الموت، والموت أقرب غائب ينتظر؛ فأنقذكم الإِسلام منها.
وفي هذه الآيات جماع المنن التي أنعم الله بها عليهم، فقد أخرجهم بالإِسلام من الشرك ومخازيه، وألف بين قلوبهم حتى صاروا سادة البشر، حين كانوا يعملون بكتابه، وأنقذهم بذلك من النار فسعدوا بالحسنيين. فانظر إلى آيات الله، ودلائل قدرته كيف حول قوما متخاذلين تملأ قلوبهم الإحن والعداوات، ويتربص كل منهما بالآخر ريب المنون إلى جماعات متعافية القلوب مليئة بالحب والإخلاص، وجهتهم جميعًا واحدة هي حكم الله ورفعة دينه ونشره بين البشر.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين لكم ربكم في هذه الآيات ما تضمره لكم اليهود من غشكم، وبين لكم ما أمركم به، وما نهاكم عنه، وبين لكم الحال التي كنتم عليها في الجاهلية، وما صرتم إليه في الإِسلام ليعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: يفصل الله تعالى لكم ﴿آيَاتِهِ﴾؛ أي: سائر حججه في تنزيله على لسان رسوله. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لكي تهتدوا من الضلالة، وتستعدوا للاهتداء الدائم حتى لا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان؛ والمعنى يزيدكم بيان ذلك ما دام رسول الله فيكم.
فائدة: والاختلاف (١) الذي يقع بين البشر ضربان:
الأول: ضرب لا يسلم منه الناس، ولا يمكن الاحتراس منه، وهو الخلاف في الرأي والفهم، وهو مما فطر عليه البشر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إذ أن العقول والأفهام ليست متساوية، فالأسرة الواحدة تختلف أفهام أفرادها في الشيء الواحد كما يختلف حبهم له؛ وميلهم إليه، وهذا ضرب لا ضرر فيه.
والثاني: ضرب جدت الشرائع في هدمه ومحوه، وهو تحكيم الرأي والهوى في أمور الدين وشؤون الحياة، وهاك مثلًا يتضح لك به ما تقدم. قد اختلف الأئمة المجتهدون في فهم كثير من نصوص الدين من كتاب وسنة، وما
стр. 1892
كان في ذلك من حرج، فمالكٌ نشأ في المدينة، ورأى ما كان عليه أهلها من صلاح وسلامة قلب فقال: إن عمل أهلها أصل من أصول الدين؛ لأنهم لقرب عهدهم من النبي ﷺ لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة في العمل. وأبو حنيفة نشأ في العراق وأهلها أهل شقاق ونفاق؛ فلم يجعل عملهم ولا عمل غيرهم حجة، ولو اجتمع هذان الإمامان. لعذر كل منها صاحبه فيما رأى؛ لأنه بذل جهده في بيان وجه الحق مع الإخلاص لله تعالى، وإرادة الخير والطاعة لأمره. ولكن جاءت بعد هؤلاء فرق من المسلمين قلدتهم فيما نقل عنهم، ولم تقلدهم في سيرتهم، وحكموا الرأي والهوى في الدين، وتفرقوا شيعًا كل فريق يتعصب لرأي فيما وقع من أوجه الخلاف، ويعادي المخالف له حتى حدث من ذلك ما نرى، وما ذاك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلب المتعصبين، فليس من المعقول أن أبا حنيفة أصاب في كل ما خالف فيه غيره من الأئمة، وأن الشافعي ومالكًا أخطآ في جميع ما خالفا فيه أبا حنيفة.
وإذًا فكيف يمضي نحو أربعة عشر قرنًا، ولا يستبين لفقهاء مذهبه وجه الصواب في بعض المسائل الخلافية! فيرجحون بعض آراء المذاهب الأخرى على مذهبه في تلك المسائل، ويرجعون إلى الصواب فيها!.
وهذا الضرب من الخلاف، وهو تحكيم الرأي والهوى كان مصدر شقاء أمم كثيرة، فهوت بعد رفعتها وذلت بعد عزتها وضعفت بعد قوتها.
وقد حدث مثل هذا في الفرق الإِسلامية في علم العقائد، فإن أبدى أحدهم رأيًا في مسألة بادر مخالفه إلى الرد عليه، وتفنيد مذهبه وتضليله، ويقابله الآخر بمثل صنيعه، ولو حاول كل منهما محادثة الآخر والإطلاع على أدلته، ووزنها بميزان الإنصاف والحق. لما حدث مثل هذا الخلاف، بل اقتنع كل واحد منهما بما رأى مخالفه.
والمسلم ما دام محافظًا على نصوص دينه، لا يخل بواحد منها مع احترامه لرسوله المفسر لكتابه، لا يخرج من جماعة المسلمين لمخالفته سواه.
فإذا تحكم الرأي والهوى، ولعن بعضهم بعضًا، وكفر بعضهم بعضًا؛ فقد
стр. 1893
باء بها من قالها، كما ورد في الحديث، وكذلك الحال في الاختلاف في المعاملة في المسائل السياسية والدينية، لا ينبغي أن يكون مفرقًا بين جماعة المسلمين، بل عليهم أن يرجعوا من النزاع إلى حكم الله، وآراء أولي العلم منهم، وبذلك نتقي غائلة الخلاف، ونكون في وفاق، ونصير ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الإعراب
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
﴿لَنْ﴾: حرف نصب ﴿تَنَالُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾. ﴿الْبِرَّ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿تُنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد ﴿حتى﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَنَالُوا﴾. ﴿مِمَّا﴾: من حرف جر وتبعيض ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر بـ ﴿مِنْ﴾. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، لأن المحبة لا تنفق، فإن جعل المصدر بمعنى المفعول .. فهو جائز على رأي أبي عليّ الفارسي انتهى. ﴿تُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تحبونه.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم. ﴿تُنْفِقُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿بِهِ﴾ متعلق بعليم. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: مبتدأ، ومضاف إليه ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها
стр. 1894
ضمير يعود على ﴿كُلُّ﴾. ﴿حِلًّا﴾: خبرها. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حِلًّا﴾؛ لأنه مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ لأنه بمعنى جائزًا، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء؛ لأنه استثناء من اسم ﴿كَانَ﴾ والعامل فيه ﴿كَانَ﴾. ﴿حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾. والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط ضميرٌ محذوف تقديره: حرمه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾.
﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾، قاله أبو البقاء، وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ﴾ متعلق بقوله ﴿كَانَ حِلًّا﴾ ولا ضَيْرَ في توسط الاستثناء بينهما إذ هو فصل جائز، وذلك على مذهب الكسائي، وأبي الحسن في جواز أن يعملَ ما قبل إلّا فيما بعدَها؛ إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أو حالًا، وقيل: متعلِّق بـ ﴿حَرَّمَ﴾. وفيه: أنَّ تقييد تحريمه ﵇ بقبلية تنزيل التوراة ليس فيه مزيد فائدة، إذ كان ما عدا المستثنى حلالًا لهم قبل نزولها، مشتملة على تحريم أمور أخر؛ حرمت بسبب ظلمهم وبغيهم كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية. أبو السعود انتهت. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ فعل ونائب فاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول بـ ﴿أَنْ﴾ مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره: من قبل تنزيلها.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة، ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، لِـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئتَ: قلت ﴿فَأْتُوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف تقديره: هذا هو الحق لا زعمكم يا معشر اليهود،
стр. 1895
كما أشرنا إليه في مقام التفسير. ﴿أتُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿بِالتَّوْرَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿أتوا﴾. ﴿فَاتْلُوهَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اتلوها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿فَأْتُوا﴾ ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعلَ شرط لها. ﴿صَادِقِينَ﴾: خبرُ ﴿كَانَ﴾، وجواب إن معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم صادقين .. فاتلوها، وجملة إن الشرطية في محل النصب: مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَمَنِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة أو استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط فقط، أو الجواب فقط، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿افْتَرَى﴾ فعل ماض في محل الجزم بِـ ﴿مِنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾ أو بـ ﴿الْكَذِبَ﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، والجملة الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ بالتوراة على كونها مقولًا لِـ ﴿قُلْ﴾ أو مستأنفة.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت .. قلت ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فَاتَّبِعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا تبين لكم صدقي وصدق ما جئت به، وأردتم بيان ما هو المصلحة لكم .. فأقول لكم: ﴿فَاتَّبِعُوا﴾: ﴿اتبعوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفةٌ على جملة قوله ﴿صَدَقَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ أو مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾:
стр. 1896
مفعول به، ومضاف إليه ﴿حَنِيفًا﴾: حال من ﴿إبراهيم﴾. ﴿وَمَا كَانَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب معطوفة على ﴿حَنِيفًا﴾ على كونها حالًا من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ تقديره: حالة كونه عادمًا كونه من المشركين.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾، ومضاف إليه ﴿وُضِعَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿بَيْتٍ﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿وُضِعَ﴾ والجملة صفة لِـ ﴿بَيْتٍ﴾. ﴿لَلَّذِي﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداءٍ. ﴿الذي﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿بِبَكَّةَ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿مُبَارَكًا﴾: حال من الضمير المستتر في الصلة، أو المستتر في ﴿وُضِعَ﴾. ﴿وَهُدًى﴾: معطوف على ﴿مُبَارَكًا﴾. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور تنازع فيه كل من ﴿مُبَارَكًا﴾ و ﴿هدى﴾ أو متعلق بـ ﴿هدى﴾ فقط.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿آيَاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية في محل النصب حال ثالثة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها لبيان وتفسير بركته وهداه كما في "السمين". ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل من ﴿آيَاتٌ﴾ بدل تفصيل من مجمل و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مضاف إليه، والرابط محذوف تقديره ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ منها ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: ﴿وَ﴾ استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط فقط، أو جملة الجواب، أو هما معًا ﴿دَخَلَهُ﴾ فعل ومفعول في محل الجزم بِـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ، ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿آمِنًا﴾: خبرها، وجملة من الشرطية: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا سيقت لبيان تلك الآيات البينات، أو في محل الرفع معطوفة على ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ على كونها بدلًا
стр. 1897
من ﴿آيَاتٌ﴾، والمعنى: فيه آيات بينات. منها: مقام إبراهيم، ومنها: أمن داخله.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لله﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: متعلق بما تعلَّق به الجار والمجرور قبله. ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه، والتقدير: ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾: واجب لله على الناس. ﴿مَنِ﴾ اسم موصول في محل الجر بدل ﴿من الناس﴾ بدل بعض من كل، والرابط محذوف تقديره: منهم. ﴿اسْتَطَاعَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَطَاعَ﴾. ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول به لـ ﴿استطاع﴾.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم على كونه فعلَ شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إنْ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿غَنِيٌّ﴾: خبرها. ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: متعلق بغني، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة (من) الشرطية: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محلَّ لها من الإعراب، ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة، ودخلت الفاء تشبيهًا للموصول باسم الشرط، وقد تقدم نظيره غير مرة.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لِـ ﴿قُلْ﴾. وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾: ﴿اللام﴾؛ حرف جر. ﴿مَ﴾: اسم استفهام في
стр. 1898
محل الجر باللام مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿تَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾ والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه، ويصح كون ﴿مَا﴾ مصدرية كما مر نظيره مرارًا.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول محكي لِـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر. ﴿م﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿تَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿تَبْغُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من الضمير في ﴿تَصُدُّونَ﴾ أو من ﴿السبيل﴾؛ لأنَّ في هذه الجملة ضميرين راجعين إليهما؛ فلذلك صح أن تجعل حالًا من كل واحد منهما؛ كما ذكره أبو البقاء، أو الجملة مستأنفة. ﴿عِوَجًا﴾: حال من ﴿الهاء﴾ في ﴿تَبْغُونَهَا﴾ بتأويله بمشتق تقديره: معوجة. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ ﴿شُهَدَاءُ﴾: خبر، والجملة في محل النصب: حال إما من فاعل ﴿تَصُدُّونَ﴾ وإما من فاعل ﴿تَبْغُونَ﴾. ﴿وَمَا اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿ما﴾:
стр. 1899
حجازية أو تميمية. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها، أو مبتدأ. ﴿بِغَافِلٍ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة ﴿غافل﴾: خبر لـ ﴿ما﴾ أو خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿غافل﴾ وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾.
﴿يَا﴾: حرف نداء ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة؛ كما مر مرارًا، وجملة النداء: مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول: في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾: ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تُطِيعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَرِيقًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، صلة الموصول. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابًا لها؛ لأنه من أفعال التصيير. ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يردون﴾. ﴿كَافِرِينَ﴾: مفعول ثان ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جواب النداء لا محل لها من الإعراب.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.
﴿وَكَيْفَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿كيف﴾: اسم استفهام في محل النصب، على الحالية. ﴿تَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾: نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَفِيكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿فيكم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿رَسُولُهُ﴾: مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة
стр. 1900
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى﴾ على كونها حالًا من فاعل ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب أو هما. ﴿يَعْتَصِمْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْتَصِمْ﴾. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿قد﴾ لأنه من المواضع التي يجب فيها إقتران الجواب بالفاء المجموعة في قول بعضهم:
إِسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وبِجَامِدٍ ... وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّسْوِيفِ
﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿هُدِيَ﴾: فعل ماضٍ مغيّر الصيغة في محل الجزم بِـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب الشرط، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿هُدِيَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾.
﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿أيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أيُّ﴾، وجملة النداء، مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب النداء. ﴿حَقَّ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، وهو مضاف ﴿تُقَاتِهِ﴾: مضاف إليه، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ التقاة الحق، أي: الثابتة. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية ﴿تَمُوتُنَّ﴾: فعل مضارع مجزوم ﴿بلا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأن أصله تَمُوتُونَنَّ والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من عام الأحوال. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَمُوتُنَّ﴾ تقديره، ولا تموتن على حالةٍ من الأحوال إلَّا حالة كونكم مسلمين.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
стр. 1901
﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اعتصموا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اعتصموا﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من فاعل ﴿اعتصموا﴾ تقديره: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ﴾ الله حالة كونكم مجتمعين عليه. ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية ﴿تَفَرَّقُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اذكروا﴾ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ لأنه بمعنى إنعامه عليكم.
﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى مجرد عن معنى الشرط، والظرف متعلق بـ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. ﴿كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿فَأَلَّفَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أَلَّفَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿كان﴾. ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَلَّفَ﴾. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿أصبحتم﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أصبح﴾. ﴿إِخْوَانًا﴾: خبر ﴿أصبح﴾ وجملة ﴿أصبح﴾ في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَلَّفَ﴾.
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.
﴿وَكُنْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطف. ﴿وَكُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾ تقديره؛ وكنتم كائنين على شفا حفرة، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿حُفْرَةٍ﴾. ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الفاء عاطفة. ﴿أنقذكم﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله
стр. 1902
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ﴾. ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَنْقَذَكُمْ﴾.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: يبين لكم بيانًا كائنًا كذلك؛ أي: كائنًا مِثْلَ البيان المذكور هنا. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿آيَاتِهِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لعل﴾ حرف نصب وتعليل بمعنى كي، و ﴿الكاف﴾ اسمها. وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾ خبرها وجملة ﴿لعل﴾ من اسمها وخبرها في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلِّقة بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ تقديره: كذلك بين لكم آياته لاهتدائكم أي لإرادة اهتدائكم. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ يقال: ناله من فلان معروف يناله نيلًا إذا وصل إليه. والنوال: العطاء من قولك: نولته تنويلًا إذا أعطيته. والنيل: إدراك الشيء ولحوقه، وقيل: هو العطية، وقيل: هو تناول الشيء، باليد يقال: نلته أناله نيلًا قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾. وأما النول بالواو فمعناه: التناول يقال: نلته أنوله: أي: تناولته وأنلته زيدًا أنيله إياه؛ أي ناولته إياه. والبر اسم جامع لوجوه الخير، والمراد به هنا الجنة. ﴿حِلًّا﴾ الحل لغة: في الحلال، كما أن الحرم لغة: في الحرام، والحلال، وكذا الحل مصدر يستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فيه مراعاة لفظ ﴿مَنْ﴾ وفي قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مراعاة معناها، والإفتراء اختلاق الكذب وهو من باب افتعل أصله: من: فرى الأديم إذا قطعه؛ لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود.
﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ هي مكة بقلب الميم باء، وبكة علم للبلد الحرام، وكذا مكة، وهما لغتان: وقيل: إن بكة اسم لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام، وقيل: بكة للمسجد، ومكة للحرم كله، يقال: بك يبك من باب رد إذا دق
стр. 1903
الشيء، وسميت بكة؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، وبكها لأعناقهم كناية عن إهلاكهم، وإذلالهم ويقال: بك القوم إذا ازدحموا؛ لأنهم يزدحمون فيها في الطواف. وأما تسميتها مكة فقيل: سميت بذلك؛ لأنها قليلة الماء تقول العرب: مك الفصيل ضرع أمه، وأمكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن. وقيل: لأنها تمك المخ من العظم بما ينال ساكنها من المشقة، ومنه مككت العظم، إذا أخرجت ما فيه، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تمك من ظلم فيها؛ أي: تهلكه. وقد اختلف في الباني له في الابتداء، فقيل: الملائكة، وقيل: آدم، وقيل: إبراهيم، ويجمع بين ذلك؛ بأن أول من بناه الملائكة ثم جدده آدم ثم إبراهيم.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ والعوج - بكسر أوله وفتحه -: الميل، ولكن العرب فرقوا بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه وكلامه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. قال أبو عبيدة العوج بالكسر الميل في الدين، والكلام والعمل، وبالفتح في الحائط والجذع. وقال أبو إسحاق بالكسر فيما لا ترى له شخصًا، وبالفتح فيما له شخص، وقال صاحب المجمل: العوج بالفتح في كل منتصب كالحائط، وبالكسر ما كان في بساط أو دين أو أرض أو معاشٍ، فقد فرق بينهما بغير ما تقدم، يقال: عوج من باب: طرب فهو أعوج، والاسم: العوج كما ذكره في "المختار". ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كما تقول: ضربت زيدًا شديد الضرب أي؛ الضرب الشديد فكذلك ما هنا، والتقدير: اتقو الله الإتقاء الحق؛ أي: الواجب الثابت. ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ في "المصباح"، وشفا كل شيء حرفه، مثل النوى، وفي "السمين": الشفا: طرف الشيء، وحرفه، وهو مقصور من ذوات الواو يثنى بالواو نحو شفوان، ويكتب بالألف، ويجمع على أشفاء، ويستعمل مضافًا إلى أعلى الشيء، وإلى أسفله، فمن الأول ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾ ومن الثاني هذه الآية، وأشفى على كذا إذا قاربه، ومنه أشفى المريض على الموت.
البلاغة
وذكروا في هذه الآيات من فنون البلاغة والفصاحة أنواعًا:
стр. 1904
منها: التبكيت والتوبيخ، حيث أمرهم بالإتيان بالتوراة للدلالة على كمالِ القبح.
ومنها: الهزء في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ لأنه خرج مخرج الممكن وهو معلوم كذبهم، وذلك على سبيل الهزء بهم كقولك: إن كنت شجاعًا فالقني، ومعلوم عندك أنه ليس بشجاع، ولكن هزأت به؛ إذ جعلت هذا الوصف مما يمكن أن يتصف به.
ومنها: التفخيم في قوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ حيث حذف الموصوف، وذكر الصفة؛ لأن أصل الكلام للبيت الذي ببكة. ومنها: التأكيد والتشديد في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حيث وضع هذا اللفظ موضع، ومن لم يحج تأكيدا لوجوبه، وتشديدًا على تاركه. قال أبو السعود: ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات ما لا مزيد عليه، وهي قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق، وأبرزت في صورة الجملة الإسمية الدالة على الثبات والاستمرار على وجه يفيد أنه حق واجب لله في ذمم الناس، وسلك بهم مسلك التعميم، ثم التخصيص والإبهام، ثم التبيين والإجمال، ثم التفصيل.
وقال أبو حيان (١): وذكروا في هذه الآيات من فنون البلاغة والفصاحة:
منها: الاستفهام الذي يراد به الإنكار في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وفي اسم الله في مواضع، وفي ما يعملون.
ومنها: الطباق في الإيمان والكفر، وفي الهداية والكفر، إذ هو ضلال، وفي العوج والاستقامة، والتجوز بإطلاق اسم الجمع في قوله: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فقيل: هو يهودي غير معين، وقيل: هو شاس بن قيس وإطلاق العموم
стр. 1905
الذي أريد به الخصوص في ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على قول الجمهور إنه خطاب للأوس والخزرج.
ومنها: الحذف في مواضع. انتهى.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ حيث شبه الدين أو القرآن بالحبل، واستعير اسم المشبه به، وهو الحبل للمشبه، وهو الدين أو القرآن على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، والجامع بينهما التوصل للمقصود في كل، وإضافته للفظ الجلالة قرينة مانعة، والاعتصام ترشيح.
وفيه أيضًا: استعارة تصريحية تبعية حيث شبه الوثوق بالاعتصام، واستعار الاعتصام للوثوق، واشتق من الاعتصام ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ بمعنى ثقوا.
والحاصل: (١) أنَّ في الآية استعارتين: استعارة الحبل للدين، أو للكتاب فتكون استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، والقرينة الإضافة إلى الله تعالى، واستعارة الاعتصام للوثوق به، والتمسك به، فتكون استعارة مصرحة تبعية تحقيقية، والقرينة اقترانها بتلك الاستعارة.
ومنها: الاستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم الذي كانوا عليه بالجاهلية، بحال من كان مشرفًا على حفرة عميقة.
والله أعلم
* * *
стр. 1906
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾.
المناسبة
لما حذر الله سبحانه (١) وتعالى المؤمنين فيما سلف من مكايد أهل الكتاب، وأمرهم بتكميل أنفسهم، وتزكيتها مما يشوبها من الأدناس، والأرجاس بالعمل بتقوى الله، والمحافظة على إخلاص العمل له حتى المماتِ، وأمرهم بالاعتصام بحبل الله المتين باتباع كتابه، والتمسك بسنة رسوله ﷺ إذا اختلفت الأهواء وتضاربت الآراء .. أمرهم هنا بتكميل غيرهم من أفراد الأمة بدعوتهم إلى الله تعالى، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر تثبيتًا لهم جميعًا على مراعاة ما في الشريعة من الأحكام، والمحافظة على ما فيها من التكاليف، وبذلك تكون بينهم رابطة تجمعهم في طلاب الخير لهم جميعًا حتى تكون الأمة كأنها جسد واحد كما ورد في الحديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل
стр. 1907
الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" رواه مسلم.
وروى البخاري غيره: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
والحفاظ لوحدة الأمة، ومناط بقاء جامعتها أمر بعض أفرادها بعضًا بالاستمساك بالخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ثم ذكر ما حل باليهود من الذل والصغار بسبب البغي والعدوان.
التفسير وأوجه القراءة
١٠٤ - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: ولتوجد منكم يا معشر المؤمنين ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ متميزةٌ يقتدي بها فرق الناس ﴿يَدْعُونَ﴾ الناس ﴿إِلَى الْخَيْرِ﴾ ويحثونهم على ما فيه صلاح معاشهم، ومعادهم، فأفضل الدعوة، الدعوة إلى توحيد الله وإلى إثبات ما أثبته لنفسه من الصفات، وإلى تقديسه عن الأنداد والشركاء، وعن مشابهة المخلوقات في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ لأنها أساس الدين ومبنى الإيمان.
﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ الناس ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا، والمعروف كلُ ما استحسنه الشرع والعقل، والأمر بالمعروف تابع للمأمور به، إن كان واجبًا .. فواجب، وإن كان مندوبًا .. فمندوب ﴿وَيَنْهَوْنَ﴾ الناس ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ شرعًا، والمنكر ضد المعروف، وهو ما عرف بالعقل، والشرع قبحه. فالنهي عن الحرام واجب كله، لأن تركه واجب. وهذه الأمور من فروض الكفاية؛ لأنها لا تليق إلا من العالم بالحال، وسياسة الناس حتى لا يوقع المأمور، أو المنهي في زيادة الفجور، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة.
وقوله (١) ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ إظهارًا لترفهما، وأنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله عباده بالدعاء إليه كما قيل، في عطف جبريل وميكال على الملائكة، وحذف مفعول
стр. 1908
الأفعال الثلاثة إيذانًا بالعموم؛ أي: كل من وقع منه سبب يقتضي ذلك.
وقرأ الجمهور (١) ﴿وَلْتَكُنْ﴾ بإسكان اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن، والحسن، والزهري، وعيسى بن عمر، وأبو حيوة، بكسرها، وعلة بنائها على الكسر مذكورةٌ في كتب النحو، وسنبينها لك في مقام الإعراب إن شاء الله تعالى.
وقرأ عثمان وعبد الله بن الزبير ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم﴾ قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذه الزيادة تفسيرٌ من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين عنه، فألحقه بألفاظ القرآن، وقد روي عن عثمان كما مر آنفًا أنه قرأها كذلك، ولكن لم يكتبها في مصحفه، فدل على أنها ليست من القرآن.
وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع مقامها.
فائدة (٢): ويشترط فيمن يقوم بهذه الدعوة شروط أربعةٌ؛ ليؤدي وظيفته خير الأداء، ويكون مثلًا صالحًا يحتذى به في علمه وعمله:
الأول: أن يكون عالمًا بالقرآن والسنة وسيرة النبي ﷺ والخلفاءِ الراشدين ﵃ أجمعين.
الثاني: أن يكون عالمًا بحال من توجه إليهم بالدعوة في شؤونهم واستعدادهم وطباعهم وأخلاقهم، أي: معرفة أحوالهم الاجتماعية.
والثالث: أن يكون عالمًا بلغة الأمة التي يراد دعوتها، وقد أمر النبيُّ ﷺ بعض الصحابة بتعلم العبرانية لحاجته إلى محاورة اليهود، الذين كانوا يحاورونه ومعرفة حقيقة حالهم.
والرابع: معرفة الملل ومذاهب الأمم، وبذلك يتيسر له معرفة ما فيها من
стр. 1909
باطلٍ، فإن الإنسان إن لم يتبين له بطلان ما هو عليه، لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره، وإن دعاه إليه، وبالجملة فلا يقوم بهذه الدعوة إلا خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام، وحكمة التشريع، وفقهه، وهم الذين أشار إليهم الكتاب الكريم بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وهؤلاء يقومون بتطبيق أحكام الله تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان على مقدار علمهم في المساجد، والمعابد، والمنتديات العامة، وفي المحافل عند سنوح فرصةٍ. فإذا هم فعلوا ذلك كثر في الأمة الخير، وندر فيها وقوع الشر، وائتلفت قلوب أهاليها، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، وسعدوا في دنياهم وآخرتهم. وأمة هذه حالها تسود غيرها من الأمم باجتماع كلمتها، واتفاق أهوائها إذ لا مطمع لها إلا رفعة شأن دينها، وعزة أبنائها وسيادتها العالم كله. ولن يتم ذلك إلا إذا أعد أهلها للأمر عدته، وكملوا أنفسهم بالمعارف والعلوم التي تحتاج إليها الأمم التي تبغي السعادة والرقي، وتخلقوا بفاضل الأخلاق، وحميد الصفات حتى يكونوا مثلًا عليا يحتذى بها، ويشار إليهم بالبنان.
وإن ما أودع في ديننا من هذا، وما خلفه لنا السلف الصالح من الكنوز والثروة العلمية، فيه غنية لمن يريد الخير والفلاح، وقد روي أن رسول الله ﷺ سئل عن خير الناس، فقال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم".
وعنه ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم".
وعن علي ﵁: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن غضب لله غضب الله له. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
стр. 1910
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" أخرجه مسلم.
وعن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا". أخرجه البخاري.
واختلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقيل: يجبان على كلِّ مكلف، فمعنى الآية على هذا القول: كونوا أمةً دعاةً إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر. وصاحب هذا القول يقول: هما فرض كفاية إذا قام بهما واحد سقط الفرض عن الباقين.
وقيل: هنا يختصان بالعلماء وولاة الأمر، فعلى هذا يكون معنى الآية ليكن بعضكم آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الدعاة الآمرون الناهون ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: المختصون بالفلاح الكامل، والنجاح الواصل. روي أنه ﷺ قال: "من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر .. فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله وخليفة كتابه".
وبعد أن أمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. بين ما يجب أن تكون عليه الأمة الداعية الآمرة الناهية من وحدة المقصد، واتحاد الغرض؛ لأن الذين سبقوهم من الأمم، لم يفلحوا لاختلاف نزعاتهم، وتفرق أهوائهم؛ لأن كلًّا منهم يذهب إلى تأييد رأيه وإرضاء هواه.
أما المتفقون في القصد: فاختلافهم في الرأي لا يضر بل ينفعهم إذ هو أمر طبيعيٌّ، لا بدَّ منه لتمحيصه، وتبين وجه الصواب فيه فقال:
١٠٥ - ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ يا معشر المؤمنين ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ أي: كاليهود والنصارى الذين تفرقوا بالعداوة ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في الدين، وكانوا شيعًا تذهب كل شيعة منها مذهبًا يخالف مذهب الآخر، وتنصر مذهبها وتدعو إليه، وتخطىء ما سواه ولذا تعادوا واقتتلوا، أو
стр. 1911
المعنى تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسًا في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل، قال الفخر الرازي: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان، صاروا موصوفين بهذه الصفة، فنسأل الله العفو والرحمة.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، أي: تفرقوا، واختلفوا من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، وإتحاد الكلمة. ولو كان فيهم أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر وتعتصم بحبل الله وتتجه إلى غايةٍ واحدةٍ لما تفرقوا واختلفوا فيه. ولما تعددت مذاهبهم في أصوله وفروعه، وما قاتل بعضهم بعضًا: فلا تكونوا مثلهم؛ فيحل بكم ما حل بهم.
قالوا: وهذا الاختلاف المنهي عنه يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية: فالاختلاف فيها جائزٌ. وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين، في أحكام الحوادث لقوله ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة" ولقوله ﷺ : "من اجتهد .. فأصاب؛ فله أجران، ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ".
وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". وزاد الحاكم في رواية: "كلها في النار إلّا ملة واحدة". وزاد أحمد في روايةٍ عن أنس "قيل يا رسول الله: من تلك الفرقة؟ قال: "الجماعة". وإنما قال: ﴿جَاءَهُمُ﴾، ولم يقل: جاءتهم لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل عند وجود الفاصل، أو عند كون الفاعل مؤنثًا مجازيًّا كما هنا.
ثم ذكر عاقبة المختلفين وعظيم نكالهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الذين تفرقوا واختلفوا في الدين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة؛ بسبب تفرقهم واختلافهم. وفيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرق والاختلاف. وهذا العذاب يشمل خسران الدنيا، وخسران الآخرة، أما في الدنيا: فلأن بأسهم يكون بينهم شديدًا، فيشقى بعضهم ببعض، ويبتلون بالأمم التي تطمع في الضعفاء
стр. 1912
وتذيقهم الخزي والنكال. وأما في الآخرة: فعذاب الله أشد وأبقى. وهذا الوعيد المذكور في هذه الآية يقابل الوعد المذكور في الآية السابقة، وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فالفلاح فيها يشمل الفوز بخيري الدنيا والآخرة.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة شبرًا .. فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه". أخرجه أبو داود. ربقة الإِسلام: عقدة الإِسلام وحبله وعراه.
وروى البغويُّ بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سَرَّه أن يسكن بحبوحة الجنة .. فعليه بالجماعة؛ فإن الشيطان مع الفذِّ، وهو من الاثنين أبعد". بحبوحة الجنة: وسطها، والفذ: هو الواحد.
١٠٦ - ثم ذكر الله زمان ذلك العذاب فقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الظرف منصوب بمحذوف تقديره: اذكروا يوم تبيض وتستنير، وتلألأ فيه وجوه كثيرة من المؤمنين بسبب ما تراه من الفرح والسرور بحسناتها، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ كثيرة من الكافرين بسب ما تراه من الحزن والكآبة والغمّ بسيئاتها، وهو يوم القيامة حين (١) يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة، ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب إذ قرأ المؤمن كتابه .. رأى حسناته، فاستبشر وأبيض وجهه، وإذا قرأ الكافر كتابه .. رأى سيئاته؛ فحزن واسود وجهه.
وفي بياض (٢) الوجوه وسوادها قولان:
أحدهما: البياض كناية عن الفرح، والسرور، والسواد: كناية عن الغم والحزن، واستعمال البياض في السرور والسواد في الحزن عرف شائع لدى كل ناطق بالضاد على سبيل التجوز.
والقول الثاني: بياض الوجوه وسوادها حقيقة تحصل في الوجه، فيبيض وجه المؤمن، ويكسى نورًا، ويسود وجه الكافر ويكسى ظلمة؛ لأن لفظ البياض والسواد حقيقة فيهما.
стр. 1913
والحكمة في بياض الوجوه وسوادها: أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن، عرفوا أنه من أهل السعادة، وإذا رأوا سواد وجه الكافر .. عرفوا أنه من أهل الشقاوة. ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ وقوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ وفي الحديث: "إن أمتي يحشرون غرًّا محجلين من أثر الوضوء".
وخلاصة الكلام: أنَّ هؤلاء المختلفين المتفرقين لهم عذاب عظيم في هذا اليوم، كما تظاهرت على ذلك الآيات والأحاديث، كما يكون لهم مثل ذلك في الدنيا؛ إذ هم لاختلاف مقاصدهم لا يتناصرون، ولا يتعاونون، ولا يأبهون بالأعمال التي فيها شرف الملة وعز الأمة، فتسود وجوههم بالذل والكآبة حين يجنون ثمار أعمالهم، وعواقب تفرقهم، واختلافهم بقهر الغاصب لهم، وانتزاعه السلطة عن أيديهم، والتاريخ والمشاهدة شاهدا صدق على هذا.
أما المتفقون الذين اعتصموا، واتفقوا على الأعمال النافعة لخير الأمة وعزها، وأصبح كل واحد منهم عونًا للآخر، وناصرًا له، فأولئك تبيض وجوههم، وتتلألأ بهجة وسرورًا حين تظهر لهم آثار اتفاقهم، واعتصامهم بوجود السلطان والعزة والشرف وارتفاع المكانة بين الأمم.
وقرأ (١) الجمهور ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ بفتح التاء، وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو رزين العقيلي، وأبو نهيك ﴿تبْيَضُّ﴾ و ﴿تسْوَدُّ﴾ بكسر التاء فيهما، وهي لغة تميم. وقرأ الحسن، والزهري، وابن محيصن، وأبو الجوزاء ﴿تَبياض﴾ و ﴿تسواد﴾ بألف فيهما، ويجوز كسر التاء في ﴿تبياض وتسواد﴾، ولم ينقل أنه قرئ ذلك.
ثم فصل أحوال الفريقين فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ﴾ وأظلمت ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ بسبب تفرقهم واختلافهم فيلقون في النار، وتقول الزبانية توبيخًا لهم ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، أي: هل كفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب
стр. 1914
الإيمان؟ وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة. وقال عكرمة، والأصم، والزجاج: أي أكفرتم يا أهل الكتاب بعد بعثة محمَّد ﷺ بعد إيمانكم به قبل مبعثه؟.
وابتدأ (١) بالذين اسودت وجوههم، للاهتمام بالتحذير من حالهم، ولمجاورة قوله وتسود وجوه، وليكون الابتداء بالمؤمنين والاختتام بحكمهم فيكون مطلع الكلام ومقطعه شيئًا يسر الطبع، ويشرح الصدر.
فإن قلت (٢): كيف قال؟ أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين، فمن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟
قلت: اختلف العلماء في ذلك، فروي عن أبيّ بن كعب أنه قال: أراد به الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى فآمن الكل، فكل من كفر في الدنيا .. فقد كفر بعد الإيمان، وقال الحسن: هم المنافقون؛ وذلك أنهم تكلموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم. وقال عكرمة: هم أهل الكتاب؛ وذلك أنهم آمنوا بمحمد ﷺ قبل مبعثه، فلما بعث .. أنكروه وكفروا به كما مر آنفًا. وقيل: هم الذين ارتدوا في زمن أبي بكر الصديق ﵁ وهم أهل الردة.
ذكر الأحاديث المناسبة للآية
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأنالهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". متفق عليه.
وعن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولنَّ: أي رب أصحابي أصحابي فيقال لي: لا تدري ما أحدثوا بعدك". زاد في رواية "فأقول سحقا لمن
стр. 1915
بدل بعدي". متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يرد علي يَوْمَ القيامة رهط من أصحابي، أو قال: من أمتي، فيجلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى". متفق عليه.
وقيل: هم الخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب، وقتلهم، وهم الحرورية. وقيل: هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة كالقدرية، ونحوهم، فكفرهم بعد إيمانهم على هذا القول هو خروجهم من الجماعة ومفارقتهم في الاعتقاد.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، أي: باشروا العذاب وادخلوه ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفركم بالله وبرسوله وبكتابه، والأمر بذوق العذاب على طريق الإهانة لهم، والاستهزاء بهم.
وقد جرى عرف القرآن أن يعد المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
كذلك يعد الخروج عن مقاصد الدين الحقيقية من الكفر؛ لأن الإيمان اعتقادٌ، وقولٌ، وعملٌ، وهو ذو شعبٍ كثيرة، من أجلها تحري العدل، واجتناب الظلم، فمن استرسل في الظلم .. كان كافرًا كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وكذلك من ترك الاتحاد، والوفاق، والاعتصام بحبل الدين كان من الكافرين بعد الإيمان.
١٠٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ﴾ واستنارت ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ بالفرح والسرور؛ بما رأوا من حسناتهم التي من جملتها اتحاد الكلمة، وعدم التفرق ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي:
стр. 1916
فيكونون في رحمة الله وجنته، وعبر عنها بالرحمة تنبيهًا على أن المؤمن، وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى، فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾؛ أي: هم دائمون في رحمته وجنته، لا يظعنون عنها ولا يموتون، قيل: إنما كرر ﴿في﴾ لأن في كل واحدة منها معنى غير الأخرى المعنى أنهم في رحمة الله، وأنهم في الرحمة خالدون، وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر ﴿فأما الذين اسوادات وأما الذين ابياضت﴾ بألف.
١٠٨ - ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذه الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ القرآنية، ودلائله الدالة على صدقك يا محمَّد ﴿نَتْلُوهَا﴾، أي: نقرؤها بواسطة جبريل ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد حالة كونها ملتبسة ﴿بِالْحَقِّ﴾ والعدل في مجازاة المحسن، والمسيء بما يستوجبانه، أو حالة كوننا ملتبسين بالحق والصدق.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: وما يريد الله فردًا من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلًا عن أن يفعله، وأما ظلم بعضهم لبعض فواقع كثيرًا، وكل واقع فهو بإرادته تعالى، والمعنى لا يشاء أن يظلم هو عباده، فيأخذ أحدًا بغير جرم أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن.
والحاصل: أن كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه فإنما يريد به هدايتهم، إلى ما يكمل فطرتهم ويتم به نظام جماعتهم، فإذا هم فسقوا عن أمره حل بهم البلاء، وكانوا هم الظالمين، لأنفسهم بتفرقهم، واختلافهم إلى نحو ذلك من الذنوب التي تفسد نظم المجتمع، وتجعل أهله في شقاء، ولا يحل عذاب بأمة إلا بذنب فشا فيها، فزحزحها عن الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
١٠٩ - ثم ذكر ما هو كالبرهان لنفي الظلم عنه تعالى فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولله لا لغيره جميع ما في السموات، وما في الأرض ملكًا، وخلقًا، إحياءً وإماتة، وإثابةً، وتعذيبًا.
لما ذكر الله تعالى أنه لا يريد ظلمًا للعالمين، لأنه لا حاجة به إلى الظلم،
стр. 1917
وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد مالًا أو عزًّا أو سلطانًا أو يتم نقصًا فيه بما يظلم به غيره، ولما كان الله عز جل مستغنيًا عن ذلك، وله صفة الكمال أخبر أن له ما في السموات وما في الأرض، وأن جميع ما فيهما ملكه وأهلهما عبيده، وإذا كان كذلك يستحيل في حقه أن يظلم أحدًا من خلقه؛ لأنهم عبيده وفي قبضته، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ ولأن الظلم ينافي الحكمة، والكمال في النظام، وفي التشريع، ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: إلى حكمه تصير أمور الخلائق، وشؤونها في الآخرة المؤمن، والكافر، والعاصي، والطائع، فيجازي الكل على قدر استحقاقهم، ولا يظلم أحدًا منهم فلا مفر منه، ولا محيص عنه. وقرىء ﴿ترجع﴾ بالبناء للفاعل، أو المفعول، وبالتاء المثناة من فوق على القراءتين.
١١٠ - ﴿كُنْتُمْ﴾ يا أمة محمَّد في سابق علمه تعالى ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ أي: أفضل أمة ﴿أُخْرِجَتْ﴾ وأظهرت بفضلها وشرفها ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: عرف فضلها وشرفها للناس حتى تميزت عنهم بما فيها من الخصال الآتية، أو المعنى أخرجت، وأظهرت في عالم الوجود في الدنيا، لنفع الناس كما أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة في الآية قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإِسلام، وفي الآخرة بالشهادة للأنبياء على أممهم، وقال ابن عباس: أخرجت من مكة إلى المدينة، وقيل: اللام فيه بمعنى من، والمعنى: كنتم يا أمة محمَّد في سابق علمي خير أمة أخرجت: أي: اختيرت من الناس لنفعها لهم في الدنيا والآخرة.
ثم بين وجه خيريتها بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ الناس ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: بالتوحيد واتباع محمَّد ﷺ ﴿وَتَنْهَوْنَ﴾ الناس ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: عن الشرك ومخالفة الرسول محمَّد ﷺ ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: وتصدقون بالله وتخلصون له التوحيد والعبادة، أو المعنى تؤمنون بالله إيمانًا متعلقًا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول، وكتاب، وحساب، وجزاء، وغير ذلك. وقال قتادة: هم أمة محمَّد ﷺ لم يؤمر نبي قبله بالقتال؛ فهم يقاتلون الكفار، فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة أخرجت للناس.
стр. 1918
فإن قلت (١): لِمَ قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان يلزم أن يكون مقدمًا على جميع الطاعات، والعبادات لأنه أساسها؟
قلت: إنَّ الإيمان بالله أمر يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنما فضلت هذه الأمة الإِسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سائر الأمم، فكأنهما هما المقصودان هنا وإن كان الإيمان بالله شرطًا فيهما؛ فلهذا السبب حسن تقديم ذكرهما على ذكر الإيمان، فهذه الأمة لها شبه بالأنبياء من حيث إنها مهتدية في نفسها هادية لغيرها.
فصل في ذكر الأحاديث الدالة على خيرية هذه الأمة
عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، "ثم إن بعدهم قومًا يشهدون، ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن". زاد في رواية "ويحلفون ولا يستحلفون". متفق عليه.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته". متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدًا أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم، ولا نصيفه". متفق عليه. النصيف: النصف."
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم
стр. 1919
خيرها، وأكرمها على الله تعالى".
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". أخرجه البخاري.
وعن ابن عمر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله لا يجمع أمتي، أو قال: أمة محمَّد ﷺ على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار". أخرجه الترمذي.
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا، الفتن والزلازل والقتل". أخرجه أبو داود.
وعن أنس ﵁: "مثل أمتي كمثل المطر، لا يدرى آخره خير أم أوله". أخرجه الترمذي.
وله عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومئة صف، ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أمتي من يشفع في الفئام من الناس، ومنهم من يشفع في القبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للواحد". أخرجه الترمذي.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا، أو سبع مئة ألف سماطين (١) متماسكين، آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". أخرجه البخاري.
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: ولو آمنت اليهود والنصارى بمحمد ﷺ
стр. 1920
وبما جاء به من الدين إيمانًا كاملًا كإيمانكم ﴿لَكَانَ﴾ ذلك الإيمان ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مما هم عليه من اليهودية والنصرانية، وإنما حملهم على ذلك حب الرياسة، واستتباع العوام، ولو أنهم آمنوا .. لحصلت لهم الرياسة في الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة، وهو دخول الجنة، فكان ذلك خيرًا لهم مما قنعوا به ﴿مِنْهُمُ﴾؛ أي: من أهل الكتاب ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ بمحمد ﷺ كعبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود، والنجاشي، وأصحابه الذين أسلموا من النصارى ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾؛ أي: أكثر أهل الكتاب ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في أديانهم، فيكونون مردودين عند الطوائف كلهم؛ لأن المسلمين لا يقبلونهم لكفرهم، والكفار لا يقبلونهم، لكونهم فاسقين، فيما بينهم؛ فليسوا بمن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء
١١١ - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾؛ أي: لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود ﴿إِلَّا أَذًى﴾؛ أي: إلا ضررًا يسيرًا باللسان، لا نكاية فيه، ولا إجحاف لكم إما بطعنهم في دينكم أو نبيكم، وإما بإظهار كلمة الكفر كقولهم عزير ابن الله، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين فلا يصل إليكم منه شيء، وإنما هو مجرد لقلقة اللسان. قيل: سبب نزول هذه الآية أن رؤساء اليهود عمدوا إلى من آمن منهم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.
والمعنى: أن هؤلاء الفاسقين لا يقدرون على إيقاع الضرر عليكم، بل غاية جهدهم أن يؤذوكم بالهجو القبيح، والطعن في الدين، وإلقاء الشبهات، وتحريف النصوص التي في التوراة، والخوض في النبيّ ﷺ ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾؛ أي: وإن يقابلوكم في ميدان القتال ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: يجعلوا أدبارهم وظهورهم مولى إلى جهتكم، وينهزموا من غير أن يظفروا منكم بشيء، والمنهزم من شأنه أن يحول ظهره إلى جهة مقاتله، ويستدبره في هربه منه، فيكون قفاه إلى وجه من انهزم منه ﴿ثُمَّ﴾ بعد انهزامهم من قتالكم ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ عليكم أبدًا؛ أي: لا يجدون الشوكة والقوة والنصرة عليكم أبدًا ما داموا على فسقهم ودمتم على خيرتكم، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله.
стр. 1921
١١٢ - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾؛ أي: جعلت الذلة والصغار والهوان على اليهود، بأن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم، وتسبى ذراريهم، وتملك أراضيهم، وقيل: الذلة ضرب الجزية عليهم؛ لأنها ذلة وصغار، وقيل: ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ملكًا قاهرًا، ولا رئيسًا معتبرًا، بل هم مستضعفون في جميع البلاد، ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾؛ أي: حيثما وجدوا وصودفوا؛ فلا يقدرون أن يقوموا مع المؤمنين ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أي؛ إلا بعهد من الله، وهو أن يسلموا؛ فتزول عنهم الذلة ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: أو بعهد من المؤمنين ببذل الجزية، والمعنى: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل الناس، وهو ذمة الله، وعهده، وذمة المسلمين وعهدهم، لا عز لهم أبدًا إلا في هذه الحالة الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من بذل الجزية وإنما سمي العهد حبلًا؛ لأنه سبب يوصل إلى الأمن، وزوال الخوف.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: استوجبوا، واستحقوا غضبًا من الله، ولعنة منه، وغضب الله تعالى ذمه إياهم في الدنيا، وعقوبته لهم في الآخرة ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير خارجين منها، يعني: جعل عليهم زي الفقر، واليهود في غالب الأحوال مساكين، تحت أيدي المسلمين والنصارى. فاليهودي، وإن كان غنيا موسرًا يظهر من نفسه الفقر. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من ضرب الذلة، والمسكنة، وغضب الله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: ينكرون آيات الله الناطقة بنبوة محمَّد ﷺ يحرفونها، وسائر الآيات القرآنية ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أي: بلا جرم، فإن الذين قتلوا الأنبياء، أسلافهم، وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم، فنسب إليهم، كما أن التحريف من أفعال أحبارهم، ينسب إلى كل من يتبعهم، والتقييد بغير حق، مع أنه كذلك في نفس الأمر للدلالة على أنه لم يكن حقًّا بحسب اعتقادهم أيضًا، وللتشنيع عليهم، وللدلالة على أن ذلك حدث منهم عن عمد لا عن خطأ ﴿ذَلِكَ﴾ الكفر والقتل ﴿بِمَا عَصَوْا﴾؛ أي: بسبب كثرة عصيانهم، ومخالفتهم لأوامر الله تعالى، وغشيانهم لمعاصي الله، كالاصطياد في يوم السبت مثلًا ﴿و﴾ بما ﴿كانوا يعتدون﴾؛ أي: يتجاوزون
стр. 1922
حدود الله باستحلال المحارم؛ أي؛ ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم ومجاوزتهم حدود الله تعالى؛ فنزل بهم ما نزل.
وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها، فالعصيان والاعتداء هو عين الكفر، وقتلهم الأنبياء، ويحتمل أنها ليست مؤكدة بل هي علة للعلة؛ أي: فعلة ضرب الذلة، والمسكنة، والغضب من الله: كفرهم، وقتلهم الأنبياء، وعلة الكفر، والقتل: عصيانهم أمر الله وتجاوزهم الحد.
وقال بعض العارفين: من ابتلي بترك الآداب .. وقع في ترك السنن ومن ابتلي بترك السنن .. وقع في ترك الفريضة، ومن ابتلي بترك الفريضة .. وقع في اسحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك .. وقع في الكفر.
الإعراب
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَلْتَكُنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ لام الأمر، مبنية على السكون لسبقها بعاطف والأصل فيها: البناء على الكسر كما في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ وإنما حركت حينئذٍ؛ لكونها على حرف واحد، ولتعذر الابتداء بالساكن، وكانت الحركة كسرة للفرق بينها وبين لام القسم، والالتباس بينها وبين لام الجر يندفع بالمقام؛ لأن هذه لا تدخل إلا على الفعل، وتلك إلا على الاسم، كما ذكرته في "الفتوحات القيومية على متن الآجرومية" ﴿تكن﴾ فعل مضارع تام، أو ناقص مجزوم باللام. ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق به، أو خبر لـ ﴿تكن﴾ إن قلنا ناقصة. ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعل، أو اسمٌ لها، والجملة مستأنفة. ﴿يَدْعُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَى الْخَيْرِ﴾ متعلق به، والجملة صفة لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، وجملة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وكذلك جملة ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ معطوفتان على جملة ﴿يَدْعُونَ﴾ على كونهما صفة لـ ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿أولئك﴾ مبتداء. ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة.
стр. 1923
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، أو عاطفة. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿كَالَّذِينَ﴾ جار ومجرور خبره، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾. ﴿تَفَرَّقُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. وجملة قوله: ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿تَفَرَّقُوا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور تنازع فيه كل من ﴿تَفَرَّقُوا﴾ ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد مجيء البينات إياهم. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿أولئك﴾ مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ ثانٍ مؤخر، وسوغ الابتداء، تقدم الخبر الظرفي عليه ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾.
﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بمحذوف تقديره: أذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة، ويجوز: أن يكون الظرف متعلقًا بـ ﴿عَظِيمٌ﴾، أو للاستقرار في ﴿لَهُمْ﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. وجملة ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ معطوفة على جملة ﴿تَبْيَضُّ﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.
﴿فَأَمَّا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الناس في القيامة فريقان: فرقة تبيض وجوههم، وفرقة تسود وجوههم، وأردت بيان مأوى الفريقين فأقول لك ﴿أما الذين﴾ ﴿أما﴾ حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ. ﴿اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، وخبر المبتدأ، محذوف تقديره: فيلقون في النار، أو يكونون في النار، والجملة من المبتدإ، والخبر جواب ﴿أمَّا﴾ لا محل لها من
стр. 1924
الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقولٌ لجواب، إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي، وقال أبو حيان: الاستفهام، فيه للتقرير والتوبيخ والتعجيب ﴿كفرتم﴾ فعل وفاعل. ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق ﴿بكفرتم﴾، وجملة الاستفهام في محل النصب مقول لقول محذوف معطوف على الخبر المحذوف تقديره؛ ويقال لهم توبيخًا: أكفرتم بعد إيمانكم. ﴿فَذُوقُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية. ﴿ذوقوا العذاب﴾ فعل وفاعل ومفعول، فالجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ على كونها مقولًا لقول محذوف. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب. ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَكْفُرُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾؛ وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿لما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور ﴿بالباء﴾ تقديره: بسبب كفركم، الجار والمجرور متعلق ﴿بذوقوا﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾.
﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿أَمَّا﴾ حرف شرط. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ. ﴿ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها. ﴿في رحمة الله﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: فكائنون في رحمة الله والجملة الإسمية جواب ﴿أما﴾، وجملةُ ﴿أما﴾ في محل النصب معطوفة على جملة، ﴿أما﴾ الأولى ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ المذكور بعده. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة دالةٌ على أَنَّ الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود، فلا تعلقَ لها بالجملة قَبلها من حيث الإعراب كما ذكره في "الفتوحات".
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿نَتْلُوهَا﴾
стр. 1925
فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلِّق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من آيات الله، ولكنها حالةٌ سببيةٌ تقديره: حالة كوننا تالِينَ إياها. ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿نَتْلُوهَا﴾ أو مِنْ مفعوله. ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ حجازية، أو تميمة. ﴿اللَّهُ﴾ اسمها أو مبتدأ. ﴿يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿اللام﴾ زائدة زيدت لتقويةِ معنى العامل كاللام في قوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، أو خبر لِمَا، والجملة الإسمية مستأنفة، ولكنها مرتبطة في المعنى بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لله﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿ما﴾ في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور صلةٌ لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ معطوفة على ﴿ما﴾ الأولى. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صلةٌ ﴿لما﴾ أو صفة لها. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إلى الله﴾ جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية المذكورة قبلها، أو مستأنفة.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ خبر كان ومضاف إليه، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة ﴿أُخْرِجَتْ﴾ فعلٌ ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ والجملة الفعلية صفة لـ ﴿أُمَّةٍ﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أُخْرِجَتْ﴾. ﴿تَأْمُرُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب خبر ثان لـ ﴿كان﴾، أو مستأنفة اسْتِئْنافًا بَيَانِيًّا ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ جملة معطوفة على جملة ﴿تأمرون﴾، وكذلك معطوفة عليها جملة قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿كان﴾ أو مستأنفة.
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
стр. 1926
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَكَانَ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿كان﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيه تقديره: هو يعود على الإيمان. ﴿خَيْرًا﴾ خبر لـ ﴿كان﴾. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ وجملة ﴿كان﴾ جواب ﴿لوَ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة لو مستأنفة. ﴿مِنْهُمُ﴾ خبر مقدم. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ حرف نصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿إِلَّا﴾ استثناء متصل، وهو استثناء مفرغ من المصدر المحذوف، والتقدير: لن يضروكم ضررًا إلّا ضررًا يسيرًا، هو الأذى لا نِكايةَ فيه، ولا إِجْحافَ لكم. انتهى. ﴿أَذًى﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بـ ﴿يَضُرُّوكُمْ﴾ لأنه مصدر معنوي له. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، أو عاطفة. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم ﴿بإنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿أن﴾ على كونه جواب شرط لها ﴿الْأَدْبَارَ﴾ مفعول ثان، وجملة الشرط مستأنفة أو معطوفة على ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف بمعنى ﴿الواو﴾ الاستئنافية. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ﴾ فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ مستأنف، ولم يجزم عطفًا على جواب الشرط؛ لأنه يلزم عليه تغيير المعنى؛ وذلك؛ لأنَّ الله أخبر بعدم نصرتهم مطلقًا، ولو عطفناه على جواب الشرط .. للزم تقييده بمقاتلتهم لنا، مع أنهم غير منصورين مطلقًا قاتلوا أو لم يقاتلوا. انتهى. ويصح أن تكون ﴿ثم﴾ للترتيب الذكري. والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية، لا على الجواب فقط. وقال أبو البقاء: هو كلام مستأنف أستؤنف به ليدل على أنَّ الله لا ينصرهم
стр. 1927
قاتلوا، أو لم يقاتلوا انتهى.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
﴿ضُرِبَتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به. ﴿الذِّلَّةُ﴾ نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَيْنَ﴾ اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بالجواب المحذوف. ﴿مَا﴾ زائدة. ﴿ثُقِفُوا﴾ فعل ونائب فاعل مجزوم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعلَ شَرْطٍ لها، وجوابها معلوم مما قبلها تقديره أينما ثقفوا ضُرِبَت عليهم الذلة، أو يقال: إنَّ ﴿أَيْنَ﴾ ظرف مجرَّدٌ عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿ضُرِبَتْ﴾ فلا جوابَ لها، وجملة ﴿ثُقِفُوا﴾ مضاف إليه لـ ﴿أَيْنَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من عام الأحوال. ﴿بِحَبْلٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿واو﴾ ﴿ثُقِفُوا﴾ تقديره: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال إلَّا في حالة كونهم مُتمسكين بحبل من الله، وحبل من الناس. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿حَبْل﴾ تقديره: حبل كائن من الله. ﴿وَحَبْلٍ﴾. معطوف على ﴿حَبْلٍ﴾ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ صفة لحبلٍ الثاني.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾.
﴿وَبَاءُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿باءوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ضُرِبَتْ﴾. ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿بَاءُوا﴾ والباء للملابسة؛ أى: رجعوا مغضوبًا عليهم، وليس مفعولًا به كمررت بزيد. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿غَضَبٍ﴾. ﴿وَضُرِبَتْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفةً. ﴿ضُرِبَتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿أن﴾ حرف نصب وتوكيد و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿يَكْفُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر ﴿كان﴾ تقديره: كانوا كافرين، وجملة ﴿كان﴾ في
стр. 1928
محل الرفع خبر أنَّ تقديره: بأنهم كافرون، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور ﴿بالباء﴾ تقديره بسبب كفرهم. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿كان﴾. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الضمير في ﴿يَقْتُلُونَ﴾، والتقدير: يقتلونهم مبطلين، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره قتلًا بغير الحق، وعلى كِلَا الوجهين هو توكيد.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿عَصَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ المتعلقة بخبر محذوف، تقديره: ذلك كائن بسبب عصيانهم، والجملة مستأنفة، ومؤكدة للجملة التي قبلها كما مَر في بحث التفسير ﴿وَكَانُوا﴾ الواو عاطفة ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْتَدُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿عصوا﴾ على كونها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ تقديره: ذلك كائنٌ بسبب عصيانهم واعتدائهم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أُمَّةٍ﴾ الأُمة بضم الهمزة: الجماعة دينهم وأمرهم متفق، والطريقة يجمع على أمم. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المعروف: هو ما استحسنه الشرع والعقل. والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة، والمنكر ما خالفهما أو المعروف الطاعة، والمنكر المعاصي. والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال، والتروك وما عطف عليه خاص. ﴿ابيضت اسودت﴾ ابيض اسود من باب (١) إفعل أصله إفعلل، يدل على ذلك قولهم: اسوددت واحمررت، وشرطه: أن يكون للون أو عيب حسي، كاسود واعوجَّ،
стр. 1929
واعْورَّ، وأن لا يكون مضعفًا كأحَمَّ الرجل إذا صار محمومًا ولا معتل لامٍ كألمى الرجل إذا حسنت شفته سمرة، وأن لا يكون للمطاوعة، وندر نحو انقاضَّ الحائط وابهار الليل، واشعار الرجل إذا فرق شعره، وشذ ارعوى؛ لكونه معتل اللام بغير لون ولا عيب، مطاوعًا لرعوته بمعنى كففته، وأما زيادة الألف على افعل بأن يقال: افعال كابياضَّ واسواد، فالأكثر أن يقصد به عروض المعنى إذا جىء بها؛ وقد يكون العكس؛ فمن قصد اللزوم مع ثبوت الألف قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ من ادهام، ومن قصد العروض مع عدم الألف قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ واحمر خجلًا.
وَابْيِضَاضُ الوجوه عبارة عن المسرة، واسودادها عبارة عن المساءة، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالأمر الذي له ثبوت وتحقق، ولا مجال فيه للشبهات و ﴿الظلم﴾: لغة وعرفًا، وضع الشيء في غير موضعه، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ﴿ضرب﴾ مبني للمفعول، و ﴿الذِّلَّةُ﴾ قائم مقام الفاعل. ومعنى ﴿ضُرِبَتْ﴾ ألزموها، وقضي عليهم بها، والذلة بكسر أوله الصغار، والهوان، والحقارة، والذل بالضم: ضد العز.
﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ مفعلة من السكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض لما به من الفقر. والمسكين مفعيل منه. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ ألف باء منقلبة عن واو لقولهم باء يبوء مثل: قال، يقول. قال ﵇: "أَبوءُ بنعمتك" والمصدر البواءُ ومعناه الرجوع.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ وأصل ﴿عَصَوْا﴾ عصيوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان هي والواو، فحذفت لكونها أول الساكنين، وبقيت الفتحة تدل عليها. وأصل العصيان: الشدة يقال: اعتصت النواة، إذا اشتدت. ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وأصل ﴿يَعْتَدُونَ﴾ يعتديون ففعل به ما فعل بِـ ﴿يتقون﴾، من الحذف والإعلال، فوزنه يفتعون. والاعتداء المجاوزة من عدا يعدو، فهو افتعال منه، ولم يذكر متعلق العصيان. والاعتداء ليعم كل ما يعصى، ويعتدى فيه.
стр. 1930
وواو ﴿عَصَوْا﴾ واجبة الإدغام، ومثله فقد اهتدوا، وإن تولوا. وهذا بخلاف ما إذا انضم ما قبل الواو، فإن الضم يقوم مقام الحاجز بين المثلين؛ فيجب الإظهار نحو ﴿آمَنُوا﴾ ﴿وعملوا﴾ ومثله ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾.
البلاغة
﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فيه مجازٌ بالحذف، لأنه حذف من الأفعال الثلاثة المفعول؛ لأن الأصل يدعون الناس، ويأمرونهم وينهونهم، حذفه للإيذان بظهوره، أو للقصد إلى إيجادٍ نفس الفعل كما في قولك: فلان يعطي؛ أي: يفعلون الدعاء إلى الخير. وقوله: يأمرون الخ من عطف الخاص على العام، لإظهار فضلهما على سائر الخيرات. وفي يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فيه من مباحث المعاني قصر صفة على موصوف، حيث قصر الفلاح عليهم.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فيه من أنواع البلاغة: التفصيل بعد الإجمال؛ لأنه تفصيلٌ لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالًا، وتقديم بيان حال الكفار؛ لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم، مع ما فيه من الجمع بين الإجمال، والتفصيل، والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين، كما بدىء بذلك عند الإجمال. ففي الآية من المحسنات البديعية حسن الابتداءِ، وحسن الاختتام حيث بدأ الآية بالبشرى وختمها كذلك.
قال أبو حيان (١): تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة:
منها: الطباقُ بين كلمتي ﴿تبيض﴾ و ﴿تسود﴾، وبين ﴿اسْوَدَّتْ﴾ و ﴿ابْيَضَّتْ﴾، وفي ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ و ﴿ظُلْمًا﴾.
ومنها: التفصيل في قوله: ﴿فأما﴾ و ﴿أَمَّا﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ و ﴿تَكْفُرُونَ﴾.