وجعل ظهره إلى الجبل، وكان عدة أصحاب رسول الله ﷺ سبع مئة فيهم مئة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين، وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ولواؤهم مع بني عبد الدار. ولما التقى الجمعان قامت هند زوج أبي سفيان، ومعها النسوة يضربن بالدفوف وهي تقول:
وِيْهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ... وِيْهَا حُمَاةَ الأَدْبَارِ ... ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارِ
وقاتل حمزة قتالًا شديدًا. ولما قتل مصعب بن عمير أعطى النبي ﷺ الراية لعليّ بن أبي طالب. ولما انهزم المشركون طمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي ﷺ بملازمته. فأتى خالد بن الوليد مع خيل المشركين من خلف المسلمين، ووقع الصراخ أن محمدًا قد قتل، وانكشف المسلمون، وأصاب العدو منهم. وكان يوم البلاء على المسلمين، وكان عدة الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلًا. ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ وأصابته حجارتهم حتى وقع، وأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته وجعل الدم يسيل على وجهه وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم". وجعل يدعوهم إلى ربهم فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾.
ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجه رسول الله ﷺ في الشجة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنية من ثنياته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون، وأدركوه يريدون منه ما الله عاصمه منه كما قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وأصابت طلحة يومئذٍ ضربة شديدة شلت يده منها، وهو يدافع عن رسول الله ﷺ .
ومثلت هند وصواحبها بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، فجدعن الأنوف، وصلمن الآذان، واتخذن منها قلائد، وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها ولم تستسغها وضرب أبو سفيان شدق حمزة بزج الرمح، وصعد الجبل، وصرخ
стр. 1962
بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر، أعل هبل - صنم في الكعبة - أي؛ ظهر دينك.
ولما انصرف أبو سفيان، ومن معه .. نادى إن موعدكم بدر العام القابل. فقال النبي ﷺ : "قولوا له: هو بيننا وبينكم ". ثم سار المشركون إلى مكة، وبحث رسول الله ﷺ عن عمه حمزة فوجده مبقور البطن مجدوع الأنف مصلوم الأذن فقال: "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين منهم". ثم أمر أن يسجى عمه ببردته، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى فوضعهم إلى جانب حمزة واحدًا بعد واحدٍ حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة، ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: "ادفنوهم حيث صرعوا". إذا علمت ما تقدم .. سهل عليك فهم هذه الآيات، وما بعدها مما له صلة بهذه الوقعة الهامة في تاريخ الإِسلام، وما فيها من عظة وعبرة للمسلمين، فقد كانت نبراسًا لهم في كل حروبهم وأعمالهم في حياة النبي ﷺ وبعده.
إذ علموا أن مخالفة القائد الأعظم لها أسوأ الآثار, وأن كل ما حدث فيها، إنما جر إليه الطمع في الغنيمة وجمع حطام الدنيا، وهو ظل زائل، وعرض مفارق.
التفسير وأوجه القراءة
١٢١ - ﴿وَ﴾ إذكر يا محمَّد: لأصحابك قصة ﴿إذْ غَدَوْتَ﴾ وخرجت بعد صلاة الجمعة خامس عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ أي: من منزلك الذي فيه أهلك من المدينة، وهو حجرة عائشة إلى أحد ليتذكروا ما وقع لهم في ذلك اليوم من الأحوال الناشئة من عدم الصبر، فيعلموا أنهم لو لزموا الصبر؛ لا يضرهم كيد الكفرة، وعبر عن الخروج بالغدوِّ الذي هو الخروج غدوة مع كونه ﷺ خرج بعد صلاة الجمعة؛ لأنه قد يعبر بالغدو عن الخروج من غير نظر إلى أصل معناه، كما يقال: أضحى، وإن لم يكن في وقت الضحى، وفي
стр. 1963
قوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ منقبةٌ عظيمةٌ لعائشة ﵂؛ لأنه تعالى نصَّ على أنها من أهله.
حالة كونك ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: تقصد أن تبوئهم وتنزلهم وتهىء لهم ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾؛ أي: أماكن ومراكز ومثابت يثبتون فيها لقتال عدوهم المشركين، مراكز للرماة، ومراكز للفرسان، ومراكز لسائر المؤمنين، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم؛ أي: لما يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك عدوك وعدوهم، كقول من قال: اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم في خارج المدينة، وقول من قال: لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، وسميع لما تشير به أنت عليهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبنية كل قائل، من أخلص منهم في قوله، وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم، ومن لم يخلص في قوله، وإن كان صوابًا كعبد الله بن أبي، وأصحابه من المنافقين.
١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد أيضًا حين همت وقصدت جماعتان منكم أيها المؤمنون بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج، وكانا جناحي عسكر رسول الله ﷺ وأدغم السبعة تاء التأنيث في الطاء، وعن قالون خلافٌ في ذلك ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾، أي: بأن تضعفا وتجبنا وترجعا عن القتال حين رأوا انخذال عبد الله بن أبي، ومن معه عن رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنه ﷺ خرج من المدينة مع تسع مئة وخمسين، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا عند جبل أحد انعزل ابن أبي المنافق، مع ثلاثمائة من أصحابه المنافقين، وقال: يا قوم: لأي شيء نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاريُّ وأبو جابر السلمي، وقالا: نسألكم بالله في حفظ نبيكم وأنفسكم أي فإنكم إن رجعتم فاتتكم نصرة نبيكم وفاتتكم وقاية أنفسكم من العذاب لتخلفكم عن نبيكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، فهم الطائفتان باتباع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، فثبتوا مع رسول الله ﷺ .
وهذا الهم لم يكن عزيمةً ممضاة، ولكنها كانت حديث النفس، وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، فإن ساعدها صاحبها ذم، وإن ردها إلى
стр. 1964
الثبات والصبر فلا بأس بما فعل، ومما يدل على أن ذلك الهم لم يصل إلى حد العصيان قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: ولي الطائفتين أي متولي أمورهما، وعاصمهما عن اتباع تلك الخطوة، وحافظهما عنه لصدق إيمانهما, ولذلك صرف الفشل عنهما، وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألم بهما عند رجوع المنافقين، وكانوا نحو ثلث العسكر، بل تذكروا ولاية الله للمؤمنين، فوثقا به، وتوكلا عليه.
وقرأ (١) عبد الله ﴿والله وليهم﴾ أعاد الضمير على المعنى، لا على لفظ التثنية كقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ و ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليعتمدوا عليه وليثقوا به في أمورهم؛ أي: إن المؤمنين ينبغي لهم أن يدفعوا ما يعرض لهم من جزع أو مكروه، بالتوكل على الله لا بحولهم وقوتهم، ولا بأنصارهم وأعوانهم، بعد أخذ الأهبة والعدة تحقيقًا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات، وهو الخالق للسبب والمسبب، والموجد للصلة بينهما، فبقدرته تعالى ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، كما نصر المؤمنين يوم بدر على قلة منهم في العدد والعُدد والسلاح، وفي سائر عتاد الجيش، ولذا قال :
١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿بِبَدْرٍ﴾؛ أي: في وقعة يوم بدر - موضعٌ بين مكة والمدينة معروف - الذي انبنى فيه الإِسلام وظهر، وقتل فيه صناديد قريش، وكان يوم الجمعة السابع عشر من رمضان لثمانية عشر شهرًا من الهجرة ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾؛ أي: والحال أنكم ذليلون ضعفاء بقلة العدد، والعدد، والسلاح، وقلة المال، وضعف الحال، وعدم القدرة على مقاومة العدو، فإن المؤمنين كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، وما كان فيهم إلا فرس واحد، والكفار كانوا قريبين من ألف مقاتل، ومعهم مئة فرس مع الأسلحة الكثيرة، والعدة الكاملة، أي: نصركم يوم بدر مع قلتكم وكثرة العدو، ولتعلموا أن النصر من عند الله لا بكثرة العدد والعدد. وأتى بجمع القلة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ليدل على أنهم قليلون في ذواتهم، وعددهم.
стр. 1965
وخلاصة الكلام: أنكم إن تصبروا وتتقوا .. لا يضركم كيدهم شيئًا، وينصركم ربكم كما نصركم على أعدائكم، وأنتم يومئذٍ في قلة من العدد، وفي غير منعة من الناس حتى أظهركم على عدوكم مع كثرة عددهم، وعظيم منعتهم، فأنتم اليوم أكثر عددًا منكم يومئذٍ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم، كما نصركم في ذلك اليوم، ولا ضير في الذل إذا لم يكن عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين، ولا بمستذلين من الكفار، وإنما كانت قوتهم أول تكونها.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون وخافوه في أمر الحرب بالثبات فيها مع الرسول ﷺ وعدم مخالفة أميركم فيها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي تشكروا نعمته تعالى عليكم ونصرته لكم على أعدائكم، والمعنى: فاتقوا الله ربكم بطاعته، واجتناب محارمه، لتهيؤوا أنفسكم لشكره على ما منَّ به عليكم من النصر على أعدائكم؛ وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم؛ إذ من لم يروض نفسه بالتقوى يغلب عليه الهوى، واتباع الشهوات فلا يرجى منه الشكر لأنعم الله بصرفها فيما خلقت لأجله من الحكم والمنافع.
١٢٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿نصركم﴾ و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ للاستفهام الإنكاري؛ أي: لإنكاره ﷺ عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة. ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بالأمر.
والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر في الوقت الذي تقول فيه للمؤمنين تطمينًا لقلوبهم، وبشارة لهم: ألن يكفيكم ويغنيكم عن مساعدة الغير ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ ويساعدكم ويعينكم ﴿رَبُّكُمْ﴾ على عدوكم ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ من السماء لنصركم.
وذلك القول (١) حين أظهروا العجز عن المقاتلة، لما بلغهم أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الخ.
стр. 1966
أخرج (١) ابن أبي شيبة، وابن المنذر: وغيرهما عن الشعبي، أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمد أصحابه، ولم يمدوا بالخمسة آلاف.
وقرأ (٢) الحسن ﴿بِثَلَاثَةِءَالَافٍ﴾ يقف على الهاء، وكذلك ﴿بِخَمْسَةِءَالَافٍ﴾ قال ابن عطية: ووجه هذه القراءة ضعيفٌ؛ لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال؛ إذ هما كالاسم الواحد. انتهى. والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوصل مجرى الوقف، أبدلها هاءً في الوصل كما أبدلوها هاءً في الوقف ..
وقرىء شاذا ﴿بثلاثة آلافٍ﴾ هو بتسكين التاء في الوصل إجراءً له مجرى الوقف.
وقرأ الجمهور ﴿مُنْزَلِينَ﴾ بالتخفيف مبنيًّا للمفعول، وابن عامر بالتشديد مبنيًّا للمفعول أيضًا، والهمزة، والتضعيف للتعدية فهما سيان.
وقرأ بن أبي عبلة ﴿منزلين﴾ بتشديد الزاي، وكسرها مبنيًّا للفاعل، وبعض القراء بتخفيفها، وكسرها مبنيًّا للفاعل أيضًا، والمعنى ينزلون النصر.
١٢٥ - ﴿بَلَى﴾ إيجابٌ لما بعد لن، أي: بلى يكفيكم الإمداد بهم. ثم وعدهم بالزيادة بشرط الصبر، والتقوى حثًّا لهم عليهما، وتقويةً لقلوبهم فقال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ مع نبيكم على لقاء العدو، ومناهضتهم، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية الله، ومخالفة نبيه ﷺ ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾؛ أي: ويجئكم المشركون ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: من ساعتهم هذه من جهة مكة ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: ينصركم ربكم على عدوكم في حال إتيانهم من غير تراخٍ، ولا تأخير ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ ليعجل نصركم، ويسهل فتحكم ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بكسر الواو؛ أي: معلِّمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات. ورجح ابن جرير هذه القراءة وقال كثير من
стр. 1967
المفسرين: مرسلين خيلهم في الغارة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ونافع ﴿مسومين﴾ بفتح الواو أي: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب، وأذنابها، أو مجذوذة أذنابها، أو مرسلين.
قال ابن جرير (١): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه محمَّد ﷺ أنه قال: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ ثم وعدهم بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم، واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدَّهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر فنسلم لأحد الفريقين قوله.
غير أن في القرآن دلالةٌ على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
أما في أحد: فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا، وذلك أنهم لو أمدوا، لم يهزموا، وينل منهم ما نيل انتهى.
والإمداد بالملائكة يصح أن يكون من قبيل الإمداد بالمال الذي يزيد في قوة القوم، وأن يكون من الإمداد بالأشخاص الذين ينتفع بهم، ولو نفعًا معنويًّا، وذلك أن الملائكة أرواح تلابس النفوس، فتمدها بالإلهامات الصالحات التي تثبتها وتقوي عزيمتها.
فإن قلت: أي حاجة إلى ذلك العدد الكثير، فإن جبريل وحده، أو أي ملك كافٍ في قتال الكفار؟
стр. 1968
أجيب: بأن النصر في ذلك ينسب للرسول ﷺ والمؤمنين لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فلو هلكوا بشيء مما هلك به الأمم السابقة .. لم يكن في ذلك مزيد فخر للمؤمنين، ولا شفاء لغيظهم لكونه خارجًا عن اختيارهم.
١٢٦ - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾، أي: ما جعل الله ذلك الإمداد بالملائكة، أو ما جعل (١) الله ذلك القول الذي قاله الرسول لكم ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآية. ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾؛ أي: إلّا بشارة لكم أيها المؤمنون لتزدادوا ثباتًا على لقاء العدو أي؛ وما جعل الله ذلك الإمداد إلا ليبشركم به ﴿وَ﴾ إلا ﴿لِتَطْمَئِنَّ﴾ وتثبت ﴿قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الإمداد، وتسكن إليه من الخوف الذي طرقها من كثرة عدد عدوكم، وعظيم استعداده لكم. وفي هذا إشارة إلى أن في ذكر الإمداد فائدتين:
إحداهما: إدخال السرور في القلوب.
والثانية: حصول الطمأنينة ببيان أن معونة الله ونصرته. معهم فلا يجبنوا عن المحاربة مع العدوّ ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾ على الأعداء حاصل من عند أحدٍ غير الله لا من عند الملائكة، ولا من كثرة العدد ﴿إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿الْعَزِيزِ﴾ أي؛ القوي الذي لا يغالب في أقضيته وأحكامه ﴿الْحَكِيمِ﴾ الذي يعطي النصر لأوليائه، ويبتليهم بجهاد أعدائه، أو الذي يدبر الأمور على خير السنن, وأقوم الوسائل، فيهدي لأسباب النصر الظاهرة، والباطنة من يشاء، ويصرفهما عمن يشاء.
والمراد (٢): أنه يجب توكلكم على الله لا على الملائكة، فيجب على العبد أن لا يتكل على الأسباب فقط، بل يقبل على مسبب الأسباب؛ إذ هو الذي لا يعجز عن إجابة الدعوات، فعليكم ألا تتوقعوا النصر إلا من رحمته، ولا المعونة إلا من فضله وكرمه؛ لأن من لم ينصره الله فهو مخذول، وإن كثرت أنصاره، فإن حصل الإمداد بالملائكة، فليس ذلك إلا جزءًا من أسباب النصر، وهناك أسباب
стр. 1969
أخرى كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، ومعرفة المواقع، والمكامن كما فعل النبيُّ ﷺ ، إذ سلك إلى أحد أقرب الطرق، وأخفاها على العدو، وعسكر في أحسن موضع، وهو الشعب أي: الوادي وجعل ظهره إلى الجبل، وجعل الرماة من ورائهم.
فإن قلت: لم أمد الله المؤمنين يوم بدر بملائكته يثبتون قلوبهم، وحرمهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟
فالجواب: إن المؤمنين كانوا يوم بدر في قلة وذلةٍ، من الضعف والحاجة؛ فلم يكن لهم إعتمادٌ إلا على الله، وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم، وما أمرهم به من الثبات، والذكر إذ قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ولم يكن في نفوسهم تطلع إلى شيء سوى النصر، وإقامة الدين، والدفاع عن حوزته، وكانت أرواحهم بهذا الإيمان مستعدة لقبول الإلهام من أرواح الملائكة، والتقوي بالاتصال بها.
وروى أحمد ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ النبي ﷺ كان يدعو يوم بدر "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة .. فلن تعبد في الأرض أبدًا" وما زال يستغيث ربه، ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فرداه به، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك، فإنه ينجز لك ما وعدك. وأنزل الله يومئذٍ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ الآية.
أمَّا في يوم أحد: فقد كان بعضهم في أول القتال قريبًا من الافتتان بما كان من المنافقين، ومن ثم همت طائفتان منهم أن تفشلا, ولكن الله ثبتهما، وباشروا القتال مع بقية المؤمنين حتى انتصروا، وهزموا المشركين، ثم خرج بعضهم عن التقوى، وخالفوا أمر الرسول ﷺ وطمعوا في الغنيمة، وتنازعوا في الأمر فقتلوا، وضعف استعداد أرواحهم، فلم ترتق إلى الاستمداد من أرواح الملائكة، فلم يكن لهم منهم مدد في ذلك اليوم.
стр. 1970
وحكمة ما حصل بهم في ذلك اليوم تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾ الآية. وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات، ومعرفة أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول، وأن قتل الرسول أو موته لا ينبغي أن يثبط الهمم، ولا يدعو إلى الانقلاب على الأعقاب، وأن كل ما يصيب العباد من مصائب فهو نتيجة عملهم، وعقوبة طبيعية على أفعالهم.
١٢٧ - واللام في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، أي: وعزتي وجلالي، لقد نصركم الله ، وأعزكم على عدوكم يوم بدر مع قلة عددكم وعددكم بأمداد الملائكة؛ ليقطع، ويهلك طرفًا وجماعة من صناديد الذين كفروا، وأشركوا بالله، ويهدم ركنًا من أركان الشرك، يعني مشركي مكة بقتل سبعين منهم، وأسر سبعين آخرين منهم. وعبر بالطرف؛ لأنه أقرب إلى المؤمنين من الوسط، فهو أول ما يوصل إليه من الجيش ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾؛ أي: أو ليكبت، ويذل، ويخزي الطرف الآخر منهم، والجماعة الباقية منهم، ويغيظهم بالهزيمة ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾، ويرجعوا إلى مكة حال كونهم ﴿خَائِبِينَ﴾، أي: غير ظافرين بمرادهم من استئصال المؤمنين والظفر لهم.
وقد فعل الله تعالى ذلك بهم في بدر حيث قتل المسلمون من صناديدهم سبعين، وأسروا سبعين، وأعز الله المؤمنين، وأذل الشرك والمشركين.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ بالتاء، وقرأ لاحق بن حميد ﴿أو يكبدهم﴾ بالدال مكان التاء، والمعنى: أو يصيب الحزن كبدهم.
١٢٨ - ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها؛ لبيان أن الأمر كله بيد الله فقال: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ يا محمَّد ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ أي: من أمر عبادي وتدبيرهم وحسابهم ﴿شَيْءٌ﴾ بل إنما عليك البلاغ والدعوة لهم إلى توحيدي، والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضي فيهم، وأحكم بالذي أشاء من التوبة، أو عاجل العذاب
стр. 1971
بالقتل، والنقم، أو آجله بما أعددت لأهل الكفر من العذاب في الآخرة.
وروى أحمد ومسلم، عن أنس ﵁ أن النبيَّ ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا بنبيهم هذا، وهو يدعوهم إلى ربهم"؟ فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
قيل: أراد النبيُّ ﷺ أن يدعو عليهم بالاستئصال، فنزلت هذه الآية، وذلك لعلمه أن أكثرهم يسلمون. فمعنى الآية: ليس لك مسألة هلاكهم والدعاء عليهم، لأنه تعالى أعلم بمصالحهم، فربما تاب على من يشاء منهم. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ كلامٌ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه كما مر آنفًا.
وتقدير الكلام: ولقد نصركم الله أيها المؤمنون في يوم بدر، ليقطع طرفًا من الذين كفروا بالقتل، أو يكبتهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم بالإِسلام، إن أسلموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ على الكفر إن أصروا؛ فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، بل الأمر أمري في ذلك كله، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ هو كالتعليل لعذابهم، والمعنى: إنما يعذبهم؛ لأنهم ظالمون أنفسهم بالإصرار على الكفر مستحقون للتعذيب.
قال بعض العلماء (١): والحكمة في منعه ﷺ من الدعاء عليهم، ولعنهم أن الله تعالى علم من حال بعض الكفار أنه سيسلم فيتوب عليه، أو سيولد من بعضهم ولد يكون مسلمًا برًّا تقيًّا. فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من الدعاء عليهم؛ لأن دعوته ﷺ مستجابة، فلو دعا عليهم بالهلاك هلكوا جميعًا، لكن اقتضت حكمة الله، وما سبق في علمه إبقائهم ليتوب على بعضهم، وسيخرج من بعضهم ذرية صالحة مؤمنة، ويهلك بعضهم بالقتل والموت.
وفي هذا الكلام تأديب من الله لرسوله ﷺ وإعلامٌ له بأن الدعاء على
стр. 1972
المشركين، ولعنهم مما لم يكن ينبغي منك. إذ الأمر كله لله، وليس لأحد من أهل السموات والأرض شركة معه، ولا رأيٌ ولا تدبير فيهما، وإن كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا إلا من سخره الله للقيام بشيء من ذلك؛ فيكون خاضعًا لذلك التسخير لا يستطيع الخروج فيه عن السنن العامة التي قام بها نظام الكون، ونظام الاجتماع.
١٢٩ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: جميع ما في السموات، وما في الأرض ملكًا وخلقًا وعبيدًا ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مغفرته بفضله ورحمته ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه بعدله وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأنَّ رحمته تعالى سبقت غضبه ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن مات على التوبة.
قال ابن جرير (١): أي لله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما شاء، ويقضي فيهم بما أحب فيتوب على من شاء من خلقه العاصين أمره ونهيه ثم يغفر له ويعاقب من شاء منهم على جرمه، فينتقم منه، فهو الغفور يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه، من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، وهو الرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلًا على عظيم ما يأتون من المآثم انتهى.
١٣٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما (٢) نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ البطانة من اليهود، وأمثالهم من المشركين، ثم بين لهم أن كيدهم لا يضرهم ما اعتصموا بتقوى الله، وطاعته وطاعة رسوله، ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك بما حدث لهم حين صدقوا الله ورسوله من الفوز والفلاح في وقعة بدر، وبما حدث لهم حين عصوا الله، وخالفوا أمر القائد، وهو الرسول ﷺ في وقعة أحد، وكيف حل بهم من البلاء ونزلت من المصائب مما لم يكونوا ينتظرون القليل منها .. نهاهم هنا عن شر
стр. 1973
عمل من أعمال اليهود، ومن اقتدى بهم من المشركين، وهو الربا مع بيان أن الربح المتوقع منه ليس هو السبب في السعادة، بل السعادة، إنما تكون في تقوى الله، وامتثال أوامره، وفي ذلك حث على بذل المال في سبيل الله كالدفاع عن الملة، وتنفير من البخل، والشح، والكلب على جمع المال بكل وسيلة مستطاعة، وشر تلك الوسائل أكل الربا أضعافًا مضاعفة.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ لا تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم، وذكر الأكل ليس قيدًا بل إنما ذكره لكونه معظم منافعه حالة كون تلك الزيادة أضعافًا مضاعفة، أي؛ زيادات مكررة عامًا بعد عام بسبب تأخير أجل الدين الذي هو رأس المال، وزيادة المال إلى ضعف ما كان كما كنتم تفعلون في الجاهلية، فإن الإِسلام لا يبيح لكم ذلك لما فيه من القسوة واستغلال ضرورة المعوز وحاجته.
وذكر الأضعاف (١) ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل .. زادوا في المال مقدارًا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين، فكانوا يفعلون ذلك مرةً بعد مرةٍ، حتى يأخذ المرابي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء.
قال ابن جرير (٢) معنى الآية: لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة في إسلامكم بعد إذ هداكم الله كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم، وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أن الرجل منهم يكون له على الرجل مالٌ إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول له، الذي عليه المال: أخر دينك عني وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفة، فنهاهم الله في إسلامهم عنه انتهى.
стр. 1974
وقال الرازي (١): كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل فإذا جاء الأجل، ولم يكن المديون واجدًا لذلك المال، قال الدائن: زد في المال حتى أزيد لك في الأجل، فربما جعله مائتين ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ انتهى.
وربا (٢) الجاهلية هو ما يسمى في عصرنا: بالربا الفاحش، وهو ربح مركب وهذه الزيادة الفاحشة كانت بعد حلول الأجل، ولا شيءَ منها في العقد الأول، كان يعطيه المائة بمائة وعشرة أو أكثر، أو أقل، وكأنهم كانوا يكتفون في العقد الأول بالقليل من الربح، فإذا حل الأجل، ولم يقض الدين، وهو في قبضتهم اضطروه إلى قبول التضعيف في مقابلة الإنساء، وهذا هو ربا النسيئة. قال ابن عباس ﵁ إن نص القرآن الحكيم ينصرف إلى ربا النسيئة الذي كان معروفًا عندهم انتهى.
وعلى الجملة فالربا نوعان:
الأول: ربا النسيئة؛ وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو أن يؤخر دينه، ويزيده في المال، وكلما آخره زاد في المال حتى تصير المائة آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل مثل ذلك إلا معدمٌ محتاجٌ، فهو يبذل الزيادة ليفتدي من أسر المطالبة، ولا يزال كذلك حتى يعلوه الدين، فيستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويوقعه في المشقة والضرر. فمن رحمة الله، وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا, ولعن آكله، ومؤكله، وكاتبه، وشاهده، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله، ولم يجىء مثل هذا الوعيد في كبيرةٍ غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر.
والنوع الثاني: ربا الفضل، كأن يبيع قطعة من الحلي كسوار بأكثر من وزنها
стр. 1975
دنانير، أو يبيع كيلة من التمر الجيد بكيلة وحفنةً من التمر الردىء مع تراضي المتبايعين، وحاجة كل منهما إلى ما أخذه، ومثل هذا لا يدخل في نهي القرآن، ولا في وعيده، ولكنه ثبت بالسنة، فقد روى ابن عمر قوله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا مثلًا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق، إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواءٍ، ولا تشفوا بعضه على بعض، إني أخشى عليكم الرماء" الربا.
وهذه الآية (١): هي أولى الآيات نزولًا في تحريم الربا، وآيات البقرة نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولًا.
وقد يقول بعض المسلمين الآن: إنا نعيش في عصر ليس فيه دولٌ إسلاميةٌ قوية تقيم أحكام الإِسلام، وتستغني عمن يخالفها في أحكامه بل زمام العالم في أيدي أمم ماديةٍ تقبض على الثروة، وبقية الشعوب عيالٌ عليها، فمن جاراها في طرق الكسب - والربا من أهم أركانه - أمكنه أن يعيش معها، وإلا كان مستعبدًا لها. أفلا تقضي ضرورةٌ كهذه على الشعوب الإِسلامية التي تتعامل مع الأوربيين كالشعب المصري مثلًا أن تتعامل بالربا كي تحفظ ثروتها؛ وتنميها وحتى لا يستنزف الأجنبي ثروتها، وهي مادة حياتها؟.
وجوابًا عن هذا نقول: إن الحرمات في الإِسلام ضربان:
١ - ضرب محرمٌ لذاته لما فيه من الضرر: ومثل هذا لا يباح إلا لضرورة كأكل الميتة وشرب الخمر، والربا المستعمل الآن هو ربا النسيئة، وهو متفق على تحريمه، فإذا احتاج المسلم إلى الاستقراض، ولم يجد من يقرضه إلا بالربا؛ فالإثم على آخذ الربا دون معطيه؛ لأن له فيه ضرورةً.
٢ - وضرب محرم لغيره: وهو ربا الافضل؛ لأنه ربما كان سببًا في ربا النسيئة، وهو يباح للضرورة والحاجة أيضًا.
والمسلم يبحث عن حاله، هل كان مضطرًا إلى الربا أم لا؟. فإن كان
стр. 1976
مضطرًا حلَّ له تناوله، ويكون مثل أكل الميتة، وشرب الخمر ونحوهما، وإلا لم يحل ذلك.
إذ الربا يضر بإيمان المؤمنين، وإن كان زيادةً في مال الرابي؛ فهو في الحقيقة نقصانٌ: لأنَّ الفقراء الذين يأخذ أموالهم بهذا التعامل؛ إذا شاهدوه، يلعنونه ويدعون عليه، وبذلك يسلب الله الخير من يديه عاجلًا أو آجلًا في نفسه وماله، وتتوجه إليه المذمة من الناس لقساوة قلبه وغلظ كبده. وقد ورد في الأثر "إنَّ آخذ الربا لا يقبل منه صدقةٌ، ولا جهادٌ ولا حج ولا صلاة". وقرأ ابن كثير، وابن عامر ﴿أضعافًا مضعَّفة﴾ بتشديد العين بلا ألف قبلها. ثم أكد النهي فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله أيها المؤمنون فيما نهيتم عنه من أكل الربا، وغيره فلا تأكلوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تنجوا من عذابه وسخطه، وتظفروا بثوابه في الآخرة. لأن الفلاح يتوقف على التقوى، فلو أكل، ولم يتق؛ لم يحصل الفلاح. وفيه دليل على أنَّ أكل الربا من الكبائر،
١٣١ - ولهذا أعقبه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾؛ أي: واخشوا أيها المؤمنون النار الأخروية التي هيئت للكافرين بالتحرز عن متابعتهم، وتعاطي أفعالهم؛ فلا تستحلُّوا شيئًا مما حرم الله، فإن من استحل شيئًا مما حرم الله .. فهو كافر بالإجماع، ويستحق النار بذلك.
وفيه (١) تنبيه على أن النار بالذات معدة للكفار، وبالعرض للعصاة.
قال أبو حنيفة (٢): هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين، إن لم يتقوه في اجتناب محارمه،
١٣٢ - وقد أمدَّ ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته، وطاعة رسوله بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾، وامتثلوه فيما يأمركم به، وينهاكم عنه من أخذ الربا وغيره ﴿وَ﴾ أطيعوا ﴿وَالرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ أيضًا، فإن طاعته طاعة الله. قال محمَّد ابن إسحاق (٣):
стр. 1977
في هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسولَ الله ﷺ يوم أحد ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لكي ترحموا, ولا تعذبوا، إذا أطعتم الله ورسوله فإن طاعة الله مع معصية رسوله ليست بطاعة، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
والمعنى (١): وأطيعوا الله ورسوله فيما نهيا عنه من أكل الربا، وما أمرا به من الصدقة كي ترحموا في الدنيا بصلاح حال المجتمع، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالكم. وقد ورد في الأثر "الراحمون يرحمهم الرحمن" رواه أبو داود، والترمذي.
الإعراب
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره؛ واذكر يا محمَّد لأصحابك قصة إذ غدوت. ﴿غَدَوْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه ﴿لإِذْ﴾. ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿غَدَوْتَ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ فعل مضارع، وفاعلمه ضمير يعود على محمَّد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول أول، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿غَدَوْتَ﴾: وهي حال مقدرة أي: قاصدًا تبويىء المؤمنين. ﴿مَقَاعِدَ﴾ مفعول ثان. ﴿لِلْقِتَالِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مَقَاعِدَ﴾ أو متعلق بـ ﴿تُبَوِّئُ﴾. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ الواو استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿سَمِيعٌ﴾ خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية، والظرف بدل من الظرف قبله، وهو المقصود بالسِّياق. ﴿هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ
стр. 1978
﴿طَائِفَتَانِ﴾. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تَفْشَلَا﴾: فعل وفاعل منصوب ﴿بأن﴾ ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بالفشل، والباء متعلق بـ ﴿هَمَّتْ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿وَلِيُّهُمَا﴾ خبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. قال أبو حيان (١): وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب، بل جاءت مستأنفة لثناء الله على هاتين الطائفتين انتهى.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق، بـ ﴿يَتَوَكَّلِ﴾ قدم عليه للاهتمام به. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ ﴿الفاء﴾ زائدة، زيدت لتوهم معنى الشرط. و ﴿اللام﴾ لام الأمر. ﴿يَتَوَكَّلِ﴾ مجزوم بلام الأمر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة. وقال العكبري (٢): دخلت ﴿الفاء﴾ لمعنى الشرط، والمعنى إن فشلوا فتوكلوا أنتم، وإن صعب الأمر فتوكلوا انتهى.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿بِبَدْرٍ﴾ الباء حرف جر بمعنى في ﴿بَدْر﴾ مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَصَرَ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ. ﴿أَذِلَّةٌ﴾ خبر، والجملة الإسمية حال من ضمير المخاطبين. ﴿فَاتَّقُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية، لكون ما قبلها علةً لما بعدها. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَصَرَكُمُ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لَعَلَّ﴾ حرف جر، وتعليل بمعنى ﴿كي﴾. و ﴿الكاف﴾ اسمها. وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة تقديره، فاتقوا الله لشكركم إياه.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾.
стр. 1979
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان. ﴿تَقُولُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُ﴾. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الخ مقول محكي لـ ﴿تَقُولُ﴾ وإن شئت. قلت: الهمزة للاستفهام التقريري. ﴿لَنْ﴾ حرف نفي ونصب. ﴿يَكْفِيَكُمْ﴾ هو فعل ومفعول به منصوب بـ ﴿لن﴾. ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ فعل مضارع، ومفعول به منصوب ﴿بأن﴾ المصدرية. ﴿رَبُّكُمْ﴾ فاعل، ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية تقديره: ألن يكفيكم إمداد ربكم إياكم، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولُ﴾ ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة أولى لـ ﴿ثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ تقديره: كائنات ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. ﴿مُنْزَلِينَ﴾ صفة ثانية لـ ﴿ثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾.
﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾.
﴿بَلَى﴾ حرف جواب، وهو إيجاب للنفي في قوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿تَصْبِرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم ﴿بإِنْ﴾ على كونه جواب الشرط لها. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تَصْبِرُوا﴾. ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تَصْبِرُوا﴾. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾. ﴿هَذَا﴾ صفة لـ ﴿فَوْرِهِمْ﴾ وهو جامد مؤول بمشتق تقديره من وقتهم الحاضر. ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم ﴿بإنْ﴾ على كونه جواب الشرط لها. ﴿رَبُّكُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية من فعل شرطها، وجوابها جملةٌ جوابيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ ﴿خَمْسَةِ﴾ مضاف. ﴿آلَافٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿خَمْسَةِ﴾ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ صفة ثانية لها.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
стр. 1980
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿بُشْرَى﴾ مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾ على أنه بمعنى صير، ويجوز أن يكون مفعولًا له على أن يكون ﴿جَعَلَ﴾ متعديًّا لواحد، كما ذكره العكبري ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بُشْرَى﴾ أو متعلق بـ ﴿بُشْرَى﴾، والجملة الفعلية مستأنفة.
وعبارة (١) "السمين" قوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مفعول لأجله، وهو استثناء مفرغ إذ التقدير، وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبشرى، وشروط نصبه موجودةٌ، وهي اتحاد الفاعل والزمان، وكونه مصدرًا سيق للعلة.
والثاني: أنه مفعول ثان لجعل على أنه بمعنى صير.
والثالث: أنه بدل من ﴿الهاء﴾ في ﴿جَعَلَهُ﴾ قاله الحوفي، وجعل ﴿الهاء﴾ عائدةً على الوعد بالمدد. انتهى.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ فيه (٢) وجهان:
أحدهما: أنه معطوف على ﴿بُشْرَى﴾ هذا إذا جعلنا مفعولًا لأجله، وإنما جر باللام لاختلال شرط من شروط النصب، وهو عدم اتحاد الفعل، فإن فاعل الجعل هو الله تعالى، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه لاستكمال الشروط، وجر المعطوف باللام لاختلال شرطه، وقد تقدَّم، والتقديرُ: وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة.
والثاني: أنه متعلق بفعل محذوف تقديره؛ وفعل ذلك الإمداد لتطمئن قلوبكم به. وقال الشيخ: و ﴿تَطْمَئِنَّ﴾ منصوب بإضمار أن بعد لام كي فهو من عطف الاسم على توهم موضع آخر. ثم نقل عن ابن عطية أنه قال: واللام في
стр. 1981
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ متعلقة بفعل مضمر يدل عليه ﴿جَعَلَهُ﴾ ومعنى الآية وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم. انتهى، "سمين".
وعلى ما قاله ابن عطية: فنقول في إعرابه: ﴿الواو﴾ عاطفة لمحذوف. ﴿لِتَطْمَئِنَّ﴾ اللام حرف جر وتعليل. تطمئن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي. ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فاعل، ومضاف إليه ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَطْمَئِنَّ﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام المتعلقة بفعل محذوف معطوف على جملة قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ تقديره: وما جعله الله إلا لطمأنينة قلوبكم به ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿النَّصْرُ﴾ مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: وما النصر إلا كائنٌ من عند الله تعالى، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿الْعَزِيزِ﴾ صفة أولى للجلالة. ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة ثانية له.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾.
﴿لِيَقْطَعَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يَقْطَعَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿طَرَفًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام الجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ﴾ تقديره: ولقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفٍ. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿طَرَفًا﴾. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ معطوف على ﴿لِيَقْطَعَ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الهاء﴾ مفعول به. ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿يَنْقَلِبُوا﴾ معطوف على ﴿يكبت﴾. و ﴿الواو﴾ فاعل. ﴿خَائِبِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَنْقَلِبُوا﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ﴾ خبرها مقدم. و ﴿شَيْءٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ حال ﴿من شيء﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها فتعرب حالًا منها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ من اسمها وخبرها جملة معترضة لاعتراضها بين المعطوف
стр. 1982
والمعطوف عليه. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفان على ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الفاء تعليلية. ﴿إن﴾ حرف نصب. و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿ظَالِمُونَ﴾ خبرها، وجملة إنَّ من اسمها وخبرها في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية تقديره: أو لتعذيبهم.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم: ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الواو عاطفة: ﴿مَا﴾ في محل الرفع معطوفة على ﴿ما﴾ الأولى. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور صلةٌ لما أو صفة لها. ﴿يَغْفِرُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾ صلة لمن، والعائد محذوف تقديره: لمن يشاء غفرانه. ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يُعَذِّبُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَغفِرُ﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يشاء﴾ صلته، والعائد محذوف تقديره: من يشاء تعذيبه. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾.
﴿يَا﴾ حرف نداء. ﴿أَيُّ﴾، منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد، زيد تعويضًا عمَّا فات ﴿أَيُّ﴾ من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿أَيُّ﴾ وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية. ﴿الرِّبَا﴾ مفعول به، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿أَضْعَافًا﴾ حال من الربا, ولكن بتأويله بمشتق؛
стр. 1983
لأنه مصدر جامد تقديره: حال كونه مضاعفات. ﴿مُضَاعَفَةً﴾ صفة مؤكدة لـ ﴿أَضْعَافًا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الواو عاطفة. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعلَّ حرف نصب وتعليل. و ﴿الكاف﴾ اسمها. وجملة ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة ﴿لعلَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة تقديره؛ واتقوا الله لأجل قصد فَلاحِكُم.
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اتَّقُوا النَّارَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿النَّارَ﴾. ﴿أُعِدَّتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على النار. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُعِدَّتْ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير النائب.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾.
﴿وَأَطِيعُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿وَالرَّسُولَ﴾: معطوف على الجلالة ﴿لعل﴾ حرف نصب وتعليل. و ﴿الكاف﴾ اسمها، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ من الفعل المغير، ونائبه في محل الرفع خبر ﴿لعلَّ﴾، وجملة ﴿لعلَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة تقديره، وأطيعوا الله والرسول لطلب رحمتكم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ يقال: غدا الرجل (١) يغدو من باب سما، أي: خرج غدوةً. والغدوة، والغداة ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس، ويستعمل غدا ناقصًا. بمعنى صار عند بعضهم، فيرفع الاسم وينصب الخبر، وعليه قوله ﵊: "لو توكلتم على الله حق توكله .. لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصًا وتروح بطانًا".
стр. 1984
وهذا المعنى الثاني: ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت؛ أي صرت تبوىء المؤمنين؛ أي؛ تنزلهم في منازل، وهذا أظهر من المعنى الآخر؛ لأنَّ المذكور في القصة أنه سار من أهله بعد صلاة الجمعة، وبات في شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه في منازل القتال، ويدبرهم أمر الحرب.
﴿تُبَوِّئُ﴾؛ أي: تهىء وتبوىء وتنزل مضارع بوأَ من باب فعل المضاعف، وأصله من المباءة، وهي المرجع، فالمباءة مكان البوء، والبوء الرجوع، وهو هنا المقرُّ؛ لأنه يبوءُ إليه صاحبه. ويقال: بوأته منزلًا، وبوأت له منزلًا؛ أي؛ أنزله فيه فأصل التبوَّؤ اتخاذ المنزل.
﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ جمع مقعد؛ وهو مكان القعود، والمراد: المراكز، والمواطن، والمواقف، وعبر عنها بالمقاعد، إشارةً إلى طلب ثبوتهم فيها، وإن كانوا وقوفًا كثبوت القاعد في مكانه،
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ يقال: هممت بكذا، أهم به، بضم الهاء من باب: رد إذا قصده، وأراد فعله، فالهم حديث النفس، وتوجهها إلى الشيء بلا عزم عليه.
وقال أبو حيان: وأوَّل ما يمر الشيء على القلب يسمى خاطرًا، فإذا تردد صار حديث نفس فإذا ترجح فعله صار همًّا، فإذا قوى وأشتد صار عزمًا، فإذا قوى العزم واشتدَّ حصل الفعل أو القول.
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ يقال فشل يفشل فشلا من باب فرح إذا ضعف وجبن عن الحرب، وقال بعضهم: الفشل في البدن الإعياء وعدم النهوض وفي الحرب الجبن والخور، وفي الرأي العجز والفساد، والفعل منه فشل بكسر العين من باب تعب وتفاشل الماء إذا سأل.
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ التوكل تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان إذا فوضه إليه، واعتمد عليه في كفايته، ولم يتوله بنفسه. وقال ابن فارس (١): التوكل: إظهار
стр. 1985
العجز، والاعتماد على غيرك، يقال: فلان وكلةٌ أي: عاجزٌ يكل أمره إلى غيره، وقيل: هو من الوكالة، وهو تفويض الأمر إلى غيره ثقةً بحسن تدبيره. ﴿بَدْرٍ﴾ علم لموضع بين مكة والمدينة، سمي باسم صاحبه بدر بن كلدة، وقيل: غير ذلك ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ جمع ذليل كرغيف، وأرغفة كما قال ابن مالك:
في اسْمٍ مُذكَّرٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدّ ... ثَالِثٍ افْعِلَةُ عَنْهُمُ اطَّرَدْ
والذليل هو من لا منعة له ولا قوة وقد كانوا قليلي العدة من السلاح والدواب والزاد.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ من الكفاية، وهي سد الحاجة، وفوقها الغنى ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ من أمد الرباعي، والإمداد إعطاء الشيء حالًا بعد حال ﴿بَلَى﴾ حرف جواب كنعم لكنها لا تقع إلا بعد النفي، وتفيد إثبات ما بعده ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: من ساعتهم هذه بلا إبطاء ولا تراخٍ، فالفور الحال التي لا بطء فيها, ولا تراخي وأصله (١) من فارت القدر إذا اشتدَّ غليانها، وبادر ما فيها إلى الخروج، ويقال: فار غضبه إذا جاش وتحرك، وتقول: خرج من فوره أي، من ساعته لم يلبث.
﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ الخمسة مرتبة من العدد معروفةٌ، ويشتق منها الفعل، يقال: خمست الأربعة، إذا صيرتهم في خمسة ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر (٢) الواو من قولهم، سوَّم على القوم إذا أغار عليهم، ففتك بهم، وقيل: من التسويم بمعنى إظهار سيما الشي وعلامته، أي؛ معلمين أنفسهم وخيلهم.
﴿بُشْرَى﴾ اسم مصدر على فعلى لبشر المضاعف كالرجعى بمعنى البشارة، والبشارة إذا أطلقت لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا قيدت به كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾.
﴿طَرَفًا﴾ والطرف جانب الشيء الأخير ثم يستعمل للقطعة من الشيء وإن لم يكن جانبًا أخيرًا، والمعنى هنا أي: طائفةً وقطعةً منهم ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكبت:
стр. 1986
الهزيمة والإهلاك، وقد يأتي بمعنى الغيظ، والإذلال، أو الوهن، الذي يقع في القلب ﴿خَائِبِينَ﴾ اسم فاعل من خاب خيبة كهاب هيبة، والخيبة عدم الظفر بالمطلوب.
البلاغة
قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من الفصاحة والبلاغة:
فمنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ فإن الجمهور قالوا: أراد به بيت عائشة.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وفي قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ خص نفسه بذلك كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ فأشبه من قتل، وتفرق بالشيء المقتطع الذي تفرقت أجزاؤه، وانخرم نظامه، وفي قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ شبه زوال الخوف عن القلب وسكونه عن غليانه باطمئنان الرجل الساكن الحركة، وفي قوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ شبه رجوعهم بلا ظفر، ولا غنيمة بمن أمل خيرًا من رجل فأمه فأخفق أمله وقصده.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ لأن النصر إعزازٌ، وهو ضد الذل، وفي قوله: ﴿يَغْفِرُ﴾ و ﴿يُعَذِّبُ﴾ لأن الغفران ترك المؤاخذة، والتعذيب المؤاخذة بالذنب.
ومنها: التجوز بإطلاق التثنية على الجمع في قوله: ﴿أَن تَفْشَلَا﴾، وبإقامة اللام مقام إلى في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾؛ أي: إليك أو مقام على أي؛ ليس عليك.
ومنها: الاعتراض والحذف في مواضع اقتضت ذلك.
стр. 1987
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.
ومنها: تسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ سمي الأخذ أكلًا لأنه يؤول إليه فهو مجاز مرسل علاقته اعتبار ما يكون. انتهى.
وجملة قوله (١): وما النصر إلا من عند الله تذييلٌ، أي: كل نصر هو من الله لا من الملائكة. وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا؛ لأنهما أولى بالذكر في هذا المقام؛ لأن العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره كيف يعطاه.
﴿طَرَفًا﴾ والطرف بالتحريك يجوز أن يكون بمعنى الناحية، ويخص بالناحية التي هي منتهى المكان كما في قول أبي تمام:
كَانَتْ هِيَ الْوَسَط الْمَحْمِيُّ فَاتَّصَلَتْ ... بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفًا
فيكون استعارةً لطائفة من المشركين كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. ويجوز أن يكون بمعنى الجزء المتطرّف من الجسد كاليدين، والرجلين، والرأس، فيكون هنا مستعارًا لأشراف المشركين وتنوين ﴿طَرَفًا﴾ للتفخيم.
والله أعلم
* * *
стр. 1988
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.
المناسبة
لما حث الله تعالى المؤمنين على الصبر والتقوى، ونبهم على إمداد الله لهم بالملائكة في غزوة بدر، أردفه بالأمر بالمسارعة إلى نيل رضوان الله، ثم ذكر بالتفصيل غزوة أحد، وما نال المؤمنين فيها من الهزيمة بعد النصر بسبب مخالفة أمر الرسول ﷺ ، ثم بين أن الابتلاء، سنة الحياة، وأن قتل الأنبياء لا ينبغي أن
стр. 1989
يدخل الوهن في قلوب المؤمنين، ثم توالت الآيات الكريمة في بيان الوقائع والعبر من غزوة أحد.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر في الآيات السابقة قصة أحد، وأهم أحداثها، ثم ذكرهم بوقعة بدر، وما كتب لم فيها من النصر على قلة عددهم، وعددهم ذكرهم هنا بسنن الله في خليقته، وأن من سار على نهجها أدى به ذلك إلى السعادة، ومن حاد عنها ضل وكانت عاقبته الشقاء والبوار، وأن الحق لا بد أن ينصر على الباطل مهما كانت له أول الأمر من صولةٍ، كما وعد الله بذلك على ألسنة رسله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها أنه لما أرشدهم في الآيات السابقة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا، أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة والبلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، وفيه تمحيص له الحق؛ فإن الشدائد محك الأخلاق. وفيه هديٌ وإرشادٌ وتسليةٌ للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز والظفر في جميع أعمالهم.
بين لهم هنا أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر والجهاد في سبيل الله؛ كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق، وسلوك طريق الإنصاف، والعدل بين الناس، فسنة الله هنا كسنته هناك.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما
стр. 1990
أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس أنَّ رجالًا من الصحابة كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، أو ليت لنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، فنفوز فيه بالشهادة والجنة، أو الحياة والرزق، فأشدهم الله أحدًا، فلم يلبثوا إلا من شاء الله منهم فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ...﴾ الآية، أخرج ابن المنذر عن عمر قال: تفرقنا عن رسول الله ﷺ يوم أحد فصعدتُ الجبلَ، فسمعتُ يهود تقول: قتل محمد فقلت: لا أسمع أحدًا يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله ﷺ والناس يتراجعون، فنزلت: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: لما أصابهم يوم أحدٍ ما أصابهم من القرح، وتداعوا نبيَّ الله قالوا: قد قتل فقال أناسٌ: لو كان نبيًّا ما قتل، وقال أناس: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم، أو تلحقوا به، فأنزل الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ...﴾ الآية.
وأخرج البيهقي في "الدلائل" عن ابن أبي نجيح أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه فقال: أشعرت أن محمدًا قد قتل؟ فقال: إن كان محمدٌ قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم فنزلت.
وأخرج ابن راهويه في مسنده عن الزهري، أن الشيطان صاح يوم أحد: إنَّ محمدًا قد قتل، قال كعب ابن مالك: أنا أول من عرف رسولَ الله ﷺ رأيت عينيه من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي هذا رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراء
١٣٣ - ﴿وَسَارِعُوا﴾ قرأ الجمهور بالواو عطفًا تفسيريًّا على وأطيعوا الله كمصاحفهم، فإنها ثابتة في مصاحف مكة والعراق، ومصحف عثمان. وقرأ ابن عامر، ونافع، وأبو جعفر ﴿سَارِعُوا﴾ بدون واو كرسم المصحف الشامي، والمدني، على الاستئناف، كأنَّه قيل: كيف نطيعهما؟ فقيل: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة، وهو
стр. 1991
الطاعة بالإِسلام، والتوبة والإخلاص، وأمال الدوري في قراءة الكسائي ﴿وَسَارِعُوا﴾ لكسرةِ الراء.
وقرأ أُبيٌّ وعبدُ الله ﴿وسابقوا﴾ وهي شاذَّةٌ.
أي: وسابقوا وبادروا ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: إلى ما يوجب (١) المغفرة من ربكم، وهي الأعمال الصالحة المأمور بفعلها. قال ابن عباس ﵄ إلى الإِسلام، ووجهه أنَّ الله تعالى ذكر المغفرة على سبيل التنكير، والمراد منه المغفرة العظيمة، وذلك لا يحصل إلا بسبب الإِسلام؛ لأنه يَجُبُّ ما قبله. وعن ابن عباس أيضًا إلى التوبة من الرّبا والذنوب؛ لأنَّ التوبة من الذنوب توجب المغفرة. وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: إلى أداء الفرائض لأنَّ اللفظ مطلق فيعم الكل.
وروي عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، أنها التكبيرة الأولى يعني تكبيرة الإحرام، وقيل: إلى الإخلاص في الأعمال، كما قاله عثمان بن عفان؛ لأنَّ المقصود من جميع العبادات هو الإخلاص. وقيل: إلى الهجرة، وقيل: إلى الجهاد، كما قاله الضحاك، ومحمد بن إسحاق. وينبغي (٢): أن تحمل هذه الأقوال على التمثيل، لا على التعيين والحصر. ﴿وَجَنَّةٍ﴾؛ أي: وسارعوا إلى جنة موصوفة بما سيأتي، وأنما فصل بين المغفرة والجنة؛ لأن معنى المغفرة إزالة العقاب، ومعنى الجنة إيصال الثواب، فلا بد للمكلف من تحصيل الأمرين فجمع بينهما للإشعار؛ بأنه لا بدَّ من المسارعة إلى التوبة الموجبة للمغفرة، وذلك بترك المنهيات، ومن المسارعة إلى الأعمال الصالحة المؤدية إلى الجنة.
﴿عَرْضُهَا﴾؛ أي: عرض تلك الجنة وسعتها ﴿السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ أي: كعرض السموات السبع والأرضين السبع وسعتهما، بمعنى لو جعلت السموات والأرض طبقًا طبقًا، ووصلت تلك الطبقات بعضها ببعض كالثياب، وجعلت طبقًا
стр. 1992
واحدًا .. لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية في السعة، فإذا كان عرضها كذلك فكيف بطولها؛ لأن الغالب أنَّ الطول يكون أكثر من العرض. وإنما مثل عرض الجنة بعرض السموات والأرض؛ لأنهما أوسع مخلوقات الله تعالى فيما يعلمه الناس، وإنما جمعت السموات وأفردت الأرض؛ لأن السموات أنواع قيل: بعضها فضة وبعضها غير ذلك، والأرض نوع واحد.
وقال أبو مسلم (١): إن العرض هنا ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع؛ أي: ثمنها، لو بيعت كثمن السموات والأرض، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة خطرها، وإنه لا يساويها شيء وإن عظم ﴿أُعِدَّتْ﴾؛ أي: هيئت تلك الجنة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشرك، والمعاصي بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات. وفي الآية دليلٌ على أن الجنة مخلوقةٌ الآن، وأنها خارجةٌ عن هذا العالم؛ إذ أنها تدل على أن الجنة أعظم، فلا يمكن أن يكون محيطًا بها.
ويدل على (٢) ذلك حديث رؤيا النبي ﷺ ؛ وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله ﷺ إن جبريل وميكائيل قالا له: "ارفع رأسك فرفع، فإذا فوقه مثل السحاب، قالا: هذا منزلك قال: فقلت دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقي لك عمرٌ لم تستكمله، فلو استكملت .. أتيت منزلك".
والأدلة الدالة على أنها مخلوقةٌ من الكتاب والسنة كثيرةٌ شائعة خلافًا للمعتزلة.
وخلاصة (٣) المعنى: أي وبادروا إلى العمل لما يوصلكم إلى مغفرة ربكم، ويدخلكم جنةً واسعة المدى، أعدها الله تعالى لمن اتقاه، امتثل أوامره، وترك نواهيه فاعملوا الخيرات، وتوبوا عن المعاصي والآثام كالربا مثلًا، وتصدقوا على ذوي البؤس والفاقة.
стр. 1993
رُويَ أنَّ رسول هرقل ملك الروم، قدم على النبي ﷺ بكتاب هرقل، وفيه أنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار"، يريد أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم، والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو، والنار في جهة السفل.
١٣٤ - ثم وصف الله تعالى المتقين بجملة أوصافٍ كلها مناقب ومفاخر، فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ ويصرفون أموالهم في مصارف الخير ﴿فِي﴾ حالة ﴿السَّرَّاءِ﴾ والغنى، والسعة، والفرح، والرخاء ﴿وَ﴾ في حالة ﴿الضَّرَّاءِ﴾ والفقر، والضيق، والحزن، والشدة، فينفقون في كل حال بحسبها، ولا يتركون الإنفاق في كلتا الحالتين لا في حال غنى وفقر، ولا في حال حزن وسرور، ولا في رخاءٍ وشدةٍ، ولا محنةٍ وبلاء، وسواء كان الواحد منهم في عرس أو حبس، فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في جميع الأحوال. وأثر عن عائشة ﵂ أنها تصدقت بحبة عنب وأثر عن بعض السلف أنه تصدق ببصلة. وفي الحديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، وردوا السائل ولو بظلف محرق".
وإنما بدأ الله وصف المتقين بالإنفاق لأمرين:
الأول: أنه جاء في مقابلة الربا الذي نهى عنه في الآية السابقة؛ إذ أن الصدقة إعانة للمعوز المحتاج، وإطعام له ما لا يستحقه، والربا استغلال الغني حاجة ذلك المعوز لأكل أمواله بلا مقابل فهي ضده. ومن ثم لم يرد في القرآن ذكر الربا إلّا ذم وقبح، ومدحت معه الزكاة والصدقة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
والأمر الثاني: أنَّ الإنفاق في حالي، اليسر والعسر أدل على التقوى, لأن المال عزيز على النفس، فبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله يشق عليها أما في السراء؛ فلما يحدثه في السرور والغنى من البطر والطغيان وشدة الطمع، وبعد الأمل، وأما في الضراء؛ فلأن الإنسان يرى أنه أجدر أن يأخذ لا
стр. 1994
أن يعطي، ولكنه مع هذه الحال لا يعدم وقتًا يجد فيه ما ينفقه في سبيل الله، ولو قليلًا. وحب الخير هو الذي يحرك في الإنسان داعية البذل لإنفاق هذا العفو القليل، فإن لم توجد تلك الداعية بحسب الفطرة فالدين ينميها، ويقويها، إذ هو قد جاء لتعديل الأمزجة المعتلة وإصلاح الفطر المعوجة.
وقد أرشدنا هذا الدين إلى أن النفوس يجب أن تكون كريمةً في ذاتها مهما ألح عليها الفقر، وأن تتعود الإحسان بقدر الطاقة لتسمو عن الرذائل التي قد تجرها إليها الحاجة، فتبعد بقدر الإمكان عن ذل السؤال، ومد الأيدي إلى الناس لطلب الإحسان، وإراقة ماء الوجه أمام بيوت الأغنياء، لما في ذلك من الذلة والصغار، وهي ما لا يرضاها مؤمن لنفسه يعتقد أن الأرزاق في قبضة الله، وهو الذي يعطي ويمنع، وقد جعل لكسب المال أوجهًا كثيرة يستطيع المرء أن يسعى إليها ليحصل عليه.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحض على اكتساب المال من كل طريق حلال، والبعد عن ذل السؤال. إلا أن بذل القليل من الأفراد والجماعات إذا اجتمع صار كثيرًا، ومن ثم كانت الأمم الراقية تقيم مشروعاتها النافعة للأمة في الزراعة، والصناعة، أو في بناء الملاجىء والمستشفيات بالتبرعات القليلة التي تؤخذ من أفرادها، وبذا تقدمت في سائر فنون المدنية، والحضارة. ولذا حث الله تعالى على بذل الخير ولو قليلًا بقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
ومن هذا ترى: أنَّ الله جعل من أهم علامات التقوى بذل المال؛ كما أن الشحَّ به علامة عدم التقوى. والتقوى: هي السبيل الموصل إلى الجنة. فانظر إلى أهل الثراء الذين يقبضون أيديهم عن بذل المعونة للأفراد، والجماعات، ويكنزون في صناديقهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة هل تغنيهم صلاتهم وصومهم شيئًا مع هذا الشح البادي على ووجههم؟!. فما هي إلّا حركات وأعمال مرنوا عليها دون أن يكون لها الأثر الناجع في نفوسهم إذ الصلاة التي يقبلها الله، والصوم الذي يرضاه الله هو ما ينهى عن الفحشاء والمنكر، وأيُّ منكر أشد من
стр. 1995
الضن بالمال حين الحاجة إليه لنفع أمة أو فرد؟.
ولو جاد المسلمون بأموالهم عند الحاجة إلى البذل؛ لكان لنا شأن آخر بين أرباب الديانات الأخرى، ولكنا من ذوي العزة والمكانة بينها.
ولكنا صرنا إلى ما ترى عسى الله أن يغير من نفوس المسلمين، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم باتباع أوامر كتابهم، واجتناب نواهيه التي ابتلوا بها من جهة الأوروبيين من الملاهي العصرية، والملاعب الفاضية، من المنافع الحربية التي ينفقون فيها أموالًا كثيرةً، وملايين عديدةً تشبهًا باليهود والنصارى، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
فصل في ذكر بعض الأحاديث الواردة في الحث على الإنفاق
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق: فلا ينفق إلا سبغت أو وفت على جلده حتى تخفى ثيابه، وتعفو أثره، وأما البخيل: فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقةٍ مكانها؛ فهو يوسعها فلا تتسع ". "الجنة الدرع من الحديد متفق عليه.
وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "السخي قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيدٌ من الجنة، قريب من النار، ولجاهلٌ سخيٌّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابدٍ بخيل" أخرجه الترمذي. وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الاخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا. متفق عليه.
وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من أنفق زوجين في سبيل الله تعالى دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب، أي فل: هلم، فقال أبو بكر رضي الله: عنه يا رسول الله، ذاك الذي لا توى عليه، قال رسول الله ﷺ : "إني
стр. 1996
لأرجو أن تكون منهم". متفق عليه. قوله: أي فل: يعني يا فلان، وليس بترخيم والتوى الهلاك: يعني ذاك الذي لا هلاك عليه.
وعنه أيضًا ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﵎: أنفق ينفق عليك". متفق عليه.
﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾؛ أي: الجارعين ﴿الْغَيْظَ﴾ والغضب عند امتلاء نفوسهم منه، والممسكين ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، والكافين لها عن الانتقام مع القدرة عليه، ولا يظهرون أثره. والكظم حبس الشيء عند امتلائه، وكظم الغيظ: هو أن يمتليء غيظًا فيرده في جوفه، ولا يظهره بقولٍ ولا فعلٍ، ويصبر عليه ويسكن عنه.
ومعنى الآية (١): أنهم يكفون غيظهم عن الإمضاء، ويردون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم كما في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
ومن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمةٍ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من التقوى كظمه.
وروي عن عائشة ﵂ أن خادمًا لها غاظها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاءً، وقال ﷺ : "ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاءٍ، ومن جرعة غيظٍ كظمها".
وعن سهل بن معاذ عن أنس الجهني عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء". أخرجه الترمذي، وأبو داود.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الشديد
стр. 1997
بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنًا، وإيمانًا" وقال (١) مقاتل بلغنا أنَّ رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: إنَّ هذه في أمتي لقليل، وقد كانوا أكثر في الأمم الماضية". وأنشد أبو القاسم بن حبيب:
وَإذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقْوَرًا كَاظِمًا ... لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ مَا تَقُوْلُ وَتَسْمَعُ
فَكَفَى بِهِ شَرَفًا تَصَبُّرُ سَاعَةٍ ... يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الإِلَهُ وَيدْفَعُ
﴿وَالْعَافِينَ﴾؛ أي: التاركين المسامحين الإساءة والمظالم ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ الجناة والمسيئين عليهم؛ أي: الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس، ويتركون عقوبة من استحقوا مؤاخذته مع القدرة عليه، وتلك منزلة من ضبط نفسه وملك زمامها قل من يصل إليها، وهي أرقى من كظم الغيظ إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة. وأخرج الطبراني عن أبيٍّ بن كعب أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه".
وفي الآية: إيماءٌ إلى حسن موقع عفوه ﷺ عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره، وإرشادٌ له إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوه بحمزة ﵁ حتى قال حين راه: "قد مثل به لأمثلن بسبعين منهم".
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يُحِبُّ﴾ ويثيب ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ بالإخلاص، والأعمال الصالحة، وبالإحسان إلى غيرهم على إحسانهم، ومحبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
أي: والله يحب الذين يتفضلون على عباده البائسين، ويواسونهم ببعض ما أنعم الله به عليهم شكرًا له على جزيل نعمائه.
стр. 1998
أخرج البيهقي: أنَّ جاريةً لعليٍّ بن الحسين ﵂ جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها، فشجه، فرفع رأسه فقالت: إن الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال لها: قد كظمت غيظي قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال: قد عفا الله عنك، قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى.
واعلم: أن الإحسان إلى الغير إما بإيصال النفع إليه، وهو الذي عناه الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فيدخل فيه إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين، وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات.
وإما بدفع الضرر عنه، فهو إما في الدنيا بأن لا يقابل الإساءة بإساءة أخرى، وهو ما عناه الله بقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ وإما في الآخرة بأن يعفو عما له عند الناس من التبعات، والحقوق، وهذا هو المراد بقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ومن ثم كانت هذه الآية جامعة لوجوه الإحسان إلى الغير.
١٣٥ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ هذا (١) مبتدأ خبره ﴿أؤُلَئِكَ﴾ وقيل: معطوف على ﴿المتقين﴾ والأول أولى، وهؤلاء هم صنف دون الصنف الأول، ملحقون بهم، وهم التوابون. أي: والذين إذا فعلوا وارتبكوا فاحشةً أي: ذنبًا قبيحًا، وهو ما يتعدى أثره إلى الغير كالغيبة ونحوها ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: ارتكبوا ذنبًا يكون مقصورًا عليهم، كشرب الخمر ونحوه، وقيل: المراد بالفاحشة الكبائر وبالظلم الصغائر.
وقال ابن عباس (٢): الفاحشة الزنا، وظلم النفس ما دونه من النظر واللمسة. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ذكروا وعده ووعيده، وأمره ونهيه، بألسنتهم وعظمته وجلاله وعقابه بقلوبهم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: فرجعوا إليه تعالى طالبين مغفرته راجين رحمته علمًا منهم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو، فهو الفعال
стр. 1999
لما يشاء بمقتضى حكمته وعلمه الواسع. وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ جملةٌ معترضة بين ما قبلها وما بعدها، أعني بين جملة ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾، وجملة ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ تصويبًا لفعل التائبين، وتطييبًا لقلوبهم، وبشارةً لهم بسعة الرحمة، وقرب المغفرة وإعلاءً لقدرهم بأنهم علموا أن لا مفزع للمذنبين إلا فضله، وكرمه، وأن من كرمه أن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأن العبد إذا التجأ إليه، وتنصل عن الذنب بأقصى ما يقدر عليه عما عنه، وتجاوز عن ذنوبه، وإن جلت، فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم؛ كما أن فيها تحريضًا للعباد على التوبة وحثًّا لهم عليها، وتحذيرًا من اليأس والقنوط.
والاستفهام فيه للإنكار، أي: لا يغفر ذنوب التائبين أحدٌ إلا الله.
ومعنى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: أتوا بالتوبة على الوجه الصحيح؛ لأجل ذنوبهم، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل، ومع الإقلاع عنه في الحال، وهذا هو حقيقة التوبة. فأما الاستغفار باللسان؛ أي: مجرد قول استغفر الله باللسان والقائل ملتبس بالذنوب، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة، ولإظهار انقطاعه إلى الله تعالى. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ معطوف على جواب إذا.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ معطوف على ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: ولم يقيموا, ولم يدوموا ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ وارتكبوا من الفواحش واللمم من غير استغفار منها، ورجوع إلى الله بالتوبة بل أقروا واستغفروا. وقد قال ﷺ : "لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار". يريد ﷺ أن الصغيرة مع الإصرار كبيرةٌ. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وهذه الجملة حال من فاعل ﴿يُصِرُّوا﴾؛ والحال أنهم يعلمون أن ما فعلوه معصية الله، وأنه منهيٌّ عنه قبيحٌ ورد الوعيد عليه، أو يعلمون أن الله يتوب على من تاب.
والفائدة من ذكر هذه الجملة: بيان أنه إذا لم يعلم أنه معصية الله .. يعذر في فعله.
والمؤمن المتقي لا يصر على الذنب، وهو يعلم نهي الله عنه، ووعيده عليه
стр. 2000
إذ يعلم أن الذنب فسوق وخروج عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على حقوق الشريعة.
فالآية: تؤمِىءُ إلى أن المتقين الذين أعدَّ الله لهم الجنة لا يصرون على ذنب يرتكبونه صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن ذكرهم لله يمنعهم أن يقيموا على الذنوب، إذ الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر. ورب كبيرة أصابها المؤمن بجهالةٍ، وبادر إلى التوبة منها، فكانت مذكرة له بضعفه البشري، ودليلًا على أن للغضب عليه سلطانًا تكون دون صغيرةٍ يقترفها مستهينًا بها، مصرا عليها، مستأنسًا بها، فتزول من نفسه هيبة الشريعة، ويتجرأ بعد ذلك على ارتكاب الكبائر فيكون من الهالكين.
وروي أن الله أوحى إلى موسى ﵇: "ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عملٍ، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي". وقال عبد الله بن المبارك شعرًا:
تَرْجُو اْلنَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِيْنَةَ لا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخرها.
فصلٌ فيما وَرَد في فضل الاستغفار من الأحاديث الصحيحة
عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "إني كنت إذا سمعت حديثًا من رسول الله ﷺ نفعني الله منه ما شاء أن ينفعني، وإذا حدَّثني أحد من الصحابة استحلفته، فإذ حلف لي صدقته، وأنه حدثني أبو بكرٍ، وصدق أبو بكر أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من عبد مؤمن أو قال: ما من رجل يذنب ذنبًا فيقوم ويتطهر، ثم يصلي، ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى آخر الآية. أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث قد رواه غير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه.