وَفُكَّ حَيْثُ مُدْغَمٌ فِيْهِ سَكَنْ ... لِكَوْنِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ
نَحْوِ حَلَلْتُ مَا حَلَلْتُهُ وَفِي ... جَزْمٍ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْيِيْرٌ قُفِيْ
وهو من قر الشيء إذا ثبت مكانه ﴿أخذتم﴾ بمعنى قبلتم؛ لأنَّه من أخذ الشيء إذا قبل، يأخذ من باب نصر ينصر، كما جاء نحوه في قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾.
﴿إِصْرِي﴾ الإصر - بكسر الهمزة -: العهد المؤكد الذي يمنع صاحبه من التهاون فيما التزمه وعاهد عليه، وهمَّ، اسم من أصره إذا حبسه، من باب ضرب، وهو أيضًا الذنب والثقل كما في "المختار".
﴿طَوْعًا﴾ الطوع: مصدر لطاع لفلان يطوع طوعًا، من باب قال، إذا انقاد له وامتثل أمره.
﴿كرهًا﴾ الكره: مصدر كره الشيء يكره، من باب علم، كرهًا وكرهًا وكراهة وكراهية ضد أحبه، وفي "السمين" ﴿طَوْعًا﴾ ﴿وَكَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال، والتقدير: طائعين وكارهين.
﴿الأسباط﴾ جمع سبط، والمراد بهم الأحفاد، وهم أبناء يعقوب الاثني عشر وذراريهم، ولكن المراد بالأسباط هنا قبائل بني إسرائيل، المتشعبة من أولاد يعقوب.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ وهو مضارع ابتغى الشيء يبتغي ابتغاء، إذا طلبه، من باب التفعل، وبناؤه لمبالغة ثلاثيه يقال: بغى الشيء من باب رمى بغيًا وبغاء، وبغى وبغية وبغية إذا طلبه.
﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ اسم فاعل من الظلم، والظلم هو العدول عن الطريق الذي يجب سلوكه للوصول إلى الحق ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ واللعن: الطرد والإبعاد على سبيل السخط.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ الإنظار، الإمهال والتأخير.
стр. 1857
﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ والملء - بكسر الميم وسكون اللام - وهو ما يؤخذه الإناء إذا امتلأ، يقال: إنه ينام ملء جفنه، إذا نام خاليًا من الغم والهم، ويقال: فلان ملء كسائه؛ أي: سمين، ويجمع على أملأ.
البلاغة
وذكروا في هذه الايات أنواعًا من البلاغة والفصاحة:
فمنها: الالتفات في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾، ففيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، إذ قبله ميثاق النبيين، وهو لفظ غائب.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ لأن الظاهر في الجواب أن يقال: أقررنا وأخذنا إصرك، فلم يذكر الثاني اكتفاء بالأول.
ومنها: جناس الاشتقاق بين لفظ: ﴿اشهدوا﴾ و ﴿الشَّاهِدِينَ﴾، وكذلك بين لفظ: ﴿كَفَرُوا﴾ و ﴿كُفْرًا﴾، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: الطباق بين ﴿طَوْعًا﴾ ﴿وَكَرْهًا﴾ وبين لفظ الكفر والإيمان في قوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ في موضعين.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿لَا يَهْدِي﴾، وفي قوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿كَفَرُوا﴾ و ﴿كُفْرًا﴾.
ومنها: التأكيد بلفظ هم في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.
ومنها: قصر صفة على موصوف في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ومثله قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ﴾.
стр. 1858
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ شبه تماديهم على كفرهم وإجرامهم، بالأجرام التي يزاد بعضها على بعض، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
ومنها: العدول من مفعل إلى فعيل؛ لإفادة المبالغة في قوله: و ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لما في فعيل من المبالغة.
ومنها: الحذف في مواضع إلى غير ذلك (١).
والله أعلم
* * *
стр. 1859
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الخامس»
стр. 1860
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 1861
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٥]
стр. 1862
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1863
شعر
إِنْ أخْرَجُونِي مِنْ بِلاَدِي ... فَإِنَّ مَعِيَ رَبَّ العِبَادِ
في قَلْبِي إِيْمَانٌ وتَصْدِيقُ ... وَفِي جِسْمِيَ امْتِثَالٌ وَتَطْبِيْقُ
وَلا أَقُولُ أَهلِي وِلادِي ... ولا مَالِي وَلاَ تِلاَدِي
الدنيا أو ما أحضره لتخليص نفسه في الآخرة .. حض المؤمن على الصدقة، وبيَّن أنه لن يدرك البر حتى ينفق مما يحب.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. مناسبة هذه الآية لما قبلها، والجامع بينهما: أنه تعالى أخبر أنه لا ينال المرء البر إلا بالإنفاق مما يحب.
ونبيُّ الله إسرائيل، روي في الحديث أنه مرض مرضًا شديدًا؛ فطال سقمه؛ فنذر لله نذرًا إن عافاه الله من سقمه، أن يحرم، أو ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب العام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب ألبانها. ففعل ذلك تقربا إلى الله تعالى. فقد اتفقت هذه الآية، والتي قبلها في أنَّ كلًّا منهما في ترك ما يحبه الإنسان، وما يؤثره على سبيل التقرب به لله تعالى.
قوله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة: وهو أنه لما أمر تعالى باتباع ملة إبراهيم، وكان حج البيت من أعظم شعائر ملة إبراهيم، ومن خصوصيات دينه .. أخذ في ذكر البيت وفضائله، ليبني على ذلك ذكر الحج ووجوبه. وأيضًا، فإن اليهود حين حولت القبلة إلى الكعبة؛ طعنوا في نبوة رسول الله ﷺ ، وقالوا: بيت المقدس أفضل وأحق بالاستقبال؛ لأنه وضع قبل الكعبة، وهو أرض المحشر، وقبلة جميع الأنبياء، فأكذبهم الله في ذلك بقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾، كما أكذبهم في دعواهم قبل: إنما حرم عليهم ما كان محرمًا على يعقوب من قبل أن تنزل التوارة. وأيضًا: فإن كل فرقة من اليود والنصارى، زعمت أنها على ملة إبراهيم، ومن شعائر ملته حج الكعبة، وهم لا يحجونها، فأكذبهم الله في دعواهم تلك.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ...﴾ سبب نزول هذه الآية (١): أن اليهود قالوا للنبيِّ محمد: ﷺ تزعم أنك على ملة إبراهيم،
стр. 1866
وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها، وأنت تأكل ذلك كلَّه، فلست على ملته. فقال النبي ﷺ : "كان ذلك حلالًا لإبراهيم". قالوا: كل ما نحرمه اليوم، كان ذلك حرامًا على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. فأنزل الله : ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو يعقوب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ يعني: ليس الأمر على ما تدعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل، على إبراهيم، بل كان ذلك حلالًا على إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وإنما حرَّمه يعقوب بسببٍ من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم رسول الله ﷺ بإحضار التوراة، وطلب منهم أن يستخرجوا منها: أنَّ ذلك كان حرامًا على إبراهيم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ...﴾ سبب نزول هذه الآية: أنَّ اليهود قالوا للمسلمين، بيت المقدس، قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة، وأقدم، وهو مهاجر الأنبياء وقبلتهم، وأرض المحشر، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل هذه الآية.
وقيل: لما ادَّعَتِ اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم أكذبهم الله تعالى، وأخبر أن إبراهيم كان ﴿حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وأمرهم باتباعه فقال تعالى في الآية المتقدمة: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيم الحج إلى الكعبة، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ...﴾ سبب نزولها: ما أخرجه سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت آية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "إن الله فرض على المسلمين حج البيت"، فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا فأنزل الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه ابن إسحاق، وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: مرَّ
стр. 1867
شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر، شديد الطعن علي المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من الأنصار الأوس والخزرج، وهم في مجلس يتحدثون، وقد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهودي، فجلس إليهم، وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك في بعاث، وهو موضع في المدينة، وكان يوم بعاث يومًا اقتتل فيه الأوس والخزرج قبل مبعثه ﷺ بمئة وعشرين سنة، وكان الظفر فيه للأوس.
وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار، فتنازع القوم وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح، فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فوصل الخبر إلى النبي ﷺ ؛ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، وقال: أترجعون إلى أحوال الجاهلية، وأنا بين أظهركم، وقد أكرمكم الله بالإسلام، وألف بين قلوبكم! فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان، ومن كيد ذلك اليهودي، فألقوا السلاح، وعانق بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ .
فما كان يوم أقبح أولًا وأحسن آخرًا من ذلك اليوم.
قال الواحدي: اصطفوا للقتال، فنزلت الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: فجاء النبي ﷺ حتى قام بين الصفين فقرأهن ورفع صوته، فلما سمعوا صوت النبي ﷺ أنصتوا له وجعلوا يستمعون له، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضًا، وجعلوا يبكون.
التفسير وأوجه القراءة
٩٢ - ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: لن تصيبوا، ولن تظفروا بثواب البر والخير وهو الجنة. والبر اسم جامع لكل خير، والكلام على حذف مضاف كما قدرنا، أو لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضا، والجنة، أو لن تكونوا أبرارًا ﴿حَتَّى تنُفِقُوا﴾ وتصرفوا وتخرجوا ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ من أموالكم وجاهكم وعلمكم في معاونة الناس، وبدنكم في طاعة الله، ومهجتكم في سبيله؛ يعني من جيد أموالكم، وأنفسها عندكم، قال
стр. 1868
تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ وقيل: هو أن تنفق من مالك ما أنت محتاج إليه، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ وقال أبو بكر الوراق: معنى الآية: لن تنالوا بري لكم إلا ببركم بإخوانكم، والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم، وقيل: المعنى لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبرارًا إلا بالإنفاق المضاف إلى سائر أعمالكم. قاله ابن عطية. ومن في قوله: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ للتبعيض، ويدل على ذلك قراءة عبد الله الشاذة: ﴿حتى تنفقوا بعض ما تحبون﴾ ﴿وَمَا﴾: موصولة. خاطبهم هنا بأن آية الإيمان وميزانه الصحيح هو الإنفاق في سبيل الله من المحبوبات مع الإخلاص، وحسن النية، ولكنكم أيها المدعون لتلك الدعاوي آثرتم شهوة المال على مرضاة الله، ولو أنفق أحدكم شيئًا من ماله، فإنما ينفق من أردأ ما يملك، وأبغضه إليه؛ لأن محبة المال في قلبه تفوق محبة الله تعالى، والرغبة في ادخاره، تعلو الرغبة فيما عند ربه من الرضا والثواب، فكيف ترجون أن تكونوا من المؤمنين الصادقين، وأنتم لا تنفقون ما تحبون؟ والمعنى: لن تصلوا إلى بر الله تعالى بأهل طاعته، برضاه عنهم، وتفضله برحمتهم، ونيلهم مثوبته، ودخولهم جنته، وصرف عذابه عنهم، حتى تنفقوا ما تهواه نفوسكم من كرائم أموالكم. وقد أثر عن السلف الصالح: أنهم إذا أحبوا شيئًا .. جعلوه لله تعالى.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماءٍ فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله ، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله ﷺ : "بخ بخ - كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء - ذاك مال رابح، أو قال: ذلك مال رابح، أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، متفق عليه، وفي رواية لمسلم:
стр. 1869
فجعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال: لما نزلت هذه الآية .. جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها: (سبل) لم يكن له مال أحب إليه منها، فقال: هي صدقة، فقبلها رسول الله ﷺ وحمل عليها ابنه أسامة فكأن زيدًا وَجِدَ - حزن - في نفسه، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك منه قال: "أما إن الله قد قبلها".
فهذا الأثر وما قبله دلائل واضحات على حسن السياسة الدينية لرسول الله ﷺ ومعرفة ما يختلج في القلوب، فقد رأى أن أبا طلحة وزيدًا قد خرجا عن أحب أموالهما إليهما بعاطفة الدين، فجعل ذلك في الأقربين، ليثبت قلوبهما، ويكمل إيمانهما، ولا يجعل للشيطان سبيلًا ينفذ به إلى ما بين الجوخ (١) فيندمان إذا هما رأيا أموالهما في أيدى الغرباء، إذ كثيرًا ما يفارق المرء شيئًا محبوبًا لديه باختياره لعاطفة الدين، أو للجود به على غيره، ثم لم يلبث إلا قليلًا حتى يعاوده الحنين إليه، ومن ثم كان النبي ﷺ : يأمر عمال الصدقة بإبقاء كرائم الأموال والبعد عنها حين جباية الصدقات.
وهناك من الشواهد ما يدل على هذا أيضًا، فقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عمر ﵁ قال: حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ الآية، فذكرت ما أعطاني الله تعالى، فلم أجد أحب، إلي من مرجانة - جارية رومية - فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله تعالى .. لنكتحها فأنكحتها نافعًا (مولى له كان يحبه كأحد أولاده).
فتأمل وانظر تر أن نفسه قد راودته بعد عتقها على أن يستبقيها له، ولا يفارقها، لولا أن كان مما عود نفسه عليه .. ألا يرجع في شيء جعله لله، ومع ذلك جعلها لأحب الناس إليه، وهو مولاه. وعلى الجملة فآثار السلف في
стр. 1870
الإيثار، وبذل المال ابتغاء مرضاة الله كثيرة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أهدى إلى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة، فقال: إن أخي فلانًا كان أحوج مني إليه؛ فبعث به إليه، فلما وصل إليه، قال: إنَّ فلانًا كان أحوج مني إليه، فلم يزل يبعث به كل واحد منهم إلى آخر حتى تناوله سبعة أبيات، ورجع إلى الأول. وفي هذه الآثر وأمثالها ما ينبغي أن يكون عظة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيقتدي بأولئك الأبرار الطاهرين، ويجعلهم المثل العليا للبذل في سبيل الله.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وأي شيء تنفقونه في سبيل الله سواء كان من طيب تحبونه، أو من خبيث تكرهونه، وسواء، كان إنفاقكم له لوجه الله أو لمدح الناس ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بِهِ﴾، أي: بذلك الشيء المنفق وبنياتكم ﴿عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم عليه بحسبه، وبحسب نياتكم، وهذا تعليل للجواب المحذوف، أي: فيجازيكم بحسبه جيدًا كان أو رديئًا، فإنه تعالى عالم بكل شيءٍ، تنفقونه من ذاته وصفاته علمًا كاملًا بحيث لا يخفى عليه شيء.
فرب منفق مما يحب لا يسلم من الرياء، ورب فقير معدم لا يجد ما يحب فينفق منه، ولكن قلبه يفيض بالبر ولو وجد ما أحبه .. لأنفقه أو أكثره.
وفي هذه الآية ترغيب وترهيب، وحث على إخفاء الصدقة، كي لا يكون للشيطان منفذ إلى قلوب الأبرار الصالحين.
٩٣ - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾؛ أي: كل طعام حلال لمحمد ﷺ وأمته، فخرج ما حرم عليهم، وعلى من قبلهم كالميتة والدم. ﴿كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: كان حلالًا أكله لأولاد يعقوب ﵇ ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾؛ أي: يعقوب ﵇ ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ بالنذر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾؛ على موسى، وذلك بعد إبراهيم بألف سنة.
