← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَكَانَ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿كان﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيه تقديره: هو يعود على الإيمان. ﴿خَيْرًا﴾ خبر لـ ﴿كان﴾. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ وجملة ﴿كان﴾ جواب ﴿لوَ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة لو مستأنفة. ﴿مِنْهُمُ﴾ خبر مقدم. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ حرف نصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿إِلَّا﴾ استثناء متصل، وهو استثناء مفرغ من المصدر المحذوف، والتقدير: لن يضروكم ضررًا إلّا ضررًا يسيرًا، هو الأذى لا نِكايةَ فيه، ولا إِجْحافَ لكم. انتهى. ﴿أَذًى﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بـ ﴿يَضُرُّوكُمْ﴾ لأنه مصدر معنوي له. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، أو عاطفة. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم ﴿بإنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿أن﴾ على كونه جواب شرط لها ﴿الْأَدْبَارَ﴾ مفعول ثان، وجملة الشرط مستأنفة أو معطوفة على ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف بمعنى ﴿الواو﴾ الاستئنافية. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ﴾ فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ مستأنف، ولم يجزم عطفًا على جواب الشرط؛ لأنه يلزم عليه تغيير المعنى؛ وذلك؛ لأنَّ الله أخبر بعدم نصرتهم مطلقًا، ولو عطفناه على جواب الشرط .. للزم تقييده بمقاتلتهم لنا، مع أنهم غير منصورين مطلقًا قاتلوا أو لم يقاتلوا. انتهى. ويصح أن تكون ﴿ثم﴾ للترتيب الذكري. والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية، لا على الجواب فقط. وقال أبو البقاء: هو كلام مستأنف أستؤنف به ليدل على أنَّ الله لا ينصرهم

стр. 1927

قاتلوا، أو لم يقاتلوا انتهى. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. ﴿ضُرِبَتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به. ﴿الذِّلَّةُ﴾ نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَيْنَ﴾ اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بالجواب المحذوف. ﴿مَا﴾ زائدة. ﴿ثُقِفُوا﴾ فعل ونائب فاعل مجزوم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعلَ شَرْطٍ لها، وجوابها معلوم مما قبلها تقديره أينما ثقفوا ضُرِبَت عليهم الذلة، أو يقال: إنَّ ﴿أَيْنَ﴾ ظرف مجرَّدٌ عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿ضُرِبَتْ﴾ فلا جوابَ لها، وجملة ﴿ثُقِفُوا﴾ مضاف إليه لـ ﴿أَيْنَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من عام الأحوال. ﴿بِحَبْلٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿واو﴾ ﴿ثُقِفُوا﴾ تقديره: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال إلَّا في حالة كونهم مُتمسكين بحبل من الله، وحبل من الناس. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿حَبْل﴾ تقديره: حبل كائن من الله. ﴿وَحَبْلٍ﴾. معطوف على ﴿حَبْلٍ﴾ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ صفة لحبلٍ الثاني. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. ﴿وَبَاءُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿باءوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ضُرِبَتْ﴾. ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿بَاءُوا﴾ والباء للملابسة؛ أى: رجعوا مغضوبًا عليهم، وليس مفعولًا به كمررت بزيد. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿غَضَبٍ﴾. ﴿وَضُرِبَتْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفةً. ﴿ضُرِبَتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿أن﴾ حرف نصب وتوكيد و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿يَكْفُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر ﴿كان﴾ تقديره: كانوا كافرين، وجملة ﴿كان﴾ في

стр. 1928

محل الرفع خبر أنَّ تقديره: بأنهم كافرون، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور ﴿بالباء﴾ تقديره بسبب كفرهم. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿كان﴾. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الضمير في ﴿يَقْتُلُونَ﴾، والتقدير: يقتلونهم مبطلين، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره قتلًا بغير الحق، وعلى كِلَا الوجهين هو توكيد. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿عَصَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ المتعلقة بخبر محذوف، تقديره: ذلك كائن بسبب عصيانهم، والجملة مستأنفة، ومؤكدة للجملة التي قبلها كما مَر في بحث التفسير ﴿وَكَانُوا﴾ الواو عاطفة ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْتَدُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿عصوا﴾ على كونها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ تقديره: ذلك كائنٌ بسبب عصيانهم واعتدائهم. التصريف ومفردات اللغة ﴿أُمَّةٍ﴾ الأُمة بضم الهمزة: الجماعة دينهم وأمرهم متفق، والطريقة يجمع على أمم. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المعروف: هو ما استحسنه الشرع والعقل. والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة، والمنكر ما خالفهما أو المعروف الطاعة، والمنكر المعاصي. والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال، والتروك وما عطف عليه خاص. ﴿ابيضت اسودت﴾ ابيض اسود من باب (١) إفعل أصله إفعلل، يدل على ذلك قولهم: اسوددت واحمررت، وشرطه: أن يكون للون أو عيب حسي، كاسود واعوجَّ،

стр. 1929

واعْورَّ، وأن لا يكون مضعفًا كأحَمَّ الرجل إذا صار محمومًا ولا معتل لامٍ كألمى الرجل إذا حسنت شفته سمرة، وأن لا يكون للمطاوعة، وندر نحو انقاضَّ الحائط وابهار الليل، واشعار الرجل إذا فرق شعره، وشذ ارعوى؛ لكونه معتل اللام بغير لون ولا عيب، مطاوعًا لرعوته بمعنى كففته، وأما زيادة الألف على افعل بأن يقال: افعال كابياضَّ واسواد، فالأكثر أن يقصد به عروض المعنى إذا جىء بها؛ وقد يكون العكس؛ فمن قصد اللزوم مع ثبوت الألف قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ من ادهام، ومن قصد العروض مع عدم الألف قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ واحمر خجلًا. وَابْيِضَاضُ الوجوه عبارة عن المسرة، واسودادها عبارة عن المساءة، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالأمر الذي له ثبوت وتحقق، ولا مجال فيه للشبهات و ﴿الظلم﴾: لغة وعرفًا، وضع الشيء في غير موضعه، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ﴿ضرب﴾ مبني للمفعول، و ﴿الذِّلَّةُ﴾ قائم مقام الفاعل. ومعنى ﴿ضُرِبَتْ﴾ ألزموها، وقضي عليهم بها، والذلة بكسر أوله الصغار، والهوان، والحقارة، والذل بالضم: ضد العز. ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ مفعلة من السكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض لما به من الفقر. والمسكين مفعيل منه. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ ألف باء منقلبة عن واو لقولهم باء يبوء مثل: قال، يقول. قال ﵇: "أَبوءُ بنعمتك" والمصدر البواءُ ومعناه الرجوع. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ وأصل ﴿عَصَوْا﴾ عصيوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان هي والواو، فحذفت لكونها أول الساكنين، وبقيت الفتحة تدل عليها. وأصل العصيان: الشدة يقال: اعتصت النواة، إذا اشتدت. ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وأصل ﴿يَعْتَدُونَ﴾ يعتديون ففعل به ما فعل بِـ ﴿يتقون﴾، من الحذف والإعلال، فوزنه يفتعون. والاعتداء المجاوزة من عدا يعدو، فهو افتعال منه، ولم يذكر متعلق العصيان. والاعتداء ليعم كل ما يعصى، ويعتدى فيه.

стр. 1930

وواو ﴿عَصَوْا﴾ واجبة الإدغام، ومثله فقد اهتدوا، وإن تولوا. وهذا بخلاف ما إذا انضم ما قبل الواو، فإن الضم يقوم مقام الحاجز بين المثلين؛ فيجب الإظهار نحو ﴿آمَنُوا﴾ ﴿وعملوا﴾ ومثله ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾. البلاغة ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فيه مجازٌ بالحذف، لأنه حذف من الأفعال الثلاثة المفعول؛ لأن الأصل يدعون الناس، ويأمرونهم وينهونهم، حذفه للإيذان بظهوره، أو للقصد إلى إيجادٍ نفس الفعل كما في قولك: فلان يعطي؛ أي: يفعلون الدعاء إلى الخير. وقوله: يأمرون الخ من عطف الخاص على العام، لإظهار فضلهما على سائر الخيرات. وفي يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فيه من مباحث المعاني قصر صفة على موصوف، حيث قصر الفلاح عليهم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فيه من أنواع البلاغة: التفصيل بعد الإجمال؛ لأنه تفصيلٌ لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالًا، وتقديم بيان حال الكفار؛ لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم، مع ما فيه من الجمع بين الإجمال، والتفصيل، والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين، كما بدىء بذلك عند الإجمال. ففي الآية من المحسنات البديعية حسن الابتداءِ، وحسن الاختتام حيث بدأ الآية بالبشرى وختمها كذلك. قال أبو حيان (١): تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة: منها: الطباقُ بين كلمتي ﴿تبيض﴾ و ﴿تسود﴾، وبين ﴿اسْوَدَّتْ﴾ و ﴿ابْيَضَّتْ﴾، وفي ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ و ﴿ظُلْمًا﴾. ومنها: التفصيل في قوله: ﴿فأما﴾ و ﴿أَمَّا﴾. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ و ﴿تَكْفُرُونَ﴾.

стр. 1931

ومنها: تأكيد المظهر بالمضمر في قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ لأنه أطلق الحال، وأريد المحل أي: ففي الجنة؛ لأنها مكان تنزل الرحمة. ومنها: التكرار في لفظ الله، ومحسنه أنه في جمل متغايرة المعنى، والمعروف في لسان العرب إذا اختلفت الجمل .. أعادت المظهر لا المُضْمَرَ، لأنَّ في ذكره دلالة على تفخيم الأمر، وتعظيمه، وليس ذلك نظيره. لَا أَرى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ لاتحاد الجملة لكنه قد يؤتى في الجملة الواحدة بالمظهر قصدًا للتفخيم. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿نَتْلُوهَا﴾ بالنون لما في إسناد التلاوة للمعظم نفسه من الفخامة والشرف. ومنها: تلوين الخطاب في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾. ومنها: التشبيه والتمثيل في قوله: ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿وَتَسْوَدُّ﴾ إذا كان ذلك عبارةً عن الطلاقة، والكآبة. ومنها: الحذف في مواضع. ومنها: الاستعارة التبعية التخييلية في قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿الْعَذَابَ﴾ حيث شبه العذاب بشيء مر يدرك بحاسة الذوق تصورًا بصورة ما يذاق، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الذوق، فإثباته تخييل. والله أعلم * * *

стр. 1932

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾. المناسبة لمَّا وصف الله أهل الكتاب فيما تقدَّم بذميم الصفات، وقبيح الأعمال، وذكر الجزاء الذي استحقوه بسوء عملهم؛ ذكر هنا أنهم ليسوا بدرجة واحدة، وليسوا جميعًا على تلك الشاكلة، بل فيهم من هو متصفٌ بحميد الخصال، وجميل الصفات، لأن فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر. ثم ذكر تعالى عقاب الكافرين، وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم يوم القيامة شيئًا، وأعقب ذلك بالنهي عن اتخاذ أعداء الدين أولياء، ونبه إلى ما في ذلك من الضرر الجسيم في الدنيا والدين. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه أحمد، وغيره عن ابن مسعود قال: أخَّر رسول الله ﷺ صلاةَ العشاءِ، ثم خرج إلى

стр. 1933

المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحدٌ يذكر الله هذه الساعة غيركم، قال: وأنزل الله هذه الآيات ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. هذا، وقد ورد للآية سبب آخر، ففي "مجمع الزوائد" عن ابن عباس ﵄ قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود، فآمنوا، وصدقوا، ورغبوا في الإِسلام، قالت أحبار يهود أهل الكفر: ما آمن بمحمد وتبعه إلّا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا .. ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ رواه الطبراني، ورجاله ثقات، ويقال: لا مانع من نزول الآية في الجميع، أو أنه تعدَّد سبب نزولها. التفسير وأوجه القراءة ١١٣ - ﴿لَيْسُوا﴾؛ أي: ليس جميع أهل الكتاب ﴿سَوَاءً﴾، أي: مستوين، في المساويء والصفات القبيحة، بل منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، أي؛ فليس من آمن منهم كمن لم يؤمن. وفي قوله (١): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ قولان: أحدهما: إنه كلام تام يوقف عليه، والمعني: أنَّ أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. وقيل: معناه: لا يستوي اليهود، وأمة محمَّد ﷺ القائمة بأمر الله الثابتة على الحق. والقول الثاني: إن قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ متعلق بما بعده، ولا يوقف عليه. وقوله : ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ فيه اختصار، وإضمار، والتقدير: ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمةٌ قائمةٌ، ومنهم أمةٌ مذمومةٌ غير قائمة، فترك ذكر الأمة الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين.

стр. 1934

وخلاصة الكلام: ليس أهل الكتاب متساوين في تلك الصفة القبيحة، بل منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، وهذه الجملة كالتأكيد لتلك أعني قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. وبعد أن وصف الفاسقين، وذكر سوء أفعالهم .. وصف المؤمنين، ومدحهم بثمانية أوصاف، كلٌّ منها منقبةٌ ومفخريةٌ، يستحق فاعلها الثواب عليها: الأول منها: ما ذكره بقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: منهم جماعةٌ مستقيمة على الحق متبعة للعدل، لا تظلم أحدًا، ولا تخالف أمر الدين. وكان من تمام الكلام أن يقال: ومنهم: أمة مذمومة كما مر آنفًا، إلا أن العرب قد تذكر أحد الضدين، وتستغني به عن ذكر الآخر، كما قال الشاعر: دَعَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنّيْ لِأَمْرِهَا ... مُطِيْعٌ فَمَا أَدْرِيْ أَرُشْدٌ طِلَابُهَا يريد: أم غيٌّ، وهذه الجملة مبينة لعدم التساوي مزيلةٌ لإبهامه، والمراد بهذه الأمة: جماعةٌ من اليهود، أسلموا كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأضرابهم، كما رواه ابن جرير عن ابن عباس وقال في تفسير الآية: الأمة القائمة: أمة مهتدية قائمةٌ على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه. وهذه الآية حجة على أن دين الله واحدٌ على ألسنة جميع الأنبياء، وأن من أخذه مذعنًا وعمل به مخلصًا، وأمر بمعروفٍ ونهى عن منكر فهو من الصالحين. واستقامة بعضهم على الحق من دينهم لا ينافي ضياع بعض كتبهم، وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها، ألا ترى أن من يحفظ بعض الأحاديث، ويعمل بما علم، ويستمسك به مخلصًا فيه يقال: إنه قائم بالسنة عاملٌ بالحديث. والثاني والثالث: ما ذكره بقوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾؛ أي: يقرؤون القرآن ساعات الليل، وهم يصلون التهجد في الليل، وخص السجود بالذكر من بين أركان الصلاة لدلالته على كمال الخضوع، والخشوع، ودلَّت هذه الآية على الترغيب في قيام الليل، وقد جاء في كتاب الله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ

стр. 1935

اللَّيْلَ﴾. وفي الحديث: "يا عبد الله لا تَكَنُ مثلَ فلان كان يقوم الليل فتركه إلى غير ذلك". ١١٤ - وذكر الرابع والخامس بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: يؤمنون إيمان إذعانٍ بهما على الوجه المقبول عند الله، ومن ثمراتِ ذلك الخشية والخضوع والاستعداد لذلك اليوم لا إيمانًا لا حظَّ لصاحبه منه إلا الغرور والدعوى، كما هو حال سائر اليهود؛ إذ يؤمنون بالله واليوم الآخر لكنه إيمان هو والعدم سواءٌ، لأنهم يقولون: عزيرُ ابن الله، ويكفرون ببعض الرسل، ويصفون اليوم الآخر بخلاف صفته. ولمَّا كان كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير للعمل به، وكان أفضل الأعمال الصلاة، وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل العلوم معرفة المبدإ، والمعاد، وصفهم الله بقوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ للدلالة على أنهم يعملون صالح الأعمال، وبقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ للإشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم. وذكر السادس بقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي: إنهم بعد أن كمَّلُوا أنفسهم علمًا وعملًا كما تقدم يسعون في تكميل غيرهم، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي بأمرهم بالمعروف، أو بمنعهم عمَّا لا ينبغي بالنهي عن المنكر. وفي هذا تعريضٌ باليهود المداهنين الصادين عن سبيل الله. وذكر السابع بقوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: يبادرون فيها، ويعملون صالح الأعمال راغبين فيها غير متثاقلين علمًا منهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها، وإنما يتباطأُ الذين في قلوبهم مرضٌ كما وصف الله المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ فالمسارعة في الخير ناشئةٌ عن فرط الرغبة فيه؛ لأن من رغب في أمر بادر إليه، وإلى القيام به، وآثر الفور على التراخي، وجاء في الحديث: "اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك". وهذه الصفة جماع الفضائل الدينية والخلقية، وفي ذكرها تعريض باليهود

стр. 1936

الذين يتثاقلون عن ذلك، وعبر بالسرعة، ولم يعبر بالعجلة؛ لأن الأولى: التقدم فيما ينبغي تقديمه وهي محمودةٌ وضدها الإبطاء، والثانية: التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، ومن ثم قال ﵊: "العجلة من الشيطان، والتأنِّي من الرحمن" وضدها الأناة، وهي محمودةٌ. وذكر الثامن بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: وأولئك المصوفون بالصفات السبعة السابقة، هم من الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم؛ فرضيهم ربهم، وفي هذا رد على اليهود الذين قالوا فيمن أسلم منهم: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره. والوصف بالصلاح: هو غاية المدح، ونهاية الشرف والفضل، فقد مدح الله به أكابر الأنبياء كإسماعيل وإدريس، وذي الكفل فقال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقال حكاية عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ولأنه ضد الفساد، الذي لا ينبغي في العقائد، والأفعال، فهو حصول ما ينبغي في كل منهما، وذلك منتهى الكمال ورفعة القدر وعلو الشأن. ١١٥ - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعبد الوارث عن أبي عمرو بالياء في الفعلين؛ لأن الكلام متصلٌ بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب؛ فإن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه: إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان .. قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا﴾؛ أي: عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: إيمان وطاعة، وقيل: من إحسان إلى محمَّد وأصحابه ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي: فلن يحرموا ثوابه بل يثابوا عليه، وهذه قراءة ابن عباس. وقرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو بكر بالتاء فيهما، على الخطاب لجميع المؤمنين الذين من جملتهم هؤلاء أي: وما تفعلوا معاشر المؤمنين من خير .. فلن تمنعوا ثوابه وجزاؤه بل تجازُوا عليه. وهذه الجملة جاءت ردًّا على اليهود الذين قالوا لمن أسلم منهم: أنتم خسرتم بسبب هذا الإيمان، وإشارةً إلى أنهم فازوا بالسعادة العظمى، والدرجات العليا، وفيها تعظيمٌ لهم ليزيل من صدورهم أثر كلام أولئك الأوغاد.

стр. 1937

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ فهو يجزي العاملين بحسب ما يعلم من أحوالهم، وما تنطوي عليه سرائرهم، فمن كان إيمانه صحيحًا، واتَّقى الله .. فازَ بالسعادة، وفيه بشارةٌ لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده تعالى إلّا أهل التقوى. وهذه الجملة كالدليل لما قبلها؛ لأن عدم الإثابة المعبَّر عنه بالكفر، إمَّا للسهو والنسيان، واما للجهل، وذلك ممتنع في حقه تعالى؛ لأنه عليم بكل شيء، وإما للعجز أو البخل أو الحاجة، وكل ذلك محال عليه؛ لأنه خالق جميع الكائنات، وهو القادر على كل شيء. ولما انتفى كل هذا .. كان المنع من الجزاء محالًا. ١١٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لمَّا بَيَّن فيما سلف أحوال الكافرين، وما يحيق بهم من العقاب وأحوال المؤمنين، وما أعدَّ لهم من الثواب جامعًا بين الزجر والترغيب، والوعد والوعيد، ثم وصف من آمن من الكفار بتلك الخلال الحسنة، والمفاخر التي عددها لهم .. أتبع ذلك بوعيد الكفار، وتيئيسهم بأنهم لن يجدوا يوم القيامة ما يدفع عنهم عذابه، ثم أردفه ببيان أن ما ينفقونه في هذه الحياة الدنيا في لذاتهم وجاههم، وتأييد كلمتهم لا يفيدهم شيئًا كزرع أصابته ريح فيها صر فأهلكته فلم يستفد أصحابه منه شيئًا. والمعنى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب ومشركي مكة، وغيرهم ممن كانوا يعيرون النبيَّ ﷺ وأتباعه بالفقر، ويقولون: لو كان محمَّد على الحق .. ما تركه ربه في هذا الفقر الشديد، ويتفاخرون بكثرة الأموال، والأولاد كما حكى الله تعالى عنهم ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لن تدفع عنهم هذه الأموال، والأولاد يوم القيامة شيئًا من عذاب الله، ولن تنفعهم في الآخرة. واقتصر على ذكرهما؛ لأنهما من أعظم النعم ومن كان يرتع في بحبوحة هذه النعم فقلما يوجه نظره إلى طلب الحق، أو يصغي إلى الداعي إليه، ومن ثم تراه يتخبط في ظلام دامس حتى يتردَّى في الهاوية، ويقع في المهالك، ولا ينفعه مال

стр. 1938

ولا ولد يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم يوضع الميزان ويحاسب كل امرىءٍ، على النقير والقطمير ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الكفار. المذكورون هم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وملازموها ﴿هُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في النار ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: دائمون لا يخرجون منها ولا يموتون. وقيل: إنما خصَّ الله الأموال والأولاد بالذكر؛ لأن أنفع الجمادات هو الأموال، وأنفع الحيوانات هو الولد. ثم بين تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما البتة في الآخرة وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى. ١١٧ - وبعد ما بين : أن أموالهم لا تغنى عنهم شيئًا ... ذكر أن ما ينفقونه من المال في سبيل الخير لا يجديهم ليزيل ما ربما علق بالبال من أنهم ينتفعون به، وضرب لذلك مثلًا فقال: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: صفة ما ينفقه الكفار ﴿فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في المفاخر والمكارم، وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس، أو ينفقونه في سبيل الخيرات كبناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل. وقرأ ابن هرمز (١) الأعرج ﴿تنْفِقُونَ﴾ بالتاء على معنى: قل لهم قيل (٢): أراد نفقة أبي سفيان، وأصحابه ببدر، وأحد في معاداة النبي ﷺ وقيل: أراد نفقة اليهود على علمائهم، ورؤسائهم، وقيل: أراد نفقات جميع الكفار، وصدقاتهم في الدنيا، وقيل: أراد نفقة المرائي الذي لا يريد بما ينفق وجه الله تعالى؛ وذلك لأنَّ إنفاقهم المال إما أن يكون لمنافع الدنيا، أو لمنافع الآخرة، فإن كان لمنافع الدنيا .. لم يبق له أثر في الآخرة في حق المسلم، فضلًا عن الكافر، وإن كان لمنافع الآخرة كمن يتصدق، ويعمل أعمال البر، فإن كان كافرًا .. فإنَّ الكفر محبط لجميع أعمال البر؛ فلا ينتفع بما أنفق

стр. 1939

في الدنيا لأجل الآخرة، وكذلك المرائي الذي لا يريد بما أنفق وجه الله تعالى؛ فإنه لا ينتفع بما ينفقه في الآخرة. ثم ضرب مثلًا لذلك الإنفاق فقال: ﴿كَمَثَلِ﴾ مصاب ﴿رِيحٍ﴾ شديدٍ ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الريح ﴿صِرٌّ﴾؛ أي: حر شديد ويسمى بالسموم أو برد شديدٌ ويسمى بالزمهرير ﴿أَصَابَتْ﴾ تلك الريح ﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾؛ أي: زرع قوم، وسمي الزرع حرثًا لأنه يحرث عند زرعه ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي؛ خسروا أنفسهم بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله تعالى فيه ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾؛ أي: فأحرقت تلك الريح الزرع، كذلك الشرك يهلك النفقة كما أهلكت الريح الزرع. ومعنى الآية (١): مثل نفقات الكفار في ذهابها، وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، أو نار فأحرقته، فلم ينتفع به أصحابه. وقيل المعنى (٢): مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون كمثل الريح المهلكة للزرع، أو مثل الكافر الذي أنفق أمواله في الخيرات، كبناء الرباطات كمثل من زرع زرعًا، وتوقع منه نفعًا كثيرًا، فأصابته ريح فأحرقته، فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف. والخلاصة (٣): أن الجوائح قد تنزل بأموال الناس من حرث ونسل عقوبةً لهم على ذنوب اقترفوها؛ إذ لا يستنكر على القادر الحكيم الذي وضع السنن، وربط الأسباب بمسبباتها في عالم الحسِّ أن يوفِّقَ بينها وبين سننه الخفية في إقامة ميزان القسط بين الناس، لهدايتهم إلى ما به كمالهم من طريق العلوم الحسية التي تستفاد من النظر، والتجربة، ومن طريق الإيمان بالغيب الذي يرشد إليه الوحي الإلهيُّ. ونحن نسمي ما يترتب عليه حدوث الشيء سببًا له وما يلابس السبب من النفع لبعض والضر لآخرين حكمة له، وكل مقصودٌ للفاعل الحكيم.

стр. 1940

﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى بعدم انتفاعهم بنفقاتهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: ولكن الكفار المنفقين ظلموا أنفسهم بإنفاق الأموال في السبل التي تؤدي إلى الخيبة والخسران على النهج الذي سنه الله تعالى في أعمال الإنسان؛ لأنّ الآية نزلت فيما ينفقه أهل مكة أو ينفقه اليهود في عداوة النبي ﷺ ومقاومته، لأنهم هم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم، ولم يضروا النبيَّ ﷺ ومن معه بل كان ذلك سبب سيادته عليهم وتمكنه منهم. أو المعنى (١): وما ظلمهم الله بذهاب منفعة زرعهم ونفقاتهم، ولكن أنفسهم يظلمون بالكفر، ومنع حق الله تعالى من الزرع. وقرىء (٢) شاذا ﴿وَلَكِنَّ﴾ بالتشديد، واسمها ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ والخبر ﴿يَظْلِمُونَ﴾، والمعنى: يظلمونها هم، وحسن حذف هذا الضمير وإن كان الحذف في مثله قليلًا كون ذلك فاصلة رأس آية؛ فلو صرح به لزال هذا المعنى، ولا يجوز أن يعتقد أن اسم ﴿لكن﴾ ضمير الشأن، وحذف، و ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعولٌ بـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾ لأنَّ حذف هذا الضمير يختص بالشعر ذكره أبو حيان. ١١٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت هذه الآية في شأن رجال من المؤمنين يشاورون اليهود في أمورهم، لما كان بينهم من الرضاع، والحلف ظنًّا منهم أنهم ينصحون لهم في أسباب المعاش، فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه كما قاله ابن عباس، أو في رجال من المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين فيفشون إليهم الأسرار، ويطلعونهم على الأحوال، فالله تعالى منعهم عن ذلك كما قاله مجاهد. أي: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بمحمد ﷺ وما جاء به ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ وتجعلوا لأنفسكم ﴿بِطَانَةً﴾؛ أي: خواصَّ، وأصفياء، وأصدقاء تباطنونهم في الأمور وتطلعونهم على سركم كائنين ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ أي: من غيركم أي: من غير أهل ملتكم من الكفار والمنافقين ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يقصرون لكم ولا يتركون جهدهم، وطاقتهم في مضرتكم، وفسادكم، وعداوتكم؛ أي: ليس عندهم

стр. 1941

تقصيرٌ في ذلك بل هو شأنهم وديدنهم ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾؛ أي: أحبوا وتمنوا عنتكم ومشقتكم وضرركم في دينكم، ودنياكم أشد الضرر أي؛ فإن الكفار لا يقصرون لكم في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه أحبوا بقلوبهم إلقاءَكم في أشد أنواع الضرر ﴿قَدْ بَدَتِ﴾ وظهرت ﴿الْبَغْضَاءُ﴾ والعداوة لكم ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وألسنتهم بالوقيعة في أعراضكم والشتيمة لكم، والتكذيب لنبيكم وكتابكم، والنسبة لكم إلى الحمق والجهل لأنهم لا يتمالكون ضبط أنفسهم مع مبالغتهم في ضبطها، ومع ذلك يتفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغض المسلمين، فهم لا يكتفون ببغضكم، وقرأ عبد الله ﴿قَدْ بَدَا﴾ لأنَّ الفاعل مؤنث مجازًا، أو على معنى البغض ﴿وَمَا تُخْفِي﴾ وتستر وتضمر ﴿صُدُورُهُمْ﴾ وقلوبهم من الحقد والبغض والعداوة والغيظ لكم ﴿أَكْبَرُ﴾؛ أي: أعظم وأشد مما يظهرونه لكم على ألسنتهم؛ لأنَّ فلتات اللسان أقل مما تجنه الصدور بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في الصدور قليلةٌ جدًّا. ثم إنه امتنَّ عليهم ببيان الآيات، والعلامات الدالة على عداوتهم كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: أوضحنا وأظهرنا لكم العلامات الدالة على عدواتهم وحسدهم لكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتفهمون تلك العلامات أي: إن كنتم من أهل العقول المدركة لذلك البيان. وذكر (١) في هذه الآية من تلك العلامات أربعًا: الأولى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يقصرون في مضرتكم وإفساد الأمر عليكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. والثانية: يتمنون ضركم في دينكم، ودنياكم أشد الضرر. والثالثة: يبدون البغضاء بأفواههم، ويظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم، وينسبونكم إلى الحمق والجهل. والرابعة: كون ما يظهرونه على ألسنتهم من علامات الحقد أقل مما في قلوبهم منه.

стр. 1942

فهذه الأوصاف شروط في النهي عن اتخاذ البطانة من غير المسلمين فإذا اعتراها تغير وتبدلٌ كما وقع من اليهود، فبعد أن كانوا في صدر الإِسلام أشد الناس عداوةً للذين آمنوا انقلبوا؛ فصاروا عونًا للمسلمين في فتوح الأندلس، وكما وقع من القبط إذ صاروا عونًا للمسلمين على الروم في فتح مصر؛ فلا يمنع حينئذٍ اتخاذهم أولياء وبطانة للمسلمين، فقد جعل عمر بن الخطاب رجال دواوينه من الروم وجرى الخلفاء من بعده على ذلك. وقيل: معنى قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحة التي يتميز بها الولي من العدو ومن يصح أن يتخذ بطانة، ومن لا يصح أن يتخذ لخيانته وسوء عاقبة مباطنته إن كنتم تدركون حقائق هذه الآيات التي تفرق بين الأعداء والأولياء، وتعلمون قدر مواعظ الله، وحسن عواقبها. ثم ذكر نوعًا آخرَ من التحذير عن مخالطة الكافرين، واتخاذهم بطانةً، وفيه تنبيهٌ للمسلمين على خطئهم في ذلك، وقد ضمنه أمورًا ثلاثة كل منها يستدعي الكف عن مخالطتهم: ١١٩ - الأول منها: ما ذكره بقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ أي: انتبهوا أنتم يا معشر المؤمنين المخطئين في موالاتهم تحبونهم، وتودونهم بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة، والمصاهرة، وبسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان ومحبة الرسول محمَّد ﷺ ، وذلك بأن تفشوا إليهم أسراركم ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بسبب المخالفة في الدين، وبسبب أن الكفر مستقر في باطنهم أي: لا يفشون أسرارهم إليكم. والمعنى (١): إنكم يا معشر المؤمنين تحبون هؤلاء - الكفار - الذين هم أشد الناس عداوةً لكم، ولا يقصرون في إفساد أمركم وتمني عنتكم، ويظهرون لكم العداوة والغش، ويتربصون بكم ريب المنون، فكيف توادونهم وتواصلونهم.

стр. 1943

والثاني منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾؛ أي: وإنكم تؤمنون بجميع ما أنزل الله من الكتب سواءٌ منها ما نزل عليكم، وما نزل عليهم فليس في نفوسكم جحدٌ لبعض الكتب الإلهية، ولا للنبيين الذين جاءوا بها حتى يحملكم ذلك على بغض أهل الكتاب، أما هم: فيجحدون بعض الكتب، وينكرون بعض النبيين. وخلاصة الكلام: أنهم لا يحبونكم مع أنكم تؤمنون بكتابهم وكتابكم، فما بالكم لو كنتم لا تؤمنون بكتابهم كما أنهم لا يؤمنون بكتابكم؛ فأنتم أحرى، ببغضهم، ومع هذا تحبونهم ولا يحبونكم. قال ابن جرير (١): في الآية، إبانةٌ من الله عن حال الفريقين، أعني: المؤمنين، والكافرين، ورحمة أهل الإيمان، ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أولئك وغلظتهم على أهل الإيمان، انتهى. وقال قتادة: فوالله إنَّ المؤمن ليحب المنافق، ويأوي إليه ويرحمه، ولو أن المنافق يقدر من المؤمن على ما يقدر عليه المؤمن منه لأَبادَ خضراءه وأفناه وأهلكه. وفي هذا: توبيخٌ للمؤمنين بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ﴾؛ أي: وإذا لقيكم يا معاشر المؤمنين هؤلاء المنافقون من اليهود وغيرهم، واجتمعوا معكم في المجالس ألانوا لكم القول حذرًا على أنفسهم منكم، و ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ وصدقنا بما جاء به محمدٌ ﷺ فإن نعته في كتابنا ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾؛ أي: وإذا خلا بعضهم ببعضٍ، وانفردوا عنكم، ورجعوا، وصاروا في مكان خال، بحيث لا يراهم المؤمنون ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾؛ أي: عضوا الأنامل لأجل الغيظ والغضب عليكم. ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: أكلوا أطراف أصابعهم؛ لأجل شدة غيظهم وغضبهم عليكم.

стр. 1944

والمعنى: وإذا رجع بعضهم إلى بعض أظهروا شدة العداوة على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كنايةً عن الغضب، حتى يقال في الغضبان: إنه يعضُّ يده غيظًا، وإن لم يكن هناك عضٌّ. والعرب تصف المغتاظ، والنادم بعضِّ الأنامل، والبنان، وإنما فعلوا ذلك لما رأوا من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم ونصر الله إياهم حتى عجز أعداؤهم أن يجدوا سبيلًا إلى التشفي منهم، فاضطروا إلى مداراتهم. ﴿قُلْ﴾ لهم: يا محمَّد ﴿مُوتُوا﴾ ملتبسين ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ وغضبكم، وهذا أمرٌ من الله تعالى لنبيه ﷺ بأن يدعو عليهم بدوام ما يوجب هذا الغيظ، وهو قوة الإِسلام، وأن يدعو عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون، وليس أمرًا بالإقامة على الغيظ؛ فإن الغيظ كفرٌ، والأمر بالكفر غير جائز، ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أنه تعالى أمر رسوله بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظًا بإعزاز الإِسلام، وإذلالهم به كأنه قيل: حدث نفسك بذلك. ﴿إنَّ اللهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: عالمٌ بما في القلوب؛ فيعلم ما تنطوي عليه صدوركم أيها المنافقون من البغضاءِ، والحقدِ، والحسد، ولا يخفى عليه ما تقولون في خلواتكم، وما يبديه بعضكم لبعضٍ من تدبير المكائد، ونصب الحيل للمؤمنين، وما تنطوي عليه صدور المؤمنين من حب الخير والنصح لكم، ويجازي كلا على ما قدم من خير أو شر، واعتقد من إيمان أو كفر. ومعنى قوله: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بالمضمرات ذوات الصدور، وجعلت صاحبة للصدر لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها نحو أصحاب الجنة، وأصحاب النار ١٢٠ - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: إن تصبكم منفعة الدنيا كانتصاركم على أعدائكم المقاومين المعارضين لدعوتكم، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وكصحة البدن، وحصول الخصب، والفوز بالغنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾؛ أي:

стр. 1945

تحزنهم تلك الحسنة ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: مضرة كمرض، وفقر، وانهزام من عدو، وقتل، ونهب، وغارة وحدوث اختلاف بين جماعتكم ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾؛ أي: بإصابتها إياكم؛ أي: يسر المنافقون من اليهود، وغيرهم بتلك المصيبة التي أصابتكم، فإنهم متناهون في عداوتكم فاجتنبوهم. فالحسنة (١) هنا: ما يسر من رخاءٍ، وخصبٍ، ونصرة، وغنيمة، ونحو ذلك من المنافع، والسيئة ضد ذلك. قال (٢) قتادة في بيان ذلك: فإذا رأوا من أهل الإِسلام ألفة وجماعةً وظهورًا على عدوهم غاظهم ذلك، وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإِسلام فرقةً واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف بلاد المسلمين سرهم ذلك، وأعجبوا به، وابتهجوا، وهم كلما خرج منهم قرن، أكذب الله أحدوثته، وأوطأ محلته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، وذلك قضاء الله تعالى فيمن مضى منهم، وفيمن بقي إلى يوم القيامة انتهى. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على عداوتهم، وإذايتهم، وقيل: إن تصبروا على مشاق التكاليف فتمتثلوا الأوامر ﴿وَتَتَّقُوا﴾؛ أي: تخافوا موالاتهم، وتتوكلوا في أموركم على الله أو تتقوا كل ما نهيتم عنه وحظر عليكم، ومن ذلك اتخاذ الكافرين بطانة ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ أيها المؤمنون، ولا ينقصكم ﴿كَيْدُهُمْ﴾؛ أي: كيد الكفار ومكرهم وحيلتهم التي دبروها لأجلكم ﴿شَيْئًا﴾ من الضرر بفضل الله ، وحفظه الموعود للصابرين، والمتقين؛ لأنكم قد وفيتم الله بعهد العبودية فهو يفي لكم بحق الربوبية، ويحفظكم من الآفات، والمخافات كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ والكيد: احتيال الشخص ليقع غيره في مكروه. قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك، فاجتهد في اكتساب الفضائل. وقد جرت سنة الله في القرآن أن يذكر الصبر في كل مقامٍ يشق على النفس احتماله، ولا شك أن حبس الإنسان سره عن وديده، وعشيره، ومعامله، وقريبه، مما يشق عليه، فإن من لذات النفوس أن تفضي بما

стр. 1946

في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به. ولمَّا نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من دونهم، من خلطائهم، وعشرائهم، وحلفائهم، لما بدا منهم من البغضاء والحسد، حسن أن يذكرهم بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم، واتقاء ما يجب اتقاءه للسلامة من عواقب كيدهم. وفي الآية عبرة للمسلمين في معاملة الأعداء؛ فإنَّ الله أمر المؤمنين بالصبر على عداوة أولئك المبغضين الكافرين، واتقاءِ شرهم، ولم يأمرهم بمقابلة الشر بمثله؛ إذ من دأب القرآن أن لا يأمر إلا بالمحبة، والخير، ودفع السيئة بالحسنة كما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. فإن تعذر تحويل العدو إلى محب بدفع سيئاته بما هو أحسن منها .. جاز دفع السيئة بمثلها من غير بغي، كما فعل النبيُّ ﷺ مع بني النضير؛ فإنه حالفهم، ووادَّهم فنكثوا العهد، وخانوا، وأعانوا عليه عدوه من قريش وسائر العرب، وحاولوا قتله، فلم يكن هناك وسيلةٌ لعلاجهم إلا قتالهم وإجلاؤهم من ديارهم. وقرأ الجمهور (١) ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ بالتاء، وقرأ السلمي بالياء معجمة من أسفل؛ لأن تأنيث الحسنة مجازيٌّ وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة في رواية عنه: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد، وسكون الراء من ضار يَضِير، ويقال: ضار يضور، وكلاهما بمعنى ضَرَّ. وقرأ الكوفيون، وابن عامر ﴿لا يضُرُّكم﴾ بضم الضاد والراء المشددة على الجزم بسكون مقدر للإتْباع من ضر يضر. وقرأ عاصم فيما روى أبو زيد عن المفضل عنه بضم الضاد، وفتح الراء المشددة للتخفيف، وهي أحسن من قراءة ضم الراء نحو لم يرد زيد. والفتح: هو الكثير المستعمل. وقرأ الضحاك بضم الضاد، وكسر الراء المشددة على أصل التقاء الساكنين. وقرأ أُبي ﴿لا يضرركم﴾ بفك الإدغام، وهي لغة أهل الحجاز: وعليها في الآية ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ ولغة سائر العرب الإدغام في هذا كله. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ بـ ﴿الياء﴾ باتفاق القراء

стр. 1947

العشرة؛ أي: بما يعمل المنافقون من عداوتهم ومكرهم، وإذايتهم إياكم ﴿مُحِيطٌ﴾ فيعاقبهم عليه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وهي قراءة شاذة بـ ﴿التاء﴾ الفوقية، والمعنى عليها: إنه تعالى عالم بما تعملون من الصبر والتقوى وغيرهما، فيفعل بكم أيها المؤمنون ما أنتم مستحقون له. والمعنى (١): إنه تعالى عالم بعمل الفريقين، ومحيط بأسباب ما يصدر من كل منهما، ومقدماته، ونتائجه، وغاياته، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه ما يعلمه ذلك المحيط بعمله، وعمل من يناهضه ويناصبه العداوة، فهداية الله للمؤمنين خير وسيلةٍ للوصول إلى أغراضهم، ومآربهم. وهذه الجملة كالعلة لكون الاستعانة بالصبر، والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح. وخلاصة المعنى: أن الله قد دلكم على ما ينجيكم من كيد أعدائكم، فعليكم أن تمتثلوا، وتعلموا أنه محيط بأعمالهم، وهو القادر على أن يمنعهم مما يريدون بكم فثقوا به، وتوكلوا عليه. الإعراب ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. ﴿لَيْسُوا﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿سَوَاءً﴾ خبرها، وجملة ﴿ليس﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿قَائِمَةٌ﴾ صفة له. والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. وفي "الفتوحات" قوله (٢): ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ استئنافٌ مبين لكيفية عدم تساويهم، ومزيلٌ لما فيه من الإبهام كما أن ما سبق من قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الخ مبين لقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الخ. انتهى. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.

стр. 1948

﴿يَتْلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة ثانية لـ ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَتْلُونَ﴾ ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَتْلُونَ﴾. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَالْيَوْمِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾ صفة لليوم. والجملة الفعلية في محل الرفع بدل من جملة ﴿يتلون﴾ على كونها صفة ثانية لـ ﴿أمة﴾. وقال أبو البقاء: (١) إن شئت .. جعلتها حالًا، وإن شئت .. جعلتها مستانفةً انتهى. وقال أبو حيان (٢): والظاهر في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أن يكون صفة، أي: تاليةٌ مؤمنةٌ، وجوَّزوا أن تكون الجملة مستأنفةً، أو في موضع الحال من الضمير في ﴿يَسْجُدُونَ﴾، وأن تكون بدلًا من السجود. قيل: لأنَّ السجود بمعنى الإيمان ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿يأمرون﴾ فعل وفاعل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَيَنْهَوْنَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ينهون﴾ فعل وفاعل ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَيُسَارِعُونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يسارعون﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿أولئك﴾ مبتدأ. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَمَا يَفْعَلُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿ما﴾ اسم شرط جازم يجزم فعلين في

стр. 1949

محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿يفعلوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بما على كونه فِعْلَ شرط لها. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْعَلُوا﴾ أو حال من ما ﴿فَلَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿لَنْ﴾. ﴿لن﴾: حرف نفي ونصب. ﴿يُكْفَرُوهُ﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة منصوب بـ ﴿لن﴾، و ﴿الواو﴾ نائب فاعل له، وهو المفعول الأول، و ﴿الهاء﴾ في محل النصب مفعول ثان له؛ لأنه ضُمِّن معنى حُرم فيتعدى إلى مفعولين، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ما الشرطية من فعل شرطها، وجوابها مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية ﴿الله﴾ مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره ﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿لَن﴾ حرف نفي ونصب. ﴿تُغْنِيَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَن﴾ ﴿عَنْهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾ معطوف على ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿شَيْئًا﴾ لأنه صفة نكرة، قدمت عليها، فيعرب حالًا ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به منصوب بـ ﴿تُغْنِيَ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿أولئك أصحاب النار﴾ مبتدأ وخبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ وهو خبر عن المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. ﴿مَثَلُ﴾ مبتدأ، وهو مضاف و ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الجر

стр. 1950

مضاف إليه. ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لِـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد محذوف تقديره: ينفقونه ﴿فِي هَذِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿الْحَيَاةِ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عنه. ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ ﴿كَمَثَلِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿مثل﴾ مضاف. ﴿رِيحٍ﴾ مضاف إليه ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿صِرٌّ﴾ مبتدأ، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿رِيحٍ﴾. وفي "الفتوحات" (١) ويجوز أن يكون فيها وحده هو الصفة و ﴿صِرٌّ﴾ فاعل به، وجاز ذلك لاعتماد الجار على الموصوف، وهذا أحسن؛ لأن الأصل في الأوصاف الإفراد، وهذا قريب منه انتهى. ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿أَصَابَتْ﴾ فعل ماض، و ﴿التاء﴾ علامة التأنيث، وفاعله ضمير يعود على ﴿رِيحٍ﴾ والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿رِيحٍ﴾. ﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به؛ ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾ ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿أهلكته﴾ فعل ومفعول. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية ﴿ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾ الواو عاطفة. ﴿لكن﴾ حرف استدراك. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به مقدم على عامله، ومضاف إليه ﴿يَظْلِمُونَ﴾ فعل وفاعل، وجملة الاستدراك معطوفة على جملة النفي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾. ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة في محل النصب مبني على الضم. ﴿ها﴾ حرف تنبيه زِيدَت تعويضًا عمَّا فاتَ ﴿أيُّ﴾ من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع، أو النصب صفة لـ ﴿أيُّ﴾ وجملة النداء مستأنفة

стр. 1951

﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ ﴿لا﴾ ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم ﴿بلا﴾ الناهية، والجملة، جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿بِطَانَةً﴾ مفعول به. ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه صفة أولى لـ ﴿بِطَانَةً﴾ ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾ ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَأْلُونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول. و ﴿يَألُو﴾ يتعدى لمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿بِطَانَةً﴾ ﴿خَبَالًا﴾ منصوب على التمييز، أو على نزع الخافض تقديره: ﴿لا يألونكم﴾ في تخبيلكم، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال ﴿وَدُّوا﴾ فعل وفاعل. ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿عَنِتُّمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلةٌ لـ ﴿ما﴾ المصدرية. ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره؛ ودوا عنتكم، وجملة ﴿وَدُّوا﴾ من الفعل والفاعل مستأنفة، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير، في ﴿يَأْلُونَكُمْ﴾، و ﴿قد﴾ مقدرةٌ معه حينئذٍ. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿بَدَتِ الْبَغْضَاءُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿يَأْلُونَكُمْ﴾ ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بَدَتِ﴾ أو حال من ﴿الْبَغْضَاءُ﴾، تقديره: حالة كون البغضاء ظاهرةً من أفواههم ﴿وَمَا تُخْفِي﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما تخفيه. ﴿أَكْبَرُ﴾ خبر المبتدأ والجملة مستأنفة. ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿بَيَّنَّا﴾ فعل وفاعل ﴿لَكُمُ﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿الْآيَاتِ﴾ مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ إن حرف شرط. ﴿كنتم﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها. وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إنْ﴾ معلوم ممَّا قبلها تقديره: إن كنتم تعقلون فلا توالوهم، وجملة إن الشرطية مستأنفة.

стр. 1952

﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾. ﴿ها﴾ حرف تنبيه لتنبيه المؤمنين المخاطبين على خطئهم في موالاة الكفار. ﴿أنتم﴾ مبتدأ. ﴿أُولَاءِ﴾ منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء في محل النصب على المفعولية مبني على الكسر لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا؛ وإنما حُرِّك فرارًا من التقاء الساكنين، وكانت الحركة كسرةً لأنها الأصل في حركة التخلص، وجملة النداء معترضةٌ لاعتراضها بين المبتدأ والخبر. ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ الواو حالية ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُحِبُّونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من الهاء في ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ ﴿بِالْكِتَابِ﴾ متعلق بـ ﴿تؤمنون﴾ ﴿كُلِّهِ﴾ توكيد لـ ﴿الكتاب﴾ ومضاف إليه. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ﴾ الواو عاطفة. ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿لَقُوكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، والظرف متعلق بالجواب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها، وجوابها في محل الرفع معطوفة على جملة قوله ﴿تحبونهم﴾ على كونها خبر المبتدأ ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿خَلَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرطٍ لها. ﴿عَضُّوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا في محل الرفع معطوفة على جملة قوله ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ على كونها خبر المبتدأ ﴿عَلَيْكُمُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عضوا﴾. ﴿الْأَنَامِلَ﴾ مفعول به منصوب بـ ﴿عضوا﴾. ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عضوا﴾ أيضًا. وفي "الفتوحات"

стр. 1953

قوله ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خبر عن المبتدإ، وكذلك قوله ﴿وتؤمنون﴾ الخ. وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ وقوله: ﴿إن يمسسكم﴾ الخ انتهى شيخنا. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مُوتُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل تقديره: ملتبسين بغيظكم، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبرها ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليها متعلق بعليم، وجملة إن مستأنفة أو مقول القول لـ ﴿قل﴾. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب شرط لها، والفاعل ضمير يعود على حسنة، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُم﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ فعل ومفعول، وفاعل مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ على كونها فِعْلَ شرط لها. ﴿يَفْرَحُوا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿بِهَا﴾ متعلق به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تَصْبِرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فِعْل شرط لها. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الواو عاطفة ﴿تتقوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تَصْبِرُوا﴾ ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿لا﴾ نافية. ﴿يضركم﴾ فعل مضارع ومفعول مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه جواب الشرط لها. ﴿كَيْدُهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة مصدر محذوف

стр. 1954

تقديره: ضررًا شيئًا، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿إنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُحِيطٌ﴾ الآتي. ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: يعملونه. ﴿مُحِيطٌ﴾ هو خبر إن مرفوع وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ سواء: اسم مصدر بمعنى الاستواء، ويوصف به على أنه بمعنى مستوٍ، فيحتمل حينئذ ضميرًا، ويرفع الظاهر. ومنه قولهم: مررت برجلٍ سواءٍ والعدم، برفع العدم على أنه معطوف على الضمير المستكن في سواء، ولا يثنى ولا يجمع، إما لكونه في الأصل مصدرًا، وإما للاستغناء عن تثنيته بتثنية نظيره، وهو سِيٌ بمعنى مثل تقول: ما سيَّان، أي؛ مثلان ويستعمل للواحد، والمثنى، والجمع بلفظ واحد، فيقال: هما سواء وهم سواءٌ. ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ الآناء: الساعات، وفي مفردها: لغاتٌ خمسٌ: إنىً كـ (معىً)، وأنىً كـ (فتىً)، وإنىٌ كـ (نحىٌ)؛ وأنىٌ كـ (ظبيٌ)؛ وإنو كجرو. فالهمزة في آناء منقلبة عن ياء على اللغات الأربعة الأولى كرداء، وعن واوٍ على اللغة الأخيرة نحو كساء، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان كما يؤخذ من "القاموس". ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الأمة الجماعة، ويجمع على أمم. قائمة: أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام أي: استقام ﴿يَتْلُونَ﴾ التلاوة القراءة، وأصلها: الاتباع فكأنها إتباع اللفظ اللفظ. ﴿وَيُسَارِعُونَ﴾ من سارع - من باب فاعل - يسارع مسارعة، ولكن المفاعلة ليست على بابها، بل للمبالغة في معنى الثلاثي. والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه؛ لأن من رغب في الأمر يسارع في توليه والقيام به، والمعنى يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات القاصرة والمتعدية.

стр. 1955

﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ الصر البرد الشديد المحرق، قاله ابن عباس، وأصله من الصرير الذي هو الصوت من قولهم: صر الشيء إذا صوت، ويراد به الريح الشديدة الباردة. ﴿بِطَانَةً﴾: بطانة الرجل، وكذا وليجته من يعرفه أسراره ثقة به، مشبهٌ ببطانة الثوب يقال: بطن فلان من فلان بطونًا، وبطانة إذا كان خاصًّا به داخلًا في أمره. وفي "الفتوحات" بطانة الرجل خاصته الذين يباطنهم في الأمور، ولا يظهر غيرهم عليها مشتقةٌ من البطن انتهى. ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يألونكم من ألا في الأمر يألو من باب دعا وسما إذا قصر فيه، ويقال: لا آلوك نصحًا أي: لا أمنعك نصحًا، ولا آلوك جهدًا أي لا أنقصك جهدًا، ويقال: آلوت في الأمر إذا قصرت فيه. والخبال والخبل: الفساد الذي يلحق الحيوان، يقال في قوائم الفرس؛ خبل وخبال، أي: فسادٌ من جهة الاضطراب؛ والخبال أيضًا النقصان، ومنه رجلٌ مخبول ومخبلٌ، ومختبلٌ إذا كان ناقصَ العقلِ ويقال: خَبَل من باب ضرب فهو خابل، وخبله بالتشديد فهو مخبل. ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ يقال: ود الشيء إذا أحبه. والعنت المشقة، وشدة الضرر. وقال الراغب: هنا المعاندة والمعانتة متقاربان، لكن المعاندة هي الممانعة، والمعانتة هي: أن يتحرى مع الممانعة المشقة، ويقال: عنت الأمر إذا شق من باب فرح. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ﴾ البغضاء مصدر كالسراء، والضراء يقال: منه بغض الرجل، فهو بغيض كالظريف كظرف فهو ظريف. ﴿والأفواه﴾ معروفة، وهو جمع فم، وأصله فوه فلامه هاء يدل على ذلك جمعه على أفواه، وتصغيره على فويه، والنسب إليه فوهي، وهل وزنه فعل بسكون العين، أو فعل بفتحها؟ خلاف للنحويين انتهى. سمين. وفي الفم تسع لغات، ذكرت في بعض كتب النحو ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ والعض: وضع الأسنان على الشيء بقوة، والفعل منه على فعل بكسر العين، يقال: عضضت بكسر العين في الماضي: أعض بالفتح في المضارع عضًّا وعضيضًا. والعض كله بالضاد إلا في قولهم: عظ الزمان إذا اشتد، وعظت الحرب إذا اشتدت، فإنهما

стр. 1956

بالظاء أخت الطاء. والأنامل جمع أنملة، وهي رؤوس الأصابع، وقال ابن عيسى: أصلها النمل المعروف، وهي مشبهة به في الدقة، والتصرف بالحركة ومنه رجل نمل أي: نمام. وعض الأنامل كناية عن شدة الغيظ والغضب ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ والغيظ: مصدر غاظه يغيظه إذا أغضبه، وفسره الراغب: بأنه أشد الغضب، قال: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من نوازف دم قلبه. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بالخواطر القائمة بالقلب، والدواعي التي تدعو إلى الأفعال. فذات هنا تأنيث ذي بمعنى صاحبة الصدور، وجعلت صاحبة الصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها. ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد المكر، وهو مصدر: كاده يكيده إذا مكر به، وهو الاحتيال بالباطل. قال ابن قتيبة: وأصله المشقة من قولهم: فلان يكيد بنفسه؛ أي: يعالج مشقات النزع وسكرات الموت. البلاغة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أتى بالجملة الإسمية لتدل على الدوام والاستمرار، كما أتى بالجملة الفعلية في قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿يَسْجُدُونَ﴾ للدلالة على التجدد والحدوث. والإشارة بالبعيد في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم في الفضل ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ فيه تشبيه تمثيلي حيث شبه ما كانوا ينفقونه في المفاخر، وكسب الثناء بالزرع الذي أصابته الريح العاصفة الباردة فدمرته وجعلته حطامًا. ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ فيه استعارة حيث شبه الأصفياء ببطانة الثوب الملتصقة به، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريقة الاستعارة الأصلية، والجامع شدة الالتصاق على حد: "الناس دثارٌ والأنصار شعارٌ". وقال أبو حيان: تضمنت هذه الآيات ضروبًا من أنواع الفصاحة والبلاغة: منها: التكرار في قوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ﴾ والاكتفاء بذكر بعض الشيء

стр. 1957

عن كله إذ كان فيه دلالة على الباقي في ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ ﴿وَيَنْهَوْنَ﴾، وفي قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ و ﴿الْمُنْكَرِ﴾ ويجوز أن يكون طباقًا معنويًّا، وفي قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ و ﴿سَيِّئَةٌ﴾ و ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ هو ﴿يَفْرَحُوا﴾. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾، و ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾، و ﴿بِطَانَةً﴾ و ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، و ﴿تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ و ﴿تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شبه حصولهما بالمس والإصابة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿ظَلَمَهُمُ﴾ و ﴿يَظْلِمُونَ﴾. ومنها: تسمية الشيء باسم محله في قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ عبر بها عن الألسنة؛ لأنها محلها. ومنها: الحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 1958

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾. المناسبة مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما نهى الله المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين كاشفوهم بالعداوة، ثم أعلمهم ببغضهم إياهم، ثم أمرهم بالصبر والتقوى، وأنهم إذا فعلوا ذلك لا يضرهم كيدهم شيئًا .. ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد، وما كان فيها من كيد المنافقين، إذ أذاعوا عن المؤمنين من قالة السوء ما أذاعوا، ثم خرجوا معهم، وانشقوا عنهم في الطريق، ورجعوا بثلث الجيش، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، واتبعه في الانخذال، والرجوع ثلاث مئة رجل من المنافقين، وغيرهم من المؤمنين، ليوقع الفشل بين صفوف المسلمين، ويخذلوهم أمام عدوهم، وما كان من كيد المشركين، وتألبهم عليهم، ولم يكن لذلك من واق إلا الصبر - حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا مواقعهم - وإلا تقوى الله ومن أهم دعائمها طاعة الرسول فيما به أمر وعنه نهى، وذكرهم أيضًا بما كان يوم بدر من نصرهم على عدوهم على قلتهم؛ إذ جعلوا الصبر جنتهم، وتقوى الله عدتهم، فأصابوا من

стр. 1959

عدوهم ما أصابوا، وكان لهم الفلج والنصر عليهم مما لا يزال مكتوبًا في صحيفة الدهر مثلًا خالدًا لصدق العزيمة، والبعد عن مطامع هذه الحياة. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ...﴾ الآية، أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن جابر ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بني سلمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول، والله وليهما، وأخرجه مسلم أيضًا. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأولى من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا، وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أخرجه البخاري. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أخرجه مسلم، وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده, والترمذي في جامعه. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن جرير من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العَن فلانًا، وفلانًا لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. استطراد دعت إليه الحاجة من هذه الآيات إلى ستين آية بعدها، نزلت في غزوة أحد، فوجب ذكر طرف من أخبار هذه الوقعة، ليستعين به القارئ على فهمها، ويعرف مواقع أخبارها ويستيقن من حكمها وأحكامها, ولكن عليك أن تعرف قبل هذا أن قريشًا اغتاظت من هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وحقدوا على أهلها إيواءهم

стр. 1960

للمسلمين، وتهددوهم، فكان لا بد من الاستعداد للدفع وقد صار النبي ﷺ داعية للدين ورئيسًا لحكومة المدينة وقائدًا لجيشها. هذا، وقد أدى دفاع المسلمين عن أنفسهم إلى سلسلة من الغزوات؛ بها انتشر الإِسلام بسرعة لم تعهد في التاريخ, وقد اشترك النبي ﷺ في تسع منها أشهرها. وقعة بدر كانت قريش ترى أن محمدًا وأصحابه شرذمة من الثوار يجب أن تقتل، ولا سيما بعد أن صارت لهم القوة في المدينة، وهي على طريق التجارة إلى الشام، فجد المسلمون في مهاجمة قوافل مكة، ونالوا أول انتصارٍ لهم في السنة الثانية من الهجرة في غزوة بدر بئر بين مكة والمدينة كانت لرجل يسمى بدرًا، فسميت باسمه، وكانت هذه الوقعة نصرًا مؤزرًا للمسلمين، وكارثة كبرى على المشركين، وكان لها دوي عظيم في أرجاء البلاد العربية من أقصاها إلى أقصاها. وقعة أحد أحدٌ: جبل على نحو ميل من المدينة إلى الشمال. سمي أحدًا لتوحده عن الجبال. ولما خذل المشركون في وقعة بدر، ورجع ففُهم إلى مكة مقهورين أخذ أبو سفيان يؤلب المشركين على رسول الله ﷺ ، إذ كان هو الرئيس بعد مقتل من قتل من صناديد قريش، فاجتمعوا للحرب، وكانوا نحو ثلاثة آلاف، فيهم سبع مئة دارع، ومعهم مئتا فرس، وقائدهم: أبو سفيان بن حرب، ومعه زوجه هند بنت عتبة، وكانت جملة النساء اللاتي معهم خمس عشرة امرأة، ومعهن الدفوف يضربن بها، ويبكين على قتلى بدر، ويحرضن المشركين على حرب المسلمين، وساروا من مكة حتى نزلوا مقابل المدينة في شوال سنة ثلاث من الهجرة. وكان رأي رسول الله ﷺ المقام في المدينة، وقتالهم بها، ورأى باقي الصحابة الخروج لقتالهم، فخرج في ألف من الصحابة إلى أن صار بين المدينة وأحدٍ، فانخذل عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلث الناس ونزل رسولُ الله ﷺ الشعب من أحد،

стр. 1961

وجعل ظهره إلى الجبل، وكان عدة أصحاب رسول الله ﷺ سبع مئة فيهم مئة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين، وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ولواؤهم مع بني عبد الدار. ولما التقى الجمعان قامت هند زوج أبي سفيان، ومعها النسوة يضربن بالدفوف وهي تقول: وِيْهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ... وِيْهَا حُمَاةَ الأَدْبَارِ ... ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارِ وقاتل حمزة قتالًا شديدًا. ولما قتل مصعب بن عمير أعطى النبي ﷺ الراية لعليّ بن أبي طالب. ولما انهزم المشركون طمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي ﷺ بملازمته. فأتى خالد بن الوليد مع خيل المشركين من خلف المسلمين، ووقع الصراخ أن محمدًا قد قتل، وانكشف المسلمون، وأصاب العدو منهم. وكان يوم البلاء على المسلمين، وكان عدة الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلًا. ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ وأصابته حجارتهم حتى وقع، وأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته وجعل الدم يسيل على وجهه وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم". وجعل يدعوهم إلى ربهم فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾. ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجه رسول الله ﷺ في الشجة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنية من ثنياته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون، وأدركوه يريدون منه ما الله عاصمه منه كما قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وأصابت طلحة يومئذٍ ضربة شديدة شلت يده منها، وهو يدافع عن رسول الله ﷺ . ومثلت هند وصواحبها بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، فجدعن الأنوف، وصلمن الآذان، واتخذن منها قلائد، وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها ولم تستسغها وضرب أبو سفيان شدق حمزة بزج الرمح، وصعد الجبل، وصرخ

стр. 1962

بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر، أعل هبل - صنم في الكعبة - أي؛ ظهر دينك. ولما انصرف أبو سفيان، ومن معه .. نادى إن موعدكم بدر العام القابل. فقال النبي ﷺ : "قولوا له: هو بيننا وبينكم ". ثم سار المشركون إلى مكة، وبحث رسول الله ﷺ عن عمه حمزة فوجده مبقور البطن مجدوع الأنف مصلوم الأذن فقال: "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين منهم". ثم أمر أن يسجى عمه ببردته، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى فوضعهم إلى جانب حمزة واحدًا بعد واحدٍ حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة، ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: "ادفنوهم حيث صرعوا". إذا علمت ما تقدم .. سهل عليك فهم هذه الآيات، وما بعدها مما له صلة بهذه الوقعة الهامة في تاريخ الإِسلام، وما فيها من عظة وعبرة للمسلمين، فقد كانت نبراسًا لهم في كل حروبهم وأعمالهم في حياة النبي ﷺ وبعده. إذ علموا أن مخالفة القائد الأعظم لها أسوأ الآثار, وأن كل ما حدث فيها، إنما جر إليه الطمع في الغنيمة وجمع حطام الدنيا، وهو ظل زائل، وعرض مفارق. التفسير وأوجه القراءة ١٢١ - ﴿وَ﴾ إذكر يا محمَّد: لأصحابك قصة ﴿إذْ غَدَوْتَ﴾ وخرجت بعد صلاة الجمعة خامس عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ أي: من منزلك الذي فيه أهلك من المدينة، وهو حجرة عائشة إلى أحد ليتذكروا ما وقع لهم في ذلك اليوم من الأحوال الناشئة من عدم الصبر، فيعلموا أنهم لو لزموا الصبر؛ لا يضرهم كيد الكفرة، وعبر عن الخروج بالغدوِّ الذي هو الخروج غدوة مع كونه ﷺ خرج بعد صلاة الجمعة؛ لأنه قد يعبر بالغدو عن الخروج من غير نظر إلى أصل معناه، كما يقال: أضحى، وإن لم يكن في وقت الضحى، وفي

стр. 1963

قوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ منقبةٌ عظيمةٌ لعائشة ﵂؛ لأنه تعالى نصَّ على أنها من أهله. حالة كونك ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: تقصد أن تبوئهم وتنزلهم وتهىء لهم ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾؛ أي: أماكن ومراكز ومثابت يثبتون فيها لقتال عدوهم المشركين، مراكز للرماة، ومراكز للفرسان، ومراكز لسائر المؤمنين، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم؛ أي: لما يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك عدوك وعدوهم، كقول من قال: اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم في خارج المدينة، وقول من قال: لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، وسميع لما تشير به أنت عليهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبنية كل قائل، من أخلص منهم في قوله، وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم، ومن لم يخلص في قوله، وإن كان صوابًا كعبد الله بن أبي، وأصحابه من المنافقين. ١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد أيضًا حين همت وقصدت جماعتان منكم أيها المؤمنون بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج، وكانا جناحي عسكر رسول الله ﷺ وأدغم السبعة تاء التأنيث في الطاء، وعن قالون خلافٌ في ذلك ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾، أي: بأن تضعفا وتجبنا وترجعا عن القتال حين رأوا انخذال عبد الله بن أبي، ومن معه عن رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنه ﷺ خرج من المدينة مع تسع مئة وخمسين، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا عند جبل أحد انعزل ابن أبي المنافق، مع ثلاثمائة من أصحابه المنافقين، وقال: يا قوم: لأي شيء نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاريُّ وأبو جابر السلمي، وقالا: نسألكم بالله في حفظ نبيكم وأنفسكم أي فإنكم إن رجعتم فاتتكم نصرة نبيكم وفاتتكم وقاية أنفسكم من العذاب لتخلفكم عن نبيكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، فهم الطائفتان باتباع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، فثبتوا مع رسول الله ﷺ . وهذا الهم لم يكن عزيمةً ممضاة، ولكنها كانت حديث النفس، وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، فإن ساعدها صاحبها ذم، وإن ردها إلى

стр. 1964

الثبات والصبر فلا بأس بما فعل، ومما يدل على أن ذلك الهم لم يصل إلى حد العصيان قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: ولي الطائفتين أي متولي أمورهما، وعاصمهما عن اتباع تلك الخطوة، وحافظهما عنه لصدق إيمانهما, ولذلك صرف الفشل عنهما، وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألم بهما عند رجوع المنافقين، وكانوا نحو ثلث العسكر، بل تذكروا ولاية الله للمؤمنين، فوثقا به، وتوكلا عليه. وقرأ (١) عبد الله ﴿والله وليهم﴾ أعاد الضمير على المعنى، لا على لفظ التثنية كقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ و ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليعتمدوا عليه وليثقوا به في أمورهم؛ أي: إن المؤمنين ينبغي لهم أن يدفعوا ما يعرض لهم من جزع أو مكروه، بالتوكل على الله لا بحولهم وقوتهم، ولا بأنصارهم وأعوانهم، بعد أخذ الأهبة والعدة تحقيقًا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات، وهو الخالق للسبب والمسبب، والموجد للصلة بينهما، فبقدرته تعالى ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، كما نصر المؤمنين يوم بدر على قلة منهم في العدد والعُدد والسلاح، وفي سائر عتاد الجيش، ولذا قال : ١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿بِبَدْرٍ﴾؛ أي: في وقعة يوم بدر - موضعٌ بين مكة والمدينة معروف - الذي انبنى فيه الإِسلام وظهر، وقتل فيه صناديد قريش، وكان يوم الجمعة السابع عشر من رمضان لثمانية عشر شهرًا من الهجرة ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾؛ أي: والحال أنكم ذليلون ضعفاء بقلة العدد، والعدد، والسلاح، وقلة المال، وضعف الحال، وعدم القدرة على مقاومة العدو، فإن المؤمنين كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، وما كان فيهم إلا فرس واحد، والكفار كانوا قريبين من ألف مقاتل، ومعهم مئة فرس مع الأسلحة الكثيرة، والعدة الكاملة، أي: نصركم يوم بدر مع قلتكم وكثرة العدو، ولتعلموا أن النصر من عند الله لا بكثرة العدد والعدد. وأتى بجمع القلة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ليدل على أنهم قليلون في ذواتهم، وعددهم.

стр. 1965

وخلاصة الكلام: أنكم إن تصبروا وتتقوا .. لا يضركم كيدهم شيئًا، وينصركم ربكم كما نصركم على أعدائكم، وأنتم يومئذٍ في قلة من العدد، وفي غير منعة من الناس حتى أظهركم على عدوكم مع كثرة عددهم، وعظيم منعتهم، فأنتم اليوم أكثر عددًا منكم يومئذٍ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم، كما نصركم في ذلك اليوم، ولا ضير في الذل إذا لم يكن عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين، ولا بمستذلين من الكفار، وإنما كانت قوتهم أول تكونها. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون وخافوه في أمر الحرب بالثبات فيها مع الرسول ﷺ وعدم مخالفة أميركم فيها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي تشكروا نعمته تعالى عليكم ونصرته لكم على أعدائكم، والمعنى: فاتقوا الله ربكم بطاعته، واجتناب محارمه، لتهيؤوا أنفسكم لشكره على ما منَّ به عليكم من النصر على أعدائكم؛ وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم؛ إذ من لم يروض نفسه بالتقوى يغلب عليه الهوى، واتباع الشهوات فلا يرجى منه الشكر لأنعم الله بصرفها فيما خلقت لأجله من الحكم والمنافع. ١٢٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿نصركم﴾ و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ للاستفهام الإنكاري؛ أي: لإنكاره ﷺ عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة. ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بالأمر. والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر في الوقت الذي تقول فيه للمؤمنين تطمينًا لقلوبهم، وبشارة لهم: ألن يكفيكم ويغنيكم عن مساعدة الغير ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ ويساعدكم ويعينكم ﴿رَبُّكُمْ﴾ على عدوكم ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ من السماء لنصركم. وذلك القول (١) حين أظهروا العجز عن المقاتلة، لما بلغهم أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الخ.
следующие страницы →