قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ﴾؛ لأن الهمزة فيه للاستفهام التقريري كما سبق، فيكون في معنى الإثبات، والتقدير: فجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا ﴿أَبَابِيلَ﴾ صفة أولى لـ ﴿طَيْرًا﴾؛ أي: طيرًا أقاطيع؛ أي: جماعات يتبع بعضها بعضًا؛ لأنها كانت أفواجًا، فوجًا بعد فوج، متتابعة، بعضها على إثر بعض، أو من هاهنا وهاهنا، جمع أَبَّالة مشددة، وحكي تخفيفه، وهي الحزمة الكبيرة من الحطب، شُبِّهت بها الجماعة من الطير في تضامها، وقيل: ﴿أَبَابِيلَ﴾: مفرد، كعباديد، ومعناه: الفِرَق من الناس الذاهبون في كل وجه، وكشماطيط، ومعناه: القطع المتفرقة، وفيه أنها لو كانت مفردات لأشكل قول النحاة أن هذا الوزن من الجمع يُمنع صرفه؛ لأنه لا يوجد في المفردات. قال النحاس: وحقيقته أنها جماعات عظام، يقال: فلان تَوَبَّل على فلان؛ أي: تعظم عليه وتكبر، وهو مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له. اهـ، وقال بعضهم: واحدهُ إبَّوْل، مثل عِجَّول لغة في العجل، وقال بعضهم: أبيل، قال الواحدي: ولم نر أحدًا يجعل لها واحدًا، قال الفراء: لا واحد له من لفظه، وزعم الرؤاسي، وكان ثقة: أنه سُمع في واحدها: أبَّالة مشددًا وحكى الفراء أيضًا أبالة بالتخفيف. قال سعيد بن جبير: كانت طيرًا من السماء لم ير قبلها ولا بعدها قال قتادة: هي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمه، وقيل: كانت طيرًا خضرًا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع، وقيل: كان لها خراطيم كخراطيم الفيل، وأكف كأكف الكلاب، وأنيابها جاءت من جهة البحر ليست نجدية ولا

стр. 15117

تهامية ولا حجازية سوداء، وقيل: خضراء على قدر الخطاف، كل طائر منها في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، كل حجر فوق حبَّة العدس، ودون حبَّة الحمص، مكتوب في كل حجر اسم من يُرمى به، ينزل على رأسه، ويخرج من دبره، ومرض أبرهة فتقطع أنملة أنملة، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت أبو مكسوم وزيره وطائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشي، وأخبره بما جرى للقوم، فرماه الطائر بحجره، فمات بين يدي الملك، ذكره في "البحر". ٤ - وقوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ صفة أخرى لـ ﴿طَيْرًا﴾، وقرأ الجمهور (١): ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ بالتاء، والطير اسم جمع يؤنث، كما في هذه القراءة، ويذكَّر كما في القراءة الآتية، وقرأ أبو حنيفة وأبو معمر وعيسى وطلحة في رواية عنه وابن يعمر: ﴿يرميهم﴾ بالتحتية؛ لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث كما مر آنفًا، وقيل الضمير في ﴿يرميهم﴾ على هذه القراءة عائد على ﴿رَبُّكَ﴾ . ﴿بِحِجَارَةٍ﴾: جمع (٢) حجر بالتحريك بمعنى الصخرة، ويقال: رمى الشيء ورمى به ألقاه، ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: من طين متحجر، وهو الآجر معرب من سَنْكِ وكِلْ، وقال بعضهم: متحجر من هذين الجنسين، وهما سنج الذي هو الحجر وجيل الذي هو الطين، أو هوْ عَلَم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، كما أن سجينا علم للديوان الذي تُكتب فيه أعمالهم، كأنه قيل بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون، واشتقاقه من الإسجال، وهو الإرسال. قال في "الصحاح": قالوا هي حجارة من طين طُبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم، قال عبد الرحمن بن أبزى: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط، وقيل: من الجحيم التي هي سجين، ثم أُبدلت النون لامًا، ومنه قول ابن مقبل: وَرُفْقَةٍ يَضْرِبُوْنَ الْبِيْضَ ضَاحِيَةً ... ضَرْبًا تَوَاصَتْ بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّيْلَا وإنما هو سجينا، قال عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري، وكان الحجر كالحمصة، وفوق العدسة، وقد

стр. 15118

قدمنا الكلام في ﴿سِجِّيلٍ﴾ في سورة هود. والمعنى: أي إنه تعالى (١) أرسل عليهم فرقًا من الطير تحمل حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، فابتُلي بمرض الجدري، أو الحصبة حتى هلكوا، وقد يكون هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، أو تكون هذه الحجارة من الطين اليابس المسموم الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذا الطير، فإذا اتصل بجسم دخل في مسامه، فأثار فيه قروحًا تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، ولا شك أن الذباب يحمل كثيرًا من جراثيم الأمراض، فوقوع ذبابة واحدة ملوثة بالمكروب على الإنسان كافية في إصابته بالمرض الذي يحمله، ثم هو ينقل هذا المرض إلى الجم الغفير من الناس، فإذا أراد الله أن يُهلك جيشًا كثير العدد ببعوضة واحدة .. لم يكن ذلك بعيدًا عن مجرى الإلف والعادة، وهذا أقوى في الدلالة على قدرة الله وعظيم سلطانه من أن يكون هلاكهم بكبار الطيور وغرائب الأمور، وأدل على ضعف الإنسان وذله أمام النهر الإلهي، وكيف لا وهو مخلوق تبيده ذبابة، وتقض مضجعه بعوضة، ويؤذيه هبوب الريح. قال الإِمام: فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت أرسل الله عليه ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه قبل أن يدخل مكة، وهي نعمة من الله غمر بها أهل حرمه على وثنيتهم حفظًا لبيته حتى يُرسل إليه من يحميه بقوة دينه ﷺ ، وإن كانت نقمة من الله حلت بأعدائه أصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت بدون جرم اجترمه ولا ذنب اقترفه اهـ. ٥ - وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ معطوف على ﴿أرسل﴾؛ أي: فجعل ربك أولئك الأقوام الذين قصدوا بيته المشرف، يعني: أصحاب الفيل كعصف؛ أي: كزرع مأكول؛ أي: كزرع وقع فيه الأكال، وهو السوس الدود المعروف الذي يأكل الحبوب حتى يصير دقيقًا، والكلام على حذف مضاف؛ أي: كحب (٢) زرع مأكول حبه، وسُمي ورق الزرع بالعصف؛ لأن شأنه أن يُقطع، فتعصفه الرياح؛ أي: تذهب به إلى هنا وهاهنا، شبههم به في فنائهم وذهابهم بالكلية، أو من حيث إنه حدثت فيهم بسبب رميهم منافذ وشقوق كالزرع الذي أكله الدود، ويجوز أن

стр. 15119

يكون المعنى: كورق زرع أُكل حبه، فبقي صفرًا منه، فيكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أيضًا، شبههم بزرع أُكل حبه، في ذهاب أرواحهم وبقاء أجسادهم، أو كتبن أكلته الدواب وألقته روثًا فيبس وتفرقت أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث، وفيه تشويه لحالهم ومبالغة حسنة، وهو أنه لم يكتف بجعلهم أهون شيء في الزرع وهو التبن الذي لا يُجدي طائلًا، حتى جعلهم رجيعًا إلا أنه عبر عن الرجيع بالمأكول، أو أشير إليه بأول حاله على طريق الكناية مراعاةً لحسن الأدب، واستهجانًا لذكر الروث، كما كنى بالأكل في قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ عما يلزم الأكل من التبول والتغوط لذلك، فدأب القرآن هو العدول عن الظاهر في مثل هذا المقام. قال بعضهم: من كان اعتماده على غير الله أهلكه الله بأضعف خلقه، ألا ترى أصحاب الفيل لما اعتمدوا على الفيل من حيث أنه أقوى خلق الله تعالى بأضعف خلق من خلقه، وهو الطير. وقرأ الجمهور (١): ﴿مَأْكُولٍ﴾ بسكون الهمزة وهو الأصل؛ لأنه صيغة مفعول من فعل، وقرأ أبو الدرداء فيما نقل ابن خالويه بفتح الهمزة إتباعًا لحركة الميم وهو شاذ، وهذا كما أتبعوا في قولهم: محموم بفتح الحاء لحركة الميم. المعنى الإجمالي لهذه السورة: ذكَّر الله (٢) سبحانه نبيه ومَن تبلغه رسالته بعمل عظيم دال على بالغ قدرته، وأن كل قدرة دونها فهي خاضعة لسلطانها، ذاك أن قومًا أرادوا أن يتعززوا بفيلهم ليبلغوا بعض عباده على أمرهم، ويصلوا إليهم بشر وأذى، فأهلكهم الله تعالى ورد كيدهم، وأبطل تدبيرهم بعد أن كانوا في ثقة بعددهم وعددهم، ولم يفدهم ذلك شيئًا. قصص أصحاب الفيل كما رواه أرباب السير حادث الفيل معروف متواتر لدى العرب، حتى إنهم جعلوه مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث، فيقولون: وُلد في عام الفيل، وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل، ونحو ذلك، وخلاصة ما أجمع عليه رواتهم كما سيأتي بسطه: أن قائدًا

стр. 15120

حبشيًا ممن كانوا قد غلبوا على اليمن أراد أن يعتدي على الكعبة المشرفة ويهدمها؛ ليمنع العرب من الحج إليها، فتوجه بجيش جرار إلى مكة، واستصحب معه فيلًا أو فيلة كثيرة زيادةً في الإرهاب والتخويف، ولم يزل سائرًا يغلب من يلاقيه، حتى وصل إلى المغمَّس، وهو موضع بالقرب من مكة، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء لهدم الكعبة، ففزعوا منه وانطلقوا إلى شعف الجبل ينظرون ما هو فاعل، وفي اليوم الثاني فشا في جند الحبشي داء الجدري والحصبة، قال: عكرمة: وهو أول جدري ظهر ببلاد العرب، ففعل ذلك الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط، فذُعر الجيش وصاحبه وولوا هاربين، وأصيب الحبشي، ولم يزل لحمه يسقط قطعة قطعة، وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء. فصل وحاصل تفصيل قصة أصحاب الفيل: أن ملك (١) حمير وما حولها وهو ذو نواس اليهودي لما أحرق المؤمنين بنار الأخدود ذات الوقود على ما سبق في سورة البروج .. هرب رجل منهم إلى ملك الحبشة، وهو أصحمة بن بحر النجاشي - بتخفيف الياء - جد النجاشي الذي آمن بالنبي ﷺ وأخبره بذلك، وحرّضه على قتال ذي نواس، فبعث أصحمة سبعين ألفًا من الحبشة إلى اليمن، وأمَّر عليها أرياطًا، ومعه في جنده أبرهة بن الصباح الأشرم، فركبوا البحر حتى نزلوا ساحلًا مما يلي أرض اليمن، وهزم أرياط ذا نواس، وقتله في المعركة، أو ألقى هو نفسه في البحر فهلك، واستمر أمر أرياط في أرض اليمن زمانًا، وأقام فيها سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه أبرهة في أمر الحبشة، فكان من أمراء الجند، فتفرقت الحبشة فرقتين فرقة مع أرياط وفرقة مع أبرهة، فكان الأمر على ذلك إلى أن سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الفرقتان للقتال .. أرسل أبرهة إلى أرياط أنك لا تفعل شيئًا بأن تُغري الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها، فابرز لي وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفت فأخرج، فخرج

стр. 15121

إليه أبرهة وكنيته أبو يكسون، وكان رجلًا قصير الجثمان لحيمًا ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلًا طويلًا عظيمًا وفي يده حربة، وخلف أبرهة غلام يقال له: عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة، فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته؛ أي: شقت وقطعت وخدشت، فبذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة في اليمن بلا منازع، وكان ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي، فلما بلغه ذلك غضب غضبًا شديدًا، فقال: عدا على أميري فقتله بغير أمري، ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته، فلما بلغ هذا الخبر أبرهة حلق رأسه، وملأ جرابًا ترابًا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي مع هدايا جليلة كثيرة، وكتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعة لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط له، وأسْوَس منه، وقد حلقت رأسي حين بلغني حلف الملك، وبعثت إليه بجراب من أرض ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فيَّ، فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي لان ورضي عنه، وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري، فأقام أبرهة باليمن، ثم إنه رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله الحرام، فتحرك منه عرق الحسد، فبنى بصنعاء كنيسة من رخام ملون وجواهر مرصع؛ أي: مزين. وفي "إنسان العيون": واجتهد في زخرفتها، فجعل فيها الرخام المجذع، والحجارة المنقوشة بالذهب، وكان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان ﵇، وجعل فيها صلبانًا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والأبنوس، وسماها القُلَيْس - كجميز - لارتفاع بنائها وعلوها، ومنها القلانيس؛ لأنها في أعلى الرأس، وأراد أن يصرف إليها الحجاج، وكتب أبرهة إلى النجاشي: أيها الملك إني بنيت لك كنيسة لم يُبْنَ مثلها لملك قبلك، ولست أرضى حتى أصرف إليها حجاج العرب، فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من بني كنانة يقال له: مالك بن كنانة، فخرج لها ليلًا، فدخل إليها فقعد فيها, ولطخ بالعذرة قبتها، فبلغ ذلك أبرهة، فقال: من اجترأ علي؟ فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت قد سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن

стр. 15122

إلى الكعبة ثم يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان فيلًا يقال له: محمود، وكان فيلًا لم ير مثله عظمًا وجسمًا وقوةً، فبعث به إليه، فخرج أبرهة سائرًا إلى مكة وخرج معه بالفيل، فسمعت العرب بذلك فعظموه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ ذا نفر، فقال لأبرهة: يا أيها الملك استبقني، فإن بقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع من قبائل اليمن فهزمهم، وأخذ نفيلًا، فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب، فاستبقاه وخرج معه يدله؛ إذ مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبارغال مولى لهم، وأبو رغال - بوزن كتاب - وهو رجل من ثمود، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره الآن. وفي "القاموس": المغمس - كمعظم ومحدث - موضع بطريق الطائف، فيه قبر أبي رغال، دليل أبرهة، وُيرجم، وبعث أبرهة رجلًا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مسعود مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نَعَم الناس، فجمع الأسود إليه أموال أصحاب الحرم، وأصاب لعبد المطلب مئتي بعير، ثم إن أبرهة أرسل حناطة الحميري إلى أهل مكة، وقال له: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لإهدام هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب، فقال له: إن الملك أرسلني لأخبرك أنه لم يأت لقتال، ولا أن تقاتلوه، وإنما جاء لهدم هذا البيت، ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال، ولا لنا يد أن ندفعه عما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت إبراهيم خليله ﵇، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يحل بينه وبين ذلك، فوالله ما لنا بدفعه قوة، قال: فانطلق معي إليه، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعض بنيه حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب، فقال: ياذا نفر هل عندك من غناء؟ أي: نفع فيما نزل بنا، قال: أنا رجل أسير، لا آمن أن أقتل بكرة أو عشية، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل،

стр. 15123

فإنه لي صديق، فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم حظوتك ومنزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أُنيس، فأتاه فقال: إن هذا سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مئتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه فانفعه، فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير، فدخل أُنيس على أبرهة، فقال: أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يُطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك، فقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك، فأذن له وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا وسيمًا، فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه عن أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة أن يجلسه معه على سريره، فجلس على بساطه، وأجلس عبد المطلب بجنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد إلى مئتي بعير أصابها، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت الآن فيك، قال: لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه، لم تكلمني فيه وتكلمني في مئتي بعير غصبتها لك، قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال: ما كان ليمنعه منى، قال: فأنت وذاك، فأمر بإبله فرُدَّت عليه، فلما رُدت الإبل على عبد المطلب خرج، فأخبر قريشًا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفًا عليهم من معرة الجيش ففعلوا، وأتى عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من رجال قريش يدعون الله، ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: لَاهُمُّ إِنَّ أثمَرْءَ يَمْـ ... ـنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ فَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيْـ ... ـبِ وَعَابِدِيْهِ الْيَوْمَ آلَكْ لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيْبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكْ إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَكَعْـ ... ـبَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ وقالَ: يَا رَبِّ لَا أَرْجُوْ لَهُمْ سِوَاكا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكا

стр. 15124

إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمُ أَنْ يَخَرُبُوَا حِمَاكا ولا هم أصله: اللهم، فإن العرب تحذف الألف واللام وتكتفي بما بقي، والحِلال - بكسر الحاء المهملة - جمع حلة، وهي البيوت المجتمعة، والمحال - بكسر الميم - الشدة والقوة، والغَدْوُ - بالغين المعجمة - أصل الغد، وهو اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه. فلما فرغ من دعائه توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمَّس قد تهيأ للدخول وهيأ جيشه، وهيأ فيله، وكان فيلًا لم ير مثله في العظم والقوة، ويقال: كانت الأفيال اثني عشر فيلًا، فأقبل أنيس إلى الفيل الأعظم، ثم أخذ بأذنه وقال له: ابرك محمودًا وارجع رشيدًا، فإنك ببلد الله الحرام، فبرك، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه، فأدخل محاجنه تحت مراقه ومرافقه، ففزعوه ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى قدامه ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى، وخرج أنيس يشتد حتى صعد الجبل، وأرسل الله سبحانه طيرًا من البحر مثل الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحرج في منقاره، أكبر من العدسة وأقل من الحمصة، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم، فلم تُصب تلك الحجارة أحدًا إلا هلك، وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاءوا منه، وصرخ القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل تتساقط أنامله، كلما سقطت أنملة أتبعها المدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائره فوق رأسه حتى وقف بين يدي النجاشي، فلما أخبره الخبر سقط عليه الحجر، فمات بين يديه، وأما محمود فيل النجاشي فربض، ولم يشجع على الحرم، فنجا لما وقع منه من الفعل الجميل الذي لم يقع مثله من العقلاء، ولذا قال البوصيري في همزيته: كَمْ رَأَيْنَا مَا لَيْسَ يَعْقِلُ أُلْهِـ ... ـمَ مَا لَيْسَ يُلْهَمُ الْعُقَلَاءُ إِذْ أَبَى الْفِيْلُ مَا أَتَى صَاحِبُ الْفِيْـ ... ـلِ وَلَمْ يَنْفَعِ الْحِجَا وَالذَّكَاءُ وأما الفيلة الأخرى فشجعت على دخول الحرم، فرُميت بالحصباء فهلكت.

стр. 15125

الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، و ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَر﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة مستأنفة، ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على المصدرية والعامل فيه ما بعده؛ لأنه في تقدير أيَّ فعلِ فَعَل ربك، ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب سدت مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾ معلقة عنها، بالاستفهام لأن الرؤية هنا قلبية ﴿بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿فَعَلَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿يَجْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبُّكَ﴾ ﴿كَيْدَهُمْ﴾: مفعول به أول. ﴿في تَضْلِيلٍ﴾: في موضع المفعول الثاني، والجملة مستأنفة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَرْسَلَ﴾: فعل، وفاعل مستتريعود على الله معطوف على ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾: لأن الاستفهام فيه تقريري، فيكون المعنى: قد جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم إلخ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿طَيْرًا﴾: مفعول به. ﴿أَبَابِيلَ﴾: صفة أولى لـ ﴿طَيْرًا﴾؛ لأنه اسم جمع مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف؛ لكونه على صيغة منتهى المجموع. ﴿تَرْمِيهِمْ﴾: فعل, وفاعل مستتر يعود على ﴿طَيْرًا﴾ ومفعول به. ﴿بِحِجَارَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَرْمِيهِمْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿طَيْرًا﴾. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: صفة لـ ﴿حجارة﴾. ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿جعلهم﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول معطوف على ﴿أرسل﴾. ﴿كَعَصْفٍ﴾: في موضع المفعول الثاني. ﴿مَأْكُولٍ﴾: صفة لـ ﴿عصف﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وأصل ﴿تَرَ﴾: تَرْأَي بوزن تفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصارت ألفًا لفظًا، وياءً خطًا، ونقلوا فتحة الهمزة إلى الراء وأسقطوها تخفيفًا؛ لأن
следующие страницы →