وروى ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ يعقوب مرض مرضًا شديدًا، فنذر لئن عافاه الله .. ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها" قال، الأصمّ: لعل
стр. 1871
نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع، فامتنع من أكلها قهرًا للنفس، وطلبًا لمرضاة الله تعالى، كما يفعله كثير من الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم، وذلك بعد إبراهيم بألف سنة، ولم تكن الإبل حرامًا على عهد إبراهيم كما زعموا.
والمعنى: كل الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة إلا ما حرمه يعقوب على نفسه، وهو لحم الإبل ولبنها ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة الشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم، أو المراد (١) بإسرائيل: الشعب كله، كما هو شائع في الاستعمال عندهم لا يعقوب فقط، كما أن المراد بتحريم الشعب ذلك على نفسه: أنه اجترح من السيئات، وارتكب من الموبقات ما كان سببًا في هذا التحريم كما تدل عليه آية ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.
وخلاصة هذا الجواب: أنَّ الأصل في الأطعمة الحلُّ، وما كان تحريم ما حرم على إسرائيل إلا تأديبًا لهم على جرائم ومخالفات وقعت منهم، وكان سببًا فيما نالهم من التحريم لها، والنبي ﷺ وأمته لم يجترحوا هذه السيئات، فلا تحرم عليهم هذه الطيبات.
ومعنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أنه قبل نزول التوراة كان حلًّا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات، أما بعد نزولها: فقد حرم عليهم أنواع كثيرة بسبب الذنوب التي اقترفوها، وقد بينتها التوراة وبينت أسباب التحريم وعلله.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، هذا هو الحق لا زعمكم يا معشر اليهود ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾؛ أي: أحضروها، ﴿فَاتْلُوهَا﴾؛ أي: فاقرؤوها عليَّ لتحكم بيني وبينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم بأن التحريم قديم. وفي استدعاء (٢) التوراة منهم وتلاوتها، الحجة الواضحة على صدق رسول الله ﷺ ؛ إذ كان ﵇
стр. 1872
النبي الأمي الذي لم يقرأ الكتب، ولا عرف أخبار الأمم السالفة، ثم أخذ يحاجهم ويستشهد عليهم بما في كتبهم، ولا يجدون من إنكاره محيصًا. وروي أنهم لم يتجاسروا على الإتيان بالتوراة لظهور افتضاحهم بإتيانها، بل بهتوا، وذلك كعادتهم في كثير من أحوالهم.
٩٤ - وفي الآية: دليل على جواز النسخ في الشرائع، وهم ينكرون ذلك ﴿فَمَنِ افْتَرَى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بزعمه أن ذلك كان محرمًا على الأنبياء السابقين كإبراهيم، ونوح، وعلى أممهم قبل نزول التوراة ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعد ما ظهرت الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب، لا على عهد إبراهيم، أو من جهة ما ارتكب الشعب من الذنوب والخطايا.
ومن بعد أن طولب المدعون بالإتيان بالتوراة وتلاوتها، فامتنعوا لئلا يظهر كذبهم، وأن الله لم يحرم شيئًا قبل نزولها، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المصرون على الافتراء بعد ما ظهرت لهم حقيقة الحال ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم، ولمن أضلوه عن الدين من بعدهم الذين لا ينصفون من أنفسهم، ويكابرون الحق بعد ما وضح لهم؛ لأنهم قد حولوا الحق عن وجهه، ووضعوا حكم الله في غير موضعه، فضلوا، وأضلوا أشياعهم بإصرارهم على الباطل، وعدم تصديقهم رسول الله ﷺ .
٩٥ - ﴿قُل﴾ لهم يا محمد ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ فيما أنبأني به من أن سائر الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل، وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء أفعالهم القبيحة، وبذلك قامت عليكم الحجة، وثبت أني مبلغ عنه إذ ما كان في استطاعتي، لولا الوحي أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون عن أنبيائكم، والجمهور على إظهار في ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ وهو الأصل، وقرأ أبان بن تغلب شذوذًا بإدغام اللام في الصاد. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ التي هي ملة الإسلام التي أنا عليها حالة كون إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق. ﴿وَمَا كَانَ﴾ إبراهيم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: من الذين أشركوا بالله غيره، وعبدوا سواه، كما فعله العرب من عبادة الأوثان، وفعله اليهود من ادعائهم أن عزيرًا ابن الله، وفعله النصارى من اعتقادهم أن المسيح ابن الله.
وخلاصة هذا: أنَّ محمدًا ﷺ على دين إبراهيم في جزئيات الأحكام
стр. 1873
وكلياتها، فأحل ما أحله هو من أكل لحوم الإبل وألبانها، ودعا إلى التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله، وما كان إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه إلا على هذا الدين.
٩٦ - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ﴾؛ أي: بنى متعبدًا ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: بني لعبادات الناس ربهم ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾؛ أي: للبيت الذي هو ببكة؛ أي: بمكة، سميت مكة بكة؛ لأنه يبك بعضهم فيها بعضًا؛ أي: يزدحمون في الطواف. وسميت مكة؛ لأنها تمك من ظلم فيها؛ أي: تهلكه؛ والمعنى: إن أول بيت وضعه الله، وجعله موضعًا للطاعات، والعبادات، وقبلة للصلاة، وموضعًا للحج وللطواف، تزداد فيه الخيرات، وثواب الطاعات هو الذي بكة.
وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض، قال: "المسجد الحرام قلت: ثم أيُّ؟ قال: المسجد الأقصى. قال: قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصلِّ". متفق عليه، زاد البخاري: "فإن الفضل فيه"؛ أي: إنِّ آدم بنى الكعبة، ثم بنى بيت المقدس، وبين بنائهما أربعون سنة.
وهذه الآية (١) ردٌّ لشبهة اليهود، أنَّ بيت المقدس أفضل من الكعبة، وأحق بالاستقبال، فهو قد وضع قبلها، وهو أرض المحشر. وقيل: المعنى: إن البيت الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع متعبدًا للناس، بناه إبراهيم وولده إسماعيل ﵉ للعبادة، ثم بني المسجد الأقصى بعد ذلك بعدة قرون، بناه سليمان ﵇ سنة (١٠٠٥) قبل الميلاد، فكان جعله قبلة أَوْلى. وبذا يكون النبي ﷺ على ملة إبراهيم، ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليه وعليهما.
والخلاصة: أنَّ أول بيوت العبادة الصحيحة التي بناها الأنبياء هو البيت الحرام، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه فيما يؤثر من تواريخهم،
стр. 1874
ويتبع هذا أولوية الشرف والتعظيم. ثم ذكر فضائل أربعة:
الأول منها ذكره بقوله: ﴿مُبَارَكًا﴾؛ أي: حالة كونه ذا بركة، وخير كثير؛ لأنه قد أفيض عليه من بركات الأرض، وثمرات كل شيء مع كونه بواد غير ذي زرع، كما قال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة، وأقل ثمنًا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة، كمصر والشام، وكل هذا ببركة دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ الآية.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام". متفق عليه.
وذكر الثاني منها بقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: وحالة كونه هدى؛ أي: قبلة لكل نبي، ورسول وصديق، ومؤمن يهتدون بذلك البيت إلى جهة صلاتهم، ويولون وجوههم شطره في صلاتهم، وربما لا تمضي ساعة من ليل أو نهار إلّا وهناك ناس يتوجهون إليه، ويأتون إليه مشاة وركبانًا من كل فج عميق، لأداء المناسك الدينية من الحج والعمرة، ولا شك أنَّ هذه الهداية من أشرف أنواع الهدايات. وكونه قبلة لكل نبي؛ لأن تكليف الصلاة كان لازمًا في دين جميع الأنبياء ﵈ بدليل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾. فدلت الآية على أن جميع الأنبياء ﵈، كانوا يسجدون لله، والسجدة لا بد لها من قبلةٍ، فلو كانت قبلة شيث، وإدريس، ونوح، ﵈ موضعًا آخر سوى الكعبة .. لبطل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدّمين: هي الكعبة. فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبدًا مشرفة مكرمة.
٩٧ - وذكر الثالث منها بقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؛ أي: وحالة كونه فيه؛ أي: في ذلك البيت آيات بينات؛ أي: دلائل وعلامات واضحات تدل على حرمته، ومزيد
стр. 1875
فضله، وعظيم قدرته تعالى:
منها: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: الحجر الذي يقوم عليه إبراهيم عند بناء البيت، وكان فيه أثر قدمي إبراهيم، فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وفيه دلالة على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم؛ لأن تأثير قدميه في الصخرة الصماء، وغوصهما فيها إلى الكعبين، وإلانة بعض الصخرة دون بعض، وإبقاءها ألوفًا من الأعوام معجزةٌ عظيمة، وسبب هذا الأثر أنه: لما ارتفع بنيان الكعبة .. قام على هذا الحجر، ليتمكن من رفع الحجارة، فغاصت فيه قدماه.
ومنها: انحراف الطيور عن موازاة البيت، فلا تعلوا فوقه بل إذا قابل هواه في الجو .. انحرف عنه يمينًا أو شمالًا، ولا يستطيع أن يقطع هواه إلا إذا حصل له مرض فيدخل هواه للتداوي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن الطير يعاين يعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره.
ومنها: مخالطة ضواري السباع، الصيود في الحرم من غير تعرض لها.
ومنها: إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه، وما قصده جبار بسوء إلا أهلكه، ومن الآيات التي فيها الحجر الأسود، والملتزم والحطيم، وزمزم، ومشاعر الحج التي فيها كالصفا والمروة.
ومنها: أنَّ الآمر ببناء هذا البيت هو المولى الجليل، والمهندس له جبريل ﵇، والباني هو إبراهيم الخليل ﵇، والمساعد في بنيانه هو إسماعيل ﵇، فهذه كلها فضيلة عظيمة لهذا البيت.
وقرأ الجمهور: ﴿وُضِعَ﴾ بالبناء للمفعول، وقرأ عكرمة، وابن السميقع شذوذًا ﴿وضع﴾ مبنيًّا للفاعل، فاحتمل أن يعود على الله، واحتمل أن يعود على إبراهيم، وهو أقرب في الذكر، وأليق بالمقام. وقرأ الجمهور: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ على صيغة الجمع، وقرأ أبي، وعمر وابن عباس، ومجاهد، وأبو جعفر، في رواية قتيبة: ﴿آية بينة﴾ على الإفراد وهي قراءة شاذة أيضًا.
وذكر الرابع منها بقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾؛ أي: ومن دخل البيت كان
стр. 1876
آمنًا من ذنوبه. وعن ابن (١) عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :"مَنْ دَخَل البَيْتَ .. دَخَل في حسنةٍ، وخَرَجَ من سيئة، وخرج مغفورًا له" ولكن تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي.
وقيل: من دخل الحرم للنسك تقربًا إلى الله تعالى .. كان آمنًا من النار يوم القيامة، وإن الله أودع في قلوب الخلق الشفقة على كل من التجأ إليه. وعبارة أبي السعود: ومعنى أمن داخله: أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وذلك بدعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وكان الرجل إذا أجرم كل جريمة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر ﵁: "لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب .. ما مسسته حتى يخرج منه". ولذلك قال أبو حنيفة ﵀: "من لزمه القتل في الحل بقصاصٍ أو ردةٍ أو زنا، فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى، ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يبايع، حتى يضطر إلى الخروج".
وقيل: المراد أمنه من النار، وعن النبي ﷺ : "من مات في أحد الحرمين، بعث يوم القيامة آمنًا". وعن النبي ﷺ "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما، وينثران في الجنة"؛ وهما مقبرتا مكة والمدينة.
وعن ابن مسعود ﵁ وقف رسول الله ﷺ على ثنية الحجون، وليس بها يومئذٍ مقبرةٌ، فقال: "يبعث الله تعالى من هذه البقعة، ومن هذا الحرم سبعين ألفًا وجوههم كالقمر ليلة البدر".
وعن النبي ﷺ : "من صبر على حر مكة ساعة من نهار .. تباعدت عنه جهنم مسيرة مئتي عام" انتهت بالحرف، ولكن هذه الأحاديث أكثرها ضعاف.
وفتح مكة بالسيف؛ كان لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه للعبادة فقط، حلت للنبي ﷺ ساعةً من نهار، لم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده، كما جاء في الحديث.
стр. 1877
على أنَّ حِلَّ مكة وما يتبعُها من أرباضها للنبي ﷺ ساعة من نار أمر زائد على أمن البيت، فإن النبي ﷺ لم يستحل البيت ساعة، وما دونها، بل كان مناديه ينادي: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق باب بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
وقد أخبر أبو سفيان النبيَّ ﷺ بقول سعد بن عبادة الأنصاري حامل اللواء له في الطريق: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال ﷺ : "كذب سعد، هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة".
وما فعله الحجاج عن رمي البيت بالمنجنيق فهو فعل السياسة التي قد تحمل صاحبها على مخالفة ما يعتقد حرمته، ويقع به في الظلم والإلحاد؛ إذ هو وجنده لم يكونوا معتقدين حلَّ ما فعلوا.
﴿وللَّهِ﴾؛ واجب ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾؛ أي: قصد البيت للعبادة المخصوصة المعروفة ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ أي: على من أطاق، وقدر إلى حج البيت سبيلًا؛ أي: طريقًا وبلاغًا إليه بوجود الراحلة، والزاد، والنفقة للعيال إلى الرجوع، لأنه ﷺ : فسَّره بالزاد والراحلة، رواه الحاكم وغيره. وكذا أمن الطريق. والحج أحد أركان الإسلام.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان". متفق عليه. فعد النبيُّ ﷺ الحج من أركان الإسلام الخمسة.
والمعنى: أنه يجب الحج على المستطيع من هذه الأمة، وفي هذا تعظيم للبيت أيما تعظيم، وما زال الناس من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلوات الله عليهما يحجون عملًا بسنة إبراهيم، جروا على هذا جيلًا بعد جيل، لم يمنعهم من ذلك شركهم، ولا عبادتهم للأوثان والأصنام، فهي آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم.
стр. 1878
واستطاعة السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص، واختلاف البعد عن البيت والقرب منه، وكل مكلف أدرى بنفسه في ذلك. وقد اختلف في تفسيرها، فقال بعضهم إنها القدرة على الزاد والراحلة مع أمن الطريق. وقال بعضهم: إنها صحة البدن، والقدرة على المشي. وقال آخرون: هي صحة البدن، وزوال الخوف من عدو أو سبع مع القدرة على المال الذي يشتري منه الزاد والراحلة وقضاء جميع الديون، والودائع، ودفع النفقة التي تكفي لمن تجب عليه نفقته حتى العودة من الحج.
وخلاصة ذلك: أنَّ هذا الإيجاب مشروط بالاستطاعة، وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: أي: ومن جحد، وأنكر كون هذا البيت أول بيت وضعه الله للعبادة، وأنكر ما فرضه الله من حجه، والتوجه إليه بالعبادة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَنِيٌّ﴾؛ أي: مستغنٍ ﴿عَنِ﴾ إيمانه وإيمان جميع ﴿الْعَالَمِينَ﴾ والخلق، وعن حجهم وعبادتهم.
وفسر بعضهم الكفر بترك الحج، وعبر عنه بالكفر تأكيدًا لوجوبه وتغليظًا على تاركه، والمعنى حينئذٍ: ومن لم يحج مع استطاعته .. فإن الله غني عن حجه، وحج العالمين كلِّهم. قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان الستة: المسلمين والنصارى، واليهود، والصابئين، والمجوس، والمشركين، فخطبهم، وقال: "إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا، فآمن به المسلمون، وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ومن ترك اعتقاد وجوب الحج .. فإن الله غني عنه.
فقد روي أنه ﷺ قال: "من مات ولم يحج .. فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا".
وروي عن عليٍّ كرم الله وجهه أنَّ النبي ﷺ قال في خطبة له: "أيها الناس،
стр. 1879
إن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلًا، ومن لم يفعل .. فليمت على أي حال شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا".
وأثر عن عمر ﵁ أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من كان له جدة - سعةٌ - ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. ولهذه الأدلة قال كثير من الفقهاء: إن الحج واجب على الفور، وقال آخرون: إنه واجب على التراخي. وهذه الجملة تأكيد لما سبق من الوجوب، فإنه بدأ الآية بأن قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾. فأفاد أنَّ ذلك ما كان لجر نفع، ولا لدفع ضر، بل كان لعزة الإلهية ولكبرياء الربوبية. وختمها بهذه الجملة المؤكدة لذلك لبيان أنَّ فاعل ذلك مستأهل للنعمة برضا الله عنه، وأن تاركه يسخط عليه سخطًا عظيمًا.
وحسب البيت شرفًا وفضلًا أنه حرم آمن ومثابة للناس ومبارك وهدى للعالمين، وما جاء عن رسول الله ﷺ في حرمته وفضله من أنه لا يسفك فيه دم، ولا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه - لا يقطع نباته - وأنَّ قصده مكفر للذنوب ماح للخطايا، وأن العبادة التي تؤدى فيه لا تؤدى في غيره، وأن استلام الحجر الأسود، فيه رمز إلى مبايعة الله تعالى على إقامة دينه، والإخلاص له وأن الصلاة فيه بمائة ألف ضعف في غيره. وكتب الأحاديث والسيرة مليئة ببيان فضله ومشيدة بذكره.
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في فضل البيت وفضل الحج والعمرة
عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول بيت وضع للناس مباركًا يصلى فيه: الكعبة، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا". متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن ﷺ وإنما سودته خطايا بني آدم".
стр. 1880
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر "والله ليبعثنّه الله يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق". أخرجه الترمذي.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: "إن الركن، والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما .. لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب". أخرجه الترمذي، وقال: هذا الحديث يروى عن ابن عمر موقوفًا.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال له رجل في كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم". أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ . فقال يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة". أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن. وإبراهيم بن يزيد الجوزي المكي، قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". متفق عليه.
وفي رواية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج لله وفي لفظ من حج هذا البيت - فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه". أخرجه
стр. 1881
الترمذي، وقال: "غفر له ما تقدم من ذنبه".
وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب، والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة، وما من مؤمن يظل يومه محرمًا إلا غابت الشمس بذنوبه". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله، من حجر، أو شجر، أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وههنا". أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت خمسين مرةً خرج من ذنوبه، كيوم ولدته أمه". أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
فصل في ذكر بعض أحكام تتعلق بالحج
قال العلماء: الحج واجب على كل مسلم، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، ولوجوبه خمس شرائط: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة. ولا يجب على الكافر والمجنون ولو حجا .. لم يصح حجهما؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة، ولا حكم لقول المجنون، ولا يجب على الصبي والعبد، ولو حج صبي مميزٌ، أو حج عبد صح حجهما تطوعًا، ولا يسقط فرض الإسلام. فإذا بلغ الصبي وعتق العبد، واجتمع فيهما شرائط الحج .. وجب عليهما أن يحجا ثانيًا، ولا يجب على غير المستطيع؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فلو تكلف غير المستطيع الحج، وحج: صح حجه، وسقطت عنه حجة الإسلام.
والاستطاعة نوعان: أحدهما: أن يكون مستطيعًا بنفسه. والآخر: أن يكون مستطيعًا بغيره.
فأما المستطيع بنفسه: فهو أن يكون قويًّا، قادرًا على الذهاب؛ واجدًا للزاد والراحلة، لما تقدم من حديث ابن عمر في الزاد والراحلة.
стр. 1882
وقال ابن المنذر: واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالت طائفة: الآية على العموم، إذ لا نعلم خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ ، ولا إجماعًا لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضًا. فعلى كل مستطيع للحج يجد إليه السبيل - بأي كانت الاستطاعة - الحج على ظاهر الآية.
قال ابن المنذر: وروينا عن عكرمة أنه قال: الاستطاعة: الصحة. وقال: الضحاك: إذا كان شابًّا صحيحًا .. فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه".
وقال مالك: الاستطاعة تختلف باختلاف الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة، ولا يقدر على المشي، وآخر يقدر على المشي على رجليه.
وقال الشافعي: الاستطاعة وجهان:
أحدهما: أن يكون الرجل مستطيعًا ببدنه، واجدًا في ماله ما يبلغه الحج، فتكون استطاعته تامة، فعليه فرض الحج.
والثاني: لا يقدر أن يثبت على الراحلة، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه، أو قادر على مال، ويجد من يستأجره فيحج عنه، فيكون هذا ممن لزمه فرض الحج.
أما حكم الزاد والراحلة: فهو أن يجد راحلة تصلح له، ووجد من الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه، فاضلًا عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم، وعن دَيْنٍ إن كان عليه، ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت العادة بخروج أهل البلد في ذلك الوقت، فإن خرجوا قبله، أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا بقطع أكثر من مرحلة في يوم لا يلزمه الخروج معهم، ويشترط أن يكون الطريق آمنًا، فإن كان فيه خوف من عدو مسلم، أو كافر، أو رصدي يطلب الخفارة لا يلزمه الحج. ويشترط أن تكون منازل الماء مأهولة معسورة يجد فيها ما جرت به العادة بوجوده من الماء والزاد، فإن تفرق أهلها لجدب، أو غارت مياهها، فلا يلزمه الخروج. ولو لم يجد الراحلة وهو قادر على المشي، أو لم يجد الزاد وهو قادر على الاكتساب لا يلزمه الحج عند من جعل وجدان الزاد والراحلة شرطًا
стр. 1883
لوجوب الحج، ويستحب له أن يفعل ذلك ويلزمه الحج عند مالك.
هذا كله في الزمن القديم، وأما الآن فالشرط القدرة على تحصيل جواز السفر، وعلى أجرة الطائرة، أو الباخرة، أو السيارة مع مؤونة سفره مطعمًا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا، ذهابًا وإيابًا، والقدرة على ما تطلب منه الحكومة التي يسافر منها، والتي يسافر إليها فاضلًا عن مؤونة من تلزمه نفقتهم ذهابًا، وإيابًا، وعن دين حالٍّ أو مؤجل يحل أجله قبل رجوعه من الحج.
وأما المستطيع بغيره: فهو أن يكون الرجل عاجزًا بنفسه، بأن يكون زَمِنًا، أو به مرض لا يرجى برؤه، وله مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه، وإن لم يكن له مال، وبذل ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه .. لزمه الحج، إن كان يعتمد على صدقه؛ لأن وجوب الحج متعلق بالاستطاعة.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الحج ببذل الطاعة، وعند مالك: لا يجب الحج على من غصب ماله أو سرق. وحُجَّةُ من أوجب الحج ببذل الطاعة ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركَتْ أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع. أخرجه الشيخان في "الصحيحين".
وقرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿حِجُّ﴾ بكسر الحاء، والباقون بفتحها، وهما لغتان: الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية، ثم أخذ يبكت أهل الكتاب على كفرهم فقال:
٩٨ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لليهود والنصارى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: لأي سبب تنكرون آيات الله التي دلتكم على صدق نبوة محمد ﷺ فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: والحال أن الله شهيد مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها، وهذه الحال توجب أن لا تجترئوا على الكفر بآياته، ولا ينفعكم التحريف والاستسرار. ولا يخفى ما في هذا من
стр. 1884
التوبيخ والإيماء إلى تعجيزهم عن إقامة العذر على كفرهم، كأنه قيل: هاتوا عذركم، إن كان ذلك في مكنتكم.
٩٩ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد أيضًا ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ وتصرفون وتمنعون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ودينه الحق الموصل إلى السعادة الأبدية، وهو ملة الإسلام ﴿مَنْ آمَنَ﴾ باللهِ وبمحمد وبالقرآن بإضلالكم ضعفة المسلمين، وإلقاء الشبهة والشكوك في قلوبهم، وذلك بإنكارهم صفة محمد ﷺ المذكورة في كتبهم ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؛ أي: حالة كونكم تطلبون لسبيل الله اعوجاجًا وميلًا عن القصد، والاستقامة بقولكم: إن النسخ ممنوع، لأنه يدل على البداء، وبقولكم: ورد في التوراة أن شريعة موسى باقية إلى الأبد، وبتغيير صفة رسول الله ﷺ . والمعنى: لم تطلبون الزيغ والميل في سبيل الله بلقاء الشبه في قلوب الضعفاء.
وخلاصة المعنى: لِمَ تتركون السبيل المعتدلة، وتطلبون السبيل المعوجة؟! ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾؛ أي: والحال أنكم تشهدون أن محمدًا ﷺ وصفته مكتوبة في التوراة، وأن دين الله الذي لا يقبل غيره: هو الإسلام. وقيل: معناه: وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد ﷺ الدالة على نبوته، وأنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل.
وحاصل المعنى: لأي سبب تصرفون من آمن بمحمد ﷺ واتبعه عن الإيمان الذي يرقى عقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون، ويرقى روحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة، والأعمال الصالحة، وتكذبون بذلك كفرًا، وعنادًا، وكبرًا، وحسدًا، وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيًا وكيدًا للنبي ﷺ تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الخير عوجًا، وضلالًا، وزيغًا عن الاستقامة على الهدى والمحجة، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن كان كذلك. فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال؟!.
قرأ الجمهور ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ من صد الثلاثي، وهو متعدّ، ومفعوله من آمن، وقرأ الحسن شذوذًا ﴿تَصُدُّونَ﴾ من أصد الرباعي عدى صد اللازم بالهمز،
стр. 1885
وهما لغتان.
قال الراغب: (١) وقد جاء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ بدون ﴿قُلْ﴾ وجاء هنا مع ﴿قُلْ﴾، فبدون ﴿قُلْ﴾: هو استدعاء منه تعالى لهم إلى الحق، فجعل خطابهم منه استلانة للقوم؛ ليكونوا أقرب إلى الانقياد، ولما قصد الغض عنهم .. ذكر ﴿قل﴾ تنبيهًا على أنهم غير مستأهلين أن يخاطبهم بنفسه، وإن كان كلا الخطابين. وصل إليهم على لسان النبي ﷺ . انتهى.
﴿وَمَا اللَّهُ﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾ أي بساه ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من هذا الصد وغيره من الأعمال، فمجازيكم عليه، ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد كما يقول الرجل لعبده، وقد أنكر عليه اعوجاج أخلاقه: لا يخفى علي ما أنت عليه، وما أنا بغافل عن أمرك.
إنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة؛ لأن صدهم عن الإسلام. كان بضرب من المكر، والكيد، ووجوه الحيل، وختم الآية السابقة بقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ﴾ لأن العمل الذي فيها، وهو الكفر ظاهر مشهود.
١٠٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾.
مناسبة (٢) هذه الآية لما قبلها: لما أنكر تعالى عليهم صدهم عن الإسلام المؤمنين .. حذر المؤمنين من إغواء الكفار وإضلالهم، وناداهم بوصف الإيمان تنبيهًا على تباين ما بينهم وبين الكفار، ولم يأت بلفظ ﴿قل﴾ ليكون ذلك خطابًا منه تعالى لهم، وتأنيسًا لهم، وأبرز نهيه عن موافقتهم، وطواعيتهم في صورة شرطية؛ لأنه لم يقع طاعتهم لم، والإشارة بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إلى الأوس والخزرج بقرينة سبب النزول كما مر.
والمعنى: يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ إن تطيعوا، وتوافقوا فريقًا،
стр. 1886
وجماعة من الذين أوتوا الكتاب فيما يدعونكم إليه، وأصغيتم لهم، واستجبتم لما يدعونكم إليه مما يثير الفتنة بينكم كما مر في سبب النزول، وهم: شاس بن قيس، وعمرو بن شاس، وجبار بن صخر، وغيرهم ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ أي: يصيروكم بعد إيمانكم كافرين؛ أي: يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان، والكفر: يوجب الهلاك في الدنيا والدين. أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة المؤدي إلى سفك الدماء. وأما الدين فلا حاجة إلى بيانه.
١٠١ - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ استفهام إنكار واستبعاد لوقوع الكفر منهم في هاتين الحالتين، وهما تلاوة كتاب الله عليهم، وهو القرآن الظاهر الإعجاز، وكينونة الرسول فيهم الظاهر على يديه الخوارق ووجود هاتين الحالتين تنافي الكفر، ولا تجامعه، فلا يتطرق إليهم كفر مع ذلك، أي: وكيف يوجد منكم الكفر ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ﴾؛ أي: والحال أنكم تقرأ عليكم آيات الله القرآنية التي فيها بيان الحق من الباطل على لسان نبيكم غضًّا طريًا ﴿وَفِيكُمْ﴾؛ أي: ومعكم ﴿رَسُولُهُ﴾ تعالى محمَّد ﷺ الذي يبين لكم الحق، ويدفع عنكم الشبه.
قال قتادة (١): في هذه الآية علمان بينان: كتاب الله، ونبي الله. فأما نبي الله: فقد مضى، وأما كتاب الله: فأبقاه الله بين أظهرهم رحمةً منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته انتهى.
وقال الزمخشري (٢): ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ معنى الاستفهام فيه: الإنكار، والتعجب، والمعنى: من أين يتطرق إليكم الكفر، والحال أن آيات الله، وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية وبين أظهركم رسول الله ينبهكم ويعظكم، ويزيح شبهكم، ولكم في سنته خير أسوة تُغَذِّي إيمانكم، وتنير قلوبكم، فلا ينبغي لمثلكم أن تلتفتوا إلى قولهم، بل الواجب عليكم أن ترجعوا عند كل شبهة تسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول ﷺ حتى يكشف عنها، ويزيل ما علق بقلوبكم منها.
стр. 1887
وقرأ الجمهور ﴿تُتْلَى﴾ بالتاء وقرأ الحسن والأعمش شذوذًا: (يتلى) بالياء؛ لأجل الفصل ولأن التأنيث غير حقيقي؛ ولأن الآيات هي القرآن.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: ومن يستمسك بدين الله وكتابه، وهو القرآن وبرسوله محمَّد ﷺ ؛ ويحتفظ به عن الوقوع في الهلاك الأبدي ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ وأرشد ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ وطريق ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: مستو قويم موصل إلى الجنة، وهو طريق دين الإسلام.
وقيل المعنى (١): ومن يجعل ربه ملجأً ومفزعًا عند الشبه .. يحفظه عن الشبه.
وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبًا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ الناس، وذكر، ثم قال: أما بعد: "ألا أيها الناس: إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". أخرجه مسلم.
١٠٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما بين الله ضلال الكفار في أنفسهم، وإضلالهم لغيرهم .. شرع في بيان تكميل المؤمنين لأنفسهم بهذه الآية، ولغيرهم بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ الخ؛ أي: يا أيها الذين صدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ اتقوا الله، وخافوه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾؛ أي: نهاية تقواه وكاملها، وأبلغها، وأدومها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجبات، والاجتناب عن المحرمات كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وعن ابن مسعود ﵁: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، والذي يصدر عن العبد على سبيل السهو والنسيان، غير قادح فيه؛ لأن التكليف في تلك الحال مرفوع عنه. وقيل: هو أن ينزه الطاعة عن
стр. 1888
الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها، وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، وقيل: هو ألا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه.
وقال قتادة، (١) والسدي، وابن زيد، والربيع: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أمروا أولًا بغاية التقوى حتى لا يقع إخلال بشيء، ثم نسخ، وقال ابن عباس، وطاووس: هي محكمة، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بيان لقوله: و ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وقال ابن عباس: المعنى: جاهدوا في الله حق جهاده. وقال (٢) الماتريدي، وفي حرفِ حفصةَ ﴿واعبدوا الله حق عبادته﴾ ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: ولا يأتينكم الموت إلا وأنتم ملتبسون بالإسلام، أي: (٣) حافظوا على الإِسلام في حال صحتكم وسلامتكم؛ لتموتوا عليه، فيا عياذًا بالله من خلاف ذلك، والاستثناء فيه مفرغ من عام الأحوال؛ أي: ولا تموتن على حال من الأحوال إلا على حالة الإِسلام.
والخلاصة: استمروا على الإِسلام، وحافظوا على أداء الواجبات، وترك المنهيات حتى الموت. وقد جاء ولا تغيروا، ولا تبدلوا، لئلا يصادفكم الموت في حالة التغيير هذا في مقابلة قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
وعن جابر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " رواه مسلم.
١٠٣ - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾؛ أي: تمسكوا بدين الله الذي هو الإِسلام، أو بكتابه الذي هو القرآن، أو عهده الذي عهد به إليكم الذي هو التوحيد حالة كونكم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين على الاعتصام والتمسك بحبل الله وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض".
стр. 1889
وروي عنه ﷺ أنه قال: "القرآن حبل الله المتين، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم". ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾؛ أي: لا تتفرقوا، ولا تختلفوا في الدين كما اختلف من قبلكم من اليهود والنصارى، أو لا تتفرقوا تفرقكم الجاهلي يحارب بعضكم بعضًا، ويقتل بعضكم بعضًا، وقيل: معناه لا تحدثوا بينكم ما يكون عنه التفرق، ويزول معه الاجتماع، والألفة التي أنتم عليها كالعصبية، والجنسية، ففيه النهي عن التفرق والاختلاف، والأمر بالاتفاق، والاجتماع؛ لأن الحق لا يكون إلا واحدًا، وما عداه يكون جهلًا وضلالًا، وإذا كان كذلك .. وجب النهي عن الاختلاف في الدين، وعن الفرقة؛ لأن كل ذلك كان عادة أهل الجاهلية فنهوا عنه.
وبالجملة فحبل الله في هذه الآية هو صراطه المستقيم، كما أن أنواع التفرق هي السبل التي نهي عنها فيها، ومن السبل المفرقة في الدين إحداث الشيع، والفرق كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
ومنها: العصبية الجنسية كما بين الأوس والخزرج، وقد روى أبو داود عن مطعم بن جبير "ليس منا من دعا إلى عصبية". وقد سار على هذا النهج أهل أوربا في العصر الحديث، فاعتصموا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، وسرى ذلك إلى بعض البلاد الإِسلامية، بل عم جميعها، وفشا فيها، فحاول أهلها أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية، ومفاخرات عصبية.
وكانت كل دولة تتفاخر بجنسيتها ظنًّا منهم أن ذلك مما ينهض بالوطن، ويزيدهم شرفًا، وليس الأمر كما يظنون، فإن الوطن لا يرقى إلا باتحاد كل المقيمين فيه لإحيائه، لا في تفرقهم وعصبيتهم، فإن ذلك مما يورث الشحناء والبغضاء بينهم، خصوصًا، التقدم بالجنسية والعصبية في التعليم والتدريس والإفتاء، بل التقدم في ذلك بالعلم والتقوى، وما لهم في ذلك سند إلا الاقتداء
стр. 1890
بالنصارى، والعياذ بالله من ذلك. فالدين يأمر باتحاد كل قوم، تضمهم أرض واحدة، وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم، ويأمر بالاعتصام بحبل الله المتين بين جميع الأقوام.
﴿وَاذْكُرُوا﴾؛ أي: تذكروا يا معشر الأوس والخزرج ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إنعامه عليكم نعمة دنيوية، وأخروية التي من جملتها: الهداية والتوفيق للإسلام المؤدي إلى التآلف، وزوال الغل ﴿إِذْ كُنْتُمْ﴾: ظرف لقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: اذكروا إنعامه عليكم إذ كنتم في الجاهلية ﴿أَعْدَاءً﴾ متقاتلين يبغض بعضكم بعضًا ويحارب بعضكم بعضًا ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإِسلام؛ أي: قذف الله تعالى فيها المحبة بتوفيقكم للإسلام ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ وصرتم ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ بسبب إنعامه عليكم بنعمة الإِسلام ﴿إِخْوَانًا﴾ في الدين: أي: متحابين مجتمعين على الأخوة في الله ، وقيل: كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين، فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحروب بينهم مائة وعشرين سنة، حتى أطفأها الله بالإِسلام، وألف بينهم برسوله ﷺ ، وقيل: الخطاب على العموم، والمعنى حينئذٍ؛ واذكروا أيها المؤمنون النعمة التي أنعم الله عليكم بها حين كنتم أعداءً يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل قويكم ضعيفكم، فجاء الإِسلام، فألف بينكم وجمع جمعكم، وجعلكم إخوانًا، حتى قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم، وديارهم، وكان بعضهم يؤثر غيره على نفسه، وهو في خصاصة وحاجة إليه، وأطفأ الحروب التي تطاولت بين الأوس والخزرج مائة وعشرين سنة وأنقذهم مما هو أدهى وأمر، وهو عذاب الآخرة. ﴿وَكُنْتُمْ﴾ يا معشر الأوس والخزرج ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ﴾؛ أي: على طرف وهدة ﴿مِنَ النَّارِ﴾ الأخروية مثل شفا البئر؛ أي: وكنتم قريبين من الوقوع في النار بسبب كفركم، ليس بينكم، وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على كفركم ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾؛ أي: فأنجاكم ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك الحفرة أو النار، بأن هداكم للإسلام.
والخلاصة: أي وكنتم بوثنيتكم وشرككم بالله كأنكم على طرف حفرة، يوشك أن ينهار، ويسقط بكم في النار، فليس بين الشرك، والهلاك في النار إلا
стр. 1891
الموت، والموت أقرب غائب ينتظر؛ فأنقذكم الإِسلام منها.
وفي هذه الآيات جماع المنن التي أنعم الله بها عليهم، فقد أخرجهم بالإِسلام من الشرك ومخازيه، وألف بين قلوبهم حتى صاروا سادة البشر، حين كانوا يعملون بكتابه، وأنقذهم بذلك من النار فسعدوا بالحسنيين. فانظر إلى آيات الله، ودلائل قدرته كيف حول قوما متخاذلين تملأ قلوبهم الإحن والعداوات، ويتربص كل منهما بالآخر ريب المنون إلى جماعات متعافية القلوب مليئة بالحب والإخلاص، وجهتهم جميعًا واحدة هي حكم الله ورفعة دينه ونشره بين البشر.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين لكم ربكم في هذه الآيات ما تضمره لكم اليهود من غشكم، وبين لكم ما أمركم به، وما نهاكم عنه، وبين لكم الحال التي كنتم عليها في الجاهلية، وما صرتم إليه في الإِسلام ليعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: يفصل الله تعالى لكم ﴿آيَاتِهِ﴾؛ أي: سائر حججه في تنزيله على لسان رسوله. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لكي تهتدوا من الضلالة، وتستعدوا للاهتداء الدائم حتى لا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان؛ والمعنى يزيدكم بيان ذلك ما دام رسول الله فيكم.
فائدة: والاختلاف (١) الذي يقع بين البشر ضربان:
الأول: ضرب لا يسلم منه الناس، ولا يمكن الاحتراس منه، وهو الخلاف في الرأي والفهم، وهو مما فطر عليه البشر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إذ أن العقول والأفهام ليست متساوية، فالأسرة الواحدة تختلف أفهام أفرادها في الشيء الواحد كما يختلف حبهم له؛ وميلهم إليه، وهذا ضرب لا ضرر فيه.
والثاني: ضرب جدت الشرائع في هدمه ومحوه، وهو تحكيم الرأي والهوى في أمور الدين وشؤون الحياة، وهاك مثلًا يتضح لك به ما تقدم. قد اختلف الأئمة المجتهدون في فهم كثير من نصوص الدين من كتاب وسنة، وما
стр. 1892
كان في ذلك من حرج، فمالكٌ نشأ في المدينة، ورأى ما كان عليه أهلها من صلاح وسلامة قلب فقال: إن عمل أهلها أصل من أصول الدين؛ لأنهم لقرب عهدهم من النبي ﷺ لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة في العمل. وأبو حنيفة نشأ في العراق وأهلها أهل شقاق ونفاق؛ فلم يجعل عملهم ولا عمل غيرهم حجة، ولو اجتمع هذان الإمامان. لعذر كل منها صاحبه فيما رأى؛ لأنه بذل جهده في بيان وجه الحق مع الإخلاص لله تعالى، وإرادة الخير والطاعة لأمره. ولكن جاءت بعد هؤلاء فرق من المسلمين قلدتهم فيما نقل عنهم، ولم تقلدهم في سيرتهم، وحكموا الرأي والهوى في الدين، وتفرقوا شيعًا كل فريق يتعصب لرأي فيما وقع من أوجه الخلاف، ويعادي المخالف له حتى حدث من ذلك ما نرى، وما ذاك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلب المتعصبين، فليس من المعقول أن أبا حنيفة أصاب في كل ما خالف فيه غيره من الأئمة، وأن الشافعي ومالكًا أخطآ في جميع ما خالفا فيه أبا حنيفة.
وإذًا فكيف يمضي نحو أربعة عشر قرنًا، ولا يستبين لفقهاء مذهبه وجه الصواب في بعض المسائل الخلافية! فيرجحون بعض آراء المذاهب الأخرى على مذهبه في تلك المسائل، ويرجعون إلى الصواب فيها!.
وهذا الضرب من الخلاف، وهو تحكيم الرأي والهوى كان مصدر شقاء أمم كثيرة، فهوت بعد رفعتها وذلت بعد عزتها وضعفت بعد قوتها.
وقد حدث مثل هذا في الفرق الإِسلامية في علم العقائد، فإن أبدى أحدهم رأيًا في مسألة بادر مخالفه إلى الرد عليه، وتفنيد مذهبه وتضليله، ويقابله الآخر بمثل صنيعه، ولو حاول كل منهما محادثة الآخر والإطلاع على أدلته، ووزنها بميزان الإنصاف والحق. لما حدث مثل هذا الخلاف، بل اقتنع كل واحد منهما بما رأى مخالفه.
والمسلم ما دام محافظًا على نصوص دينه، لا يخل بواحد منها مع احترامه لرسوله المفسر لكتابه، لا يخرج من جماعة المسلمين لمخالفته سواه.
فإذا تحكم الرأي والهوى، ولعن بعضهم بعضًا، وكفر بعضهم بعضًا؛ فقد
стр. 1893
باء بها من قالها، كما ورد في الحديث، وكذلك الحال في الاختلاف في المعاملة في المسائل السياسية والدينية، لا ينبغي أن يكون مفرقًا بين جماعة المسلمين، بل عليهم أن يرجعوا من النزاع إلى حكم الله، وآراء أولي العلم منهم، وبذلك نتقي غائلة الخلاف، ونكون في وفاق، ونصير ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الإعراب
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
﴿لَنْ﴾: حرف نصب ﴿تَنَالُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾. ﴿الْبِرَّ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿تُنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد ﴿حتى﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَنَالُوا﴾. ﴿مِمَّا﴾: من حرف جر وتبعيض ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر بـ ﴿مِنْ﴾. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، لأن المحبة لا تنفق، فإن جعل المصدر بمعنى المفعول .. فهو جائز على رأي أبي عليّ الفارسي انتهى. ﴿تُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تحبونه.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم. ﴿تُنْفِقُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿بِهِ﴾ متعلق بعليم. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: مبتدأ، ومضاف إليه ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها
стр. 1894
ضمير يعود على ﴿كُلُّ﴾. ﴿حِلًّا﴾: خبرها. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حِلًّا﴾؛ لأنه مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ لأنه بمعنى جائزًا، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء؛ لأنه استثناء من اسم ﴿كَانَ﴾ والعامل فيه ﴿كَانَ﴾. ﴿حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾. والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط ضميرٌ محذوف تقديره: حرمه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾.
﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾، قاله أبو البقاء، وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ﴾ متعلق بقوله ﴿كَانَ حِلًّا﴾ ولا ضَيْرَ في توسط الاستثناء بينهما إذ هو فصل جائز، وذلك على مذهب الكسائي، وأبي الحسن في جواز أن يعملَ ما قبل إلّا فيما بعدَها؛ إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أو حالًا، وقيل: متعلِّق بـ ﴿حَرَّمَ﴾. وفيه: أنَّ تقييد تحريمه ﵇ بقبلية تنزيل التوراة ليس فيه مزيد فائدة، إذ كان ما عدا المستثنى حلالًا لهم قبل نزولها، مشتملة على تحريم أمور أخر؛ حرمت بسبب ظلمهم وبغيهم كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية. أبو السعود انتهت. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ فعل ونائب فاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول بـ ﴿أَنْ﴾ مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره: من قبل تنزيلها.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة، ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، لِـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئتَ: قلت ﴿فَأْتُوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف تقديره: هذا هو الحق لا زعمكم يا معشر اليهود،
стр. 1895
كما أشرنا إليه في مقام التفسير. ﴿أتُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿بِالتَّوْرَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿أتوا﴾. ﴿فَاتْلُوهَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اتلوها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿فَأْتُوا﴾ ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعلَ شرط لها. ﴿صَادِقِينَ﴾: خبرُ ﴿كَانَ﴾، وجواب إن معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم صادقين .. فاتلوها، وجملة إن الشرطية في محل النصب: مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَمَنِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة أو استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط فقط، أو الجواب فقط، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿افْتَرَى﴾ فعل ماض في محل الجزم بِـ ﴿مِنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾ أو بـ ﴿الْكَذِبَ﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، والجملة الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ بالتوراة على كونها مقولًا لِـ ﴿قُلْ﴾ أو مستأنفة.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت .. قلت ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فَاتَّبِعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا تبين لكم صدقي وصدق ما جئت به، وأردتم بيان ما هو المصلحة لكم .. فأقول لكم: ﴿فَاتَّبِعُوا﴾: ﴿اتبعوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفةٌ على جملة قوله ﴿صَدَقَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ أو مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: