الحريصون على الحياة الذين يتمتعون باللذات والشهوات.
فما أجدّ المؤمنين أن يؤثروا مغفرة الله ورحمته على الحظوظ الفانية، وأن لا يتحسروا على من يقتل منهم، أو يموت في سبيل الله، فإن ما يلقونه بعدهما خيرٌ لهم مما كانوا فيه قبلهما، ثم حثهم على العمل في سبيل الله تعالى؛ لأن المآل إليه فقال.
١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ في حضرٍ أو سفر، ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ في الجهاد أو غيره ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾ معبودكم الذي توجهتم إليه وبذلتم مهجتكم لوجهه الرحيم الواسع الرحمة والمغفرة المثيب العظيم الثواب لا إلى غيره، لا محالة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ وتجمعون أيها المؤمنون في الحالين، فيوفى جزاءكم، ويعظم ثوابكم، فجميع العالمين يوقفون في عرصة القيامة، وبساط العدل، فيجتمع المظلوم مع الظالم، والمقتول مع القاتل والله تعالى يحكم بين عباده بالعدل.
والمعنى: أنكم بأيّ سببٍ كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون، لا إلى غيره، فيجازي كلًّا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثوابٌ، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد في سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانيةٌ، وتلك الحياة الأخرى باقيةٌ، خالدة، فقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إشارة: إلى من يعبده خوفًا من عقابه، وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ إشارةٌ إلى من يعبده لطلب ثوابه، وقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ إشارة: إلى من يعبده لمجرد الربوبية، والعبودية، وهذا أعلى المقامات، وأبعد النهايات في العبودية، في علو الدرجة، فهؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعة الله، ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه واستئناسهم بكرمه، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته.
قال بعضهم:
لَيْسَ قَصْدِيْ مِنَ الْجِنَانِ نَعِيْمَا ... غَيْرَ أَنِّيْ أُرِيْدُهَا لأَرَاكَا
стр. 2067
فائدة: وهنا ثلاثة مواضع ذكر الموت فيها، قدَّم الموت في الأول: منها: على القتل، وهو قوله: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ لمناسبة ما قبله من قوله: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ فرجع الموت لمن ضرب في الأرض، والقتل لمن غزا، وقدم القتل على الموت في الثاني منها، وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ لأنه محل تحريض على الجهاد، فقدم الأهم الأشرف، وقدَّم الموت على القتل في الثالث منها، وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ لأنه الأغلب.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.
﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائدٌ، تعويضًا عمَّا فات ﴿أيُّ﴾ من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول، في محل النصب صفةٌ لـ ﴿أيُّ﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول به. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ فعل، وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب الشرط، وجملة الشرط مع جوابه جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾. ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿تنقلبوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ على كونه جواب الشرط. ﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من ضمير الفاعل، أو خبر ﴿انقلب﴾ إن قلنا إنه من أخوات صار.
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾.
﴿بَلِ﴾ حرف إضراب عن محذوف معلوم من السياق، كما مر في بحث التفسير، تقديره: فليسوا أولياء لكم حتى تطيعوهم، بل الله الخ. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو
стр. 2068
حالية. ﴿هو﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة الإضراب أو حال من الجلالة.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾.
﴿سَنُلْقِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ والجملة مستأنفة. ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سَنُلْقِي﴾. ﴿كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب. (ما) مصدرية. ﴿أَشْرَكُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة صِلةٌ لـ ﴿ما﴾ المصدرية وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب إشراكهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَنُلْقِي﴾. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول لـ ﴿أشركوا﴾. ﴿لَمْ يُنَزِّلْ﴾ فعل مضارع وجازم، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَزِّلْ﴾ والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿سُلْطَانًا﴾ مفعول به لـ ﴿يُنَزِّلْ﴾. ﴿وَمَأوَاهُمُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿مأواهم﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿النَّارُ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذم. ﴿مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ فاعل ومضاف إليه، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا، تقديره: النار، وهو مبتدأٌ خبره جملة ﴿بئس﴾، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَأوَاهُمُ النَّارُ﴾ على كونها مستأنفةٌ، وفي المخصوص بالذم، أوجهٌ كثيرةٌ مذكورة في كتب النحو فراجعها إن شئت.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول. ﴿وَعْدَهُ﴾ مفعول ثانٍ ومضاف إليه، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم
стр. 2069
مستأنفة. وتعدَّت (١) كلمة ﴿صَدَق﴾ هنا إلى اثنين، ويجوز أن تتعدى إلى الثاني بحرف جر، تقول: صدقت زيدًا الحديث، وصدقت زيدًا في الحديث، ذكرها بعض النحويين في باب ما يتعدَّى إلى اثنين، ويجوز أن يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، فيكون من باب استغفر، ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى مبني على السكون والظرف متعلق بـ ﴿صدق﴾، ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وعده﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتحسونهم، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ والتقدير: ولقد صدقكم الله وعده وقت حسكم، وقتلكم إياهم بإذنه.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾.
﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية بمعنى إلى. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافضة لشرطها منصوبة بجوابها. ﴿فَشِلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب المحذوف الذي سنبينه. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿فَشِلْتُمْ﴾. ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تنازعتم﴾. ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿فَشِلْتُمْ﴾ أيضًا. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور، تنازع فيه الأفعال الثلاثة المذكورة قبله. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿أَرَاكُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ورأى هنا بصرية تعدَّت إلى مفعولين بالهمزة. ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لأرى. ﴿تُحِبُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلةٌ لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: من بعد إراءته إياكم ما تحبون، وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف تقديره: منعكم النصر، وانهزمتم، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى المتعلِّقة بـ ﴿صدقكم﴾ والتقدير: ولقد صدقكم ﴿وعده﴾ إذ تحسونهم بإذنه،
стр. 2070
واستمر نصركم إلى منعه تعالى إياكم النصر، وانهزامكم وقت فشلكم، وتنازعكم في الأمر، وعصيانكم أمر الرسول ﷺ من بعد إراءته تعالى إياكم ما تحبون من النصر والظفر. وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب لا طائل تحتها، فراجع كتب المفسرين إن شئت.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.
﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر. ﴿يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل، والجملة من المبتدأ والخبر جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَمِنْكُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿منكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ صلة الموصول، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ على كونها معترضة لا محل لها من الإعراب.
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿صَرَفَكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿إذا﴾ المقدَّر المذكور سابقًا على كونها جملةً جوابيةً لا محل لها من الإعراب ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يبتلي﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿والكاف﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: لابتلائه إياكم الجار والمجرور متعلقٌ بـ ﴿صَرَفَكُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿عَفَا﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بعفا، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم
стр. 2071
المحذوف مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ خبر، ومضاف إليه. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور، متعلق بفضل، والجملة الإسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان. ﴿تُصْعِدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿صرفكم﴾، وهو أجود من جهة المعنى، أو بـ ﴿عفا﴾ وهو أحسن بالنظر إلى قربه كما مر في بحث التفسير. ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَلْوُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿تُصْعِدُونَ﴾. ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تلوون﴾. ﴿وَالرَّسُولُ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال ﴿الرسول﴾ مبتدأ. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الرسول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، أو الجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَلْوُونَ﴾. ﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ العائد إلى ﴿الرسول﴾.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿أثابكم﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿غَمًّا﴾ مفعول ثان. ﴿بِغَمٍّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أثابكم﴾ و ﴿الباء﴾ فيه سببية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿ثم صرفكم﴾. وقال الزمخشري (١): ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ عطف على ﴿صرفكم﴾ انتهى. وفيه بعد لطول الفصل بين المتعاطفين، والذي يظهر أنه معطوف على ﴿تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ﴾ لأنه مضارع في معنى الماضي، لأنَّ إذ تصرف المضارع إلى الماضي إذ هي ظرفٌ لما مضى، والمعنى إذ صعدتم، وما لويتم على أحد فأثابكم. ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ ﴿اللام﴾ حرفٌ جر وتعليل. ﴿كي﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية
стр. 2072
أو زائدة. ﴿تَحْزَنُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿كي﴾. ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَحْزَنُوا﴾. ﴿فَاتَكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، وجملة (فات﴾ صلةٌ لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾ زائدة. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الجر معطوفة على ﴿مَا﴾ الأولى. ﴿أَصَابَكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، وجملة أصاب صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، وجملة ﴿تَحْزَنُوا﴾ صلة كي المصدرية، وكي مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المتعلقة بـ ﴿أثابكم﴾ والتقدير: فأثابكم غمًّا بغمٍّ لتمرينكم على تجرع الغموم، وعدم حزنكم فيما بعد على ما فاتكم، ولا ما أصابكم. هذا إن قلنا إنَّ ﴿لا﴾ أصلية نافية، أو المتعلقة بـ ﴿عفا عنكم﴾، إن قلنا إنَّ ﴿لا﴾ زائدة، والتقدير: ولقد عفا عنكم لحزنكم على ما فاتكم، وما أصابكم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿خَبِيرٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلةٌ لـ ﴿مَا﴾ أو صفةٌ لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿أَنْزَلَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿أثابكم﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿أَمَنَةً﴾ مفعول به لـ ﴿أنزل﴾. ﴿نُعَاسًا﴾ بدل منه. ﴿يَغْشَى﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿نُعَاسًا﴾ والجملة صفة لـ ﴿نُعَاسًا﴾. ﴿طَائِفَةً﴾ مفعول ﴿يَغْشَى﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿طَائِفَةً﴾. ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، أو حالية. ﴿طائفةٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ فعل ومفعول. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدإ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿يَظُنُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور
стр. 2073
متعلق بـ ﴿يَظُنُّونَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا. ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ مفعول أول لـ ﴿يَظُنُّونَ﴾، ومضاف إليه. ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ مفعول مطلق، ومضاف إليه.
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب بدل من ﴿يَظُنُّونَ﴾ بدل كل من كل. ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿هل﴾: حرف للاستفهام الإنكاري. ﴿لَنَا﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ جار ومجرور حال ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ المذكور بعده. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿من﴾ زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. وفي "الفتوحات" قوله ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إما مبتدأ خبره ﴿لَنَا﴾، أو فاعل بـ ﴿لَنَا﴾ لاعتماده على الاستفهام و ﴿مِن﴾ عليهما زائدةٌ، و ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ حال من المبتدأ، لأنه لو تأخر عن شيء .. لكان نعتًا له فيتعلق بمحذوف.
﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الْأَمْرَ﴾ اسمها. ﴿كُلَّهُ﴾ على قراءة النصب توكيد للأمر، وعلى قراءة الرفع مبتدأ. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور، خبر ﴿إن﴾، أو خبر المبتدأ وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقولٌ لقل.
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾.
﴿يُخْفُونَ﴾، فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُخْفُونَ﴾. ﴿مَا لَا يُبْدُونَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يُخْفُونَ﴾. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يُبْدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفةٌ لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما لا يبدونه. ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ
стр. 2074
﴿يُبْدُونَ﴾.
﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، بيّن بها ﴿مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾، وهذا هو الأجود من جعلها بدلًا من ﴿يُخْفُونَ﴾ كما ذكره في "الكشَّاف". ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿لَنَا﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ على اسمها. ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿شيء﴾، لأنه نعت نكرة قُدِّم عليها، فيعرب حالًا. ﴿شَيْءٌ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، وجملة كان من اسمها وخبرها فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا قُتِلْنَا﴾ ﴿مَا﴾ نافية. ﴿قُتِلْنَا﴾ فعل ماض مغير، ونائب فاعله. ﴿هَاهُنَا﴾ اسم إشارة للمكان القريب في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿قُتِلْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقولٌ لـ ﴿يَقُولُونَ﴾.
﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾ أو متعلق بـ ﴿كان﴾ إن قلنا: إنها تامة، وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَبَرَزَ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿برز الذين﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُتِبَ﴾. ﴿الْقَتْلُ﴾ نائب فاعل لـ ﴿كُتِبَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير عليهم. ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يبتلي اللَّه﴾.
стр. 2075
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾
﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ليبتلى﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يبتلى اللَّه﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول لـ ﴿يبتلي﴾. ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلةٍ لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿يبتلي اللَّه﴾ صلة أن المضمرة وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: ولابتلاء الله ما في صدوركم، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور المتعلق بمعلول محذوف تقديره: فعل الله بكم ما فعل بكم يوم أحد لحكمة باهرةٍ، ولابتلاء الله ما في صدوركم.
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ليمحص﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يمحِّص﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿يمحِّص﴾ صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولتمحيص الله ما. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بعليم، والجملة الإسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها. ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَوَلَّوْا﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿تَوَلَّوْا﴾. ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، بمعنى ما النافية، وإلا المثبتة. ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة. ﴿بِبَعْضِ مَا﴾ جار ومجرور،
стр. 2076
ومضاف إليه متعلق بـ ﴿استزل﴾. ﴿كَسَبُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره ببعض ما كسبوه.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول، لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾.
﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿أي﴾ وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَا تَكُونُوا﴾ ﴿لَا﴾ ناهية. ﴿تَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿كَالَّذِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿تَكُونُوا﴾، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قالوا﴾. ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط، ولكنها بمعنى إذْ. ﴿ضَرَبُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿قالوا﴾ والتقدير: وقالوا لإخوانهم وقت ضربهم في الأرض. ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتفصيل. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿غُزًّى﴾ خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾ في محل الجر معطوفة على جملة ﴿ضَرَبُوا﴾. ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قُتِلُوا﴾. وإن شئت: قلت ﴿لَوْ﴾
стр. 2077
حرف شرط غير جازم. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿عِنْدَنَا﴾ ظرف، ومضاف إليه خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة ﴿كَانُوا﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿مَا مَاتُوا﴾ ﴿مَا﴾ نافية. ﴿مَاتُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لـ ﴿قالوا﴾: وجملة قوله: ﴿وَمَا قُتِلُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿مَا مَاتُوا﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿لو﴾.
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾.
﴿لِيَجْعَلَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وعاقبة. ﴿يجعل الله﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرةً، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام العاقبة، تقديره: لجعل الله عاقبة ﴿ذلك حسرة في قلوبهم﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قالوا﴾؛ أي: قالوا ذلك ليجعل عاقبة أمرهم الحسرة، والندامة. ﴿ذَلِكَ﴾ مفعول أول لجعل؛ لأنه بمعنى صير. ﴿حَسْرَةً﴾ مفعول ثان له. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يجعل﴾ وهو أبلغ في المعنى، أو صفة لـ ﴿حَسْرَةً﴾ كما في "الفتوحات". ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. وجملة ﴿يُحْيِي﴾ خبره، والجملة الإسمية مستأنفة. وجملة قوله: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة على جملة ﴿يُحْيِي﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾ الآتي. ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما تعملونه. ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿قُتِلْتُمْ﴾ فعل، ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها.
стр. 2078
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قُتِلْتُمْ﴾. ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ معطوف على ﴿قُتِلْتُمْ﴾. ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء. ﴿مغفرة﴾ مبتدأ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مغفرة﴾. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ معطوف على مغفرة. ﴿خَيْرٌ﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يَجْمَعُونَ﴾ فعل، وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يجمعونه، والجملة من المبتدإ والخبر جواب القسم لا محل لها من الإعراب. وأما جواب الشرط فمحذوف على القاعدة المشهورة عندهم، كما قال ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِماعٍ شَرْطٍ وقَسَم ... جَوَابَ ما أَخَّرَتْ فَهُوَ مُلْتَزمُ
وجملة القسم مع جوابه مستأنفة.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿مُتُّمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ معطوف على ﴿مُتُّمْ﴾. ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب القسم. ﴿إلى اللَّه﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، وجواب الشرط محذوف معلوم من جواب القسم تقديره: تحشرون إلى الله. وجملة القسم مع جوابه معطوفة على جملة القسم الأول.
وقال أبو البقاء (١) قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾ ﴿اللام﴾ جواب قسم محذوف، ولدخولها على حرف الجر .. جاز أن يأتي ﴿تُحْشَرُونَ﴾ غير مؤكد بالنون، والأصل: لتحشرن إلى الله.
قال أبو حيان (٢): ولم يؤكد الفعل الواقع جوابًا للقسم المحذوف؛ لأنه فصل بين اللام المتلقى بها القسم وبينه بالجار والمجرور، ولو تأخَّر .. لكان لتحشرن إليه. قال أبو عليٍّ: الأصل دخول نون التوكيد فرقًا بين لام اليمين،
стр. 2079
ولام الابتداء. ولام الابتداء لا تدخل على الفضلات، فبدخول لام اليمين على الفضلة؛ وقع الفصل، فلم يحتج إلى النون، وبدخولها على سوف كقوله: ﴿فلسوف تعلمون﴾ وقع الفرق فلم يحتج إلى النون؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على الفعل، إلا إذا كان حالًا أما إذا كان مستقبلًا .. فلا.
وإنما قُدِّمَ الجار والمجرور اهتمامًا باسم الله تعالى، ولرعاية الفاصلة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الرُّعب بضمتين، وبإسكان الثاني شدة الخوف التي تملأ القلب، وفي "المصباح". رعبت رعبًا من باب: تفع خفت، ويتعدى بنفسه، وبالهمزة أيضًا يقال: رعبته فهو مرعوب، وأرعبته، والاسم الرعب بالضم، وبضم العين للإتباع، ورعبت الإناء إذا ملأته، ورعبت الحوض ملأته، وسيلٌ راعبٌ؛ أي: ملأ الوادي.
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ السلطان (١): الحجة والبرهان، ومنه قيل للوالي: سلطان، وقيل: اشتقاق السلطان من السليط، وهو ما يضيء به السراج من دهن السمسم، وقيل: السليط: الحديد، والسلاطة: الحدة، والسلاطة من التسليط، وهو القهر والسلطان من ذلك، فالنون زائدةٌ، والسليطة المرأة الصخابة، والسليط الرجل الفصيح اللسان.
﴿مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ المثوى: مفعلٌ من ثوى يثوي ثويًا إذا أقام، يكون للمصدر، والزمان، والمكان، والثواء الإقامة بالمكان الثابتة، أما المأوى: فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان كما مر في بحث التفسير.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ الحسُّ: القتل الذريع يقال: حسَّه يحسه من باب: رد حسًّا، إذا قتله قتلًا ذريعًا قال الشاعر:
حَسَسْنَاهُمْ بِالسَّيْفِ حَسًّا فَأَصْبَحَتْ ... بَقِيَّتُهُمْ قَدْ شُرِّدُوْا وَتَبَدَّدُوْا
стр. 2080
وجراد محسوسٌ قتله البرد، وسنةٌ حسوس إذا أتت على كل شيء. وفي "المختار" ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي: تستأصلونهم قتلًا، وبابه: ردَّ، فكان القاتل أبطل حسه بالقتل، كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ في "المصباح" فشل فشلًا، فهو فشلٌ من باب: تعب وهو الجبان الضعيف القلب.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ التنازع الإختلاف، وهو من النزع وهو الجذب يقال: نزع ينزع إذا جذب، وهو متعدٍّ إلى واحد؛ ونازع متعدٍ إلى اثنين وتنازع متعدٍ إلى واحد.
قال الشاعر:
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضم أوله على قراءة الجمهور من أصعد الرباعيّ، يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة، أي: ذهبنا، وبفتحه على قراءة غيرهم من صعد في الجبل إذا رقى. وقال المفضل: صعد وأصعد بمعنى واحدٍ.
﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾؛ أي: لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب، يقال: فلانٌ لا يلوي على شيء؛ أي: لا يعطف عليه، ولا يبالي به، وأصل تلوون تلويون استثقلت الحركة على الياء ثم حذفت، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الياء، ثم ضمت واو عين الكلمة لمناسبة واو الضمير فصار تلوون.
﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ يقال: فات الشيء، أعجز إدراكه، وهو متعد، ومصدره فوتٌ وهو قياس فعل المتعدِّي.
﴿نُعَاسًا﴾ النعاس (١): النوم الخفيف، يقال: نعس ينعس من باب فتح، ونصر نعاسًا، فهو ناعسٌ، ولا يقال: نعسان. وقال الفراء: قد سمعتها، ولكني لا أشتهيها، ويقال: نعس الرجل نعسًا إذا أخذته فترةٌ في حواسه، فقارب النوم، فهو ناعسٌ.
﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ جمع مضجع، والمضجع: المكان الذي يتكأ فيه للنوم،
стр. 2081
ومنه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ والمضاجع المصارع، وهي أماكن القتل، سميت بذلك لضجعة المقتول فيها.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ جمع (١) غاز، على حدِّ قوله:
وفُعَّلٌ لِفاعِلٍ وفاعِلَهْ ... وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وعَاذِلَهْ
ومِثْلُهُ الفُعَّالُ فِيْمَا ذُكِرَا .... وَذَانِ فِيْ المُعَلِّ لامًا نَدَرَا
وهو منصوبٌ بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة عن الواو، وحذفت لالتقاء الساكنين، وأصله غزو تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، ثم حذفت لما ذكر. وفي "السمين" والجمهور على ﴿غزًّا﴾ بالتشديد جمع غازٍ، وقياسه: غزاةٌ كـ: رامٍ، ورماةٍ، وقاضٍ وقضاةٍ، ولكنهم حملوا المعتل على الصحيح في نحو ضاربٍ، وضُرَّب، وصائمٍ، وصُوُّم. وقرأ الحسن ﴿غُزًا﴾ بالتخفيف، وفيه وجهان أحدهما: أنه خفَّف الزاي كراهية التثقيل في الجمع، والثاني: أن أصله غزاةٌ كقضاةٍ ورماة، ولكنه حذف تاء التأنيث؛ لأنَّ نفس الصيغة دالَّةٌ على الجمع، فالتاء مستغنى عنها.
﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ بضم الميم من مات يموت من باب قال يقول، وأصل مات: موت تحركت الواو، وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا فصار مات. وأصل يموت يموت نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فصار يموت. وأما بكسرها فمن: مات يمات كخاف يخاف، أصله في الماضي موت كخوف، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فصار مات فهو من باب علم وأصله في المضارع يموت بوزن يعلم نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها، ثم قلبت ألفًا، فصار يمات مثل يخاف، فيقال في الماضي، عن إسناده لتاء الضمير: متم كما يقال: خفتم، وأصله موتم بوزن علمتم، نقلت كسرة الواو إلى الميم بعد سلب حركتها، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين.
وأما ﴿مُتُّمْ﴾ بالضم؛ فلأنَّ فَعَلَ بفتح العين من ذوات الواو، فقياسه إذا
стр. 2082
أسند إلى تاء المتكلم، وأخواتها: أن تضم فاؤه، إما من أوَّل وهلة، وإما أن تبدل الفتحة ضمةً، ثم تنقلها إلى الفاء على اختلافٍ بين الصرفيين.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة:
منها: الطِّباق في لفظ ﴿آمَنُوا﴾، و ﴿كَفَرُوا﴾، وكذلك بين ﴿يخفون﴾ و ﴿يبدون﴾، وبين ﴿فاتكم﴾ و ﴿أصابكم﴾، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقرى؛ والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه، ورأس ماله، وبالمنقلب الذي يروح في طريق، ويغدو في أخرى، وفي قوله: ﴿سَنُلْقِي﴾، وقيل هذا كله استعارة.
ومنها: الالتفات (١) إلى التكلم في قوله: ﴿سَنُلْقِي﴾ من الغيبة في قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ وذلك للتنبيه على عظم ما يلقيه تعالى، وقرأ أيوب السختيانيُّ سيلقي بالغيبة جريًا على الأصل، وقدم المجرور على المفعول به اهتمامًا بذكر المحل قبل ذكر الحال، والإلقاء هنا مجازٌ؛ لأنَّ أصله في الأجرام فاستعير هنا.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ حيث لم يقل، وبئس مثواهم بل وضع الظاهر مكان الضمير للتغليظ، وللإشعار بأنهم ظالمون لوضعهم الشيء في غير موضعه.
ومنها: التفخيم في قوله: ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ حيث نكره.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتشريف، وللإشعار بعلة الحكم حيث لم يقل عليكم.
ومنها: الإبهام (٢) في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ فمن قال: هو
стр. 2083
الرسول أبهمه تعظيمًا لشأنه؛ ولأن التصريح فيه هضمٌ لقدره.
ومنها: التجنيس المماثل في ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
ومنها: التفسير بعد الإبهام في قوله: ﴿مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ﴾.
ومنها: الاحتجاج النظريُّ في قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾، وهو أن يذكر المتكلم معنى يستدل عليه بضروب من المعقول نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ وبعضهم يسميه المذهب الكلامي، ومنه قول الشاعر:
جَرَى القَضَاءُ بِمَا فِيْهِ فَإِنْ تَلُمِ ... فَلاَ مَلاَمَ عَلَى مَا خُطَّ بِالْقَلَمِ
ومنها: الاعتراض في ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
ومنها: الاختصاص في ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وفي ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ومنها: الإشارة في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً﴾.
ومنها: الاستعارة في ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ تشبيهًا (١) للمسافر في البرِّ بالسابح الضارب في البحر؛ لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقًّا لها، واستعانةً على قطعها.
ومنها: التكرار في ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ وما بعدهما.
والله أعلم
* * *
стр. 2084
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.
المناسبة
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لمَّا أرشد (١) الله عباده المؤمنين في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم، ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم .. زاد في الفضل والإحسان إليهم، في هذه الآيات بأن مدح الرسول ﷺ على عفوه عنهم، وتركه التغليظ عليهم، وقد نزلت هذه الآيات عقب وقعة أحد، التي خالف فيها النبيَّ ﷺ بعض أصحابه، وكان من جراء ذلك ما كان من الفشل، وظهور المشركين عليهم، حتى أصيب النبيُّ ﷺ مع من أصيب، فصبر، وتجلَّدَ، ولان في معاملة أصحابه، وخاطبهم بالرِّفْقِ، ولم
стр. 2085
يعاتبهم اقتداء بكتاب الله تعالى؛ إذ أنزل في هذه الواقعة آيات كثيرةً بيَّن فيها ما كان من ضعف بعض المسلمين، وعصيانهم، وتقصيرهم حتى ذكر الظنون والهواجس النفسية، لكن مع العتب المقترن بذكر العفو والوعد بالنصر وإعلاء الكلمة.
والآيات تتحدَّث عن أخلاق النبوَّةِ، وعن المِنَّةِ العظمى ببعثةِ الرسولِ الرحيم، والقائد الحكيم، وعن بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ...﴾ الآية، مناسبةُ هذه الآية لما قبلها (١): من حيث إنها تضمَّنت حكمًا من أحكام الغنائم في الجهاد، وهو من المعاصي المتوعَّد عليها بالنار، كما جاء في قصة مُدْعِمٍ (٢) فحذَّرهم عن ذلك.
قوله تعالى: (٣) ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمَّا ذكر الفريقين فريق الرضوان، وفريق السخط، وأنهم درجاتٌ عند الله مجملا من غير تفصيل، فصل أحوالهم. وبدأ بالمؤمنين وذكر ما امتن عليهم به من بعث الرسول إليهم تاليًا لآيات الله، ومبيِّنًا لهم طريق الهدى، ومطهِّرًا لهم من أرجاس الشرك، ومنقذًا لهم من غمرة الضلالة بعد أن كانوا فيها، وسلَّاهم عمَّا أصابهم يوم أحد من الخِذلان، والقتل، والجراح، لما أنالهم يوم بدر من الظفر والغنيمة، ثم فصَّل حالَ المنافقين الذين هم أهل السخط بما نصَّ عليه تعالى.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ...﴾ الآية، أخرج (٤) أبو داود والترمذي وحسَّنه، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قطيفةٍ حمراء، فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس لعلَّ رسولَ الله ﷺ أخذها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ
стр. 2086
يَغُلَّ ...﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج (١) الطبراني في الكبير بسندٍ رجاله ثقات، عن ابن عباس قال: بعث رسولُ الله ﷺ جيشًا، فردت، رايته ثم بعث، فردت، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ...﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما رواه الإِمام أحمد ﵀/ ج١ ص ٣٠/) عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر، قال: نظر النبي ﷺ إلى أصحابه، وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبيُّ ﷺ القبلة، ثم مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: "اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام .. فلا تعبد في الأرض أبدًا، قال: فما زال يستغيث ربَّه ، ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبيَّ الله، كفاك مناشدتك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فلما كان يومئذٍ، والتقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ وعليًّا، وعمر ﵃ فقال أبو بكر ﵁ يا رسول الله: هؤلاء بنو العم، والعشيرة، والإخوان، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله ﷺ ما ترى يا ابن الخطاب؛ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تمكنني من فلان قريبًا لعمر، فأضرب عنقه، وتمكِّن عليًّا ﵁ عن عقيل، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادَّةٌ للمشركين،
стр. 2087
هؤلاء صناديدهم، وأئمتهم، وقادتهم، فهوى رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكر ﵁ ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء، فلما أن كان من الغد، قال عمر ﵁: غدوت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو قاعدٌ، وأبو بكر ﵁: وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، فإن لم أجد تباكيت لبكائكما، قال: فقال النبي ﷺ : الذي عرض عليَّ أصحابك من الفداء، لقد عُرِضَ عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرةٍ قريبةٍ، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ثم أحل لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ وكسرت رباعيته، هشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ بأخذ الفداء".
الحديث رجاله رجال الصحيح، وقد عزاه ابن كثير، والسيوطي لابن أبي حاتم مختصرًا، وإنما سقته بتمامه لما فيه من العبر.
التفسير وأوجه القراءة
١٥٩ - والباء في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ سببيةٌ، وما زائدة؛ أي: فسبب رحمةٍ عظيمةٍ من الله، لنت وسهلت (١) لهم أخلاقك، وكثرت احتمالك إياهم، ولم تسرع إليهم بتعنيف على ما وقع منهم يوم أحد. ومعنى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: هو توفيق الله نبيه محمدًا ﷺ للرفق، والتلطُّف بهم، وأنَّ الله تعالى ألقى في قلب نبيه ﷺ داعية الرحمة، واللطف حتى فعل ذلك معهم.
وقال (٢) أبو حيان: متعلَّق الرحمة المؤمنون، فالمعنى فبرحمة من الله عليهم، لِنْتَ لهم، فتكون الرحمة امْتَنَّ بها عليهم؛ أي: سهلت أخلاقك، ولان
стр. 2088
جانبك لهم بعد ما خالفوا أمرك، وعصوك في هذه الواقعة، وذلك برحمة الله إياهم. وقيل: متعلق الرحمة المخاطب ﷺ ؛ أي: برحمة الله إياك، جعلك لين الجانب، موطأ الأكناف، فرحمتهم، ولنت لهم، ولم تؤاخذهم بالعصيان، والفرار وإفرادك للأعداء، ويكون ذلك امتنانًا على رسول الله ﷺ .
والخلاصة: أنه قد كان من أصحابك ما يستحق الملامة والتعنيف بمقتضى الطبيعة البشرية؛ إذ صدروا عنك حين اشتداد الأهوال، وشمروا للهزيمة، والحرب قائمة على قدم وساق، ومع ذلك لنت لهم، وعاملتهم بالحسنى بسبب الرحمة التي أنزلها الله على قلبك، وخصك بها؛ إذ أمدَّك بآداب القرآن العالية، وحكمه السامية حتى هانت عليك المصائب، وعلمتك ما لها من المنافع، وحسن العواقب، وقد مدح الله نبيَّه ﷺ بحسن الخلق في مواضع من كتابه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾، وقال ﷺ : "لا حِلْمَ أحبَّ إلى الله تعالى من حِلْمِ إمامٍ ورِفْقهِ، ولا جَهْلَ أَبْغَضَ إلى الله من جَهْلِ إمامٍ وخُرْقِهِ".
﴿وَلَوْ كُنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿فَظًّا﴾؛ أي: سيىء اللِّسان بذيّه ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾، أي: جافيه، وقاسيه ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ أي: ولو لم تكن كذلك، وكنت فظًّا غليظًا ﴿لَانْفَضُّوا﴾؛ أي: لتفرقوا من عندك، ونفروا عنك، ولم يسكنوا إليك حتى لا يبقى أحدٌ منهم عندك، ولا يتم أمرك من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، إذا انفضوا من عندك. وذاك أنَّ المقصود من بعثة الرسل تبليغهم شرائع الله إلى الخلق، ولا يتم ذلك إلّا إذا مالت قلوبهم إليهم، وسكنت نفوسهم لديهم، وذلك إنما يكون إذا كان الرسول رحيما كريمًا، يتجاوز عن ذنب المسيء، ويعفو عن زلاته، ويخصه بوجوه البر، والمكرمة، والشفقة.
﴿فَاعْفُ﴾ يا محمَّد ﴿عَنْهُمْ﴾ وسامح لهم ما وقع منهم يوم أحد فيما يختصُّ بك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: واطلب المغفرة لهم من الله فيما يختص بحقوق الله تعالى إتمامًا للشفقة عليهم، وإكمالًا للبر لهم، ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ يا
стр. 2089
محمَّد ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ الذي يرد (١) عليك، أي أمر كان مما يشاور في مثله، أو في أمر الحرب خاصَّةً، كما يفيده السِّياقُ، لما في ذلك من تطييب خواطرهم، واستجلاب مودَّتهم، فإن المشاورة تقتضي شدَّة محبتهم له ﷺ ؛ لأنها تدل على رفعة درجتهم، فترك المشاورة معهم إهانة لهم، وروي أنه ﷺ قال: "ما شاور قومٌ قطُّ إلا هدوا لأرشد أمورهم" وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورةً من أصحاب النبي ﷺ ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منه أحدٌ بعدك، وقرأ ابن عباس ﴿في بعض الأمر﴾.
فائدة: وللمشاورة فوائد جمة (٢):
منها: أنها تبين مقادير العقول والأفهام، ومقدار الحب والإخلاص للمصالح العامة.
ومنها: أن عقول الناس متفاوتة وأفكارهم مختلفةٌ، فربما ظهر لبعضهم من صالح الآراء ما لا يظهر لغيره، وإن كان عظيمًا.
ومنها (٣): أن الآراء فيها تقلب على وجوهها، ويختار الرأي الصائب من بينها.
ومنها: أنه يظهر فيها اجتماع القلوب على إنجاح المسعى الواحد، واتفاق القلوب على ذلك مما يعين على حصول المطلوب، ومن ثم شرعت الاجتماعات في الصلوات، وكانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة.
ومنها: أنه قد يعزم الإنسان على أمرٍ فيشاور فيه، فيتبين له الصواب في غيره، فيعلم بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح.
стр. 2090
ومنها: أنه إذا لم ينجح أمره .. علم أن امتناع النجاح محض قدرٍ، فلم يلم نفسه. وقال بعضهم: يجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا، ومشاورة وجه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وحكى القرطبيُّ عن ابن عطية: أنه لا خلاف في عزل من لا يستشير بأهل العلم، والدِّين. ذكره الشوكاني. وقال بعضهم في مدح المشاورة:
وَشَاوِرْ إِذَا شَاوَرْتَ كُلَّ مُهَذَّبٍ ... لَبِيْبٍ أَخِىْ حَزْمٍ لتَرْشَدَ فِيْ الأَمْرِ
وَلاَ تَكُ مِمَّنْ يَسْتَبِدُّ بِرَأيِهِ ... فَتَعْجَزَ أوْ لَا تَسْتَرِيْحَ مِنَ الْفِكْرِ
ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِعَبْدِهِ ... وَشَاوِرْهُمْ فِيْ الأمْرِ حَتْمًا بِلَا نُكْرِ
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ وجزمت، وصممت نفسك بعد المشاورة على شيء من أمورك، وقصدت إمضاءه ﴿فَتَوَكَّلْ﴾، واعتمد ﴿عَلَى﴾ معونة ﴿اللَّهِ﴾ واستعن به في إمضائه لا على المشاورة، والمقصود: أن لا يكون للعبد اعتمادٌ على شيء إلا على الله تعالى، في جميع أموره، فالمشورة لا تنافي التوكل، فإنه ليس التوكل هو إهمال التدبير بالكلية، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل، بل التوكل هو: أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول بقلبه على عصمة الله ومعونته فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ﴾، ويثيب ﴿الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ والمعتمدين عليه في جميع أمورهم الواثقين به، فينصرهم، ويرشدهم إلى ما فيه خيرٌ لهم وصلاحٌ. فالتوكل: هو الاعتماد على الله، والتفويض في الأمور إليه. وقال ذو النون: التوكل: خلع الأرباب، وقطع الأسباب، والصحيح: أن التوكل إنما يكون مع الأخذ في الأسباب، وبدونها يكون دعوى التوكل جهلًا بالشرع، وفسادًا في العقل.
وقرأ الجمهور (١) ﴿عَزَمْتَ﴾ على الخطاب كالذي قبله، وقرأ عكرمة، وجابر بن زيد، وأبو نهيك، وجعفر الصادق، ﴿عَزَمْتَ﴾ بضم التاء على أنها
стр. 2091
ضميرٌ لله تعالى، والمعنى: فإذا عزمت لك على شيء؛ أي: أرشدتك إليه، وجعلتك تقصده، فتوكل على الله، ويكون قوله: على الله من باب الالتفات؛ إذ لو جرى على نسق ضم التاء .. لقال فتوكل عليَّ.
١٦٠ - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: إن يعطكم الله النصر ويعنكم بنصره، ويمنعكم من عدوكم كما نصركم يوم بدر ﴿فَلَا غَالِبَ﴾ وقاهر لكم من الناس؛ أي: فلا أحد يغلبكم، وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته، واعتصم بربه، وقدرته ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ ويترك نصركم، ووكلكم إلى أنفسكم، لمخالفتكم أمره وأمر رسوله ﷺ كما فعل بكم يوم أحد ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾؛ أي: فمن الذي ينصركم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد خذلانه إياكم؛ أي: فلا أحد يملك لكم نصرًا، ويدفع عنكم الخذلان فالذي وقع لكم من النصر كما في يوم بدر، أو من الخذلان كما في يوم أحد بمشيئته ، فالأمر كلُّه لله بيده العزَّة، والنصرة، والإذلال، والخذلان. وقرأ الجمهور ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ من خذل الثلاثي، وقرأ عبيد بن عمير ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ من أخذل الرباعي، والهمزة فيه للجعل؛ أي: يجعلكم مخذولين. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ القاهر الغالب لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليخصوه بالتوكل؛ لأنه لا ناصر لهم سواه.
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب"، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، فقام عكاشة بن محصن ﵁ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، فقام آخر، فقال: يا نبيَّ الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة". رواه الشيخان وأحمد.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لو أنكم تتوكَّلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا". أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن.
١٦١ - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قرأ ابن عباس، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم
стр. 2092
بفتح الياء، وضم الغين؛ أي: وما (١) كان لنبيٍّ أن يخون؛ أي: ما جاز له أن يخون أمته في شيء من الغنائم؛ لأن النبوة، والخيانة لا يجتمعان؛ لأنَّ منصب النبوة أعظم المناصب، وأشرفها وأعلاها، فلا تليق به الخيانة؛ لأنها في نهاية الدناءة والخسة، والجمع بين الضدين محال، فثبت بذلك أن النبي ﷺ لم يخن أمته في شيء، لا من الغنائم، ولا من الوحي. وقيل: المراد به: الأمة؛ لأنه قد ثبت براءة ساحة النبي ﷺ من الغلول، والخيانة، فدلَّ ذلك على أن المراد بالغلول غيره. وقيل: اللام فيه منقولة معناه ما كان النبيُّ ليغل على نفي الغلول عن الأنبياء. وقيل: معناه ما كان لنبي الغلول يعني ما غل نبيٌّ قط، فنفى عن الأنبياء الغلول. وقيل: معناه، وما كان يحل لنبي الغلول، وإذا لم يحل له ... لم يفعله. وحجة هذه القراءة أنهم نسبوا النبي ﷺ إلى الغلول في بعض الروايات، فبين الله تعالى بهذه الآية، أنَّ هذه الخصلة، لا تليق به، ونفى عنه ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
وقرأ ابن مسعود، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب ﴿يغل﴾ بضم الياء وفتح الغين بالبناء للمفعول، ولها معنيان:
أحدهما: أن يكون من الغلول أيضًا، ومعناه: وما كان لنبي أن يخان؛ أي: ما جاز له أن تخونه أمته، لأن الوحي يأتيه حالا فحالًا، فمن خانه .. فربما نزل الوحي فيه، فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا؛ ولأن الخيانة في حقه ﷺ أفحش؛ لأنه أفضل البشر، ولأن المسلمين في ذلك كانوا في غاية الفقر.
والثاني: أن يكون من الإغلال، ومعناه: وما كان لنبي أن يخون؛ أي: ينسب إلى الخيانة والغلول، أو ما صحَّ له أن يوجد غالًّا.
ومعنى الكلام: أيْ ما كان (٢) من شأن، أي نبيٍّ، ولا من سيرته أن يغلَّ؛ لأنَّ الله تعالى عصم أنبياءه منه، فهو لا يليق بمقامهم، ولا يقع منهم؛ لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءةٌ، وخسةٌ. ﴿وَمَنْ
стр. 2093
يَغْلُلْ﴾؛ أي: ومن يأخذ من الغنيمة خفية، وخيانة ﴿يَأتِ بِمَا غَلَّ﴾؛ أي: يجىء بالذي غله وأخذه من الغنيمة بعينه يحمله علي عنقه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فضيحةً له على رؤوس الأشهاد، وزيادة له في تعذيبه ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾؛ أي: ثم بعد جمع الخلائق في عرصات القيامة، والحال أن الغال فيهم حاملًا بما غل على عنقه، تعطي، وتوفر وتجازى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ غالةٍ وغيرها جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ واقترفت من خير أو شر، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أن الخلائق لا يظلمون في جزاء أعمالهم بنقص ثواب عنهم، أو زيادة عقاب عليهم.
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في الغلول ووعيد الغال
والغلول: لغة: أخذ الشيء خفية، والخيانة فيه. وشرعًا: الخيانة في الغنيمة، وبهذا وردت الأحاديث.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره حتى قال: "لا ألفينَّ أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاء يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حمحمةٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك لا ألفينَّ أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفسٌ لها صياحٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاعٌ تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
الرغاء: صوت البعير، والثغاء. صوت الشاة، والرقاع: الثياب، والصامت: الذهب والفضة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر،
стр. 2094
ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا، ولا ورقًا غنمنا المتاع، والطعام، والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، يعني وادي القرى، ومع رسول الله ﷺ عبدٌ له وهبه رجلٌ من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبدُ رسول الله ﷺ يحل رحله، فرمي بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له، شملته الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : كلا، والذي نفس محمَّد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك، أو شراكين، فقال: أصبتها يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ شراكٌ من نارٍ، أو شراكان من نار". متفق عليه.
وفي رواية نحوه، وفيه "ومعه عبدٌ يقال له: مدعمٌ أهداه له أحد بني الضبيب، وفيه إذ جاءه سهمٌ عائر.
والشراك: سير النعل الذي يكون على ظهر القدم، ومثله شسع النعل، والسهم العائر، هو: السهم الذي لا يدرى من رماه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان على ثِقَل رسول الله ﷺ رجل، يقال له: كركرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ ، "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلَّها". رواه البخاري.
وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفِّي، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله"، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود، لا يساوي درهمين. أخرجه أبو داود، والنسائي.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غَلَّ فأحرقوا متاعه، واضربوه". أخرجه أبو داود، والترمذي.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر أحرقوا متاع الغال، وضربوه. زاد في رواية، ومنعوه سهمه. أخرجه أبو داود.
١٦٢ - وقد أردف الله توفية ما كسبته كل نفس بالتفصيل الآتي ليبين
стр. 2095
أن جزاء المطيعين ليس كجزاء المسيئين، فقال: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: أفمن اتبع كتاب الله ورسوله، وسعى في تحصيل رضا الله بفعل الطاعات، وترك الغلول، وغيره من الفواحش والمنكرات ﴿كَمَنْ﴾ غلَّ و ﴿بَاءَ﴾ ورجع ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: بغضب شديد كائن من الله ﴿و﴾ كمن كان ﴿مَأوَاهُ﴾ ومسكنه، ومنزله ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وقبح وساء المرجع مرجعه. والاستفهام هنا: إنكاري، أي: ليس جزاء من اتقى، وسعى في تحصيل مرضات الله تعالى بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وترك الغلول كجزاء من غل، وارتكب الفواحش والمحرمات، وانتهى أمره إلى سخط الله تعالى، وعظيم غضبه، وكان مأواه الذي يأوي إليه جهنم، ولا مرجع له غيره؛ لأن مأوى الأول الجنة، ومأوى هذا: النار، فيا بونًا بائنًا بين المنزلين.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.
١٦٣ - ﴿هُمْ﴾، أي: الفريقان المذكوران ﴿دَرَجَاتٌ﴾؛ أي: أصحاب درجات وطبقات، أي: إنَّ كلا ممن اتبع رضوان الله، ومن باء بسخط من الله أصحاب طبقات ومراتب مختلفة عند الله، ومنازل متفاوتة في حكمه، وبحسب علمه بشؤونهم، وبما يستحقون من الجزاء، فهم مختلفون في درجات الثواب، والعقاب في حكم الله وعلمه باختلاف مراتب الطاعات والمعاصي.
والخلاصة: أنَّ الناس يتفاوتون في الجزاء عند الله كما يتفاوتون في الفضائل، والمعرفة في الدنيا، وما يترتب على ذلك من الأعمال الحسنة، أو السيئة، وهذا التفاوت على مراتب ودرجات يعلو بعضها بعضًا من الرفيق الأعلى الذي طلبه النبيُّ ﷺ في مرض موته إلى الدرك الأسفل.
وقرأ الجمهور ﴿دَرَجَاتٌ﴾ بالجمع، فهي مطابقة للفظ هم، وقرأ النخعي ﴿درجةٌ﴾ بالإفراد. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عالم بأعمالهم، ودرجاتها، فمجازيهم على حسبها.
стр. 2096
١٦٤ - وبعد أن نفى الغلول والخيانة عن النبي ﷺ على أبلغ وجه، أكد ذلك بهذه الآية ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد منَّ الله وأنعم ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأحسن إليهم، وتفضَّل عليهم نعمة عظيمة التي هي بعثة محمد ﷺ إليهم، ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ﴾ وأرسل إليهم ﴿رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وجنسهم عربيًّا مثلهم، ولد ببلدهم، ونشأ بينهم يفهمون كلامه بسهولة، ويعرفون حاله بالصدق، والأمانة من أول العمر إلى آخره، ولو كان من غير جنسهم بأن كان ملكًا أو جنًّا لم يتأنسوا به، ولو كان من غير نسبهم بأن كان أعجميًّا لم يفهموا كلامه بسهولة.
وهو صار شرفًا للعرب، وفخرًا لهم، وذلك لأن الافتخار بإبراهيم ﵇ كان مشتركًا فيه اليهود، والنصارى، والعرب، ثم إن اليهود يفتخرون بموسى، والتوراة، والنصارى يفتخرون بعيسى، والإنجيل، فما كان للعرب ما يقابل ذلك، فلما بعث الله محمدًا ﷺ ؛ وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدًا على شرف الجميع، فهذا وجه الفائدة في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وخص المؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بمبعثه ﷺ بالإيمان بما جاء به. وقرىء شاذًا (١) ﴿لِمَنْ مَنِّ الله على المؤمنين﴾ بمن الجارة، و ﴿منّ﴾ مجرورٌ بها بدل ﴿قد من﴾ والمعنى لمن من الله على المؤمنين منه، أو بعثه إذ بعث فيهم، فحذف المبتدأ لدلالة السياق عليه. وقرأ الجمهور ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ بضم الفاء، جمع نفس، وقرأت فاطمة، وعائشة، والضحاك، وأبو الجوزاء ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ بفتح الفاء من النفاسة، والشيء النفيس. وروي عن أنس ﵁ أنه سمعها كذلك، من رسول الله ﷺ . وروى عليُّ عنه ﵇ "أنا من أنفسكم نسبًا، وحسبًا، وصهرًا، ولا في أبائي من آدم إلى يوم ولدت سفاحٌ، كلها نكاح والحمد لله".
وقال ابن عباس: ما خلق الله نفسًا هي أكرم على الله من محمَّد رسوله ﷺ وما أقسم بحياة أحد غيره، فقال: ﴿لعمرك﴾.
والخلاصة: أن هذا الرسول ولد في بلدهم، ونشأ بين ظهرانيهم، ولم يروا
стр. 2097
منه طول حياته، إلا الصدق، والأمانة، والدعوة إلى الله، والإعراض عن الدنيا، فكيف يظن بمن هذه حاله خيانةٌ وغلولٌ، وقد وصفه الله بأوصافٍ كل منها يقتضي عظيم المنة وجسيم النعمة:
الأول: أنه من أنفسهم؛ أي: إنه عربي من جنسهم، وبذا يكونون أسرع الناس إلى فهم دعوته، والاهتداء بهديه، وأقرب إلى الثقة به من غيرهم.
والثاني: أنه ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يقرأ عليهم كتابه، وقرآنه الذي أنزل عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية، لم يطرق أسماعهم شيءٌ من الوحي السماوي.
والثالث؛ أنه ﴿يزكيهم﴾ ويطهرهم من العقائد الزائغة، ووساوس الوثنية، وأدرانها إذ أن العرب وغيرهم قبل الإِسلام كانوا فوضى في أخلاقهم، وعقائدهم، وآدابهم، فكان محمَّد ﷺ يقتلع منهم جذور الوثنية، ويدفع عنهم العقائد الباطلة كاعتقادهم أن وراء الأسباب الطبيعية التي ارتبطت بها المسببات منافع ترجى ومضار تخشى من بعض المخلوقات، فيجب تعظيمها، والالتجاء إليها دفعًا لشرها، وجلبًا لخيرها، وتقربًا إلى خالقها، ولا شك أن من يعتقد مثل هذا يكون أسير الأوهام، وعبيد الخرافات يخاف في موضع الأمن، ويرجو حيث يجب الحذر والخوف.
والرابع: أنه ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يعلمهم معاني القرآن وتفسيره ﴿و﴾ يعلمهم ﴿الْحِكْمَةَ﴾؛ أي: السنة، والحديث، فتعليم الكتاب (١) اضطرَّهم إلى تعلم الكتابة، وأخرجهم من الأمية إلى نور العلم، والعرفان، فقد طلب إليهم كتابة القرآن، واتخذ كتبة للوحي وكتب كتبًا دعا بها الملوك، والرؤساء إلى الإِسلام، في سائر الأقطار، المعروفة، فانتشرت الكتابة بينهم، وعظمت مدينتهم، وامتدت سلطتهم، فملكوا الأمم التي كان لها السلطان، والصولة، والنفوذ في تلك الحقبة.
وكذلك علمهم الحكمة وأرشدهم إلى البصر بفهم الأشياء، ومعرفة أسرارها وفقه أحكامها، وبيان ما فيها من المصالح، والحكم، وهداهم إلى طريق
стр. 2098
الاستدلال، ومعرفة براهينها، فكان ذلك من أكبر البواعث على العمل بها، والتمسك بأهدابها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
والخلاصة: أن تعليم الكتاب إشارةً إلى معرفة ظواهر الشريعة، وتعليم الحكمة إشارة إلى فهم أسرارها، وعللها، وبيان منافعها.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: والحال أنهم كانوا من قبل بعثة محمَّد ﷺ ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾، وغيٍّ وجهل ﴿مُبِينٍ﴾: أي: بين واضحٍ بعيدٍ عن الحق، ولا ضلال أظهر من ضلال قوم يشركون بالله، ويعبدون الأصنام ويسيرون وراء الأوهام، وهم على ذلك أميون، لا يقرؤون، ولا يكتبون حتى يعرفوا حقيقة ما هم فيه من الضلال. وإنما جعلها منة لكونها وردت بعد محنةٍ، فكان موقعها أعظم إذ أن بعثة الرسول جاءت بعد جهلٍ، وبُعدٍ عن الحق، فكانت أعم نفعًا وأتم وقعًا.
وهذا على كون إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، واللام فارقةٌ بين المخففة، والنافية، وهو مذهب سيبويه. وقال الكوفيون: إنها النافية، واللام بمعنى إلا، والمعنى (١): وما كانوا من قبل مجىء محمَّد، ونزول القرآن، إلّا في ضلال بيّن، وذلك لأنَّ دين العرب قبل ذلك كان أرذل الأديان، وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق، وهو الغارة والنهب، والقتل، وأكل الأطعمة الرديئة، ثم لما بعث الله تعالى سيدنا محمدًا ﷺ إليهم انتقلوا ببركته من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أحسنها، وصاروا أفضل الأمم في العلم، والزهد والعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا، وطيباتها، ولا شك أن هذا أعظم المنة.
١٦٥ - وبعد أن حكى الله عن المنافقين أنهم نسبوا إلى النبي ﷺ الغلول، والخيانة، ثم برأه منه وبين ما بعث لأجله عاد هنا إلى كشف الشبهات التي عرضت للغزاة قبل الواقعة وبعدها، وبين خطأهم، وضلالهم في أقوالهم، وأفعالهم فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ الهمزة فيه:
стр. 2099
للاستفهام الإنكاري، داخلةٌ على محذوف، والواو عاطفة لـ ﴿قُلْتُمْ﴾ الآتي على ذلك المحذوف ولما حينية متعلقة بـ ﴿قُلْتُمْ﴾، وجملة ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾ مضاف إليه، لـ ﴿لَمَّا﴾ كما سيأتي لك في بحث الإعراب.
والمعنى: أنسيتم فضل الله عليكم، ونصره لكم يوم بدر، وقلتم متعجِّبين حين أصابتكم مصيبةٌ يوم أحد قد أصبتم مثليها، وضعفها يوم بدر من المشركين، أنّى هذا؟ أي: أقلتم متعجبين كيف حصل لنا هذا الخذلان من القتل والهزيمة، ونحن مسلمون، ورسول الله ﷺ فينا، ونحن ننصر دين الإِسلام الحقَّ، وهم ينصرون دين الشرك الباطل فكيف صاروا منصورين علينا، ونحن أحقُّ بالنصر!.
والمراد بالمصيبة: ما أصاب المسلمين يوم أحد من ظهور المشركين عليهم، وقتل سبعين منهم. والمراد بمثليها ما أصاب به المسلمون من المشركين يوم بدر بقتل سبعين منهم، وأسر سبعين.
أي: لا ينبغي لكم أن تعجبوا مما حل بكم في هذه الواقعة؛ فإن خذلانكم فيها لم يبلغ مبلغ ظفركم في بدر، فقد كان نصركم في تلك الواقعة ضعف انتصار المشركين في هذه.
فلماذا نسيتم فضل الله عليكم في بدر، فلم تذكروه، وأخذتم تعجبون مما أصابكم في أحد، وتسألون عن سببه.
وفائدة قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ التنبيه على أن أمور الدنيا لا تدوم على نهج واحدٍ، فأنتم هزمتموهم مرتين، فكيف تستبعدون أن يهزموكم مرة واحدة.
وقد أجاب الله عن شبهة تعجبهم بجوابين: أحدهما: قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، والثاني قوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿هُوَ﴾؛ أي: إنَّ هذا الخذلان الذي وقع بكم يوم أحد، وتعجبتم منه، وسألتم عن سببه، ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: إنما وقع بشؤم معصيتكم، ومخالفة أنفسكم أمر الرسول ﷺ ؛ لأنكم عصيتم الرسول في أمور كثيرة:
منها: أن الرسول ﷺ قال: المصلحة في البقاء في المدينة، فلا نخرج إلى أحد فأبيتم إلا الخروج، وكان الرأي ما رآه الرسول، حتى إذا ما دخلها
стр. 2100
المشركون قاتلوهم على أفواه الأزقة، والشوارع، وترميهم النساء، والصبيان بالأحجار من سطوح المنازل.
ومنها: أنكم فشلتم وضعفتم في الرأي.
ومنها: أنكم تنازعتم، وحصلت بينكم مهاترة (١) كلاميةٌ.
ومنها: أنكم عصيتم الرسول ﷺ وفارقتم المكان الذي أمركم بالوقوف فيه، لحماية ظهوركم بنضح عدوكم بالنبل إذا أرادوا أن يكونوا من ورائكم، ولا شك أن العقوبات آثارٌ لازمةٌ للأعمال، والله إنما وعدكم النصر بشرط ترك المعصية، كما قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده (قدير)؛ أي: قادرٌ، فإنه قادر على نصركم، لو ثبتم وصبرتم كما هو قادرٌ على التخلية بينكم وبين عدوكم إذا خالفتم، وعصيتم، وهو قد ربط الأسباب بالمسببات، ولا يشذ عن ذلك مؤمنٌ، ولا كافرٌ، فوجود الرسول بينكم وأنتم قد خالفتم سنن الله في البشر، لا يحميكم مما تقتضيه هذه السنن.
١٦٦ - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾؛ أي: وكل ما أصابكم، ونالكم أيها المؤمنون من القتل والجراحة والهزيمة ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: يوم تقابل وتقاتل فيه جمع المسلمين، وجمع المشركين، وهو يوم أحد ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: فهو واقعٌ بكم بإذن الله، وإرادته، وقضائه، السابق بجعل المسببات نتائج لأسبابها، فكل عسكر يخطئ الرأي، ويعصى قائده، ويخلي بين العدو وظهره، يصاب بمثل ما أصبتم به، أو بما هو أشد، وأنكى منه، وفي ذلك تسليةٌ للمؤمنين بما حصل لهم يوم أحد من القتل والهزيمة، ولا تقع التسلية إلا إذا علموا أن ذلك واقعًا بقضاء الله تعالى، وقدره، وحينئذٍ يرضون بما قضى الله عليهم.
وقوله ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف (٢) على قوله ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ عطف مسببٍ على سببٍ.
١٦٧ - وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ عطفٌ على ما قبله قيل: أعاد الفعل
стр. 2101
لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم، وإلى المنافقين واحدًا. والمعنى؛ أي: وما أصابكم يوم التقى الجمعان فكائنٌ بإذن الله تعالى، وإرادته، وكائن ليظهر الله صبر الذين آمنوا، وصبروا، وثبتوا، ولم يتزلزلوا، وقوة إيمانهم، وليظهر نفاق الذين نافقوا كعبد الله بن أبيٍّ، وأصحابه الذين انخذلوا يوم أحد عن رسول الله ﷺ ورجعوا، كانوا نحوًا من ثلاث مئة رجل ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: قال لهم بعض المسلمين قيل: هو عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله ﵄ ﴿تَعَالَوْا﴾ معنا إلى أحد، و ﴿قَاتِلُوا﴾ معنا المشركين ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إن كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾؛ أي: أو قاتلوا المشركين دفعًا عن أنفسكم، وأهليكم، وأموالكم، وبلدكم إن لم تكونوا مؤمنين؛ أي: كونوا إمَّا من المجاهدين في سبيل الله، أو من الدَّافعين عن الأنفس والأموال والبلاد.
والخلاصة: قاتلوا ابتغاء مرضاة الله وإقامة دينه أو قاتلوا للدنيا ودافعوا عن أنفسكم وأهليكم ووطنكم لكنهم راوغوا وقعدوا وتكاسلوا.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المنافقون للمؤمنين ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾؛ أي: لو نعرف قتالًا، ونحسنه ونقدر عليه ﴿لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؛ أي: لذهبنا معكم إلى أحد، وقاتلنا معكم، ولكنا لا نقدر على ذلك، ولا نحسنه. وقيل: معناه لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتالٍ، ولكنه إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة لعدم القدرة منا ومنكم، على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم، والخروج من المدينة. وقيل: المعنى لو نعلم أنكم تلقون قتالًا في خروجكم .. ما أسلمناكم، بل كنا نتبعكم، لكنا نرى أن الأمر سينتهي بدون قتال، ولا شك أن هذا الجواب منهم يدل على كمال النفاق، وأنه ما كان غرضهم منه إلا التلبيس والاستهزاء إذ ذهاب المشركين وهم مدججون بسلاحهم إلى أحد من أقوى الإمارات على أنهم يريدون قتالًا ﴿هُمْ﴾؛ أي: هؤلاء المنافقون ﴿لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: هم يوم إذ قالوا فيه ما قالوا، وانخذلوا فيه عن المؤمنين أقرب للكفر من قربهم إلى الإيمان عند من كان يظن أنهم مسلمون؛ لأنهم قد بينوا حالهم وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك، فإنهم كانوا
стр. 2102
قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم، وما ظهرت منهم أمارةٌ تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المسلمين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين، وأيضًا: قولهم ذلك يدل على كفرهم؛ لأنه إما على السخرية بالمسلمين، وإما على عدم الوثوق بقول النبي ﷺ وكل واحد منهما كفرٌ. وقيل (١): المعنى: أنهم لأهل الكفر يومئذٍ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جملةٌ مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها؛ أي: يظهرون بألسنتهم الإيمان الذي ليس في قلوبهم، بل الذي في قلوبهم الكفر، والنفاق، هذه صفة المنافقين لا صفة المؤمنين؛ لأن صفة المؤمن المخلص مواطأة القلب اللسان على شيء واحد، وهو التوحيد. وقال ابن عطية: ذكر الأفواه للتأكيد مثل قوله: يطير بجناحيه.
والمعنى: أنهم أظهروا أمرين ليس في قلوبهم واحدٌ منهما:
أحدهما: عدم العلم بالقتال.
والآخر: الاتباع على تقدير العلم به، وقد كذبوا فيهما، فإنهم عالمون بالقتال غير ناوين للاتباع، بل كانوا مصرين على الانخذال عازمين على الارتداد.
ثم أكد كفرهم ونفاقهم، وبين اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه تعالى ﴿أَعْلَمُ﴾؛ أي يعلم ﴿بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ من تفاصيل الأحوال ما لا يعلمه غيره من الكفر، والكيد للمسلمين، وتربص الدوائر بهم، فهو في كل حين يبين مخبآت أسرارهم، ويكشف أستارهم ثم يعاقبهم على ذلك في الدنيا والآخرة.
والخلاصة: أنه لا ينفعهم النفاق، فالله أعلم بما تكنه سرائرهم، وقلوبهم.
١٦٨ - وبعد أن ذكر قولًا قالوه قبل القتال، وبين بطلانه، أردفه قولًا قالوه بعده، وبين فساده وقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾؛ أي: هم الذين قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في هذه الواقعة، يعني من قتل يوم أحد من أقاربهم المؤمنين، أو من
стр. 2103
أمثالهم المنافقين ﴿وَقَعَدُوا﴾؛ أي: والحال أن المنافقين القائلين قد قعدوا وجلسوا عن الخروج للقتال مع النبي ﷺ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾؛ أي: لو أطاع المقتولون إيانا فيما أمرناهم به من القعود، ووافقونا في ذلك، ولم يخرجوا للقتال كما لم نخرج ﴿مَا قُتِلُوا﴾؛ أي: لما قتلوا يومئذٍ كما أنا لم نقتل.
وقرأ الحسن وهشام: ﴿قُتِّلُوا﴾ بتشديد التاء، وفي هذا إيماءٌ إلى أنهم أمروهم بالانخذال، حين انخذلوا.
أخرج ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله ﷺ في ألف رجلٍ وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاث مئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، ولئن أطعتنا لترجعن معنا فنعى الله عليهم ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الآية.
وقد دحض الله تعالى حجتهم، وأبان لهم كذبهم، ووبخهم على ما قالوا، فقال لنبيه ردًّا عليهم. ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء المنافقين القائلين ذلك ﴿فَادْرَءُوا﴾؛ أي: فادفعوا ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن القعود ينجي من الموت.
يعني أن (١) صدور هذا القول الجازم منكم يدل على أنكم قد أحطتم علمًا بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا جاز فيها جاز في غيرها، وحينئذٍ يمكنكم درء الموت ودفعه عن أنفسكم، فادفعوا عنها إن كنتم صادقين.
والخلاصة: أنكم إن كنتم صادقين في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قعودكم عن القتال لا بغيره من أسباب النجاة، فادفعوا سائر صنوف الموت عن أنفسكم، فإنه أحرى بكم.
والمعنى (٢): أن القعود غير مغنٍ عن الموت، فإن أسباب الموت كثيرةٌ، وكما أن القتال يكون سببًا للهلاك، والقعود يكون سببًا للنجاة قد يكون الأمر بالعكس، فلا تغتروا بما قلتم.
стр. 2104
وروي (١) أنه أنزل الله بهم الموت، فمات منهم يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقًا، من غير قتال، ومن غير خروج، لإظهار كذبهم، والله أعلم.
الإعراب
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾.
﴿فَبِمَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت مما سبق لك أنهم يستحقون الملامة، والتعنيف، ولا يستحقون اللين، والسهولة، وأردت بيان سبب لينك لهم فأقول لك: ﴿بما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم﴾. ﴿الباء﴾ حرف جر. ﴿ما﴾ زائدة. ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرور بـ ﴿الباء﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لِنْتَ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿رَحْمَةٍ﴾. ﴿لِنْتَ﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلِّق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿فَظًّا﴾ خبرٌ أول لـ ﴿كان﴾. ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ خبر ثان لها، ومضاف إليه، وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿لَانْفَضُّوا﴾ ﴿اللام﴾ رابطةٌ لجواب ﴿لو﴾. ﴿انفضوا﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلِّق به، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لِنْتَ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
﴿فَاعْفُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم يستحقون الملامة والعتاب، وأردت بيان ما هو الأصلح لهم
стр. 2105
فأقول لك: أعف عنهم. ﴿أعف﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا يعود على محمَّد ﷺ . ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ جملة فعلية معطوفة على جملة ﴿فَاعْفُ﴾ وكذلك جملة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ معطوفة عليها على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن المشاورة معهم عزيمةٌ عليك ليقتدي بك، وأردت بيان ما هو اللائق بك بعد المشاورة، والعزم على شيء فأقول لك ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿عَزَمْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلِّق بالجواب، وهو قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطةٌ لجواب ﴿إِذَا﴾ وجوبًا. ﴿تَوَكَّلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ . ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة.
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.
﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية ﴿فَلَا غَالِبَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لا﴾ نافية للجنس تعمل عمل ﴿إِنَّ﴾ ﴿غَالِبَ﴾ في محل النصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.