← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

التي توارثوها عن أسلافهم الغابرين، ووجدوا عليها آباءهم من قبل، كما حكى الله - تعالى - عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ ...﴾ قيل (١): نزلت هذه الآية في شأن نصارى نجران كما قاله ابن عباس، وقيل: نزلت في شأن الفريقين اليهود والنصارى، وذلك أنه لما قَدِم وفد نجران المدينة، والتقوا مع اليهود .. اختصموا في دين إبراهيم، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيًّا، وأنهم على دينه، وأولى الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهوديًّا، ونحن على دينه، وأولى الناس به، فقال النبي ﷺ : "كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه، بل كان إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وأنا على دينه، فاتبعوا دينه الإِسلام"، فقالت اليهود: يا محمَّد، ما تريد إلا أن نتخذك ربًّا كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمَّد، ما تريد إلا أن نقول فيك كما قالت اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ..﴾ الآية (٢)، روى ابن إسحاق بسنده المتصل إلى ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار اليهود عند رسول الله ﷺ ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾. الآية أخرجه البيهقي في "الدلائل". قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، روى ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمَّد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع،

стр. 1787

فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارهم للذين من دونهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. التفسير وأوجه القراءة ٦٤ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿تَعَالَوْا﴾؛ أي: أقبلو وهلموا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ بفتح الكاف وكسر اللام في قراءة العامة، وقرأ أبو السمال: (كَلْمة) كضَربة، و (كِلْمة) كسِدْرة وكلتاهما شاذتان؛ أي: أقبلوا إلى كلمة ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: إلى كلمة مستوية بيننا وبينكم، وحكم حق لا تختلف فيه الأنبياء والرسل، ولا يختلف فيه التوراة والإنجيل والقرآن. "من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم .. تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت .. فإنما عليك إثم الأريسين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا لفظ إِحدى روايات البخاري، وقد أخرجه بأطول من هذا، وفيه زيادة، وفي رواية: الأريسين، والأريس: الأكار: وهو الزراع والفلاح. ٦٥ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: لِمَ تجادلون وتنازعون في إبراهيبم، وتزعمون أنه على دينكم ﴿و﴾ الحال أنه ﴿ما أنزلت التوراة﴾ على موسى ﴿وَالْإِنْجِيلُ﴾ على عيسى ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: إلا من بعد إبراهيم بزمن طويل، أي: والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إلا من بعده بقرون كثيرة، فكيف يكون من أهلها؟.

стр. 1788

والمعنى (١) أن اليهودية والنصرانية حدثتنا بنزول التوراة والإنجيل على موسى وعيسى ﵉، وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة، وعيسى بألفين، فكيف يكون عليهما؟ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أتدَّعون أن إبراهيم منكم، وعلى دينكم، فلا تعقلون بطلان قولكم، وفساد دعواكم يا معشر اليهود والنصارى حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال؟ وأورد (٢) على هذا التأويل أن الإِسلام أيضًا إنما حدث بعد إبراهيم، وموسى، وعيسى بزمان طويل، وكذلك إنزال القرآن، إنما نزل بعد التوراة والإنجيل، فكيف يصح ما ادعيتم في إبراهيم أنه كان حنيفًا مسلمًا؟ وأجيب عنه: بأن الله أخبر في القرآن بأن إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، فصح وثبت ما ادعاه المسلمون، وبطل ما ادعاه اليهود والنصارى. ٦٦ - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ يقرأ إما بألف وبعدها همزة إما محققة أو مسهلة، أو بدون ألف، والهمزة إما محققة أو مسهلة، أو بألف فقط بدون همزة أصلًا، فالقراءات خمسٌ، وكلها سبعية متواترة، أي: انتبهوا أنتم يا معشر اليهود والنصارى. ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ وخاصمتم ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: فيما وجدتم في كتبكم، وأنزل عليكم بيانه في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنكم على دينهما، وقد أنزلت التوراة. والإنجيل عليكم. ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ﴾ وتخاصمون ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: فيما ليس في كتابكم من أن إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما كان عليه إبراهيم من الدين ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ثم صرَّح بما فهم من قبل تلويحًا، فقال: ٦٧ - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؛ أي: ما كان إبراهيم على دين اليهودية، ولا على دين النصرانية، فإن اليهودية ملة محرفة عن شرع موسى، وكذلك النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى. ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة كلها إلى الدين الحق القويم ﴿مُسْلِمًا﴾؛ أي: منقادًا

стр. 1789

لأوامر الله التي ألزم بها في شريعته، لا على ملة الإِسلام الحادثة ﴿وَمَا كَانَ﴾ إبراهيم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بالله؛ أي: لم يكن مشركًا، وفي هذا تعريض بأنهم كانوا مشركين في قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وردَّ على المشركين في ادعائهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇. ٦٨ - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾؛ أي: أقربهم وأحقهم ﴿بِإِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: بالانتساب إلى إبراهيم ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾؛ أي: لأتباعه الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده؛ كإسماعيل وإسحق ويعقوب وأولادهم، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ محمَّد ﷺ ؛ لموافقته له في أكثر شرعه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ ، فهم الذين يليق بهم أن يقولوا: نحن على دينه؛ لأن غالب شرع محمد ﷺ موافق لشرع إبراهيم؛ أي: في الأصول، أو في الفروع من حيث السهولة، فإن شريعة محمَّد ﷺ سهلةٌ نهلةٌ كشريعة إبراهيم، لا كشريعة موسى فإنها صعبة التكاليف بسبب عناد بني إسرائيل. والحاصل: أن أحق الناس بدين إبراهيم فريقان: أحدهما: من اتبعه من أمته. وثانيهما: النبي وسائر المؤمنين من أصحابه ﷺ . عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي ولاةً من النبيين، وإن وَليي: أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (١) أخرجه الترمذي. والخلاصة: أنَّ أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته والانتساب إليه هم الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره، فوحدوا الله مخلصين له الدين، وكانوا حنفاء مسلمين غير مشركين، وهذا النبي محمَّد ﷺ ، والذين آمنوا معه، فإنهم أهل التوحيد المخلصون لله في أعمالهم دون شرك ولا رياء. وهذا هو روح الإِسلام، والمقصود من الإيمان، ومن فاته ذلك .. فقد فاته الدين كله، ثم ذكر أنهم مع نصرتهم لإبراهيم، فالله ناصرهم فقال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ

стр. 1790

الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ناصرهم وحافظهم ومكرمهم، فهو يتولى أمورهم بالنصرة والتأييد، والتوفيق والتسديد، ويصلح شؤونهم، ويثيبهم بحسب تأثير الإِسلام في قلوبهم، ويجازيهم بالحسنى. ونبَّه على الوصف الذي يكون به الله وليًّا لعباده، وهو الإيمان فقال: ﴿وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: وليهم، وهذا وعد لهم بالنصر في الدنيا، وبالفوز بالآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقرىء شاذًّا (١): ﴿وهذا النبي﴾ - بالنصب - عطفًا على الهاء في: ﴿اتَّبَعُوُه﴾، فيكون مُتَّبْعًا لا مُتَّبِعًا؛ أي: أحق الناس بإبراهيم من اتبعه هو، ومحمدًا ﷺ ، ويكون ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطف على خبر ﴿إنَّ﴾ فهو في موضع رفع، وقرىء: ﴿وهذا النبيِّ﴾ بالجر، ووُجِّه على أنه عطف على إبراهيم؛ أي: إنَّ أولى الناس بإبراهيم، وبهذا النبي للذين اتبعوا إبراهيم. قالوا: والنبي بدل من ﴿هذا﴾، أو نعت، أو عطف بيان منه. ٦٩ - ولما دعت اليهود معاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر من دين الإِسلام إلى دين اليهودية .. نزلت هذه الآية: ﴿وَدَّت﴾؛ أي: أحبَّت وتمنَّت ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم أحبارهم ورؤساؤهم كعب بن الأشرف وأصحابه ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾؛ أي: وَدَّوا أن يضلوكم عن دينكم الإِسلام ويوقعوكم في الضلال بإلقاء الشبهات التي تشككم في دينكم، وتردكم إلى ما كنتم عليه أولًا من الكفر. ﴿و﴾ الحال أنهم ﴿ما يضلون﴾ عن دين الإِسلام ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، أو أمثالهم، وما يعودُ وبالُ الإضلال إلا عليهم؛ لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم، فالمؤمنون لا يقبلون قولهم، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وهم صاروا خائبين عن مرادهم؛ حيث اعتقدوا شيئًا، وظهر لهم أن الأمر بخلاف ما قصدوه. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: ما يعلمون أن هذا التمني يضرهم ولا يضر المؤمنين؛ لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم،

стр. 1791

وتمني إضلال المسلمين، وفي نفي الشعور عنهم نهاية الذم والاحتقار لهم. ٧٠ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: لأيِّ سبب تنكرون وتجحدون بآيات الله الورادة في التوراة والإنجيل، من البشارة بمحمد ﷺ ، والإخبار بأن الدين هو الإِسلام، وبأن إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا ﴿وَأَنْتُمْ﴾؛ أي: والحال أنكم ﴿تَشْهَدُونَ﴾ وتعترفون صحتها إذا خلا بعضكم ببعض، وتنكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوة محمَّد ﷺ عند حضور عوامكم، وعند حضور المسلمين. أو المعنى: لِمَ تكفرون بالقران، فإنكم تنكرون عند العوام كونه معجزًا، وأنتم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزًا؟ ٧١ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ وتخلطون ﴿الْحَقَّ﴾ المنزل في التوراة من نعت محمَّد ﷺ ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ المحرف من عندكم، كما نقل عن الحسن وابن سيرين، أو لِمَ تشككون الناس بإظهار الإِسلام بالتواضع أولَ النهار، ثم الرجوع عنه في آخره؟ كما نقل عن ابن عباس وقتادة. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ الموجود في التوراة من نبوة محمَّد ﷺ ونعته، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم تعلمون أنه رسول من عند الله، وأن دينه حق، وإنما كتمتم الحق عنادًا وحسدًا، وأنتم تعلمون ما تستحقون على ذلك الكتمان من العقاب. وقرأ يحيى بن وثاب شاذًا: ﴿تَلبَسون﴾ - بفتح الباء - مضارعُ لَبِس الثوب، جعل الحق كأنه ثوب لبسوه، والباء في ﴿بالباطل﴾ على هذه القراءة للحال؛ أي: مصحوبًا بالباطل، وقرأ أبو مجلز شذوذًا: ﴿تُلبِسون﴾ - بضم التاء وكسر الباء المشددة - والتشديد هنا للتكثير، وقرأ عبيد بن عمير شذوذًا أيضًا: ﴿لم تلبسوا﴾ و ﴿تكتموا﴾ بحذف النون فيهما للجزم، قالوا: ولا وجه له إلا ما ذهب إليه من شَذّ من النحاة في إلحاق ﴿لِمَ﴾ بلَمْ في عمل الجزم، والثابت في "لسان العرب": أن لِمَ لا ينجزم ما بعدها، ولم أرَ أحدًا من النحويين ذكر أن: لِمَ تجري مجرى ﴿لَمْ﴾ في الجزم إلا ما ذكره أهل التفسير هنا، وإنما هذا عندي من باب حذف النون حالة الوفع في لغة بعض العرب، كما في قول الراجز:

стр. 1792

أبِيْتُ أسْرِيْ وَتَبِيْتِيْ تُدَلِّكِي ... شَعْرَكِ بالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي ثم ذكر نوعًا آخر من تلبيسات اليهود، فقال: ٧٢ - ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: جماعة منهم، وهم اثنا عشر حبرًا من أحبار يهود خيبر، منهم: عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكعب بن الأشرف، وأصحابه من الرؤساء؛ أي: قال بعضهم فيما بينهم: ﴿آمِنُوا﴾ وصدِّقوا ظاهرًا ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بالقرآن الذي أنزل عليهم، وامتثلوا بما أمر به محمَّد ﷺ ، وصلُّوا معهم إلى قبلتهم الكعبة ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ وأوله وهو صلاة الفجر ﴿وَاكْفُرُوا﴾ به وارجعوا عنه ﴿آخِرَهُ﴾؛ أي: في آخر النهار، وهو صلاة الظهر، وصلُّوا إلى بيت المقدس ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعل العوام من أصحابه ﴿يَرْجِعُونَ﴾ ويرتدون عن دينه وقبلته معكم. وقيل: هذا في شأن القبلة، وذلك أنه لما صرفت إلى الكعبة .. شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أُنزل على محمَّد في أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار؛ لعلهم يرجعون، فيقولون هؤلاء أهل كتاب، وهم أعلم، فيرجعون إلى قبلتنا، فأطلع الله رسوله ﷺ على سرهم، وأنزل هذه الآية حتى لا تُؤَثِّر هذه الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين؛ ولأنهم إذا افتضحوا فيها .. لا يقدمون على أمثالها، ويكون هذا وَازِعًا لهم، وفي هذا إنباء بالغيب، فيكون معجزةً لمحمد ﷺ . ٧٣ - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُم﴾: معطوف على قوله ﴿آمِنُوا﴾؛ أي؛ وقالت طائفة من أهل الكتاب: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ جملة معترضة من كلام الله سبحانه، وقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ معمول لتؤمنوا؛ أي: وقالت جماعة من أهل الكتاب في تلبيساتهم على المؤمنين؛ أي: قال بعضهم لبعض: لا تظهروا إيمانكم واعترافكم؛ بأن يؤتى ويعطى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، أو يحاججكم أحد ويغالبكم عند ربكم يوم القيامة، إلا لمن وافى دينكم، بل أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، وبأنهم يحاجونكم

стр. 1793

عند ربكم يوم القيامة، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وجماعتكم وحدهم دون المسلمين؛ لئلا يزيدهم ذلك ثباتًا على دينهم، ودون المشركين؛ لئلا يدعوهم ذلك إلى الإِسلام. قل لهم يا محمَّد: ليست الهداية بأيديكم، وإنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إلى الإيمان، ويثبته عليه، كما هدى المؤمنين. وهذا التفسير على كون اللام في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أصلية متعلقة بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾، ويحتمل كونها زائدة، و ﴿من تبع دينكم﴾: استثناء مقدَّم و ﴿أَحَدٌ﴾ في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ مستثنى منه مؤخر، والمعنى على هذا: وقالت طائفة من أهل الكتاب لا تؤمنوا ولا تصدقوا أن يؤتى أحد من الناس مثل ما أوتيتم من النبوة والكتاب، أو يغالبكم عند ربكم يوم القيامة إلا من تبع دينكم؛ أي: إلا إن كان ذلك الأحد من أهل دينكم .. قل لهم يا محمَّد: إن الهدى بيد الله، يؤتيه من يشاء، وليس مخصوصًا بكم؛ أي: ليس الهدى مقصورًا على شعب معين، أو واحد بذاته، بل الله سبحانه يهدي من يشاء من عباده على لسان من يريد من أنبيائه، ومن يهد الله فلا مضل له، فكيدهم لا يضير من أراد الله به الخير، بل يحبط تدبيرهم له. وقيل: في الكلام تقدير مضاف منصوب على كونه مفعولًا لأجله، والمعنى: قالت طائفة من أهل الكتاب بعضهم لبعض: لا تصدقوا كل من يدعي النبوة حتى تنظروا في أمره، فإن كان متبعًا لدينكم .. فصدقوه، وإلا فكذبوه، ولا تقروا ولا تعترفوا لأحد بالنبوة إلا إذا كان على دينكم؛ خشية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وخشية أن يحاجوكم به عند ربكم، فإذا أقررتم بنبوة محمَّد، ولم تدخلوا في دينه .. تكون له الحجة عليكم يوم القيامة، وغرضهم نفي النبوة عن رسول الله ﷺ . وعبارة "الخازن": قوله : ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هو كلام متصل بالأول، وهو من قول اليهود، يقول بعضهم لبعض: ولا تؤمنوا؛ أي: ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم؛ أي: وأفتى ملتكم التي أنتم عليها، وهي: اليهودية، واللام في ﴿لِمَن﴾: زائدة، كقوله تعالى: ﴿ردف لكم﴾؛ أي ردفكم. ﴿قُلْ إِنَّ

стр. 1794

الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: إن الدين دين الله، والبيان بيانه، وهذا خبر من الله تعالى، ثم اختلفوا فيه فمنهم من قال: هذا كلام معترض بين كلامين، وما بعده متصل بالكلام الأول، وهو إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض، ومعنى الآية: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والكتاب والآيات، من فلق البحر، وإنزال المن والسلوى عليكم، وغير ذلك من الكرامات، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم؛ لأنكم أصح دينًا منهم، فلما أخبر الله تعالى ذلك عن اليهود .. قال في أثناء ذلك ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. والمعنى: إن الذي أنتم عليه إنما صار دينًا بحكم الله وأمره، فإذا أمر بدين آخر .. وجب اتباعه والانقياد لحكمه؛ لأنه هو الذي هدى إليه وأمر به. وقيل: إن المعنى: قل لهم يا محمَّد: إن الهدى هدى الله، وقد جئتكم به، ولن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف. وقرأ الحسن والأعمش شذوذًا: ﴿إن يؤتي﴾ - بكسر الألف - فيكون قول اليهود تامًّا عند قوله: إلا لمن تبع دينكم، وما بعده من قول الله تعالى. والمعنى: قل يا محمَّد: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾، وتكون ﴿أنْ﴾ بمعنى الجحد والنفي؛ أي: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا محمَّد من الدين والهدى، و ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بمعنى: إلا؛ أي: إلا أن يحاجوكم؛ أي: اليهود بالباطل، فيقولوا: نحن أفضل منكم عند ربكم؛ أي: عند فعل ربكم وجزائه، وقيل: ﴿أَو﴾ في قوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ بمعنى: حتى، ومعنى الآية: ما أعطى الله أَحدًا مثلَ ما أعطيتم يا أمة محمَّد من الدين والحجة، حتى يحاجوكم عند ربكم. وقرأ ابن كثير: ﴿أأَنْ يُؤْتَى﴾ بهمزتين: الأولى محققة والثانية مسهلة، وذلك على الاستفهام التوبيخي، وحينئذٍ يكون في الكلام اختصار تقديره: إن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة .. تحسدونه ولا تؤمنون به. هذا قول قتادة والربيع، قالا هذا من قول الله تعالى يقول:

стр. 1795

قل لهم يا محمَّد: إن الهدى هدى الله إلا إن أنزل الله كتابًا مثل كتابكم، وبعث نبيًّا مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين، وتكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى إنْ الشرطية؛ لأنهما حرفا شرط وجزاء، يوضع أحدهما موضع الآخر. والمعنى: وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم .. فقل يا محمَّد: إن الهدى هدى الله، ونحن عليه، ويحتمل أن يكون الجميع خطابًا للمؤمنين، ويكون نظم الآية. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ أي: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين، فإن حسدوكم .. فقل: إن الفضل بيد الله، وإن حاجوكم .. فقل: إن الهدى هدى الله. ويحتمل أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ من كلام الله تعالى، ثبَّت به قلوب المؤمنين؛ لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. يقول الله : ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم، أو يقدروا على ذلك، فإن الهدى هدى الله، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع، فكون الآية كلها خطابًا للمؤمنين عند تلبيس اليهود؛ لئلا يرتابوا ولا يشكُّوا. انتهت. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن ذلك في الآخرة. والثاني: عند كتب ربكم الشاهدة عليكم ولكم، وأضاف ذلك إلى الرب تشريفًا، وكأن المعنى: أو يحاجوكم عند الحق، ذكره أبو حيان. وقال الشوكاني: وقد قيل: إن هذه الآية أعظم آي هذه السورة إشكالًا، وذلك صحيح. ﴿قُلْ إنَّ اَلفَضلَ﴾ بالرسالة والنبوة والإسلام وقبلة إبراهيم مثلًا

стр. 1796

﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإنه مالك له ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده؛ أي: يعطيه محمدًا وأصحابه. والله تعالى حكى عن اليهود أمرين: أحدهما: أنهم آمنوا وجه النهار وكفروا آخره؛ ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإِسلام، فأجاب الله عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: إن مع كمال هداية الله وقوة بيانه، لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر. وثانيهما: أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة، فأجاب الله عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ الفضل وكامل القدرة، فيقدر أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: كامل العلم، فلا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب. ٧٤ - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾، أي: يخص برحمته من النبوة والرسالة والدين، أي: برحمته التي بلغت في الشرف وعلو المرتبة إلى أن تكون أعلى وأجل من أن تقاس، أي: يجعل رحمته مقصورة على ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده؛ أي: محمدًا وأصحابه. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ والمنّ الجسيم، فلا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده، والله أعلم بمعنى كلامه، وهو ولي التوفيق لأقوم العبارة والتحقيق، وهذا من المواضع التي تشاك فيها الأقدام، وتكل فيها الأقلام، وارتابت فيها الأفهام، وارتبكت فيها الأعلام إلا من مُنح بمنح العالم العلَّام. قال الواحدي: وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيرًا وإعرابًا، ولقد تدبرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أجد قولًا يطرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى، وصحة النظم. الإعراب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ إلى قوله: ﴿فَإن تَوَلَّوا﴾ مقول محكي، وإنْ شئت قلت

стр. 1797

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿تَعَالَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَعَالَوْا﴾ ﴿سَوَاءٍ﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةٍ﴾؛ لأنه في تأويل مستوية، ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿سَوَاءٍ﴾. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف عليه. ﴿ألَّا﴾: ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾ نافية. ﴿نَعْبُدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ (أن)، وفاعله ضمير يعود على النبي ومن معه من أهل الكتاب ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾: منصوب على الاستثناء، والمستثنى منه محذوف تقديره: أحدًا إلا الله، والجملة الفعلية صلة (أنْ)، (أنْ) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾، أو مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي عدم عبادتنا غير الله. ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿نُشْرِكَ﴾: معطوف على ﴿نَعْبُدَ﴾، منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على النبي ومن معه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نُشْرِكَ﴾ ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَعْبُدَ﴾ على كونها في تأويل مصدر مجرور أو مرفوع ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة ﴿لا﴾: نافية ﴿يَتَّخِذَ﴾: معطوف على ﴿نَعْبُدَ﴾، ﴿بَعْضُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿بَعْضًا﴾: مفعول أول ﴿أَرْبَابًا﴾: مفعول ثانٍ، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَعْبُدَ﴾ على كونها في تأويل مصدر مجرور أو مرفوع ﴿من دون الله﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿أربابًا﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿فَإن﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا قلت لهم ما أمرتك به، وأردت بيان حكم ما إذا أعرضوا .. فأقول لك ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقُولُوا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾) وجوبًا. ﴿قولوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ (إنْ) على كونه جوابًا لها، وجملة (إن) الشرطية في محل

стр. 1798

النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قولوا﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿اشْهَدُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قولوا﴾. ﴿بِأَنَّا﴾: الباء حرف جر (أنا): حرف نصب، واسمها. ﴿مُسْلِمُونَ﴾: خبرها، وجملة (أن) في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بكوننا مسلمين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اشْهَدُوا﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة، أو في محل النصب معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الأولى. ﴿لِمَ﴾: اللام حرف جر ﴿م﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري التوبيخي أو التعجبي في محل الجر وباللام مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين (ما) الموصولة - الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُحَاجُّونَ﴾ المذكور بعده. ﴿تُحَاجُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب مقول القول على كونها معطوفة ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: متعلق بـ ﴿تُحَاجُّونَ﴾. ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ﴾: الواو حالية ﴿ما﴾: نافية، ﴿أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾: فعل ونائب فاعل ﴿وَالْإِنْجِيلُ﴾: معطوف على ﴿التَّوْرَاةُ﴾. ﴿إلا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿من بعده﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أُنْزِلَتِ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من إبراهيم تقديره: لم تحاجون في إبراهيم، والحال أن التوراة والإنجيل متأخران عنه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على مقدَّر هو المعطوف عليه بهذا العاطف المذكور - أعني: الفاء - تقديره: ألا تتفكرون. ﴿فلا تعقلون﴾: الفاء عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ألا تتفكرون المقدرة على كونها جملة استفهامية لا محل لها من الإعراب. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ

стр. 1799

يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾. ﴿ها﴾ حرف تنبيه ﴿أنتم هؤلاء﴾: أنتم: مبتدأ، ها: حرف تنبيه، أولاء؛ اسم إشارة للجمع المذكر في محل النصب منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء، مبني بضم مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، وجملة النداء معترضة لاعتراضها بين المبتدأ والخبر ﴿حَاجَجْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَاجَجْتُمْ﴾. ﴿لَكُم﴾: خبر مقدم ﴿عِلمٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿بِهِ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾؛ إذ لو تأخر .. لصح جعله نعتًا، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾؛ لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، والجملة الإسمية صلة لـ (ما)، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾ ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾: الفاء عاطفة، اللام: حرف جر، (م): اسم استفهام في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُحَاجُّونَ﴾ المذكور بعده، ﴿تُحَاجُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿حَاجَجْتُمْ﴾، ﴿فِيمَا﴾، جار ومجرور متعلق بـ ﴿تحاجون﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص. ﴿لَكُم﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿بِهِ﴾: حال من علم؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليه. ﴿عِلْمٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية (الله): مبتدأ، ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة .. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو عاطفة ﴿أنتم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماضٍ ناقص ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾: اسمها، ﴿يَهُودِيًّا﴾: خبرها، ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾: الواو اعتراضية ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص،

стр. 1800

واسمها ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، ﴿حَنِيفًا﴾: خبر أول لها، ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر ثانٍ، وجملة ﴿كاَنَ﴾ جملة استدراكية معترضة لاعتراضها بين المتعاطفين. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: الواو عاطفة، (ما) نافية، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماضٍ، واسمها ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿كاَنَ﴾ الأولى. ﴿إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾: اسمها ومضاف إليه ﴿بِإِبْرَاهِيمَ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾، ﴿لَلَّذِينَ﴾: اللام حرف ابتداء (الذين): اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿اتَّبَعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿وَهَذَا﴾ في محل الرفع معطوف على الموصول. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لاسم الإشارة، أو بدل، أو عطف بيان منه ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على الموصول الأول ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو عاطفة (الله): مبتدأ ﴿وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿طَائِفَةٌ﴾، ﴿لَوْ﴾: حرف مصدر ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: وَدَّتْ طائفة من أهل الكتاب إضلالهم إياكم ﴿وَمَا يُضِلُّونَ﴾: الواو حالية (ما): نافية ﴿يُضِلُّونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة حال من فاعل ﴿لو يضلون﴾، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الواو عاطفة ﴿ما﴾: نافية ﴿يَشْعُرُونَ﴾:

стр. 1801

فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة ﴿لِمَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿تَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَأَنتُمْ﴾: الواو حالية، ﴿أنتم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَشْهَدُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء معطوفة على جملة النداء الأولى ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾: ﴿لِمَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَلْبِسُونَ﴾، ﴿تَلْبِسُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ متعلق بـ ﴿تَلْبِسُونَ﴾: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿تَلْبِسُونَ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الواو حالية ﴿أنتم﴾: مبتدأ، ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تكتمون﴾. ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾. ﴿وَقَالَتْ﴾ الواو استئنافية، ﴿قالت طائفة﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿طَائِفَةٌ﴾. ﴿آمِنُوا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿آمِنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿بِالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾. ﴿أُنزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنزِلَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، الجملة صلة الموصول ﴿وجْه اَلنَهَارِ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بقوله ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾. ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾: الواو عاطفة ﴿اكفروا﴾: فعل وفاعل ﴿آخِرَهُ﴾:

стр. 1802

ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿اكْفُرُوا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍ وتعليل، والهاء اسمها، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بـ ﴿اكفروا﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. ٧٣ - ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾: ناهية ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قالت﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿لِمَن﴾: اللام زائدة (من): اسم موصول في محل النصب على الاستثناء مقدَّم على المستثنى منه ﴿تَبِعَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على (من)، والجملة صلة الموصول ﴿دِينَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معترضة؛ لاعتراضها بين العامل والمعمول. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿الْهُدَى﴾ اسمها ﴿هُدَى اللَّهِ﴾: خبرها ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يُؤْتَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بـ ﴿أَن﴾ ﴿أَحَدٌ﴾: نائب فاعل، وهو المفعول الأول لـ (أتى)؛ لأنه بمعنى: أعطى، وهو المستثنى منه ﴿مِثْلَ مَا﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه ﴿أُوتِيتُمْ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: أوتيتموه، وهو العائد على (ما)، وجملة ﴿أُوتِيتُمْ﴾ صلة لـ (ما) أو صفة لها، وجملة ﴿يُؤْتَى﴾ صلة ﴿أَن﴾ المصدرية. ﴿أن﴾: مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ تقديره: ولا تؤمنوا إيتاء أحد من الناس مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم، أي: إلا إيتاءه. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾: أو: حرف عطف، ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُؤْتَى﴾، ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾.

стр. 1803

﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿إنَّ اَلفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ إلى آخر الآية التالية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اَلفَضْلَ﴾: اسمها. ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿يُؤْتِيهِ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته، والعائد محذوف تقديره: من يشاء إيتاءه، وجملة ﴿يُؤْتِيهِ﴾ في محل الرفع خبر ثانٍ لـ ﴿إنَّ﴾، ويجوز أن تكون مستأنفة، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو يؤتيه. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿وَاسِعٌ﴾: خبر أول ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة ﴿يَخْتَصُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على (الله)، والجملة مستأنفة ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَخْتَصُّ﴾. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَخْتَصُّ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَن﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿ذُو الْفَضْلِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿الْعَظِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْفَضْلِ﴾. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾: أصل تعالوا: تعاليوا، فقلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع الواو - كما مر -، وسواء: اسم مصدر بمعنى؛ الاستواء، ويوصف به على أنه بمعنى: مستو، فيحتمل حينئذٍ ضميرًا، ويرفع الظاهر، ومنه قولهم: مررت برجل سواء والعدم - برفع العدم -، على أنه معطوف عى الضمير المستكن في سواء، ولا يثنى، ولا يجمع، إما لكونه في الأصل مصدرًا وإما للاستغناء عن تثنيته بتثنية نظيره، وهو سيّ بمعنى مثل، تقول: هما سِيَّان؛ أي: مثلان، وليس هو الظرف الذي يستثنى به في قولهم: قاموا سواء زيد وإن شاركه لفظًا. ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾: وأولى: اسم تفضيل من ولى يلي، وألفه منقلبة عن

стр. 1804

ياء؛ لأن فاءه واو، فلا تكون لامه واوًا؛ إذ ليس لنا في كلام العرب ما فاؤه ولامه واو إلا واو التهجي، فمعنى ﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾: أخصهم به وأقربهم منه؛ لأنه من الوَلي بمعنى: القرب. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾: يقال: وددتُ لو تفعل كذا - من فَعِل المكسور المضاعف - يَوَد بفتح العين على القياس وُدًا بضم أوله وفتحه ووِدادًا ووَدادة بالفتح فيهما؛ أي: تمنيت ووددت لو أنك تفعل كذا مثله، وودِدت الرجل بالكسر وُدًا بضم أوله: أحببته، والود - بضم الواو وفتحها وكسرها -: المودة ذكره في "المختار" ﴿والطائفة﴾ من الشيء: القطعة منه وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عباس ﵄: الواحد فما فوقه. انتهى. "مختار". ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ﴾: اللبس الخلط، يقال: لبس الأمر عليه إذا اشتبه واختلط عليه يلبِس من باب: ضَرَب. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، وناصبة ﴿آمَنُوا﴾ - كما مر، ومعناه أوَّلَ (١) النهار. شُبِّه بوجه الإنسان؛ لأنه أول ما يواجه من النهار، وقال الربيع بن زياد العبسي في مالك بن زهير بن خزيمة العبسي: مَنْ كانَ مَسْرُورًا بمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: يقال: اختصه بكذا إذا خصه به، وهو من باب: افتعل فبناؤه لمبالغة الثلاثي، والله أعلم. البلاغة وقد جمعت هذه الآية من ضروب البلاغة أنواعًا كثيرة (٢): فمنها: المجاز في قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾؛ حيث أطلق اسم الواحد على الجمع.

стр. 1805

ومنها: التكرار في قوله: ﴿إلا الله﴾ ﴿وإن الله﴾، وفي قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ﴾، وفي قوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ و ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ﴾ و ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿أَرْبَابًا﴾ لما أطاعوهم في التحليل والتحريم، وأذعنوا إليهم .. أطلق عليهم أربابًا تشبيهًا لهم بالرب المستحق للعبادة والربوبية. ومنها: الإجمال في الخطاب في قوله: ﴿تَعَالَوْا﴾، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾؛ كقول إبراهيم. ﴿يا أبت﴾، ﴿يا أبت﴾، وكقول الشاعر: مَهْلًا بَنِيْ عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِيْنَا ... لاَ تَنْبُشُوْا بَيْنَنَا مَا كَانَ مَدْفُوْنَا وقول الآخر: بَنِيْ عَمِّنَا لاَ تَنْبُشُوْا اَلشَرَّ بَيْنَنَا ... فَكَمْ مِنْ رَمَادٍ صَارَ مِنْهُ لَهِيْبُ ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿أَوْلَى﴾ و ﴿وَلِيُّ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ومنها: الطباق المعنوي في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ لأن الشهادة إقرار وإظهار، والكفر ستر. ومنها: الجناس التام في قوله: ﴿يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ﴾. ومنها: التجنيس المماثل والتكرار في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ و ﴿آمَنُوا﴾، وفي ﴿الْهُدَى﴾ و ﴿هُدَى اَللهِ﴾، وقوله: ﴿يُؤْتَى﴾ و ﴿أوتِيُتمْ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ اَلفَضْلَ﴾ و ﴿ذُو الْفَضْلِ﴾. ومنها: التكرار أيضًا في اسم الله في أربعة مواضع. ومنها: الطباق في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ ﴿وَاكْفُرُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَجْهَ اَلنَهَارِ﴾ و ﴿آخِرَهُ﴾.

стр. 1806

ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾؛ لأنه وقت اجتماعهم بالمؤمنين يراؤونهم و ﴿آخِرَهُ﴾؛ لأنه وقت خلوتهم بأمثالهم من الكفار والحذف في مواضع. وفي قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تبكيت (١) لمن اعتقد ربوبية المسيح وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر وبعض منهم، وإزراء على من قلد الرجال في دين الله، فحلل ما حللوه له، وحَرَّم ما حرموه عليه، فإنَّ من فعل ذلك .. فقد اتخذ من قلده ربًّا، ومنه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. والله أعلم * * *

стр. 1807

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾. المناسبة لمَّا بين الله خيانة أهل الكتاب في الدين وقبائحهم وكيدهم للمسلمين ليرجعوا عن دينهم، وصدهم عن الدعوة لذلك الدين الجديد بكل وسيلة يستطيعونها، زعمًا أنَّهم شعب الله المختار، وأنَّ الدين الحق خاص بهم، لا يعدوهم إلى شعب آخر، ولا إلى أمة أخرى .. أردف ذلك بذكر أوصاف طائفة أخرى منهم تخون الأمانات، وتستحل أكل أموال الناس بالباطل، تأويلًا للكتاب وغرورًا في الدين، وهم اليهود خاصة، فهم خائنون من جهة الدين والمال فقد خانوا الله والناس بتحريفهم كلام الله عن معناه، واستحلالهم أكل أموال الناس بالباطل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن شقيق، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ هو عليها فاجر .. لقي الله وهو

стр. 1808

عليه غضبان"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية، فجاء الأشعث فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن، فيَّ أنزلت هذه الآية؟ كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فقال لي: شهودك؟ قلت: ما لي شهود، قال: فيمينه، قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف، فذكر النبي ﷺ هذا الحديث، فأنزل الله ذلك تصديقًا له. وأخرج البخاري أيضًا من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ الآية. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري"، ولا منافاة بين الحديثين، بل يحمل على أنَّ النزول كان بالسببين معًا، ولفظ الآية أعم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة (١): أنَّ الآية نزلت في حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة، وبدّلوه، وحلفوا أنَّه من عند الله، قال الحافظ ابن حجر: الآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ثبت في "الصحيح". قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ ...﴾ الآية، أخرج (٢) ابن إسحاق والبيهقي، عن ابن عباس ﵄: قال أبو رافع القرظي - حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإِسلام -: أتريد يا محمَّد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال ﷺ : "معاذ الله". فأنزل الله في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" عن الحسن قال: بلغني أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله؛ فإنَّه لا ينبغي أنْ يُسجَد لأحد من دون الله"، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 1809

التفسير وأوجه القراءة ٧٥ - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ شروع في بيان خيانتهم في الأموال بعد بيان خيانتهم في الدين، وفي "الخازن"؛ نزلت هذه الآية في اليهود، أخبر الله أنَّ فيهم أمانة وخيانة، وقسمهم قسمين، فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: ومن اليهود ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾؛ أي: مَنْ إذا جعلته أمينًا على مال كثير، وأودعته عنده ﴿يُؤَدِّهِ﴾؛ أي: يدفع ذلك القنطار ويرده ﴿إِلَيْكَ﴾ بلا خيانة فيه ولا تعب، لشدة أمانته، وكمال وثوقه؛ كعبد الله بن سلام، استودعه رجل من قريش ألفًا ومئتي أوقية من ذهب، فأداه إليه ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن اليهود ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾؛ أي: من إذا جعلته أمينًا على مال قليل، فضلًا عن كثير ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾؛ أي: لا يدفع ذلك الدينار، ولا يرده ﴿إِلَيْكَ﴾ بل يستحله ويخون فيه؛ كفنحاص بن عازوراء، استودعه رجل من قريش دينارًا، فجحده وخانه ﴿إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أي: لا يرده إليك في جميع المُدَدَ والأزمنة، إلا مدة دوامك يا صاحب الحق قائمًا على رأسه، ملازمًا له، مبالغًا في مطالبته بالتقاضي والترافع، وإقامة البنية عليه. قال ابن عباس ﵄: يريد: تقوم عليه، وتطالبه بالإلحاح والخصومة والملازمة. وقيل: أراد أنَّه إنْ أودعته شيئًا، ثُمَّ استرجعته منه في الحال، وأنت قائم على رأسه لم تفارقه .. رده عليك، وإنْ أخرت استرجاع ما أودعته". أنكره ولم يرده عليك. وقيل: أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود؛ لأنَّ مذهبهم: أنْ يحل قَتل من خالفهم في الدين، وأخذ ماله بأي طريق كان ﴿تَأْمَنْهُ﴾ هذه (١) قراءة الجمهور، وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي شذوذًا: (تيمنه) بكسر التاء الفوقية على لغة بكر وتميم، ومثله قراءة من قرأ شذوذًا: ﴿نِستعين﴾ بكسر النون. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُؤَدِّهِ﴾ بكسر الهاء ووصلها بياء، وقرأ قالون باختلاس الحركة، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والأعمش: بالسكون، وقال الفراء:

стр. 1810

مذهب بعض العرب يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، فيقولون: ضربته ضربًا شديدًا، كما يسكنون ميم أنتم وقمتم، وما ذهب إليه أبو إسحاق من أن الإسكان غلط، ليس بشيء؛ إذ هي قراءة في السبعة، وهي متواترة. وقرأ أبو المنذر سلام والزهري شذوذًا (١): ﴿يؤده﴾ بضم الهاء بغير واو، وقرأ قتادة وحمزة ومجاهد شذوذًا أيضًا: بواو في الإدراج. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (٢)، ويحيى بن وثاب، والأعمش وابن أبي ليلى، والفياض بن غزوان، وطلحة وغيرهم شذوذًا: (دِمت) بكسر الدال، وهي لغة تميم. وخلاصة الكلام: أنّ أهل الكتاب طائفتان: الأولى: طائفة تُؤَمَّن على الكثير والقليل،؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه، استودعه قرشي ألفًا ومائتي أوقية من ذهب، فأداها إليه كما مرَّ. والثانية: طائفة أخرى تخون الأمانة، فلو استودعتها القليل جحدته، ولا تؤديه إليك إلا إذا أدمت الوقوف على رأسها، ملحًا في المطالبة، أو لاجئًا إلى التقاضي والمحاكمة، ومن هؤلاء: كعب بن الأشرف، استودعه قريش دينارًا فجحده. ثمَّ بيَّن السبب في فعلهم هذا فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الخيانة وترك أداء الأمانة، واستحلال أموال الناس، مستحق لهم ﴿بـ﴾ ـسبب ﴿أنَّهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾؛ أي: بسبب أنهم يقولون: ليس علينا فيما أخذنا من أموال المشركين من العرب سبيل؛ أي: مؤاخذة، وتبعة، وإثم عند الله تعالى؛ لأن أموال العرب حلال لنا؛ لأنهم ليسوا على ديننا، ولا حرمة لهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم، أو المعنى: ليس علينا فيما أصبنا

стр. 1811

من أموال العرب سبيل؛ أي: قدرة على المطالبة والإلزام؛ فإنَّهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، وقيل: إنهم قالوا: أنَّ الأموال كلها كانت لنا، فما في يد العرب فهو لنا، وإنَّما هم ظلمونا وغصبوها منا، فلا سبيل علينا في أخذها منهم بأي طريق كان. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: يفترون على الله الكذب بادعائهم أنَّ ذلك في كتابهم. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذبون في ذلك؛ أي: أنَّهم قالوا: إنَّ جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة، وكانوا كاذبين في ذلك، وعالمين بكونهم كاذبين فيه، ومَنْ كان كذلك .. كانت خيانته أعظم، وجرمه أفحش. لكنهم لمَّا لم يكتفوا بالكتاب، ولجؤوا إلى التقليد، وعدّوا كلام أحبارهم دينًا، وهؤلاء قالوا في الدين بالرأي والهوى، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، ليؤيدوا آرائهم .. وجدوا من هذه الأقوال ما يساعدهم على ما يدَّعون. روى ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قال النبي ﷺ : "كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة؛ فإنّها مؤداة إلى البَّرِّ والفاجر". ٧٦ - ﴿بَلَى﴾: حرف يجاب به النفي، فيصير إثباتًا لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين؛ أي: بلى على اليهود في العرب سبيل، فعلى هذا يَحسن الوقف عليها، ثم يبتدىء بما بعده، وقوله: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ جملة مستأنفة مقرر للجملة التي سدت ﴿بَلى﴾ مسدها، والضمير في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ يرجع إلى الله تعالى؛ أي: ولكن من أوفى بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة، من الإيمان بمحمد ﷺ ، وبالقرآن الذي أنزل عليه، أو بأداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها، وقيل: الهاء في قوله: ﴿بِعَهْدِهِ﴾ عائد إلى الموفي؛ أي: بيعده فيما بينه وبين الله، أو فيما بينه وبين الناس. ﴿وَاتَّقَى﴾؛ أي: خاف عقاب الله بالكفر والخيانة، ونقض العهد ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الشرك والخيانة؛ أي: يثيبهم على

стр. 1812

تقواهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة، وعموم المتقين قائم مقام العائد إلى ﴿مَنْ﴾؛ أي: فإنَّ الله يحبه، أخبر تعالى: بأن من أوفى بالعهد، واتقى الله في نقضه .. فهو محبوب عند الله. وهذه الآية (١) دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد، وذلك لأنَّ الطاعات محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معًا؛ لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق الله، وذلك أمر الله، فالوفاء بالعهد تعظيم لأمر الله، ثم الوفاء كما يكون في حق الغير، يكون في حق النفس، فالوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات، والتارك للمحرمات. وخلاصة المعنى: بلى عليكم يا معشر اليهود في الأميين سبيل، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات، فمن أقرضك مالًا إلى أجل، أو باعك بثمنٍ مؤجل، أو ائتمنك على شيء .. وجب عليك الوفاء به، وأداء الحق له في حينه، دون حاجة إلى الإلحاف في الطلب، أو إلى التقاضي، وبذلك قضت الفطرة، وحتمت الشريعة، وفي هذا إيماء إلى أنَّ اليهود لم يجعلوا الوفاء بالعهد حقًّا واجبًا لذاته، بل العبرة عندهم المعاهِد، فإن كان إسرائيليًّا .. وجب الوفاء له، ولا يجب الوفاء لغيره. والعهد ضربان: الأول: عهد المرء لأخيه في العقود والأمانات كما تقدم. والثاني: عهد الله تعالى، وهو ما يلتزم به المؤمن لربه، من اتباع دينه والعمل بما شرعه على لسان رسوله. واليهود لم يفوا بشيء منهما، إذ لو وفوا بعهد الله .. لآمنوا بالنبي ﷺ ، واتبعوا النور الذي أنزل معه، كما وصاهم بذلك كتابهم على لسان رسولهم موسى ﵇.

стр. 1813

وقد جعل الله جزاء الموفين بالعهد، المتقين بالإخلاف والغدر، محبته تعالى ورحمته لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى أنَّ الوفاء بالعهود، واتقاء الإخلاف فيها، وفي سائر المعاصي والخطايا، هو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلًا لمحبته، أما الانتساب إلى شعب بعينه، والافتخار والترفع به على غيره، كما كثر في عصرنا هذا والعياذ باللهِ، فلا قيمة له عند الله تعالى. وفي هذا أيضًا تعريض بأنَّ أصحاب هذا الرأي من اليهود ليسوا على حظ من التقوى، وهي الدعامة الأساسية في كل دين قويم، رزقنا الله إياها وجميع المسلمين. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" وفي رواية "إذا حدث كذب، وإذ وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". ٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الباء فيه داخلة على المتروك؛ أي: إنَّ الذين يأخذن بنقض عهد الله عليهم من الإيمان بالرسول ﷺ ، والأداء بالأمانات ﴿وبـ﴾ ـحنث ﴿أيمانهم﴾ وحلفهم من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا، والمراد بالثمن القليل متاع الدنيا من الرشا والتراؤس ونحو ذلك ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات القبيحة ﴿لَا خَلَاقَ﴾؛ أي: لا نصيب ﴿لَهُمْ فِي﴾ خير ﴿الْآخِرَةِ﴾ ونعيمها ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ يوم القيامة أي: يشتد غضب الله عليهم ﴿وَلَا يَنظُرُ﴾ الله ﴿إِلَيْهِمْ﴾ بالإحسان والرحمة ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾، أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم. والمعنى: إنَّ الذين يستبدلون بعهد الله إلى الناس في كتبه المنزلة، بأن يلتزموا الصدق والوفاء بما يتعاهدون عليه ويتعاقدون، وأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ويتقوه في جميع الأمور، وبما حلفوا

стр. 1814

عليه من قولهم: لنؤمنن به ولننصرنه، أي: يأخذون بدل وفاء عهدهم وبَرِّ أيمانهم ثمنًا قليلًا هو العوض أو الرشا أولئك لا نصيب لهم في منافع الآخرة ونعيمها، ويغضب عليهم ربهم، ولا ينظر إليهم ولا يثنى عليهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم، هو الغاية في الألم. قال القفال: هذه الكلمات يراد بها بيان شدة سخط الله عليهم؛ لأن من منع غيره كلامه في الدنيا .. فإنَّما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول؛ لا أكلمك ولا أرى وجهك، وإذا جرى ذكره .. لم يذكره بالجميل اهـ. وخلاصة القول: إنَّ الله توعد الناكثين للعهد، المخلفين للوعد بالحرمان من النعيم، وبالعذاب الأليم، وبأنَّهم يكونون في غضب الله، بحيث لا ترجى لهم رحمة، ولا يسمعون منه تعالى كلمة عفو ولا مغفرة، ولم يتوعد الله تعالى مرتكبي الكبائر من الزناة وشاربي الخمر، ولاعبي الميسر، وعاقي الوالدين، بما توعد به ناكثي العهود، وخائني الأمانات؛ لأنَّ مفاسدهما أعظم من جميع المفاسد، التي لأجلها حرمت تلك الجرائم. فالوفاء بهما آية الدين البينة، والمحور الذي تدور عليه مصالح العمران، فمتى نكث الناس في عهودهم .. زالت ثقة بعضهم ببعض، والثقة روح المعاملات، وأساس النظام. والإيمان باللهِ لا يجتمع مع الخيانة، والنكث بالعهد، ألا ترى أن النبي ﷺ جعله علامة النفاق فقال: "آية النفاق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" كما مر آنفًا. وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس ﵁ قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له". فما بال كثير من المسلمين - حتى المتدينين منهم - استهانوا بالعهود، وأصبحوا لا يحفظون الأيمان، ويرون ذلك شيئًا صغيرًا، مع كل ما رأوا من شديد التهديد والوعيد، ويكبرون أمر المعاصي التي لم يتعودوها لعدم الإلف

стр. 1815

والعادة فقط، مع أنَّها دون ذلك عند الله، كما تدل عليه هذه الآية. روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، رجل حلف على سلعة: لقد أعطي بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماله فيقول الله له: اليوم أمنعك فضلي ما منعت فضل ما لم تعمل يداك". وروى مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب". وروى مسلم أيضًا عن أبي أمامة ﵁ أنَّ رسول ﷺ قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه .. حرم الله علية الجنة، وأوجب له النار، فقالوا: يا رسول الله وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإنْ كان قضيبًا من أراك". ٧٨ - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾؛ أي: وإنَّ من اليهود ﴿لَفَرِيقًا﴾؛ أي: لطائفة ﴿يَلْوُونَ﴾؛ أي: يفتلون ويعطفون ﴿أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾؛ أي: بقراءة الكتاب، فيميلونها عن المنزل إلى المحرف، ويبدلون المحرف عن المنزل، كتحريفهم حركات الإعراب في آية الرجم، واللفظة الدالة على نبوة ﷺ ، تحريفًا يتغير به المعنى ﴿لتحسبوه﴾؛ أي: لتظنوا أيها المسلمون أنَّ ذلك المحرف ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من كلام الله وتنزيله، يعني من التوراة ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: والحال أنَّ ذلك المحرف ليس من التوراة المنزل من عند الله، ولكنه من عند أنفسهم. والمعنى (١): يلوون ألسنتهم ويعطفونها عن اللفظ المنزل إلى المحرَّف؛ لكي يظن السفلة أو المسلمون أنَّ المحرف من التوراة، وما هو من الكتاب؛ أي: والحال أن المحرف ليس من التوراة في نفس الأمر، وفي اعتقادهم ﴿وَيَقُولُونَ

стр. 1816

هُوَ﴾؛ أي: المحرف ﴿منْ عِندِ اَللهِ﴾، أي: موجود في كتب سائر الأنبياء، مثل شعياء وأرخياء وحيفوف ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فالأغمار الجاهلون بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنَّه من التوراة، والأذكياء زعموا أنَّه موجود في كتب سائر الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى ﵈، وعلم من هذا التفسير المغايرة بين اللفظين، فإنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله، فإنَّ الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب، وتارة بالسنّة، وتارة بالإجماع وتارة بالقياس، والكل من عند الله. وفي "الخازن" قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وإنَّما كرر هذا بلفظين مختلفين مع اتحاد المعنى .. لأجل التأكيد؛ أي: إنَّهم (١) كاذبون فيما يقولون، وفي هذا تشنيع عليهم، بأن الجرأة قد بلغت بهم حدًّا عظيمًا، فهم لم يكتفوا بالتعريض والتورية، بل يصرحون بنسبته إلى الله كذبًا، لعدم خوفهم منه، واعتقادهم أنَّه يغفر لهم جميع ما يجترحون من الذنوب؛ لأنَّهم من أهل ذلك الدين. وليس ذلك بالغريب عليهم، فإنَّا نرى كثيرًا من المسلمين اليوم يعتقدون أنَّ المسلم من أهل الجنة حتمًا، مهما أصاب من الذنوب؛ لأنَّه إنْ لم تدركه الشفاعة. أدركته المغفرة، ويجلِّي اعتقادهم ذلك قولهم: أمة محمَّد بخير. فالمسلم في نظرهم من اتخذ الإِسلام دينًا، وإنْ لم يعمل بما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، من صفات المسلمين الصادقين، بل ولو فعل فِعْل الكافرين والمنافقين. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذبون؛ أي: يتعمدون ذلك الكذب مع العلم، وهذا تأكيد وتسجيل عليهم بأنَّ ما افتروه على الله .. كان عن عمد لا عن خطأ. وعن ابن عباس ﵄ (٢): هم اليهود الذين قدموا على كعب بن

стр. 1817

الأشرف، وغيروا التوراة، وكتبوا كتابًا بدلوا فيه صفة رسول الله ﷺ ، ثم أخذت قريظة ما كتبوا، فخلطوه بالكتاب الذي عندهم، وقد جاء في كتب السيرة والحديث: أنَّ اليهود كانوا إذا سلَّموا على النبي ﷺ يمضغون كلمة السلام، فيخفون اللام ويقولون: السام عليكم غير مفصحين بالكلمة؛ لأنَّهم يريدون معنى السام وهو الموت، وجاء في سورة النساء قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ فهؤلاء وضعوا ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مكان "لا أسمعت مكروها" التي تقال عادة عند الدعاء و ﴿راعنا﴾ مكان انظرنا التي يقولها الناس لمن ينتظرون معونته ومساعدته، وإنَّما قالوا: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ لأنَّها قد تستعمل في الدعاء على المخاطب، بمعنى لا سمعت، وقالوا: ﴿راعنا﴾ لأنَّ هذه الكلمة عبرانية أو سريانية، كانوا يَتَسابون بها. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَلْوُونَ﴾ مضارع لوى الثلاثي، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، وأبو حاتم عن نافع شذوذًا: ﴿يَلْوُونَ﴾ بالتشديد، مضارع لوّي مشددًا، ونسبها الزمخشري إلى أهل المدينة، والتضعيف للمبالغة والتكثير، لا للتعدية، وقرأ حميد شاذًّا: (يلوُن) بضم اللام، ونسبها الزمخشري إلى أنَّها رواية عن مجاهد وابن كثير، ووجهت على أنَّ الأصل يلوون، ثمَّ أبدلت الواو همزة، ثم نقلت حركتها إلى الساكن قبله، وحذفت هي. وقرأ الجمهور: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ والمخاطب المسلمون وقرىء شاذًا: ﴿ليحسبوه﴾ بالياء وهو يعود على المسلمين أيضًا، كما هم المراد بالمخاطبين في قراءة العامة، والمعنى: ليحسب المسلمون أنَّ المحرف من التوراة. ولمَّا بيَّن الله فيما سلف افتراء اليهود على الله الكذب، ونسبتهم إليه ما لم يقله .. أردف ذلك بذكر افترائهم على الأنبياء صلوات الله وسلامه علهيم أجمعين فقال:

стр. 1818

٧٩ - ﴿مَا كاَنَ لشًرٍ﴾، أي: لا ينبغي ولا يليق لأحد من البشر، ولا لأحد من الأنبياء، كعيسى وموسى ومحمد ﵈ ﴿أَن يُؤتِيَهُ اللهُ﴾؛ أي: لا يعطيه الله ﴿الْكِتَابِ﴾؛ أي: التوراة أو الإنجيل أو القرآن ﴿وَالْحُكْمَ﴾؛ أي: الفهم لذلك الكتاب ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾؛ أي: الرسالة ﴿ثُمَ يَقُولَ﴾ ذلك البشر المشرف بالصفات الثلاثة ﴿لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا﴾ كائنين ﴿لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين لله، أشراكًا أو أفرادًا والنفي في مثل هذه الصيغة ﴿مَا كاَنَ﴾ إنَّما يؤتى به للنفي العام الذي لا يجوز عقلًا ثبوته، والغرض أنَّه لا يصح أصلًا، ولا يتصور عقلًا صدور دعوى الألوهية من نبي قط، أعطاه الله النبوة والشريعة، فضلًا على أنْ يحصل ذلك بالفعل؛ لأنَّ الرسول سفير بين الله وخلقه، ليرشد الناس على عبادة الله، فكيف يدعوهم إلى عبادة نفسه؟! والمعنى: أي لا ينبغي لأحد من البشر أن ينزل الله عليه كتابه ويعلمه فقه دينه، ومعرفة أسراره، ويعطيه النبوة، ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله؛ لأنَّ من أتاه الله ذلك؛ فإنِّما يدعوهم إلى العلم به، ويحثهم على شرائع دينه، وأن يكونوا القدوة في طاعته وعبادته، ومعلمي الناس الكتاب. ومعنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين ما يجب من إفراده؛ فإنَّ العبادة الصحيحة لا تتحقق إلا إذا أخلصت له وحده، ولم تشبها شائبة، من التوجه إلى غيره ما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ ومن دعا إلى عبادة نفسه .. فقد دعا الناس إلى أن يكونوا عابدين له من دون الله، وإنْ لم ينههم عن عبادة الله، بل وإنْ أمرهم بعبادة الله، وفي هذه الآية دلالة على عصمة الأنبياء. وقال ﷺ : "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري .. تركته وشركه" وفي رواية "فأنا منه بريء، هو للذي عمله" رواه مسلم وغيره. وقال ﷺ :"وإذا جمع الله الناس يوم القيامة .. نادى مناد: من أشرك في عمل عمله لله أحدًا .. فيطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإنَّ الله أغنى الشركاء عن

стр. 1819

الشرك" رواه أحمد. وقرأ الجمهور ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿أَن يُؤتِيَهُ﴾ وقرأ شبل عن ابن كثير ومحبوب، عن أبي عمرو: بالرفع على القطع؛ أي: ثم هو يقول، وقرأ الجمهور عبادًا لي بتسكين ياء المتكلم، وقرأ عيسى بن عمر بفتحها ﴿وَلَكِنْ﴾ يقول ذلك البشر المشرف بالكتاب والحكم والنبوة للناس ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، أي: علماء عالمين ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: بسبب كونكم معلمين الناس الكتاب ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، أي: وبسبب كونكم دارسين قارئين الكتاب؛ فإنَّ فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير، للاعتقاد والعمل به فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيًّا، فمن اشتغل بالعلم والتعليم لا لهذا المقصود .. ضاع علمه، وخاب سعيه، وقال ابن عباس معنى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾؛ أي: حكماء علماء حلماء. والمعنى: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادًا لي، ولكن أدعوكم إلى أنْ تكونوا علماء فقهاء، مطيعين لله بتعليمكم الناس الكتاب، ودراستكم إياه. قرأ عبد الله وابن كثير وأبو عمرو ونافع (١): ﴿تعلمون﴾ بفتح التاء وسكون العين والباقون ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بضم التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة، وقرأ مجاهد والحسن شذوذًا ﴿تَعَلِّمُونَ﴾ بفتح التاء والعين واللام المشددة، وهو مضارع حذفت منه التاء والأصل: (تتعلمون). وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَدْرُسُونَ﴾ من درس، من باب نصر، وقرأ أبو حيوة شاذًا (تدرِسون) بكسر الراء وروى عنه ﴿تَدْرُسُونَ﴾ بضم التاء وفتح الدال وكسر الراء المشددة؛ أي: تدرسون غيركم العلم، ويحتمل أن يكون التضعيف للتكثير لا للتعدية، وقرىء: (تدرسون) من أدرس بمعنى درس، نحو: أكرم وكرم، وأنزل ونزل، ويحتمل أنْ تكون القراءة المشهورة بهذا المعنى على تقدير: وبما كنتم تدرسونه على الناس.

стр. 1820

وخلاصة المعنى: ولكن يأمرهم هذا البشر، والنبي الذي أوتي الكتاب والحكم والنبوة، بأنْ يكونوا منسوبين إلى الرب مباشرة، وإنَّما يهديهم إلى الوسيلة الحقيقية الموصلة إلى ذلك، وهي تعليم الكتاب ودراسته، فبعلم الكتاب، وتعليمه، والعمل به، يكون الإنسان ربانيًّا مرضيًّا عند الله، إذ العلم الذي لا يبعث على العمل لا يعد علمًا صحيحًا، ومن ثمَّ استغنى بذكره عن التصريح بالعمل، فالعلم بسبب للعمل، فقبيح على العالم تركه العمل، وأقبح منه أن يرشد الناس ويهديهم مع كونه هو غير مهتد في نفسه، فمثل العالم الذي يعلم الناس - وهو غير عامل - كشمعة موقودة تضيء للناس وتحرق نفسها، وفي هذا المعنى قال بعضهم: أَتَنْهَى النَّاسَ وَلاَ تَنْتَهِي ... مَتَى تُلْحَقُ الْقَوْمَ يَا أَكْوَعُ فَيَا حَجَرَ السَّنِّ حَتَّى مَتَى ... تَسُنُّ الْحَدِيْدَ وَلاَ تَقْطَعُ وكفى به (١) دليلًا على خيبة سعي من جهد نفسه، وكد روحه في جمع العلم، ثمَّ لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها، ولا تنفعه بثمرها. ٨٠ - ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ قرأ (٢) عاصم وحمزة وابن عامر ويعقوب وخلف العاشر ﴿يأمركم﴾ بفتح الراء عطفًا على يقول، والفاعل ضمير يعود على البشر، و ﴿لا﴾ مزيدة لتأكيد معنى النفي؛ أي: ما كان لبشر أن يجعله الله نبيًّا، ثم يأمر الناس بعبادة نفسه، أو باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا، وقرأ الباقون برفع الراء على سبيل الاستئناف، كما يدل على ذلك ما روي شاذًا عن ابن مسعود أنه قرأ؛ ﴿ولن يأمركم﴾ والفاعل حينئذٍ ضمير يعود على الله، كما قاله الزجَّاج، أو على محمَّد، كما قاله ابن جريج، أو إلى عيسى، أو إلى كل نبي من الأنبياء، كما قيل بكل؛ أي: ولا يأمركم محمَّد يا معشر قريش، أو موسى يا معشر اليهود، أو عيسى يا معشر النصارى مثلًا، بأنْ تتخذوا الملائكة والنبيين

стр. 1821

أربابًا، كما اتخذت الصابئة وقريش الملائكة، واليهود عزيرًا، والنصارى المسيح ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: كيف يأمركم ذلك البشر أو الله بالكفر ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: لا يأمركم، بل يأمركم بالإِسلام، والهمزة فيه للاستفهام التعجبي؛ لأنه خطاب للمؤمنين على طريق التعجب من حال غيرهم. وإنَّما خص (١) الملائكة والنبيين بالذكر؛ لأنَّ الذين وصفوا بعبادة غير الله من أهل الكتاب، لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة، وعبادة المسيح، وعزير، فلهذا المعنى خصهم بالذكر. والمعنى: أيأمركم بعبادة الملائكة، والسجود للأنبياء بعد توحيدكم لله، والإخلاص له إذ لو فعل ذلك لكفر، ونزعت منه النبوة والإيمان، ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس باللهِ، فإنَّ الله لا يؤتي وحيه إلا نفوسًا طاهرة، وأرواحًا طيبة، فلا تجتمع نبوة ودعاء إلى عبادة غير الله. وأُثِرَ عن علي ﵁ أنَّه قال: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك؛ لأنَّ العالم ينفِّر الناس عن العلم بتهتكه، والجاهل يرغب الناس في الجهل بتنسكه، وقال رسول الله ﷺ : "نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع". الإعراب ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. ﴿وَمِنْ﴾ الواو استئنافية ﴿من أهل الكتاب﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم من اسم موصول، أو: نكرة موصوفة، في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تأْمَنْهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على المخاطب. ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تأمن﴾

стр. 1822

والباء فيه بمعنى على، ﴿يُؤَدِّهِ﴾ فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تؤده﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، أو في محل الرفع صفة لـ (مَنْ﴾، إن قلنا إنَّها نكرة موصوفة تقديره: ومن أهل الكتاب شخص مؤد أمانته إنْ تأمنه على قنطار. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ الواو عاطفة، ﴿منهم﴾: خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿تَأْمَنْهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿بِدِينَارٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْمَنَهُ﴾ ﴿يُؤَدِّهِ﴾ ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُؤَدِّهِ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية. صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، أو صفة لها ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من الظرف العام، إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائمًا عليه، ﴿مَا﴾: مصدرية ظرفية ﴿دُمْتَ﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿قَائِمًا﴾، و ﴿قَائِمًا﴾: خبر دام، وجملة دام من اسمها وخبرها صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باضافة الظرف المقدر إليه تقديره: إلا مدة دوامك قائمًا عليه. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء حرف جر، أنَّ: حرف نصب ومصدر والهاء اسمها، وجملة ﴿قَالُوا﴾ خبرها، وجملة أنَّ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء، المتعلقة بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: ذلك الاستحلال مستحق بقولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ مقول محكى لـ ﴿قَالُوا﴾ وإنْ شئت قلت ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص، ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم على اسمها ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار. والمجرور قبله، أو

стр. 1823

صفة لسبيل، قدمت عليه فصارت حالًا، وذهب قوم إلى عمل ليس في الحال، فيجوز على هذا أنْ يتعلق بها، ذكره أبو البقاء، ﴿سَبِيلٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر عن خبرها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو استئنافية ﴿يقولونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يقولون﴾: لأنَّه بمعنى يفترون ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول به، ﴿وَهُمْ﴾: الواو حالية ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: خبره، ومفعول العلم محذوف تقديره: أنَّه كاذبون، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾. ﴿بَلَى﴾ حرف جواب يجاب بها النفي فيصير إثباتًا، داخلة على جملة محذوفة تقديرها: بلى عليهم سبيل في الأميين ﴿مَنْ﴾: موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أو شرطية في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿أَوْفَى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾: الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿بِعَهْدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَوْفَى﴾، ﴿وَاتَّقَى﴾: معطوف على ﴿أَوْفَى﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة لجوابـ ﴿من﴾ الشرطية، أو رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها ﴿يُحِبُّ اَلمُتقِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إنَّ)، وجملة (إنَّ): في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة مقررة للجملة المحذوفة بعد ﴿بَلَى﴾. وفي "الفتوحات" والربط من الجملة الجزائية أو الخبرية هو العموم في ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ وعند من يرى الربط بقيام الظاهر مقام المضمر يقول، ذلك هنا، وقيل: الجزاء أو الخبر محذوف تقديره: يحبه الله، ودل على هذ المحذوف قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 1824

الْمُتَّقِينَ﴾. اهـ "سمين". ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها ﴿يَشْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَشْتَرُونَ﴾، ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: معطوف على ﴿عهد الله﴾ ومضاف إلى الضمير ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول به ﴿قَلِيلًا﴾: صفة له، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿لَا﴾: نافية، ﴿خَلَاقَ﴾: اسمها ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع، معطوف على جملة قوله: ﴿لَا خَلَاقَ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو عاطفة (لا): نافية ﴿يَنظُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنظُرُ﴾ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنظُرُ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا خَلَاقَ﴾ على كونها خبر المبتدأ، وكذلك جملة قوله: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَا خَلَاقَ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الواو عاطفة ﴿لهم﴾ جار ومجرور خبز مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له والجملة الإسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.

стр. 1825

﴿وَإِنَّ﴾ الواو استئنافية ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿لأنَّ﴾ على اسمها، ﴿لَفَرِيقًا﴾: اللام لام الابتداء ﴿فَرِيقًا﴾ اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر ﴿يَلْوُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿أَلْسِنَتَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿بِالْكِتَابِ﴾: متعلق بمحذوف حال من الألسنة تقديره: ملتبسة بالكتاب، أو ناطقة بالكتاب، وجملة ﴿يَلْوُونَ﴾: في محل النصب صفة ﴿لَفَرِيقًا﴾ وجمع الضمير نظرًا إلى المعنى؛ لأنَّه اسم جمع كالرهط والقوم، وجملة ﴿إنّ﴾: من اسمها وخبرها مستأنفة ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾: اللام حرف جر وتعليل، (تحسبوا): فعل مضارع منصوب بأنْ مضمرة جوازًا بعد لام كي، والواو فاعل، والهاء مفعول أول ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: متعلق بـ (تحسبوه) وهو في موضع المفعول الثاني، والجملة الفعلية صلة أنْ المضمرة، أنْ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لحسبانهم إياه ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَلْوُونَ﴾ ﴿وَمَا هُوَ﴾: الواو حالية ﴿ما﴾ نافية هُوَ: مبتدأ ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من الهاء في ﴿تحسبوه﴾. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو عاطفة ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿يَلْوُونَ﴾ ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول ﴿وَمَا هُوَ﴾: الواو حالية، ﴿ما﴾: نافية ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في الخبر، أعني قوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: الواو عاطفة ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَلْوُونَ﴾ أيضًا ﴿عَلَى اَللهَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْكَذِبَ﴾ أو متعلق بـ ﴿يقولون﴾؛ لأنَّه بمعنى يفترون، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول لـ (يقولون) ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل (يقولون) كما مر نظيره.
следующие страницы →