أربابًا، كما اتخذت الصابئة وقريش الملائكة، واليهود عزيرًا، والنصارى المسيح ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: كيف يأمركم ذلك البشر أو الله بالكفر ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: لا يأمركم، بل يأمركم بالإِسلام، والهمزة فيه للاستفهام التعجبي؛ لأنه خطاب للمؤمنين على طريق التعجب من حال غيرهم.
وإنَّما خص (١) الملائكة والنبيين بالذكر؛ لأنَّ الذين وصفوا بعبادة غير الله من أهل الكتاب، لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة، وعبادة المسيح، وعزير، فلهذا المعنى خصهم بالذكر.
والمعنى: أيأمركم بعبادة الملائكة، والسجود للأنبياء بعد توحيدكم لله، والإخلاص له إذ لو فعل ذلك لكفر، ونزعت منه النبوة والإيمان، ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس باللهِ، فإنَّ الله لا يؤتي وحيه إلا نفوسًا طاهرة، وأرواحًا طيبة، فلا تجتمع نبوة ودعاء إلى عبادة غير الله.
وأُثِرَ عن علي ﵁ أنَّه قال: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك؛ لأنَّ العالم ينفِّر الناس عن العلم بتهتكه، والجاهل يرغب الناس في الجهل بتنسكه، وقال رسول الله ﷺ : "نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع".
الإعراب
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.
﴿وَمِنْ﴾ الواو استئنافية ﴿من أهل الكتاب﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم من اسم موصول، أو: نكرة موصوفة، في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تأْمَنْهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على المخاطب. ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تأمن﴾
стр. 1822
والباء فيه بمعنى على، ﴿يُؤَدِّهِ﴾ فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تؤده﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، أو في محل الرفع صفة لـ (مَنْ﴾، إن قلنا إنَّها نكرة موصوفة تقديره: ومن أهل الكتاب شخص مؤد أمانته إنْ تأمنه على قنطار.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ الواو عاطفة، ﴿منهم﴾: خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿تَأْمَنْهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿بِدِينَارٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْمَنَهُ﴾ ﴿يُؤَدِّهِ﴾ ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُؤَدِّهِ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية. صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، أو صفة لها ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من الظرف العام، إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائمًا عليه، ﴿مَا﴾: مصدرية ظرفية ﴿دُمْتَ﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿قَائِمًا﴾، و ﴿قَائِمًا﴾: خبر دام، وجملة دام من اسمها وخبرها صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باضافة الظرف المقدر إليه تقديره: إلا مدة دوامك قائمًا عليه.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء حرف جر، أنَّ: حرف نصب ومصدر والهاء اسمها، وجملة ﴿قَالُوا﴾ خبرها، وجملة أنَّ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء، المتعلقة بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: ذلك الاستحلال مستحق بقولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ مقول محكى لـ ﴿قَالُوا﴾ وإنْ شئت قلت ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص، ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم على اسمها ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار. والمجرور قبله، أو
стр. 1823
صفة لسبيل، قدمت عليه فصارت حالًا، وذهب قوم إلى عمل ليس في الحال، فيجوز على هذا أنْ يتعلق بها، ذكره أبو البقاء، ﴿سَبِيلٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر عن خبرها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾.
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو استئنافية ﴿يقولونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يقولون﴾: لأنَّه بمعنى يفترون ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول به، ﴿وَهُمْ﴾: الواو حالية ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: خبره، ومفعول العلم محذوف تقديره: أنَّه كاذبون، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَقُولُونَ﴾.
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾.
﴿بَلَى﴾ حرف جواب يجاب بها النفي فيصير إثباتًا، داخلة على جملة محذوفة تقديرها: بلى عليهم سبيل في الأميين ﴿مَنْ﴾: موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أو شرطية في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿أَوْفَى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾: الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿بِعَهْدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَوْفَى﴾، ﴿وَاتَّقَى﴾: معطوف على ﴿أَوْفَى﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة لجوابـ ﴿من﴾ الشرطية، أو رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها ﴿يُحِبُّ اَلمُتقِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إنَّ)، وجملة (إنَّ): في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة مقررة للجملة المحذوفة بعد ﴿بَلَى﴾. وفي "الفتوحات" والربط من الجملة الجزائية أو الخبرية هو العموم في ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ وعند من يرى الربط بقيام الظاهر مقام المضمر يقول، ذلك هنا، وقيل: الجزاء أو الخبر محذوف تقديره: يحبه الله، ودل على هذ المحذوف قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
стр. 1824
الْمُتَّقِينَ﴾. اهـ "سمين".
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها ﴿يَشْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَشْتَرُونَ﴾، ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: معطوف على ﴿عهد الله﴾ ومضاف إلى الضمير ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول به ﴿قَلِيلًا﴾: صفة له، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿لَا﴾: نافية، ﴿خَلَاقَ﴾: اسمها ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع، معطوف على جملة قوله: ﴿لَا خَلَاقَ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو عاطفة (لا): نافية ﴿يَنظُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنظُرُ﴾ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنظُرُ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا خَلَاقَ﴾ على كونها خبر المبتدأ، وكذلك جملة قوله: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَا خَلَاقَ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الواو عاطفة ﴿لهم﴾ جار ومجرور خبز مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له والجملة الإسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ على كونها خبر المبتدأ.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
стр. 1825
﴿وَإِنَّ﴾ الواو استئنافية ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿لأنَّ﴾ على اسمها، ﴿لَفَرِيقًا﴾: اللام لام الابتداء ﴿فَرِيقًا﴾ اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر ﴿يَلْوُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿أَلْسِنَتَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿بِالْكِتَابِ﴾: متعلق بمحذوف حال من الألسنة تقديره: ملتبسة بالكتاب، أو ناطقة بالكتاب، وجملة ﴿يَلْوُونَ﴾: في محل النصب صفة ﴿لَفَرِيقًا﴾ وجمع الضمير نظرًا إلى المعنى؛ لأنَّه اسم جمع كالرهط والقوم، وجملة ﴿إنّ﴾: من اسمها وخبرها مستأنفة ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾: اللام حرف جر وتعليل، (تحسبوا): فعل مضارع منصوب بأنْ مضمرة جوازًا بعد لام كي، والواو فاعل، والهاء مفعول أول ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: متعلق بـ (تحسبوه) وهو في موضع المفعول الثاني، والجملة الفعلية صلة أنْ المضمرة، أنْ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لحسبانهم إياه ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَلْوُونَ﴾ ﴿وَمَا هُوَ﴾: الواو حالية ﴿ما﴾ نافية هُوَ: مبتدأ ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من الهاء في ﴿تحسبوه﴾.
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو عاطفة ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿يَلْوُونَ﴾ ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول ﴿وَمَا هُوَ﴾: الواو حالية، ﴿ما﴾: نافية ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في الخبر، أعني قوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: الواو عاطفة ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَلْوُونَ﴾ أيضًا ﴿عَلَى اَللهَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْكَذِبَ﴾ أو متعلق بـ ﴿يقولون﴾؛ لأنَّه بمعنى يفترون، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول لـ (يقولون) ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل (يقولون) كما مر نظيره.
стр. 1826
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص ﴿لِبَشَرٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾: حرف ناصب، وفعل ومفعول أول وفاعل ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثانٍ ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ معطوفان على ﴿الْكِتَابَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿أَنْ﴾، مع صلتها في تاويل مصدر مرفوع على كونه اسمًا لكان تقديره: ما كان إيتاء الله بشرًا الكتاب والحكم والنبوة، ثم قوله للناس كونوا عبادًا لي لائقًا لبشر، وممكنًا منه. وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة.
﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿يَقُولَ﴾: معطوف على ﴿يؤتي﴾ منصوب بأنْ المصدرية، وفاعلة ضمير يعود على ﴿بشر﴾ ﴿لِلنَّاسِ﴾ جار ومجرور متعلقان لـ ﴿يقول﴾ ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مقول محكي وإنْ شئت قلت: ﴿كُونُوا﴾ فعل أمر ناقص واسمه ﴿عِبَادًا﴾: خبره ﴿لِي﴾: صفة لـ ﴿عِبَادًا﴾ وجملة ﴿كوُنُوا﴾: في محل النصب مقول ليقول ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضماف إليه متعلق (١) بمحذوف حال من الواو في ﴿كوُنُوا﴾ تقديره: كونوا عبادًا لي حال كونكم متجاوزين الله، إشراكًا أو إفرادًا.
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
﴿وَلَكِنْ﴾ الواو اعتراضية ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿كوُنُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾: خبر ﴿كُونُوا﴾ وجملة ﴿كُونُوا﴾: في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: ولكن يقول كونوا ربانيين، والجملة جملة استدراكية معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾: الباء حرف جر (ما) مصدرية، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول ثانٍ، والأول محذوف تقديره: غيركم، وجملة ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ خبر (كان)، وجملة (كان) صلة (ما) المصدرية (ما): مع صلتها في تأويل مصدر
стр. 1827
مجرور بالياء تقديره: بسبب كونكم معلمين غيركم الكتاب، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كُونُوا﴾ أو بـ ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ ﴿وَبِمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الباء﴾ حرف جر، ﴿ما﴾ مصدرية، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿تَدْرُسُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف تقديره: الكتاب، وجملة ﴿تَدْرُسُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾: صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾: مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: وبسبب كونكم دارسين الكتاب، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبه.
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.
﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَقُولَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿بشر﴾ ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول منصوب بأنْ ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾: معطوف على ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ﴿أَرْبَابًا﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿تَتَّخِذُوا﴾، وجملة ﴿تَتَّخِذُوا﴾: صلة أنْ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يأمركم﴾ تقديره: ولا يأمركم اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا، وجملة ﴿يأمركم﴾: في تأويل مصدر معطوف على مصدر ﴿يَقُولَ﴾ والتقدير؛ ما كان إيتاء الله البشر الكتاب والحكم والنبوة، ثم قوله للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، وأمره الناس باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا لائقًا به ﴿أَيَأْمُرُكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يأمركم﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿البشر﴾، أو على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿بِالْكُفْرِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، أي: لا يأمركم بالكفر ﴿بَعْدَ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ أو ﴿باَلْكُفْرِ﴾ ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، ﴿إذْ﴾ مضاف إليه، ولا يضاف ﴿إذْ﴾ إلا إلى ظرف زمان، و ﴿إذْ﴾: مضاف وجملة ﴿أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مضاف إليه؛ أي: لا يأمركم بالكفر بعد إسلامكم، ولا قبله، سواء كان الآمر الله، أم الذي استنبأه الله والله أعلم.
стр. 1828
التصريف ومفردات اللغة
﴿بِدِينَارٍ﴾ والدينار أصله دننار بنونين، فاستثقل توالى مثلين، فأبدلوا أولهما حرف علة تخفيفًا لكثرة دورانه على ألسنتهم، ويدل على ذلك رده إلى النونين تكسيرًا وتصغيرًا في قولهم؛ دنانير ودنينير، ومثله قيراط، أصله قراط، بدليل قولهم: قراريط وقريريط، والدينار معرب، قالوا: ولم يختلف وزنه أصلًا وهو أربعة وعشرون قيراطًا، كل قيراط، ثلاث شعيرات معتدلة، فالمجموع اثنتان وسبعون شعيرة.
﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ﴿دُمْتَ﴾ بضم الدال، من دام يدوم، من باب قال يقول، قال الفراء: هذه لغة الحجاز وتميم، تقول: دمت بكسر الدال، قال: ويجتمعون في المضارع يقولون: يدوم، وأصل هذه المادة الدلالة على الثبوت والسكون، يقال: دام الماء إذا سكن وفي الحديث "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"؛ أي: الذي لا يجري ﴿قَائِمًا﴾ والمراد بالقيام هنا الملازمة؛ لأنَّ الأغلب أنَّ المطالب يقوم على رأس المطالب، ثمَّ جعل عبارة عن الملازمة، وإنْ لم يكن ثَمَّ قيام.
﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ جمع أمي، وأصل الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، والمراد بهم العرب؛ لأنَّهم كانوا كذلك ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ يقال: لوى الحبل والتوى إذا فتله، ثم استعمل في الإزاغة في الحجج والخصومات، ومنه ليان الغريم، وهو دفعه ومطله، ومنه خصم ألوى؛ أي: شديد الخصومة، شبهت المعاني بالأجرام، والمراد أنَّهم يفتلون ألسنتهم ليميلوها عن الآيات المنزلة إلى العبارات المحرفة.
﴿أَلْسِنَتَهُمْ﴾ جمع لسان، واللسان الجارحة المعروفة، قال أبو عمرو: اللسان يذكَّر ويؤنث، فمن ذكَّر جمعه على ألسنة، ومن أنَّث جمعه على ألسن، كذراع وأذرع، وكراع وأكرع وقال الفراء: اللسان بعينه لم نسمعه من العرب إلا مذكرًا. انتهى. ويعبر باللسان عن الكلام، وهو أيضًا يذكر ويؤنث إذا أريد به ذلك.
﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ جمع رباني، والرباني إما منسوب إلى الرب، والألف والنون فيه
стр. 1829
زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، كما قالوا: رقباني وشعراني ولحياني، للغليظ الرقبة، والكثير الشعر، والطويل اللحية، ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب، أمَّا إذا نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية من غير مبالغة قالوا: رقبي وشعري ولحوي، هذا معنى كلام سيبويه، وإمَّا منسوب إلى الربان، والربان هو المعلم للخير، ومن يسوس الناس ويعرفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالان على زيادة الوصف، كهي في عطشان وريان وجوعان، وتكون النسبة على هذا للمبالغة في الوصف كما قالوا: أحمري، في أحمر، وكلا القولين شاذ لا يقاس عليه.
واختلف في معناه فقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلوم وكبارها، وقيل: هو العالم الذي يعمل بعلمه، وقيل هو العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، وقيل: هو الذي جمع بين علم البصيرة، والعلم بسياسة الناس.
ولما مات ابن عباس ﵄ قال محمَّد ابن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة، وقيل: الربانيون هم ولاة الأمر والعلماء، وهما الفريقان اللذان يطاعان، ومعنى الآية على هذا التأويل: لا أدعوكم إلى أنْ تكونوا عبادًا لي، ولكن أدعوكم إلى أنْ تكونوا ملوكًا، وعلماء، ومعلمين الناس الخير، ومواظبين على طاعة الله وعبادته، وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست عربية، وإنَّما هي عبرانية أو سريانية، وسواء كانت عربية أو عبرانية، فهي تدل على الذي علم وعمل بما علم، وعلَّم الناس طريق الخير ﴿تَدْرُسُونَ﴾ يقال: درس الكتاب يدرسه أدمن قراءته وكرره، ودرس المنزل، إذا عفا، وطلل دارس عاف.
البلاغة
وذكروا في هذه الآيات أنواعًا من البلاغة (١):
منها: الطباق في قوله: ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ و ﴿بِدِينَارٍ﴾: إذا أريد بهما معنى القليل والكثير وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ﴾ و ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾؛ لأن الأداء معناه الدفع وعدمه معناه المنع، وهما ضدان، وفي قوله: ﴿بِالْكُفْرِ﴾ و ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 1830
ومنها: الإشارة بالبعيد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ إيذانًا بكمال غلوهم في الشر والفساد.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: ليس علينا في أكل أموال الأميين سبيل.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ فقد استعار لفظ الشراء للاستبدال.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿اتقى﴾ و ﴿الْمُتَّقِينَ﴾.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأنَّ الأصل: فإنَّ الله يحبهم اعتناء بشأن المتقين، وإشارة إلى عمومه لكل تَقي.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ و ﴿أَيَأْمُرُكُمْ﴾.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وفي قوله: ﴿يَوْمَ اَلقِيامَةِ﴾ اختصه بالذكر لأنَّه اليوم الذي تظهر فيه مجازاة الأعمال.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿يُؤَدَهِ﴾ و ﴿لا يؤده﴾ وفي اسم: ﴿اللَّهِ﴾ في مواضع، وفي: ﴿الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ وقوله: ﴿بِدِينَارٍ﴾؛ لأنَّ القنطار كناية عن المال الكثير، والدينار كناية عن المال القليل كما مر.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ أكدت الجملة بإنَّ، واللام إشارة إلى أنَّ ذلك محقق منهم.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾؛ لأنَّه مجاز عن شدة غضبه وسخطه تعالى عليهم، وكذلك في الآتي بعدها: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ قال الزمخشري: مجاز عن الاستهانة بهم، والسخط عليهم؛ لأنَّ من اعتد بإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه.
والله أعلم
* * *
стр. 1831
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنَّه تعالى لما حكى عن أهل الكتاب قبائح أقوالهم وأفعالم، وكان مما ذكر أخيرًا اشتراءهم بآيات الله ثمنًا قليلًا، وما يؤول أمرهم إليه في الآخرة، وإنَّ منهم مَنْ بَدل في كتابه، وغير وصف رسول الله ﷺ المذكور في كتبهم حتى لا يؤمنوا به، ونزه رسوله عن الأمر بأن يعبد هو أو غيره، بل تفرد تعالى بالعبادة .. أخذ تعالى يقيم الحجة على أهل الكتاب وغيرهم ممن أنكر نبوته ودينه، فذكر أخذ الميثاق على أنبيائهم، بالإيمان برسول الله ﷺ ، والتصديق له، وبأن يكونوا من أتباعه
стр. 1832
وأنصاره إنْ أدركوا زمنه، وذكر إقرارهم بذلك، وشهادتهم على أنفسهم، وشهادته تعالى عليهم بذلك، وهذا العهد مذكور في كتبهم، وشاهد بذلك أنبياؤهم، فإذا كان الأنبياء قد أخذ عليهم العهد: أنْ يؤمنوا به ويبشروا بمبعثه .. فكيف يصح من أتباعهم التكذيب برسالته ﷺ ، ثم ذكر تعالى أن الإيمان بجميع الرسل شرط لصحة الإيمان، وبيَّن أنَّ الإِسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله دينًا سواه، فالغرض من هذه الآيات: إثبات نبوة محمد ﷺ ، بتعداد أشياء معروفة عند أهل الكتاب قطعًا لعذرهم، وإظهارًا لعنادهم، ودحضًا لمزاعمهم، وإزالةً لشبهات من أنكر منهم بعثة نبي من العرب.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ...﴾ قيل سبب نزولها: أنَّ (١) أهل الكتاب اختلفوا، فادعى كل فريق منهم أنَّه على دين إبراهيم ﵇، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : "كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سبب نزولها (٢): ما رواه النسائي وابن جرير وابن حبَّان والحاكم عن ابن عباس ﵄ كان رجلٌ من الأنصار أسلم ثم ارتدَّ ولحق بالشرك ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ قال: فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الحديث رجاله رجال الصحيح.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ سبب نزولها (٣): ما رواه ابن كثير في تفسيره، عن
стр. 1833
عكرمة عن ابن عباس ﵄، أنَّ قومًا أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم؟ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ هكذا رواه، وإسناده جيد.
التفسير وأوجه القراءة
٨١ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ قرأ جمهور السبعة: ﴿لَمَا﴾ بفتح اللام وتخفيف الميم، وعلى هذه القراءة يُقرأ: ﴿أتيناكم﴾ بنون العظمة، وهي قراءة نافع وجعفر، ويُقرأ ﴿أتيتكم﴾ بالإفراد، وهو الموافق لما قبله وما بعده؛ لأنَّه تقدم قبله ﴿إذ أخذ الله﴾ وجاء بعده: ﴿إصْرِي﴾؛ وهي قراءة الباقين من العشرة، وعلى هذه القراءة، أعني قراءة الجمهور بفتح اللام وتخفيف الميم، فاللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، و ﴿ما﴾ شرطية منصوبة على المفعولية بالفعل المذكور بعدها، ﴿وأتيتكم﴾: فعل شرط لها، وقوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾ معطوف على فعل الشرط وقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾: جواب القسم ودال على جواب الشرط.
والمعنى على هذه القراءة: واذكر يا محمَّد لأهل الكتاب قصة إذ جعل الله العهد المؤكد باليمين على جميع النبيين المرسلين في عالم الذرة، أوفى كتبهم بقوله لمهما أعطيتكم به من كتاب منزل، أو حكمة وعلم نافع ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ من عندي، وهو محمَّد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: موافق وصفه ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ أي: لوصفه المذكور في الكتاب الذي معكم من التوراة والإنجيل ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾؛ أي: لتصدقن أنتم وأممكم برسالته ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ على أعدائه، قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدًا وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته.
وقيل: إنَّ ﴿ما﴾ موصولة مبتدأ، وصلتها ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، والعائد محذوف تقديره أتيتكموه، و ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾ معطوف على الصلة، فهو صلة العائد منه قيل: مقدر؛ أي: جاءكم به، وقيل: الربط حاصل بإعادة الموصول بمعناه في
стр. 1834
قول ما معكم.
وقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر وجوابه خبر المبتدأ الذي هو ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ والهاء في ﴿بِهِ﴾ تعود على المبتدأ، ولا تعود على ﴿رَسُولٌ﴾ لئلا يلزم خلو الجملة الواقعة خبرًا من رابط يربطها بالمبتدأ، وقيل: إنَّ ﴿لَمَا﴾ مخفف لما، والتقدير: حين آتيتكم، ويأتي توجيه قراءة التشديد.
وقرأ حمزة: بكسر اللام مع تخفيف الميم في ﴿لما﴾ وعلى هذه القراءة يقرأ ﴿آتيتكم﴾ بالتاء فقط، فاللام في هذه القراءة للتعليل، متعلقة بـ ﴿أَخَذَ﴾ و ﴿ما﴾ موصولة و ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ صلته والعائد محذوف، و ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾ معطوف على الصلة، والرابط لها بالموصول إمَّا ضمير محذوف، وإمَّا هذا الظاهر الذي هو بمعنى الموصول، أعني قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ كما مر آنفًا.
والمعنى على هذه القراءة: واذكر يا محمَّد لأهل الكتاب، قصة إذ أخذ الله ميثاق النبيين لرعاية الذي آتيتكم من الكتاب والحكمة. الخ، ففي هذه القراءة تقدير مضاف بعد لام التعليل.
وأجاز الزمخشري (١) في قراءة حمزة أنْ تكون (ما) مصدرية، وقال: معنى الكلام حينئذٍ لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لِمَا معكم لتؤمنن به، قالوا: فهو مخالف لظاهر الآية؛ لأنَّ ظاهر الآية يقتضى أنْ تكون تعليلًا لأخْذِ الميثاق، لا لمتعلقه، وهو الإيمان، فاللام متعلقة بـ ﴿أَخَذْ﴾، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلق بقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ ويمتنع ذلك من حيث إن اللام المتلقى بها القسم، لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وقال النسفي: والمعنى على كونها مصدريّة: أي أخذ الله ميثاقكم لتؤمنن بالرسول، ولتنصرنه، لأجل أنِّي آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالايمان به ونصرته، موافق لكم غير مخالف. انتهى.
стр. 1835
وقرأ سعيد بن جبير والحسن شذوذًا: ﴿لمَّا﴾ بتشديد الميم، على أنَّها ظرف بمعنى حين، متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُنَّ﴾، والمعنى: اذكر يا محمد لأهل الكتاب، قصة إذ جعل الله العهد المؤكد باليمين علي النبيين في عالم الأرواح بقوله: حين أعطيتكم الكتاب والحكمة في عالم الأشباح، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، لتؤمنن به ولتنصرنه.
وقرأ أبي وعبد الله شذوذًا: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ بدل النبيين، وكذا هو في مصحفيهما، وقرأ عبد الله شذوذًا: ﴿رسول مصدقًا﴾ بالنصب على الحال من النكرة المتقدمة، وهو جائز، وإن كان قليلًا، وقد ذكروا أن سيبويه قاسه، ويحسن هذه القراءة أنَّه نكرة في اللفظ معرفة من حيث المعنى؛ لأن المعني: به محمَّد ﷺ على قول الجمهور.
والمقصود من الآية (١): أنَّ الله تعالى، أخذ الميثاق من النبيين خاصة، قبل أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده: أنْ يصدق بعضهم بعضًا، وأخذ العهد على كل نبي: أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه، وإنْ لم يدركه: أن يأمر قومه بنصرته إنْ أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد ﷺ ، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاووس.
وقيل: إنَّما أخذ الله الميثاق من النبيين في أمر محمَّد ﷺ بأن يبين بعضهم لبعض صفة محمَّد وفضله، وهو قول علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي، وقال علي بن أبي طالب: ما بعث الله نبيًّا، آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد ﷺ ، وأخذ هو العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه.
وقيل: إن المراد من الآية أنَّ الأنبياء ﵈ كانوا يأخذون الميثاق على أممهم، بأنَّه إذا بعث محمد ﷺ يؤمنون به وينصرونه، وهذا قول كثير من المفسرين، والمراد من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ هو محمَّد ﷺ ، والمراد بكونه مصدقًا لما معهم: أن صفاته ونعوته وأحواله مذكورة في
стр. 1836
التوراة والإنجيل، فلمَّا ظهر على نعوت وأحوال مطابقة لما كان مذكورًا في تلك الكتب .. كان نفس مجيئه تصديقًا لما كان معهم.
وصفوة القول: إنكم يا أهل الكتاب ملزمون باتباع محمَّد ﷺ ، والتصديق بشريعته، بمقتضى الميثاق الذي أخذ على كل من موسى وعيسى ﵇، أنَّه إذا جاء نبي بعده، وصدق بما معه، يؤمن به، وينصره.
وإيمانكم بموسى أو عيسى ﵇ يقتضي التصديق بكل ما يؤمن به كل منهما.
﴿قَالَ﴾ الله للنبيين ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين، مع إدخال ألف بينهما وتركه، وبتسهيل الثانية مع إدخال ألف بينهما، وبين الأولى المحققة وتركه، وبإبدال الثانية ألفًا ممدودة، فالقراءات خمسٌ كما في "الخطيب"؛ أي: هل اعترفتم بالإيمان به والنصرة له ﴿وَأَخَذْتُم﴾؛ أي: قبلتم ﴿عَلَى ذَلِكُمْ﴾ المذكور من الإيمان به والنصر له ﴿إِصْرِي﴾؛ أي: عهدي، وسمي العهد إصرًا؛ لأنَّه مما يؤصر؛ أي: يشد ويعقد والإصر في الأصل الحمل الثقيل، وقرىء شاذًا بضم الهمزة (أُصري) وهي مروية عن أبي بكر، عن عاصم شذوذًا، ويحتمل أن يكون لغة فيه، ويحتمل أن يكون جمعًا لأصار، كإزار وأزر ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال النبيون جوابًا للرب ﷻ ﴿أَقْرَرْنَا﴾؛ أي: اعترفنا بذلك العهد وقبلناه، ﴿قَالَ﴾ الله تعالى للنبيين ﴿فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: على أنفسكم وعلى أتباعكم؛ أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وقبول العهد ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضًا، من الشاهدين معكم، لا يعزب عن علمي شيء.
وهذا الحوار لتثبيت المعنى وتوكيده، على طريق التمثيل، وليست الآية نصًّا في أنَّ هذه المحاورة وقعت، وهذه الأقوال قيلت، وله نظائر كثيرة في الأساليب العربية.
٨٢ - ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: فمن أعرض عن الإيمان بهذا الرسول ونصرته
стр. 1837
بعد قبول الميثاق والعهد ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المعرضون ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن طاعة الله وميثاقه.
وخلاصة المعنى: فمن أعرض بعد أخذ الميثاق على هذه الوحدة، واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان، ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره .. فأولئك الجاحدون هم الفاسقون، فأهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ خارجون عن ميثاق الله، ناقضون لعهده، وليسوا من الدين الحق في شيء.
وبعد أنْ بين الله أنَّ دين الله واحد، وأنَّ رسله متفقون فيه، ذكر حال منكري نبوة محمد ﷺ فقال:
٨٣ - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري، والتنبيه على الخطأ في التولي والإعراض، وهي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، والتقدير: أيتولون ويعرضون عن الحق بعد ما تبين لهم، ويطلبون غير دين الله وهو، الإِسلام، والإخلاص له في العبادة في السر والعلن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: والحال أنَّه قد خضع له تعالى، وإنقاذ لحكمه أهل السموات والأرض حالة كونهم ﴿طَوْعًا﴾؛ أي؛ طائعين راضين، يعني: الملائكة والمسلمين ﴿و﴾ حالة كونهم ﴿كرهًا﴾؛ أي: كارهين، يعني الكفار في حالة البأس، ورؤية العذاب.
فالطَّوْع (١): الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما كان من ذلك بمشقة وإباء من النفس، واختلفوا في معنى قوله: ﴿طوعًا أو كرهًا﴾، فقيل: أسلم أهل السموات طوعًا، وأسلم بعض أهل الأرض طوعًا، وبعضهم كرهًا من خوف القتل والنبي، وقيل: أسلم المؤمن طوعًا، وانقاد الكفار كرهًا، وقيل: هذا في يوم أخذ الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بلى﴾ فمن سبقت له السعادة .. قال ذلك طوعًا، ومن سبقت له الشقاوة. قال ذلك كرهًا، وقيل: أسلم المؤمن
стр. 1838
طوعًا، فنفعه إسلامه يوم القيامة، والكافر يسلم كرهًا عند الموت في وقت اليأس، فلم ينفعه ذلك في القيامة، وقيل: أنَّه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على الله في مراده، فأمَّا المسلم فينقاد لله، فينفذ أمره أو نهاه طوعًا، وأمَّا الكافر فينقاد لله كرهًا في جميع ما يقضى عليه، ولا يمكنه دفع قضائه وقدره عنه.
وحاصل معنى الآية (١): أنَّ هذا الميثاق لمَّا كان مذكورًا في كتبهم، وهم كانوا عارفين بذلك، فقد كانوا عالمين بذكر محمد ﷺ في النبوة، فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد، فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم الله أنَّهم متى كانوا كذلك .. كانوا طالبين دينًا غير دين الله، ومعبودًا سوى الله تعالى، ثمَّ بين أنَّ الإعراض عن حكم الله تعالى مما لا يليق بالعقلاء، فقال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: لجلال الله تعالى لا لغيره انقاد في طرفي وجوده وعدمه؛ لأنَّ كل ما سوى الله تعالى ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاده، ولا يعدم إلا بإعدامه، سواء كان عقلًا، أو نفسًا، أو روحًا، أو جسمًا، أو جوهرًا، أو عرضًا، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعًا فيما يتعلق بالدين، وينقادون له كرهًا فيما يخالف طباعهم، من الفقر، والمرض، والموت، وما أشبه ذلك، أمَّا الكافرون .. فهم مناقدون لله تعالى كرهًا على كل حال؛ لأنَّهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين، ويخضعون له تعالى في غير ذلك كرهًا؛ لأنَّه لا يمكنهم دفع قضائه تعالى، وقدره أيضًا، كل الخلق منقادون لإلهيته تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ومنقادون لتكاليفه، وإيجاده للآلام كرهًا.
﴿وَإِلَيْهِ﴾ تعالى لا إلى غيره ﴿يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: يرجع الخلائق كلهم للمجازاة يوم القيامة، ففيه وعيد شديد لمن خالفه في الدنيا؛ أي: أيبتغون غير
стр. 1839
دين الله، مع أن مرجعهم إليه تعالى.
وقرأ أبو عمرو وحفص وعياش ويعقوب وسهل (١): ﴿يبغون﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ الباقون ﴿تبغون﴾ بالتاء على الخطاب، فالياء على نسق ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرأ الأعمش شاذًا: (كُرهًا): بضم الكاف والجمهور بفتحها.
وقرأ حفص وعياش ويعقوب وسهل ﴿يرجعون﴾ بالياء على الغيبة، فيحتمل أن يكون عائدًا على ﴿من أسلم﴾، ويحتمل أن يكون عائدًا على ضمير ﴿يَبْغُونَ﴾، فيكون على سبيل الالتفات على قراءة من قرأ: ﴿تبغون﴾ بالتاء، إذ يكون قد انتقل من خطاب إلى غيبة، وقرأ الباقون بالتاء، فإن كان الضمير عائدًا على ﴿من أسلم﴾ .. كان التفاتًا، أو على ضمير ﴿تبغون﴾ كان التفاتًا على قراءة من قرأ: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء، إذ يكون قد انتقل من غيبة إلى خطاب.
ولمَّا ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة، أنَّه إنَّما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقًا لما معهم .. بين الله تعالى من صفة محمد ﷺ ، كونه مصدقًا لما معهم فقال تعالى:
٨٤ - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وإنَّما وحد الضمير في قوله: ﴿قُلْ﴾ وجمع في قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إشعارًا بأنَّه لا يبلغ هذا التكليف من الله تعالى إلى الخلق إلا هو، فلذلك وحد الفعل في قوله: ﴿قُلْ﴾ وتنبيهًا على أنه وافقه حين قال هذا القول أصحابه فلذا حسنًا الجمع في قوله: ﴿آمَنَّا﴾.
ومعنى الآية: قل يا محمد ﴿ءَآمَنَّا﴾؛ أي: صدقت أنا ومن معي ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أي: بوجود الله ووحدانيته، وتصرفه في الأكوان كلها، وأنَّه ربنا وإلهنا، لا إله لنا غيره، ولا رب سواه، والمراد؛ آمنا بالله وحده، لا كما آمن أهل الكتاب به على وجه التثليث؛ وإنَّما قدم الإيمان بالله على غيره لأنَّه الأصل ﴿و﴾ قل يا محمد
стр. 1840
أيضًا صدقنا بـ ﴿ما أنزل علينا﴾ من وحيه وتنزيله؛ وإنَّما قدم ذكر القرآن لأنَّه أشرف الكتب المنزلة؛ لأنَّ المعيار عليه؛ ولأنَّه لم يحرف ولم يبدل، وغيره حرف وبدل؛ أي: آمنا بالقرآن المنزل عليه ﷺ أولًا، وعلى أمته بتبليغه إليهم.
وإنَّما عدي الإنزال هنا بعلى، وفي البقرة بإلى؛ لأنَّه يصح تعديته بكل منهما، فله جهة علو باعتبار إبتدائه، وجهة انتهاء باعبتار آخره، وهو باعتبار ابتدائه متعلق بالنبي، وباعتبار انتهائه متعلق بالمكلفين، ولمَّا خص الخطاب هنا بالنبي .. ناسب الاستعلاء، ولما عمم هناك جميع المؤمنين .. ناسبه الانتهاء ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾؛ أي: وقيل يا محمد أيضًا: صدقنا بأنَّ الله أنزل على هؤلاء وحيًا لهداية أقوامهم، وأنَّه موافق في أصوله لما أنزل علينا؛ أي: آمنا بما أنزل على هؤلاء من الصحف والوحى، والأسباط هم بطون بني إسرائيل، المتشعبة من أولاد يعقوب، وإنَّما خص هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ أهل الكتاب يعترفون بفضلهم وبنبوتهم، ولم يختلفوا فيهم ﴿و﴾ صدقنا بـ ﴿ما أوتي﴾ وأعطي ﴿مُوسَى وَعِيسَى﴾ من التوراة والإنجيل، وسائر المعجزات الظاهرة على أيديهم، كما ينبىء عنه إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب، وإنَّما أفرد هذين النبيين بالذكر؛ لأنَّ الكلام مع اليهود والنصارى، ثم جمع جميع الأنبياء فقال: ﴿وَالنَّبِيُّونَ﴾؛ أي: وما أعطى النبيون ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ كداود، وسليمان، وأيوب، وغيرهم ممن لم يقص الله سبحانه علينا قصصهم ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ تعالى بالتصديق والتكذيب، فنصدق بالبعض، ونكفر بالبعض، كما فعل اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل.
فما مثل الأنبياء إلا كمثل الأمراء الأمناء الصادقين، يرسلهم السلطان على التعاقب للقيام بشؤون ولاية من ولاياته، وإصلاح أحوال أهلها، وعمل القوانين النافعة لحكمها، فقد يغير التالي بعض القوانين السابقة، بحسب ما يرى من تبدل طباع أهلها وعاداتهم، من شراسة إلى لين، ومن جهل إلى علم، ومن بداوة إلى مدينة وحضارة، وما المقصد من كل هذا إلا عمرانها، وبذل الوسع في سعادة أهلها، وإيصال الخير إليهم.
стр. 1841
﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ ﴿مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: منقادون له بالطاعة، مخلصون له في العبادة، مقرون بالألوهية والربوبية، لا نشرك به أحدًا أبدًا، ولا نبتغي بذلك إلا التقرب إليه، لإصلاح نفوسنا، وتزكية أرواحنا وتطهيرها من أدران الذنوب والخطايا.
وقد افتتحت الآية بالإيمان واختتمت بالإِسلام والخضوع، وهو الثمرة والغاية من كل دين أرسل به نبي.
٨٥ - ثم أخبر تعالى: بأنَّ كل دين غير الإِسلام باطل ومرفوض فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ أي: ومن يطلب دينًا غير التوحيد والانقياد لحكم الله ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؛ أي من سلك شريعة غير شريعة الإِسلام بعد بعثة محمد ﷺ ، وتدين بها، لن يقبل الله منه؛ يعني: إنَّ الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وإن كل دين سواه غير مقبول عنده؛ لأنَّ الدين الصحيح ما يأمر الله به، ويرضى عن فاعله، ويثيبه عليه ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: ذلك المبتغي ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من الواقعين في الخسران، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا .. فهو رد". والمعنى: أنَّ المعرض عن الإسلام، والطالب لغيره، فاقد للنفع، واقع في الخسران، بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، محروم من الثواب، واقع في العقاب، متأسف على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح، وعلى ما تحمله من التعب في الدنيا، في تقرير الدين الباطل.
فائدة: قوله: ﴿يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ العامة (١) على إظهار هذين المثلين؛ لأنَّ بينهما فاصلًا، فلم يلتقيا في الحقيقة، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجازم، وروي عن أبي عمرو فيها الوجهان: الإظهار على الأصل ولمراعاة الفاصل الأصلي، والإدغام لمراعاة اللفظ، إذ يصدق أنَّهما التقيا في الجملة؛ لأن ذلك الفاصل مستحق الحذف لعامل الجزم، وليس هذا مخصوصًا بهذه الآية، بل كلما التقى فيه مثلان بسبب حذف حرف العلة اقتضت ذلك، يجرى فيه الوجهان،
стр. 1842
نحو ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، وإن يأت كاذبًا، وقد استشكل على هذا نحو ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾، فأنَّه لم يرد من أبي عمرو خلاف في إدغامهما، وكان القياس يقتضى جواز الوجهين؛ لأنَّ ياء المتكلم فاصلة تقديرًا. اهـ "سمين".
ولفظ ﴿دِينًا﴾ إما مفعول و ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ حال منه مقدم عليه، أو تمييز، أو بدل من غير، كما سيأتي ذلك في مباحث الإعراب.
٨٦ - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ نزلت (١) في إثني عشر رجلًا ارتدوا عن الإِسلام، وخرجوا من المدينة، وأتوا مكة كفارًا، منهم الحارث بن سويد الأنصاري، وطعمة بن أبيرق، وحجوج بن الأسلت، كما أخرجه عن عكرمة ابن عساكر، وقال ابن عباس ﵄: نزلت في اليهود والنصارى، وذلك أنَّ اليهود كانوا قبل مبعث النبي ﷺ يستفتحون به على الكفار، ويقرون به ويقولون: قد أظل زمان نبي مبعوث، فلما بعث محمد ﷺ .. كفروا به بغيًا وحسدًا.
والاستفهام هنا (٢) للإنكار، ويجوز أن يكون للتعجب والتعظيم لكفرهم بعد الإيمان، أو للاستبعاد والتوبيخ؛ فإنَّ الجاحد عن الحق بعد ما وضح له .. منهمك في الضلال، بعيد عن الرشاد، فليس للإنكار، حتى يستدل به على عدم توبة المرتد، وإنْ كان إنكارًا فالاستشهاد يمنعه.
ومعنى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ كيف يرشد الله للصواب ويوفق للإيمان ﴿قَوْمًا كَفَرُوا﴾؛ أي: جحدوا نبوة محمد ﷺ ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ أي: تصديقهم إياه بالقلب، وإذعانهم به، وبما جاء به من عند ربه ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾؛ أي: وبعد أنْ شهدوا وأقروا بلسانهم أنَّ محمدًا رسول الله إلى خلقه، وأنَّه حق وصدق ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: والحال أنَّه قد جاءهم الحجج والبراهين، والمعجزات
стр. 1843
الدالة على صحة نبوته، وصدقه ﷺ ؛ أي: لا يوفق القوم الكافرين الأصليين والمرتدين طريق الهدى والرشاد، لما سبق في علمه تعالى أنَّهم ظالمون، وقيل: لا يهديهم في الآخرة إلى الجنة والثواب، فإنْ قلت (١): كيف قال الذي أول الآية: ﴿كَيْفَ يَهْدِي﴾ وفي آخر الآية: ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا تكرار؟
قلتُ: ليس فيه تكرار؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ إنَّما هو مختص بأولئك المرتدين عن الإسلام، ثمَّ إنَّه تعالى عمم ذلك الحكم في آخر الآية فقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني جميع الكفار، المرتدين عن الإسلام والكافر الأصلي، وإنَّما سمى الكافر ظالمًا لأنَّه وضع العبادة في غير موضعها.
٨٧ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين كفروا بعد إيمانهم ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ على كفرهم ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أي: سخطه وغضبه، وإبعاده لهم عن رحمته ﴿و﴾ أنَّ عليهم لعنة ﴿الملائكة والناس أجمعين﴾؛ أي: يستحقون غضب الله وسخطه، وسخط الملائكة والناس كلهم، إذ هم متى عرفوا حقيقة حالهم لعنوهم؛ لأنَّها مجلبة للَّعن بطبعها لكل من عرفها.
وهذا يدل (٢) بمنطوقه على جواز لعنهم، وبمفهومه ينفي جواز لعن غيره، ولعل الفرق أنَّهم مطبوعون على الكفر، ممنوعون عن الهدى، آيسون عن الرحمة رأسًا، بخلاف غيرهم، والمراد بالناس المؤمنون، أو العموم؛ فإنَّ الكافر أيضًا يلعن منكر الحق، والمرتد عنه، ولكن لا يعرف الحق بعينه حالة كونهم
٨٨ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدرين الخلود في اللعنة أو العقوبة، أو النار، وإنْ لم يجر ذكرهما لدلالة الكلام عليهما ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لا ينقصون من العذاب شيئًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: ولا هم يمهلون لمعذرة يعتذرون بها؛ لأنَّ سببه ماران على قلوبهم من ظلمات الجحود والعناد، وسخط الله وغضبه، وهو معهم لا يفارقهم أينما كانوا، ثمَّ استثنى فقال:
٨٩ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ورجعوا
стр. 1844
من الكفر إلى الإيمان ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعد ارتدادهم وكفرهم، وذلك أن الحارث بن سويد الأنصاري لما لحق بالكفار ندم على ذلك، فأرسل إلى قومه: أن سلوا رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ ففعلوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية. فبعث إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبًا، وقبل رسول الله ﷺ توبته، وحسن إسلامه ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: عملوا الأعمال الصالحة، وقيل: معناه وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات والطاعات ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لقبائحهم في الدنيا بالستر لها ﴿رَحِيمٌ﴾ في الآخرة بالعفو عنها، وقيل: غفور بإزالة العذاب، رحيم بإعطاء الثواب، وفي هذا الاستثناء وما بعده إشارة إلى أنَّ الكفار تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم: تاب توبة صادقة فنفعته، وإليهم الإشارة بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
وقسم: تاب توبة فاسدة فلم تنفعه، وإليهم الإشارة بقوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.
وقسم: لم يتب أصلًا ومات على الكفر، وإليهم الإشارة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾.
وخلاصة المعنى: أي إلا الذين تابوا من ذنوبهم، وتابوا إلى ربهم، وتركوا ذلك الكفر، الذي دنسوا به أنفسهم، نادمين على ما أصابوا منه، وأصلحوا نفوسهم بصالح الأعمال التي تغذي الإيمان، وتمحو من صفحة القلب ما كان قدْ ران عليها، من ذميم الأخلاق والصفات. وفي هذا إيماء إلى أنَّ التوبة التي لا أثر لها في العمل، لا يعتد بها في نظر الدين، إذ كثير من الناس يظهرون التوبة بالندم، والاستغفار، والرجوع عن الذنب، ثم لا يلبثون أنْ يعودوا إلى مثل ما كانوا قد اجترحوا من السيئات؛ لأنَّ التوبة لم يكن لها أثر في نفوسهم، ينبههم إذا غفلوا، ويهديهم إلى اتخاذ الطرق الموصلة لإصلاح شؤونهم، وتقويم المعوج من أمورهم، فإذا هم فعلوا ذلك .. نالهم من مغفرة ربهم ما يؤهلهم لدخول
стр. 1845
جنته، والفوز برحمته.
٩٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعيسى والإنجيل ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِم﴾ بموسى والتوراة، وهم اليهود ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمد ﷺ والقرآن ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا غرغروا أو ماتوا كفارًا، وقيل: نزلت في اليهود والنصارى جميعًا، وذلك أنَّهم آمنوا بمحمد ﷺ قبل مبعثه، وشهدوا أنَّه حق لما رأوا في كتبهم من نعته ووصفه، ثم كفروا به بعد بعثته، ثم ازدادوا كفرًا بالإصرار والعناد، والصد عن سبيل الله، وبالحرب، فهؤلاء لا تقبل توبتهم ما أقاموا على ذلك؛ لأنَّ نفوسهم قد توغل فيها الشرك، وتمكن فيها الكفر، وأحاطت بها خطيئتها، وضلت على علم، وقرأ عكرمة شاذًا: ﴿لن نقبل﴾: بالنون ﴿توبتَهم﴾: بالنصب.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ الذين كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرًا ﴿هُمُ الضَّالُّونَ﴾؛ أي: المتناهون في الضلال، الذين ضلوا عن سبيل الحق، وأخطأوا منهاجه.
وما مثل ذلك إلا مثل الثوب الأبيض، تصيبه بعض الأوساخ، فيبادر صاحبه إلى غسله، فينظف، ويزَولُ أثر ذلك الدنس، ولكن إذا تراكمت عليه الأقذار مدة طويلة، حتى تخللت جميع خيوطه وتمكنت منها .. تعذر تنظيفه، وإعادته إلى حاله الأولى، وبين هذه الحال وما قبلها مراتب متفاوتة.
وقد أشير إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.
٩١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ وبمحمد ﷺ ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ بهما ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مقدار ما يملأ الأرض مشرقها ومغربها ﴿ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى﴾ نفسه ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الملء، قال الزجاج: إن الواو للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله في الدنيا بملء الأرض ذهبًا .. لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب في الآخرة بملء الأرض ذهبًا .. لم يقبل منه، أو المراد بالواو التعميم في الأحوال، كأنَّه قيل: لن يقبل من الكفار الفداء في جميع
стр. 1846
الأحوال، ولو في حال افتدائه نفسه في الآخرة، وقيل: هي زائدة، كما قرئ شاذًا بإسقاطها، ومفعول افتدى محذوف؛ أي: ولو افتدى نفسه. وقرأ عكرمة شاذًا ﴿فلنْ نقبل﴾: بالنون، و ﴿وملء﴾: بالنصب، وقرىء شاذًا: ﴿فلن يَقبل﴾ بالياء مبنيًّا للفاعل؛ أي: فلن يقبل الله و ﴿ملء﴾ بالنصب، وقرأ أبو جعفر وأبو السمال شذوذًا: ﴿مل الأرض﴾ بدون همز، ورويت عن نافع، ووجهه أنَّه نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبل - وهو اللام - وحذفت الهمزة، وهو قياس في كل ما كان نحو هذا، وقرأ الأعمش شذوذًا أيضًا: ﴿ذهبٌ﴾: بالرفع، وحمل على أنَّه بدل من (ملء)، وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا أيضًا: ﴿لو افتدى به﴾: بدون واو.
فإن قلت (١): الكافر لا يملك شيئًا في الآخرة فما وجه قوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾؟.
قلتُ: الكلام ورد على سبيل الفرض والتقدير، والمعنى: لو أنَّ للكافر قدر ملء الأرض ذهبًا يوم القيامة .. لبذله في تخليص نفسه من العذاب، ولكن لا يقدر على شيء من ذلك.
وقيل معناه: لو أنَّ الكافر أنفق في الدنيا ملء الأرض ذهبًا، ثم مات على كفره .. لم ينفعه ذلك؛ لأنَّ الطاعة مع الكفر غير مقبولة؛ لأنَّ الكفر يحبط أعماله، ويمحو كل حسناته، فمن لم تزك نفسه في الدنيا، وتسمُ عما يكدرها من ظلمات الكفر، وأوضار الشرك .. فلن ينفعها يوم مناقشة الحساب عمل وإنْ جَلَّ، ولا فضيلة وإن عظمت، إذ المعول عليه في ذلك اليوم هو الإيمان الصحيح بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح الذي يرقى بصاحبه إلى حظيرة القدس في جوار الرب الرحيم.
﴿أُولَئِكَ﴾ الكفار الذين ماتوا على الكفر ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾؛ أي: مانعين يدفعون عذاب الله
стр. 1847
عنهم، أو يخففونه عنهم، كما كانوا ينصرونهم في الدنيا إذا حاول أحد أذاهم، أو إيقاع المكروه بهم. وعن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله : لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة، لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم، أنْ لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا الشرك". متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم.
الإعراب
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى، والظرف متعلق بمحذوف تقديره: أذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لي ﴿إذ﴾ ﴿لَمَا﴾ اللام: حرف زائد لتوطئة معنى القسم الآتي ﴿ما﴾: شرطية في محل النصب على كونه مفعولًا ثانيًا لآتي ﴿آتَيْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم الشرط، أو حال منه ﴿وَحِكْمَةٍ﴾: معطوف على ﴿كِتَابٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم معطوف على ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة لي ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿لِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة ﴿لِمَا﴾. أو صفة لها ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ اللام موطئة للقسم ﴿تؤمنن﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، لعدم مباشرة نون التوكيد، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه في محل
стр. 1848
الجزم جواب لما الشرطية، وجملة الشرط مع جوابه في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، اللام: موطئة للقسم ﴿تنصرن﴾: فعل مضارع مرفوع لتوالي الأمثال لعدم مباشرة نون التوكيد، والواو المحذوفة فاعل، والهاء مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب، كما أشرنا إليها في مقام التفسير، لا نطيل الكلام بذكرها؛ لأنَّها تحتاج إلى أوراق كثيرة، تكون رسالة نفردها بالتأليف إنْ شاء الله تعالى.
﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾: إلى ﴿قَالُوا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإنْ شئت قلت الهمزة: للاستفهام التقريري ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿وَأَخَذْتُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أخذتم﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَى ذَلِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخذتم﴾ ﴿إِصْرِي﴾: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَقْرَرْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿فَاشْهَدُوا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ الفاء عاطفة (١) على محذوف تقديره: قال: أأقررتم فاشهدوا، فالفاء دخلت للعطف، ونظير ذلك قولك: ألقيت زيدًا؟ قال: لقيت، قلت فأحسن إليه، التقدير: لقيت زيدًا فأحسن إليه، فما فيه الفاء بعض المقول، ولا يجوز أن يكون كل المقول لأجل الفاء، ذكره أبو حيان ﴿أشهدوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب، معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَنَا
стр. 1849
مَعَكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو حالية ﴿أنا﴾: مبتدأ. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الشَّاهِدِينَ﴾، أو حال من الضمير المستكن في الخبر، ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: جار ومجرور، خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿اشهدوا﴾ ولكنها سببية.
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.
﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما ذكر من إقراركم، وشهادتكم، وشهادتي معكم، وأردتم بيان حكم من تولى بعد ذلك .. فأقول لكم. (مَنْ): اسم شرط جازم، أو اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط فقط، أو جملة الجواب فقط، أو هما إن كانت شرطية، أو جملة (أولئك) إنْ كانت موصولة، ﴿تَوَلَّى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ (من) الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَوَلَّى﴾ أو الجملة الفعلية صلة من الموصولة إنْ قلنا: ﴿من﴾: موصولة ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة اسمية، أو رابطة الخبر بالمبتدأ، لما في المبتدأ من العموم إنْ كانت موصولة، (أولئك): مبتدأ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبر، والجملة الإسمية في محل الجزم على كونها جوابًا لـ ﴿من﴾ الشرطية، أو خبر لـ ﴿من﴾ الموصولة، والجملة الشرطية، أو الإسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
﴿أَفَغَيْرَ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخله على محذوف تقديره: أيتولون .. فيبتغون غير دين الله، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿غير﴾ مفعول مقدم لـ ﴿يَبْغُونَ﴾ وهو مضاف ﴿دِينِ﴾: مضاف إليه وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، ﴿يَبْغُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة جملة إنشائية مستأنفة،
стр. 1850
﴿وَلَهُ﴾: الواو حالية ﴿له﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَسْلَمَ﴾ ﴿أَسْلَمَ﴾: فعل ماضٍ. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من لفظ الجلالة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ حالان من فاعل ﴿أَسْلَمَ﴾ تقديره: حالة كونهم طائعين وكارهين ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، (إليه): جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ على كونها حالًا من الجلالة، أو مستأنفة.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لقل. ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر، معطوفة على لفظ الجلالة، ﴿أُنزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير النائب، ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنُزِلَ﴾، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ معطوف على ﴿ما أنزل علينا﴾ ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: معطوفات على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: معطوف على لفظ الجلالة، ﴿أُوتِيَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ﴿مُوسَى﴾: نائب فاعل، وهو المفعول الأول لأوتي، والثاني محذوف تقديره: أوتيه موسى، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف ﴿وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾: معطوفان على ﴿مُوسَى﴾، ﴿مِن
стр. 1851
رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من ضمير المفعول المحذوف ﴿لَا﴾: نافية، ﴿نُفَرِّقُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على النبي ومن معه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿آمَنَّا﴾ تقديره: آمنا بما أوتي النبيون حالة كوننا لا نفرق ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿نُفَرِّقُ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾. ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿نحن﴾ مبتدأ، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُسْلِمُونَ﴾: وهو خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ على كونها حالًا من فاعل ﴿آمَنَّا﴾ تقديره: آمنا بالله حالة كوننا منقادين له.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط فقط، أو الجواب فقط، أو هما معًا، ﴿يَبْتَغِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾؛ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿دِينًا﴾: تمييز، ويجوز أن يكون ﴿دِينًا﴾: مفعولًا، و ﴿غَيْرَ﴾ صفة له، قدمت عليه فصارت حالًا، ويجوز أن يكون ﴿دِينًا﴾ بدل من ﴿غَيْرَ﴾ ﴿فَلَن﴾ الفاء: رابطة لجواب (من) الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بـ (لن)، (لن): حرف نصب ﴿يُقْبَلَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، منصوب بـ (لن)، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة، ﴿هو﴾ مبتدأ، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ الآتي، على أن الألف واللام ليست موصولة، بل للتعريف، كهي في الرجل، أو على أنها موصولة، وتُسُومِح في الظرف والمجرور؛ لأنَّه يشمع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، أو في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿من﴾ الشرطية.
стр. 1852
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾.
﴿كَيْفَ﴾: اسم للاستفهام الإنكاري لتعميم الأحوال، في محل النصب حال، أو ظرف والعامل فيها ﴿يَهْدِى﴾ ﴿يَهْدِي الله قَوْمًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾ ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة (شهدوا): فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنَّ﴾ مضمرة وجوبًا بعد الواو العاطفة على المصدر الصريح، والجملة الفعلية صلة أنْ المضمرة، أنْ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على قوله: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ تقديره: كفروا بعد إيمانهم، وبعد شهادتهم أنَّ الرسول حق، ويجوز أن تكون جملة (شهدوا) حالًا من ضمير ﴿كَفَرُوا﴾ وأنْ تكون معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾ كما ذكره أبو البقاء، ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب، ﴿الرَّسُولَ﴾: اسمها، ﴿حَقٌّ﴾: خبرها، وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿شهدوا﴾ تقديره: وشهدوا حقية الرسول ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الواو حالية، ﴿جاءهم البينات﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾، ولكنه على تقدير، قد، تقديره: كيف يهدي الله قومًا كفروا وقد جاءهم البينات؟ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الله﴾ مبتدأ، ﴿لَا﴾: نافية ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة له.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول، ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لأنَّ. ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ﴾: اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر عن خبرها، ولفظ الجلالة مضاف إليه ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ﴾ معطوفان على لفظ الجلالة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد للناس، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في
стр. 1853
تأويل مصدر خبر للمبتدأ الثاني تقديره: جزاؤهم كون لعنة الله عليهم، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والعامل فيها الجار والمجرور، أو ما يتعلق به ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فعل ونائب فاعل، و ﴿لَا﴾ نافية عنهم، متعلق بـ ﴿يُخَفَّفُ﴾، والجملة في محل النصب حال ثانية من ضمير ﴿عَنْهُمُ﴾ ولكنها حال سببية ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة (لا): نافية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُنْظَرُونَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ على كونها حالًا من ضمير ﴿عَنْهُمُ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب على الاستثناء ﴿تَابُوا﴾، فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَابُوا﴾ ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تَابُوا﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الفاء: تعليلية لقولهم: إنَّ الفاء بعد الاستثناء للتعليل (إنَّ): حرف نصب ولفظ الجلالة اسمها ﴿غَفُور﴾: خبر أول لها، ﴿رحيم﴾ خبر ثانٍ، والجملة في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بمعلول محذوف تقديره؛ وإنَّما استثنيناهم لكون الله غفورًا رحيمًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾.
﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: ظرف زمان، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا﴾ عطف وفعل وفاعل ﴿كُفْرًا﴾: مفعول به منصوب وفي "الفتوحات" قوله: ﴿كُفْرًا﴾: تمييز محول عن الفاعل، والأصل: ثم ازداد كفرهم، كذا أعربه أبو حيان، وفيه نظر، إذ المعنى على أنَّه مفعول به، وذلك أن الفعل المتعدي إلى اثنين، إذا جعل مطاوعًا .. نقص مفعولًا، وهذا من ذلك، كقولهم: زدت زيدًا خيرًا فازداده، وكذلك أصل الآية
стр. 1854
الكريمة: زادهم الله كفرًا فازدادوه، ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب ﴿تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾، مستأنفة. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الضَّالُّونَ﴾: خبر، والجملة الإسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿لَنْ تُقْبَلَ﴾: على كونها خبرًا لـ ﴿إنَّ﴾ أو معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ على كونها مستأنفة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى﴾.
﴿إن﴾: حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول ﴿وَمَاتُوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿ماتوا﴾. ﴿فَلَنْ﴾ الفاء: رابطة لخبر ﴿إن﴾ باسمها لشبه الذين بالشرط في العموم، وإيذانًا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر، الذي هو معطوف على الصلة، فهو من جملة المبتدأ، ولما لم يقع مثل هذا العطف في الآية التي قبلها .. لم يقترن خبر إنَّ بالفاء؛ لأنَّ الكفر في حد ذاته ليس سببًا في عدم قبول التوبة، بل السبب مجموعه، هو والموت عليه، كذا ذكره في "الفتوحات" ﴿لن﴾: حرف نصب ﴿يُقْبَلَ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِنْ أَحَدِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُقْبَلَ﴾. ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ نائب فاعل ومضاف إليه ﴿ذَهَبًا﴾ تمييز لـ ﴿مِلْءُ﴾ منصوب، والجملة من الفعل المغير ونائبه في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة ﴿وَلَوِ افتَدَى بِهِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة كما قاله الزجاج ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿افْتَدَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدِهِمْ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿افْتَدَى﴾، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: لم يقبل منه، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على محذوف تقديره: لو تقرب إلى الله في الدنيا بملء الأرض ذهبًا .. لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب في الآخرة بملء الأرض ذهبًا .. لم يقبل منه. وقيل: الواو زائدة و (لو): غائبة لا جواب لها.
стр. 1855
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثانٍ مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة، ﴿وَمَا لَهُم﴾: الواو عاطفة ﴿ما﴾: نافية ﴿لَهُم﴾ جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾: من: زائدة ﴿نَاصِرِينَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُولَئِكَ﴾. وفي "الفتوحات": يجوز أن يكون ﴿لَهُم﴾ خبرًا لاسم الإشارة، و ﴿عَذَابٌ﴾: فاعل به، وعمل لاعتماده على ذي خبر، أي: أولئك استقر لهم عذاب، وأن يكون ﴿لَهُم﴾: خبرًا مقدمًا و ﴿عَذَابٌ﴾؛ مبتدأً مؤخرًا، والجملة خبر عن اسم الإشارة، والأول أحسن؛ لأنَّ الإخبار بالمفرد أقرب من الإخبار بالجملة، والأول من قبيل الإخبار بالمفرد. اهـ. "سمين".
وفيها أيضًا قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يجوز أن يكون ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾: فاعلًا وجاز عمل الجار لاعتماده على حرف النفي؛ أي: وما استقر لهم من ناصرين، والثاني: أنَّه خبر مقدم، و ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾: زائدة على الإعرابين، وأتى بـ ﴿نَاصِرِينَ﴾ جمعًا لرعاية الفواصل.
التصريف ومفردات اللغة
﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الميثاق: العهد الموثق المؤكد باليمين، وهو أنْ يلتزم المعاهِد - بكسر الهاء - للمعاهَد - بفتحا - أنْ يفعل شيئًا، ويؤكد ذلك بيمين، أو بصيغة مؤكدة من ألفاظ المعاهدة أو المواثقة، يجمع على مواثق، ومياثق، ومواثيق، ومياثيق، وأصله موثاق، قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة؛ لأنه من وثق يثق.
﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أصله؛ أقر، بالإدغام، وإنَّما فك هنا؛ لأنَّه إذ اتصل بالفعل المدغم عينه في لامه ضمير رفع سكن آخره. فيجب حينئذٍ الفك، نحو: حللت وحللنا، كما قال في الخلاصة:
стр. 1856
وَفُكَّ حَيْثُ مُدْغَمٌ فِيْهِ سَكَنْ ... لِكَوْنِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ
نَحْوِ حَلَلْتُ مَا حَلَلْتُهُ وَفِي ... جَزْمٍ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْيِيْرٌ قُفِيْ
وهو من قر الشيء إذا ثبت مكانه ﴿أخذتم﴾ بمعنى قبلتم؛ لأنَّه من أخذ الشيء إذا قبل، يأخذ من باب نصر ينصر، كما جاء نحوه في قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾.
﴿إِصْرِي﴾ الإصر - بكسر الهمزة -: العهد المؤكد الذي يمنع صاحبه من التهاون فيما التزمه وعاهد عليه، وهمَّ، اسم من أصره إذا حبسه، من باب ضرب، وهو أيضًا الذنب والثقل كما في "المختار".
﴿طَوْعًا﴾ الطوع: مصدر لطاع لفلان يطوع طوعًا، من باب قال، إذا انقاد له وامتثل أمره.
﴿كرهًا﴾ الكره: مصدر كره الشيء يكره، من باب علم، كرهًا وكرهًا وكراهة وكراهية ضد أحبه، وفي "السمين" ﴿طَوْعًا﴾ ﴿وَكَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال، والتقدير: طائعين وكارهين.
﴿الأسباط﴾ جمع سبط، والمراد بهم الأحفاد، وهم أبناء يعقوب الاثني عشر وذراريهم، ولكن المراد بالأسباط هنا قبائل بني إسرائيل، المتشعبة من أولاد يعقوب.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ وهو مضارع ابتغى الشيء يبتغي ابتغاء، إذا طلبه، من باب التفعل، وبناؤه لمبالغة ثلاثيه يقال: بغى الشيء من باب رمى بغيًا وبغاء، وبغى وبغية وبغية إذا طلبه.
﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ اسم فاعل من الظلم، والظلم هو العدول عن الطريق الذي يجب سلوكه للوصول إلى الحق ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ واللعن: الطرد والإبعاد على سبيل السخط.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ الإنظار، الإمهال والتأخير.
стр. 1857
﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ والملء - بكسر الميم وسكون اللام - وهو ما يؤخذه الإناء إذا امتلأ، يقال: إنه ينام ملء جفنه، إذا نام خاليًا من الغم والهم، ويقال: فلان ملء كسائه؛ أي: سمين، ويجمع على أملأ.
البلاغة
وذكروا في هذه الايات أنواعًا من البلاغة والفصاحة:
فمنها: الالتفات في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾، ففيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، إذ قبله ميثاق النبيين، وهو لفظ غائب.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ لأن الظاهر في الجواب أن يقال: أقررنا وأخذنا إصرك، فلم يذكر الثاني اكتفاء بالأول.
ومنها: جناس الاشتقاق بين لفظ: ﴿اشهدوا﴾ و ﴿الشَّاهِدِينَ﴾، وكذلك بين لفظ: ﴿كَفَرُوا﴾ و ﴿كُفْرًا﴾، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: الطباق بين ﴿طَوْعًا﴾ ﴿وَكَرْهًا﴾ وبين لفظ الكفر والإيمان في قوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ في موضعين.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿لَا يَهْدِي﴾، وفي قوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿كَفَرُوا﴾ و ﴿كُفْرًا﴾.
ومنها: التأكيد بلفظ هم في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.
ومنها: قصر صفة على موصوف في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ومثله قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾.
стр. 1858
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ شبه تماديهم على كفرهم وإجرامهم، بالأجرام التي يزاد بعضها على بعض، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
ومنها: العدول من مفعل إلى فعيل؛ لإفادة المبالغة في قوله: و ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لما في فعيل من المبالغة.
ومنها: الحذف في مواضع إلى غير ذلك (١).
والله أعلم
* * *
стр. 1859
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الخامس»
стр. 1860
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان