← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

من ﴿ما﴾، فيكون العامل فيه ﴿مصدقًا﴾. ﴿وَلِأُحِلَّ﴾: الواو عاطفة. ﴿لأحل﴾: اللام حرف جر وتعليل، (أحل): فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على عيسى. ﴿لَكُم﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿بَعْضَ﴾: مفعول به وهو مضاف ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه، ﴿حُرِّمَ﴾ ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائبه ضمير يعود على الموصول ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿حُرِّمَ﴾، وجملة ﴿حُرِّمَ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿أحل﴾ صلة إن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وجئتكم لإحلالي لكم بعض الذي حرم عليكم، وهذا المحذوف معطوف في المعنى على قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ﴿جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الواو عاطفة ﴿جئتكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله السابق؛ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فهذه مؤكدة للسابقة لاتحادهما لفظًا ومعنى. ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق بمحذوف حال من تاء الفاعل تقديره: وجئتكم حالة كوني ملتبسًا بآية، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آية﴾. ﴿فَاتقُواْ اَللهَ وَأَطِيعُونِ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مجيئي لكم بآية من ربكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم: اتقوا الله. ﴿اتقوا﴾: فعل وفاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: الواو عاطفة ﴿أطيعون﴾: فعل وفاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة، أو استغناء عنها بكسر نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على جملة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿رَبِّي﴾: خبرها ومضاف إليه، وكذلك قوله: ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾. مستأنفة ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا غرفتم كون معبودي ومعبودكم واحدًا، وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول

стр. 1752

لكم فاعبدوه. (عبدوه): فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ ﴿صِرَاطٌ﴾: خبره ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿صِرَاطٌ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالعبادة. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر الهام، وهو اسم مصدر لأنبأ ينبىء إنباءً إذا أخبر بالخبر الذي يعتنى به. ﴿نوُحِيهِ﴾: الوحي: إلقاء المعنى في النفس في خفاء، فقد يكون بالمَلَك للرسل، وبالإلهام كما في النحل، والإشارة كما في زكريا وهو في المحراب، وهو اسم مصدر لأوحى يوحي إيحاءً ووحيًا إذا ألهم وأعلم. ﴿أَقلَامَهُمْ﴾: جمع قلم، والقلم معروف، وهو الذي يكتب به، ويُطلق على السهم يقترع به، وهو فعل بمعنى مفعول؛ لأنه يقلم، أي: يبرى ويسوى، وقيل: هو مشتق من القلامة، وهي نبت ضعيف لترقيقه. ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: المهد: ما يمهد للصبي ويوطأ له لينام فيه، والكلام على حذف المضاف؛ أي: في زمان المهد. ﴿وَكَهْلًا﴾: الكهل: اسم من اكتهل النبات إذا قوي وعلا، ومنه: الكاهل، وقال ابن فارس: اكتهل الرجل إذا خطه الشيب، من قولهم: اكتهلت الروضة إذا عمها النور، ويقال للرجل: كهل، وللمرأة: كهلة، والكهل: هو الذي بلغ سن الكهولة، وآخرها ستون، وقيل: خمسون، وقيل: اثنان وخمسون، ثم يدخل سن الشيخوخة، واختلف في أول سن الكهولة، فقيل: ثلاثون، وقيل: اثنان وثلاثون، وقيل: ثلاثة وثلاثون، وقيل: خمسة وثلاثون، وقيل: أربعون عامًا. فائدة: ونقل عن (١) الأئمة في ترتيب سن المولود وتنقل أحواله، أنه في

стр. 1753

الرحم جنين، فإذا ولد فوليد، فإذا لم يستتم الأسبوع فصديع، وإذا دام يرضع فرضيع، وإذا فطم ففطيم، وإذا لم يرضع فجحوش، فإذا دبَّ ونما فدارج، فإذا سقطت رواضعه فمثغور، فإذا نبتت بعد السقوط فمتغر بالتاء والثاء، فإذا كان يجاوز العشر فمترعرع وناشىء، فإذا كان يبلغ الحلم فيافع ومراهق، فإذا احتلم فمحزور، وهو في جميع هذه الأحوال غلام، فإذا اخضر شاربه وسال عذاره فباقل، فإذا صار ذاقنًا ففتى وشارخ، فإذا أكملت لحيته فمجتمع، ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم هو كهل إلى أن يستوفي الستين. هذا هو المشهور عند أهل اللغة. ﴿اَلطِّينِ﴾: معروف، يقال: طانه الله على كذا وطامه بإبدال النون ميمًا، إذا جبله وخلقه على كذا، ومطينٌ لقبٌ لمحدِّث معروف. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾: الهيئة: الشَّكْل والصورة، وأصله مصدر، يقال: هاء الشيء يهاء - من باب هاب - هيئًا وهيئةً إذا ترتب واستقر على حال ما، وتعدِّيه بالتضعيف، فتقول: هيَّأته. قال تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾. ﴿الطَّيْرِ﴾: اسم جمع والطائر مفرده. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾: الإبراء: إزالة العلَّة والمرض، وفي "المصباح" برأ من المرض يبرأ من بابي نفع وتعب، وبروء برءًا من باب: قرب لغة فيه، وفيه أيضًا: كمه كمهًا من باب تعب فهو أكمه، والمرأة كمهاء مثل أحمر وحمراء، وهو العمى يولد عليه الإنسان، وربما كان عارضًا. وفيه أيضًا: برص الجسم من باب تعب فالذكر أبرص، والأنثى برصاء، والجمع برص مثل: أحمر وحمراء وحمر، وفي "السمين": والبرص: داء معروف، وهو بياض يظهر على الجلد، ولم تكن العرب تنفر من شيء نُفْرتَها منه. ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾: يقال: ذخر الشيء يذخره إذا خبأه، والذُّخر: المذخور،

стр. 1754

ويقال؛ إذ تخر من الذخر، أبدلت التاء دالًا، فصار: إذ دخر، ثم أدغمت الذال في الدال فقيل: ادّخر كما قيل: ادّكر في: اذدكر، فأصل تدخرون: تذدخرون؛ لأنه من باب افتعل كما مر في مقام التفسير. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البلاغة: منها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ إذا أريد بالملائكة جبريل، فهو من باب تسمية الخاص باسم العام تعظيمًا له، فهو مجاز مرسل علاقته العموم. ومنها: التكرار المسمى بالإطناب في قوله: ﴿اصْطَفَاكِ﴾، وفي ﴿يَا مَرْيَمُ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾. ومنها: التقديم والتأخير في ﴿وَاسْجُدِي﴾ ﴿وَارْكَعِي﴾ على بعض الأقوال. وقال "أبو السعود" (١): وتكرير النداء في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ للإيذان بأن المقصود بهذا الخطاب ما يرد بعده، وأن الخطاب الأول من تذكير النعمة تمهيدًا لهذا التكليف وترغيبًا في العمل به. انتهى. وقال أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ﴾ لا يخفى ما فيه من التهكم؛ إذ هو تقرير لكون ما ذكر وحيًا على طريقة التهكم بمنكريه، فإن طريق هذه الأمور الغريبة؛ إما المشاهدة، وإما السماع، وعدمه محقق عندهم، فبقي احتمال المعاينة المستحيلة باعترافهم، فنفيت تهكمًا بهم. انتهى. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ﴾: التكرير فيه مع تحقيق المقصود بعطف ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على؛ ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾ للدلالة على أن كل واحد من عدم حضوره إلقاء الأقلام، وعدم حضوره عند الاختصام، مستقل بالشهادة على بنوته.

стр. 1755

ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ لأنه سمى الولد كلمة؛ لوجوده بكلمة: كن، فهو من باب إطلاق السبب على المسبَّب. ومنها: العموم (١) الذي أريد به الخصوص في قوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. ومنها: الاستعارة عند من قال: القنوت والسجود والركوع ليس كناية عن الهيئات التي في الصلاة. ومنها: الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ إذا قلنا: إنه أراد القداح؛ أي: السهام. ومنها: إسناد الفعل للآمر به لا لفاعله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾؛ إذ هم المشافهون بالبشارة، والله الآمر بها، ومثله: نادى السلطان في البلد بكذا. ومنها: الاحتراس في قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ من ما جرت به العادة أن من تكلم في حال الطفولة .. لا يعيش. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ كنَّت بالمس عن الوطء، ما كني عنه بالحدث واللباس والمباشر. ومنها: السؤال والجواب في قوله: ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ وفي قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ وفي قوله: ﴿الطَّيْرِ﴾، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿رَبِي وَرَبُّكُم﴾، ﴿ما﴾ وفي قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾. ومنها: التعبير عن الجمع بالمفرد في الآية: ﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾، وفي قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾، وفي قوله: ﴿لأحل﴾ و ﴿حُرِّمَ﴾.

стр. 1756

ومنها: الالتفات في قوله: ﴿ونعلمه﴾ عند من قرأ بالنون. ومنها: التفسير بعد الإبهام فيمن قال: الكتاب مبهم غير مُبين، والتوراة والإنجيل تفسير له. ومنها: الحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 1757

قال الله سبحانه جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾. المناسبة لما ذكر الله قبل هذه بشارة الملائكة لمريم بعيسى ﵇، وكلامه الناس في المهد، وإيتائه الكتاب والحكمة والنبوة، وإرساله رسولًا إلى بني إسرائيل، وذكر براءة أمه التي تقدم ذكرها .. ذكر هنا خبره مع قومه، وما لاقاه منهم من الصد والإعراض، ومقاساة الأهوال، وهمهم بقتله، وإنجاء الله إياه، ووعيد الكافرين به، وعذابهم في الدنيا والآخرة، وطوى ذكر ما بينهما من خبر ولادته وبعثته مؤيدًا بتلك الآيات التي تقدمت اكتفاءً بحكاية الملائكة، وثقة بما فصل في المواضع الأخرى.

стр. 1758

أسباب النزول قوله تعالى (١): ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ...﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: "أتى رسول الله ﷺ راهبان من نجران، فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله ﷺ لا يعجل حتى يؤامر ربه، فنزل عليه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ إلى ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وأخرج (٢) ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ أن رهطًا من أهل نجران قدموا على النبي ﷺ ، وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: من هو؟ قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، وأنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل، فقال: قل لهم إذا أتوك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى آخر الآية، وقد رويت هذه القصة على وجوه عن جماعة من التابعين. وقد أخرج (٣) البخاري ومسلم وغيرهما من حديث حذيفة ﵁: أن العاقب والسيد أتيا رسول الله ﷺ ، فأراد أن يلاعنهما، فقال: أحدهما لصاحبه: لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح أبدًا نحن ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له: نعطيك ما سألت فأبعث معنا رجلًا أمينًا، فقال: قم يا أبا عبيدة، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة. وأخرج (٤) البيهقي في "الدلائل" من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران - قبل أن ينزل عليه طس سليمان باسم إله إبراهيم إسحاق ويعقوب - "من محمَّد النبي ... " الحديث، وفيه: بعثوا إليه شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبارًا الحرثي، فانطلقوا، فأتوه، فسألهم وسألوه، فلم يزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى؟ قال: ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم،

стр. 1759

فأصبح الغد، وقد أنزل الله هذه الآيات: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. وأخرج (١) ابن سعد في "الطبقات" عن الأزرق بن قيس قال: قدم على النبي ﷺ أسقفُّ نجران والعاقب، فعرض عليهما الإسلام، فقالا: إنا كنا مسلمين قبلك، قال: كذبتما، إنه منع منكما الإِسلام ثلاث: قولكما اتخذ الله ولدًا، وأكلكما لحم الخنزير، وسجودكما للصنم، قالا: فمن أبو عيسى؟ فما درى رسول الله ﷺ ما يرد عليهم حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فدعاهما إلى الملاعنة فأبيا، وأقرا بالجزية، ورجعا. التفسير وأوجه القراءة ٥٢ - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾؛ أي: فلما علم عيسى من قومه بني إسرائيل التصميم على الكفر، والاستمرار على الضلال والعناد، وقصد الإيذاء، فقد صح أنه لقي من اليهود شدائد كثيرة، فقد كانوا يجتمعون عليه، ويستهزئون به ويقولون له: يا عيسى ما أكل فلان البارحة، وما ادخر في بيته لغد، فيخبرهم فيسخرون منه، حتى طال ذلك به وبهم، وطلبوا قتله؛ لأنهم كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة، وأنه ينسخ دينهم، فخافهم واختفى عنهم، وخرج هو وأمه يسيحان في الأرض. وفي هذا عبرةٌ وتسلية للنبي ﷺ ، وبيان بأن الآيات الكونية مهما كثرت لا تفضي إلى الإيمان إلا إذا كان للمدعو استعداد للقبول، ومن الداعي حسن بيان. فلما رأى منهم ذلك ﴿قَالَ﴾ وعيسى للحواريين: - كما تدل عليه آية الصف ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ - ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ حالة كوني ملتجئًا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ومتوجهًا إليه، أو ذاهبًا إليه أو في الدعوة إلى الله ﴿قَالَ

стр. 1760

الْحَوَارِيُّونَ﴾؛ أي: قال الأصفياء من أتباعه وخواصهم ﴿نَحْنُ أَنصارُ اللهِ﴾؛ أي: نحن أنصار دين الله والباذلون كل ما في الوسع في تأييد دعوتك، والآخذون بتعاليمك، والمنصرفون عن التقاليد السالفة، وهذا النصر لا يستلزم القتال، بل يكفى فيه العمل بالدين والدعوة إليه. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدقنا بوحدانية الله، وبما جئتنا به، وهذا جارٍ مجرى بيان السبب في نصر دينه، والمعنى: يجب علينا أن نكون من أنصار الله لأجل أننا آمنا بالله، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله، والذبَّ عن أولياء الله، والمحاربة لأعدائه ﴿وَاشْهَدْ﴾ لنا يا عيسى يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي مخلصون منقادون لأوامره، وفي هذا دليل على أن الإِسلام دين الله على لسان كل نبي، وإن اختلفت الأنبياء في بعض صوره وأشكاله وأحكامه وأعماله، وإنما طلبوا شهادته؛ لأن الرسل يشهدون لأممهم يوم القيامة، وإنما قال هنا: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وفي المائدة: ﴿بأننا﴾؛ لأن ما فيها أول كلام الحواريين، فجاء على الأصل، وما هنا تكرار له بالمعنى، فناسب فيه التخفيف؛ لأن كلًّا من التخفيف والتكرار فرع، والفرع بالفرع أولى، وإنما طلبوا منه ﵇ الشهادة بذلك يوم القيامة إيذانًا بأن غرضهم السعادة الأخروية. والحواريون: جمع حواري، وحواريُّ الرجل: صفوته وخلاصته، والحواري أيضًا: الناصر، ومنه قوله ﷺ : "لكل نبي حواري، وحواريي الزبير" أخرجه الشيخان. وهذا المعنى هو الصحيح، قاله ابن كثير. وقد اختلف في سبب تسميتهم بذلك، فقيل: لبياض ثيابهم، وقيل: لخلوص نياتهم، وقيل: لأنهم خاصة الأنبياء، وكانوا اثني عشر رجلًا، وقيل: تسعة وعشرين رجلًا آمنوا بعيسى ﵇ واتبعوه، وكانوا إذا جاعوا .. قالوا: جعنا يا روح الله، فيضرب بيده الأرض ليخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا .. قالوا: عطشنا، فيضرب بيده الأرض، فيخرج منها الماء، فيشربون، فقالوا: من أفضل منا، نأكل من حيث شئنا، قال ﵇: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، فصاروا يغسلون الثياب للناس بالأجرة، فسموا حواريين.

стр. 1761

٥٣ - فلما أشهدوا عيسى على إيمانهم وإسلامهم .. تضرعوا إلى الله تعالى، وقالوا مبالغة في إظهار أمرهم يا ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿آمَنَّا﴾ وصدقنا ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ على عيسى من كتابك الإنجيل ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾؛ أي: وامتثلنا أمر رسولك عيسى فيما أتانا به من عندك ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: فاكتبنا في جملة من شهد لك بالوحدانية، ولرسلك بالرسالة بتصديقهم واتباعهم؛ أي: فثبِّت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به، وقال ابن عباس ﵄ فاكتبنا في زمرة الأنبياء؛ لأن كل نبي شاهد لقومه، أو فاكتبنا مع محمَّد وأمته؛ لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة يوم القيامة، فإنهم يشهدون للرسل بالبلاغ، وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين الذين سأل الحواريون أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم. ٥٤ - ﴿وَمَكَرُوا﴾؛ أي: ومكر أولئك القوم الذين علم عيسى ﵇ كفرهم من اليهود، واحتالوا في قتله بأن وكلوا به من يقتله غيلة ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾؛ أي: أبطل الله مكرهم، فلم ينجحوا فيه، ورفع عيسى ﵇ إلى السماء، وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ أي: أقواهم مكرًا، وأنفذهم كيدًا، وأقدرهم على إيصال التفسير إليهم من حيث لا يحتسبون؛ حيث جعل تدميرهم في تدبيرهم، فتدبيره الذي يخفى على عباده إنما يكون لإقامة سننه، وإتمام حكمته، وكلها خير في نفسها، وإن قصر كثير من الناس في الاستفادة منها بجهلهم وسوء اختيارهم. واعلم: أن مكر الله استدراجه للعباد من حيث لا يعلمون، قاله الفراء وغيره، وقال الزجاج: مكر الله: مجازاتهم على مكرهم فمعنى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾؛ أي: جازاهم على مكرهم، فحيث أضمروا على أخذ عيسى من حيث لا يحتسب .. جازاهم على ذلك وأخذهم من حيث لم يحتسبوا؛ حيث ألقى شبه عيسى ﵇ على قاصد قتله فقتل، ورفع عيسى فسُمي الجزاء باسم الابتداء، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ وأصل المكر: الاغتيال والخدع، حكاه ابن فارس، وهو إيصال الضرر إلى الغير بطريق خفي، وعلى هذا فلا يطلق

стр. 1762

على الله إلا على طريق المشاكلة، فمعنى المشاكلة؛ الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى؛ إذ لا يجوز أن يوسف الله تعالى بالمكر إلا لأجل ما ذكر معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به، هكذا قيل. وقد جاء إسناد المكر إلى الله تعالى من غير مقابلة في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾. وفي الحديث: "اللهم أمكر لي ولا تمكر عليّ". قال أبو حيان: سأل رجل الجنيد، فقال: كيف رضي الله سبحانه لنفسه المكر، وقد عاب به غيره؛ فقال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان الظهراني شعرًا: وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدِيْ ... فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا ثم قال: قد أجبتُك إن كنت تعقل. والمذهب الأسلم الذي عليه سلف الأمة إثبات المكر لله ، فإذًا فالمكر صفة ثابتة لله تعالى نؤمن بها ونعتقدها ونثبتها من غير تمثيل ولا تعطيل، وهذا هو الذي نلقى الله عليه. روي عن ابن عباس ﵄: أن ملك بني إسرائيل اسمه: يهوذا، لما قصد قتل عيسى ﵇ .. أمره جبريل أن يدخل بيتًا فيه روزنة - والروزنة: فرجة في سقف البيت - فرفعه جبريل من تلك الروزنة إلى السماء، فقال الملك لرجل خبيث منهم يقال له تطيانوس: أدخل عليه فاقتله، فدخل البيت فلم يرَ عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى ﵇ عليه، فخرج يخبرهم أنه ليس في البيت، فقتلوه وصلبوه، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فوقع بينهم قتال عظيم. ٥٥ - وقوله: ﴿إذ قالَ اَللهُ﴾ ظرف لمكر الله؛ أي: مكر الله بهم حين قال لنبيه ورسوله عيسى ﵇: ﴿يَعِيسى﴾ ابن مريم ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أي: مستوفي أجلك المسمى، ومؤخرك إلى تمامه، وعاصمك من أن يقتلك الكفار، أو (١) قابضك من الأرض من توفيت مالي، أو متوفيك نائمًا؛ إذ رُوي أنه

стр. 1763

رفع نائمًا، أو مميتك عن الشهوات العاتقة عن العروج إلى عالم الملكوت، وقيل: أماته الله سبع ساعات، ثم رفعه إلى السماء، وإليه ذهبت النصارى، والله أعلم بحقيقة الحال. ﴿وَرَافِعُكَ﴾ من الأرض ﴿إلَيَّ﴾؛ أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، ومقر ملائكتي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: مخرجك من بينهم، ومنجيك منهم؛ أي: مما كانوا يريدونه بك من الشر، أو مما كانوا يرمونه به من القبائح، ونسبة السوء إليه، وفي هذا بشارة بنجاته من مكرهم، واستيفاء أجله، وأنهم لا ينالون منه ما كانوا يريدونه بمكرهم وخبثهم. وللعلماء في تأويل هذه الآية رأيان (١): الأول: أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، والأصل إني رافعك إليّ ومتوفيك؛ أي؛ إني رافعك الآن، ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك، وعلى هذا فهو رفع حيًّا بجسمه وروحه، وأنه سينزل آخر الزمان، فيحكم بين الناس بشريعتنا، ثم يتوفاه الله تعالى. وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد"، زاد في رواية: "حتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أخرجه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس بيني وبينه - يعني: عيسى - نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه، فاعرفوه؛ فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين - أي: ثوبين مصبوغين بالممصرة، الممصرة: تراب أحمر يصبغ به - كأن رأسه يقطر ماءً، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الملل في زمانه كلها إلا الإِسلام، ويهلك المسيح الدجالَ، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة،

стр. 1764

ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون" أخرجه أبو داود. والقول الثاني: أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي هو الإماتة العادية، وأن الرفع بعده للروح، ولا غرابة في خطاب الشخص وإرادة روحه، فالروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان؛ لأن روحه هي هي. والمعنى: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي، كما قال تعالى في إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾، وحديث الرفع والنزول آخر الزمان حديثه آحاد، يتعلق بأمر اعتقادي، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالدليل القاطع من قرآن أو حديث متواتر، ولا يوجد هنا واحد منهما. أو أن المراد بنزوله وحكمه في الأرض: غلبة رُوحه، وسرد رسالته على الناس بالأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها. ﴿وَجَاعِل اَلَذِينَ أتَّبَعُوكَ﴾؛ أي: وجاعل الذين آمنوا بأنك عبد الله ورسوله، والذين صدَّقوا بنبوتك وادعوا محبتك كالنصارى ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومكروا بك، وهم اليهود بالحجة والسيف والقهر والسلطان والاستعلاء والنصرة ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: إن هذه الفوقية مستمرة لهم ما دامت السموات والأرض، وبعدئذٍ يفعل بهم ما يشاء، وهذه الفوقية؛ إما فوقية دينية روحانية، وهي فضلهم عليهم في حسن الأخلاق، وكمال الآداب، والقرب من الحق؛ والبعد من الباطل، وإما فوقية دنيوية، وهي كونهم أصحاب السيادة عليهم، وفي هذا إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة، وقد تحقق ذلك؛ فإن مُلك اليهود قد ذهب، لم تبق لهم قلعة ولا سلطان ولا شوكة في جميع الأرض، فلا يرى ملك يهودي، ولا بلد مستقل لهم، بل يكونون مقهورين أين ما كانوا بالذلة والمسكنة، وملك النصارى باقٍ قائم إلى قريب من قيام الساعة، فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود، ولكن هذا لم يتحقق زمن المسيح لأتباعه، بل كان اليهود يغلبونهم على أمرهم، فالوجه الأول أولى بالاعتبار.

стр. 1765

وقيل: إن الخطاب في قوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ لنبينا محمَّد ﷺ ، فيكون الوقف على قوله من الذين كفروا تامًّا، والابتداء بما بعده، وجاز هذا لدلالة الحال عليه؛ أي: جاعلهم قاهرين لهم إلى يوم القيامة يعني: أنهم ظاهرون على اليهود وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا؛ فأما يوم القيامة .. فيحكم الله بينهم، فيدخل الطائع الجنة، والعاصي النار، وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا وانقضائها؛ لأن لهم استعلاء آخر غير هذا الاستعلاء. ﴿ثُمَّ﴾ بعد انقضاء الدنيا، وقيام الساعة ﴿إِليَّ﴾ لا إلى غيري ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم ومصيركم إليَّ بالموت والبعث، والخطاب لعيسى ومن آمن معه ومن كفر به، وغلب المخاطبين على الغائبين. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يومئذٍ ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: فيما اختلفتم فيه من أمور الدين. ٥٦ - ثم بيَّن جزاء المحق والمبطل وكيفيته فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكذبوك، وهم اليهود ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بإذلالهم بالقتل والأسر والجزية وتسليط الأمم عليهم ﴿و﴾ في ﴿الآخرة﴾ بالنار، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾؛ أي: مانعين من عذاب الله في الدنيا والآخرة. ٥٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ والكتاب، وبنبوة عيسى، وبنبوة محمَّد ﷺ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فيما بينهم وبين ربهم؛ بأن امتثلوا الأوامر، واجتنبوا النواهي ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾؛ أي: يعطيهم الله تعالى أجور أعمالهم وثوابها في الجنة موفرًا كاملًا غير منقوص. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يريد إيصال الخير إلى المشركين، أو المعنى: والله لا يحب من ظلم غيره حقًّا له، أو وضع شيئًا في غير موضعه، فكيف بظلم عباده له؟ فهو يجازيه بما يستحق، وفي هذا وعيد منه للكافرين به وبرسله، ووعد منه للمؤمنين به وبرسله، وفي هذه (١) الآية قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء على قراءة حفص ورويس وذلك على سبيل الالتفات والخروج من ضمير المتكلم

стр. 1766

إلى ضمير الغيبة للتنوع في الفصاحة. وقرأ الجمهور: ﴿فنوفيهم﴾؛ أي: نعطيهم أجورهم كاملة موفرة - بالنون الدالة على المتكلم المعظم نفسه -، ولم يأت بالهمزة كما في تلك الآية؛ ليخالف في الإخبار بين النسبة الإسنادية فيما يفعله بالكافر، وبالمؤمن؛ كما خالف في الفعل؛ ولأن المؤمن العامل للصالحات عظيم عند الله، فناسبه الإخبار عن المجازي بنون العظمة. ٥٨ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور الذي ذكرته لك من خبر عيسى، وأمه مريم، وأمها، وزكريا، وابنه يحيى، ومن خبر الحواريين واليهود. ﴿نَتلُوُه﴾؛ أي: نقرأه ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد على لسان جبريل الأمين، وإنما أضاف ما يتلوه جبريل إلى نفسه ؛ لأنه من عنده وبأمره من غير تفاوت أصلًا، فأضافه إليه حالة كونه ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾؛ أي: من العلامات الدالة على نبوتك يا محمَّد؛ لأنها إخبار لا يعلمها إلا من يقرأ ويكتب، أو نبي يُوحى إليه، وأنت أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب، فثبت أن ذلك من الوحي السماوي الذي أنزل عليك ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: القرآن المحكم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾. وقد روى - كما مر لك -: أنه حضر وفد نصارى نجران على رسول الله ﷺ ، فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا ونسبه؟ فقال: مَنْ هو؟ قالوا: عيسى، قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد، قال: أجل هو عبد الله، ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب؟ ومن لا أب له فهو ابن الله، ثم خرجوا من عنده ﷺ ، فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك: ٥٩ - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾؛ أي: إن شأن عيسى وصفته في خلق الله تعالى إياه على غير مثال سابق؛ أي: من غير أب ﴿كَمَثَلِءَادَمَ﴾ أبي البشر؛ أي: كشأن آدم وصفته، ثم فسر هذا المثل وفصل ما أجمله فقال: ﴿خَلَقَهُ﴾؛ أي: خلق آدم وأوجده وكوَّن جسمه ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ ميت؛ حيث أصابه الماء، فكان طينًا لازبًا لزجًا؛ أي: خلقه بلا أب وأم ﴿ثُمَّ﴾ بعد ما كوَّن جسمه من التراب ﴿قَالَ﴾ الله ﴿لَهُ﴾؛ أي: لآدم ﴿كُن﴾ بشرًا حساسًا بنفخ الروح فيه ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فكان بشرًا حساسًا ناطقًا ضاحكًا، والتعبير بالمضارع على حكاية الحال الماضية، أو

стр. 1767

للفاصلة، وكذلك قال له: كن من غير أب .. فكان ولدًا بلا أب، فإذا كان آدم كذلك، ولم يكن ابنًا لله .. فكذلك عيسى، فمن لم يقرَّ بأن الله خلق عيسى من غير أب مع إقراره بخلق آدم من غير أب ولا أم، فهو خارج عن طور العقلاء، وأيضًا: إذا جاز أن يخلق الله آدم من التراب .. فيجوز خلق الله تعالى عيسى من دم مريم من باب أولى، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقربُ إلى العقل من تولده من التراب اليابس. ثم أكد الله صدق هذا القصص، فقال: ٦٠ - ﴿الحق من ربك﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الحق؛ أي: ما قصصنا عليك يا محمَّد في شأن عيسى وأمه مريم، هو الخبر الحق، والقول الصدق، والأمر الثابت الذي لا شك فيه حالة كونه موحى إليك من ربك، لا ما تعتقده النصارى في المسيح من أنه إله، أو ابن الله، ولا ما تزعمه اليهود من رمي مريم بيوسف النجار. ﴿فَلَا تَكنُ﴾ يا محمَّد ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: من الشاكين فيما بينت لك في شأن عيسى وأمه، وهو كونه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم؛ أي: فلا تشكن في أمرهما بعد أن جاءك العلم اليقيني به، وهذا الخطاب للنبي ﷺ ، ولكن المقصود به نهي غيره لعصمته عن مثل ذلك الامتراء. وفي النهي للنبي ﷺ مع استحالة وقوع الامتراء منه فائدة من وجهين: الأول: إذا سمع ﷺ مثل هذا الخطاب .. ازداد رغبة في الثبات على اليقين، واطمئنان النفس. والثاني: إذا سمعه غيره ازدجر ونزع عما يورث الامتراء؛ إذ أنه ﷺ على جلالة قدره خوطب بمثل هذا، فما بالك بغيره. وخلاصة ذلك: دم على يقينك يا محمَّد، وعلى ما أنت عليه من الاطمئنان إلى الحق، والتنزه عن الشك فيه. ٦١ - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ وخاصمك وجادلك ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في شأن عيسى، وهم النصارى الذين وفدوا إلى رسول الله ﷺ من نجران، كما مر في مقام أسباب النزول. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾؛ أي: بعد الذي جاءك وأوحي إليك ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي: من الآيات البينات التي تفيد العلم واليقين، بأن

стр. 1768

عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم. ﴿فَقُلْ﴾ لهم يا محمَّد: ﴿تَعَالَوْا﴾؛ أي: هلموا وأقبلوا إليّ. قرأ الجمهور: ﴿تَعَالَوْا﴾ بفتح اللام وهم الأصل والقياس. وقرأ الحسن وأبو واقد وأبو السِّمال شذوذًا بضم اللام على أن أصله: تعاليوا، فنقلت الضمة إلى اللام، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وهذا تعليل شاذ. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾؛ أي: نخرج أبناءنا ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ﴾؛ أي: أخرجوا أنتم أبناءكم ﴿وَنِسَاءَنَا﴾؛ أي: نخرج نساءنا ﴿وَنِسَاءَكُمْ﴾؛ أي: وأخرجوا أنتم نساءكم ﴿وَأنفُسَنَا﴾؛ أي: نخرج بأنفسنا ﴿وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: اخرجوا أنتم بأنفسكم. ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾؛ أي: نتضرع ونجتهد ونبالغ في الدعاء ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ وغضبه فيما بيننا ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منا ومنكم في شأن عيسى؛ أي: فقل لهم أقبلوا، وليدعُ كل منا ومنكم أبناءه ونساءه للمباهلة، وليقل: لعنة الله على الكاذبين منا ومنكم، أو اللهم العنْ الكاذب منا في شأن عيسى. وفي تقديم هؤلاء على النفس في المباهلة مع أن الرجل يخاطر بنفسه لهم إيذانٌ بكمال أمته ﷺ ، وتمام ثقته بأمره، وقوة يقينه بأنه لن يصيبهم في ذلك مكروه، وهذه الآية تسمى: آية المباهلة. وروى أن النبي ﷺ : اختار للمباهلة عليًّا، وفاطمة، وولديهما ﵃، وخرج بهم، وقال: إن أنا دعوت .. فأمنوا أنتم. وأخرج ابن عساكر عن جعفر عن أبيه: أنه لما نزلت هذه الآية .. جاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، ولا شك أن الذي يفهم من الآية أن النبي ﷺ أمر أن يدعو المحاجين والمجادلين في شأن عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالًا ونساءً وأطفالًا، ويجمع هو المؤمنين رجالًا ونساءً وأطفالًا، ويبتهلوا إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى. وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول، كما يدل امتناع من دُعوا إلى ذلك من أهل الكتاب من نصارى نجران وسواهم على امترائهم في حجاجهم، وكونهم على غير بيّنة فيما يعتقدون.

стр. 1769

وفي الآية عبرة لمن ادَّكر؛ لأنه طلب فيها مشاركة النساء للرجال في الاجتماع للمفاضلة الدينية، وفي هذا دليل على أن المرأة كالرجل، حتى في الأمور العامة، إلا في بعض مسائل؛ ككونها لا تباشر الحرب بنفسها، بل تشتغل بخدمة المحاربين ومداواة الجرحى، ولا تتولى القضاء في الجنايات ونحوها، وأين هذا من حال نساء المسلمين اليوم، في جهلهن بأمور الدين، وعدم مشاركتهن للرجال في عمل من الأعمال الدينية، أو الشؤون الاجتماعية، ولا هَمَّ لنساء الأغنياء في المدن إلا الزينة، والتنوق (١) في المطاعم والمشارب والملابس، والتفرج بآلات الملاهي المحرمة، والأغاني الخبيثة، وإضاعة الأوقات فيها، كما لا عمل لنساء الفقراء في القرى والدساكر إلا الخدمة في الحقول والمنازل، فهن كالأُتن الحاملة، والبقر العاملة، وكان من جزاء هذا أن صغُرتْ نفوسهن، وضعفت آدابهن، وصرن كالدواجن في البيوت، أو السوائم في الصحراء، وساءت تربية البنين والبنات، وسرى الفساد من الأفراد إلى الجماعات، وعمَّ الأُسَر والعشائر والشعوب والقبائل. وقد قام في هذا العهد الأخير جماعات من العقلاء في كثير من البلاد الإِسلامية يطالبون بتحرير المرأة، ومشاركتها الرجل في العلم والأدب وشؤون الحياة، وصادفت هذه الدعوة آذانًا صاغية، فبدأ المسلمون يعلِّمون بناتهم، ولكن ينبغي أن يصحب هذا التعليم شيء كثير من التربية الدينية، والإصلاح في الأخلاق والعادات. وقد كان هذا عاملًا من عوامل الانقلاب الاجتماعي الذي لا ندري ما تكون عاقبته في إصلاح الأسر الإِسلامية، ولا ما سينتج منه من نفع للإسلام والمسلمين، أو تتبع للنصارى والمشركين. فائدة: وأتى (٢) بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ تنبيهًا لهم على خطئهم في

стр. 1770

مباهلته، كأنه يقول لهم: لا تعجلوا، وتَأَنَّوا؛ لعله أن يظهر لكم الحق، فلذلك أتى بحرف التراخي. قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ هذه (١)، والتي في النور في قوله: ﴿والخامسة أن لعنت الله عليه﴾، يكتبان بالتاء المبسوطة، وما عداهما بالهاء على الأصل. ٦٢ - ﴿إنَّ هَذَا﴾ المذكور الذي ذكرته لك يا محمَّد من الدلائل التي دلت على أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ولم يكن إلهًا، ولا ولده، ولا شريكه، ومن الدعاء إلى المباهلة مع وفد نجران ﴿لَهُوَ اَلقَصَصُ الْحَقُّ﴾؛ أي: لهو الخبر الصدق، والقول الحق الذي لا شك فيه دون أكاذيب النصارى، وافتراء اليهود ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ بلا شريك، ولا ولد، ولا زوجة ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ . ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يُمنع، القادر على جميع المقدورات ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: العالم بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمور، فذكر العزيز الحكيم ها هنا إشارة إلى الجواب عن النصارى في الشبهتين لعيسى: القدرة على الإحياء ونحوه، وإخبار الغيوب؛ أي: لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة، والحكمة البالغة، ليشاركه في الإلهية. ٦٣ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك، ولم يقبلوا عقيدة التوحيد التي جئت بها، ولم يجيبوك إلى المباهلة .. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عليم بـ﴾ حال ﴿المفسدين﴾ في الدين، ونياتهم، وأغراضهم الفاسدة، فيجازيهم بخبيث سرائرهم وسيىء أعمالهم. وخلاصة المعنى: فإن أبوا عن قبول الحق، وأعرضوا عما وصفت من أن الله هو الواحد، وأنه يجب أن يكون عالمًا قادرًا على جميع المقدورات، عالمًا بالنهايات، محيطًا بالمعلومات، مع اعترافهم بأن عيسى لم يكن كذلك، ومع قولهم: إن اليهود قتلوه .. فاعلم أن إباءهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك عنهم، وفوض أمرهم إلى الله، فإن الله عليم بفساد المفسدين،

стр. 1771

مطلِّع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم. الإعراب ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ الفاء استئنافية (لما): حرف شرط غير جازم ﴿أَحَسَّ عِيسَى﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿أَحَسَّ﴾، أو حال من ﴿الكُفرَ﴾ تقديره: أحسَّ الكفر حال كونه صادرًا منهم، كما قاله أبو البقاء. ﴿الْكُفْرَ﴾: مفعول به لأحس، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة، ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبتدأ، ﴿أَنْصَارِي﴾: خبر ومضاف إليه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ياء المتكلم متعلق بمحذوف تقديره: حالة كوني ملتجئًا إلى الله، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿ءَامَنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: الواو عاطفة ﴿اشهد﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿بِأَنَّا﴾: الباء حرف جر، أن: حرف نصب ومصدر، ونا: ضمير المتكلمين اسمها. ﴿مُسْلِمُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء المتعلقة بـ ﴿أشهد﴾ تقديره؛ وأشهد بكوننا مسلمين.

стр. 1772

﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بِمَاَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، ﴿أَنْزَلْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما أنزلته. ﴿وَاتَّبَعْنَا﴾: الواو عاطفة، (اتبعنا) فعل وفاعل. ﴿الرَّسُولَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾ على كونها مقول القول. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾: الفاء عاطفة تفريعية، ﴿اكتبنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾، ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اكتبنا﴾، أو حال من ضمير المفعول. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾. ﴿وَمَكَرُوا﴾ الواو استئنافية، ﴿مكروا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستئانفة ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مكروا﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿إذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان ﴿قَالَ اَللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ، والظرف متعلق بـ ﴿مكر الله﴾؛ أي: مكرهم الله وقت قوله لعيسى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلتَ ﴿يَا عِيسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: إنَّ: حرف نصب وتوكيد، والياء اسمها، ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: خبرها ومضاف إليه ﴿وَرَافِعُكَ﴾: معطوف على ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ ﴿إلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رافعك﴾، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾: معطوف على ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾:

стр. 1773

متعلق بـ ﴿مطهرك﴾ ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَجَاعِلُ﴾: معطوف على ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، وهو مضاف ﴿الَّذِينَ﴾ مضاف إليه ﴿اتَّبَعُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فَوْقَ الَّذِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ لـ ﴿جاعل﴾ تقديره: ظاهرين فوقهم. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جاعل﴾ يعني: أن هذا الجعل مستمر إلى ذلك اليوم، ويجوز أن يتعلق بما تعلق به الظرف؛ أعني: فوق الذين كفروا. ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتب وتراخٍ، ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لإفادة الحصر. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَحْكُمُ﴾: الفاء: حرف عطف وتعقيب، ﴿أحكم﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، فالجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ على كونها مقول القول، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿أحكم﴾، ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أحكم﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمها ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ وجملة ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾: خبر كان، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير فيه، والتقدير: فأحكم بينكم فيما كنتم مختلفين فيه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت رجوعكم إليّ وحكمي بينكم، وأردت بيان كيفية ذلك الحكم .. فأقول لك ﴿ما﴾: حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾: الفاء

стр. 1774

رابطة لجواب ﴿أما﴾ ﴿أعذبهم﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَذَابًا﴾: مفعول مطلق. ﴿شَدِيدًا﴾ صفة ﴿عَذَابًا﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ (أعذبهم) ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾، وجملة (أعذبهم) في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكنها خبر سيِّىءٌ تقديره: فأما الذين كفروا .. فمعذب أنا إياهم، والجملة الإسمية جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة (أما) من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾: الواو عاطفة، (ما): حجازية أو تميمية (لهم): جار ومجرور خبر (ما) الحجازية، أو خبر المبتدأ المؤخر. ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿نَاصِرِينَ﴾: اسم (ما) الحجازية، أو مبتدأ مؤخر تقديره: وما ناصرون كائنين أو كائنون لهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿ما﴾) على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ﴾ الواو عاطفة ﴿ما﴾): حرف شرط ﴿الذين﴾: مبتدأ ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾، ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾: الفاء رابطة لجواب (أما) (يوفيهم): فعل مضارع ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿أُجُورَهُمْ﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكنه خبر سيِّئ، والجملة الإسمية جواب (أما) لا محل لها من الإعراب، وجملة (أما) في محل النصب معطوفة على جملة (أما) الأولى ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو عاطفة (الله): مبتدأ ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة (أما). ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿نَتلُوُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾،

стр. 1775

والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقان بـ ﴿نتلوه﴾ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: جار ومجرور حال من ضمير ﴿نَتلُوُه﴾ ﴿وَالذكِرِ﴾: معطوف على ﴿الْآيَاتِ﴾ ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ صفة لـ ﴿ذكر﴾. ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿مَثَلَ﴾: اسمها، ﴿عِيسَى﴾: مضاف إليه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إِنَّ﴾ الآتي، وقال أبو حيان (١): والعامل في ﴿عِندَ﴾ العاملُ في كاف التشبيه. ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿خَلَقَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ (خلق)، والجملة الفعلية جملة مفسرة لـ ﴿مثل آدم﴾ لا محل لها من الإعراب، وقيل: حال من ﴿آدَمَ﴾ على تقديره: قد، قال أبو حيان (٢): وهذه الجملة تفسيرية لـ ﴿مثل آدم﴾، فلا موضع لها من الإعراب. وقيل: هي في موضع الحال، وقد مع ﴿خَلَقَهُ﴾ مقدرةٌ، والعامل فيها معنى التشبيه. قال ابن عطية؛ ولا يجوز أن يكون ﴿خَلَقَهُ﴾ صفة لآدم، ولا حالًا منه إذ الماضي لا يكون حالًا أنت فيها، بل هو كلام مقطوع منه، مُضَمَّنه تفسير المثل. انتهى كلامه، وفيه نظر اهـ. ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قالَ﴾، وجملة ﴿قَالَ﴾ معطوفة على جملة ﴿خَلَقَهُ﴾، ﴿كُن﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿كُن﴾: فعل أمر من كان التامة، وفاعله ضمير يعود على ﴿آدَمَ﴾، والجملة معطوفة على جملة

стр. 1776

﴿قَالَ﴾ ﴿فَيَكُونُ﴾ الفاء استئنافية ﴿يكون﴾ فعل مضارع تام مرفوع بالضمة والفاعل هو والجملة مستأنفة. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا هو الحق، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾ تقديره: حال كونه كائنًا من ربك. ﴿فَلَا تَكُنْ﴾: الفاء عاطفة تفريعية ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿تكن﴾ تقديره: فلا تكن كائنًا من الممترين، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا﴾. ﴿فَمَنْ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن هذا المذكور في شأن عيسى هو الحق من ربك، وأردت بيان كيفية المعارضة مع من حاجك فيه .. فأقول لك ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما، أو موصولة بمعنى الذي في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة قوله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، ودخلت الفاء في خبره لشبه الموصول بالشرط في العموم ﴿حَاجَّكَ﴾: فعل ماضٍ ومفعول في محل الجزم بـ (مَنْ) الشرطية، وفاعله ضمير يعود على (من) ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَاجَّكَ﴾، ﴿من بعد ما﴾؛ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿حَاجَّكَ﴾. ﴿جَاَءَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿جَاَءَكَ﴾ تقديره: حال كونه كائنًا من العلم. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء رابطة لجواب (من) الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية (قل): فعل أمر في محل الجزم بـ (من) الشرطية على كونه جوابًا لها مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا الشرطية، وجملة إذا الشرطية مستأنفة. ﴿تَعَالَوْا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت

стр. 1777

قلتَ: ﴿تَعَالَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿نَدْعُ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على النبي، ومن يخاصمه من النصارى، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾ ﴿أَبْنَاءَنَا﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَبْنَاءَنَا﴾، وكذلك معطوف عليه قوله: ﴿وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخٍ. ﴿نَبْتَهِلْ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿نَدْعُ﴾ على كونه مجزومًا بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على النبي، ومن يخاصمه من النصارى ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ فعل مضارع ومفعول أول ومضاف إليه، معطوف على ﴿نَدْعُ﴾ على كونه مجزومًا بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على النبي، ومن يخاصمه ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿نجعل﴾. ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿هَذَا﴾: اسمها ﴿لَهُوَ﴾: اللام حرف ابتداء ﴿هو﴾: ضمير فصل ﴿اَلقَصَصُ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾: صفة لـ ﴿قصص﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: الواو عاطفة أو استئنافية ﴿ما﴾: نافية، ﴿من﴾: زائدة زيدت لإفادة الاستغراق والعموم ﴿إِلَهٍ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة تقدم النافي عليه ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿اللَّهُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة عاطفة على جملة ﴿إِنَّ﴾، أو مستأنفة. وفي "الفتوحات الإلهية" قوله (١): ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾: مبتدأ، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة فيه، وإلا الله خبره تقديره: ما إله إلا الله، وزيدت ﴿مِنْ﴾ للاستغراق والعموم.

стр. 1778

الثاني: أن يكون الخبر مضمرًا تقديره: وما من إله لنا إلا الله و ﴿إلّا اللَّهُ﴾: بدل من موضع ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾؛ لأن موضعه رفع بالابتداء اهـ. "سمين". انتهى. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الواو عاطفة أو استئنافية (إن): حرف نصب ﴿اللهَ﴾: اسمها ﴿لَهُوَ﴾: اللام حرف ابتداء ﴿هو﴾: ضمير فصل ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثانٍ لها، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدَّر تقديره: إذا عرفت كيفية المحاجة معهم، وأردت بيان حكم ما إذا تولوا عن قبول الحق بعد المحاجة .. فأقول لك. ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل ماضٍ، وفاعل، في محل الجزم بـ (إن) على كونه فعل شرط لها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطةٍ لجواب (إن) الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية (إن): حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿عَلِيمٌ﴾؛ خبرها. ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، وجملة (إنَّ) في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة (إنْ) الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: الإحساس: الإدراك ببعض الحواس الخمس، وهي: الذوق والشم واللمس والسمع والبصر، يقال: أحسست الشيء وبالشيء وحسست به، ويقال: حسيت به بإبدال سينه الثانية ياءً، وأحست بحذف سينه الأولى، وقال سيبويه: وما شذَّ من المضاعف - يعني: في الحذف - فشبيه بباب أقمت، وذلك قولهم: أحست وأحسن، يريدون أحسست وأحسسن، والمراد بالإحساس هنا: الإدراك القوي الجاري مجرى المشاهدة. ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: والأنصار جمع: نصير، نحو شريف وأشراف.

стр. 1779

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: جمع حواري، وهو الناصر، وهو مصروف وإن ماثل المفاعل؛ لأن ياء النسب فيه عارضة، وهو مشتق من الحور، وفعله من باب طَرِب يقال: حورت العين إذا صفا بياض بياضا وسواد سوادها، فسموا حواريين لخلوص بياض ألوانهم ونياتهم وسرائرهم، فعلى هذا القول الحَوَر وهو البياض قائمٌ بذواتهم وقلوبهم، وقيل: مأخوذ من التحوير وهو: التبييض؛ لأنهم يحورون الثياب، ويقصرونا؛ أي: يبيضونها. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ والمكر (١): الخداع والخبث، وأصله: الستر، يقال: مكر الليل وأمكر إذا أظلم، واشتقاقه من: المكر، وهو: شجر ملتف، فكأن المذكور به يلتف به المكر ويشتمل عليه ويقال: امرأة ممكورة إذا كانت ملتفة الخلق، والمكر أيضًا ضرب من النبات، وفسره بعضم بأنه: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: محمود: وهو أن يتحرى به فعلَ جميلَ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ومذموم: وهو أن يتحرى به فعل قبيحٍ؛ نحو: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. اهـ. "سمين". ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: العامة على فتح اللام؛ لأنه أمر من: تعالى يتعالى؛ كترامى يترامى، وأصل ألفه ياء، وأص هذه الياء واو؛ وذلك لأنه مشتق من العلو وهو: الارتفاع، والواو متى وقعت رابعة فصاعدًا قلبت ياءً، فصار تعالى فتحرك حرف العلة - وهو الياء -، وانفتح ما قبله، فقُلب ألفًا، فصار: تعالى كترامى، فإذا أمرتَ منه الواحد .. قلت: تعالَ يا زيد؛ بحذف الألف؛ لبناء الأمر على حذفها، وكذا إذا أمرت الجمع المذكر .. قلت: تعالَو!؛ لأنك لما حذفت الألف لأجل الأمر .. أبقيتَ الفتحة مشعرة بها، وإنْ شئت قلت: الأصل: تعاليوا، وأصل هذه الياء واو - كما تقدم -، ثم استثقلت الصفة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - وهو الياء - لالتقاء الساكنين، وتركت الفتحة على حالها، وإنْ

стр. 1780

شئت قلت: لما كان الأصل: تعاليوا .. تحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله - وهو الياء -، فقلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - وهو الألف - وبقيت الفتحة دالة عليها. والفرق بين هذا وبين الوجه الأول: أن الألف في الوجه الأول حذفت لأجل الأمر، وإن لم يتصل به وأو ضمير، وفي هذا حُذفت لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وكذلك إذا أمرت الواحدة .. تقولُ لها: تعالي، فهذه الياء هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر، والتصريف فيه كما تقدم في أمر جماعة المذكور، فتأتي هنا الوجوه الثلاثة، فيقال: حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع ياء المخاطبة، وبقيت الفتحة دالة عليها، أو يقال: استثقلت الكسرة على الياء التي هي من أصل الكلمة، فحذفت، فالتقى ساكنان، وهما الياءَان فحذفت الأولى، أو يقال: تحركت الياء الأولى وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وأما إذا أمرت المثنى .. فإن الياء تثبت فتقول: يا زيدان تعاليا، ويا هندان تعاليا أيضًا؛ يستوي فيه المذكران والمؤنثان، وكذلك أمر جماعة الإناث، تثبت فيه الياء فتقول: يا نسوة تعالَين، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾؛ إذ لا مقتضى للحذف، ولا للقلب، وهو ظاهر بما تمهد من القواعد الصرفية. وقرأ الحسن شاذًا: ﴿تعالُوا﴾ بضم اللام، والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسوا الحرف المحذوف، حتى كأنهم توهموا أن الكلمة بُنيت على ذلك، وأن اللام هي الآخر في الحقيقة، فلذلك عوملت معاملة الآخر حقيقة، فضمت قبل واو الضمير، وكسرت قبل يائه. وتعال: فعل أمر صريح، وليس باسم فعل؛ لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة به. ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: والابتهال: افتعال من البهلة - بفتح الباء وضمها - وهي: اللعنة، هذا أصله، ثم استعمل في كل دعاء مجتهد فيه، وإن لم يكن التعانًا، وفي "القاموس": والبهل: اللعن، والترك، والاجتهاد في الدعاء، وإخلاصه، وفي "المصباح": بهله بهلًا من باب نفع إذا لعنه، واسم الفاعل باهل، والأنثى: باهله، وبها سميت قبيلة، والاسم البُهْلة بالضم وزان: الغرفة، وباهله مباهلةً من

стр. 1781

باب قاتل إذا لَعَن كل واحد منهما الآخر، وابتهل إلى الله إذا تضرع إليه. اهـ. ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾: والقصَص: مصدر قولهم: قصَّ فلانٌ الحديثَ، يقصه قصًّا قصصًا، وأصله: تتبع الأثر، يقال: فلان خرج يقص أثر فلان؛ أي: يتبعه ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾؛ أي: اتبعي أثره، وكذلك القاص في الكلام؛ لأنه يتتبع خبرًا بعد خبر. البلاغة ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾: فيه استعارة تصريحية تبعية؛ إذ لا يحس إلا ما كان متجسدًا، والكفر ليس بمحسوس، وإنما يعلم ويفطن به، ولا يدرك بالحس، إلا إذا كان أحس بمعنى: رأى أو سمع منهم كلمة الكفر، فيكون أَحسَّ لا استعارة فيه؛ إذ يكون المعنى: أدرك ذلك منهم بحاسة البصر، أو بحاسة الأذن. ومن ضروب البلاغة أيضًا في هذه الآيات: منها: السؤال والجواب في قوله: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و ﴿الْمَاكِرِينَ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق بين لفظ ﴿مكروا﴾ و ﴿الْمَاكِرِينَ﴾. ومنها: إسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾، والله لم يشافهه بذلك، بل بإخبار جبريل أو غيره من الملائكة. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، وفي قوله: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: التفصيل لِمَا أجمل في قوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ بقوله: ﴿فَأَمَّا﴾، ﴿وأما﴾. ومنها: مقابلة الجمع بالجمع في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾، ﴿وَأَمَّا

стр. 1782

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على قراءة الياء من ضمير المتكلم، وفي قوله: ﴿فَأُعُذبُهُمْ﴾ إلى ضمير الغيبة. ومنها: التعبير بالمضارع عن الماضي في قوله: ﴿نَتلُوهُ﴾، وفي قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾. ومنها: تشبيه الغريب بالأغرب في قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾؛ لأن فاقد الأبوين أغرب من فاقد الأب، فكان أشد خرقًا للعادة من الموجود من غير أب، وأقطع الخصم، وأحسم لمادة شبهته، والجامع: كون كل منهما من غير أب. ومنها: الإلهاب والتهييج في قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. إلى غير ذلك من ضروب البلاغة. والله أعلم * * *

стр. 1783

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. المناسبة لما (١) بين الله فيما سلف أحوال عيسى ﵇، وما يعتوره من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر دعوته ﷺ الناس إلى التوحيد والإِسلام، وظهور عناد أهل الكتاب حتى اضطر إلى دعوتهم إلى المباهلة فأعرضوا، وبذلك انقطعت حججهم، ودلَّ ذلك على أنهم ليسوا على يقين من اعتقاد ألوهية المسيح، ومن يفقد اليقين يتزلزل حينما يدعى إلى شيء مما يخاف عاقبته .. دعاهم هنا إلى أمر آخر هو أصل الدين، وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعًا، وهو سواء وعدل بين الفريقين لا يرجح فيه طرف على طرف،

стр. 1784

وهو عبادة الله وَحْده لا شريك له، فلما أعرضوا .. أمر بأن يقول لهم: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ولما بين أيضًا أن من دأب أهل الكتاب أن يعرضوا عن الحق بعد ما تبين لهم، ولا يجدي معهم الدليل ولا البرهان، فدعوتهم إلى دين الإِسلام الذي كان عليه إبراهيم والأنبياء بعده، لا تجد منهم أذنًا صاغية، ولا قلوبًا واعية .. ذكر شأنًا آخر لهم، وهو أنهم كانوا أشد الناس حرصًا على إضلال المؤمنين، فلا يَدعون فرصة إلا انتهزوها بالتفنن في إلقاء الشبه في نفوس المؤمنين، وقد كان النزاع بالغًا أشده بين الفريقين، فإذا تمسكنا نحن وأنتم بها، وصدَّقناها .. كنا على السواء والاستقامة، وفي قراءةٍ شاذةٍ لابن مسعود: ﴿إلى كلمة عدل بيننا وبينكم﴾. ثم فسر الكلمة بقوله هي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي تلك الكلمة: عدم عبادتنا سوى الله ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾؛ أي: وعدم إشراكنا به شيئًا من المخلوقات في العبادة ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: وعدم اتخاذ وجعل بعض منا بعضًا آخرنا ربًّا ومعبودًا ومطاعًا من دون الله ؛ أي لا يطع أحد منا أحدًا من الرؤساء في معصية الله، وفيما أحدثوا من التحريم والتحليل، ولا نقول عُزيرٌ ابنُ الله ولا المسيح ابن الله؛ لأنهما بشران مثلنا، ولا نطيع الأحبار والرهبان فيما أحلوا أو حرموا. روي أنه لما نزلت هذه الآية .. قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال ﷺ : "أما كانوا يحلون لكم، ويحرمون عليكم، فتأخذون بقولهم"؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "هو ذاك". وتفسير الكلمة بهذه الجمل؛ لأن العرب تسمي كل قصة أو قصيدة لها أول وآخر: كلمة. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن أعرضوا عن التوحيد، ورفضوا قبول تلك الكلمة العادلة، وأَبَو إلا الإصرار على الشرك .. ﴿فَقُولُوا﴾ أنتم؛ أيها النبي والمؤمنون

стр. 1785

لأهل الكتاب ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: اعترفوا لنا يا معشر أهل الكتاب بأنَّنا منقادون لأوامر الله، مُقِرُّون لله بالوحدانية، مخلصون لهُ بالعبادة دُونكم، فقد لزمتكم الحجة، فوجب عليكم أن تعترفوا بذلك، وبأنكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي قوله (١): ﴿بَعْضُنَا بَعْضًا﴾ إشارة لطيفة وهي أنَّ البعضية تنافي الإلهية؛ إذ هي تماثل في البشرية، وما كان مثلك استحال أن يكون إلهًا لك، وإذا كانوا قد استبعدوا اتباع من شاركهم في البشرية للاختصاص بالنبوة في قولهم: ﴿إنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ فادعاء الإلهية فيهم ينبغي أن يكونوا أشد استبعادًا فيه، وهذه الأفعال الداخل عليها أداة النفي متقاربة في المعنى، يؤكد بعضها بعضًا؛ إذ اختصاص الله بالعبادة يتضمن نفي الاشتراك، ونفي اتخاذ الأرباب من دون الله، ولكن الموضع موضع تأكيد وإسهاب ونشر كلام. والنصارى جمعوا بين الأفعال الثلاثة: عبدوا عيسى، وأشركوا بقولهم: ثالث ثلاثة، واتخذوا أحبارهم أربابًا في الطاعة في تحليل وتحريم، وفي السجود لهم. وروى الشيخان عن ابن عباس ﵄: أن أبا سفيان أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهو بإلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به مع دِحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا غرابة في ذلك فإن الدعوة إلى هذا الدين الجديد وجدت مقاومة من أهل الكتاب، ومن المشركين. أما أهل الكتاب: فلأن فيه هدمًا لدينهم كما يزعمون، وأما المشركون؛ فلأن للإلف والعادة سلطانًا على النفوس، وهذه الدعوة دكت حصون المعتقدات

стр. 1786

التي توارثوها عن أسلافهم الغابرين، ووجدوا عليها آباءهم من قبل، كما حكى الله - تعالى - عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ ...﴾ قيل (١): نزلت هذه الآية في شأن نصارى نجران كما قاله ابن عباس، وقيل: نزلت في شأن الفريقين اليهود والنصارى، وذلك أنه لما قَدِم وفد نجران المدينة، والتقوا مع اليهود .. اختصموا في دين إبراهيم، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيًّا، وأنهم على دينه، وأولى الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهوديًّا، ونحن على دينه، وأولى الناس به، فقال النبي ﷺ : "كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه، بل كان إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وأنا على دينه، فاتبعوا دينه الإِسلام"، فقالت اليهود: يا محمَّد، ما تريد إلا أن نتخذك ربًّا كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمَّد، ما تريد إلا أن نقول فيك كما قالت اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ..﴾ الآية (٢)، روى ابن إسحاق بسنده المتصل إلى ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار اليهود عند رسول الله ﷺ ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾. الآية أخرجه البيهقي في "الدلائل". قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، روى ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمَّد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع،

стр. 1787

فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارهم للذين من دونهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. التفسير وأوجه القراءة ٦٤ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿تَعَالَوْا﴾؛ أي: أقبلو وهلموا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ بفتح الكاف وكسر اللام في قراءة العامة، وقرأ أبو السمال: (كَلْمة) كضَربة، و (كِلْمة) كسِدْرة وكلتاهما شاذتان؛ أي: أقبلوا إلى كلمة ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: إلى كلمة مستوية بيننا وبينكم، وحكم حق لا تختلف فيه الأنبياء والرسل، ولا يختلف فيه التوراة والإنجيل والقرآن. "من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم .. تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت .. فإنما عليك إثم الأريسين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا لفظ إِحدى روايات البخاري، وقد أخرجه بأطول من هذا، وفيه زيادة، وفي رواية: الأريسين، والأريس: الأكار: وهو الزراع والفلاح. ٦٥ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: لِمَ تجادلون وتنازعون في إبراهيبم، وتزعمون أنه على دينكم ﴿و﴾ الحال أنه ﴿ما أنزلت التوراة﴾ على موسى ﴿وَالْإِنْجِيلُ﴾ على عيسى ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: إلا من بعد إبراهيم بزمن طويل، أي: والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إلا من بعده بقرون كثيرة، فكيف يكون من أهلها؟.

стр. 1788

والمعنى (١) أن اليهودية والنصرانية حدثتنا بنزول التوراة والإنجيل على موسى وعيسى ﵉، وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة، وعيسى بألفين، فكيف يكون عليهما؟ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أتدَّعون أن إبراهيم منكم، وعلى دينكم، فلا تعقلون بطلان قولكم، وفساد دعواكم يا معشر اليهود والنصارى حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال؟ وأورد (٢) على هذا التأويل أن الإِسلام أيضًا إنما حدث بعد إبراهيم، وموسى، وعيسى بزمان طويل، وكذلك إنزال القرآن، إنما نزل بعد التوراة والإنجيل، فكيف يصح ما ادعيتم في إبراهيم أنه كان حنيفًا مسلمًا؟ وأجيب عنه: بأن الله أخبر في القرآن بأن إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، فصح وثبت ما ادعاه المسلمون، وبطل ما ادعاه اليهود والنصارى. ٦٦ - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ يقرأ إما بألف وبعدها همزة إما محققة أو مسهلة، أو بدون ألف، والهمزة إما محققة أو مسهلة، أو بألف فقط بدون همزة أصلًا، فالقراءات خمسٌ، وكلها سبعية متواترة، أي: انتبهوا أنتم يا معشر اليهود والنصارى. ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ وخاصمتم ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: فيما وجدتم في كتبكم، وأنزل عليكم بيانه في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنكم على دينهما، وقد أنزلت التوراة. والإنجيل عليكم. ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ﴾ وتخاصمون ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: فيما ليس في كتابكم من أن إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما كان عليه إبراهيم من الدين ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ثم صرَّح بما فهم من قبل تلويحًا، فقال: ٦٧ - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؛ أي: ما كان إبراهيم على دين اليهودية، ولا على دين النصرانية، فإن اليهودية ملة محرفة عن شرع موسى، وكذلك النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى. ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة كلها إلى الدين الحق القويم ﴿مُسْلِمًا﴾؛ أي: منقادًا

стр. 1789

لأوامر الله التي ألزم بها في شريعته، لا على ملة الإِسلام الحادثة ﴿وَمَا كَانَ﴾ إبراهيم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بالله؛ أي: لم يكن مشركًا، وفي هذا تعريض بأنهم كانوا مشركين في قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وردَّ على المشركين في ادعائهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇. ٦٨ - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾؛ أي: أقربهم وأحقهم ﴿بِإِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: بالانتساب إلى إبراهيم ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾؛ أي: لأتباعه الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده؛ كإسماعيل وإسحق ويعقوب وأولادهم، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ محمَّد ﷺ ؛ لموافقته له في أكثر شرعه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ ، فهم الذين يليق بهم أن يقولوا: نحن على دينه؛ لأن غالب شرع محمد ﷺ موافق لشرع إبراهيم؛ أي: في الأصول، أو في الفروع من حيث السهولة، فإن شريعة محمَّد ﷺ سهلةٌ نهلةٌ كشريعة إبراهيم، لا كشريعة موسى فإنها صعبة التكاليف بسبب عناد بني إسرائيل. والحاصل: أن أحق الناس بدين إبراهيم فريقان: أحدهما: من اتبعه من أمته. وثانيهما: النبي وسائر المؤمنين من أصحابه ﷺ . عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي ولاةً من النبيين، وإن وَليي: أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (١) أخرجه الترمذي. والخلاصة: أنَّ أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته والانتساب إليه هم الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره، فوحدوا الله مخلصين له الدين، وكانوا حنفاء مسلمين غير مشركين، وهذا النبي محمَّد ﷺ ، والذين آمنوا معه، فإنهم أهل التوحيد المخلصون لله في أعمالهم دون شرك ولا رياء. وهذا هو روح الإِسلام، والمقصود من الإيمان، ومن فاته ذلك .. فقد فاته الدين كله، ثم ذكر أنهم مع نصرتهم لإبراهيم، فالله ناصرهم فقال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ

стр. 1790

الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ناصرهم وحافظهم ومكرمهم، فهو يتولى أمورهم بالنصرة والتأييد، والتوفيق والتسديد، ويصلح شؤونهم، ويثيبهم بحسب تأثير الإِسلام في قلوبهم، ويجازيهم بالحسنى. ونبَّه على الوصف الذي يكون به الله وليًّا لعباده، وهو الإيمان فقال: ﴿وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: وليهم، وهذا وعد لهم بالنصر في الدنيا، وبالفوز بالآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقرىء شاذًّا (١): ﴿وهذا النبي﴾ - بالنصب - عطفًا على الهاء في: ﴿اتَّبَعُوُه﴾، فيكون مُتَّبْعًا لا مُتَّبِعًا؛ أي: أحق الناس بإبراهيم من اتبعه هو، ومحمدًا ﷺ ، ويكون ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطف على خبر ﴿إنَّ﴾ فهو في موضع رفع، وقرىء: ﴿وهذا النبيِّ﴾ بالجر، ووُجِّه على أنه عطف على إبراهيم؛ أي: إنَّ أولى الناس بإبراهيم، وبهذا النبي للذين اتبعوا إبراهيم. قالوا: والنبي بدل من ﴿هذا﴾، أو نعت، أو عطف بيان منه. ٦٩ - ولما دعت اليهود معاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر من دين الإِسلام إلى دين اليهودية .. نزلت هذه الآية: ﴿وَدَّت﴾؛ أي: أحبَّت وتمنَّت ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم أحبارهم ورؤساؤهم كعب بن الأشرف وأصحابه ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾؛ أي: وَدَّوا أن يضلوكم عن دينكم الإِسلام ويوقعوكم في الضلال بإلقاء الشبهات التي تشككم في دينكم، وتردكم إلى ما كنتم عليه أولًا من الكفر. ﴿و﴾ الحال أنهم ﴿ما يضلون﴾ عن دين الإِسلام ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، أو أمثالهم، وما يعودُ وبالُ الإضلال إلا عليهم؛ لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم، فالمؤمنون لا يقبلون قولهم، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وهم صاروا خائبين عن مرادهم؛ حيث اعتقدوا شيئًا، وظهر لهم أن الأمر بخلاف ما قصدوه. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: ما يعلمون أن هذا التمني يضرهم ولا يضر المؤمنين؛ لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم،
следующие страницы →