لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم، وإلى المنافقين واحدًا. والمعنى؛ أي: وما أصابكم يوم التقى الجمعان فكائنٌ بإذن الله تعالى، وإرادته، وكائن ليظهر الله صبر الذين آمنوا، وصبروا، وثبتوا، ولم يتزلزلوا، وقوة إيمانهم، وليظهر نفاق الذين نافقوا كعبد الله بن أبيٍّ، وأصحابه الذين انخذلوا يوم أحد عن رسول الله ﷺ ورجعوا، كانوا نحوًا من ثلاث مئة رجل ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: قال لهم بعض المسلمين قيل: هو عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله ﵄ ﴿تَعَالَوْا﴾ معنا إلى أحد، و ﴿قَاتِلُوا﴾ معنا المشركين ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إن كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾؛ أي: أو قاتلوا المشركين دفعًا عن أنفسكم، وأهليكم، وأموالكم، وبلدكم إن لم تكونوا مؤمنين؛ أي: كونوا إمَّا من المجاهدين في سبيل الله، أو من الدَّافعين عن الأنفس والأموال والبلاد.
والخلاصة: قاتلوا ابتغاء مرضاة الله وإقامة دينه أو قاتلوا للدنيا ودافعوا عن أنفسكم وأهليكم ووطنكم لكنهم راوغوا وقعدوا وتكاسلوا.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المنافقون للمؤمنين ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾؛ أي: لو نعرف قتالًا، ونحسنه ونقدر عليه ﴿لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾؛ أي: لذهبنا معكم إلى أحد، وقاتلنا معكم، ولكنا لا نقدر على ذلك، ولا نحسنه. وقيل: معناه لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتالٍ، ولكنه إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة لعدم القدرة منا ومنكم، على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم، والخروج من المدينة. وقيل: المعنى لو نعلم أنكم تلقون قتالًا في خروجكم .. ما أسلمناكم، بل كنا نتبعكم، لكنا نرى أن الأمر سينتهي بدون قتال، ولا شك أن هذا الجواب منهم يدل على كمال النفاق، وأنه ما كان غرضهم منه إلا التلبيس والاستهزاء إذ ذهاب المشركين وهم مدججون بسلاحهم إلى أحد من أقوى الإمارات على أنهم يريدون قتالًا ﴿هُمْ﴾؛ أي: هؤلاء المنافقون ﴿لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: هم يوم إذ قالوا فيه ما قالوا، وانخذلوا فيه عن المؤمنين أقرب للكفر من قربهم إلى الإيمان عند من كان يظن أنهم مسلمون؛ لأنهم قد بينوا حالهم وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك، فإنهم كانوا
стр. 2102
قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم، وما ظهرت منهم أمارةٌ تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المسلمين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين، وأيضًا: قولهم ذلك يدل على كفرهم؛ لأنه إما على السخرية بالمسلمين، وإما على عدم الوثوق بقول النبي ﷺ وكل واحد منهما كفرٌ. وقيل (١): المعنى: أنهم لأهل الكفر يومئذٍ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جملةٌ مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها؛ أي: يظهرون بألسنتهم الإيمان الذي ليس في قلوبهم، بل الذي في قلوبهم الكفر، والنفاق، هذه صفة المنافقين لا صفة المؤمنين؛ لأن صفة المؤمن المخلص مواطأة القلب اللسان على شيء واحد، وهو التوحيد. وقال ابن عطية: ذكر الأفواه للتأكيد مثل قوله: يطير بجناحيه.
والمعنى: أنهم أظهروا أمرين ليس في قلوبهم واحدٌ منهما:
أحدهما: عدم العلم بالقتال.
والآخر: الاتباع على تقدير العلم به، وقد كذبوا فيهما، فإنهم عالمون بالقتال غير ناوين للاتباع، بل كانوا مصرين على الانخذال عازمين على الارتداد.
ثم أكد كفرهم ونفاقهم، وبين اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه تعالى ﴿أَعْلَمُ﴾؛ أي يعلم ﴿بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ من تفاصيل الأحوال ما لا يعلمه غيره من الكفر، والكيد للمسلمين، وتربص الدوائر بهم، فهو في كل حين يبين مخبآت أسرارهم، ويكشف أستارهم ثم يعاقبهم على ذلك في الدنيا والآخرة.
والخلاصة: أنه لا ينفعهم النفاق، فالله أعلم بما تكنه سرائرهم، وقلوبهم.
١٦٨ - وبعد أن ذكر قولًا قالوه قبل القتال، وبين بطلانه، أردفه قولًا قالوه بعده، وبين فساده وقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾؛ أي: هم الذين قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في هذه الواقعة، يعني من قتل يوم أحد من أقاربهم المؤمنين، أو من
стр. 2103
أمثالهم المنافقين ﴿وَقَعَدُوا﴾؛ أي: والحال أن المنافقين القائلين قد قعدوا وجلسوا عن الخروج للقتال مع النبي ﷺ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾؛ أي: لو أطاع المقتولون إيانا فيما أمرناهم به من القعود، ووافقونا في ذلك، ولم يخرجوا للقتال كما لم نخرج ﴿مَا قُتِلُوا﴾؛ أي: لما قتلوا يومئذٍ كما أنا لم نقتل.
وقرأ الحسن وهشام: ﴿قُتِّلُوا﴾ بتشديد التاء، وفي هذا إيماءٌ إلى أنهم أمروهم بالانخذال، حين انخذلوا.
أخرج ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله ﷺ في ألف رجلٍ وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاث مئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، ولئن أطعتنا لترجعن معنا فنعى الله عليهم ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الآية.
وقد دحض الله تعالى حجتهم، وأبان لهم كذبهم، ووبخهم على ما قالوا، فقال لنبيه ردًّا عليهم. ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء المنافقين القائلين ذلك ﴿فَادْرَءُوا﴾؛ أي: فادفعوا ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن القعود ينجي من الموت.
يعني أن (١) صدور هذا القول الجازم منكم يدل على أنكم قد أحطتم علمًا بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا جاز فيها جاز في غيرها، وحينئذٍ يمكنكم درء الموت ودفعه عن أنفسكم، فادفعوا عنها إن كنتم صادقين.
والخلاصة: أنكم إن كنتم صادقين في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قعودكم عن القتال لا بغيره من أسباب النجاة، فادفعوا سائر صنوف الموت عن أنفسكم، فإنه أحرى بكم.
والمعنى (٢): أن القعود غير مغنٍ عن الموت، فإن أسباب الموت كثيرةٌ، وكما أن القتال يكون سببًا للهلاك، والقعود يكون سببًا للنجاة قد يكون الأمر بالعكس، فلا تغتروا بما قلتم.
стр. 2104
وروي (١) أنه أنزل الله بهم الموت، فمات منهم يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقًا، من غير قتال، ومن غير خروج، لإظهار كذبهم، والله أعلم.
الإعراب
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾.
﴿فَبِمَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت مما سبق لك أنهم يستحقون الملامة، والتعنيف، ولا يستحقون اللين، والسهولة، وأردت بيان سبب لينك لهم فأقول لك: ﴿بما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم﴾. ﴿الباء﴾ حرف جر. ﴿ما﴾ زائدة. ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرور بـ ﴿الباء﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لِنْتَ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿رَحْمَةٍ﴾. ﴿لِنْتَ﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلِّق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿فَظًّا﴾ خبرٌ أول لـ ﴿كان﴾. ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ خبر ثان لها، ومضاف إليه، وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿لَانْفَضُّوا﴾ ﴿اللام﴾ رابطةٌ لجواب ﴿لو﴾. ﴿انفضوا﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلِّق به، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لِنْتَ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
﴿فَاعْفُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم يستحقون الملامة والعتاب، وأردت بيان ما هو الأصلح لهم
стр. 2105
فأقول لك: أعف عنهم. ﴿أعف﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا يعود على محمَّد ﷺ . ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ جملة فعلية معطوفة على جملة ﴿فَاعْفُ﴾ وكذلك جملة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ معطوفة عليها على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن المشاورة معهم عزيمةٌ عليك ليقتدي بك، وأردت بيان ما هو اللائق بك بعد المشاورة، والعزم على شيء فأقول لك ﴿إِذَا عَزَمْتَ﴾. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿عَزَمْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلِّق بالجواب، وهو قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطةٌ لجواب ﴿إِذَا﴾ وجوبًا. ﴿تَوَكَّلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ . ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة.
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.
﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية ﴿فَلَا غَالِبَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لا﴾ نافية للجنس تعمل عمل ﴿إِنَّ﴾ ﴿غَالِبَ﴾ في محل النصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
стр. 2106
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي﴾ ﴿الفاء﴾ رابطةٌ لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿مَنْ ذَا﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام إنكاريٍّ في محل الرفع مبتدأ. ﴿ذَا﴾ اسم إشارة في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾ ﴿الَّذِي﴾ نعت لـ ﴿ذَا﴾ أو بدل منه، أو عطف بيان. ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ فعل ومفعول مرفوع؛ وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنْصُرُ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون من وذا بمنزلة اسم واحد، كما كانت ماذا؛ لأنَّ ما أشدُّ إبهامًا من من إذا كانت مَنْ لمن يعقل. انتهى. والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ على كونها مستأنفة.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَعَلَى﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿على الله﴾ جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ ﴿الفاء﴾ زائدة و ﴿اللام﴾: حرف طلب وجزم ﴿يتوكل﴾ فعل مضارع مجزوم ﴿باللام﴾. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِنَبِيٍّ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ على اسمها. ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَغُلَّ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَبِيٍّ﴾ وجملة ﴿يَغُلَّ﴾ صلة ﴿أَنْ﴾. ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا تقديره؛ وما كان الغلول لائقًا لنبي، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما كما مَرَّ مرارًا. ﴿يَغْلُلْ﴾ فعل مضارع
стр. 2107
مجزوم بمن على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿يَأتِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ بحذف حرف العلة على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ وجملة من الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾. ﴿بِمَا غَلَّ﴾ ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَأتِ﴾. ﴿غَلَّ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَأتِ﴾ وجملة ﴿غَلَّ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما غلَّه.
﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الشرط. ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان. ﴿كَسَبَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على كل نفس، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كسبته. ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ لأنها بمعنى الخلائق.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري داخلةٌ على محذوف على مذهب الزمخشري، تقديره: هل عرفت الفرق بين الضالّ، والمهتدي؟ والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَمَنِ﴾ ﴿اتَّبَعَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿مَنِ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فعل ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿كَمَنْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿مَنِ﴾ الموصول، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة المحذوفة. وعلى مذهب الجمهور الفاء استئنافية، والجملة مستأنفة. ﴿بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿بَاءَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، الجملة صلة الموصول. ﴿بِسَخَطٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَاءَ﴾ أو حال
стр. 2108
من ضمير الفاعل تقديره: حالة كونه ملتبسًا بسخط من الله. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لسخط. ﴿وَمَأوَاهُ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿مَأوَاهُ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبر له، والجملة معطوفة على جملة الصلة، عطفًا للجملة الإسمية على الجملة الفعلية؛ أي: وكمن مأواه جهنم فيكون قد وصل الموصول بجملتين: فعلية، واسمية، ويحتمل كونها مستأنفة، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿بِئْسَ﴾ فعل ماض من أفعال الذم. ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر للمخصوص بالذم المحذوف، تقديره: هي، يعود على جهنم، والجملة الإسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف، ومضاف إليه صفة لـ ﴿دَرَجَاتٌ﴾ تقديره: هم أصحاب درجات كائنات عند الله. وقال أبو (١) البقاء عند الله ظرف لمعنى درجات، كأنه قال: هم متفاضلون عند الله، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿دَرَجَاتٌ﴾ انتهى. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر له، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾. ﴿يَعْمَلُونَ﴾ جملة فعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما يعملونه. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿مَنَّ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة جوابٌ لقسم محذوف، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿مَنَّ﴾.
﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى متعلّقٌ بـ ﴿مَنَّ﴾. ﴿بَعَثَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه. ﴿فِيهِمْ﴾: جار ومجرور
стр. 2109
متعلقان بالفعل ﴿بَعَثَ﴾. ﴿رَسُولًا﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿رَسُولًا﴾. ﴿يَتْلُو﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على رسولًا. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتْلُو﴾، وجملة ﴿يَتْلُو﴾ في محل لنصب صفة ثانية لـ ﴿رَسُولًا﴾ تقديرها: رسولًا كائنًا، منهم تاليًا عليهم. ﴿آيَاتِهِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يُزَكِّيهِمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولًا﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ على كونها صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾، وكذلك جملة قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ على كونها صفة ثانية وثالثة لـ ﴿رَسُولًا﴾. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ الواو حالية. ﴿إِنْ﴾ مخففة، من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: وإنهم. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَانُوا﴾. ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللام﴾ لام الابتداء فارقة بين إن المخففة، وإن النافية. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كان﴾. ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿ضَلَالٍ﴾ وجملة ﴿كان﴾ الناقصة في محل الرفع، خبر إن المخففة تقديره: وإنهم لكائنون في ضلال مبين، وجملة ﴿إن﴾ المخففة في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿يعلمهم﴾.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾.
﴿أَوَ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة في التقدير على قوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾. و ﴿الواو﴾ استئنافية على مذهب الجمهور. وقال الزمخشري: ﴿الهمزة﴾ داخلة على محذوف تقديره: أنسيتم فضل الله عليكم يوم بدر، ونصره لكم فيه. و ﴿الواو﴾ عاطفة لجملة ﴿قُلْتُمْ﴾ على ذلك المحذوف. ﴿لَمَّا﴾ ظرف بمعنى حين في محل النصب على الظرفية مبنية على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه. ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ قد حرف تحقيق. ﴿أَصَبْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِثْلَيْهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿مُصِيبَةٌ﴾. ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة على مذهب الجمهور، ومعطوفة على محذوف على مذهب الزمخشري كما مرَّ آنفًا. ﴿أَنَّى هَذَا﴾ ﴿أَنَّى﴾ اسم استفهام في محل الرفع خبر مقدم. ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل
стр. 2110
النصب مقول لـ ﴿قُلْتُمْ﴾ والمعنى على مذهب الزمخشري: أنسيتم فضل الله عليكم يوم بدر، وقلتم حين أصابتكم يوم أحد مصيبةٌ قد أصبتم مثليها يوم بدر، كيف أصابتنا هذه المصيبة، ومن أين لنا هذا الخذلان، والجملة المحذوفة على مذهبه مستأنفة، كما أن المذكورة مستأنفة على مذهبهم.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هُوَ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضافان إليه خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقولٌ لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿مَا﴾ موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَصَابَكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، الجملة صلة الموصول. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿أَصَابَكُمْ﴾. ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا لشبه المبتدأ بالشرط في الإبهام نحو قولهم: الذي يأتيني فله درهم. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، ولكنه على إضمار تقديره: فهو بإذن الله، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يعلم﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام ﴿كي﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول به؛ لأن علم هنا بمعنى أظهر يتعدى إلى مفعول واحد، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولعلمه المؤمنين الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ على كونه خبر المبتدأ، تقديره: وما أصابكم يوم التقى الجمعان، فكائنٌ بإذن الله، وكائنٌ
стр. 2111
لإظهاره صبر المؤمنين.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يَعْلَمَ﴾ منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به ليعلم. ﴿نَافَقُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة يعلم في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره، ولعلمه الذين نافقوا، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾.
﴿وَقِيلَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ نائب فاعل محكي لقيل، وجملة ﴿وَقِيلَ﴾ معطوفة على جملة ﴿نَافَقُوا﴾ على كونها صلة الموصول، وإن شئت قلت ﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر، وفاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لِـ ﴿قِيلَ﴾. وكذلك جملة ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَاتِلُوا﴾. ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ ﴿أَوِ﴾ حرف عطف، وتفصيل. ﴿ادْفَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قَاتِلُوا﴾. وقال أبو حيان (١): و ﴿أَو﴾ على بابها من أنها لأحد الشيئين. وقيل: يحتمل أن تكون بمعنى الواو، فطلب منهم الشيئين القتال في سبيل الله، والدفع عن الحريم والأهل، والمال، فكفار قريش لا تفرق بين المؤمن، والمنافق في القتل، والسبي، والنهب. والظاهر أن قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ كلامٌ مستأنف قسم الأمر عليهم فيه بين أن يقاتلوا للآخرة أو يدفعوا عن أنفسهم وأهليهم، وأموالهم، حكى الله عنهم ما يدل على نفاقهم في هذا السؤال، والجواب، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ معطوفًا على ﴿نَافَقُوا﴾ فيكون من الصلة انتهى.
وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا﴾ هذه الجملة (٢) تحتمل وجهين:
стр. 2112
أحدهما: أن تكون استئنافية، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال، وإما بالدفع؛ أي: تكثير سواد المسلمين.
والثاني: أن تكون معطوفة على ﴿نَافَقُوا﴾ فتكون داخلة في حيز الموصول؛ أي: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ الذين حصل منهم النفاق، والقول المذكور و ﴿تَعَالَوْا﴾ و ﴿قَاتِلُوا﴾ كلاهما قائم مقام الفاعل، لـ ﴿قِيلَ﴾؛ لأنه هو المقول. قال أبو البقاء: (١) وإنما لم يأت بحرف العطف بين ﴿تَعَالَوْا﴾ و ﴿قَاتِلُوا﴾ لأنه أراد أن تكون كل من الجملتين مقصودةً بنفسها، ويجوز أن يقال: إن المقصود هو الأمر بالقتال، و ﴿تَعَالَوْا﴾ ذكر ما لو سكت عنه .. لكان في الكلام دليلٌ عليه، وقيل: الأمر الثاني حالٌ انتهى.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿نَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المنافقين. ﴿قِتَالًا﴾ مفعول به؛ لأن علم بمعنى عرف. ﴿لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب لو. ﴿اتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة لو من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾
﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿لِلْكُفْرِ﴾ جار ومجرور متعلِّقٌ بأقرب الآتي. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلِّقٌ بأقرب أيضًا كما ذكره أبو حيان. ﴿أَقْرَبُ﴾ خبر المبتدأ والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بأقرب. ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضًا، و ﴿أَقْرَبُ﴾ تعلقت به هنا أربع ظروفات.
فإن قلت: من المعلوم أنه لا يتعلق حرفا جرٍّ متحدان لفظًا ومعنًى بعامل واحد، إلا أن يكون أحدهما معطوفًا على الآخر، أو بدلًا منه؛ فكيف تعلقا هنا بـ ﴿أَقْرَبُ﴾؟
стр. 2113
قلتُ: هذا من خواصِّ أفعل التفضيل، فإنه يتعلق به حرفا جر من جنس واحد، وليس أحدهما معطوفًا على الآخر، ولا بدلًا منه بخلاف سائر العوامل؛ فإنه لا يتعلق به حرفا جر من جنس واحد، إلا بالعطف أو على سبيل البدل.
وقال أبو البقاء: (١) وجاز أن يعمل أقرب فيهما لأنهما يشبهان الظرف، وكما عمل أطيب في قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبًا في الظرفين المقدرين؛ لأن أفعل يدل على معنيين: على أصل، وزيادته، فيعمل في كل واحد منهما بمعنى غير الآخر، فتقديره يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان. واللام هنا على بابها، وقيل هي بمعنى إلى. انتهى.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿أَقْرَبُ﴾، أي قربوا إلى الكفر قائلين قاله أبو البقاء. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر ﴿لَيْسَ﴾، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلةٌ لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المستتر في ﴿لَيْسَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ﴾ خبر، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾. وجملة ﴿يَكْتُمُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يكتمونه.
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ في إعرابه أوجه: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم الذين قالوا، والجملة مستأنفة أو على أنه بدل من الذين نافقوا، أو نعت له، أو على أنه مبتدأ خبره ﴿قُلْ﴾ الآتي، تقديره: الذين قالوا لإخوانهم، قل لهم: فادرؤوا الخ والنصب على الذم، والجر بدلًا من المجرور في ﴿أَفْوَاهِهِمْ﴾ أو
стр. 2114
﴿قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَقَعَدُوا﴾ فعل، وفاعل يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿قَالُوا﴾ على كونه صلة الموصول معترضًا بين ﴿قَالُوا﴾ ومعموله، وهو قوله: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿قَالُوا﴾ وقد مقدرة، أي: وقد ﴿قَعَدُوا﴾ ومجيء الماضي حالًا مقترنًا بالواو وقد أو بدونهما ثابت في "لسان العرب". ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ مقولٌ. محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿لو﴾ حرف شرط. ﴿أَطَاعُونَا﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿قُتِلُوا﴾ فعل مغير ونائب فاعل، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت .. قلت ﴿فَادْرَءُوا﴾ الفاء رابطة لجواب شرط محذوف معلوم من السياق تقديره: إن كنتم رجالًا دفاعين لأسباب الموت ﴿فَادْرَءُوا﴾ جميع أسبابه عن أنفسكم حتى لا تموتوا. ﴿ادْرَءُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ادْرَءُوا﴾. ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به وجملة ﴿ادْرَءُوا﴾ في محل الجزم على كونها جوابًا لشرط محذوف، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقولٌ لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿صَادِقِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونها فعل شرط لها وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم صادقين في دعواكم أن التحيل والتحرز ينجي من الموت، ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾، ولن تجدوا إلى ذلك سبلًا، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب، مؤكدةٌ للشرط المحذوف على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ﴾ من لان يلين لينًا من باب باع، واللين في المعاملة الرفق والتلطف فيها.
стр. 2115
﴿فَظًّا﴾ يقال: فظَّ يَفَظُّ، وَيفِظُّ فظًّا وفظاظةً وفِظاظًا: إذا كان فظًّا، والفظ: الغليظ السيء الخلق، الخشن الكلام، يجمع على فظاظٍ، وفظوظ ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ يقال: غلظ وغلظ بالكسر، والضم، والغلظة ضد الرقة فالفظاظة الجفوة في المعاشرة قولًا وفعلًا، والغلظة التكبر ثم تجوز به عن عدم الشفقة وكثرة القسوة في القلب، فغلظ القلب عبارة عن كونه خلق صلبًا لا يلين، ولا يتأثر ﴿لَانْفَضُّوا﴾ الانفضاض التفرق من الأجزاء، وانتشارها يقال: نفض القوم إذا تفرقوا، وهو من باب انفعل الخماسيِّ من مزيد الثلاثي، وبناؤه للمطاوعة يقال: فضضتهم فانفضوا؛ أي: فرقتهم فتفرقوا، وأصل الفض الكسر، ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك.
والمعنى (١): لو كنت فظًّا غليظ القلب لا ترفق بهم لتفرقوا من حولك هيبةً لك واحتشامًا منك بسبب ما كان من توليهم، وإذا كان الأمر كما ذكر فاعف عنهم الخ ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ قال أهل اللغة: الاستشارة مأخوذةً من قول العرب شرت الدابة، وشورتها إذا علمت خبرها، وقيل من قولهم: شرت العسل إذا اجتنيته، واستخرجته، وأخذته من موضعه، وثلاثيه أجوف واوي من باب قال.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل: إظهار العجز، والاعتماد على غيرك، والاكتفاء به في فعل ما تحتاج إليه.
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ في "المصباح" خذلته وخذلت عنه من باب قتل، والاسم: الخذلان إذا تركت نصرته وإعانته وتأخرت عنه.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ يقال: غل الشي يغله غلًّا وغلولًا، من باب شد إذا أخذه خفيةً، ودسَّهُ في متاعه، فهو من المضاعف المعدى، فقياسه: ضم مضارعه. والغل: الأخذ خفية كالسرقة، ثم غلب استعماله في السرقة من المغنم قبل القسمة، ويسمى الغلول أيضًا.
﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ السخط بفتحتين: مصدر قياسي لسخط من باب فرح، والسخط بضم فسكون، مصدر سماعيٌّ له، قال ابن مالك:
стр. 2116
وَفَعِلَ اللَّازِمُ بَابُهُ فَعَلْ ... كَفَرَحٍ وَكَجَوَىً وَكَشَلَلْ
ثم قال:
وَمَا أَتَى مُخَالِفًا لِمَا مَضَى ... فَبَابُهُ اَلنَّقْلُ كَسُخْطٍ وَرِضَا
والسخط على كلا الضبطين الغضب الشديد.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقال: من يمن بالضم منَّ، ومنيني عليه بكذا إذا أنعم عليه به من غير تعب، فهو من المضاعف، اللازم فقياسه: الكسر فالضم فيه شاذ، ولم يأت فيه إلَّا الضمّ.
﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ يقال: درأه يدرؤُهُ بالفتح، من باب منع درءًا، ودرأةً إذا دفعه دفعًا شديدًا، ودرأ السيل عليه اندفع، ودرأ الرجل علينا إذا طرأ فجأة، تدارأ القوم إذا تدافعوا في الخصومة.
البلاغة
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فيه مجازٌ بالزيادة؛ لأن ﴿مَا﴾ زائدةٌ للتأكيد. ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾ ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ فيهما من المحسنات البديعية: المقابلة والالتفات؛ إذ هو خروج من الغيبة إلى الخطاب، وتنويع الكلام؛ لأنه جاء في جواب ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ بصريح النفي العام حيث قال: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ وفي جواب ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ بالنفي المضمن في الاستفهام حيث قال: فمن ذا الذي ينصركم، وإفادة الحصر في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بتقديم المعمول على العامل.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فيه استعارةٌ بديعية، حيث جعل ما شرعه الله كالدليل الذي يتبعه من يهتدي به، وجعل العاصي كالشخص الذي أمر بأن يتبع شيئًا، فنكص عن اتباعه، ورجع بدونه.
﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ التنكير فيه للتهويل؛ أي: بسخط عظيم لا يكاد يوصف ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ فيه مجازٌ بالحذف؛ أي: ذَوُو درجات متفاوتةٍ متخالفةٍ.
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ بين الكفر والإيمان الطباق.
стр. 2117
﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فيه من المحسنات البديعية: جناس الاشتقاق.
وقال أبو حيان (١): وتضمنت هذه الآيات من صنوف البلاغة والفصاحة:
منها: الطباق في قوله: ﴿يَنْصُرْكُمُ﴾ و ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ وفي قوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ و ﴿بِسَخَطٍ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾؛ وفي الجلالة في مواضع.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿يَغُلَّ﴾، وما ﴿غَلَّ﴾.
ومنها: الاستفهام الذي معناه النفي في قوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ الآية.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾، وفي ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ خص العمل دون القول؛ لأن العمل جل ما يترتب عليه الجزاء.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ الآية، إذ التقدير من الله عليهم بالهداية، فيكون في هذا المقدر، وفي قوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وفي ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ والقول ظاهر و ﴿يَكْتُمُونَ﴾، وفي قوله: ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ إذ التقدير حين خرجوا، وقعدوا هم.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ لاختلاف متعلق العلم.
ومنها: الاستفهام الذي يراد به الإنكار في قوله: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ﴾.
ومنها: الاحتجاج النظري في قوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾.
ومنها: الحذف في عدة مواضع، لا يتم المعنى إلا بتقديرها.
والله أعلم
* * *
стр. 2118
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾
المناسبة
لمَّا ذكر (١) الله تثبيط المشركين للراغبين في الجهاد بتحذيرهم عواقبه، وأنه مفضٍ إلى القتل، كما حدث يوم أحد، والقتل بغيضٌ إلى النفوس مكروه لها، ثم أردفه بيان أن القتل إنما يحدث بقضاء الله وقدره، كما يحدث الموت، فمن كتب عليه أن يقتل، لا يمكنه أن يبتعد من القتل، ومن لم يقدر له لا خوف عليه من الجهاد .. ذكر هنا ما يحبب الجهاد في سبيل الله،
стр. 2119
فأبان أن المقتولين شهداء أحياءٌ عند ربهم، قد خصَّهم الله بالقرب منه والكرامة لديه، وأعطاهم أفضل أنواع الرزق، وأوصلهم إلى مراتب الفرح والسرور.
وأخرج الإمام أحمد في جماعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لمَّا أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ..﴾ الآيات، لمَّا كان من فوز المشركين في أُحد ما كان، وأصاب النبيَّ ﷺ والمؤمنين شيءٌ كثير من الأذى أظهر بعض المنافقين كفرهم، وصاروا يخوفون المؤمنين، ويؤيسونهم من النصر، والظفر بعدوهم، ويقولون لهم: إنَّ محمدًا طالب ملك، فتارة يكون الأمر له، وتارةً عليه، ولو كان رسولًا من عند الله .. ما غلب إلى نحو هذه المقالة، مما ينفر المسلمين من الإِسلام، فكان الرسول يحزن لذلك، ويسرف في الحزن فنزلت هذه الآيات تسليةً له كما سلاه عما يحزن من إعراض الكافرين عن الإيمان، أو طعنهم في القرآن، أو في شخصه ﷺ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ ..﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لمَّا ذكر الله فيما سبق ما يحرض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وبذل أنفسهم فيه بذكر ما يلاقيه المجاهدون من الكرامة عند ربهم في جنات النعيم، شرع هنا يحث على بذل المال في الجهاد، والمال شقيق الروح، فذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله في هذه السبيل، وأرشد إلى أن المال ظل زائلٌ، وأن مدى الحياة قصيرٌ، وأن الوارثين والموروثين سيموتون، ويبقى الملك لله وحده.
стр. 2120
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه الإِمام أحمد. (ج١ ص ٢٦٥) حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتهوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم، ومأكلهم، وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله بنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات على رسوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ...﴾.
وأخرج الترمذي وحسَّنه (ج ٤ ص ٨٤) عن جابر ﵁ قال: لقيني رسولُ الله ﷺ فقال يا جابر "ما لي أراك منكسرًا" فقلت يا رسول الله: استشهد أبي وترك عيالًا، ودينًا، فقال: "ألا أبشرك بما لقي الله به أباك"، قال: بلى يا رسول الله، قال: "ما يكلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك، فكلَّمه كفاحًا (١) فقال: تمن عليَّ أعطيك قال: يا رب تحييني، فأقتل فيك ثانيةً، قال الرب تعالى علوًّا كبيرًا: إنه قد سبق أنهم لا يرجعون"، قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ...﴾ قال الشوكاني في "تفسيره": وعلى كلِّ حال، فالآية باعتبار عمومها تعم كل شهيد.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ سبب نزولها: ما روي (٢) عن ابن عباس قال: لما انصرف أبو سفيان، والمشركون من
стр. 2121
أحد، وبلغوا الروحاء، قال أبو سفيان: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء (١) الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وذلك أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ : موعدك موسم بدر، حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان: فرجع، وأما الشجاع: فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه، فلم يجدوا به أحدًا، وتسوقوا، فأنزل الله : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ رواه الطبراني.
وأخرج (٢) ابن مردويه عن أبي رافع، أنَّ النبيَّ ﷺ وجه عليًّا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابيُّ من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، قالوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية.
وأخرج (٣) ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف الرعب في قلب أبي سفيان يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ : إن أبا سفيان، قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع، وقذف الله في قلبه الرعب، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك فندب النبيُّ ﷺ لينطلقوا معه، فجاء الشيطان فخوف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: "إني ذاهب"، وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ...﴾ الآية.
стр. 2122
التفسير وأوجه القراءة
١٦٩ - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ولا تظنن يا محمَّد، أو أيها السامع لقول المنافقين الذين ينكرون البعث، أو يرتابون، فيؤثرون الدنيا على الآخرة، كون الذين استشهدوا في سبيل الله، لإعلاء دينه، ﴿أَمْوَاتًا﴾ قد فقدوا الحياة، وصاروا عدمًا لا يحسون، ولا يتنعمون ﴿بَلْ﴾ هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ في عالم آخر غير هذا العالم هو خيرٌ للشهداء، لما فيه من الكرامة، والشرف مكرمون ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ من نعيم الجنة غدوًّا وعشيًّا، كما روى عن النبي ﷺ "أنَّ أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم يرزقون، ويتنعمون من ثمار الجنة يجدون ريحها، وليسوا فيها" وهذه الحياة (١) التي أثبتها القرآن الكريم للشهداء حياة محققة غيبية عنا لا ندرك حقيقتها، ولا نزيد على ما جاء به الوحي. قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ تأكيد لكونهم أحياءً، وتحقيق لهذه الحياة.
وقرأ الجمهور (٢) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء، والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل سامع، وقرأ حميد بن قيس، وهشام بخلاف عنه ﴿ولا يحسبن﴾ بالياء؛ أي: لا يحسبن حاسبٌ أيًّا كان.
وقد اختلف (٣) أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية، من هم؛ فقيل: شهداء أحد، وقيل: شهداء بدر، وقيل: شهداء بئر معونة، وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وقرأ الحسن (٤) وابن عامر ﴿قُتِّلُوا﴾ بالتشديد، وروي عن عاصم ﴿قاتلوا﴾ وقرأ الجمهور ﴿قُتِلُوا﴾ مخففًا، وقرأ الجمهور ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوت تقديره: بل هم أحياء. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿أَحْيَاءً﴾ بالنصب على تقدير فعل؛ أي: بل أحسبهم أحياءً، كما قاله الزمخشري، وتبعه الزجاج.
١٧٠ - قوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ حالٌ من الضمير في ﴿يُرْزَقُونَ﴾ و ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ
стр. 2123
فَضْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿فَرِحِينَ﴾ وقرأ ابن السميفع ﴿فارحين﴾ وهُما لغتان: كالفره، والفاره، والحذر، والحاذر. والمراد ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ ما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة، وما صاروا فيه من الحياة، وما يصل إليهم من رزق الله ، والمعنى: مسرورين بما أعطاهم الله تعالى من قربه، ودخول جنته، ورزقهم فيها إلى سائر ما أكرمهم به. ولا تعارض (١) بين فرحين، وبين ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ في قصة قارون؛ لأن ذاك بالملاذ الدنيوية، وهذا بالملاذ الأخروية ولذلك جاء ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وجاء ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
١٧١ - والمراد بفضل الله شرف الشهادة، والفوز بالحياة الأبدية، والزلفى من الله تعالى، والتمتع بالنعيم المخلد عاجلًا، والواو في قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ عاطفة على قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؛ أي: يرزقون، ويستبشرون، ويسرون (بـ) ما تبين لهم من حسن حال إخوانهم المجاهدين ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ في القتل، والشهادة، ولم يقتلوا إذ ذاك وتركوهم ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ ووراءهم في الدنيا، بل سيلحقون بهم من بعد؛ أي: إنهم بقوا في الدنيا بعدهم، وهم قد تقدموهم يعني من إخوانهم الذين تركوهم أحياءً في الدنيا على منهج الإيمان، والجهاد، فعلموا أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم، ونالوا من الكرامة مثلهم.
وقيل (٢): المراد بإخوانهم هنا جميع المسلمين الشهداء وغيرهم؛ لأنهم لما عاينوا ثواب الله، وحصل لهم اليقين بحقية دين الإِسلام؛ استبشروا بذلك لجميع أهل الإِسلام الذين هم أحياء لم يموتوا، وهذا أقوى؛ لأن معناه أوسع، وفائدته أكثر، واللفظ يحتمله، بل هو الظاهر، وبه قال الزجاج، وابن فورك.
وقوله (٣): ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ إشارة إلى أنهم وراءهم، يقتفون أثرهم، ويحذون حذوهم قدمًا بقدمٍ، وفي ذكر حال الشهداء، واستبشارهم بمن خلفهم حث
стр. 2124
للباقين بعدهم على زيادة الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء، وإصابة فضلهم كما فيه إخمادٌ لحال من يرى نفسه في خير، فيتمنى مثله لإخوانه، في الدين، وفيه بشرى للمؤمنين بالفوز بالمآب.
وقوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾؛ أي: يستبشرون بعدم الخوف، والحزن على إخوانهم الذين تركوهم أحياءً، وأنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية، لا يكدرها خوفٌ من وقوع مكروه من أحوالها، ولا حزنٌ من فوات محبوب من نعيمها.
والمعنى (١): يستبشرون بأن لا خوف من المتخلِّفين على أنفسهم، فهم آمنون، ولا هم يحزنون، فهم فرحون هذا ما أدركه لهم إخوانهم المتقدمون، وليس المراد أنهم؛ أي: المتقدمين لا يخافون على المتخلِّفين كما هو ظاهر.
والحاصل (٢): أن الشهداء المتقدمين: يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلانًا وفلانًا في صف المقاتلة مع الكفار، فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا؛ أي: يفرحون بحسن حال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا، بدوام انتفاء الخوف والحزن، وبلحوقهم بهم؛ لأن الله تعالى بشَّرهم بذلك.
والخوف: غم (٣) يلحق الإنسان بما يتوقعه من السوء، والحزن غمٌّ يلحقه من فوات نافع، وحصول ضار، فمن كانت أعماله مشكورةٌ .. فلا يخاف العاقبة، ومن كان متقلِّبًا في نعمة من الله، وفضل .. فلا يحزن أبدًا.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ لمَّا (٤) بيَّن الله أنَّ الشهداء يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ذكر أنهم أيضًا يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم والفضل، فالاستبشار الأول كان لغيرهم، والاستبشار الثاني
стр. 2125
لأنفسهم خاصة؛ أي: يفرحون بنعمة من الله؛ أي: بثواب أعمالهم وفضل؛ أي: زيادة عظيمة من الكرامة على ثواب أعمالهم، نظير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وتنكيرها للتعظيم فالنعمة هي الثواب الذي يلقاه العامل جزاءً على عمله، والفضل هو التفضل الذي يمن الله به على عباده الطائعين المخبتين إليه.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ويفرحون بأن الله تعالى لا يبطل، ولا يبخس أجر المؤمنين من الشهداء، وغيرهم. قرأ الكسائي (١) بكسر الهمزة من ﴿إنَّ﴾ على أنه مستأنف. وفيه دلالة على أن الله لا يضيع أجر شيء من أعمال المؤمنين، ويؤيده قراءة ابن مسعود، ومصحفه ﴿والله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ وقرأ باقي السبعة، والجمهور بفتح الهمزة عطفًا على فضل، فهو داخل في جملة ما يستبشرون به، قال (٢) أبو علي يستبشرون: بتوفير ذلك عليهم، ووصوله إليهم؛ لأنه إذا لم يضعه وصل إليهم، ولم يبخسوه، ولا يصح الاستبشار بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين؛ لأن الاستبشار إنما يكون بما لم يتقدم به علم، وقد علموا قبل موتهم أنَّ الله لا يضيع أجر المؤمنين، فهم يستبشرون بأنَّ الله ما أضاع أجورهم، حتى اختصهم بالشهادة ومنحهم أتم النعمة، وختم لهم بالنجاة، والفوز، وقد كانوا يخشون على إيمانهم، ويخافون سوء الخاتمة المحبطة للأعمال، فلما رأوا ما للمؤمنين عند الله من السعادة، وما اختصَّهم به من حسن الخاتمة التي تصح معها الأجور، وتضاعف الأعمال استبشروا؛ لأنهم كانوا على وجل من ذلك. انتهى كلامه، وفيه تطويلٌ شبيهٌ بالخطابة.
وفي ذلك كله تحريضٌ للمؤمنين على الجهاد، وترغيبٌ لهم في الشهادة، وحث على ازدياد الطاعة، وبشرى للمؤمنين بالفوز العظيم.
стр. 2126
فصلٌ في ذكر الأحاديث الواردة في فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تضمَّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادًا في سبيلي، وإيمانًا وتصديقًا برسلي، فهو عليَّ ضامن - أي: مضمون - أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجرٍ، أو غنيمةٍ، والذي نفس محمَّد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمَّد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعةً فأحملهم، ولا يجدون سعةً، ويشق عليهم أن يتخلَّفوا عني، والذي نفسُ محمَّد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وعن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال "لغَدَوْةٌ في سبيل الله، أو رَوْحَةٌ خير من الدنيا وما فيها" متفق عليه.
وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا، وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا، وما عليها". متفق عليه.
وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر" أخرجه أبو داود، والترمذي.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ قاتل في سبيل الله فواق ناقةٍ، وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقًا من نفسه، ثم مات أو قتل؛ كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحًا في سبيل الله، أو نكب نكبةً .. فإنها تجىء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله، فإن عليه
стр. 2127
طابع الشهداء". أخرجه أبو داود، والنسائي، وأخرجه الترمذي مفرقًا في موضعين.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أتى رجلٌ رسول الله ﷺ فقال: "أيُّ الناس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه، وماله في سبيل الله، قال: ثم من؟ قال: رجل في شعب من الشعاب يعبد الله"، وفي رواية: "يتقي الله ويدع الناس من شره". متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا، واحتسابًا، وتصديقًا بوعده .. فإن شبعه، وريه، وروثه، وبوله، في ميزانه يوم القيامة يعني حسنات". أخرجه البخاري. وعن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما أحدٌ يدخل الجنة فيجب أن يرجح إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة"، وفي رواية "لما يرى من فضل الشهادة". متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين". أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة". أخرجه الترمذي وللنسائي نحوه.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يَشْفَعُ الشهيد في سبعين من أهل بيته". أخرجه أبو داود.
١٧٢ - قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ مبتدأ خبره، قوله الآتي ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾؛ أي: هؤلاء المؤمنون الذين أجابوا دعوة الله، ورسوله إياهم للخروج إلى الغزو ثانيًا في اليوم التالي ليوم أحد ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ﴾، ونالهم ﴿الْقَرْحُ﴾، والجراح في يوم أحد، ولبوا نداءهما من غير توانٍ ولا تباطؤ. وكان هذا الدعاء في يوم الأحد التالي ليوم أحد الذي هو يوم السبت لست عشرة مضت، أو لثمان
стр. 2128
عشرة خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة، كما في المواهب. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ بإجابة الرسول إلى الخروج للغزو ثانيًا على ما هم عليه من جراح، وآلام أصابتهم يوم أحد ﴿وَاتَّقَوْا﴾ مخالفة الرسول، وعاقبة تقصيرهم، وأتوا بالعمل على أكمل وجوهه ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وثواب جزيل، وهو الجنة على ما أتوا به من جليل الأعمال، وصالح الأفعال.
وفي قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى أن من دعوا لبوا، واستجابوا له ظاهرًا، وباطنًا، ولكن عرض لبعضهم موانع في أنفسهم أو أهليهم فلم يخرجوا، وخرج الباقون.
روي أن أبا سفيان وأصحابه لمَّا رجعوا من أحد، فبلغوا الروحاء موضع بين مكة والمدينة، ندموا، وهموا بالرجوع حتى يستأصلوا، من بقي من المؤمنين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يرهبهم، ويريهم من نفسه وأصحابه قوةً، فندب أصحابه للخروج في إثر أبي سفيان، وقال: "لا يَخْرَجُنَّ معنا يومنا إلا من حضر بالأمس"، فخرج رسولُ الله ﷺ مع جماعة من أصحابه يوم الأحد اليوم التالي، يوم أُحد حتى بلغوا حمراء الأسد - موضعٌ على ثمانية أميال من المدينة، على يسار الطريق لمن أراد ذا الحليفة - وكان بأصحابه الجراح والآلام، فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا إلى مكة مسرعين، وأقام بها رسول الله ﷺ الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة، وقد غاب عنها خمسًا، فنزلت هذه الآية وتسمي هذه الغزوة غزوة حمراء الأسد، وهي متصلة بغزوة أحد.
١٧٣ - وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ منصوب بفعل محذوف تقدير: أمدح المؤمنين الذين قال لهم الناس: أي؛ قال لهؤلاء المؤمنين نعيم ابن مسعود الأشجعي، ومن وافقه، وهم أربعة؛ أي: قالوا للمؤمنين تثبيطًا لهم ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾؛ أي: إن أبا سفيان، وكفار قريش ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ أي: لقتالكم واستئصالكم، أيها المؤمنون في مجنة، وهي سوق بقرب مكة جموعًا كثيرةً، وأعوانًا عديدةً ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾، أي: فخافوا أيها المؤمنون هؤلاء المجموع، واحذروهم ولا تخرجوا
стр. 2129
إليهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، وقلنا لكم ذلك نصيحةً لكم أيها المؤمنون، فإنا رأينا تلك الجنود المجندة لكم.
روي عن (١) ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان، قال: حين أراد أن ينصرف من أحد: يا محمَّد موعدنا موسم بدر القابل، إن شئت، فقال النبي ﷺ : "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله تعالى". فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مِجنَّة من ناحية مر الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم ابن مسعود، وقد قدم معتمرًا، فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع، وأكره أن يخرج محمَّد، ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأةً، فالحق بالمدينة، فثبطهم ولك عندي عشرةٌ من الإبل، أضعها في يدي سهيل بن عمرو. فأتى نعيم المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: ما هذا الرأي؟ أتوكم في دياركم، وقراركم، ولم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا إليهم، وقد جمعوا لكم المجموع عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، فكان لكلامه وقع شديد في نفوس قوم منهم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأخرجن، ولو وحدي فخرج، ومعه سبعون راكبًا يقولون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حتى وافى بدرًا الصغرى - بدر الموعد - فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان، فلم يلق أحدًا؛ لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، وكان معه ألفا رجلٍ، فسماه أهل مكة جيش السويق، وقالوا لهم: إنما خرجتم لتشربوا السويق". ووافى المسلمون سوق بدرٍ، وكانت معهم نفقاتٌ وتجاراتٌ، فباعوا، واشتروا أدمًا، وزبيبًا، فربحوا، وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما قال تعالى.
﴿فَزَادَهُمْ﴾؛ أي: فزاد المؤمنين ذلك القول والتثبيط ﴿إِيمَانًا﴾ وتصديقًا
стр. 2130
بوعده، وثقةً به، وقوةً في دينهم، وثبوتًا على نصر نبيهم ﷺ ولم يلتفتوا إلى تخويفهم، بل حدث في قلوبهم عزمٌ وتصميمٌ على محاربة هؤلاء الكافرين، وطاعة للرسول في كل ما يأمر به، وينهى عنه، وإن أضناهم ذلك، وثقل عليهم لما بهم من جراحات عظيمة، وقد كانوا في حاجة إلى قسط من الراحة، وشيء من التداوي، لكن وثوقهم بنصر الله وتغلبهم على عدوهم، أنساهم كل هذه المصاعب، فلبوا الدعوة سراعًا.
والخلاصة: أن هذا القول الذي سمعوه زاد شعورهم بعزة الله، وعظمته وسلطانه، ويقينهم بوعد الله، ووعيده، وتبع ذلك زيادةٌ في العمل، ودأبٌ على إنفاذ ما طلب الرسول ﷺ ، ولولا ذلك ما أقدموا على الاستجابة إلى ما كاد يكون وراء حدود الإمكان.
ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
﴿وقالوا﴾؛ أي: قال المؤمنون معبرين عن صادق إيمانهم، ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾؛ أي: كافينا ومحسبنا الله، فهو الذي يكفينا ما يهمنا، من أمر هؤلاء الذين جمعوا لنا المجموع العديدة، فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلتنا، وكثرتهم، أو يلقي في قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم، وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، وجيشه، على كثرة عهددهم، وتوافر عُددهم، فولوا مدبرين، وكان النصر في ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين.
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ أي: ونعم وحسن الموكول إليه أمورنا، كلها دينًا، ودنيا، ونصرًا على أعدائنا، والمخصوص بالمدح الله .
وأخرج البخاري عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمَّد ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم جموعًا.
стр. 2131
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل". وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه، ولحيته، ثم تنفس الصعداء، وقال: "حسبي الله ونعم الوكيل".
وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ "حسبي الله ونعم الوكيل، أمان كل خائف".
١٧٤ - وقوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ معطوف على محذوف تقديره: أي: فخرجوا للقاء عدوهم، ولم يلقوا منه كيدًا، ولا همًّا، وانقلبوا؛ أي: رجعوا إلى أهليهم حالة كونهم ملتبسين ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ وسلامةٍ وثواب ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَفَضْلٍ﴾؛ أي: وزيادةٍ، وربح في تجارتهم، وهو ما أصابوا في سوق بدر من الربح، وقيل: النعمة منافع الدنيا، والفضل ثواب الآخرة، وحالة كونهم ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ﴾؛ أي: لم يصبهم في الذهاب، والإياب ﴿سُوءٌ﴾؛ أي: قتل ولا جراحٌ من عدوهم.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾؛ أي: وامتثلوا رسول الله في كل ما به أمر ونهى عنه لينالوا ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ في كل ما أتوا به من قول أو فعل؛ أي: ليفوزوا برضا الله الذي هو وسيلة النجاة، والسعادة في الدنيا، والآخرة، ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ومَنٍّ جسيم عليهم إذ تفضل عليهم بزيادة الإيمان، والتوفيق بالمبادرة إلى الجهاد والجرأة على العدو وحفظهم من كل ما يسوءهم.
١٧٥ - وفي هذا إلقاء للحسرة في قلوب المتخلِّفين منهم، وإظهارٌ لخطأ رأيهم، إذ حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ المخوف المثبط القائل لكم: إن الناس قد جمعوا لكم، وهو نعيم بن مسعود هو ﴿الشَّيْطَانُ﴾ سماه الله شيطانًا؛ لأنه كان تابعًا للشيطان، ولوسوسته ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾؛ أي: يخوفكم أيها المؤمنون عن لقاء أوليائه، ومقاتلتهم، وعن الخروج إليهم؛ أي: ليس ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم إلا الشيطان يخوفكم أيها المؤمنون، عن قتال أوليائه وأنصاره، وأحزابه المشركين، ويوهمكم أنهم عدد كثر، وأولو قوة، وبأس شديد، وأن من مصلحتكم أن تقعدوا عن لقائهم، وتجبنوا عن مدافعتهم.
стр. 2132
قرأ ابن عباس وابن مسعود ﴿يخوفكم أولياءَه﴾ وقرأ أبي بن كعب، والنخعي ﴿يخوفكم بأوليائه﴾.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾؛ أي: فلا تخافوا أولياء الشيطان، ولا تقعدوا عن قتالهم، ولا تجبنوا عنهم، ولا تحفلوا بقولهم ﴿وَخَافُونِ﴾ في مخالفة أمري بالجلوس، فجاهدوا في سبيلي، مع رسولي؛ لأنكم أوليائي، وأنا وليكم وناصركم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين بوعدي لكم النصر، والظفر، أو راسخي الإيمان قائمين بحقوقه، فإن من حقه إيثار خوف الله تعالى على خوف غيره، والأمن من شر الشيطان، وأوليائه وأثبت أبو عمرو ياء ﴿وَخَافُونِ﴾ وهي ضمير المفعول، والأصل الإثبات، ويجوز حذفها للوقف على نون الوقاية بالسكون، فتذهب الدلالة على المحذوف.
وخلاصة ذلك: أنه إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله الذي بيده كل شيء، وهو يجير، ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم، وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل، فإذا هو زاهق، واذكروا قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ثم خذوا أهبتكم، وتوكلوا على ربكم، فإنه لا يدع لخوف غيره مكانًا في قلوبكم.
١٧٦ - ولما نهى الله المؤمنين عن خوف أولياء الشيطان، وأمرهم بخوفه وحده تعالى نهى رسوله ﷺ عن الحزن لمسارعة من سارع في الكفر، فقال: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾؛ أي: لا يهمنك أيها الرسول مسارعة ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾ ويبادرون ﴿فِي﴾ نصرة دين ﴿الْكُفْرِ﴾، والشرك، ومظاهرة أهله على النبي ﷺ قيل: هم كفار قريش، وقيل: هم المنافقون، وقيل: هو عام في جميع الكفار، والمعنى: ولا يحزنك من يسارع في الكفر بنصرته بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك، وإبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة، وهذا المقصود لا يحصل لهم، بل يضمحل أمرهم، وتزول شوكتهم، ويعظم أمرك، ويعلو شأنك فـ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أي: إن هؤلاء المسارعين لن يضروا دين الله ورسوله بهذا الصنيع
стр. 2133
﴿شَيْئًا﴾ من الضرر، وإنما يضرون أنفسهم بأن لا حظ لهم في الآخرة، ولهم عذاب عظيم.
قرأ نافع (١) ﴿يُحزِنك﴾ بضم الياء وكسر الزاي، من أحزن الرباعي هنا، وفي جميع القرآن حيثما وقع إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ في سورة الأنبياء فقرأه بفتح الياء، وضم الزاي من حزن الثلاثي كباقي القراء في جميع ما في القرآن، فإنهم قرؤوه بفتح الياء وضم الزاي حيثما وقع، وهما لغتان: يقال حزنني الأمر، وأحزنني، والأول أفصح وقرأ ابن محيصن بضم الياء، والزاي من أحزن على النفي.
وقرأ (٢) طلحة بن مصرف النحويُّ ﴿يسرعون﴾ من أسرع الرباعي في جميع القرآن، قال ابن عطية، وقراءة الجمهور أبلغ؛ لأن من يسارع غيره أشد اجتهادًا من الذي يسرع وحده.
وفي ضمن قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ دلالةٌ على أن وبال ذلك عائد عليهم ولا يضرون إلا أنفسم، وفي توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ تسليةٌ له، وإيذان بأنه الرئيس المعتنى بشؤونه، ثم علل هذا النهي، وأكمل التسلية بتحقيق نفي ضررهم أبدًا بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أي: إنهم لن يضروا أولياء الله، وهم النبي وصحبه شيئًا من الضرر، فعاقبة هذه المسارعة في الكفر، وبالٌ عليهم لا عليك، ولا على المؤمنين، فإنهم لا يحاربونك، فيضروك، وإنما هم يحاربون الله تعالى، ولا شك أنهم من أن يفعلوا ذلك عاجزون، فهم إذًا لا يضرون إلا أنفسهم، وفي جعل مضرتهم؛ أي: المؤمنين مضرة لله تعالى تشريف لهم، ومزيد مبالغة في تسليته ﷺ .
ثم بين أنهم لا يضرون إلّا أنفسهم فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: إنما سارعوا في الكفر؛ لأن الله أرإد ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾؛ أي: نصيبًا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في الجنة؛ فلذلك خذلهم حتى سارعوا في
стр. 2134
الكفر، وانهمكوا فيه، وقضى الله بذلك حرمانهم من نعيم الآخرة على وفق ما تقتضيه سنة الله، وإرادته، وفي تعبيره بصيغة الاستقبال دلالةٌ على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر.
﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المسارعين مع حرمانهم من الثواب ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديد في النار بسبب مسارعتهم في الكفر، فكان ضرر كفرهم عائدًا عليهم جالبا لهم عدم الحظ في الآخرة، ومصيرهم في العذاب العظيم.
١٧٧ - وبعد أن بين الله حكم أولئك المسارعين إلى نصرة الكفر، والدفاع عنه، ومقاومة المؤمنين لأجله، وأرشد أنه لا يؤبه بهم، ولا يهتم بشأنهم، فهم إنما يحاربون الله، والله غالب على أمره، أشار إلى أن هذا حكم عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان، واستبدله به فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: الذين أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان، رغبة فيما أخذوا وإعراضًا عما تركوا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ باستبدالهم الكفر عن الإيمان ﴿شَيْئًا﴾ من الضرر، ولن ينقصوه شيئًا باختيارهم الكفر، وإنما يضرون أنفسهم بما لهم من العذاب الأليم، كما قال: ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المشترين الكفر بالإيمان في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم وفي هذا الكلام إيماء إلى شيئين:
أحدهما: تأكيد عدم إضرارهم بالنبي ﷺ .
وثانيهما: بيان سخافة عقولهم، وغباوة آرائهم إذ هم كفروا أوَّلًا، ثم آمنوا، ثم كفروا، بعد ذلك، وهذا دليل على شدة اضطرابهم، وعدم ثباتهم ومثل هؤلاء لا يخشى منهم شيء مما يحتاج إلى أصالة الرأي، وقوة التدبير.
١٧٨ - ثم بين أن رغبة الكافرين عن الجهاد حبًّا في الحياة ليس من الخير لهم فقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أي: ولا يظنن هؤلاء الكافرون أن إمهالنا لهم بتأخير الأجل، وإطالة أعمارهم ﴿خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ فإنه لا يكون كذلك إلا إذا ازدادوا فيه عملًا صالحًا ينتفعون به في أنفسهم، بتزكيتها، وتطيهرها من شوائب الأدران، وسيء الأخلاق، وينتفع به الناس في تهذيبهم،
стр. 2135
وتحسين معاشهم ﴿إِنَّمَا نُمْلِي﴾ ونمهل ﴿لَهُمْ﴾ في أعمارهم ونعطيهم الأموال والأولاد ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وذنبًا وطغيانًا في أنفسهم، وإضلالًا لغيرهم في الدنيا، ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: ذو إهانة، وإذلال لهم يهانون به يومًا فيومًا وساعة بعد ساعة.
والخلاصة (١): أن هذا الإمهال والتأخر ليس عنايةً من الله بهم، وإنما هو قد جرى على سننه في الخلق بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فإنما هو ثمرة عمله، ومن مقتضى هذه السنة أن يكون الإمهال للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، ونتيجة ذلك الإثم الذي يكتسبه: العذاب المهين.
وفي الآية من العبرة شيئان:
أحدهما: أن من شأن الكافر أن يزداد كفرًا بطول عمره، ويتمكن من العمل بحسب استعداده.
وثانيهما: أن من شأن المؤمن إذا أنسأ الله أجله أن تكثر حسناته، وتزداد خيراته، فليجعل المؤمن هذا دستورًا فيما بينه وبين ربه، ويحاسب نفسه على مقتضاه، فإذا فقهه وعمل به خرج من الظلمات إلى النور، وكان من ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾.
قال (٢) الفخر الرازي: بين الله تعالى في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلِّفين عن القتال، ليس خيرًا من قتل أولئك الذين قتلوا في أحد، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا، والعقاب الدائم في الآخرة، وقتل أولئك الذين قتلوا في أحد صار وسيلةً إلى الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة، وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل انتهى.
وروى (٣) البغوي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه رضي الله
стр. 2136
عنهما قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره، وحسن عمله"، قيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره، وساء عمله".
قرأ (١) ابن كثير، وأبو عمرو في الأربعة ﴿ولا تحسبن الذين كفروا﴾ ﴿ولا ئحسبن الذين يبخلون﴾ ﴿ولا تحسبن الذين يفرحون﴾ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بتاء الخطاب، وضم الباء في قوله ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله فلا ﴿تحسبنهم﴾ فإنه بالتاء. وقرأ حمزة كلّها بالتاء، وقرأ (٢) يحيى بن وثاب ﴿إنما نملي﴾ بكسر النون في الموضعين، وهي قراءة ضعيفة في العربية. وقال أبو حيان: (٣) قرأ يحيى بن وثاب ﴿ولا يحسبن﴾ بالياء ﴿وإنما نملي﴾ بالكسر انتهى.
١٧٩ - قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كلام مستأنف بين فيه أن الشدائد هي محك صدق الإيمان، والخطاب (٤) فيه عند جمهور المفسرين للكفار، والمنافقين؛ أي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر، والنفاق ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمنافقين، والمعنى: أي: ما كان الله ليترك المؤمنين المخلصين على الحال التي كنتم عليها أيها الناس في غزوة أحد من اختلاط المنافقين بالمخلصين، وإظهارهم أنهم من أهل الإيمان ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾ ويفرق ﴿الْخَبِيثَ﴾، والمنافق ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾، والمؤمن ويظهر حال كل منهما بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة؛ لأن الشدائد هي التي يتميز قوي الإيمان من ضعيفه وتزيل الالتباس بين الصادقين، والمنافقين فمن كان مؤمنًا ثبت على إيمانه، وتصديق الرسول ﷺ ومن كان منافقًا ظهر نفاقه وكفره أو بالقرائن، فإن المؤمنين كانوا يفرحون بنصرة الإِسلام وقوته، والمنافقون كانوا يغتمون بذلك.
أمَّا تكليف ما لا مشقة فيه، كالصلاة، والصدقة، القليلة، وغيرهما، فيقبلها المنافق كما يقبلها صادق الإيمان لما فيها من حسن الأحدوثة، والتمتع بمزايا الإِسلام.
стр. 2137
وفي الشدائد من الفوائد أشياء كثيرة:
منها: إتقاء المنافق إذا علم نفاقه، فقد يفضى صادق الإيمان ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن به، حين يراه يؤدي الواجبات الظاهرة، ويشارك الصادقين في سائر الأعمال، فإذا هو أفشاها عرف حاله، وحذره الصادقون.
ومنها: أن تَزوَرَ الجماعة حالها إذ بتكشف أمر المنافقين تعرف أنهم عليها لا لها، وكذلك تعرف حال ضعاف الإيمان، الذين لم تربهم الشدائد.
ومنها: أنها تدفع الغرور عن النفس إذ قد يغتر المؤمن الصادق فلا يدرك ما في نفسه من ضعف في الاعتقاد والأخلاق حتى تمحصه الشدائد، وتبين له حقيقة أمره.
وقرأ الأخوان (١): حمزة والكسائي ﴿يميز﴾ من ميز، وباقي السبعة ﴿يَمِيزَ﴾ من ماز، وفي رواية عن ابن كثير ﴿يُمِيْزَ﴾ من أماز، والهمزة ليست للنقل كما أن التضعيف ليس للنقل، بل أفعل، وفعل بمعنى الثلاثي المجرد، كحزن وأحزن وقدر الله وقدَّر.
ولمَّا كان يدور بخلد بعض الناس أن أقرب وسيلةٍ لتمييز المؤمن الصادق من المنافق أن يطلع المؤمنين على الغيب، حتى يعرفوا حقائق أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون بين ظهرانيهم، فيعرفوا أن فلانًا من أهل الجنة، وفلانًا من أهل النار، أجاب الله تعالى عن هذا فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾ ويظهركم أيها الناس، وقيل: الخطاب فيه لكفار قريش فقط، ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾، أي: على ما شأنه أن يغيب ويختفي عنكم حتى تميزوا بين الخبيث والطيب، فإن الله هو المستأثر بعلم الغيب لا يظهر علي غيبه أحدًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَجْتَبِي﴾، ويختار ﴿مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ويريد إطلاعه على الغيب، فيطلعه على ما يشاء من بعض المغيبات كما وقع لنبينا
стр. 2138
محمَّد ﷺ من تعيين كثيرٍ من المنافقين، فإن ذلك كان بتعليم من الله له، لا لكونه يعلم الغيب. وقيل (١) المعنى. وما كان الله ليطلعكم على الغيب في من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾ الخ هذا استدراكٌ على معنى الكلام، المتقدم؛ لأنه لما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ توهم أنه لا يطلع أحدًا على غيبه لعموم الخطاب، فاستدراك بالرسل إزالةً لذلك الوهم، كأنه قال: إلا الرسل فإنه يطلعهم على الغيب.
والحاصل: أنه لم يكن (٢) من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب؛ إذ لو فعل ذلك .. لأخرج الإنسان من طبيعته، فإنه تعالى خلقه يحصل رغائبه، ويدفع المكاره عنه بالعمل الكسبيّ، الذي تهدي إليه الفطرة، وترشد إليه النبوة.
ومن ثم جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد، والتضحية بالنفس، وبذل المال في سبيل الحق، والخير، كما ابتلي المؤمنون في وقعة أحد بخروج العدو بجيش عظيم لمقاتلتهم، وابتلي الرماة منهم بالمخالفة، وإخلاء ظهور قومهم لعدوّهم وابتلوا بظهور العدو عليهم جزاء ما فعلوا من المخالفة، فظهر نفاق المنافقين، وزلزل ضعفاء المؤمنين زلزالًا شديدًا، وثبت كملة المؤمنين، وصاروا كالجبال الرواسي التي لا تزعزعها الرياح والأعاصير.
ولكن الله يختار من رسله من يشاء فيطلعه على ما في قلوب المنافقين من كفر ونفاق، وعلى ما ظهر منهم من أقوال وأفعال.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
وفي التعبير بالاجتباء إشارة إلى أنَّ الوقوف على أسرار الغيب منصبٌ جليلٌ تتقاصر عنه الهمم، ولا يؤتيه الله إلا لمن اصطفاه لهداية الأمم.
стр. 2139
وبعد أن رد الله على ما طعن به المنافقون في نبوة محمَّد ﷺ من وقوع الحوادث التي حصلت في أحد، وبين أن فيه كثيرًا من الفوائد كتمييز الخبيث من الطيب، أمرهم بالإيمان به وبرسله فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: إذا ثبت أنه تعالى يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على بعض المغيبات، ومنهم محمَّد ﷺ إذ ثبتت نبوته بإطلاع الله تعالى له على بعض المغيبات، وإخباره لكم بها في غير ما موطنٍ، فآمنوا بالله ورسله الذين ذكرهم الله في كتابه، وقص علينا قصصهم؛ لأنه هو المطلوب منكم، ودعوا الاشتغال بما ليس من شأنكم من التطلع لعلم الله ، ومعنى الإيمان باللهِ: بأن تقدروه حق قدره، وتعلموا أنه وحده هو العالم بالغيوب، ومعنى الإيمان بالرسل: أن تنزلوهم منازلهم، بأن تعلموا أنهم عبادٌ مجتبون، لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى، ولا يخبرون إلا بما أخبر الله به من الغيوب، وليسوا من علم الغيب في شيء. قاله الزمخشري. وعمم الأمر بالإيمان بالرسل جميعًا، مع أن سوق الكلام في الإيمان بالنبي ﷺ للإيماء إلى أن الإيمان به يقتضي الإيمان بهم؛ لأنه ﷺ مصدق لما بين يديه من الرسل، وهم شهداء على صحة نبوته.
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ بما جاؤوا به من أخبار الغيب ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿فَلَكُمْ﴾ أيها المؤمنون بما ذكر ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وثواب جسيم، لا يستطاع الوصول إلى معرفة قدره.
وقيل أن ذكر القرآن الإيمان، إلا قرن به التقوى؛ كما قل أن ذكر الصلاة إلا قرن بها الزكاة حثًّا على عمل البرّ، والرأفة بالفقراء والبائسين، وإشارة إلى أن الإيمان لا يكمل إلا بهما.
١٨٠ - وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الموصول فيه فاعل على قراءة الياء التحتانية والمفعول الأول محذوف لدلالة يبخلون عليه، والمعنى: ولا يظنن الذين يبخلون بما أعطاهم الله من فضله، وعطائه، بخلهم إياه هو خيرًا لهم ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: بخلهم إياه ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ وضررٌ عليهم؛ لأن أموالهم ستزول عنهم، ويبقى عليهم، وبال البخل، والمعنى: لا
стр. 2140
يحسبن البخلاء أن جمعهم المال، وبخلهم بإنفاقه ينفعهم بل هو مضرةٌ عليهم في دينهم ودنياهم. وأما على قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية، فالفعل مسند إلى ضمير النبي ﷺ والمفعول الأول محذوف أيضًا، والمعنى: ولا تحسبن يا محمَّد بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم، بل هو شر، وضرر لهم.
وحاصل المعنى: ولا يظنن أحدٌ أن بخل الباخلين بما أعطاهم من فضله ونعمه هو خيرًا لهم؛ لأنهم مطالبون بشكران النعم، والبخل بها كفرانٌ، لا ينبغي أن يصدر من عاقل، وقال القرطبي: والبخل في اللغة: أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه، فأما من منع ما لا يجب عليه .. فليس ببخيل.
وقال المراغي: والمراد من البخل بالفضل البخل به في أداء الزكاة المفروضة، وفي الأحوال التي يتعين فيها بذل المال كالإنفاق لصد عدو يجتاح البلاد، ويهدد استقلالها، ويصبح أهلها أذلة بعد أن كانوا أعزةً أو إنقاذ شخصٍ من مخالب الموت جوعًا.
ففي كل من هذه الأحوال يجب بذل المال؛ لأنه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس.
وليس الذم والوعيد على البخل بما يملك الإنسان من فضل ربه، إذ أن الله أباح لنا الطيبات؛ لنستمتع بها، ولأن العقل قاضٍ بأن الله لا يكلف الناس، ببذل كل ما يكسبون، ويبقون عراةً جائعين، ومن ثم قال في حق المؤمنين المهتدين: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وجاءت الآية بطريق التعميم ترغيبًا في بذل المال بدون تحديد، ولا تعيين، ووكل أمر ذلك إلى اجتهاد المؤمن الذي يتبع عاطفة الإيمان التي في قلبه، وما تحدثه في النفس من بذل الواجب، والزيادة عليه إذا هو تذكر أن في ماله حقًّا للسائل والمحروم. وقرأ حمزة ﴿تحسبن﴾ بالتاء الفوقانية، وقرأ باقي السبعة بالياء كما مرّ. وقرأ الأعمش بإسقاط ﴿هو﴾ من قوله: ﴿هُوَ خَيْرًا﴾.
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، أي: هو شر عظيم لهم، وقد نفى أوَّلًا أن يكون خيرًا، ثم أثبت كونه شرًّا؛ لأن المانع للحق إنما يمنعه؛ لأنه يحسب أن في