← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

لأرجو أن تكون منهم". متفق عليه. قوله: أي فل: يعني يا فلان، وليس بترخيم والتوى الهلاك: يعني ذاك الذي لا هلاك عليه. وعنه أيضًا ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﵎: أنفق ينفق عليك". متفق عليه. ﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾؛ أي: الجارعين ﴿الْغَيْظَ﴾ والغضب عند امتلاء نفوسهم منه، والممسكين ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، والكافين لها عن الانتقام مع القدرة عليه، ولا يظهرون أثره. والكظم حبس الشيء عند امتلائه، وكظم الغيظ: هو أن يمتليء غيظًا فيرده في جوفه، ولا يظهره بقولٍ ولا فعلٍ، ويصبر عليه ويسكن عنه. ومعنى الآية (١): أنهم يكفون غيظهم عن الإمضاء، ويردون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم كما في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. ومن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمةٍ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من التقوى كظمه. وروي عن عائشة ﵂ أن خادمًا لها غاظها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاءً، وقال ﷺ : "ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاءٍ، ومن جرعة غيظٍ كظمها". وعن سهل بن معاذ عن أنس الجهني عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء". أخرجه الترمذي، وأبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الشديد

стр. 1997

بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنًا، وإيمانًا" وقال (١) مقاتل بلغنا أنَّ رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: إنَّ هذه في أمتي لقليل، وقد كانوا أكثر في الأمم الماضية". وأنشد أبو القاسم بن حبيب: وَإذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقْوَرًا كَاظِمًا ... لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ مَا تَقُوْلُ وَتَسْمَعُ فَكَفَى بِهِ شَرَفًا تَصَبُّرُ سَاعَةٍ ... يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الإِلَهُ وَيدْفَعُ ﴿وَالْعَافِينَ﴾؛ أي: التاركين المسامحين الإساءة والمظالم ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ الجناة والمسيئين عليهم؛ أي: الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس، ويتركون عقوبة من استحقوا مؤاخذته مع القدرة عليه، وتلك منزلة من ضبط نفسه وملك زمامها قل من يصل إليها، وهي أرقى من كظم الغيظ إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة. وأخرج الطبراني عن أبيٍّ بن كعب أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه". وفي الآية: إيماءٌ إلى حسن موقع عفوه ﷺ عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره، وإرشادٌ له إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوه بحمزة ﵁ حتى قال حين راه: "قد مثل به لأمثلن بسبعين منهم". ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يُحِبُّ﴾ ويثيب ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ بالإخلاص، والأعمال الصالحة، وبالإحسان إلى غيرهم على إحسانهم، ومحبة الله للعبد أعظم درجات الثواب. أي: والله يحب الذين يتفضلون على عباده البائسين، ويواسونهم ببعض ما أنعم الله به عليهم شكرًا له على جزيل نعمائه.

стр. 1998

أخرج البيهقي: أنَّ جاريةً لعليٍّ بن الحسين ﵂ جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها، فشجه، فرفع رأسه فقالت: إن الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال لها: قد كظمت غيظي قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال: قد عفا الله عنك، قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى. واعلم: أن الإحسان إلى الغير إما بإيصال النفع إليه، وهو الذي عناه الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فيدخل فيه إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين، وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات. وإما بدفع الضرر عنه، فهو إما في الدنيا بأن لا يقابل الإساءة بإساءة أخرى، وهو ما عناه الله بقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ وإما في الآخرة بأن يعفو عما له عند الناس من التبعات، والحقوق، وهذا هو المراد بقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ومن ثم كانت هذه الآية جامعة لوجوه الإحسان إلى الغير. ١٣٥ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ هذا (١) مبتدأ خبره ﴿أؤُلَئِكَ﴾ وقيل: معطوف على ﴿المتقين﴾ والأول أولى، وهؤلاء هم صنف دون الصنف الأول، ملحقون بهم، وهم التوابون. أي: والذين إذا فعلوا وارتبكوا فاحشةً أي: ذنبًا قبيحًا، وهو ما يتعدى أثره إلى الغير كالغيبة ونحوها ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: ارتكبوا ذنبًا يكون مقصورًا عليهم، كشرب الخمر ونحوه، وقيل: المراد بالفاحشة الكبائر وبالظلم الصغائر. وقال ابن عباس (٢): الفاحشة الزنا، وظلم النفس ما دونه من النظر واللمسة. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ذكروا وعده ووعيده، وأمره ونهيه، بألسنتهم وعظمته وجلاله وعقابه بقلوبهم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: فرجعوا إليه تعالى طالبين مغفرته راجين رحمته علمًا منهم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو، فهو الفعال

стр. 1999

لما يشاء بمقتضى حكمته وعلمه الواسع. وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ جملةٌ معترضة بين ما قبلها وما بعدها، أعني بين جملة ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾، وجملة ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ تصويبًا لفعل التائبين، وتطييبًا لقلوبهم، وبشارةً لهم بسعة الرحمة، وقرب المغفرة وإعلاءً لقدرهم بأنهم علموا أن لا مفزع للمذنبين إلا فضله، وكرمه، وأن من كرمه أن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأن العبد إذا التجأ إليه، وتنصل عن الذنب بأقصى ما يقدر عليه عما عنه، وتجاوز عن ذنوبه، وإن جلت، فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم؛ كما أن فيها تحريضًا للعباد على التوبة وحثًّا لهم عليها، وتحذيرًا من اليأس والقنوط. والاستفهام فيه للإنكار، أي: لا يغفر ذنوب التائبين أحدٌ إلا الله. ومعنى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: أتوا بالتوبة على الوجه الصحيح؛ لأجل ذنوبهم، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل، ومع الإقلاع عنه في الحال، وهذا هو حقيقة التوبة. فأما الاستغفار باللسان؛ أي: مجرد قول استغفر الله باللسان والقائل ملتبس بالذنوب، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة، ولإظهار انقطاعه إلى الله تعالى. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ معطوف على جواب إذا. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ معطوف على ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: ولم يقيموا, ولم يدوموا ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ وارتكبوا من الفواحش واللمم من غير استغفار منها، ورجوع إلى الله بالتوبة بل أقروا واستغفروا. وقد قال ﷺ : "لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار". يريد ﷺ أن الصغيرة مع الإصرار كبيرةٌ. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وهذه الجملة حال من فاعل ﴿يُصِرُّوا﴾؛ والحال أنهم يعلمون أن ما فعلوه معصية الله، وأنه منهيٌّ عنه قبيحٌ ورد الوعيد عليه، أو يعلمون أن الله يتوب على من تاب. والفائدة من ذكر هذه الجملة: بيان أنه إذا لم يعلم أنه معصية الله .. يعذر في فعله. والمؤمن المتقي لا يصر على الذنب، وهو يعلم نهي الله عنه، ووعيده عليه

стр. 2000

إذ يعلم أن الذنب فسوق وخروج عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على حقوق الشريعة. فالآية: تؤمِىءُ إلى أن المتقين الذين أعدَّ الله لهم الجنة لا يصرون على ذنب يرتكبونه صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن ذكرهم لله يمنعهم أن يقيموا على الذنوب، إذ الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر. ورب كبيرة أصابها المؤمن بجهالةٍ، وبادر إلى التوبة منها، فكانت مذكرة له بضعفه البشري، ودليلًا على أن للغضب عليه سلطانًا تكون دون صغيرةٍ يقترفها مستهينًا بها، مصرا عليها، مستأنسًا بها، فتزول من نفسه هيبة الشريعة، ويتجرأ بعد ذلك على ارتكاب الكبائر فيكون من الهالكين. وروي أن الله أوحى إلى موسى ﵇: "ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عملٍ، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي". وقال عبد الله بن المبارك شعرًا: تَرْجُو اْلنَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِيْنَةَ لا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخرها. فصلٌ فيما وَرَد في فضل الاستغفار من الأحاديث الصحيحة عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "إني كنت إذا سمعت حديثًا من رسول الله ﷺ نفعني الله منه ما شاء أن ينفعني، وإذا حدَّثني أحد من الصحابة استحلفته، فإذ حلف لي صدقته، وأنه حدثني أبو بكرٍ، وصدق أبو بكر أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من عبد مؤمن أو قال: ما من رجل يذنب ذنبًا فيقوم ويتطهر، ثم يصلي، ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى آخر الآية. أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث قد رواه غير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه.

стр. 2001

وعن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَزِم الاستغفارَ .. جَعَل الله له من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب". أخرجه أبو داود. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال، رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا .. لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم". أخرجه مسلم. وعنه أيضًا عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﵎ قال: "إذا أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، قال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال، ﵎: إن عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال: ﵎ أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب". وفي رواية اعمل ما شئت قد غفرت لك". قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة اعمل ما شئت؛ متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ولا أُبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرةً". أخرجه الترمذي. وعنان السماء بفتح العين السحاب، وقيل: ما ظهر لك منها. وقراب الأرض بضم القاف، وروي كسرها، والضم أشهر، وهو ما يقارب ملأها. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من قال: "استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه، وإن كان قد فر من الزحف". أخرجه أبو داود، والترمذي والحاكم، وقال: حديث حسن صحيح على شرط البخاري ومسلم.

стр. 2002

وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسَى أن يغفره الله إلا من مات مشركًا، ومن قتل مؤمنًا متعمدًا". أخرجه أبو داود. انتهى الفصل. ١٣٦ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات السابقة، والمستغفرون من ذنوبهم ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ على أعمالهم الحسنة ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ كائنة ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَجَنَّاتٌ﴾؛ أي: بساتين ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها، وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: أنهار الماء، واللبن، والخمر، والعسل حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: مقدرين الخلود ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة دائمين فيها لا يموتون، ولا يخرجون منها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾؛ أي: وحسن جزاء المطيعين الله بالصفات السابقة، وبالاستغفار من ذنوبهم. والمخصوص بالمدح المغفرة، والجنات. وخلاصة ذلك: نِعْمَ هذا الأجر الذي ذكر من المغفرة، والجنات أجرًا للعاملين تلك الأعمال الصالحة، وللمستغفرين من ذنوبهم. وذكر تعالى (١) ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ بـ ﴿واو﴾ العطف هنا، وتركها في العنبكوت لوقوع مدخولها هنا بعد خبرين متعاطفين بالواو، فناسب عطفه بها ربطًا بخلاف ما في العنبكوت؛ إذ لم يقع قبل ذلك إلا خبر واحد كنظيره في الأنفال في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ ونظير الأول قوله في الحج: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾؛ وإن كان العطف فيه بالفاء. ولا يلزم (٢) من إعداد الجنة للمتقين، والتائبين جزاءً لهم أن لا يدخلها المصرون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم. والتعبير عن المغفرة، والجنات بالأجر المشعر بأنهما يستحقان في مقابلة العمل، وإن كان بطريق التفضل، لمزيد الترغيب في الطاعات، والزجر عن المعاصي. ١٣٧ - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ وهذا رجوع إلى تفصيل بقية قصة أحد بعد تمهيد مبادئ الرشد، والصلاح وأولها قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ فقوله: ﴿يأَيَهُا

стр. 2003

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ اعتراضٌ في خلال القصة. أيْ: قد (١) مضت من قبل زمانكم أيها المؤمنون سنن الله تعالى وعاداته في الأمم الماضية المكذِّبة لرسلهم بإهلاكهم، واستئصالهم لأجل مخالفتهم الرسل، إن لم يتوبوا، وبالمغفرة إن تابوا، فرغب الله تعالى أمة محمَّد ﷺ في تأمل أحوال هؤلاء الماضين؛ ليصير ذلك داعيًا لهم إلى الإيمان بالله ورسله، والإعراض عن الرياسة في الدنيا، وطلب الجاه. والخلاصة: أن النظر في أحوال من تقدمكم من الصالحين والمكذبين يهديكم إلى الطريق المستقيم، فإن أنتم سلكتم سبيل الصالحين، فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبيل المكذبين، فحالكم كحالهم. وفي الآية تذكير لمن خالف أمر النبي ﷺ يوم أحد، وإرشادٌ لهم إلى أنهم بين عاملي خوف ورجاءٍ، فهي على أنها بشارةٌ لهم بالنصر على عدوهم إنذار بسوء العاقبة إذ هم حادوا عن سننه، وساروا في طريق الضالين ممن قبلهم. وعلى الجملة، فالآية خبر وتشريع، وتتضمن وعدًا ووعيدًا وأمرًا ونهيًا. والمسلمون الصادقون أولى الناس بمعرفة تلك السنن في الأمم، وأجدر الناس بأن يسيروا على هديها. لذلك لم يلبث أصحاب النبي ﷺ أن ثابوا إلى رشدهم يومئذٍ، ورجعوا إلى الدِّفاع عن نبيهم، وثبتوا حتى انجلى المشركون عنهم، ولم ينالوا ما كانوا يقصدون. وقد جرت سنة الله بأن للمشاهدة في تثبيت الحقائق ما ليس للقول وحده؛ إذ المقول قد ينسى، ويقل الاعتبار به من قبل هذا، أرشدهم إلى الاعتبار، وقياس ما في أنفسهم على ما كان لدى غيرهم من قبلهم، ومن ثم قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي، واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب أجله الذي أجلته

стр. 2004

لإهلاكهم، فإن أردتم معرفة ذلك فامشوا أيها المؤمنون في نواحي الأرض وأرجائها، ثم انظروا، وتأملوا كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل الذين لم يتوبوا من تكذيبهم. وفي الآية (١) دلالةٌ على أهمية علم التاريخ, لأن فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل وأسباب صلاح الأمم وفسادها. قال ابن عرفة: السير في الأرض حسي ومعنوي. والمعنوي هو النظر في كتب التاريخ بحيث يحصل للناظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض، لعجز الإنسان وقصوره. وإنما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب؛ لأن في المخاطبين من كانوا أميين، ولأن المشاهدة تفيد من لم يقرأ، علمًا، وتقوي علم من قرأ التاريخ, أو قص عليه. والمعنى: فسيروا في الأرض، وتأملوا فيما حل بالأمم قبلكم؛ ليحصل لكم العلم الصحيح المبني على المشاهدة وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق والباطل في الأمم السالفة وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل، وانتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر والتقوى. والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم نعم العون على معرفة تلك السنن والاعتبار بها. وقد نستفيد هذه الفائدة بالنظر في كتب التاريخ التي دونها من ساروا في الأرض، ورأوا آثار الذين خلوا، فتحصل لنا العظة والعبرة، ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون في الأرض بأنفهسم، ويرون الآثار بأعينهم, لأن النظر إلى آثار المتقدمين له أثرٌ في النفس كما قيل: إِنَّ آثَارَنَا تَدُلُّ عَلَيْنَا ... فَانْظُرُوْا بَعْدَنَا إلى اْلآثَارِ والحاصل: أنه تعالى رغب أمة محمد ﷺ في تأمل أحوال الأمم الماضية ليصير ذلك داعيًا لهم إلى الإيمان بالله ورسوله، والإعراض عن الدنيا ولذاتها. وفيه أيضًا زجر للكافر عن كفره؛ لأنه إذا تأمل في أحوال الكفار الماضين، وإهلاكهم صار ذلك داعيًا له إلى الإيمان.

стр. 2005

وفي هذه الآية أيضًا تسليةٌ لأصحاب محمد ﷺ على ما جرى لهم في غزوة أحد، وحينئذ فلا عجب في أن ينهزم المسلمون في وقعة أحد، وأن يصل المشركون إلى النبيّ ﷺ فيشجوا رأسه، ويكسروا سنه، ويردوه في حفرةٍ. وفيها أيضًا دلالةٌ (١) على جواز السفر في فجاج الأرض للاعتبار، ونظر ما حوت من عجائب مخلوقات الله تعالى، وزيارة الصالحين، وزيارة الأماكن المعظمة، كما يفعله سياح هذه الأمة. وجواز النظر في كتب المؤرخين, لأنها سبيل إلى معرفة سير العالم، وما جرى عليهم من المثلات. والأمر في قوله: ﴿فَسِيرُوا﴾ أمر ندب لا وجوب، بل المقصود تعرف أحوال الماضين. وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الاشتغال بعلم التواريخ مندوب ندبًا كفائيًّا، أو عينيًّا كما مرت الإشارة إليه. ١٣٨ - ﴿هَذَا﴾ القرآن الذي أنزل عليك يا محمد، وقيل: اسم الإشارة عائد إلى ما تقدم من أمره، ونهيه، ووعده، ووعيده ﴿بَيَانٌ﴾ وإيضاحٌ لأحكام الدين ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامة أي: مبينٌ لهم لأحكام دينهم من الحلال، والحرام، وغيرهما. ﴿وَهُدًى﴾ للمتقين منهم خاصة ورشاد لهم؛ أي: هادٍ لهم من الضلالة إلى طريق الرشاد ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ ونصيحةٌ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الله خاصة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، أي واعظٌ وزاجرٌ لهم عن المنهيات والمنكرات. وقيل (٢): في الفرق بين البيان، والهدي، والموعظة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. إن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلةً. والهدي هو: طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغيّ. والموعظة هي: الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. فالحاصل: أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين، وهو الهدى. والثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين، وهو الموعظة. وإنما خص المتقين بالهدى والموعظة؛ لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم.

стр. 2006

والمعنى: (١) أنَّ هذا الذي تقدم بيان للناس كافةً، وهدى وموعظة للمتقين منهم خاصةً، فالإرشاد عام للناس، وحجة على المؤمن، والكافر التقي منهم والفاجر. وذلك يدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة بنحو قولهم: لو كان محمدٌ رسولًا حقًّا لما غلب في وقعة أحدٍ. فهذا الهدي والبيان يرشد إلى أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرسل كما هي حاكمةٌ على سائر خلقه. فما من قائدٍ يخالفه جنده، ويتركون حماية الثغر الذي يؤتون من قبله، ويخلون بين عدوهم وظهورهم، والعدو مشرف عليهم، إلا كان جيشه عرضةٌ للإنكسار؛ إذا كر العدو عليه قطع خط الرجعة، ولا سيما إذا كان بعد فشل وتنازع، ومن ثم كان هذا البيان لجميع الناس كلٌّ على قدر استعداده للفهم وقبول الحجة. وأما كونه هدى وموعظةً للمتقين خاصَّةً، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع، فيستقيمون، ويسيرون على النهج السوي، ويتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها. فالمؤمن حقًّا، هو الذي: يهتدي بهدي الكتاب، ويسترشد بمواعظه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب، والتنازع مع غيرنا، إلى أن نروض أنفسنا ونعرف عنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا، فنسير على سنن الله في طلبه، وفي حفظه، وأن نعرف كذلك حال خصمنا، ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين. ١٣٩ - ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾؛ أي: ولا تضعفوا عن الجهاد مع عدوكم لما أصابكم من الهزيمة يوم أحد ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما فاتكم من الغنائم فيه، ولا على ما أصابكم من القتل، والجراحة، وكان قد قتل منهم يومئذٍ سبعون رجلًا خمسةٌ من المهاجرين، حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، صاحب راية رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن جحش ابن عمة رسول الله ﷺ ، وشماس بن عثمان، وسعدٌ

стр. 2007

مولى عتبة، وباقيهم من الأنصار ﵃ أجمعين. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: الغالبون في آخر الأمر بالنصرة لكم دون عدوكم، فإن مصير أمرهم إلى الدَّمار حسب ما شاهدتم من أحوال أسلافهم، أي لكم العاقبة المحمودة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حقًّا بصدق وعد الله نبيه بالنصر، وهذا إما منصبٌّ بالنهي أو بوعد النصر والغلبة؛ أي: إن كنتم مؤمنين .. فلا تهنوا، ولا تحزنوا، فإن الإيمان يوجب قوة القلب، والثقة بصنع الله تعالى، وقلة المبالاة بالأعداء، أو إن كنتم مؤمنين. فأنتم الأعلون؛ فإن الإيمان يقتضي العلو بلا شكٍّ. والمعنى: ولا تضعفوا عن القتال، وما يتبعه من التدبير بسبب ما أصابكم من الجروح والفشل في يوم أحد، ولا تحزنوا على من فقد منكم في هذا اليوم، وكيف يلحقكم الوهن والحزن وأنتم الأعلون؛ فقد مضت سنة الله أن يجعل العاقبة للمتقين، الذين لا يحيدون عن سنته، بل ينصرون من ينصره، ويقيمون العدل فهم أجدر بذلك من الكافرين الذين يقاتلون لمحض البغي، والانتقام، أو للطمع فيما في أيدي الناس. فهمة الكافر على قدر ما يرمي إليه من غرض خسيسٍ، ولا كذلك همة المؤمن الذي يرمي إلى إقامة صرح العدل في الدنيا، والسعادة الباقية في الآخرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ومصدِّقين بصدق وعد الله بنصر من ينصره، وجعل العاقبة للمتقين المتبعين لسنته في نظم الاجتماع حتى صار ذلك الإيمان وصفًا ثابتًا لكم حاكمًا على نفوسكم وأعمالكم. إنما نهى عن الحزن على ما فات؛ لأن ذلك مما يفقد الإنسان شيئًا من عزيمته، وبالعكس صلته بما يحب من مالٍ أو متاع أو صديقٍ تكسبه قوة، وتوجد في نفسه سرورًا. والمراد بالنهي عن مثل ذلك معالجة النفس بالعمل ولو تكلفًا. وخلاصة ذلك الأمر: بأخذ الأهبة وإعداد العدة، مع العزيمة الصادقة، والحزم والتوكل على الله حتى يظفروا بما طلبوا، ويستعيضوا مما خسروا.

стр. 2008

وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ تبشيرٌ لهم بما يقع لهم في المستقبل من النصر، فإن من اخترق الإيمان الصحيح فؤاده، وتمكن من سويداء قلبه يكون على يقينٍ من العاقبة بعد مراعاة السنن والأسباب المطردة للظفر والفلاح ١٤٠ - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾؛ أي: إن أصابكم أيها المؤمنون جرح في يوم أحد ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ﴾؛ أي: فقد أصاب كفار مكة يوم بدر ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، أي: جرح ماثلٌ لما أصابكم في يوم أحد، بل هو أعظم مما أصابكم؛ لأنه أسر منهم سبعون، وقتل سبعون والمسلمون في أحدٍ قتل منهم سبعون، وأسر عشرون، ومع ذلك فلم يضعف ذلك قلوبهم، فأنتم أحق بأن لا تضعافوا. وقيل: إن المعنى إن نالكم يوم أحد قرحٌ وانهزامٌ .. فقد نال كفار مكة في ذلك اليوم، أعني يوم، أحد قرحٌ مماثلٌ لما نالكم، فإن المسلمين نالوا من الكفار قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ قتلوا منهم نيفًا وعشرين رجلًا، منهم صاحب لوائهم، وجرحوا عددًا كثيرًا، وعقروا عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم أول النهار. والخلاصة: أنه لا يسوغ لكم التقاعد عن الجهاد، وليس لكم العذر فيه؛ لأجل أن مسكم قرحٌ، فإن أعداءكم قد مسهم مثله قبلكم وهم على باطلهم لم يفتروا في الحرب، ولم يهنوا فأنتم أجدر بصدق العزيمة لمعرفتكم بحسن العاقبة وتمسككم بالحق. وقرأ حمزة (١) والكسائي، وابن عيَّاش عن عاصم، والأعمش في طريقةٍ ﴿قَرْحٌ﴾ بضم القاف وباقي السبعة بالفتح. والسبعة كلهم على تسكين الراء. قال أبو علي: والفتح أولى انتهى. ولا أولوية إذ كلاهما متواترٌ فهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال، وابن السميقع ﴿قَرْحٌ﴾ بفتح القاف والراء، وهي لغة: كالطرد والطرد والشل والشلل. وقرأ الأعمش ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾ بالتاء من فوق ﴿قَرْوحٌ﴾ بالجمع.

стр. 2009

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾؛ أي: أيام الغلبة والظفر والنصر ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ ونناقلها، ونحاولها، ونناوبها، ونصرفها من قديم الزمان إلى آخره ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ على وفق ما أردناه أزلًا تارةً لهؤلاء، وتارةً لهؤلاء، فلا تبقى الناس على حالة واحدةٍ، ولا يدوم (١) مسارها ومضارها فيومٌ يحصل فيه السرور للمؤمنين، والغم للأعداء، ويومٌ آخر بالعكس، ولكن العاقبة للمؤمنين، وليس المراد من هذه المداولة أنَّ الله تعالى تارةً ينصر المؤمنين، والأخرى ينصر الكافرين. وذلك؛ لأن نصرة الله منصبٌ شريفٌ، فلا يليق بالكافر بل المراد من هذه المداولة أنه تارةً يشدد المحنة على الكفار، وأخرى على المؤمنين، ولو شدَّد المحنة على الكفار في جميع الأوقات .. لحصل العلم الضروري بأن الإيمان حقٌّ، وما سواه باطلٌ، ولو كان كذلك .. لبطل التكليف والثواب، وأيضًا إن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي؛ فيشدد الله المحنة عليه في الدنيا تأديبًا له. وأمَّا تشديد المحنة على الكافر، فإنه غضبٌ من الله عليه، وأيضًا: إن لذات الدنيا وآلامها غير باقية، وإنما السعادات المستمرة في دار الآخرة. ورُوي أنَّ أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعةٌ، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ يعني محمدًا ﷺ وأبو كبشة زوج حليمة السعدية، وهو أبوه من الرضاع أين ابن أبي قحافة؟ يريد أبا بكر أين ابن الخطاب؛ فقال عمر: هذا رسولُ الله ﷺ وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم، والأيام دولٌ، والحرب سجالٌ، فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال: إن كان الأمر كما تزعمون .. فقد خبنا إذًا وخسرنا. والخلاصة (٢): أن مداولة الأيام، وأوقات الغلبة، والنصر بين الناس سنةٌ من سنن الله تعالى في المجتمع البشري، فمرةً تكون الدولة، والغلبة للمبطل، وأخرى للمحق، ولكن العاقبة دائمًا لمن اتبع الحق. وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح، ورعاها حق رعايتها،

стр. 2010

كالإتفاق، وعدم التنازع، والثبات، وصحة النظر، وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة، وإعداد ما يستطاع من القوة. فعليكم أيها المؤمنون: أن تقوموا بهذه الأعمال، والأسباب وتحكموها أتم الأحكام حتى تظفروا، وتفوزوا، ولا يكن ما أصابكم من الفشل مضعفًا لعزائمكم؛ فإن الدنيا دولٌ كما قال: فَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ عَلَيْنَا ... وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيوْمٌ نُسَرُّ ومن أمثال العرب: الحرب سجالٌ. وقرىء (١) شاذًا ﴿يُدَاوِلُهَا﴾ بالياء، وهو جار على الغيبة قبله وبعده، وقراءة النون فيها التفاتٌ وإخبارٌ بنون العظمة المناسبة لمداولة الأيام. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على محذوف تقديره وتلك الأيام نداولها بين الناس ليقوم بذلك العدل، ويستقر النظام، ويعلم الناظر في السنن العامة، والباحث في الحكم الإلهية، أنه لا محاباة في هذه المداولة ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: وليرى الله صبر الذين آمنوا منكم على مناجزة الجهاد وملاقاة الأعداء. قال ابن كثير (٢): قال ابن عباس في مثل هذا: لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء. انتهى أو المعنى: وليميِّز الله الذين أخلصوا في إيمانهم من المنافقين إذا أصابتهم المشقة كما وقع في أحد. وقال الشوكانيُّ (٣): فعلنا فعل من يريد أن يعلم؛ لأنه سبحانه لم يزل عالمًا، أو ليعلم الذين آمنوا بصبرهم علمًا يقع عليه الجزاء والثواب، كما علمه علمًا أزليًّا انتهى. وإنما فسرنا كذلك, لأنَّ الله علمهم أزلًا فلم يزل عالمًا بهم. ﴿وَيَتَّخِذَ﴾؛ أي: وليكرم بعضكم باتخاذهم شهداء في سبيل الله، وهم شهداء أحد، وذلك أن قومًا من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو، ويلتمسون فيه الشهادة. والشهداء جمع شهيد، وهو من قتل من المسلمين بسيف

стр. 2011

الكفار في المعركة؛ سمي بذلك لكونه مشهودا له بالجنة، أو جمع شاهد لكونه كالمشاهد للجنة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ جملةٌ معترضةٌ بين العلل المتعاطفات؛ لتقرير مضمون ما قبلها؛ أي: لبيان أنَّ الشهداء يكونون ممن أخلصوا في إيمانهم، وأعمالهم، ولم يظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله ونواهيه، والخروج عن سننه في خلقه. أي: يعاقب المشركين، وإنما يظفرهم في بعض الأحيان استدارجًا لهم وابتلاءً للمؤمنين. والمعنى: إن الله لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم. وفي ذلك بشارة للمتقين بمحبة الله لهم، وإنذارٌ للمقصرين بأنه لا يحبهم الله. وتعريضٌ لأعدائهم المشركين بأن الله لا يحبهم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم، وسفهوها بعبادة المخلوقات، وظلموا سواهم بالفساد في الأرض؛ والبغي على الناس، وهضم حقوقهم. ومن المعلوم أن الظلم لا تدوم له سلطةٌ، ولا تثبت له دولة، بل تكون دولته سريعة الزوال، قريبة الانحلال. ثم عطف على قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١٤١ - قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: وليطهر الذين آمنوا من ذنوبهم، ويصفيهم منها بما يصيبهم في الجهاد إن كانت الغلبة للكافرين على المؤمنين. أي: ونداول تلك الأيام ليميز المؤمنين الصادقين من المنافقين، ويطهر نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها، فتصير تبرًا خالصا لا كدورة فيه، فإن الإنسان كثيرًا ما يشتبه عليه أمر نفسه، ولا تتجلى له حقيقتها إلا بالتجربة الكثيرة، والامتحان بالشدائد العظيمة، فهي التي تمحصها، وتنفي خبثها، وزغلها، كما أن تمحيص الذهب يميز بهرجه من خالصه. فالمعتقد في دين أنه الحق قد يخيل إليه وقت الرخاء، أنه يسهل عليه بذل ماله، ونفسه في سبيل الله؛ ليرفع راية ذلك الدين، ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه غير ما كان يتصور له أولًا، أنظروا إلى الذين خالفوا أمر النبيّ ﷺ يوم أحد، وطمعوا في الغنيمة، وإلى الذين انهزموا وولوا الأدبار كيف محصهم الله تعالى بتلك الشدائد.

стр. 2012

فعلموا أن المسلم ما خلق للهو واللعب، ولا للكسل، والتواكل، ولا لنيل الظفر، ونيل السيادة، بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًّا في العمل، وأعظمهم تفانيًا، في أداء الواجب إتباعًا للنواميس، والسنن التي وضعها الله في الخليقة. وقد تجلَّى أثر هذا التمحيص في الغزوات التي تلت هذه الوقعة ففي "غزوة حمراء الأسد" أمر النبي ﷺ ألا يتبع المشركين فيها إلا من شهد القتال بأحد، فامتثل المؤمنون أمره بقلوب مطمئنةٍ، وعزائم صادقةٍ، وهم على ما هم عليه من الجراح المبرحة، والقلوب المتكسرة. ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: وليهلك الكافرين في الحرب، ويستأصلهم شيئًا فشيئًا، إن كانت الغلبة للمؤمنين على الكافرين. ويجعل اليأس يسطو على قلوبهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، فلا يبقى لديهم شجاعةٌ، ولا بأسٌ، ولا قلٌّ (١)، ولا كثرٌ من عزة النفس، فيكون وجودهم كالعدم، لا فائدة فيه، ولا أثر له فالكافرون المبطلون، لا يثبت لهم حالٌ مع المؤمنين الصادقين، وإنما يظهرون إذا لم يوجد من أهل الحق والعدل في ينازعهم ويقاوم باطلهم، كما هو مشاهد في عصرنا هذا. لأن الإِسلام راح إلا الاسم، فهذه مصيبةٌ، ما أعظمها، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. ١٤٢ - وأم في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ منقطعةٌ عند الأكثرين تقدَّر ببل، وهمزة الإنكار، والخطاب فيه للذين انهزموا يوم أحد أي أظننتم (٢) أن تدخلوا الجنة وتفوزوا بنعيمها، والحال أنه لم يجتمع فيكم الجهاد في سبيل الله، والصبر فيه على مشاقه؟ أي: لا تحسبوا دخولها ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. أي؛ والحال: أنه لم ير الله المجاهدين منكم في سبيل الله

стр. 2013

يوم أحد, ولم ير الصابرين على قتال عدوّهم مع نبيهم؛ أي: لا تحسبوا (١) أن تدخلوا الجنة بدون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد من جراحٍ، وألم، وكل مكروه، وأريد بحالة نفي علم الله بالذين جاهدوا، والصابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد، والصبر عنهم. لأن الله إذا علم شيئًا فذلك المعلوم محقق الوقوع، فكما كنى بعلم الله عن التحقق في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كنى بنفي العلم عن نفي وقوع اجتماع الجهاد والصبر فيهم، فكأنه، قال: لا تحسبوا دخول الجنة مع أنكم لم تجاهدوا, ولم تصبروا على شدائد الحرب. وقال الطبريُّ (٢) المعنى: أظننتم يا معشر أصحاب محمد: أن تنالوا كرامة ربكم، ولما يتبين لعبادي المؤمنين المجاهدون منكم في سبيل الله، والصابرون عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من ألمٍ ومكروه. انتهى. وفي هذه (٣) الآية معاتبةٌ لمن انهزم يوم أحد، والمعنى: أم حسبتم أيها المنهزمون أن تدخلوا الجنة كما دخلها الذين قتلوا، وبذلوا مهجهم لربهم عن وجل، وصبروا على ألم الجراح، والضرب، وثبتوا لعدوهم يوم بدر من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم. والخلاصة: لا تحسبوا دخول الجنة والحال أنه لم يقع منكم الجهاد مع الصبر على مكابده، وذلك بعيدٌ، وإنما استبعد هذا؛ لأن الله تعالى لما أوجب الجهاد قبل هذه الوقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبه، وبين وجوه المصالح فيه في الدين والدنيا، كان عن البعيد أن يظن الإنسان أنه يصل إلى السعادة، والجنة مع إهمال هذه الطاعة. وجهاد (٤) النفس على أداء حقوق الله، وحقوق العباد مما يشق عليها احتماله، ويحتاج إلى مجاهدتها وترويضها حتى تذلل، ويسهل عليها أداء تلك الحقوق. وربما فضل هذا الجهاد جهاد الأعداء في ميدان القتال، وخوض غمار الوغى وأصعب من هذا، وأشق دعوة الأمة إلى خيرٍ لها في دينها ودنياها، أو بث

стр. 2014

فكرةٍ صالحةٍ تغير بعض أخلاقها، وعاداتها، أو مقاومة بدعةٍ فاشيةٍ بين أفرادها، فإنها تجد مقاومةً من الخاصة بله العامة، فتراهم يرفعون راية العصيان في وجه الداعي، ويشاكسونه بكل الوسائل، ولا سيما إذا تعلق بتغيير بعض عادات مرنوا عليها جيلًا بعد جيل، ووجدوا من أشباه العلماء من يؤازرهم، ويناصرهم في باطلهم. وكثيرًا ما يحدث للداعي التلف والهلاك، أو ثلم العرض أو الإخراج من حظيرة الدين. وقرأ الجمهور (١) ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثاب، والنخعي بفتحها. وخُرِّج على أنه إتباعٌ لفتحة اللام، أو على إرادة النون الخفيفة، وحذفها كقول الشاعر: لا تُهِيْنَ الفَقِيْرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ وقرأ الجمهور ﴿وَيَعْلَمَ﴾ بفتح الميم فقيل: هو مجزومٌ وأتبع الميم اللام في الفتح كقراءة من قرأ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ بفتح الميم على أحد التخريجين السابقين. وقيل: هو منصوب فعلى مذهب البصريين بإضمار أن بعد واو المعية نحو: ما تأتينا وتحدثنا. وعلى مذهب الكوفيين بواو الصرف. وتقرير المذهبين في علم النحو وقرأ الحسن، وابن يعمر، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، بكسر الميم عطفًا على ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ المجزوم. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو وبن العلاء ﴿وَيَعْلَمَ﴾ برفع الميم، وفي تخريجه وجهان: أظهرهما: أنه مستأنف، أي وهو يعلم الصابرين. وثانيهما: أن الواو للحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا، وأنتم صابرون. قاله الزمخشري. ١٤٣ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ خوطب به الذين لم يشهدوا بدرًا، وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدًا مع رسول الله ﷺ لينالوا كرامة الشهادة.

стр. 2015

أي: وعزتي وجلالي، لقد كنتم يا أصحاب محمد ﷺ تطلبون الموت بالشهادة في الحرب من قبل أن تشاهدوا أسباب الموت وشدائده من الجهاد، والقتال يوم أحد، أو من قبل أن تلقوا العدو فيه حيث قلتم ليت لنا يومًا كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه من الكرامة، كانوا قد ألحوا على رسول الله ﷺ يوم أحد في الخروج إلى المشركين في أحد، وكان رأيه ﷺ في الإقامة بالمدينة حتى يدخلها عليهم المشركون. ثم ظهر منهم خلاف ذلك. وقراءة الجمهور بكسر اللام ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ لأنها معربة لإضافتها إلى ﴿أَنْ﴾ وما في حيزها؛ أي: من قبل لقائه. وقرأ مجاهد بن جبر ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ بضم اللام قطعها عن الإضافة كقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وعلى هذا، فـ ﴿إن﴾ وما في حيزها في محل نصب على أنها بدل اشتمال من الموت أي: تمنون لقاء الموت كقولك رهبت العدو لقاءه. وقرأ الزهري والنخعيُّ ﴿تلاقوه﴾ ومعناه متحدٌ مع معنى تلقوه, لأن لقي يستدعي أن يكون بين اثنين بمادته، وإن لم يكن على المفاعلة. ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: فقد رأيتم الموت وأسبابه وأبصرتموه يوم أحد إن كنتم صادقين في تمنيكم الحرب ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: والحال أنكم تنظرون، إلى سيوف الكفار، والأعداء حين قتل أمامكم من قتل من إخوانكم فلم انهزمتم منهم، ولم تثبتوا مع نبيّكم؛ وهذه الجملة تأكيدٌ لما قبلها، أي: والحال أنكم بصراء ليس بأعينكم علَّةٌ. وقال الشوكاني: وقيد الرؤية بالنظر مع اتحاد معناهما للمبالغة. انتهى. وقرأ طلحة بن مصرف ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ باللام. فمعنى (١) قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أنكم شاهدتم أسبابه من ملاقاة الشجعان بعدتهم، وأسلحتهم، وكرهم وفرهم مشاهدةً لا خفاء فيها، ولا شبهة، وكان لها الأثر العميق في نفوسكم.

стр. 2016

ومعنى تمني الموت: تمني الشهادة في سبيل الله، والقتال لنصرة الحق، ولو ذهبت نفوسكم دونه. وصفوة القول: لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الميدان، فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنتم تتمنونه، وأنتم تنظرون إليه، لا تغفلون عنه، فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم، وما بالكم تحزنون وتضعفون عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون به، ومن تمنى الشيء، وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءَه. وفي الآية الكريمة: تنبيهٌ لكل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس، والتمنّي، والتشهّي، وهديه إلى اختبار نفسه بالعمل الشاقّ، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد، والصبر على المكاره في سبيل الحق حتى يأمن الدعوى الخادعة التي يتوهم فيها أنه صادق فيما يدعي مع الغفلة، أو الجهل بعجزه عنه. وكثيرًا ما يتصور بعض الناس أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما، ويتمنى لو يتاح له أن يساهم في تلك الخدمة بنفسه، أو بماله، حتى إذا احتيج إليه وجد من نفسه الضعف، فأعرض عن العمل قبل الشروع، أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته. ولكن المؤمن حقًّا من وصل الأمر به إلى حد اليقين فيما يعتقد أنه حقٌّ، وذلك يستدعي العمل مهما كان شاقًّا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل. وقد كان في الذين خوطبوا بهذه الآية جماعة ممن كانوا في المرتبة العليا من صدق الجهاد، والصبر على المكاره، وأولئك هم المجاهدون الذين ثبتوا مع النبي ﷺ ثبات الجبال الراسيات، وهم نحو ثلاثين رجلًا؛ لكنه جعل الخطاب عامًّا ليكون الإرشاد والنصح عامًّا للجميع، فيتهم ذوو المراتب العالية أنفسهم بالتقصير فيزدادوا كمالًا على كمالهم، ويرعوي المقصرون، وينزعوا عن خداع أنفسهم لهم، وهذا من التمحيص العظيم الذي له أجمل العواقب في تهذيب الأنفس. ١٤٤ - وقد ظهر أثر ذلك في نفوس أولئك القوم فيما بعد، ورباهم تربيةً كانت بها

стр. 2017

عزائمهم ماضيةً، وهممهم صادقةً فلم يهنوا, ولم يضعفوا, ولم يستكينوا فيما حاولوه من جسيم الأمور. ثم نزل (١) في مقالتهم لرسول الله ﷺ بلغنا يا نبيَّ الله أنك قتلت فلذلك انهزمنا فقال الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ ﴿إِلَّا رَسُولٌ﴾؛ أي: إلا بشر مرسل إلى كافة الناس ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ ومضت ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، أي من قبل محمد ﴿الرُّسُلُ﴾ عليه وعليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم، وسنتهم بعد خلوهم. فعليكم يا أمة محمد أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه؛ لأن المقصود من بعثةِ الرسل تبليغ الرسالة، وإلزام الحجة، لا وجوده وخلوده بين أظهر قومه. ومحمدٌ اسم (٢) علم لرسول الله ﷺ وفيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بمعناه، وهو الذي كثرت خصاله الحميدة، والمستحق لجميع المحامد المخلوقية؛ لأنه الكامل في نفسه ﷺ ؛ أي: في خلقه وخلقه، فسماه باسمين مشتقين من اسمه المحمود ، فسمَّاه محمدًا، وأحمد. وفي ذلك يقول حسان بن ثابت ﵁: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أرْسَلَ عَبْدَهُ ... بِبُرْهَانِهِ وَاللهُ أَعْلَى وَأَمْجَدُ أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنَّبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللهِ مِنْ نُوْرٍ يَلُوْحُ وَيشْهَدُ وَضَمَّ اْلإِلهُ اْسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ في الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنْ إِسْمِهِ ليُجِلَّهُ ... فَذُوْ الْعَرْشِ مَحْمُوْدٌ وَهَذَا محمَّدُ وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". متفق عليه. والعاقب الذي ليس بعده نبيٌّ، وسماه الله رؤوفًا رحيمًا. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا

стр. 2018

نفسه أسماءً: فقال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا المقفى، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". رواه مسلم. والمقفى هو آخر الأنبياء الذي لا نبي بعده. والهمزة في قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ للاستفهام (١) الإنكاري، والفاء للعطف ورتبتها التقديم, لأنها حرف عطف. وإنما قدمت الهمزة, لأن لها صدر الكلام. وقال ابن الخطيب: الأوجه: أن يقدر محذوف بعد الهمزة، وقبل الفاء، وتكون الفاء عاطفة، ولو صرح به لقيل أتؤمنون به مدة حياته؛ فإن مات كما مات موسى، وإبراهيم وغيرهما ﴿أَوْ قُتِلَ﴾ كما قتل زكريا، ويحيى ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ ورجعتم ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وأدباركم، وارتددتم راجعين عن دينكم، فتخالفوا سنن أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد موتهم، والرسول ليس مقصودًا لذاته، بل المقصود ما أرسل به من الهداية التي يجب على الناس أن يتبعوها. أي: لا ينبغي منكم الارتداد حينئذٍ؛ لأنَّ محمدًا ﷺ مبلغ لا معبودٌ، وقد بلَّغكم والمعبود باقٍ، فلا وجه لرجوعكم عن الدين الحق لو مات من بلغكم إياه. روي (٢) أنه لما رمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسولَ الله ﷺ بحجرٍ فكسر رباعيته، وشج وجه، فذب عنه مصعب بن عمير ﵁ وكان صاحب راية رسول الله ﷺ يومئذٍ حتى قتله ابن قميئة، وهو يرى أنه قتل النبيَّ ﵊ فقال: قد قتلت محمدًا، وصرخ صارخ أن محمدًا قد قتل، فانكفأ الناس، وجعل الرسول ﵇ يدعو "إليَّ عبادَ الله" فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه، وحموه حتى كشفوا عنه المشركين، وتفرق الباقون، وقال بعضهم: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وقال ناسٌ من المنافقين: لو كان محمد نبيًّا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم، ودينكم الأول، وقال أنس بن النضر؛ عم أنس بن مالك في تلك الساعة التي زاغت فيها الأبصار والبصائر، وبلغت فيها القلوب الحناجر، يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب

стр. 2019

محمد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إنّي أعتذر إليك مما قال هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ﵁ فنزلت ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ﴾ أي: ومن يرجع ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: إلى دينه الأول، وهو الشرك ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾؛ أي: فلن ينقص الله رجوعه شيئًا، وإنما يهلك نفسه بإقباله على العذاب، أو المعنى؛ ومن يرجع عن جهاده ومكافحته الأعداء فلن يضر الله شيئًا بما فعل، بل يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب وحرمانها من الثواب، فالله قد وعد بنصر من ينصره ويعز دينه، ويجعل كلمته هي العليا، وهو لا محالة منجزٌ وعده، ولا يحول دون ذلك ارتداد الضعفاء، والمنافقين على أعقابهم فهو سيثبت المؤمنين، ويمحصهم حتى يكونوا كالتبر الخالص، فيقيموا دينه وينشروا دعوته، ويرفعوا شأنه وتنشر على الخافقين رايته، وهو الذي بيده الخلق، والأمر، وهو القادر على كل شيء ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ له نعمه عليهم بالإيمان, والهداية إلى أقوم السبل الثابتين على دين الإِسلام، الذي هو أجل نعمةٍ وأعز معروفٍ كأنس بن النضر وأمثاله، أي: يجازيهم في الدنيا والآخرة بما يستحقون من النصر على أعدائهم، والثواب الجسيم. وفي الآية إرشادٌ إلى أن المصائب التي تحل بالإنسان لا مدخل لها في كونه على حق أو باطل، فكثيرًا ما يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وصاحب الباطل بالنعم والعطايا. وفيها إيماءٌ إلى أنا لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود العلم بحيث نتركهما عند موته بل نسير على منهاجهما حين وجوده وبعد موته. والخلاصة: أن الله أوجب علينا أن نستضيء بالنور الذي جاء به الرسولُ ﷺ ، أمَّا ما يصيب جسمه من جرحٍ أو ألمٍ، وما يعرض له من حياةٍ أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فإنما هو بشرٌ مثلكم خاضعٌ لسنن الله كخضوعكم. والخلاصة: أن قتل محمد ﷺ لا يوجب ضعفًا في دينه، لأمرين:

стр. 2020

أحدهما: أن محمدًا ﷺ بشرٌ كسائر الأنبياءِ، وهؤلاء قد ماتوا أو قتلوا. والثاني: أن الحاجة إلى الرسول هي تبليغ الذين، فإذا تَمَّ له ذلك .. فقد حصل الغرض، ولا يلزم من قتله فساد دينه. وفي الآية هداية وإرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب أو عدم استمرارها، ذا صلة بوجود القائد، بحيث إذا قتل انهزم الجيش، أو استسلم للأعداء بل يجب أن تكون المصالح العامة جاريةً على نظام ثابت، لا يزلزله فقد الرؤساء، وعلى هذا تجري الحكومات، والحروب في عصرنا هذا. ومن توابع هذا النظام أن تعد الأمة لكل أمرٍ عدته، فتوجد لكل عملٍ رجالًا كثيرين حتى إذا فقدت معلمًا أو مرشدًا أو قائدًا أو حكيمًا أو رئيسًا أو زعيمًا وجدت الكثير ممن يقوم مقامه، ويؤدِّي لها من الخدمة ما كان يؤدِّيه، وحينئذ يتنافس أفرادها، ويحفزون عزائمهم للوصول إلى ما يمكن أن يصل إليه كسب البشر، وينال كلٌّ منه بقدر استعداده وسعيه وتوفيق الله له. وقرأ الجمهور ﴿الرُّسُلُ﴾ في قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ بالتعريف على سبيل التفخيم للرسل والتنويه بهم على مقتضى حالهم من الله. وفي مصحف عبد الله ﴿رسل﴾ بالتنكير، وبها قرأ ابن عباس وقحطان بن عبد الله. وقرأ الجمهور ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ بالتثنية، وقرأ ابن أبي إسحاق على ﴿عَقِبَهِ﴾ بالإفراد. ١٤٥ - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾؛ أي: وليس من شأن النفوس، ولا من سنة الله فيها ﴿أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلّا بأمر الله وقضائه وقدره، وعلمه، وإرادته، ومشيئته التي بها يجري نظام الحياة، وترتبط فيها الأسباب بالمسببات. وذلك أنَّ الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح، فلا يموت أحدٌ إلا بإذن الله تعالى وأمره، ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ منصوب بعامل محذوف تقديره: كتب الله الموت على عباده كتابًا مقرونًا بأجل معين لا يتغير، ومؤقت أبوقت لا يتقدم، ولا يتأخر، فكثيرٌ من الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب أو يتعرضون لعدوى الأمراض، أو يتصدون لأفاعيل الطبيعة، وهم مع ذلك لا يصابون بالأذى، فالشجاع المقدام قد يسلم في الحرب، ويقتل الجبان المتخلف،

стр. 2021

ويفتك المرض بالشاب القوي، ويترك الضعيف الهزيل وتغتال عوامل الأجواء الكهل المستوي وتتجاوز الشيخ الضعيف فللأعمار آجالٌ، وللآجال أقدارٌ لا تخطوها. والأقدار هي السنن التي عليها تقوم نظم العالم، وإن خفيت على بعض الناس، وإذا كان محيانا ومماتنا بإذن الله فلا محل للخوف والجبن، ولا عذر في الوهن والضعف. وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ؛ لأن فيه آجال جميع الخلق، وفي الآية تحريض المؤمنين على الجهاد، وتشجيعهم على لقاء العدو، فإنه إذا كان الأجل محتومًا ومؤقتًا بميقاتٍ، وأن أحدًا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المعارك واقتحم المهالك .. فلا فائدة إذًا للخوف والجبن والحذر. وفي الآية أيضًا إشارة إلى كلاءة الله وحفظه لرسوله ﷺ مع غلبة العدو له والتفافهم عليه، وإسلام أصحابه له فرصةً للمختلس، فلم يبق سببٌ من أسباب الهلاك إلا قد حصل، ولكن لما كان الله حافظًا له لم يضره شيء. وفيها أيضًا: إشارةٌ إلى أن قومه قد قصروا في الذَّبِّ عنه ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ ويقصد بعمله الصالح ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾، وحظها ومنفعتها ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ أي: نعطه من الدنيا ما يكون جزاء لعمله مما نشاء أن نعطيه إياه على ما قدرنا له، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد، وطلبوا الغنيمة ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ ويقصد بعمله الصالح ﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ ونعيمها ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ نعطه من حظوظ الآخرة، ونعيمها ما يريد مما نشاء من الأضعاف على حسب ما جرى به الوعد الكريم. نزلت في الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ يوم أحد. واعلم: أن هذه الآية، وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامةٌ في جميع الأعمال؛ وذلك لأنَّ الأصل في ذلك كله يرجع إلى نية العبد، فإن كان يريد بعمله الدنياء. فليس له جزاء إلا فيها، وكذلك من أراد بعمله الدار الآخرة فجزاؤه أيضًا فيها. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمالُ بالنياتِ". الحديث متفق عليه. وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ -

стр. 2022

قال: "من كانت نيته طلب الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا راغمة ومن كانت نيته طلب الدنيا، جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب الله له". وذلك (١) لأن المؤثر في جلب الثواب والعقاب الدواعي والقصود، لا ظواهر الأعمال كما في الحديث المذكور، فإن من وضع الجبهة على الأرض مثلًا في صلاة الظهر والشمس قدامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى .. كان ذلك من أعظم دعائم الإِسلام، وإن قصد به عبادة الشمس، كان ذلك من أعظم دعائم الكفر ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾؛ أي: سنثيب الثابتين على شكر نعمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، الذين يعرفون أنعم الله عليهم من القوى، ويصرفونها إلى ما خلقوا لأجله من طاعة الله تعالى، ويستعملوها فيما يرقى بهم إلى مراقي الكمال، فيعملون صالح الأعمال التي ترفع نفوسهم، وتنفع أمتهم كأنس بن النضر، وأمثاله الذين جاهدوا، وصبروا مع النبي ﷺ بما كان لهم من الإرادة القوية التي كانت السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين. وقرأ الجمهور (٢) ﴿نُؤْتِهِ﴾ الموضعين بالنون، وكذلك قرؤوا ﴿سَنَجْزِي﴾ بالنون أيضًا، وهو إلتفاتٌ إذ هو خروج من غيبةٍ إلى تكلمٍ بنون العظمة، وقرأ الأعمش ﴿يُؤْتِهِ﴾ بالياء فيهما، وفي ﴿سَيجْزِي﴾ وهو على ما سبق من الغيبة. وأدغم (٣) أبو عمرو وحمزة والكسائي، وابن عامر، بخلاف عنه دال ﴿يُرِدْ﴾ في الثاء والباقون بالإظهار. وقرأ أبو عمرو بالإسكان في هاء ﴿نُؤْتِهِ﴾ في الموضعين وصلًا ووقفًا، وقالون وهشامٌ بخلاف عنه بالاختلاس وصلًا، والباقون بالإشباع وصلًا. فأما السكون فقالوا: إنَّ الهاء لما حلت محل ذلك المحذوف أعطيت ما كان تستحقه من السكون، وأما الاختلاس فلأستصحاب ما كانت عليه الهاء قبل حذف لام الكلمة، فإن الأصل نؤتيه فحذفت الياء للجزم، ولم يعتد

стр. 2023

بهذا العارض فبقيت الهاء على ما كانت عليه، وأما الإشباع فنظرًا إلى اللفظ، لأن الهاء بعد متحرك في اللفظ، وإن كانت في الأصل بعد ساكن، وهو الياء التي حذفت للجزم اهـ "سمين". ١٤٦ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾؛ أي: وكثيرٌ من نبي قاتل لإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، والحال أن معه في القتال جماعاتٌ كثيرةٌ من العلماء العاملين، والعُبَّاد الصالحين، فأصابهم من عدوهم قرحٌ ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾؛ أي: جبنوا وفتروا عن الجهاد, لأن الذي أصابهم إنما هو في طاعة الله، وإقامة دينه ونصرة رسوله، ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾؛ أي: عجزوا عن قتال عدوهم لما أصابهم من جرح أو قتل، حتى ولو كان المقتول هو نبيهم نفسه، لأنهم يقاتلون في سبيل الله، لا في سبيل نبيّهم علمًا منهم بأن النبي ما هو إلا مبلِّغٌ عن ربِّه، وهادٍ لأمته، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾؛ أي: ما ذلوا وما تواضعوا لعدوهم، كما فعلتم أنتم حين قيل قتل نبيكم، وأردتم أن تعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان، ولا ولوا الأدبار، ولكنهم صبروا على أمر ربهم، وطاعة نبيهم، وجهاد عدوهم، إذ هم على يقين من ربهم في أن الجهاد في السبيل التي يرضاها من تقرير العدل في الأرض، وحماية الحق ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ على شدائد التكاليف، ومشاق الجهاد، في طلب الآخرة، أي: يكرمهم ويعظمهم ويثيبهم، ومحبة (١) الله تعالى للعبد عبارةٌ عن إرادة إكرامه وإعزازه، وإيصال الثواب له، وإدخاله الجنة مع أوليائه وأصفيائه. والخلاصة (٢): عليكم أن تعتبروا بحال أولئك الربيين وتصبروا كما صبروا، فإن دين الله واحدٌ وسنته في خلقه واحدةٌ، ومن ثم طلب إليكم أن تعرفوا عاقبة من سبقكم من الأمم، وتقتدوا بعمل الصادقين الصابرين منهم، وتقولوا مثل قول أولئك الربيين. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ عبارة السمين قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ هذه اللفظة قيل: مركبة من

стр. 2024

كاف التشبيه، ومن أيٍّ الاستفهامية، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية، وهي كناية عن عدد مبهم، ومثلها في التركيب، وإفهام التكثير كذا في قولهم: عندي كذا كذا درهمًا، والأصل كاف التشبيه، وذا الذي هو اسم إشارة فلما ركبا حدث فيهما معنى التكثير فكم الخبرية، وكأين وكذا كلها بمعنى واحدٍ. وهل هذه الكاف الداخلة على أيّ تتعلق بشيء كغيرها من حروف الجر أم لا؟. والصحيح أنها لا تتعلق بشيء, لأنها مع أي صارتا بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ، وهي ككم فلا تتعلق بشيء، ولذلك هجر معناها الأصليُّ، وهو التشبيه. وفي كأيِّن (١) خمس لغاتٍ: إحداها: ﴿كَأَيِّنْ﴾ بتشديد الياء والتنوين، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير. والثانية: ﴿كَائنٌ﴾ بوزن فاعن وبها قرأ ابن كثير، وجماعةٌ، وهي أكثر استعمالًا من كأيِّن وإن كانت تلك الأصل. والثالثة: ﴿كئين﴾ بوزن كريم بياء خفيفة بعد همزة مكسورة، وبها قرأ ابن محيصنٍ، والأشهب العقيليُّ. والرابعة: ﴿كيئن﴾ بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة، وهذه مقلوبة عن القراءة التي قبلها وقرأ بها بعضهم. والخامسة: ﴿كأن﴾ مثل كعن، وبها قرأ ابن محيصن أيضًا. وقرأ الحسن (٢) ﴿كَىً﴾ بكافٍ بعدها ياءٌ مكسورة منونة. وقرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عمرو ﴿قتل﴾ مبنيًّا للمفعول، وقتادة كذلك إلا أنه شدد التاء، وضمير النائب على هذه القراءة يعود على المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ، وجملة ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ من المبتدأ، والخبر في محل النصب حال من ضمير الفعل، و ﴿كثيرٌ﴾ صفة لـ ﴿رِبِّيُّونَ﴾، والمعنى على هذه القراءة، وكثيرٌ من الأنبياء قتلوا، وبعدهم الذين بقوا من جماعتهم. وقال الحسن البصريُّ، وجماعةٌ من العلماء لم يقتل نبيُّ في حرب قط، ولهذا ضعفت هذه القراءة من جهة المعنى.

стр. 2025

وقرأ باقي السبعة ﴿قَاتَلَ﴾ بوزن فاعل، وهي القراءة المشهورة التي جرينا عليها في تفسيرنا سابقًا. وقرأ الجمهور ﴿رِبِّيُّونَ﴾ بكسر الراء جمع ربِّي، وهو العالم منسوب إلى الرب، وإنما كسرت راؤه تغييرًا في النسب، نحو: إمسي بالكسر منسوب إلى أمس، وقرأ عليُّ وابن مسعود وابن عباس والحسن ﴿رِبِّيُّونَ﴾ بضم الراء، وهو من تغيير النسب إن قلنا: هو منسوبٌ إلى الرب. وقرأ ابن عباس في رواية قتادة بفتح الراء على الأصل إن قلنا: منسوبٌ إلى الرب، وإلا فمن تغيير النسب إن قلنا: إنه منسوبٌ إلى الربة بمعنى الجماعة. وقرأ الجمهور ﴿وَهَنُوا﴾ بفتح الهاء وقرأ الأعمش، والحسن، وأبو السمال، بكسرها، وهما لغتان، وهن يهن كوعد يعد، ووهن يوهن، كوجل يوجل. وقرأ عكرمة، وأبو السمال أيضًا بإسكان الهاء على تخفيف المكسور، كما قالوا: نعم في نعم، وشهد في شهد، وتميمٌ تسكن عين فعل وقرىء ﴿ضَعُفُوا﴾ بفتح العين وبإسكانها (١). ١٤٧ - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾؛ أي: قول الربيين عند لقاء العدو، واقتحام مضايق الحرب، وإصابة ما أصابهم من فنون الشدائد والأهوال، أو عند قتل نبيهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هذا الدعاء الآتي، وقولهم بالنصب خبرٌ لكان واسمها أن وما بعدها، أي: وما كان قولهم إلا قولهم هذا الدعاء أي هو دأبهم وديدنهم، وهذه قراءة الجمهور. وقرأ (٢) ابن كثير، وعاصم في رواية عنهما برفع قولهم على أنه اسم كان والخبر جملة أن وما في حيزها. وقراءة الجمهور أولى, لأنه إذا اجتمع معرفتان: فالأولى أن تجعل الأعرف منهما اسمًا، وأن وما في حيِّزها أعرف قالوا: لأنها تشبه المضمر من حيث إنها تضمر، ولا توصف، ولا يوصف بها. وقولهم: مضاف للمضمر فهو في رتبة العلم، فهو أقل تعريفًا اهـ سمين. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، أي: صغائرنا وكبائرنا ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾؛ أي: إفراطنا وتجاوزنا الحد في أمر ديننا، بارتكاب الكبائر، والظاهر أن الذنوب تعم

стр. 2026

كل ما يسمى ذنبًا من صغيرة، أو كبيرة والإسراف ما فيه مجاوزةٌ للحدِّ، فهو من عطف الخاص على العام. وإنما أضافوا الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضمًا لها، واستقصارًا لهم وإسنادًا لما أصابهم إلى أعمالهم. وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقولهم: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في مواطن الحرب بالتقوية والتأييد من عندك أو بإزالة الخوف من القلوب وإزالة الخواطر الفاسدة من الصدور أو ثبتنا على دينك الحق ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ بالمصابرة والمجاهدة تقريبًا له إلى حيز القبول، فإن الدعاء، المقرون بالخضوع الصادر عن ذكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة. والمعنى: لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاء من غير أن يصدر منهم قولٌ يوهم شائبة الجزع والتزلزل في مواقف الحرب، ومراصد الدِّين، وفيه من التعريض للمنهزمين عن النبيِّ ﷺ يوم أحد ما لا يخفى، ذكره، أبو السعود. والخلاصة: أن هؤلاء الربّيين لم يكن لهم من قولٍ عند اشتداد الخطوب، ونزول الكوارث إلا الدعاء، لربهم بأن يغفر لهم بجهادهم، ما كانوا ألموا به من الذنوب، وتجاوزوا حدود الشرائع، وأن يثبت أقدامهم على الصراط القويم، الذي هداهم إليه حتى لا تزحزحهم الفتن، ولا يعروهم الفشل، والوهن حين مقابلة الأعداء، وأن ينصرهم على القوم الكافرين الذين يجحدون الآيات، ويعتدون على أهل الحق، فلا يمكنونهم من إقامة ميزان القسط، فما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء بمقتضى السنن التي هدى إليها خلقه، وألهمها عباده. وفي هذا إيماءٌ إلى أن الذنوب والإسراف في الأمور من عوامل الخذلان والطاعة والثبات والاستقامة من باب النصر والفلاح، ومن ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم أثر الذنوب، وأن يوفقهم إلى دوام الثبات حين تزل الأقدام. وفي طلبهم النصر من الله مع كثرة عددهم التي دل عليها قوله: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ إعلامٌ بأنهم لا يعولون على كثرة العدد بل يطلبون العون والمدد الروحاني من الله تعالى بثبات الأقدام والتمسك بأهداب الحقِّ.

стр. 2027

١٤٨ - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قرأ الجحدري ﴿فَآتَاهُمُ﴾ من الإثابة؛ أي: أعطاهم الله تعالى بسبب هذا الدعاءِ جزاء الدنيا بالنصر على الأعداء والظفر بالغنيمة، والسيادة في الأرض، والكرامة، والعزة، وحسن الأحدوثة، والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان, وزوال ظلمات الشبهات، وكفارة المعاصي، والسيئات، وإنما سمي ذلك ثوابًا لأنه جزاءٌ على الطاعة وامتثال أوامر الله تعالى. ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ثواب الآخرة الحسن بنيل رضوان الله ورحمته، والقرب منه في دار الكرامة، وقد فسر بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وبقوله: في الحديث: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما حصلوا على ذلك إلا بما قدموا من صالح العمل الذي كان له أحسن الأثر في نفوسهم، فارتقت به إلى حظيرة القدس. والمعنى: حكم الله لهم بحصول الجنة، وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم في الآخرة. وإنما خصَّ ثواب الآخرة بالحسن إيذانًا بشرفه وفضله, لأنه غير زائل وثوابٌ لا يشوبه أذى ولا تنغيصٌ، وبأنه المعتدُّ به عند الله تعالى بخلاف ثواب الدنيا؛ فإنه قليلٌ سريع الزوال، وعرضة للأذى والمنغصات وترغيبًا في طلب ما يحصله من العمل الصالح، ومناسبة لآخر الآية. وإنما جمع الله لهم بين الثوابين؛ لأنهم أرادوا بعملهم هاتين السعادتين سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة كما هو شأن المؤمن ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: من عمل لدنياه أضر بآخرته، ومن عمل لآخرته أضر بدنياه، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوامٍ. وهذه الآية وأشباهها حجة على الغالين في الزهد الذين يتحرجون عن الاستمتاع بشيء من لذات الدنيا، ويعدون ذلك منافيًا للتقوى ومبعدًا عن رضوان الله تعالى.

стр. 2028

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المعترفين بكونهم مسيئين مقصِّرين، فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين، كأنه تعالى يقول لهم: إذا اعترفتم بإساءتكم وعجزكم .. فأنا أصفكم بالإحسان, وأجعلكم أحباء لنفسي حتى تعلموا أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى رضا الله تعالى، إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز. وقال أبو حيان: وفسَّر المفسرون ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ هنا بأحد معنيين: الأول: من أحسن ما بينه وبين ربه بلزوم طاعته. والثاني: من ثبت في القتال مع نبيه حتى يقتل أو يغلب؛ لأنهم هم الذين يقيمون سننه في أرضه، ويظهرون أعمالهم، وأنهم جديرون بخلافة الله فيها، ولا تكون أعمالهم إلا بما يرضي الله تعالى، فهي من الله ولله. وفي هذا تعليمٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يقولوا مثل هذا: عند لقاء العدو، وفيه دقيقةٌ لطيفةٌ، وهي أنهم لمَّا اعترفوا بذنوبهم، وكونهم مسيئين سماهم الله تعالى محسنين. الإعراب ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾. ﴿وَسَارِعُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، أو عاطفة. ﴿سَارِعُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ عطفًا تفسيريًّا ﴿إِلَى﴾ ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَارِعُوا﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ تقديره: كائنة من ربكم. ﴿وَجَنَّةٍ﴾ معطوف على مغفرة. ﴿عَرْضُهَا﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿السَّمَاوَاتُ﴾ خبر. ﴿وَالْأَرْضُ﴾ معطوف عليه، ولكنه على حذف مضاف تقديره: مثل عرض السموات والأرض، والجملة الإسمية في محل الجر صفة ﴿أُوْلِي﴾ لـ ﴿جَنَّةٍ﴾ ﴿أُعِدَّتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿جَنَّةٍ﴾. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿جَنَّةٍ﴾. ويجوز (١) أن تكون حالًا

стр. 2029

منها؛ لأنها قد وصفت، وأن تكون مستأنفة. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر صفة للمتقين، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار أعني، وأن يكون مرفوعًا بإضمار هم، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة. ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فِي السَّرَّاءِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ معطوف على ﴿السَّرَّاءِ﴾. ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿الْكَاظِمِينَ﴾ معطوف على الموصول مجرور على كونه صفة لـ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: أمدح، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل الصحيح يرفع الفاعل، وفاعله مستتر فيه تقديره: هم. ﴿الْغَيْظَ﴾ مفعوله منصوب ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿الْعَافِينَ﴾ معطوف على الموصول أيضًا على كونه صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويجوز نصبه بفعل محذوف. ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ متعلق به ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الواو﴾ اعتراضية ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن الجلالة، والجملة الإسمية معترضة لاعتراضها بين المتعاطفين. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر معطوف على الموصول قبله، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة السابقة، الجر على كونه صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، والقطع إلى النصب والرفع، ويجوز (١) أن يكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ مرفوعًا بالابتداء و ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان و ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثالث

стр. 2030

و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ خبر الثالث والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ﴿إِذَا فَعَلُوا﴾ ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَعَلُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَاحِشَةً﴾ مفعول به. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف: ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة فعلوا على كونها فعل شرط لي ﴿إذا﴾ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها صلة الموصول. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿اسْتَغْفَرُوا﴾ فعل وفاعل، واستغفر يتعدى إلى مفعولين، وكلاهما هنا محذوف تقديره؛ فاستغفروا الله ذنوبهم. ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اسْتَغْفَرُوا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿ذَكَرُوا﴾ على كونها جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ اعتراضية. ﴿مَن﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿مَن﴾ ﴿إِلَّا﴾، أداة استثناءٍ مفرغ. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ بدل من الضمير المستتر في ﴿يَغْفِرُ﴾ والجملة الإسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المتعاطفين أعني: قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾، وقوله الآتي ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لَمْ يُصِرُّوا﴾ جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ على كونها جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ ﴿عَلَى مَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُصِرُّوا﴾. ﴿فَعَلُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لِما، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: على ما فعلوه. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية. ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ فعل وفاعل والمفعول محذوف لعلمه تقديره: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ المؤاخذة بها أو عفو الله عنها، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: وهم عالمون بها، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿يُصِرُّوا﴾. ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

стр. 2031

وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ أول. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، ومضاف إليه ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ خبر للمبتدأ الثاني. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول، وخبره مستأنفة، وقد سبق لك قريبًا ما في هذه الجملة من أوجه الإعراب غير ما ذكرناه هنا فراجعه. ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ معطوف على مغفرة. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بتجري. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتٌ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾ (١) حال من الضمير في ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ لأنه مفعول به في المعنى؛ لأن المعنى يجزيهم الله جنات في حال خلودهم، وتكون حالًا مقدرة، ولا يجوز أن تكون حالًا من ﴿جَنَّاتٌ﴾ في اللفظ، وهي لأصحابها في المعنى؛ إذ لو كان كذلك .. لبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿وَنِعْمَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض؛ وهو من أفعال المدح. ﴿أَجْرُ﴾ فاعل. ﴿الْعَامِلِينَ﴾ مضاف إليه، والجملة من الفعل، والفاعل في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، يسمى المخصوص بالمدح تقديره ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجنة، والجملة من المبتدأ المحذوف، وخبره في محل الرفع معطوفة على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ على كونها خبرًا للمبتدأ الثاني: تقديره: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، ومقولٌ في جزائهم نعم أجر العاملين. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾. ﴿سُنَنٌ﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت

стр. 2032

عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنه قد خلت من قبلكم سننٌ، وشككتم فيها، وأردتم تيقنها، والاعتبار بها .. فأقول لكم: سيروا في الأرض لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم؛ ويجوز أن تكون الفاء عاطفة. ﴿سِيرُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وعبارة (١) الكرخي هنا، ودخلت الفاء لأن المعنى على الشرط؛ أي: إن شككتم فسيروا في الأرض لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم، وهذا مجازٌ عن إجالة الخاطر. والحاصل: أن المقصود تعرف أحوالهم فإن تيسر بدون السير في الأرض .. كان المقصود حاصلاً انتهت. ﴿فَانْظُرُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿انْظُرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام عن الحال في محل النصب خبر مقدم لـ ﴿كاَنَ﴾. ﴿كاَنَ﴾، فعل ماض ناقص. ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل النصب مفعول لـ ﴿انْظُرُوا﴾ تقديره: فانظروا حال عاقبة المكذبين. ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾. ﴿هَذَا﴾ مبتدأ. ﴿بَيَانٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿بَيَانٌ﴾ أو متعلق به. ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ معطوفان على ﴿بَيَانٌ﴾ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ تنازع فيه كل من ﴿هُدًى﴾ و ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ على أنه متعلق بهما، أو صفة لهما. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لَا﴾ ناهية. ﴿تَهِنُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة، وفي "الجمل" قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ هذا وما عطف عليه معطوفان في المعنى على قوله ﴿فَسِيرُوا﴾ في الأرض الخ. انتهى. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة

стр. 2033

﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. ﴿وَأَنْتُمُ﴾ الواو حالية. ﴿أَنْتُمُ﴾ مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ خبر مرفوع بالواو، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَهِنُوا﴾ أو ﴿تَحْزَنُوا﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون لأن الإِسلام يعلو ولا يعلى عليه، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ فعل ومفعول، وفاعل مجزوم بإن الشرطية. ﴿فَقَدْ مَسَّ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب مقرونًا بقد. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل. ﴿مِثْلُهُ﴾ نعت لقرح ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة، وفي "الجمل": قوله (١): ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ جواب الشرط محذوف؛ أي: فتأسوا، ومن زعم أن جواب الشرط ﴿فَقَدْ مَسَّ﴾ فهو غالط؛ لأن الماضي معنى يمتنع أن يكون جوابا للشرط، وللنحويين في مثل هذا تأويلٌ، وهو أن يقدروا شيئًا مستقبلًا, لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل، كما مرت الإشارة إليه. اهـ كرخي، وذلك التأويل هو التبيين؛ أي: فقد تبين مس القرح للقوم اهـ سمين. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. ﴿وَتِلْكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿تِلْكَ﴾. مبتدأ. ﴿الْأَيَّامُ﴾ بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الإشارة. ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نُدَاوِلُ﴾، الجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.

стр. 2034

﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف تقديره: نداولها بين الناس ليتعظوا، وليعلم الله، وقيل: إن الواو زائدة. ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به لأن، ﴿علم﴾ هنا بمعنى عرف، يتعدى إلى مفعول واحد ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، والجملة من الفعل والفاعل، صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولعلم الله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور المحذوف المتعلق بقوله ﴿نداولها﴾ تقديره: وتلك الأيام نداولها بين الناس لاتعاظهم، ولعلم الله الذين آمنوا. ﴿وَيَتَّخِذَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يَتَّخِذَ﴾ فعل مضارع معطوف على قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَّخِذَ﴾. على كونه مفعول أول لـ ﴿يَتَّخِذَ﴾ ﴿شُهَدَاءَ﴾ مفعول ثان ﴿لِيَتَّخِذَ﴾ والمعنى ويتخذ بعضكم شهداء ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾ اعتراضية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُحبُّ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين العلل المتعاطفات. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لِيُمَحِّصَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿يُمَحِّصَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿اللَّهُ﴾ فاعل. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به. وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿يُمَحِّصَ﴾ صلة أن المضمرة وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور تقديره: ولتمحيص الله. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿وَيَمْحَقَ﴾ معطوف على ﴿يُمَحِّصَ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مفعول به. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾.

стр. 2035

﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل التي للإضراب الانتقاليِّ، والهمزة التي للاستفهام الإنكاريِّ، والمعنى (١): لا تظنوا أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة مع السابقين بمجرد الإيمان من غير جهاد، ولا صبر بل مع الجهاد، والصبر، وهو خطاب لأهل أحدٍ حيث أمروا بالقتال مع كونهم جرحى، وشدد عليهم في ذلك، والمقصود من ذلك تعليم من يأتي بعدهم، وإلا فهم قد جاهدوا في الله حق جهاده وصبروا صبرًا جميلًا. ﴿حَسِبْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿أنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر سادٍ مسدَّ مفعولي حسب، والتقدير: لا تحسبوا دخولكم الجنة. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ حالية. ﴿لما﴾ حرف نفي وجزم تفيد توقع الجهاد منهم في المستقبل، فلذا عبر بها دون لم. ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لما﴾ وعلامة جزمه سكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل، بحركة التخلص من التقاء الساكنين، وجملة ﴿يَعْلَمِ﴾ من الفعل والفاعل في محل النصب حال من فاعل ﴿تَدْخُلُوا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به. ﴿جَاهَدُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿جَاهَدُوا﴾. ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة معية. ﴿يَعْلَم﴾ منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية الواقعة في جواب النفي. ﴿الصَّابِرِينَ﴾، مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يكن علم الله الذين جاهدوا منكم، وعلمه الصابرين: أي: لا تحسبوا ذلك. ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ فعل وفاعل ومفعول،
следующие страницы →