وقرأ نافع وحده ﴿ميسُرة﴾ بضم السين، والضم لغة أهل الحجاز، وهو قليل كمقبرة ومشرفة، والكثير مفعَلة بفتح العين، وقرأ الجمهور: ﴿ميسَرة﴾ بفتح السين على اللغة الكثيرة، وهي لغة أهل نجد. وقرأ عبد الله شذوذًا: ﴿إلى ميسوره﴾ على وزن مفعول مضافًا إلى ضمير الغريم، وهو عند الأخفش مصدر كالمعقول والمجلود في قولهم: ماله معقول ولا مجلود؛ أي: عقل وجلد. ولم يثبت سيبويه مفعولًا مصدرًا. وقرأ عطاء ومجاهد: شذوذًا أيضًا ﴿إلى ميسرِهِ﴾ بضم السين وكسر الراء، بعدها ضمير الغريم. وقرىء كذلك بفتح السين، وخرِّج ذلك على حذف التاء لأجل الإضافة، وهو مذهب الفراء. وقرأ الجمهور: ﴿وَأَن تَصَّدَقُواْ﴾ بإدغام التاء في الصاد، وقرأ عاصم: ﴿تصَدقوا﴾ بحذف التاء، وفي مصحف عبد الله شذوذًا: ﴿تتصدقوا﴾ بتائين، وهو الأصل، والإدغام تخفيف، والحذف أكثر تخفيفًا.
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في فضل إنظار المعسر، والوضع عنه، وتشديد أمر الدَّين والأمر بقضائه
وعن أبي قتادة ﵁: أنه طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر، قال: الله الله! فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة .. فلينفِّس عن معسر، أو يضع عنه". أخرجه مسلم.
وعن أبي اليسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه .. أظله الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله". أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس، فإن رأى معسرًا .. قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه". متفق عليه.
وعن أبي موسى ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 1542
قال: "إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه به عبدٌ بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين، لا يدع له قضاء". أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها .. أدَّى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها .. أتلفه الله". أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "مطل الغني ظلم". زاد في رواية: "وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع". متفق عليه.
وعن كعب بن مالك ﵁: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﵌ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﵌ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى فقال: "يا كعب"، قلت: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده: أن ضع الشطر من دينك، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال: "قم فأقضه". متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجلٍ على رسول الله ﵌ سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه فقال: "أعطوه"، فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سِنًّا فوقها، فقال: "أعطوه"، فقال: أوفيتني وفَّاك الله، فقال النبي ﵌: "إن خيركم أحسنكم قضاءً". وفي رواية: أنه أغلظ لرسول الله ﵌ حين استقضاه حتى همَّ به بعض أصحابه، فقال: "دعوه، فإن لصاحب الحق مقالًا"، ثم أمر له بأفضل من سنه. متفق عليه.
وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ عن النبي ﵌: أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله .. تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﵌: "نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 1543
وآله وسلم: "كيف قلت؟ " قال: أرأيت إن قتلت في سبيلى الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﵌: "نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدَّين، فإن جبريل قال لي ذلك". أخرجه مسلم.
وعن محمَّد بن جحش ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﵌، فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع يده على جبهته، ثم قال: "سبحان الله ماذا نزل من التشديد!! " فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد .. سألته: يا رسول الله، ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: "والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قُتل، ثم أحيي، وعليه دين .. ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه". أخرجه النسائي.
٢٨١ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: وخافوا عذاب يوم ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: تردون فيه إلى حسابه لأعمالكم، وهو يوم القيامة، فتأهبوا لمصيركم إليه. ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ وتوفر فيه ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ بَرّةٍ وفاجرةٍ جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ وعملت من خير أو شر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في ذلك اليوم بنقص حسنة، أو زيادة سيئة، وفي هذه الآية وعيد شديد وزجر عظيم.
وعن ابن عباس ﵄: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﵌، وعاش بعدها رسول الله ﵌ أحدًا وعشرين يومًا. وقيل: تسع ليال. وقيل: سبعًا. ومات ﵌ لليلتين خلتا من ربيع الأول في يوم الاثنين سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وقرأ (١) يعقوب وأبو عمرو: ﴿تَرجِعون﴾ بفتح التاء الفوقية وكسر الجيم مبنيًّا للفاعل؛ أي: تصيرون فيه إلى الله. وقرأ باقي السبعة ﴿تُرجَعون﴾ مبنيًّا للمفعول؛ أي: تردون إلى الله. وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿يَرجِعون﴾ بياء الغيبة مبنيًّا للمفعول على معنى: يرجع فيه جميع الناس، وهو من باب الالتفات. وقرأ أُبيّ شذوذًا أيضًا: ﴿تردون﴾ بضم التاء، حكاه عنه ابن عطية، وقال الزمخشري: وقرأ عبد الله
стр. 1544
﴿يردون﴾ وقرأ أُبي شذوذًا أيضًا: ﴿تصيرون﴾ انتهى.
الإعراب
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿يَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿الرِّبَا﴾: مفعول به،
والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَا﴾: نافية ﴿يَقُومُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والرابط ضمير الفاعل ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الكاف﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية ﴿يَقُومُ الَّذِي﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: إلا كقيام الذي يتخبطه الشيطان، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: لا يقومون إلا قيامًا كائنًا كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس. ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتخبط﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء حرف جر ﴿أن﴾: حرف نصب، والهاء: اسمها. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء المتعلقة بواجب الحذف؛ لوقوعه خبر المبتدأ تقديره: ذلك كائن بسبب قولهم: إنما البيع، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿أحل الله البيع﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الواو عاطفة. ﴿حرم﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الرِّبَا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة أحل الله البيع.
﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
стр. 1545
﴿فَمَنْ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لإنها أفصح عن شرط مقدَّر تقديره: إذا عرفت أن الله حرم الربا، وأردت بيان حكم من انتهى عنه بعد ما بلغه التحريم، وحكم من عاد إليه .. فأقول لك: ﴿مَنْ﴾ إمَّا شرطية في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو موصولة وخبرها جملة قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ﴿جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، أو صلة الموصول ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جاء﴾ ﴿فَانْتَهَى﴾: الفاء عاطفة، ﴿انتهى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاء﴾. ﴿فَلَهُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، أو رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا؛ لما في المبتدأ من العموم. ﴿فَلَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، أو في محل الرفع خبر ﴿مَا﴾ الموصولة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية، أو الموصولة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿سَلَفَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، ﴿وَأَمْرُهُ﴾: الواو عاطفة ﴿أمره﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: وأمره مفوض إلى الله، والجملة الإسمية في محل الجزم، أو في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ الواو عاطفة. ﴿مَن﴾: موصولة في الرفع مبتدأ أول ﴿عَادَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ثانٍ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبره ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾: وهو خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في
стр. 1546
محل النصب حال مقدرة من أصحاب النار.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَيُرْبِي﴾: الواو عاطفة ﴿يربي الصدقات﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَمْحَقُ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿أَثِيمٍ﴾ صفة لكفار.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب اسمها. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿أَجْرُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: الواو عاطفة. ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾ اسمها مرفوع ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر لا، وجملة لا في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، وكذا جملة قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معطوفة عليها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾.
﴿يا﴾: حرف نداء، أيُّ: منادى نكرة مقصودة، ها: حرف تنبيه زائد.
стр. 1547
﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء. ﴿وَذَرُوا مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اتَّقُوا﴾. ﴿بَقِيَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿مِنَ الرِّبَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَقِيَ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونهما فعل شرط لها. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم مؤمنين .. فاتركوه، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.
﴿فَإِنْ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم النهي من الربا، وأردتم بيان عاقبة من خالف النهي .. فأقول لكم: ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿فَأْذَنُوا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿أذنوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل جزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بِحَرْبٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أذنوا﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حرب﴾. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تُبْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها: ﴿فلكم﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿لكم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة إن الأولى. ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: ﴿لَا﴾: نافية ﴿تُظْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو في محل
стр. 1548
النصب حال من الكاف في ﴿لكم﴾، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: الواو عاطفة لا: نافية ﴿تُظْلَمُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ الواو استئنافية ﴿وَإِن﴾: حرف شرط. ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ تام في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. (نظرة): خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب نَظِرة له، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فنظرة عليكم، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾: الواو استئنافية ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَصَدَّقُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر لذلك المصدر تقديره: والتصدق خير لكم؛ أي: إبراءه أفضل من الإنظار. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إِن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: فافعلوه.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ الواو استئنافية. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ فعل ونائب فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تُرْجَعُونَ﴾ على كونها صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾، ولكن الرابط فيها مقدر تقديره: ثم توفي فيه كل نفس ﴿كَسَبَتْ﴾: ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثانٍ. ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾،
стр. 1549
والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كسبته. ﴿وَهُمْ﴾: الواو حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ من الفعل المغير ونائبه في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، وجمع الضمير هنا اعتبارًا بالمعنى، وأعاد الضمير عليها أولًا في كسبت اعتبارًا باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ؛ لأنه الأصل، ولأَنَّ اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة، فكان تأخيره أحسن، كذا في "السمين".
التصريف ومفردات اللغة
﴿الرِّبَا﴾: الربا الزيادة، يقال: ربا الشيء إذا ازداد، وأرباه غيرهُ، وأربى الرجل: إذا عامل بالربا، ومنه الربوة والرابية، وكتب في القرآن بالواو والألف بعدها، ويجوز أن يكتب بالياء للكسرة، وبالألف وتُبدل الباء ميمًا. قالوا: الرِّما، كما أبدلوها في كَتَبَ فقالوا: كَتَمَ. ويُثَنَّى ربوان بالواو - وعند البصريين - لأن الألف منقلبة عنها. وقال الكوفيون: ويكتب بالياء، وتقول في تثنيته: ربيان.
﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: يقول تخبط - من باب: تفعَّل (١) - من الخبط، وهو: الضرب على غير استواءٍ كخَبط العشواء، وخبط البعير الأرض بأخفافه. ويقال للذي يتصرف ولا يهتدي: خبط عشواء، وتورط في عمياء، والمسُّ: الجنون. والأمَسّ: المجنون، يقال: مسَّ فهو ممسوس إذا جُنَّ، وأصله من المس باليد. كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، وسُمي الجنون: مسًّا كما أن الشيطان يخبطه ويطؤه برجله، فيخبله، فسُمي الجنون: خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد.
﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: والموعظة (٢) والوعظ والعظة كالموعدة والعدة والوعد. مصادر معناها واحد وهو: الزجر والتخويف وتذكير العواقب. والاتعاظ: القبول والامتثال، فقوله: ﴿فَانْتَهَى﴾ بمعنى: أتعظ؛ أي: قَبِل وامتثل.
﴿سَلَفَ﴾؛ أي: سبق ومضى وانقضى، ومنه سالف الدهر؛ أي: ماضيه.
стр. 1550
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: المحق: نقصان الشيء حالًا بعد حال، ومنه المِحَاقُ في الهلال، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق. أنشد الليث:
يَزْدَادُ حَتَّى إِذَا مَا تَمَّ أعْقَبَهُ ... كَرَّ الْجَدِيْدَيْنِ نَقْصًا ثُمَّ يَنْمَحِقُ
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ من: أربى المتعدي، يقال: أرباه إذا زاده، كما يؤخذ من "القاموس". ويستعمل أربى لازمًا أيضًا، فيقال: أربى الرجل إذا دخل في الربا، كما في "المصباح".
﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: ذروا بوزن: علوا، فهو فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وحذفت فاؤه، وأصله: أوذروا، ماضيه: وذر، ولكن لم يستعمل إلا في لغة قليلة.
﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾: هما من أمثلة المبالغة؛ لأنهما على وزن فعّال وفعيل، وأتى بصيغة المبالغة فيهما وإن كان الله لا يحب الكافر الأثيم تنبيهًا على عظم أمر الربا ومخالفة الله تعالى.
البلاغة
﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: شبهوا البيع الذي هو مجمع على حلِّه بالربا الذي هو محرم، ولم يعكسوا تنزيلًا لهذا الذي يفعلونه من الربا منزلة الأصل المماثل له البيع، وهذا من عكس التشبيه، ويسمى: التشبيه المقلوب، وهو: أن يجعل المشبه مشبهًا به، والمشبه به مشبهًا، وهو أعلى مراتب التشبيه، وهو موجود في كلام العرب، كقولهم: القمر كوجه زيد، البحر ككفه. وكما قال أبو القاسم بن هانئ:
كَأَنَّ ضِيَاءَ الشَّمْسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ ... رَأَى الْقِرْنَ فَازْدَادَتْ طَلاَقَتُهُ ضِعْفًا
والأصل في الآية أن يقال: إنما الربا مثل البيع، ولكن لما بلغ اعتقادهم في حل الربا النهاية .. جعلوه أصلًا يقاس عليه، فشبهوا به البيع.
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: بين لفظ: ﴿أحل﴾ و ﴿حرم﴾ طباق، وكذا
стр. 1551
بين لفظ: ﴿يَمْحَقُ﴾ و ﴿يربي﴾. وقال أبو حيان (١): وفي ذكر المحق والإرباء بديع الطباق، وفي ذكر الربا ويربي بديع التجنيس المغاير.
﴿كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾: وذكر الأثيم على سبيل المبالغة والتوكيد من حيث إنه اختلف اللفظان.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾: التنكير فيه للتهويل؛ أي: بنوع من الحرب عظيم، لا يقادر قدره كائن من عند الله.
﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: فيه من المحسنات البديعية ما يُسمى: الجناس الناقص؛ لاختلاف المعنى.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: التنكير للتفخيم والتهويل.
والله أعلم
* * *
стр. 1552
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه تعالى لمَّا أمر بالنفقة في سبيل الله، وبترك الربا، وكلاهما يحصل به تنقيص المال .. نبه على طريق حلال في تنمية المال وزيادته، وأكد في كيفية حفظه، وبسط في هذه الآية، وأمر فيها بعدة أوامر على ما سيأتي بيانه، قاله أبو حيان.
وقيل: إنه تعالى لما ذكر الربا، وبيَّن ما فيه من القبح القبيح؛ لأنه زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه، وهو كسب خبيث يحرمه الإِسلام، وذكر ما فيه من الوعيد الشديد .. أتبعه بذكر القرض الحسن بلا زيادة ولا منفعة للمقرض،
стр. 1553
وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن. وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وكون آية الدَّين أطول آيات القرآن على الإطلاق مما يدل على عناية الإِسلام بالنظم الاقتصادية.
أسباب النزول
وقد أخرج (١) عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قال: نزلت في السلم، في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
وأخرج الشافعي وعبد الرازق وعبد بن حميد والبخاري وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله، وحرم الربا، وقرأ هذه الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية قال: أمر بالشهادة عند المداينة؛ لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يُشْهِدْ على ذلك فقد عصى.
التفسير ووجه القراءة
٢٨٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ أي: تعاملتم بالدين، وتبايعتم به على أيّ وجه كان من: سَلَم أو بيع، أو داين بعضكم بعضًا، وعامله نسيئة، معطيًا كان أو آخذًا. وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ بعد قوله ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ مع أنه معلوم منه؛ ليعود الضمير عليه في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾؛ إذ لو ذكر ذلك لوجب أن يقال: فاكتبوا الدَّين، فلا يحسن النظم بذلك. وقيل: إنما ذكره للتأكيد. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت معلوم الأول والآخر بالأيام والأشهر أو نحوهما، مما يرفع الجهالة، لا بالحصاد والدياس، وقدوم الحاج ونحوها مما لا يرفعها.
стр. 1554
وعن ابن عباس ﵄: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يسلفون في التمر العام والعامين، فقال لهم: "من أسلف في تمر، ففي كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم". متفق عليه. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أي: فاكتبوا ذلك الدين الذي تداينتم به وتحملتم به في ذممكم بيعًا كان ذلك التعامل، أو سلفًا بأجله؛ لأنه أوثق وأرفع للنزاع، والأكثرون على أن أمر هذه الكتابة أمر استحباب، فإن ترك فلا بأس، وهو أمر تعليم ترجع فائدته إلى منافع الخلق في دنياهم، فلا يثاب عليه المكلف إلا إن قصد الامتثال.
قال المفسِّرون: المراد بالمداينة: السلَم، فالله تعالى لما منع الربا في الآية المُتقدِّمَةِ .. أذن في السلَم في هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم، ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع الله تعالى لتحصيل مثل تلك اللذة طريقًا حلالًا، وسبيلًا مشروعًا. والقرض غير الدين؛ لأن القرض: أن يقرض الإنسان دراهم أو دنانير أو حبًّا أو ثمرًا أو ما أشبه ذلك، ويسترد مثله، فلا يجوز فيه شرط الأجل بخلاف الدين، فيجوز فيه الأجل، فإن ذكر الأجل في القرض، فإن كان للمقرض فيه غرض أفسده، وإلا فلا يفسده، ولا يجب الوفاء به، لكنه يُستحب.
وقال أكثر المفسرين: إن البيوع على أربعة أوجه:
أحدها: بيع العين بالعين؛ وذلك ليس بمداينة البتة.
والثاني: بيع الدين بالدين، وهو باطل؛ فلا يكون داخلًا تحت هذه الآية.
والثالث: بيع العين بالدين، وهو ما إذا باع شيئًا بثمن مؤجل.
والرابع: بيع الدين بالعين وهو المسمى: بالسلم، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية.
﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ كتاب الدين ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: بين الدائن والمديون، والبائع والمشتري. والبينية تقتضي أن لا ينفرد أحد المتعاملين بالكتابة؛ لأنه يتهم فيها، فإذا كانت واقعة بينهما كان كل واحد منهما مطلعًا على ما سطره الكاتب. ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: بالحق والإنصاف بحيث لا يكون في قلبه، ولا في
стр. 1555
قلمه ميل لأحدهما على الآخر؛ أي: وليكتب لكم كاتب عادل مأمون، لا يجور على أحد الطرفين؛ بحيث لا يزيد في المال والأجل، ولا ينقص في ذلك، فهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة، لا يكون في قلبه ولا في قلمه مساعدة لأحدهما على الآخر، بل يتحرى الحق بينهم، والعدل فيهم، وقرىء شذوذًا (١) بكسر لام: ﴿ولِيكتب﴾ وإسكانها.
قيل: إن فائدة هذه الكتابة هي: حفظ المال من الجانبين؛ لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة .. تعذَّر عليه طلب زيادة، أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل. ومن عليه الدين إذا عرف ذلك .. تعذر عليه الجحود، أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلمَّا كانت هذه الفائدة في الكتابة .. أمر الله تعالى بها.
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾؛ أي: ولا يمنع أحد من الكتاب ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾؛ أي: من أن يكتب كتاب الدين بين الدائن والمديون ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: على الطريقة التي علمه الله في كتابة الوثائق، من غير أن يبدل ولا يغير؛ ليقضي حاجة أخيه المسلم ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابة التي علّمه الله إياها، أو كما علمه الله بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾.
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾؛ أي: ولْيبين المديون الذي عليه الحق قدر ما عليه من الدَّين وجنسه ونوعه؛ لأنه المشهود عليه، فلا بد من أن يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الدين. ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ أي: ولْيخش المديون ربه بأن يقر بمَبْلغ المال الذي عليه ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا ينقص مما عليه من الدين شيئًا في إلقاء الألفاظ على الكاتب ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ المديون ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ والدين ﴿سَفِيهًا﴾؛ أي: ناقص العقل، مبذِّرًا يصرف المال في غير مصارفه ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ في البدن، أو في الرأي لصغر، أو جنون، أو كبر مضعف للعقل؛ أي: أو كان صبيًّا، أو مجنونًا، أو شيخًا هرمًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾؛ أي: أو
стр. 1556
عاجزًا لا يقدر أن يمل هو بنفسه على الكاتب، ولا يحسن الإسماع له بنفسه لخرس، أو عيٍّ، أو جهل باللغة، أو بما عليه وما له من الدين، أو حبس، أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب، فهؤلاء كلهم لا يصح إقرارهم فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم، كما ذكره بقوله : ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾؛ أي: فليقر على الكاتب، ويبين له وليُّ كل واحد من هؤلاء الثلاثة: السفيه، والضعيف، وغير المستطيع ﴿بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: بالصدق والحق من غير زيادة ولا نقصان؛ لأنه يقوم مقامه في صحة الإقرار. والمراد بالولي لغة: هو من له ولاية عليه بأيِّ طريقٍ كان؛ كوالد ووصيٍّ وقيم ومترجم ووكيل. وقال (١) ابن عباس ﵄: أراد بالولي صاحب الدين؛ يعني: إن عجز الذي عليه الحق عن الإملاء .. فليملل صاحب الحق؛ لأنه أعلم بحقه ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾؛ أي: واشهدوا ندبًا على حقوقكم مع كتابتها شاهدين ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: من أهل ملتكم أيها المؤمنون؛ يعني: من الرجال البالغين الأحرار المسلمين زيادة في التوثقة؛ لأن المقصود من الكتابة هو الإشهاد، فالبلوغ مستفاد من لفظ رجال، والإِسلام من الإضافة إلى كاف الخطاب، والحرية مستفادة أيضًا من لفظ رجال؛ لأنه ظاهر في الكاملين؛ لأن الأرقاء بمنزلة البهائم، فبقي اشتراط العدالة، المستفادة من قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وعند (٢) شُريح وابن سيرين وأحمد: تجوز شهادة العبيد، وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾؛ أي: فإن لم يكن الشاهدان رجلين؛ بأن لم يوجد أو لم يقصد إشهادهما ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾؛ أي: فليشهد رجل وامرأتان كائنون ممن ترضونه ﴿مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لدينه وعدالته. وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ على حذف لام التعليل المتعلقة بمعلول محذوف؛ تقديره: وإنما اشترط التعدد في النساء؛ لأجل أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة؛ لنقص عقلهن وقلة ضبطهن، فتذكر إحداهما الذاكرةُ للشهادة المرأة الأخرى الناسية لها. والعلة في
стр. 1557
الحقيقة التذكير، أي: وإنما اشترط التعدد؛ لأجل أن تذكِّر الذاكرةُ منهما الناسية للشهادة، ولكن لما كان الضلال سببًا له نزل منزلته؛ كقولهم: أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه. قرأ حمزة والأعمش (١): ﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الهمزة، وجعلها حرف شرط. ﴿فتذكرُ﴾ بالتشديد ورفع الراء، وجعله جواب الشرط. وقرأ الباقون: بفتح همزة أن، وهي الناصبة، وفتح راء ﴿فتذكرَ﴾ عطفًا على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾، وسَكَّن الذالَ وخفف الكاف ابن كثير، وأبو عمرو ويعقوب. وفَتَح الذال وشدد الكاف الباقون من السبعة. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمران شذوذًا ﴿تُضَل﴾ بضم التاء وفتح الضاد مبنيًّا للمفعول بمعنى: تنسى. كذا حكى عنهما الداني، وحكى النقاش عن الجحدري شذوذًا: ﴿أن تُضِل﴾ بضم التاء وكسر الضاد بمعنى: أن تضل الشهادة. تقول: أضللت الفرس والبعير إذا ذهبا فلم تجدهما. وقرأ زيد بن أسلم شذوذًا: ﴿فتذاكر﴾ من المذاكرة.
﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾؛ أي: إقامة الشهادة ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ أي: ولا يمتنع الشهداء إذا دعوا إلى تحمل الشهادة وأدائها عند الحكام، فيحرم الامتناع عليهم؛ لأن تحمل الشهادة فرض كفاية مطلقًا، والأداء كذلك، إن زاد المتحملون على من يثبت بهم الحق وإلا ففرض عين. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أي: ولا تملوا أن تكتبوا الدَّين؛ لكثرة وقوع المداينة على أي حال كان الدين ﴿صَغِيرًا﴾ كان ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾، قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى أي حال كان الكتاب مختصرًا أو مشبعًا حال كون ذلك الدَّين مستقرًا في ذمة المديون ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾؛ أي: إلى وقت حلول أجله الذي أقر به المديون؛ أي: فاكتبوا الدين بصفة أجله، ولا تهملوا الأجل في الكتابة، فقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أي: ذلكم المذكور من كتابة الدين إلى أجله ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أكثر قسطًا وعدلًا في حكم الله، أو في علمه؛ لأنه أمر به، واتباع
стр. 1558
أمره أعدل من تركه. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾؛ أي: أثبت وأحفظ للشهادة، وأعون للشاهد على إقامتها إذا نسي ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾؛ أي: وأقرب إلى أن لا تشكُّوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهود ونحو ذلك؛ أي: أقرب إلى انتفاء شككم في ذلك، فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك الشك. وقرأ السلَمِيّ شذوذًا: ﴿ألا يرتابوا﴾ بالياء، والمفضل عليه محذوف؛ تقديره: ذلك الكتاب المذكور أقسط وأقوم وأدنى أن لا ترتابوا من عدم الكتابة.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ استثناء من الأمر بالكتابة؛ أي: ولا تسأموا أن تكتبوه في كل المعاملات إلا أن تقع تجارة حاضرة بحضور البدلين؛ أي: معاملة ومبايعة حالة ناجزة تتعاطونها وتقابضونها بينكم يدًا بيد بلا أجل؛ أي: إلا أن تتبايعوا بلا أجل يدًا بيد، فلا بأس في أن لا تكتبوه لبعده عن التنازع والنسيان. وقرأ عاصم: ﴿تجارةً حاضرةً﴾ بنصبهما على أن ﴿كان﴾ ناقصة، والتقدير: إلا أن تكون هي؛ أي: المعاملة. وقرأ الباقون ﴿تجارةٌ حاضرةٌ﴾ برفعهما على أن يكون ﴿تَكُونَ﴾ تامة، و ﴿تِجَارَةً﴾: فاعل لـ ﴿تَكُونَ﴾، وأجاز بعضهم أن تكون ناقصة، وخبرها جملة قوله: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾؛ أي: ليس عليكم مضرة في ترك الكتابة في المداينة الحاضرة؛ كأن باع ثوبًا بدرهم في الذمة بشرط أن يؤدي الدرهم في هذه الساعة؛ أي: لا بأس بعدم الكتابة في ذلك لبعده عن التنازع والنسيان. وعبارة "الخازن" هنا: وإنما رخص الله في ترك الكتابة في هذا النوع من التجارة؛ لكثرة جريانه بين الناس، فلو كلفوا الكتابة فيه لشق عليهم، ولأنه إذا أخذ كل واحد حقه في المجلس .. لم يكن هناك خوف الجحود، فلا حاجة إلى الكتابة انتهى.
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ هذا التبايع المذكور (١) وهو التجارة الحاضرة؛
стр. 1559
لأن الإشهاد يكفي فيها عن الكتابة. وقيل معناه: إذا تبايعتم؛ أيَّ تبايع كان حاضرًا أو كالئًا؛ لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف، وأقطع لمنشأ التشاجر. والأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة. وقيل: إنها للوجوب، ثم اختلف في أحكامها ونسخها فقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، فالمعنى على هذا: ولا يضار كاتب صاحب الحق، أو من عليه الحق، فيأبى أن يكتب أو يزيد في الحق أو ينقص فيه، أو يحرِّف ما أملى عليه، ولا يضار شاهد صاحب الحق أو من عليه الحق فيأبى أن يشهد أو يزيد في شهادته أو ينقص، فعلى هذا يكون نهيًا للكاتب والشاهد عن إضرار من له الحق أو عليه الحق، ويدل على ذلك قراءة عمر ﵁ شذوذًا: ﴿ولا يضارِر﴾ بالفك والكسر، واختار الزجاج هذا القول؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾؛ وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكليَّة أولى منه بمن أبرم الكاتب والشهيد؛ ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع من الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ والآثم والفاسق متقاربان. وقال ابن عباس ومجاهد وعطاء: بأن يقولا علينا شغل ولنا حاجة.
ويحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول، فالمعنى على هذا: ﴿ولا يضارَر﴾ بفتح الراء الأولى ﴿كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ بأن يدعيا إلى ذلك، وهما مشغولان بمهمٍّ لهما ويضيق عليهما في الإجابة، ويؤذيا إن حصل منهما التراخي، أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد، وكأن يكلفا بما لا يليق في الكتابة والشهادة، ولا يعطى الكاتب جُعْله، ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كانت، فإن لهما طلب الجُعْل، ولا يكلفان الكتابة والشهادة مجانًا، فعلى هذا يكون نهيًا لصاحب الحق أو من عليه الحق عن إضرار الكاتب والشاهد، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود شذوذًا: ﴿ولا يضارَر﴾ بالفك وفتح الراء الأولى، ولو كان هذا نهيًا للكاتب والشاهد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكما.
стр. 1560
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نهيتم عنه من ضرار الكاتب والشهيد، أو من ضرار صاحب الحق ومن عليه الحق؛ أي: وإن تضاروا ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الضرار ﴿فُسُوقٌ﴾؛ أي: خروج عن الطاعة ومأثم ملتبس ﴿بِكُمْ﴾ ولاحق بكم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله، واحذروه فيما نهاكم عنه من المضارة وغيرها، أو المعنى: واتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما يكون إرشادًا واحتياطًا لكم في أمر الدنيا، كما يعلمكم ما يكون إرشادًا لكم في أمر الدين ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من مصالح الدنيا والآخرة ﴿عَلِيمٌ﴾، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم. وكرر لفظة (١) ﴿اللَّهُ﴾ في الجمل الثلاث لاستقلالها؛ فإن الأولى: حث على التقوى، والثانية: وعد بإنعامه، والثالثة: تعظيم لشأنه؛ ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية، وهذا آخر آية الدين، وقد حث الله فيها على الاحتياط في أمر الأموال؛ لكونها سببًا لمصالح المعاش والمعاد.
٢٨٣ - و ﴿على﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ بمعنى: في، أو بمعنى: إلى؛ أي: وإن كنتم مسافرين، أو متوجهين إلى السفر، وتعاملتم بالمداينة ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ أو آلة الكتابة في سفركم ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ أي: فالوثيقة رهان مقبوضة، أو فرهان مقبوضة بدل من الشاهدين والكتابة، أو فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق وثيقة لدينه. قال أهل العلم: الرهن في السفر ثابت بنص التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله ﵌؛ كما ثبت في "الصحيحين": أنه ﵌: رهن درعا له من يهودي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿كَاتِبًا﴾ بالإفراد. وقرأ أُبيٌّ ومجاهد وأبو العالية شذوذًا: ﴿كتابًا﴾ على أنه مصدر، أو جمع كاتب كصاحب وصحاب، ونفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة، ونفي الكتابة يقتضي أيضًا نفي الكتب.
стр. 1561
وقرأ ابن عباس والضحاك شذوذًا أيضًا: ﴿كُتّابا﴾ على الجمع اعتبارًا بأن كل نازلة لها كاتب. وروي عن أبي العالية شذوذًا أيضًا: ﴿كُتبًا﴾ جمع كتاب، وجمع اعتبارًا بالنوازل أيضًا.
وقرأ الجمهور: ﴿فَرِهَانٌ﴾ جمع رهن، نحو كَعْب وكِعَاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿فرُهُن﴾ بضم الراء والهاء. وروي عنهما شذوذًا تسكين الهاء. وقرأ بكل واحدة منهما جماعة غيرهما.
والرهن لغة (١): الثبوت والدوام، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت. وشرعًا: ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه دينًا، يُستوفى منه الدين عند تعذر الوفاء. واتفق العلماء على جواز الرهن في الحضر والسفر جميعًا، ومع وجود الكاتب وعدمه، والظاهر من قوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ اشتراط القبض. وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله مِثلًا.
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ أي: فإن أمن الدائن فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾؛ أي: فليدفع المدين الذي اؤتمن على الدين ﴿أَمَانَتَهُ﴾؛ أي: حق صاحبه.
وحاصل المعنى: فإن وثق رب الدين بأمانة الغريم، فدفع إليه ماله بغير كتاب ولا إشهاد ولا رهن .. فليؤدِ الغريم أمانته؛ أي: ما ائتمنه عليه رب المال. وقرأ أُبي شذوذًا: ﴿فإن أُومن﴾ رباعيًّا مبنيًّا للمفعول؛ أي؛ آمِنه الناس، هكذا نقل عن أُبيّ هذه القراءة الزمخشري، وقال السجاوندي: وقرأ أُبي شذوذًا: ﴿فإن ائتمن﴾ افتعل من الأمن؛ أي: وثق بلا وثيقة صك ولا رهن. وقرأ ابن محيصن وورش بإبدال الهمزة ياء، كما أبدلت في بئر وذئب، وذلك شذوذًا أيضًا.
وأصل هذا الفعل: اؤتمن بهمزتين الأولى: همزة الوصل، وهي مضمومة والثانية: فاء الكلمة، وهي ساكنة. وقرأ عاصم في شاذِّه: ﴿اللذتيمن﴾ بإدغام التاء المبدلة من الهمزة قياسًا على أشر في الافتعال من اليسر، ذكره أبو حيان في
стр. 1562
"البحر". ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ أي: وليخشَ المدين ربه في أداء الدين عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا إنكار، بل يعامل الدائن معاملة حسنةً، كما أحسن هو ظنه فيه ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ عند الحكم إذا دعيتم إلى أدائها بإنكار العلم بتلك الواقعة، أو بالامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، وفي "الجمل": الخطاب للشهود والمديونين، وشهادة المديونين على أنفسهم: إقرارهم واعترافهم بالدين. وقرأ السلمي شذوذًا: ﴿ولا يكتموا﴾ بالياء على الغيبة. ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾؛ أي: الشهادة ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ أي: فاجر قلبه؛ لأن كتم الشهادة من معارض القلب؛ لأن الشهادة علم قام بالقلب، فلذلك علق الإثم به، وهو من التعبير بالبعض عن الكل؛ كما قال ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب".
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمان الشهادة وإقامتها، ومن الخيانة في الأمانة وعدمها ﴿عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقرأ السلمي شذوذًا: ﴿بما يعملون﴾ بالياء جريًا على قراءته الشاذة: ﴿ولا يكتموا﴾ بالياء على الغيبة.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
﴿يَا﴾: حرف نداء، أيُّ: منادى نكرة مقصودة ها: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أيُّ﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها: ﴿بِدَيْنٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾، أو متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿دين﴾ تقديره: مؤجل إلى أجل. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة لـ ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ وجوبًا ﴿اكتبوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ جواب
стр. 1563
النداء لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.
﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ الواو: عاطفة، اللام: لام أمر وجزم، مبني على السكون؛ لوقوعها بعد الواو. ﴿يكتب﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يكتب﴾: ﴿كَاتِبٌ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ﴿بِالْعَدْلِ﴾: متعلق بقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾؛ أي: وليكتب كاتب بالعدل، وهذه الجملة مبيِّنة لكيفية الكتابة المأمور بها أولًا ومعينة لمن يتولَّاها إثر الأمر بها إجمالًا، وذكر البَيْن للإيذان بأن الكاتب ينبغي له أن يتوسط في المجلس بين المتداينين.
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَأْبَ كَاتِبٌ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾: فعل وناصب، وفاعله ضمير يعود على ﴿كَاتِبٌ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: ولا يأب كاتب كتابته. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾ حرف جر وتعليل ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: كتابة الوثائق، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدريةُ، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بكاف التعليل تقديره: لتعليم الله إياه كتابة الوثائق، الجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾؛ أي: يحرم عليه الإباء والامتناع من الكتابة؛ لأجل تعليم الله تعالى إياه إياها، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة، وجملة ﴿عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والضمير في ﴿عَلَّمَهُ﴾ عائد على ﴿ما﴾ والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: ولا يأب كاتب أن يكتب كتابًا مثل الكتاب الذي علَّمه الله في كتابة الوثائق.
﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿اللام﴾ لام أمر وجزم. ﴿يكتب﴾:
стр. 1564
مجزوم بها، وفاعله ضمير يعود على ﴿كَاتِبٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ مؤكِّدة لها، أو معطوفة على جملة قوله؛ ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ مؤكِّدة للأمر اللازم للنهي. ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، اللام: لام الأمر. ﴿يملل﴾: مجزوم بها. ﴿الَّذِي﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾. ﴿عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور. ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، اللام: لام الأمر ﴿يتقِ الله﴾: فعل ومفعول مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: بدل من لفظ الجلالة ومضاف إليه. ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: نافية جازمة. ﴿يَبْخَسْ﴾: مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على: ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور. إما متعلق بـ ﴿يَبْخَسْ﴾، و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، والضمير للحق، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف حال من شيئًا؛ لأنه في الأصل صفة للنكرة، فلما قدم عليها .. نصب حالًا ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَبْخَسْ﴾، أو منصوب على المفعولية المطلقة لـ ﴿يَبْخَسْ﴾؛ أي: ولا يبخس منه بخسًا شيئًا.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدَّر تقديره إذا عرفت حكم ما إذا كان المدين رشيدًا كاملًا، وأردت بيان حكم ما إذا كان سفيهًا أو ضعيفًا .. فأقول لك ﴿إن كان﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿كاَنَ﴾: فعل ماضٍ ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع اسم كان. ﴿عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول. ﴿سَفِيهًا﴾: خبر كان ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾: معطوف على ﴿سَفِيهًا﴾. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ﴾: ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع. ﴿لَا﴾: نافية
стр. 1565
﴿يَسْتَطِيعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على ﴿سَفِيهًا﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿كاَنَ﴾ تقديره: فان كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو غير مستطيع. ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾؛ ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُمِلَّ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، ﴿هُوَ﴾: توكيد للضمير المستتر في ﴿يُمِلَّ﴾، وجملة ﴿يُمِلَّ﴾ صلة أَن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يستطيع﴾ تقديره: أو لا يستطيع الإملال. ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجوب جملة طلبية. ﴿اللام﴾: لام أمر وجزم ﴿يملل وليه﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، مجزوم بلام الأمر. ﴿بِالْعَدْلِ﴾ متعلق بـ ﴿يملل﴾، وجملة ﴿يملل﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿استشهدوا شهيدين﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، صفة لـ ﴿شَهِيدَيْنِ﴾، أو متعلق بـ ﴿استشهدوا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ في أول الآية ﴿فَإِنْ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدَّر تقديره: إذا عرفت أنه يستشهد الرجلان إن وجدا، وأردت بيان حكم ما إذا لم يوجدا .. فأقول لك: ﴿إن لم يكونا﴾: ﴿إن﴾): حرف شرط، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَكُونَا﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾، والألف اسمها، ﴿رَجُلَيْنِ﴾: خبرها، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية، ﴿رجل﴾: مبتدأ، ﴿وَامْرَأَتَانِ﴾: معطوف عليه، والخبر محذوف جوازًا تقديره: فرجل وامرأتان
стр. 1566
يشهدون، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾: ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رجل وامرأتين﴾، وهذا الشرط (١)، وإن كان مشترطًا في الرجُلين أيضًا بالأحاديث والآيات الأخَر كآية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، لكن اقتصر على التنصيص عليه في جانب الرجل والمرأتين؛ لقلة اتصاف النساء به غالبًا. وقيل: هو متعلق بـ ﴿استشهدوا﴾ المتعلق بالصورتين، ﴿تَرْضَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره ممن ترضونه، ﴿مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف في ﴿تَرْضَوْنَ﴾ تقديرهُ: ممن ترضونه حال كونه بعض الشهداء.
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَضِلَّ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾. ﴿إِحْدَاهُمَا﴾: فاعل ومضاف إليه، ﴿فَتُذَكِّرَ﴾: الفاء عاطفة. ﴿تذكر﴾: معطوف على ﴿تَضِلَّ﴾. ﴿إِحْدَاهُمَا﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿الْأُخْرَى﴾: مفعول به، وجملة ﴿تَضِلَّ﴾ من الفعل والفاعل صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وإنما اشترط تعدد النساء؛ لأجل تذكير إحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت تلك الأخرى، والمعول عليه في التعليل: التذكير؛ لأنه المقصود من الجملة، ولكن لما كان الإضلال سببًا فيه .. قدم عليه؛ كقولهم: أعددتُ الخشبة أن يميل الجدار، فأدعمه بها. فالإدعام علة في إعداد الخشبة، والميل علة الإدعام.
﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾: فعل وفاعل وجازم، ومفعوله محذوف تقديره: إقامة الشهادة، والجملة مستأنفة ﴿إِذَا﴾: ظرف مجرد
стр. 1567
عن معنى الشرط. ﴿مَا﴾: زائدة ﴿دُعُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ تقديره: ولا يأب الشهداء، ويمتنع من إقامة الشهادة وقت دعائهم إليها.
﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: فعل وفاعل وجازم، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾. ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول وناصب، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: ولا تسأموا كتابته. ﴿صَغِيرًا﴾: حال من ضمير المفعول. ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾: معطوف عليه. ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الهاء في تكتبوه تقديره: حالة كونه مستقرًا في الذمة إلى حلول أجله، أو متعلق بـ ﴿تَكْتُبُوهُ﴾.
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ، ﴿أَقْسَطُ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَقْسَطُ﴾؛ لأن اسم التفضيل يعمل في الظروف والمجرورات. ﴿وَأَقْوَمُ﴾: معطوف على ﴿أَقْسَطُ﴾. ﴿لِلشَّهَادَةِ﴾: متعلق به. ﴿وَأَدْنَى﴾: معطوف على ﴿أَقْسَطُ﴾. ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾: نافية ﴿تَرْتَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإلى المقدَّرة المتعلِّقة بأدنى تقديره: وأدنى وأقرب إلى عدم ارتيابهم في جنس الدين ونوعه وقدره وشهوده.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من عام الأحوال. ﴿أَنْ تَكُونَ﴾: ﴿أَن﴾ حرف نصب ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أَن﴾، واسمها ضمير يعود على المعاملة ﴿تِجَارَةً﴾: خبرها منصوب. ﴿حَاضِرَةً﴾: صفة لـ ﴿تِجَارَةً﴾، وجملة
стр. 1568
﴿تَكُونَ﴾ من اسمها وخبرا صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء تقديره: ولا تسأموا كتابته في جميع الأحوال إلا حالة كون المعاملة تجارة حاضرة. ﴿تُدِيرُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿تِجَارَةً﴾، ولكنها سببية، ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تديرونها﴾ ﴿فَلَيْسَ﴾: الفاء تعليلية، ﴿ليس﴾: فعل ماضٍ ناقص ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر مقدم لـ ﴿ليس﴾، ﴿جناح﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿ليس﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وإنما استثنينا تجارة حاضرة لعدم ثبوت الجناح عليكم في عدم كتابتها، وإنما جعلنا الفاء تعليلية؛ لأن الفاء بعد الاستثناء للتعليل غالبًا. وفي "الجمل": أنها عاطفة. ولا معنى للعطف هنا. ﴿أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ﴿لا﴾: نافية ﴿تَكْتُبُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿في﴾ المحذوفة تقديره: فليس عليكم جناح في عدم كتابتها، والجار المقدر متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿ليس﴾.
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
﴿وَأَشْهِدُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أشهدوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿تَبَايَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿أشهدوا﴾؛ أي: وأشهدوا وقت مبايعتكم. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية. ﴿لا﴾: نافية ﴿يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾: فعل وفاعل، أو فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾: معطوف على ﴿كَاتِبٌ﴾: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ الواو استئنافية، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿إِنَّهُ﴾: حرف نصب وتوكيد، والهاء اسمها. ﴿فُسُوقٌ﴾: خبرها. ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة
стр. 1569
لـ ﴿فُسُوقٌ﴾: تقديره: فسوق لاحق بكم، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اتقوا الله﴾؛ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ الواو استئنافية. ﴿يعلمكم الله﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مصالح أموركم. والجملة مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾، ﴿وَلَمْ تَجِدُوا﴾: الواو عاطفة. ﴿لم تجدوا﴾: فعل وفاعل وجازم، والجملة معطوفة على جملة الشرط ﴿كَاتِبًا﴾: مفعول به؛ لأن وجد هنا بمعنى: أصاب، يتعدى لمفعول واحد. وفي "الفتوحات": في هذه الجملة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها عطف على فعل الشرط؛ أي: وإن كنتم لم تجدوا كاتبًا. فتكون في محل جزم تقديرًا.
والثاني: أن تكون معطوفة على خبر كان؛ أي: وإن كنتم لم تجدوا كاتبًا.
والثالث: أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محل نصب. اهـ "سمين". ﴿فَرِهَانٌ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية ﴿رِهَانٌ﴾: مبتدأ، ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ صفةٌ له، والخبر محذوف تقديره: وثيقة لدَينكم، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
стр. 1570
﴿فَإِنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا كنتم على سفر، ولم تجدوا كاتبًا، ولم يأمن بعضكم بعضًا، وأردتم بيان حكم ما إذا أمن بعضكم بعضًا .. فأقول لكم: ﴿إن أمن بعضكم﴾: إن: حرف شرط ﴿أَمِنَ بَعْضُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿بَعْضًا﴾: مفعول به، ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط، اللام: لام أمر وجزم، ﴿يؤدِ الذي﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿اؤْتُمِنَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير النائب ﴿أَمَانَتَهُ﴾: مفعول به، لـ ﴿يؤد﴾، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: الواو عاطفة، واللام لام الأمر، ﴿يتقِ الله﴾: فعل ومفعول به، مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: بدل من لفظ الجلالة، ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: الواو استئنافية. لا: ناهية ﴿تكتموا الشهادة﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَن﴾: الواو عاطفة ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب. ﴿يَكْتُمْهَا﴾: فعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية، ﴿إنّ﴾ حرف نصب، والهاء اسمها، ﴿آثِمٌ﴾: خبرها. ﴿قَلْبُهُ﴾: فاعل ﴿آثِمٌ﴾، ومضاف إليه، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية.
стр. 1571
﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾: يقال: تداين - من باب تفاعل - من الدَّين. يقال: داينت الرجل عاملته بدين معطيًا أو آخذًا؛ كما يقال: بايعته إذ بعته أو باعك. قال رؤبة:
دَايَنْتُ أَرْوَى وَالدُّيُوْن تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضًا وَأَدَّتْ بَعْضَا
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وألف ﴿مُسَمًّى﴾ منقلبة عن ياء؛ لأنه من التسمية، وكذا كل ألف وقعت رابعة فصاعدًا .. تكون منقلبة عن ياء ثم ينظر في أصل الياء، فالياء هنا منقلبة عن واو؛ لأنه من: سما يسمو.
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾: هو من أبى يأبى؛ كسعى يسعى، إذا امتنع. ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾؛ أي: وليسمع ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾: الكاتب الألفاظ التي يكتبها ويلقيها عليه، أملَّ وأملى لغتان فصيحتان معناهما واحد، الأولى: لأهل الحجاز وبني أسد، والثانية: لتميم، يقال: أمليت وأمللت على الرجل؛ أي: ألقيت عليه ما يكتبه، وأصل المادتين في اللغة: الإعادة مرة بعد أخرى، قال الشاعر:
أَلاَ يَا دِيَارَ الْحَيِّ بِالسَّبُعَانِ ... أَمَلَّ عَلَيْهَا بِالْبِلَى الْمَلَوَانِ
وقيل: الأصل: أمللت، أبدل من اللام ياء؛ لأنها أخف، والإدغام في مثل ذلك جائز لا واجب، كما قال في "الخلاصة":
نَحْوِ حَلَلْتُ مَا حَلَلْتُهُ وَفي ... جَزمٍ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْيِيرٌ قُفِيْ
فلذلك ترك الإدغام هنا، ويأتي الإدغام في ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾.
﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ﴾: والبخس: النقص، يقال منه: بخس زيد عمرًا حقه يبخسه بخسًا إذا نقصه، وبابه: قطع، وأصله من: بخست عينه، فاستعير لبخس
стр. 1572
الحق، كما قالوا: عورت حقه استعارة عن عور العين، ويقال: بخصته بالصاد، ويقال للبيع إذا كان قصدًا لا بخس فيه ولا شطط.
﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: السأم والسآمة: الملل من الشيء والضجر منه، يقال: سَئِم يسأم من باب: تعب مهموز، ويقال: سَئِمته أسأمه، وسئمت منه، وفي التنزيل: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ فهو يتعدى بنفسه، وبواسطة حرف الجر، ومنه قول الشاعر:
سَئِمْتُ تَكَالِيْفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِيْنَ حَوْلًا لاَ أَبَا لَكَ يَسْأَمِ
﴿صَغِيرًا﴾: الصغير اسم فاعل من صغر يصغر، ومعناه: قلة الجرم، ويستعمل في المعاني أيضًا.
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: من أقسط الرباعي على غير قياس، وكذلك قوله: ﴿وَأَقْوَمُ﴾؛ إذ القياس أن يكون بناء أفعل التفضيل من المجرد لا من المزيد. وفي "المختار": القسوط: الجور والعدول عن الحق، وبابه: جلس، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. انتهى. والقِسط (١) بكسر القاف: العدل، يقال منه: أقسط الرجل إذا عدل، وبفتح القاف: الجور، ويقال منه: قسط الرجل إذا جار. والقسط بالكسر أيضًا النصيب.
﴿فَرِهَانٌ﴾: جمع رهن بمعنى مرهون من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، يقال: رهن يرهن رهنًا من باب فتح، والرهن: ما دفع إلى الدائن على استيثاق دينه.
البلاغة
وفي الآية من ضروب الفصاحة (٢):
منها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ
стр. 1573
بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾، وفي قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾، إذ يفهم من قوله ﴿تداينتم﴾: الدينُ، ومن قوله ﴿فليكتب﴾: الكاتبُ.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ﴾؛ لأن الضلال هنا بمعنى: النسيان، وفي قوله: ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، وفي قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، وفي قوله: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾، وفي قوله: ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾؛ كرر الحق للدعاء إلى اتباعه، وأتى بلفظة على للإعلام أن لصاحب الحق مقالًا واستعلاء.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار أيضًا في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ لزيادة الكشف والبيان، لا لأن الأمر والنهي لغيره كما ذكره أبو السعود.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وفي قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وفائدة تكرار لفظ الجلالة في الجمل الثلاث: إدخال الروع في القلب، وتربية المهابة في النفوس، والتنبيه على استقلال كل منها بمعنى على حياله، فإن:
الأولى: حثٌّ على التقوى.
والثانية: وعد بالإنعام بالتعليم.
стр. 1574
والثالثة: تعظيم لشأنه تعالى.
وفي على في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ استعارة تبعية، حيث شبَّه تمكنهم من السفر بتمكن الراكب من مركوبه، وجمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل في قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ مبالغة في التحذير.
وفي الآية أيضًا: الإيجاز بالحذف، وذلك كثيرٌ، ومن أمثلته قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف متعلِّق الإيمان، وقوله: ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: بينكم، وقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، أي: الكتابة والخط، وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾؛ أي: ما عليه من الدين، وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ أي: في إملائه، إلى غير ذلك من الأمثلة المذكورة في الآية كما بيَّنها أبو حيان في "البحر".
والله أعلم
* * *
стр. 1575
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ..﴾ مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه لما ذكر أن من كتم الشهادة فإن قلبه آثم .. ذكر ما انطوى عليه الضمير، فكتمه أو أبداه، فإن الله يحاسبه به، ففيه وعيد وتهديد لمن كتم الشهادة، ولما علق الإثم بالقلب .. ذكر هنا الأنفس فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. وناسب ذكر هذه خاتمة لهذه السورة؛ لأنه تعالى ضمنها أكثر علم الأصول والفروع: من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والزكاة والقصاص والصيام والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والخلع والإيلاء والرضاعة والربا والبيع وكيفية المداينة، فناسب تكليفه إيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السموات وما في الأرض، فهو يُلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تعبداته وتكليفاته، ولما كانت هذه التكاليف محل اعتقادها إنما هو الأنفس وما تنطوي عليه من النيات، وثواب ملتزمها وعقاب تاركها إنما يظهر في الدار الآخرة .. نبه على صفة العلم التي بها تقع المحاسبة في الدار الآخرة بقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فصفة الملك تدل
стр. 1576
على القدرة الباهرة، وذكر المحاسبة يدل على العلم المحيط بالجليل والحقير، فحصل بذكر هذين الوصفين غاية الوعد للمطيعين، وغاية الوعيد للعاصين.
قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .. إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ...﴾ الآية، أشفقوا منه، ثم أمروا أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، فكشف عنهم ذلك الكرب، ورفع عنهم المشقة في أمر الخواطر.
ولما كان ابتداء هذه السورة بذكر الكتاب المنزل، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بما وصفوا به من الإيمان بالغيب، وبما أنزل إلى الرسول، وإلى من قبله .. كان مختمها بذكر الكتاب، ومن آمن به؛ ليتوافق الابتداء والاختتام، وذلك من أبدع الفصاحة؛ حيث يتلاقى آخر الكلام المفرط في الطول بأوله، وهي عادة للعرب في كثير من نظمهم، فبيَّن تعالى في آخر هذه السورة أن أولئك المؤمنين هم أمة محمَّد ﵌.
أسباب النزول
قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ...﴾ إلى آخر السورة، سبب نزولها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﵌: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية، قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﵌، فأتوا رسول الله ﵌، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله ﵌ كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله ﵌: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم .. أنزل الله تعالى في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُ
стр. 1577
وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال - أي تعالى -: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم. أخرجه مسلم، وله عن ابن عباس ﵄ نحوه، وفيه: قد فعلت بدل نعم.
والحديث أخرجه أحمد في "المسند" وابن جرير والبيهقي في "شعب الإيمان".
التفسير وأوجه القراءة
٢٨٤ - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ استدلال على قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فاستدل بسعة ملكه على سعة علمه؛ أي: له لا لغيره جميع ما في السموات وما في الأرض، من الأمور الداخلة في حقيقتهما، والخارجة عنهما: من أولي العلم، وغيرهم، فقل غيرهم، فعبَّر ﴿بِمَا﴾؛ لأنهم أكثر؛ أي: له تعالى الكل خلقًا وملكًا وتصرفًا، فالجميع عبيد له وهو مالكهم ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾؛ أي: وإن تظهروا أيها المكلفون ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: ما في قلوبكم من العزم على السوء بأن تظهروه للناس بالقول، أو بالفعل ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: تسروه بأن تكتموه منهم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أي: يؤاخذكم به ويجازكم عليه يوم القيامة، ولا تَدْخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان؛ لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه.
فالخواطر الحاصلة في القلب على قسمين: ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في حيِّز الوجود، وما لا يكون كذلك، بل تكون أمورًا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها، ولا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول: يكون مؤاخذًا عليه، والثاني: لا يكون مؤاخذًا
стр. 1578
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا به" وفي رواية: "ما وسوست به صدورها" متفق عليه.
﴿فَيَغْفِرُ﴾ بفضله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرة له ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ بعَدْله ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه، وقد يغفر لمن يشاء الذنب العظيم، وقد يعذب من يشاء على الذنب الحقير لا يُسأل عما يفعل. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءَه من المحاسبة والمغفرة والتعذيب وغيرها ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر.
وقرأ ابن (١) عامر وعاصم ويزيد ويعقوب وسهل: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالرفع فيهما على القطع والاستئناف على أن يجعل الفعل خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو يغفر. وقرأ باقي السبعة: بالجزم عطفًا على الجواب، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو حيوة شذوذًا: بالنصب فيهما على إضمار: أن، فينسَبِك منها مع ما بعدها مصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم من الحساب تقديره: يكن محاسبة فمغفرة وتعذيب، وهذه الأوجه قد جاءت في قول الشاعر:
فَإنْ يَهْلِكْ أَبُوْ قَابُوْسَ يَهْلِكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ وَالشَهْرُ الْحَرَامُ
وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سِنَامُ
يروى بجزم: ونأخذ، ورفعه ونصبه.
وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف شذوذًا أيضًا: ﴿يغفر لمن يشاء﴾، ويروى أنها كذلك في مصحف عبد الله، قال ابن جني: هي على البدل من ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾؛ فهي تفسير للمحاسبة. انتهى. قيل: وليس بتفسير بل هما مترتبان على المحاسبة.
٢٨٥ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؛ أي: صدق الرسول محمَّد ﵌ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: بأن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزلٌ عليه
стр. 1579
﴿مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: من عند الله ﴿و﴾ صدق ﴿المؤمنون﴾ بذلك أيضًا، فيكون المؤمنون مرفوعًا على الفاعلية عطفًا على الرسول، فيكون الوقف عليه، ويدل على صحة هذا قراءة علي ﵁: ﴿وآمن المؤمنون﴾، فأظهر الفعل. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد من الرسول والمؤمنين ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدق بوجوده وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾؛ أي: بوجودهم، وبأنهم معصومون مطهرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وأن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ﴿وَكُتُبِهِ﴾. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿وكِتَابه﴾ - بكسر الكاف وفتح التاء مع الألف - بالإفراد على إرادة الجنس وباقي السبعة: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ بضم الكاف والتاء بالجمع، أي: كلٌّ صدق بأن هذه الكتب المنزلة وحي من الله تعالى إلى رسله، وأنها ليست من باب الكهانة، ولا من باب السحر، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة، وأن الشياطين لا يتمكنون من إلقاء شيء من ضلالتهم في أثناء هذا الوحي الظاهر، وأن هذا القرآن الكريم لم يغيَّر ولم يحرَّف. ﴿رُسُلِهِ﴾؛ أي: بأن لله رسلًا من البشر أمناء على وحيه معصومين من الذنوب، أرسلهم إلى عباده المكلفين بشرائع وتكاليف، من أطاعهم دخل الجنة ومن عصاهم دخل النار. وقرأ يحيى (١) بن يعمر شذوذًا: ﴿وكتْبه ورسله﴾ بإسكان التاء والسين وروي ذلك عن نافع، وقرأ الحسن شذوذًا أيضًا: ﴿ورسْله﴾: بإسكان السين، وهي رواية عن أبي عمرو، وقرأ عبد الله شذوذًا أيضًا: ﴿وكتابه ولقائه ورسله﴾، وقرأ الجمهور ﴿وَرُسُلِهِ﴾ بضم السين.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ قرأ الجمهور: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ بالنون؛ أي: حالة كون الرسول والمؤمنين يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله في الإيمان بهم كما فعلت اليهود والنصارى، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، بل نؤمن بجميع رسله تعالى، ونثبت نبوة جميع الأنبياء، ولا نكفر بأحد منهم. والمقصود من هذا الكلام: إثبات النبوة لكلهم، لا ما ادَّعاه بعضهم من أن المقصود هو عدم
стр. 1580
التفضيل بينهم.
وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويعقوب: ﴿لا يفرق﴾ بالياء على لفظ كل. قال هارون: وهي في مصحف أُبي وابن مسعود: ﴿لا يفرقون﴾ وهو شاذ، حملًا على معنى كل بعد الحمل على اللفظ.
﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال المؤمنون أيضًا: ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: أجبنا قولك يا إلهما فيما كلفتنا به ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: امتثلنا أمرك يا مولانا في ذلك، وقدّم ﴿سَمِعْنَا﴾ على ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ لأن التكليف طريقُه السمع، والطاعة بعده، وينبغي للمؤمن أن يكون قائلًا هذا دهره وحياته. ﴿غُفْرَانَكَ﴾؛ أي: نسألك غفرانك لذنوبنا يا ﴿رَبَّنَا﴾ وما قصرنا في حقك يا إلهنا ﴿وَإِلَيْكَ﴾ يا إلهنا لا إلى غيرك ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع بعد الموت؛ يعني قالوا: إليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وفيه إقرار بالبعث والجزاء.
٢٨٦ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ظاهره أنه إخبار من الله مستأنف أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلا ما هو في وسع المكلف، والمعنى: أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا والتقصير، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة .. فلا تكونوا خائفين منه، فإن الله تعالى لا يكلف نفسًا ولا يلزمها من التكاليف والطاعات إلا وسعها وطاقتها؛ أي: إلا ما تسعه قدرتها فضلًا ورحمة منه تعالى، فلا يتعبدها بما لا تطيق.
وقيل: هذا من كلام الرسول والمؤمنين؛ أي: وقالوا: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والمعنى: أنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا .. قالوا: كيف لا نسمع ذلك ولا نطيع وهو تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا!.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿إلا وسعها﴾ جعله فعلًا ماضيًا، وأوَّلوه على إضمار ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: إلا ما وسعها. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ وعملت من الخير، أي: للنفس ثواب ما عملته من الخير وأجره ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ أي: وعليها وزر ما عملته من الشر وعقابه؛ أي: لا ينتفع بطاعتها، ولا يتضرر بمعاصيها غيرها. وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشرِّ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال واشتهاء