وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ أول. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، ومضاف إليه ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ خبر للمبتدأ الثاني. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول، وخبره مستأنفة، وقد سبق لك قريبًا ما في هذه الجملة من أوجه الإعراب غير ما ذكرناه هنا فراجعه. ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ معطوف على مغفرة. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بتجري. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتٌ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾ (١) حال من الضمير في ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ لأنه مفعول به في المعنى؛ لأن المعنى يجزيهم الله جنات في حال خلودهم، وتكون حالًا مقدرة، ولا يجوز أن تكون حالًا من ﴿جَنَّاتٌ﴾ في اللفظ، وهي لأصحابها في المعنى؛ إذ لو كان كذلك .. لبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿وَنِعْمَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض؛ وهو من أفعال المدح. ﴿أَجْرُ﴾ فاعل. ﴿الْعَامِلِينَ﴾ مضاف إليه، والجملة من الفعل، والفاعل في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، يسمى المخصوص بالمدح تقديره ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجنة، والجملة من المبتدأ المحذوف، وخبره في محل الرفع معطوفة على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ على كونها خبرًا للمبتدأ الثاني: تقديره: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، ومقولٌ في جزائهم نعم أجر العاملين.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾.
﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾. ﴿سُنَنٌ﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت
стр. 2032
عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنه قد خلت من قبلكم سننٌ، وشككتم فيها، وأردتم تيقنها، والاعتبار بها .. فأقول لكم: سيروا في الأرض لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم؛ ويجوز أن تكون الفاء عاطفة. ﴿سِيرُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وعبارة (١) الكرخي هنا، ودخلت الفاء لأن المعنى على الشرط؛ أي: إن شككتم فسيروا في الأرض لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم، وهذا مجازٌ عن إجالة الخاطر. والحاصل: أن المقصود تعرف أحوالهم فإن تيسر بدون السير في الأرض .. كان المقصود حاصلاً انتهت. ﴿فَانْظُرُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿انْظُرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام عن الحال في محل النصب خبر مقدم لـ ﴿كاَنَ﴾. ﴿كاَنَ﴾، فعل ماض ناقص. ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل النصب مفعول لـ ﴿انْظُرُوا﴾ تقديره: فانظروا حال عاقبة المكذبين.
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾.
﴿هَذَا﴾ مبتدأ. ﴿بَيَانٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿بَيَانٌ﴾ أو متعلق به. ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ معطوفان على ﴿بَيَانٌ﴾ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ تنازع فيه كل من ﴿هُدًى﴾ و ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ على أنه متعلق بهما، أو صفة لهما.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لَا﴾ ناهية. ﴿تَهِنُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة، وفي "الجمل" قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ هذا وما عطف عليه معطوفان في المعنى على قوله ﴿فَسِيرُوا﴾ في الأرض الخ. انتهى. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة
стр. 2033
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. ﴿وَأَنْتُمُ﴾ الواو حالية. ﴿أَنْتُمُ﴾ مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ خبر مرفوع بالواو، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَهِنُوا﴾ أو ﴿تَحْزَنُوا﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون لأن الإِسلام يعلو ولا يعلى عليه، وجملة إن الشرطية مستأنفة.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ فعل ومفعول، وفاعل مجزوم بإن الشرطية. ﴿فَقَدْ مَسَّ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب مقرونًا بقد. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل. ﴿مِثْلُهُ﴾ نعت لقرح ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة، وفي "الجمل": قوله (١): ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ جواب الشرط محذوف؛ أي: فتأسوا، ومن زعم أن جواب الشرط ﴿فَقَدْ مَسَّ﴾ فهو غالط؛ لأن الماضي معنى يمتنع أن يكون جوابا للشرط، وللنحويين في مثل هذا تأويلٌ، وهو أن يقدروا شيئًا مستقبلًا, لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل، كما مرت الإشارة إليه. اهـ كرخي، وذلك التأويل هو التبيين؛ أي: فقد تبين مس القرح للقوم اهـ سمين.
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
﴿وَتِلْكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿تِلْكَ﴾. مبتدأ. ﴿الْأَيَّامُ﴾ بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الإشارة. ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نُدَاوِلُ﴾، الجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 2034
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف تقديره: نداولها بين الناس ليتعظوا، وليعلم الله، وقيل: إن الواو زائدة. ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به لأن، ﴿علم﴾ هنا بمعنى عرف، يتعدى إلى مفعول واحد ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، والجملة من الفعل والفاعل، صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولعلم الله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور المحذوف المتعلق بقوله ﴿نداولها﴾ تقديره: وتلك الأيام نداولها بين الناس لاتعاظهم، ولعلم الله الذين آمنوا. ﴿وَيَتَّخِذَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يَتَّخِذَ﴾ فعل مضارع معطوف على قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَّخِذَ﴾. على كونه مفعول أول لـ ﴿يَتَّخِذَ﴾ ﴿شُهَدَاءَ﴾ مفعول ثان ﴿لِيَتَّخِذَ﴾ والمعنى ويتخذ بعضكم شهداء ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾ اعتراضية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُحبُّ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين العلل المتعاطفات.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لِيُمَحِّصَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿يُمَحِّصَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿اللَّهُ﴾ فاعل. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به. وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿يُمَحِّصَ﴾ صلة أن المضمرة وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور تقديره: ولتمحيص الله. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿وَيَمْحَقَ﴾ معطوف على ﴿يُمَحِّصَ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مفعول به.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾.
стр. 2035
﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل التي للإضراب الانتقاليِّ، والهمزة التي للاستفهام الإنكاريِّ، والمعنى (١): لا تظنوا أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة مع السابقين بمجرد الإيمان من غير جهاد، ولا صبر بل مع الجهاد، والصبر، وهو خطاب لأهل أحدٍ حيث أمروا بالقتال مع كونهم جرحى، وشدد عليهم في ذلك، والمقصود من ذلك تعليم من يأتي بعدهم، وإلا فهم قد جاهدوا في الله حق جهاده وصبروا صبرًا جميلًا. ﴿حَسِبْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿أنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر سادٍ مسدَّ مفعولي حسب، والتقدير: لا تحسبوا دخولكم الجنة. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ حالية. ﴿لما﴾ حرف نفي وجزم تفيد توقع الجهاد منهم في المستقبل، فلذا عبر بها دون لم. ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لما﴾ وعلامة جزمه سكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل، بحركة التخلص من التقاء الساكنين، وجملة ﴿يَعْلَمِ﴾ من الفعل والفاعل في محل النصب حال من فاعل ﴿تَدْخُلُوا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به. ﴿جَاهَدُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿جَاهَدُوا﴾. ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة معية. ﴿يَعْلَم﴾ منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية الواقعة في جواب النفي. ﴿الصَّابِرِينَ﴾، مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يكن علم الله الذين جاهدوا منكم، وعلمه الصابرين: أي: لا تحسبوا ذلك.
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ فعل وفاعل ومفعول،
стр. 2036
والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها، جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمَنَّوْنَ﴾. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تَلْقَوْهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من قبل لقائكم إياه. ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. قد حرف تحقيق. ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، لأن ﴿رأى﴾ بصرية، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَمَنَّوْنَ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿رَسُولٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾ فعل وتاء تأنيث. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾ ﴿الرُّسُلُ﴾ فاعل ﴿خَلَتْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع صفةٌ لـ ﴿رَسُولٌ﴾.
﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
﴿أَفَإِنْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف تقديره: أتؤمنون به مدة حياته؟ ﴿الفاء﴾ عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿مَاتَ﴾ فعل ماضي في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿أَوْ قُتِلَ﴾ فعل ماضي مغير الصيغة معطوف على ﴿مَاتَ﴾ ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مُحَمَّدٌ﴾. ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿انقلب﴾ أو حال من فاعل ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ أي: راجعين على أعقابكم، كما ذكره العكبري. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية من فعل شرطها، وجوابها معطوفة على الجملة المحذوفة على كونها مستأنفة كما مر آنفًا، وجملة الجواب هي محل الاستفهام الإنكاري، أي: إنكار انقلابهم وارتدادهم
стр. 2037
عن الدين، ﴿فالهمزة﴾ داخلة عليها في المعنى، والتقدير: أأنقلبتم على أعقابكم إن مات، أو قتل أي لا ينبغي منكم الانقلاب والارتداد حينئذٍ كما بيناه في بحث التفسير.
﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَنْقَلِبْ﴾ فعل مضارع مجزوم بمن على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، وخبر ﴿من﴾ الشرطية إما جملة الشرط أو الجواب، أو هما معًا. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنْقَلِبْ﴾. ﴿فَلَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿لن﴾. ﴿يَضُرَّ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة في محل الجزم على كونها جوابًا لها، وجملة من الشرطية مستأنفة. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به. ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة أي؛ ضررًا شيئًا. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِنَفْسٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿أَن﴾ حرف نصب. ﴿تَمُوتَ﴾ منصوب بـ ﴿أن﴾ وفاعله ضمير يعود على نفس، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية و ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع، على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا، تقديره؛ وما كان الموت إلا بإذن الله كائنًا لنفس. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَمُوتَ﴾. ﴿كِتَابًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف تقديره: كتب الله الموت على كل نفس ﴿كِتَابًا﴾. ﴿مُؤَجَّلًا﴾ صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾ والجملة المحذوفة مؤكدة لمضمون الجملة المذكورة قبلها.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.
стр. 2038
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يُرِدْ﴾ مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿نُؤْتِهِ﴾ جواب الشرط مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ والهاء مفعول أول. ﴿مِنْهَا﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني؛ لأنّ أتى هنا بمعنى: أعطى وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾ وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ الواو عاطفة. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ فعل ومفعول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿نُؤْتِهِ﴾ جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾. والهاء مفعول أول. ﴿مِنْهَا﴾ في محل المفعول الثاني، وجملة ﴿من﴾ معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿سَنَجْزِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ مفعول به، والجملة مستأنفة.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿كَأَيِّنْ﴾ اسم بمعنى كم الخبرية التكثيرية في محل الرفع، مبتدأٌ مبنيٌّ بسكون على النون المدغمة في ميم من لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا لتضمنه معنى رب التكثيرية. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿نَبِيٍّ﴾ تمييز له. ﴿قَاتَلَ﴾ فعل ماض، وفعله ضمير يعود على كأيّن، والجملة في محلِّ الرفع خبر المبتدأ والتقدير: وكثير من الأنبياء مقاتل، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿مَعَهُ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِبِّيُّونَ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿كَثِيرٌ﴾ صفة له، والجملة في محل النصب حال من فاعل قاتل، والتقدير حال كون الربيين معه في القتال.
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿وَهَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَهَنُوا﴾. ﴿أَصَابَهُمْ﴾ فعل ومفعول
стр. 2039
والفاعل ضمير يعود على ﴿ما﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَصَابَهُمْ﴾. ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ ﴿ما﴾ نافية. ﴿ضَعُفُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَهَنُوا﴾. وكذلك جملة ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿وَهَنُوا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة خبر عن الجلالة، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ ناقص. ﴿قَوْلَهُمْ﴾ خبر ﴿كان﴾ مقدم على اسمها، ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل في محل النصب بأن المصدرية، وجملة ﴿قال﴾ من الفعل والفاعل، صلة ﴿أن﴾ المصدرية و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كان﴾ والتقدير: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ إلا قولهم هذا الدعاء، وهذا الوجه أولى من عكسه، كما سبق تعليله في بحث التفسير، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء مقول القول. ﴿اغْفِرْ﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿لَنَا﴾ متعلق به. ﴿ذُنُوبَنَا﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول ﴿وَإِسْرَافَنَا﴾ معطوف على ﴿ذُنُوبَنَا﴾ ﴿فِي أَمْرِنَا﴾ متعلق بـ ﴿إِسْرَافَنَا﴾ ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ فعل ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الله والجملة معطوفة على جملة ﴿اغْفِرْ﴾ على كونها جواب النداء ومقول القول ﴿وَانْصُرْنَا﴾ فعل ومفعول والفاعل ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿اغْفِرْ﴾ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ جار ومجرور، وصفة متعلق بـ ﴿انْصُرْنَا﴾.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
стр. 2040
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة سببية. ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ مفعول ثان ومضاف إليه؛ لأن آتى بمعنى أعطى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾؛ لأن هذه الجملة مسببة عن تلك الجملة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿حسن﴾ معطوف على ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ وهو مضاف. ﴿ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف كما مر ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ جملة فعلية في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الإسمية مستأنفة. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَسَارِعُوا﴾ من باب فاعل والمفاعلة ليست على بابه، بل المراد منه أصل الفعل، والمسارعة إلى المغفرة والجنة؛ المبادرة إلى الأسباب الموصلة إليهما من الأعمال الصالحة، كالإقبال على الصدقات، وعمل الخيرات، والتوبة عن الآثام كالربا، ونحوه ﴿عَرْضُهَا﴾ والعرض: السعة بقطع النظر عن مقابل له، فليس العرض في مقابلة الطول، بل المراد به مطلق السعة، والعرب تقول: دعوى عريضة؛ أي: واسعة عظيمة. ولفظ العرض يطلق على هذا المعنى وعلى ما يقابل الطول، وهو أقصر الامتدادين، وكل من الإطلاقين حقيقيٌّ كما ذكره "القاموس".
﴿السَّرَّاءِ﴾ الحالة التي تسر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ الحالة التي تضر ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، وهو اسم فاعل من كظم من باب: ضرب يقال: كظم القربة أي ملأها وشد رأسها، وكظم الباب سدَّه، وكظم البعير جرته إذا ازدردها وكف عن الاجترار. والكظم الحبس يقال: كظم غيظه إذا حبسه فهو كاظمٌ وكظمه الغيظ، والغم إذا أخذ بنفسه فهو مكظومٌ وكظيم. قال تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ وأخذ فلانٌ بكظم فلان، إذا أخذ بمجرى نفسه. والغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حقُّ من حقوقها المادية، كالمال أو المعنوية كالشرف والعرض، فيزعجها ذلك، ويحفزها على التشفِّي والانتقام.
﴿وَالْعَافِينَ﴾ اسم فاعل من عفا يعفو من باب دعا. والعفو عن الناس: التجاوز عن ذنوبهم، وترك مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ من أصر
стр. 2041
الرباعي يصر إصرارًا. والإصرار اعتزام الدوام على الشيء، وترك الإقلاع عنه من صر الدنانير إذا ربط عليها، ومنه صرة الدنانير لما يربط منها (﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أصل ﴿تَهِنُوا﴾ توهنوا حذفت الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرة في الأصل، ثم أجريت حروف المضارعة مجرى الياء، في ذلك يقال: وهن بالفتح في الماضي يهن بالكسر في المضارع، ونقل أنه يقال: وهن ووهن بضم الهاء وكسرها في الماضي، ووهن يستعمل لازمًا ومتعديًا، يقال: وهن زيدٌ إذا ضعف قال تعالى: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ووهنته إذا أضعفته. ومنه الحديث: "وهنتهم حمى يثرب"؛ أي: أضعفتهم، والمصدر على الوهن، والوهن بفتح العين وسكونها.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ جمع أعلى، والأصل: أعليون فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة لتدل عليها، وإن شئت قلت: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان أيضًا، الياء، والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلّا مضمومًا لفظًا أو تقديرًا، وهذا مثال التقدير اهـ سمين.
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ داول من باب فاعل، والمداولة المناوبة على الشيء، والمعاودة وتعهده مرةً بعد أخرى، يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه، كأن المفاعلة بمعنى أصل الفعل. وعبارة "الخازن": المداولة نقل الشيء من واحد إلى واحد آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى آخر، والمعنى: إنَّ أيام الدنيا دول بين الناس، يوم لهؤلاء، ويوم لهؤلاء، فكانت الدولة للمسلمين يوم بدر، وللكفار يوم أحد. انتهى.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ أصل المحص كالفحص في اللغة: التنقية، والإزالة، لكن الفحصُ يقال: في إبراز الشيء عن خلال أشياء منفصلة عنه، والمحص في إبرازه عن أشياء متصلة به. وفي "القاموس": محص الذهب بالنار - من باب منع - أخلصه مما يشوبه، والتمحيص الابتلاء، والاختبار: انتهى. وأصل المحق نقص الشيء قليلًا قليلًا.
стр. 2042
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أصل هذا الفعل: استكن من السكون؛ لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليصنع به ما يريد. والألف تولدت من إشباع الفتحة، وعبارة السمين في هذا الفعل ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه استفعل من السكون والسكون، الذل وأصله: استكون، فنقلت حركة الواو على الكاف ثم قلبت الواو ألفًا.
والثاني: قال الأزهري: وأبو عليّ ألفه: من ياء، والأصل استكين ففعل بالياء ما فعل بالواو.
والثالث: قال الفراء: وزنه افتعل من السكون، وإنّما أشبعت الفتحة فتولد منها ألف كقوله:
أَعُوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الْعَقْرَابِ ... الشَّائِلَاتِ عُقَدَ الأَذْنَابِ
يريد: العقرب الشائلة. انتهت.
البلاغة
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ فيه مجازٌ مرسلٌ؛ لما فيه من إطلاق المسبب، وإرادة السبب، أي: بادروا إلى سببهما، وهو الأعمال الصالحة.
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ أي: كعرضهما، فيه تشبيه بليغ، وهو ما حذفت فيه الأداة ووجه الشبه.
﴿السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فيه من المحسنات البديعية: الطباق ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ والعدول فيه إلى صيغة الفاعل؛ للدلالة على الاستمرار والدوام. وأما الإنفاق، فلما كان أمرًا متجددًا؛ عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الاستفهام فيه إنكاريٌّ: بمعنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء، والمعنى لا يغفر الذنوب إلا الله.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ الإشارة بالبعيد للإشعار ببعد منزلتهم، وعلو طبقتهم في الفضل.
стр. 2043
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس المراد خصوص السير، بل المراد استعلام ما وقع للأمم الماضية بسيرٍ أو غيره، بل هو مجازٌ عن إجالة الخاطر في ذلك، ثم التأمل للتسلي والاتعاظ.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، والسر في هذا الالتفات تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ونفي المحبة فيه كنايةٌ عن البغض، وفي إيقاعه على الظالمين تعريض بمحبته تعالى لمقابليهم.
﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ فيه توبيخٌ لهم على أنهم تمنوا الحرب، وتسببوا فيها، ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو توبيخٌ لهم على الشهادة، فإن في تمنيها تمني غلبة الكافرين، وفي إيثار الرؤية على الملاقاة، وتقييدها بالنظر مزيد مبالغةٍ في مشاهدتهم له.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ القصر فيه قصر قلب، للرد عليهم في اعتقادهم؛ أنه معبودٌ، وهم وإن لم يعتقدوا ذلك حقيقةً لكن نزلوا منزلة من اعتقد ألوهيته لا رسالته؛ حيث رجعوا عن الدين الحق؛ لما سمعوا بقتله فكأنهم اعتقدوه معبودًا، وقد مات فرجعوا عن عبادته.
﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وهذا كنايةٌ عن الرجوع للكفر، لا حقيقة الانقلاب على الأعقاب الذي هو السقوط إلى خلف. قال في "تلخيص البيان": هذه استعارةٌ، والمراد به الرجوع عن دينه، فشبه سبحانه الرجوع في الإرتياب بالرجوع على الأعقاب.
وقال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات فنونًا من الفصاحة والبديع والبيان:
من ذلك: الاعتراض في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَن
стр. 2044
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
ومنها: تسمية الشيء باسم سببه في قوله: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، وقيل: هذه استعارة.
ومنها: الإضافة إلى الأكثر في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهي معدَّة لهم، ولغيرهم من العصاة.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، وفي قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ و ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾؛ لأن الوهن والعلو ضدان، وفي قوله: ﴿آمَنُوا﴾ و ﴿الظَّالِمِينَ﴾، لأن الظالمين هم الكافرون، وفي قوله: ﴿آمَنُوا﴾ ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
ومنها: العامُّ الذي يراد به الخاصُّ في قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يعني: من ظلمهم أو المماليك.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ﴾ و ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا﴾.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، و ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، و ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، و ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، و ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، و ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، و ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَسِيرُوا﴾، على أنه من سير الفكر لا من سير القدم. و ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ إذ لم تكن من علو المكان، و ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾، و ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ و ﴿وَيَمْحَقَ﴾.
ومنها: الإشارة في قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾.
ومنها: إدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إذا علق عليه النهي.
стр. 2045
ومنها: الاستفهام الذي معناه الإنكار في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ﴾، و ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾.
ومنها: تسمية الشيء باسم سببه في قوله: ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: الجهاد في سبيل الله. وفي قوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ فيمن فسَّر ذلك بالقلوب؛ لأنَّ ثبات الأقدام متسبَّب عن ثبات القلوب.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ ﴿ويعلم﴾ لاختلاف المتعلَّق، أو للتنبيه على فضل الصابر. وفي قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ لأنَّ العرف في الموت خلاف العرف في القتل، والمعنى مفارقة الروح الجسد فهو واحد، و ﴿مَنْ﴾ في ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ﴾ الجملتين، وفي قوله: ﴿ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا﴾ في قول من سوى بينهما.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
والخطاب فيها موجهٌ إلى كل من سمع من المؤمنين مقالة أولئك القائلين من المنافقين: ارجعوا إلى إخوانكم، ودينكم فإن الكفار لما أرجفوا أن النبيَّ ﷺ قد قتل، دعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر، فنهاهم الله عن الالتفات إلى كلامهم.
فبالجملة لا تزال الآيات الكريمة تنادي بذكر أحداث غزوة أحد، وما فيها من العظات، والعبر فهي تتحدث عن أسباب الهزيمة، وموقف المنافقين الفاضح في تلك الغزوة، وتآمرهم على الدعوة الإسلامية بتثبيط عزائم المؤمنين.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ...﴾ الآية، قال محمد بن كعب القرظي (١): لمَّا رجع رسولُ الله ﷺ وأصحابه من أحد إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ يعني بالنصر، والظفر؛ وذلك أنّ الظفر كان للمسلمين في الابتداء، وقيل: إنَّ الله وعد المؤمنين النصر بأحد فنصرهم، فلما خالفوا أمر رسول الله ﷺ ، وطلبوا الغنيمة هزموا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵄ قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم يومئذٍ من أحدٍ إلا يميد تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وروى أيضًا عن هشام ابن عروة عن الزبير مثله، وقال: حديث حسن صحيح، وحديث الزبير هذا، أخرجه ابن راهويه ولفظه: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين اشتدَّ علينا الخوف، وأرسل علينا النوم فما منا أحدٌ إلا وذقنه أو قال: ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا
стр. 2048
هَاهُنَا﴾ فحفظتها، فأنزل الله ﵎ في ذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ إلى قوله: ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب بن قشير قال: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٤٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله، وصدقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ ﴿إِنْ تُطِيعُوا﴾، وتمتثلوا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجحدوا، نبوة نبيكم محمد ﷺ فيما يأمرونكم به، وتقبلوا رأيهم، ونصيحتهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون، حيث قالوا لكم يوم أحد: إرجعوا إلى دين آبائكم، ولو كان محمد نبيًّا .. ما قتل ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ أي: يرجعوكم عما كنتم عليه من الإيمان بالله ورسوله ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، وأدباركم؛ أي: على ما كنتم عليه أولًا من الكفر والشرك بالله: أي: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾؛ أي: ترجعوا ﴿خَاسِرِينَ﴾ في الدنيا والآخرة، وتكونوا مغبونين في الدين والدنيا، أما خسران الدنيا فبخضوعكم لسلطانهم، وذلتكم بين يديهم وحرمانكم من السعادة، والملك والتمكين في الأرض كما وعد الله المؤمنين الصادقين، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ فإن أشقَّ الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد إلى العدو، وإظهار الحاجة إليهم.
وأما خُسران الآخرة: فبالحرمان من الثواب المؤيد، والوقوع في العذاب المخلد.
والمراد بالذين كفروا المنافقون كما تقدم. وقال السديُّ وغيره: المراد بهم أبو سفيان بن حرب؛ لأنه شجرة الكفر، وكبير القوم في ذلك اليوم. ومعنى الآية حينئذ: إن تخضعوا لأبي سفيان وأشياعه، وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: المراد عبد الله بن أبي، وأتباعه من المنافقين؛ لأنهم قالوا: لو كان محمد ﷺ نبيًّا .. ما وقعت له هذه الواقعة، فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه. وقال ابن عباس: المراد بهم اليهود كعبٌ وأصحابه، والمراد بالذين آمنوا حذيفة وعمار.
стр. 2049
١٥٠ - و ﴿بَلِ﴾ في قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ إضرابٌ عن مفهوم الجملة الأولى؛ أي: إن تطيعوا الكافرين يخذلوكم، ولا ينصروكم بل الله مولاكم، وناصركم، ووليكم، وحافظكم، فاستعينوا به لا غيره.
وقرأ (١) الحسن بنصب الجلالة على تقدير، بل أطيعوا الله، لأن الشرط السابق يتضمن معنى النهي؛ أي: لا تطيعوا الكفار، فتكفروا، بل أطيعوا الله مولاكم ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾؛ أي: أقواهم وأفضلهم؛ فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد، ولا إلى ولاية غيره، فاكتفوا به عن ولاية غيره ونصره. وفي هذا دلالةٌ على أن من قاتل لنصر دين الله لا يخذل ولا يغلب، لأنَّ الله مولاه وناصره، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.
والمعنى (٢): لا تفكروا في ولاية أبي سفيان وشيعته، ولا عبدِ الله بن أُبَيٍّ وحزبه، ولا تأبهوا - لا تلتفتوا - لإغوائهم فإنهم لا يستطيعون لكم نصرًا، وإنما الله هو الذي ينصركم بعنايته التي وعدكم بها، في قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فقد جرت سنته أن يتولى الصالحين، ويخذل الكافرين كما قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾.
١٥١ - ولما انصرف المشركون من أحدٍ .. هموا بالرجوع لاستئصال المسلمين، وخاف المسلمون ذلك، فوعدهم الله تعالى خذلان أعدائهم بقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾؛ أي: سنقذف في قلوب كفار مكة الخوف منكم حتى لا يرجعوا إليكم، وذلك أنَّ أبا سفيان، ومن معه ارتحلوا يوم أحد متوجهين إلى مكة، فلما بلغوا بعض الطريق ندموا، وقالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد .. تركناهم ارجعوا إليهم فاستأصلوهم؛ فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، يعني الخوف الشديد، حتى رجعوا عما هموا
стр. 2050
به. فعلى هذا القول: يكون الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفار مخصوصًا بيوم أحد. وقيل: إنه عام، وإن كان السبب خاصًّا لقوله ﷺ : "نصرت بالرعب مسيرة شهر". فكأنه قال: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب منكم حتى تقهروهم، ويظهر دينكم على سائر الأديان، وقد فعل الله ذلك بفضله وكرمه، حتى صار دين الإسلام ظاهرًا على جميع الأديان والملل كما قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
وقرأ (١) الجمهور ﴿سَنُلْقِى﴾ بالنون، وهو مشعرٌ بعظم ما يلقى إذ أسنده إلى المتكلم بنون العظمة. وقرأ أيوب السختياني ﴿سيلقى﴾ بالياء جريًا على الغيبة السابقة في قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ وقدم لفظ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ وهو مجرور على المفعول، وهو الرعب للاهتمام بالمحل الملقى فيه قبل ذكر الملقى. وقرأ ابن عامر، والكسائي ﴿الرعب﴾ بضم العين، والباقين بسكونها فقيل: هما لغتان، وقيل: الأصل السكون، وضم إتباعًا كالصبح والصبح. وقيل: الأصل الضم، وسكن تخفيفًا كالرسل والرسل. والباء في قوله: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ سببية، و ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: سنلقي في قلوبهم الرعب بسبب إشراكهم بالله ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾؛ أي: آلهةً ومعبودًا لم ينزل الله تعالى بعبادته ﴿سُلْطَانًا﴾؛ أي: برهانًا، وحجة، وكتابًا، وتسليط النفي على الإنزال، والمقصود نفي السلطان؛ أي: آلهةً لا سلطان في إشراكها، فينزل. وقال الشوكاني (٢): والنفي: يتوجه إلى القيد، والمقيد؛ أي: لا حجة، ولا إنزال، والمعنى: أنَّ الإشراك بالله لم يثبت في شيء من الملل انتهى.
وكان (٣) الإشراك بالله سببًا لإلقاء الرعب؛ لأنهم يكرهون الموت، ويؤثرون الحياة، إذ لم تتعلق آمالهم بالآخرة، ولا بثوابٍ فيها، ولا عقابٍ، فصار اعتقادهم ذلك مؤثرًا في الرغبة في الحياة الدنيا، كما قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا
стр. 2051
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وفي قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ دليلٌ على إبطال التقليد؛ إذ لا برهان مع المقلد.
والمعنى: أنه سيحكم في أعدائكم الكافرين سننه، ويلقي في قلوبهم الرعب بسبب إشراكهم بالله أصنامًا، ومعبوداتٍ لم يقم برهانٌ من عقلٍ، ولا نقل على ما زعموا من ألوهيتها، وكونها واسطة بين الله وبين خلقه، وإنما قلدوا في ذلك آباءهم الذين ضلوا من قبل، ومن ثم كانوا عرضة لاضطراب القلب، واتباع خطوات الوهم، فهم يعدون الوساوس أسبابًا، والهواجس مؤثرات وعللًا، ويرجون الخير مما لا يرجى منه الخير، ويخافون مما لا يخاف منه الضير.
وفي الآية: إيماءٌ إلى بطلان الشرك وسوء أثره في النفوس، إذ طبيعته تورث القلوب الرعب باعتقادِ؛ أن لبعض المخلوقات تأثيرًا غيبيًا وراء السنن الإلهية، والأسباب العادية، فالمشركون الذين جاهدوا الحق وأثروا مقارعة الداعي، ومن استجاب له بالسيف بغيًا، وعدوانًا يرتابون فيما هم فيه، ويتزلزلون إذا شاهدوا الذين دعوهم ثابتين مطمئنين، ولا يزال ارتيابهم يزيد حتى تمتلىء قلوبهم رعبًا.
والخلاصة: أن طبيعة المشركين إذا قاوموكم أيها المؤمنون: أن تكون نفوسهم مضطربةً، وقلوبهم ممتلئةً رعبًا وهلعًا منكم، فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم، والالتجاء إليهم.
وبعد أن بين أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا من وقوع الخوف، والهلع في قلوبهم. ذكر أحوالهم في الآخرة فقال: ﴿وَمَأوَاهُمُ﴾؛ أي: مسكنهم، ومنزلهم، ومقرهم ﴿النَّارُ﴾ في الآخرة بسبب إشراكهم، ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾، أي: وقبح مسكن الذين ظلموا أنفسهم، بالإشراك، ومقرهم الذي يستقرون به، ويقيمون فيه، والمخصوص بالذم محذوفٌ تقديره: وبئس مثوى الظالمين النار، وفي جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم، رمزٌ إلى خلودهم فيها. فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى: فهو المكان الذي
стр. 2052
يأوي إليه الإنسان. وقدم المأوى على المثوى؛ لأنه على الترتيب الوجودي؛ لأنَّ الإنسان يأوي إلى المكان ثم يثوي فيه.
والمعنى: إنَّ مسكنهم النار بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والجحود، ومعاندة الحق، ومقاومة أهله، وظلمهم للناس بسوء المعاملة، وفي التعبير بالمثوى المنبىء عن المكث الطويل دليلٌ على الخلود فيها كما مرَّ آنفًا.
١٥٢ - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد وفى الله ، وحقق يوم أحد ما وعده لكم أيها المؤمنون على لسان رسوله محمدٍ ﷺ من النصر على أعدائكم ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾؛ أي: حين تقتلونهم قتلًا ذريعًا كثيرًا في أوَّل الحرب ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بإرادته وتيسيره ومعونته، وكان رسول الله ﷺ وعدهم النصر يومئذٍ إن انتهوا إلى أمره.
وهذا جواب لمن رجع إلى المدينة من المؤمنين، قالوا: وعدنا الله بالنصر، والإمداد بالملائكة، فمن أيِّ وجه أُتينا؟ فنزلت إعلامًا أنه تعالى صدقهم الوعد، ونصرهم على أعدائهم أوّلًا، وكان الإمداد مشروطًا بالصبر والتقوى، واتفق من بعضهم من المخالفة ما نصَّ الله تعالى عليه في كتابه هنا.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ وجبنتم عن قتال العدو ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾؛ أي: اختلفتم في أمر الحرب بالثبات في المركز وعدمه، ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أمر الرسول ﷺ ؛ أي: ولقد صدقكم وعده بالنصر في أول الحرب إلى وقت أن وقع منكم الفشل، والتنازع والعصيان، وإذا مجردةٌ عن معنى الشرط، وقيل: وهو الصحيح فيها معنى الشرط، وجوابها محذوف تقديره: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم في أول الحرب، حتى إذا فشلتم، وتنازعتم في أمر الحرب، وعصيتم أمر الرسول ابتلاكم الله، وامتحنكم بالهزيمة، ومنعكم النصر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ﴾ الله في أول الحرب ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ من الظفر، والغنيمة، وانهزام العدو.
والمعنى: صدقكم الله وعده حتى ضعفتم في الرأي والعمل، فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، وتنازعتم فقال بعضكم: ما بقاؤنا هنا، وقد انهزم المشركون، وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول ﷺ وعصيتم رسولكم وقائدكم؛
стр. 2053
بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه، يحمون ظهور المقاتلة بدفع المشركين بالنبل من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، والظفر، فصبرتم على الضراء، ولم تصبروا على السراء.
وخلاصة القول: إنَّ الله نصركم على عدوكم إلى أن كان منكم الفشل، والتنازع، وعصيان أمر قائدكم ﷺ ، فانتهى النصر لأن الله تعالى: إنما وعدكم النصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة.
وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ تنبيهٌ على عظم المعصية، لأنه كان من حقهم حين رأوا إكرام الله لهم بإنجاز الوعد أن يمتنعوا من عصيانه، فلما أقدموا عليه لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام، وأذاقهم وبال أمرهم، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ﴾ بجهاده ﴿الدُّنْيَا﴾، أي: الغنيمة، وهم الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله ﷺ في الشعب من أحد، وذهبوا وراء الغنيمة، وكان الرماة أولًا خمسين، ذهب منهم نيف على أربعين للنهب، وعصوا أمر الرسول ﷺ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ﴾ بجهاده ﴿الْآخِرَةَ﴾؛ أي: ثوابها، وهم الذين ثبتوا من الرماة مع قائدهم عبد الله بن جبير، وهم نحو عشرة قتلوا جميعًا، والذين ثبتوا مع النبي ﷺ ، وهم ثلاثون رجلًا، وممن أراد الآخرة من ثبت بعد تخلخل المسلمين، فقاتل حتى قتل كأنس بن النضر، وغيره ممن لم يضطرب في قتاله ولا في دينه.
وهاتان الجملتان معترضتان بين المعطوف عليه الذي هو جواب إذا المقدر، والمعطوف الذي هو قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: ابتلاكم بالهزيمة، ثم صرفكم، وردكم، وكفكم أيها المؤمنون عن الكفار، وألقى الهزيمة عليكم، وسلط الكفار عليكم حتى تحولت الحال من النصرة إلى ضدها، ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾؛ أي: ليمتحن صبركم على المصائب، وثباتكم على الإيمان عندها.
والخلاصة: أنَّ الله صدقكم وعده، فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال، ثم صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك؛ أي: ليكون ذلك ابتلاءً واختبارًا
стр. 2054
لكم يمحصكم به، ويميز الصادقين من المنافقين، والصابرين من الجازعين ﴿وَلَقَدْ عَفَا﴾ الله ﴿عَنْكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد غفر الله لكم أيها المخالفون أمر الرسول ﷺ ما ارتكبتموه من المخالفة والهزيمة تفضلًا منه لما علم من ندمكم على المخالفة ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ وطول، وإحسان ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: على أهل الإيمان به، وبرسوله، فيعفو عن كثير مما يستوجبون به العقوبة من الذنوب، ولا يذرهم على ما هم عليه من تقصيرٍ يهبط بنفوس بعض، وضعف يلم بآخرين، بل يمحص ما في صدورهم حتى يكونوا من المخلصين الطائعين المخبتين.
١٥٣ - وفي الآية: دليلٌ (١) على أنَّ صاحب الكبيرة مؤمنٌ، وأنَّ الله تعالى يعفو بفضله وكرمه إن شاء؛ لأنه سمَّاهم مؤمنين مع ما ارتكبوه من مخالفة أمر رسول الله ﷺ وهي كبيرةٌ، وعفا عنهم بعد ذلك. والظرف في قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ إما متعلق بصرفكم، وهو أجود من جهة المعنى، أو بعفا، وهو أحسن من جهة القرب أو بعصيتم، أو تنازعتم أو باذكروا محذوفًا؛ أي: ثم صرفكم عنهم حين تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض، والإبعاد في نواحيها، منهزمين منهم هاربين في الجبل، والإصعاد الذهاب في صعيد الأرض. ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾؛ أي: ولا تلتفتون ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ وراءكم؛ أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض، ولا ينتظره لشدة الدهشة التي عرتكم، والخوف الذي فجأكم ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾؛ أي: والحال أنَّ الرسول محمدا ﷺ يناديكم من ورائكم و ﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾؛ أي: في (٢) ساقتكم أو جماعتكم الآخرى، أي: واقفٌ في آخركم يقول: "إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ - رجع - فله الجنة" وأنتم لا تسمعون، ولا تنظرون، وقد كان لكم أسوةٌ بالرسول، فتقتدون به في الصبر والثبات.
وقرأ الجمهور (٣) ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء مضارع أصعد الرباعي، والهمزة
стр. 2055
في أصعد للدخول؛ أي: دخلتم في الصعيد ذهبتم فيه كما تقول: أصبح زيدٌ؛ أي: دخل في الصباح، فالمعنى: إذ تذهبون في الأرض، وتبين ذلك قراءة أبي ﴿إذ تصعدون في الوادي﴾ وقرأ أبو عبد الرحمن، والحسن، ومجاهد، وقتادة، واليزدي ﴿تَصعَدونَ﴾ من صعد في الجبل إذا ارتقى إليه.
والجمع بين القراءتين: أنهم أوَّلًا أصعدوا في الوادي، فلما ضايقهم العدو صعدوا في الجبل، وهذا على رأي من يفرق بين أصعد وصعد. وقرأ أبو حيوة ﴿تصعدون﴾ من تصعد في السلم، وأصله تتصعدون، فحذفت إحدى التائين على الخلاف في ذلك، أهي تاء المضارعة أم تاء تفعل؟.
وقرأ ابن محيصن، وابن كثير في رواية شِبْلٍ ﴿يَصْعَدُون﴾ ﴿ولا يلوون﴾ بالياء على الخروج من الخطاب إلى الغيبة. وقرأ الجمهور (١) ﴿تَلْوُنَ﴾ بفتح التاء، وضم الواو الأولى من لوى الثلاثي، وقرىء ﴿تَلْؤُون﴾ بإبدال الواو الأولى همزةً كراهية اجتماع واوين، وليس بقياس. وقياس هذه الواو المضمومة أن لا تبدل همزةً لأن الضمة فيها عارضةٌ.
وقرأ الأعمش وورش عن عاصم ﴿تُلْوون﴾ بضم التاء من أَلْوى الرباعي، وهي لغةٌ ففعل، وأفعل بمعنى.
وقرأ الحسن ﴿تَلُوْنَ﴾ بواو واحدةٍ، وخرَّجُوها على أنه أبدل الواو همزة، ثم نقلت حركة الهمزة على اللام، ثم حذفت الهمزة على القاعدة، فلم يبق من الكلمة إلا الفاء، وظاهر قوله: ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ بفتح الهمزة على قراءة الجمهور العموم، وقيل: المراد به النبيُّ ﷺ وعبر بأحد عنه تعظيمًا له، وصونًا لاسمه أن يذكر عند ذهابهم عنه، قاله ابن عباس، والكلبيُّ، وقرأ حميد بن قيس ﴿على أحد﴾ بضم الهمزة، والحاء، وهو الجبل قاله ابن عطية، والقراءة المشهورة أقوى؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرَّ الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم، إنما كانت وهو يدعوهم انتهى.
стр. 2056
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ عطفٌ (١) على صرفكم؛ أي: ثم صرفكم عنهم فجازاكم غمًّا حصل لكم بسبب الانهزام، وقتل الأحباب، وفوت الغنائم بسبب غمٍّ حصل للرسول ﷺ بسبب عصيانكم أمره؛ أي: أذاقكم غمًّا بسبب غمٍّ، أذقتموه رسول الله ﷺ بسبب فراركم عنه ﴿لِكَيْ﴾ تتمرنوا على تجرع الغموم وتتعودوا الصبر في الشدائد فـ ﴿لا تحزنوا﴾؛ أي: لا تتأسفوا فيما بعد ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الظفر والغنيمة ﴿وَلَا﴾ تحزنوا على ﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ ونالكم من القتل والجراح والهزيمة. وقيل: الجار والمجرور متعلِّقٌ بـ ﴿عفا﴾ عنكم، والمعنى: ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم؛ لأن عفوه يذهب كلَّ هم وحزن، وقيل: المعنى: فأثابكم غمًّا متواصلًا أنساكم الحزن على ما فاتكم، ولا ما أصابكم. وقد روي أنهم لما سمعوا بأن النبيُّ ﷺ قد قتل نسوا ما أصابهم، وما فاتهم. هذا على القول بأنَّ ﴿لا﴾ أصليةٌ. والقول الثاني: أنَّ ﴿لا﴾ زائدة، واللام متعلِّقة بـ ﴿أثابكم﴾ أي: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم قال ابن عباس ﵄ الذي فاتهم الغنيمة، والذي أصابهم القتل والهزيمة. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عالم بجميع أعمالكم، ومقاصدكم والدواعي التي حملتكم عليها قادرٌ على مجازاتكم عليها إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، وفي هذه الجملة ترغيبٌ في الطاعة وترهيبٌ عن الإقدام على المعصية.
وخصَّ (٢) العمل بالذكر، وإن كان تعالى خبيرًا بجميع الأحوال من الأعمال والأقوال والنيَّات تنبيهًا على أعمالهم من تولية الأدبار والمبالغة في الفرار، وهي أعمال تخشى عاقبتها وعقابها.
١٥٤ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ﴾ الله وأرسل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا معشر المسلمين ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ الذي أصابكم بسبب الجراح والقتل والهزيمة ﴿أَمَنَةً﴾؛ أي: أمنًا من
стр. 2057
العدو، وطمأنينةً في القلب وقوله: ﴿نُعَاسًا﴾ بدلٌ من ﴿أمنة﴾ بدل كل من كل؛ أي: ثم وهبكم من بعد الغم الذي اعتراكم أمنًا أزال عنكم الخوف الذي كان بكم، حتى نعستم، وغلبكم النوم لتستردوا ما فقدتم من القوة بما أصابكم من القرح، وما عرض لكم من الضعف. والنوم نعمةٌ كبرى لمن يصاب بمثل تلك المصائب، وعنايةٌ من الله يخص بها بعض عباده في مثل تلك المحن، ليخفف وقعها على النفوس. ومعنى الآية: امتنان الله علمهم بأمنهم بعد الخوف والغم بحيث صاروا من الأمن ينامون، وذلك أن شديد الخوف والغم لا يكاد ينام. قرأ الجمهور ﴿أَمَنَةً﴾ بفتح الميم على أنه بمعنى الأمن، أو جمع آمنٍ كبارٍ وبررة. وقرأ النخعيُّ، وابن محيصن ﴿أمنةً﴾ بسكون الميم بمعنى الأمن ﴿يَغْشَى﴾؛ أي: يغطي، ويأخذ ذلك النعاس ﴿طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾؛ أي: جماعة منكم أيها المسلمون، قال ابن عباس: هم المهاجرون وعامَّةُ الأنصار، الذين كانوا على بصيرةٍ في إيمانهم. قرأ الجمهور ﴿يَغْشَى﴾ بالياء إسنادًا إلى ضمير النعاس، أي: يغشى هو، وقرأ حمزة، والكسائيُّ تغشى بالتاء إسنادًا إلى ضمير، أمنة؛ أي: تغشى هي.
روى البخاري عن أنس عن أبي طلحة ﵄ قال: كنت فيمن يغشاهم النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه ويسقط فآخذه.
﴿وَطَائِفَةٌ﴾؛ أي: وجماعةٌ من المنافقين كعبد الله بن أبيٍّ، ومعتِّب بن قشير، وأصحابهما ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: قد أوقعتهم نجاة أنفسهم وخلاصها في الهموم فلا ينامون، لأن أسباب الخوف، وهي قصد العدو كانت حاصلةً لهم، والدافع لذلك، وهو الوثوق بوعد الله ورسوله غير معتبر عندهم؛ لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، فلذلك عظم الخوف في قلوبهم.
وخلاصة هذا: أنَّ المسلمين بعد انتهاء الموقعة صاروا فريقين:
الأول: فريقٌ ذكروا ما أصابهم، فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم، وذكروا وعد الله بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم، ووثقوا بوعد ربهم، وأيقنوا أنهم إن
стр. 2058
غلبوا هذه المرة بسبب ما أصابهم من الفشل والتنازع وعصيان الرسول، فإن الله سينصرهم بعد، فأنزل الله عليهم النعاس أمنةً حتى يستردوا ما فقدوا من قوة، ويذهب عنهم ما عرض لهم من ضعف.
والثاني منهما: فريقٌ أذهلهم الخوف حتى صاروا مشغولين عن كل ما سواهم؛ إذ الوثوق بوعد الله، ووعد رسوله لم يصل إلى قرارة نفوسهم؛ لأنهم كانوا مكذِّبين بالرسول في قلوبهم، لا جرم عظم الخوف لديهم، وحقَّ عليهم ما وصفهم الله به من قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾، وهذه الجملة حالٌ من ضمير أهمتهم، أي: أهمتهم أنفسهم حالة كونهم يظنون، ويعتقدون في الله ظنًّا، سيئًا، فاسدًا، وهو عدم نصر الله محمدًا ﷺ ﴿غَيْرَ﴾ الظن ﴿الْحَقِّ﴾ أي غير الصدق الذي يجب اعتقاده، وهو نصره محمدًا ﷺ وقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدلٌ من غير الحق؛ أي: يظنون في الله ظن أهل الملة الجاهلية؛ إذ كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان محمدٌ نبيًّا حقًّا .. ما سلط الله عليه الكفار، وهذا ظن فاسدٌ، وقولٌ باطلٌ لا يقوله إلا أهل الجهل، والشرك بالله تعالى، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحدٍ عليه، فإن النبوة خلعةٌ من الله تعالى يشرف بها عبده، وليس يجب في العقل أن الله تعالى إذا شرف عبدًا بخلعةٍ أن يشرفه بخلعة أخرى بل له الأمر والنهي، كيف يشاء بحكم الإلهية.
وجملة قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بدلٌ من ﴿يَظُنُّونَ﴾، والاستفهام فيه للإنكار، ومن زائدة، أي: يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار: هل لنا من النصر، والفتح، والظفر الذي وعدنا به محمدٌ نصيبٌ، يعنون أنه ليس لهم من ذلك شيء، قط لأن الله تعالى لا ينصر محمدًا ﷺ .
فهم قد فهموا أنَّ النصر وحقيّة الدِّين متلازمان، فما حدث في ذلك اليوم دليلٌ على أنَّ هذا الدين ليس بحق، وهذا خطأٌ كبيرٌ، فإن نصر الله رسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا، ولكن العاقبة للمتقين.
ثم أتى بجملةٍ معترضةٍ بين ما قبلها، وما بعدها، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ﴾؛ أي: إنَّ النصر، والغلبة، والظفر، والقضاء،
стр. 2059
والقدر جميعه ﴿لِلَّهِ﴾ ، وبيده يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف يريد، فكل أمرٍ يقع في العالم فهو بحسب سننه تعالى في الخليقة، ووفق النظام الذي وضعه أولًا، وربط فيه الأسباب بالمسببات، ومن ذلك نصر من ينصره من المؤمنين كما وعد ذلك في قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾. وهذه معترضةٌ كما مر آنفًا. وقرأ الجمهور (١) ﴿كله﴾ بالنصب تأكيدًا للأمر، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب ﴿كله﴾ بالرفع على أنه مبتدأ، ويجوز أن يعرب توكيدًا للأمر على الموضع على مذهب من يجيز ذلك، وهو الجرميُّ والزجاج والفراء. قال ابن عطية: ورجح الناس قراءة الجمهور، لأن التأكيد أملك بلفظة كلٍّ انتهى. ولا ترجيح إذ كل من القراءتين متواترٌ، والابتداء بكلٍّ كثيرٌ، في لسان العرب، وجملة قوله: ﴿يُخْفُونَ﴾ حال من ضمير يقولون، أي: يقولون: هل لنا من الأمر شيء حالة كونهم يخفون، ويضمرون ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾، أي: ما لا يستطيعون إعلانه، وإظهاره لك، فهم يظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر بقولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ويبطنون الإنكار والتكذيب. وجملة قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ مستأنفةٌ استئنافًا بيانيًّا لما يخفون واقعًا في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما الذي يخفونه؛ فأجاب بقوله: يقول هؤلاء المنافقون في أنفسهم أو بعضهم لبعضٍ ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ﴾ والتدبير والرأي والاختيار ﴿شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾؛ أي: ما قتل من قتل منا في هذه المعركة، وما غلبنا، يعنون أنهم أخرجوا كرهًا، ولو كان الأمر بيدهم ما خرجوا، أو المعنى يقولون: لو كان أمر النصر والظفر بأيدينا، كما ادَّعى محمد أنَّ الأمر كلَّه لله، ولأوليائه، وأنهم الغالبون لما غلبنا، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة. وهذا منهم تقريرٌ لرأيهم، واستدلالٌ عليه بما وقع لهم، وقد غفلوا عن أنَّ الآجال محدودةٌ، والأعمار موقوتة بوقت لا تعدوه، ومن ثم أمر الله نبيه ﷺ أن يجيبهم ويرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَوْ كُنْتُمْ﴾ ومكثتم ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ومنازلكم ولم تخرجوا من المدينة إلى أحدٍ للقتال كما تقولون ﴿لَبَرَزَ﴾
стр. 2060
وظهر وخرج من بينكم ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ في اللوح المحفوظ، وانتهت آجالهم، وثبت في علم الله أنهم يقتلون بسببٍ من الأسباب الداعية إلى البروز والخروج ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ وأماكنهم التي ماتوا فيها عند أحد ومصارعهم ومساقطهم ومقاتلهم التي قدر الله تعالى أنهم يقتلون فيها فتكون لهم مصارع ومضاجع وقتلوا هناك ألبتةً، ولم تنفع العزيمة على الإقامة بالمدينة قطعًا، فإن قضاء الله لا يرد وحكمه لا يعقب.
والخلاصة: (١) أنَّ الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير، فالذين قدر عليهم القتل لا بد أن يقتلوا على كل حال، وإلا انقلب علم الله جهلًا، وذلك محال فقتل من قتل إنما جاء لانتهاء آجالهم، كما قدر ذلك في اللوح المحفوظ، وكتب مع ذلك أنهم هم الغالبون، وأن العاقبة لهم، وأن دين الإسلام سيظهر على الدين كلِّه. وقرأ الجمهور ﴿برز﴾ بالفتح والتخفيف ويقرأ بالتشديد على ما لم يسم فاعله؛ أي: أخرجوا بأمر الله تعالى ذكره أبو البقاء. وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ معطوف على علةٍ محذوفةٍ لمعلول محذوف تقديره: فرض الله عليكم القتال، ولم ينصركم يوم أحد وفعل بكم فيه ما فعل لحكمةٍ باهرة، ومصالح جمةٍ، وليبتلى الله ، ويختبر ما في صدوركم من الإخلاص، والنفاق، ويظهر ما فيها من السرائر والاعتقادات، ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ الله ويصفي ويطهر ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من وساوس الشيطان، والشك والارتياب بما يريكم من عجائب صنعه في إلقاء الأمَنَةِ وصرف العدو عنكم.
وخلاصة الكلام هنا: فعل الله بكم ما أصابكم يوم أحد من القتل والجراح ليكون القتل عاقبة من انتهت آجالهم، وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص وعدمه، فيظهر ما انطوت عليه من ضعف وقوة، ويمحص ما في قلوبهم من الوساوس، ويطهرها حتى تصل إلى الغاية القصوى من الإيقان، وفي المثل المشهور: "لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين". ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾
стр. 2061
سبحانه وتعالى ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: عالم بالسرائر والضمائر الخفية التي لا تكاد تفارق الصدور، بل تلازمها وتصاحبها، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وفي هذا ترغيبٌ، وترهيبٌ، وتنبيهٌ، إلى أنَّ الله غنيٌّ عن الابتلاء، والامتحان، وإنما يظهر ذلك على هذه الصورة لحكم يعلمها كتمرين المؤمنين على الصبر، وتحمل المشاق وإظهار حال المنافقين؛ لأنَّ الحقائق قد تخفى على أربابها، فينخدعون للشعور العارض بدون تمحيصٍ، ولا ابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه كما تقدم
١٥٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ وأدبروا، وهربوا، وانهزموا، ﴿مِنْكُمْ﴾ أيَّها المسلمون ﴿يَوْمَ الْتَقَى﴾ والتحم، وتقاتل ﴿الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: جمع المسلمين، وجمع الكفار، وهو يوم أحد فهو خطاب لمن كان مع النبي ﷺ من المؤمنين يوم أحد بأحدٍ، وكان قد انهزم أكثر المسلمين، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا ثلاثة عشر رجلًا، وقيل: أربعة عشر من المهاجرين سبعةٌ ومن الأنصار سبعةٌ، فمن المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ والباقون من الأنصار، وهم سبعة: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصَّمَّةِ، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إنما أوقعهم الشيطان في الزلل والخطيئة، بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، لا أنه أمرهم بها ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: بسبب بعض ما كسبوا، وعملوا من الذنوب، والعصيان، وهو مخالفة أمر الرسول ﷺ بترك المركز والحرص على الغنيمة.
وخلاصة الكلام (١): أنَّ الرماة الذين أمرهم الرسول ﷺ أن يثبتوا في أماكنهم ليدفعوا المشركين عن ظهور المؤمنين ما تركوا هذه المراكز إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، واستجراره لهم بالوسوسة؛ فإن الخطيئة الصغيرة إذا
стр. 2062
ترخص فيها الإنسان سهلت استيلاء الشيطان على نفسه، فهم قد انحرفوا عن أماكنهم بتأولٍ؛ إذ ظنوا أنه ليس للمشركين رجعةٌ من هزيمتهم؛ فلا يترتب على ذهابهم وراء الغنيمة فوات منفعة، ولا وقوعٌ في ضرر، ولكن هذا التأوُّل كان سببًا في كل ما جرى من المصائب التي من أجلها ما أصاب الرسول ﷺ والذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وعلى هذا فالزلل الذي أوقعهم فيه الشيطان هو ما كان من الهزيمة والفشل بعد توليهم عن مكانهم طمعًا في الغنيمة، وهذا التولي هو بعض ما كسبوا.
وفي هذا إيماءٌ إلى سنة من سنن الله تعالى في أخلاق البشر، وأعمالهم وهي أن المصائب التي تعرض لهم في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة إنما هي آثارٌ طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس، وليست ملكةً ولا عادةً لها، بل صدرت هفوة غير متكررة، وهي التي عناها بقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وإليها الإشارة بقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
فهذه المصائب والعقوبات سواء: أكانت في الدنيا أم في الآخرة آثارٌ طبيعيةٌ للأعمال السيئة، ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد عفا الله ، وسامح، وتجاوز عن تولي هؤلاء المتولين المنهزمين، وعقوبتهم عليه لتوبتهم واعتذارهم.
والمعنى: أنَّ ما صدر منهم من الذنوب في هذا اليوم، يستحق أن يعاقبوا عليه في الدنيا والآخرة، ولكن عفا الله عن عقوبتهم الأخروية، وجعل عقوبتهم في الدنيا تربية وتمحيصًا، وفي هذا دفعٌ لاستيلاء اليأس على نفوسهم، وتحسين لظنونهم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب يغفر الذنوب جميعًا صغيرها وكبيرها بعد التوبة والإعتذار ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل عقوبة من عصاه، وهذه الجملة كالعلة للعفو عن هؤلاء المتولِّين، وقد كانوا أكثر المقاتلين، فإنه لم يبق مع النبي ﷺ يومئذٍ إلا ثلاثة عشر أو أربعة عشر كما مر. وقد بالغ بعض المنهزمين في الفرار حتى إنَّ بعضهم لم يرجعوا إلى رسول الله ﷺ إلّا بعد ثلاثة أيام،
стр. 2063
وبعضهم رجع في ذلك اليوم، واجتمعوا على الجبل.
١٥٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لمَّا بين فيما سبق لعباده المؤمنين أن الهزيمة التي حلَّت بهم يوم أحد، كانت بوسواسٍ من الشيطان استزلهم به، فزلوا، حذرهم هنا من مثل هذه الوسوسة التي أفسد بها الشيطان قلوب الكافرين، فقال: يا أيها الذين آمنوا، وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ لا تكونوا كالمنافقين الذين كفروا في نفس الأمر، كعبد الله بن أبي وأصحابه، وقالوا في شأن إخوانهم وأصدقائهم في النفاق ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ وسافروا ﴿فِي﴾ نواحي ﴿الْأَرْضِ﴾ للتجارة، والكسب فماتوا ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾؛ أي: غزاةً في وطنهم، أو في بلاد أخرى فقتلوا ﴿لَوْ كَانُوا﴾ مقيمين ﴿عِنْدَنَا﴾ في المدينة ﴿مَا مَاتُوا﴾ في سفرهم، ﴿وَمَا قُتِلُوا﴾ في غزواتهم لما تقدم من قول المنافقين (١) ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ وأخبر الله عنهم أنهم قالوا ﴿لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، وكان قولًا باطلًا، واعتقادًا فاسدًا نهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم في هذه المقالة الفاسدة، والاعتقاد السيء، وهو أن من سافر في تجارة ونحوها، فمات، أو قاتل، فقتل، لو قعد في بيته لعاش، ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض نفسه للسفر فيه أو للقتال، وهو معتقدُ الكفار والمنافقين.
والمراد (٢) بالأخوة هنا: أخوة النسب؛ إذ كان قتلى أحدٍ من الأنصار، وأكثرهم من الخزرج، ولم يقتل من المهاجرين إلا أربعةٌ، وقيل: خمسةٌ، ويكون القائلون منافقي الأنصار جمعهم أب قريبٌ أو بعيدٌ، أو المراد أخوة المعتقد، والنفاق كما مر.
وقرأ الجمهور ﴿غُزًّى﴾ بتشديد الزاي، وقرأ الحسن والزهري بتخفيف الزاي، ووجه على حذف أحد المضعفين تخفيًّا، وعلى حذف التاء، والمراد غزاةً.
стр. 2064
وقرأ الجمهور ﴿وَمَا قُتِلُوا﴾ بتخفيف التاء، وقرأ الحسن بتشديدها للتكثير في المحال، لا بالنسبة إلى محل واحد؛ لأنه لا يمكن التكثير فيه.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ لام كي، متعلِّقة بمعلول محذوف دلَّ عليه السياق تقديره: أوقع الله ذلك القول، والمعتقد في قلوبهم ليجعل الله ذلك؛ أي: ظنهم أن إخوانهم لو لم يسافروا، ولم يحضروا القتال لعاشوا ﴿حَسْرَةً﴾ وندامةً ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وحزنًا وغمًّا، وتأسفًا على فوات إخوانهم، والحسرة: الندامة على فوت المحبوب. والمعنى: لا تكونوا كالذين كفروا، وقالوا فيمن ماتوا، أو قتلوا ما قالوا؛ أي: لا تقولوا، ولا تعتقدوا، مقتضى هذا القول المذكور، فالمقصود النَّهْيُ عن هذا القول، واعتقاد مضمونه، فإنكم إذا كنتم مثلهم في ذلك يصيبكم من الحسرة مثل ما يصيبهم، وتضعفون عن القتال كما يضعفون، فلا يكون لكم ميزةٌ عنهم بالعقل الراجح الذي يهدي صاحبه إلى أنَّ الذي وقع كان لا بد أن يقع، فلا يتحسَّر عليه، ولا بالإيمان الصادق الذي يزيد صاحبه إيقانًا وتسليمًا بكل ما يجري به القضاء.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ لقولهم: إن القتال يقطع الآجال، فالأمر بيده ، فهو المؤثر وحده في الحياة والموت بمقتضى سننه في أسبابهما، وليس للإقامة والسفر مدخل فيهما؛ فإنَّ الله تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع تعرضهما لأسباب الهلاك، ويميت المقيم والقاعد، وإن كان تحت ظلال النعيم. وقد أثر عن خالد بن الوليد أنه قال، عند موته: ما فيَّ موضع شبرٍ إلّا وفيه ضربة سيفٍ أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت كما يموت العير - الحمارُ - فلا نامت أعين الجبناء.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أي: مطلع عليه، فلا يخفى عليه شيءٌ مما تكنون في أنفسكم من المعتقدات التي لها أثرٌ في أقوالكم، وأفعالكم، فيجازيكم عليه، فاجعلوا نفوسكم طاهرةً من وساوس الشيطان حتى لا يصدر منها ما يصدر من الكفار.
وفي هذا تهديدٌ للمؤمنين حتى لا يماثلوا الكفار في أقوالهم، وأفعالهم،
стр. 2065
وهذا على قراءة التاء في ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خطابًا للمؤمنين، وهي قراءة غير ابن كثير، وحمزة، والكسائي.
والمعنى: فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل المنافقين في قولهم المذكور؛ لأنَّ مقصدهم تنفير المؤمنين عن الجهاد بقولهم؛ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فإن الله تعالى هو المحيي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، ومن قدر له الموت لم يبق، وإن أقام ببيته عند أهله، فلا تقولوا أنتم أيها المؤمنون لمن يريد الخروج إلى الجهاد: لا تخرج فتقتل، فلأن يموت في الجهاد فيستوجب الثواب، خيرٌ له من أن يموت في بيته بلا فائدة. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي ﴿يعملون﴾ بالياء على الغيبة على أنه وعيدٌ للمنافقين؛ أي: مطلعٌ على عملهم فيجازيهم عليه.
١٥٧ - ثم بشر من قتل، أو مات في سبيل الله بحسن المآل، فقال: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن قتلتم أيها المؤمنون ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في الجهاد ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ في سفركم للغزو مع الكفار، أو في بيوتكم، وكنتم مخلصين من النفاق. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي بكسر الميم من مات يمات كخاف يخاف، وقرأ الباقون بضم الميم من مات يموت كقال يقول، والضم أقيس وأشهر، والكسر مستعمل كثيرًا. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لذنوبكم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منه لكم ﴿خير مما تجمعون﴾ بالتاء خطابًا للمؤمنين؛ أي: مما تجمعونه، أنتم، لو لم تموتوا من الأموال التي تعد خيراتٍ، وهذه قراءة الجمهور. وقرأ حفصٌ عن عاصم ﴿يَجْمَعُونَ﴾ بياء الغيبة؛ أي: خير مما يجمعه هؤلاء الكفرة من منافع الدنيا، وطيباتها مدة أعمارهم.
أي: إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يقتل في سبيل الله، خير لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال، والمتاع، في هذه الدار الفانية، فإن هذا ظلٌّ زائلٌ، وذاك نعيم خالد.
والخلاصة: أن ما ينتظره المؤمن المقاتل في سبيل الله من المغفرة التي تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة التي ترفع درجاته، خيرٌ له مما يجمع هؤلاء
стр. 2066
الحريصون على الحياة الذين يتمتعون باللذات والشهوات.
فما أجدّ المؤمنين أن يؤثروا مغفرة الله ورحمته على الحظوظ الفانية، وأن لا يتحسروا على من يقتل منهم، أو يموت في سبيل الله، فإن ما يلقونه بعدهما خيرٌ لهم مما كانوا فيه قبلهما، ثم حثهم على العمل في سبيل الله تعالى؛ لأن المآل إليه فقال.
١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ في حضرٍ أو سفر، ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ في الجهاد أو غيره ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾ معبودكم الذي توجهتم إليه وبذلتم مهجتكم لوجهه الرحيم الواسع الرحمة والمغفرة المثيب العظيم الثواب لا إلى غيره، لا محالة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ وتجمعون أيها المؤمنون في الحالين، فيوفى جزاءكم، ويعظم ثوابكم، فجميع العالمين يوقفون في عرصة القيامة، وبساط العدل، فيجتمع المظلوم مع الظالم، والمقتول مع القاتل والله تعالى يحكم بين عباده بالعدل.
والمعنى: أنكم بأيّ سببٍ كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون، لا إلى غيره، فيجازي كلًّا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثوابٌ، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد في سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانيةٌ، وتلك الحياة الأخرى باقيةٌ، خالدة، فقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إشارة: إلى من يعبده خوفًا من عقابه، وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ إشارةٌ إلى من يعبده لطلب ثوابه، وقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ إشارة: إلى من يعبده لمجرد الربوبية، والعبودية، وهذا أعلى المقامات، وأبعد النهايات في العبودية، في علو الدرجة، فهؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعة الله، ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه واستئناسهم بكرمه، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته.
قال بعضهم:
لَيْسَ قَصْدِيْ مِنَ الْجِنَانِ نَعِيْمَا ... غَيْرَ أَنِّيْ أُرِيْدُهَا لأَرَاكَا
стр. 2067
فائدة: وهنا ثلاثة مواضع ذكر الموت فيها، قدَّم الموت في الأول: منها: على القتل، وهو قوله: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ لمناسبة ما قبله من قوله: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ فرجع الموت لمن ضرب في الأرض، والقتل لمن غزا، وقدم القتل على الموت في الثاني منها، وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ لأنه محل تحريض على الجهاد، فقدم الأهم الأشرف، وقدَّم الموت على القتل في الثالث منها، وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ لأنه الأغلب.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.
﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائدٌ، تعويضًا عمَّا فات ﴿أيُّ﴾ من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول، في محل النصب صفةٌ لـ ﴿أيُّ﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول به. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ فعل، وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب الشرط، وجملة الشرط مع جوابه جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾. ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿تنقلبوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ على كونه جواب الشرط. ﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من ضمير الفاعل، أو خبر ﴿انقلب﴾ إن قلنا إنه من أخوات صار.
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾.
﴿بَلِ﴾ حرف إضراب عن محذوف معلوم من السياق، كما مر في بحث التفسير، تقديره: فليسوا أولياء لكم حتى تطيعوهم، بل الله الخ. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو
стр. 2068
حالية. ﴿هو﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة الإضراب أو حال من الجلالة.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾.
﴿سَنُلْقِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ والجملة مستأنفة. ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سَنُلْقِي﴾. ﴿كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب. (ما) مصدرية. ﴿أَشْرَكُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة صِلةٌ لـ ﴿ما﴾ المصدرية وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب إشراكهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَنُلْقِي﴾. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول لـ ﴿أشركوا﴾. ﴿لَمْ يُنَزِّلْ﴾ فعل مضارع وجازم، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَزِّلْ﴾ والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿سُلْطَانًا﴾ مفعول به لـ ﴿يُنَزِّلْ﴾. ﴿وَمَأوَاهُمُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿مأواهم﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿النَّارُ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذم. ﴿مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ فاعل ومضاف إليه، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا، تقديره: النار، وهو مبتدأٌ خبره جملة ﴿بئس﴾، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَأوَاهُمُ النَّارُ﴾ على كونها مستأنفةٌ، وفي المخصوص بالذم، أوجهٌ كثيرةٌ مذكورة في كتب النحو فراجعها إن شئت.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول. ﴿وَعْدَهُ﴾ مفعول ثانٍ ومضاف إليه، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم
стр. 2069
مستأنفة. وتعدَّت (١) كلمة ﴿صَدَق﴾ هنا إلى اثنين، ويجوز أن تتعدى إلى الثاني بحرف جر، تقول: صدقت زيدًا الحديث، وصدقت زيدًا في الحديث، ذكرها بعض النحويين في باب ما يتعدَّى إلى اثنين، ويجوز أن يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، فيكون من باب استغفر، ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى مبني على السكون والظرف متعلق بـ ﴿صدق﴾، ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وعده﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتحسونهم، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ والتقدير: ولقد صدقكم الله وعده وقت حسكم، وقتلكم إياهم بإذنه.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾.
﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية بمعنى إلى. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافضة لشرطها منصوبة بجوابها. ﴿فَشِلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب المحذوف الذي سنبينه. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿فَشِلْتُمْ﴾. ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تنازعتم﴾. ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿فَشِلْتُمْ﴾ أيضًا. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور، تنازع فيه الأفعال الثلاثة المذكورة قبله. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿أَرَاكُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ورأى هنا بصرية تعدَّت إلى مفعولين بالهمزة. ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لأرى. ﴿تُحِبُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلةٌ لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: من بعد إراءته إياكم ما تحبون، وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف تقديره: منعكم النصر، وانهزمتم، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى المتعلِّقة بـ ﴿صدقكم﴾ والتقدير: ولقد صدقكم ﴿وعده﴾ إذ تحسونهم بإذنه،
стр. 2070
واستمر نصركم إلى منعه تعالى إياكم النصر، وانهزامكم وقت فشلكم، وتنازعكم في الأمر، وعصيانكم أمر الرسول ﷺ من بعد إراءته تعالى إياكم ما تحبون من النصر والظفر. وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب لا طائل تحتها، فراجع كتب المفسرين إن شئت.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.
﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر. ﴿يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل، والجملة من المبتدأ والخبر جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَمِنْكُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿منكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ صلة الموصول، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ على كونها معترضة لا محل لها من الإعراب.
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿صَرَفَكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿إذا﴾ المقدَّر المذكور سابقًا على كونها جملةً جوابيةً لا محل لها من الإعراب ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يبتلي﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿والكاف﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: لابتلائه إياكم الجار والمجرور متعلقٌ بـ ﴿صَرَفَكُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿عَفَا﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بعفا، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم