عنهما قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره، وحسن عمله"، قيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره، وساء عمله".
قرأ (١) ابن كثير، وأبو عمرو في الأربعة ﴿ولا تحسبن الذين كفروا﴾ ﴿ولا ئحسبن الذين يبخلون﴾ ﴿ولا تحسبن الذين يفرحون﴾ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بتاء الخطاب، وضم الباء في قوله ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله فلا ﴿تحسبنهم﴾ فإنه بالتاء. وقرأ حمزة كلّها بالتاء، وقرأ (٢) يحيى بن وثاب ﴿إنما نملي﴾ بكسر النون في الموضعين، وهي قراءة ضعيفة في العربية. وقال أبو حيان: (٣) قرأ يحيى بن وثاب ﴿ولا يحسبن﴾ بالياء ﴿وإنما نملي﴾ بالكسر انتهى.
١٧٩ - قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كلام مستأنف بين فيه أن الشدائد هي محك صدق الإيمان، والخطاب (٤) فيه عند جمهور المفسرين للكفار، والمنافقين؛ أي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر، والنفاق ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمنافقين، والمعنى: أي: ما كان الله ليترك المؤمنين المخلصين على الحال التي كنتم عليها أيها الناس في غزوة أحد من اختلاط المنافقين بالمخلصين، وإظهارهم أنهم من أهل الإيمان ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾ ويفرق ﴿الْخَبِيثَ﴾، والمنافق ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾، والمؤمن ويظهر حال كل منهما بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة؛ لأن الشدائد هي التي يتميز قوي الإيمان من ضعيفه وتزيل الالتباس بين الصادقين، والمنافقين فمن كان مؤمنًا ثبت على إيمانه، وتصديق الرسول ﷺ ومن كان منافقًا ظهر نفاقه وكفره أو بالقرائن، فإن المؤمنين كانوا يفرحون بنصرة الإِسلام وقوته، والمنافقون كانوا يغتمون بذلك.
أمَّا تكليف ما لا مشقة فيه، كالصلاة، والصدقة، القليلة، وغيرهما، فيقبلها المنافق كما يقبلها صادق الإيمان لما فيها من حسن الأحدوثة، والتمتع بمزايا الإِسلام.
стр. 2137
وفي الشدائد من الفوائد أشياء كثيرة:
منها: إتقاء المنافق إذا علم نفاقه، فقد يفضى صادق الإيمان ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن به، حين يراه يؤدي الواجبات الظاهرة، ويشارك الصادقين في سائر الأعمال، فإذا هو أفشاها عرف حاله، وحذره الصادقون.
ومنها: أن تَزوَرَ الجماعة حالها إذ بتكشف أمر المنافقين تعرف أنهم عليها لا لها، وكذلك تعرف حال ضعاف الإيمان، الذين لم تربهم الشدائد.
ومنها: أنها تدفع الغرور عن النفس إذ قد يغتر المؤمن الصادق فلا يدرك ما في نفسه من ضعف في الاعتقاد والأخلاق حتى تمحصه الشدائد، وتبين له حقيقة أمره.
وقرأ الأخوان (١): حمزة والكسائي ﴿يميز﴾ من ميز، وباقي السبعة ﴿يَمِيزَ﴾ من ماز، وفي رواية عن ابن كثير ﴿يُمِيْزَ﴾ من أماز، والهمزة ليست للنقل كما أن التضعيف ليس للنقل، بل أفعل، وفعل بمعنى الثلاثي المجرد، كحزن وأحزن وقدر الله وقدَّر.
ولمَّا كان يدور بخلد بعض الناس أن أقرب وسيلةٍ لتمييز المؤمن الصادق من المنافق أن يطلع المؤمنين على الغيب، حتى يعرفوا حقائق أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون بين ظهرانيهم، فيعرفوا أن فلانًا من أهل الجنة، وفلانًا من أهل النار، أجاب الله تعالى عن هذا فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾ ويظهركم أيها الناس، وقيل: الخطاب فيه لكفار قريش فقط، ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾، أي: على ما شأنه أن يغيب ويختفي عنكم حتى تميزوا بين الخبيث والطيب، فإن الله هو المستأثر بعلم الغيب لا يظهر علي غيبه أحدًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَجْتَبِي﴾، ويختار ﴿مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ويريد إطلاعه على الغيب، فيطلعه على ما يشاء من بعض المغيبات كما وقع لنبينا
стр. 2138
محمَّد ﷺ من تعيين كثيرٍ من المنافقين، فإن ذلك كان بتعليم من الله له، لا لكونه يعلم الغيب. وقيل (١) المعنى. وما كان الله ليطلعكم على الغيب في من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾ الخ هذا استدراكٌ على معنى الكلام، المتقدم؛ لأنه لما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ توهم أنه لا يطلع أحدًا على غيبه لعموم الخطاب، فاستدراك بالرسل إزالةً لذلك الوهم، كأنه قال: إلا الرسل فإنه يطلعهم على الغيب.
والحاصل: أنه لم يكن (٢) من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب؛ إذ لو فعل ذلك .. لأخرج الإنسان من طبيعته، فإنه تعالى خلقه يحصل رغائبه، ويدفع المكاره عنه بالعمل الكسبيّ، الذي تهدي إليه الفطرة، وترشد إليه النبوة.
ومن ثم جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد، والتضحية بالنفس، وبذل المال في سبيل الحق، والخير، كما ابتلي المؤمنون في وقعة أحد بخروج العدو بجيش عظيم لمقاتلتهم، وابتلي الرماة منهم بالمخالفة، وإخلاء ظهور قومهم لعدوّهم وابتلوا بظهور العدو عليهم جزاء ما فعلوا من المخالفة، فظهر نفاق المنافقين، وزلزل ضعفاء المؤمنين زلزالًا شديدًا، وثبت كملة المؤمنين، وصاروا كالجبال الرواسي التي لا تزعزعها الرياح والأعاصير.
ولكن الله يختار من رسله من يشاء فيطلعه على ما في قلوب المنافقين من كفر ونفاق، وعلى ما ظهر منهم من أقوال وأفعال.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
وفي التعبير بالاجتباء إشارة إلى أنَّ الوقوف على أسرار الغيب منصبٌ جليلٌ تتقاصر عنه الهمم، ولا يؤتيه الله إلا لمن اصطفاه لهداية الأمم.
стр. 2139
وبعد أن رد الله على ما طعن به المنافقون في نبوة محمَّد ﷺ من وقوع الحوادث التي حصلت في أحد، وبين أن فيه كثيرًا من الفوائد كتمييز الخبيث من الطيب، أمرهم بالإيمان به وبرسله فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: إذا ثبت أنه تعالى يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على بعض المغيبات، ومنهم محمَّد ﷺ إذ ثبتت نبوته بإطلاع الله تعالى له على بعض المغيبات، وإخباره لكم بها في غير ما موطنٍ، فآمنوا بالله ورسله الذين ذكرهم الله في كتابه، وقص علينا قصصهم؛ لأنه هو المطلوب منكم، ودعوا الاشتغال بما ليس من شأنكم من التطلع لعلم الله ، ومعنى الإيمان باللهِ: بأن تقدروه حق قدره، وتعلموا أنه وحده هو العالم بالغيوب، ومعنى الإيمان بالرسل: أن تنزلوهم منازلهم، بأن تعلموا أنهم عبادٌ مجتبون، لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى، ولا يخبرون إلا بما أخبر الله به من الغيوب، وليسوا من علم الغيب في شيء. قاله الزمخشري. وعمم الأمر بالإيمان بالرسل جميعًا، مع أن سوق الكلام في الإيمان بالنبي ﷺ للإيماء إلى أن الإيمان به يقتضي الإيمان بهم؛ لأنه ﷺ مصدق لما بين يديه من الرسل، وهم شهداء على صحة نبوته.
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ بما جاؤوا به من أخبار الغيب ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿فَلَكُمْ﴾ أيها المؤمنون بما ذكر ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وثواب جسيم، لا يستطاع الوصول إلى معرفة قدره.
وقيل أن ذكر القرآن الإيمان، إلا قرن به التقوى؛ كما قل أن ذكر الصلاة إلا قرن بها الزكاة حثًّا على عمل البرّ، والرأفة بالفقراء والبائسين، وإشارة إلى أن الإيمان لا يكمل إلا بهما.
١٨٠ - وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الموصول فيه فاعل على قراءة الياء التحتانية والمفعول الأول محذوف لدلالة يبخلون عليه، والمعنى: ولا يظنن الذين يبخلون بما أعطاهم الله من فضله، وعطائه، بخلهم إياه هو خيرًا لهم ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: بخلهم إياه ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ وضررٌ عليهم؛ لأن أموالهم ستزول عنهم، ويبقى عليهم، وبال البخل، والمعنى: لا
стр. 2140
يحسبن البخلاء أن جمعهم المال، وبخلهم بإنفاقه ينفعهم بل هو مضرةٌ عليهم في دينهم ودنياهم. وأما على قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية، فالفعل مسند إلى ضمير النبي ﷺ والمفعول الأول محذوف أيضًا، والمعنى: ولا تحسبن يا محمَّد بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم، بل هو شر، وضرر لهم.
وحاصل المعنى: ولا يظنن أحدٌ أن بخل الباخلين بما أعطاهم من فضله ونعمه هو خيرًا لهم؛ لأنهم مطالبون بشكران النعم، والبخل بها كفرانٌ، لا ينبغي أن يصدر من عاقل، وقال القرطبي: والبخل في اللغة: أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه، فأما من منع ما لا يجب عليه .. فليس ببخيل.
وقال المراغي: والمراد من البخل بالفضل البخل به في أداء الزكاة المفروضة، وفي الأحوال التي يتعين فيها بذل المال كالإنفاق لصد عدو يجتاح البلاد، ويهدد استقلالها، ويصبح أهلها أذلة بعد أن كانوا أعزةً أو إنقاذ شخصٍ من مخالب الموت جوعًا.
ففي كل من هذه الأحوال يجب بذل المال؛ لأنه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس.
وليس الذم والوعيد على البخل بما يملك الإنسان من فضل ربه، إذ أن الله أباح لنا الطيبات؛ لنستمتع بها، ولأن العقل قاضٍ بأن الله لا يكلف الناس، ببذل كل ما يكسبون، ويبقون عراةً جائعين، ومن ثم قال في حق المؤمنين المهتدين: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وجاءت الآية بطريق التعميم ترغيبًا في بذل المال بدون تحديد، ولا تعيين، ووكل أمر ذلك إلى اجتهاد المؤمن الذي يتبع عاطفة الإيمان التي في قلبه، وما تحدثه في النفس من بذل الواجب، والزيادة عليه إذا هو تذكر أن في ماله حقًّا للسائل والمحروم. وقرأ حمزة ﴿تحسبن﴾ بالتاء الفوقانية، وقرأ باقي السبعة بالياء كما مرّ. وقرأ الأعمش بإسقاط ﴿هو﴾ من قوله: ﴿هُوَ خَيْرًا﴾.
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، أي: هو شر عظيم لهم، وقد نفى أوَّلًا أن يكون خيرًا، ثم أثبت كونه شرًّا؛ لأن المانع للحق إنما يمنعه؛ لأنه يحسب أن في
стр. 2141
منعه خيرًا له لما في بقاء المال، في يده من الانتفاع به، في التمتع باللذات، وقضاء الحاجات، ودفع الغوائل، والآفات.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "إيّاكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشحّ، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالفجور ففجروا". أخرجه أبو داود.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: مال رسول الله ﷺ : "خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق"، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفسير لقوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾؛ أي: سيجعل ما بخلوا به من المال طوقًا في أعناقهم، يوم القيامة، ويلزمهم ذنبه، وعقابه، ولا يجدون إلى دفعه سبيلًا، أو المعنى سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق.
وقال مجاهد: إن المعنى سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا من أموالهم يوم القيامة عقوبةً لهم، فلا يستطيعون ذلك، ويكون ذلك توبيخًا لهم على معنى: هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنًا ميسورًا، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
وقال بعضهم: إن التطويق حقيقي وأنهم يطوقون بطوق يكون سببًا لتعذيبهم؛ فتصير تلك الأموال حيات تلتوي في أعناقهم، فقد روى البخاري، والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من آتاه الله مالًا .. فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع - أي: ثعبانًا عظيمًا - له زييبتان - نكتتان سوداوان فوق عيني الحية - فيأخد بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية".
وقيل: المراد البخل: بالعلم؛ وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت
стр. 2142
محمَّد ﷺ فكان ذلك الكتمان بخلًا، فحينئذٍ يكون معنى سيطوقون أنَّ الله تعالى يجعل في رقابهم طوقًا من نار، قال ﷺ : "من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار". والمعنى: أنهم عوقبوا في أفواههم، وألسنتهم بهذا اللجام؛ لأنهم لم ينطقوا بأفواههم، وألسنتهم بما يدل على الحق.
﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده، لا لأحد سواه ﴿مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: جميع ما يتوارث به أهل السموات والأرض، بعضهم من بعض من مال أو غيره، كجاه، وعلم، وقوة، فينقل من واحد إلى آخر لا يستقر في يد واحد، ولا يسلم التصرف فيه لأحد إلى أن يفنى الوارثون، والموروثون، ويبقى مالك الملك رب العالمين، فما لهؤلاء القوم البخلاء يبخلون بملكه عليه، ولا ينفقونه في سبيله وابتغاء مرضاته، وهو لله تعالى لا لهم، وإنما كان عندهم عاريةً مستردةً، والميراث في الأصل هو: ما يخرج من مالك إلى آخر، ولم يكن مملوكًا لذلك الآخر قبل انتقاله إليه بالميراث، ومعلوم أن الله تعالى هو المالك بالحقيقة لجميع مخلوقاته.
وفي الآية إيماء إلى أنَّ كل ما يعطاه الإنسان من مال، وجاه، وقوة، وعلم، فإنه عرض زائل، وصاحبه فان غير باق، فلا ينبغي أن يستبقي الفاني ما هو مثله في الفناء، بل عليه أن يضع الأشياء في مواضعها، التي تصلح لها، وبذا يكون خليفة الله في أرضه محسنًا للتصرف فيما استخلف فيه ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من البخل والسخاء ﴿خَبِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، أو فيجازيهم عليه، أي: والله لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، ولا ما تنطوي عليه جوانحكم، فيجازي كل عامل بما عمل بحسب تأثير عمله في تزكية نفسه، أو تدسيسها ونيته في فعله كما في الحديث "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو ﴿يعملون﴾ بالياء على الغيبة جريًا على ﴿يَبْخَلُونَ﴾ و ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾، وقرأ الباقون بالتاء على الالتفات، فيكون ذلك خطابًا للباخلين.
стр. 2143
الإعراب
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الجزم ﴿بلا﴾ الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بـ ﴿نون﴾ التوكيد، و ﴿نون﴾ التوكيد حرف لا محل له من الإعراب مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنت يعود على محمَّد، أو على كل مخاطب، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول أول لـ ﴿تحسبن﴾. ﴿قُتِلُوا﴾ فعل مغير ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ـقتلوا﴾. ﴿أَمْوَاتًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿حسب﴾. ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ﴿بَلْ﴾ حرف عطف واضراب. ﴿أَحْيَاءٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم أحياء، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يرزقون﴾. وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون خبرًا ثانيًا لـ ﴿أحياء﴾ على قراءة الجمهور.
الثاني: أن يكون ظرفًا لـ ﴿إحياء﴾ لأن المعنى يحيون عند ربهم.
الثالث: أن يكون ظرفًا لـ ﴿يرزقون﴾، أي: يقع رزقهم في هذا المكان الشريف.
الرابع: أن يكون صفة لـ ﴿أحياء﴾ فيكون في محل رفع على قراءة الجمهور، ونصب على قراءة ابن أبي عبلة.
الخامس: أن يكون حالًا من الضمير المستكن في ﴿أَحْيَاءٌ﴾، والمراد بالعندية المجاز عن قربهم بالتكرمة انتهى. ﴿يُرْزَقُونَ﴾ فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿أحياء﴾، ويجوز أن تكون حالًا من الضمير، في
стр. 2144
﴿أَحْيَاءٌ﴾، أي: يحيون مرزوقين.
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
﴿فَرِحِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿يُرْزَقُونَ﴾. وفي "الجمل" (١) قوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون حالًا من الضمير في ﴿أَحْيَاءٌ﴾.
الثاني: أن يكون حالًا من الضمير في الظرف.
الثالث: أن يكون حالًا من الضمير في ﴿يُرْزَقُونَ﴾.
الرابع: أنه منصوب على المدح.
الخامس: أنه صفة لـ ﴿أحياء﴾ وهذا يختص بقراءة ابن أبي عبلة. ﴿فَرِحِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرِحِينَ﴾. ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: آتاهموه؛ لأن أتى هنا بمعنى أعطى. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه حال من ضمير المفعول الثاني المحذوف، والجملة الفعلية صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير المفعول المحذوف.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ الواو عاطفة. ﴿يستبشرون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على ﴿فَرِحِينَ﴾ على كونها حالًا من ضمير ﴿يُرْزَقُونَ﴾ لأن ﴿فَرِحِينَ﴾ اسم فاعل يشبه الفعل المضارع فيجوز عطف الفعل عليه. ﴿بِالَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يستبشرون﴾ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿بِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَلْحَقُوا﴾ تقديره: حال كونهم
стр. 2145
متخلفين عنهم في الزمان أو متعلق بـ ﴿يلحقوا﴾. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره أنه. ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾ اسمها مرفوع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾، تقديره: أنه لا خوف موجودًا عليهم، وجملة لا من اسمها، وخبرها في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من الموصول في قوله ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ بدل اشتمال تقديره، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم بعدم خوفهم. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لا﴾ الأولى على كونها خبرًا؛ لـ ﴿أن﴾ المخففة، والتقدير: يستبشرون بعدم وجود خوفهم، وبعدم حزنهم.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة مكررة لتأكيد الجملة السابقة. ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ جار، ومجرور متعلق بـ ﴿يستبشرون﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نعمة﴾ تقديره: بنعمة كائنة من الله. ﴿وَفَضْلٍ﴾ معطوف على ﴿نعمة﴾. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ الواو عاطفة. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿اللَّهِ﴾ اسمها. ﴿لَا يُضِيعُ﴾ ﴿لا﴾ نافية. ﴿يضيع﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور على كونه معطوفًا على ﴿نعمة﴾ تقديره: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبعدم إضاعة الله أجر المؤمنين.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل البحر صفة لـ ﴿المؤمنين﴾، أو في محل النصب على إضمار أعني، أو في محل الرفع على إضمارهم، أو على كونه مبتدأ خبره جملة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾. ﴿اسْتَجَابُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة
стр. 2146
الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿استجابوا﴾. ﴿وَالرَّسُولِ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور متعلق باستجابوا. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد إصابة القرح إياهم. ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا. ﴿أَحْسَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿أَحْسَنُوا﴾. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أَحْسَنُوا﴾. ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة له، والجملة من المبتدأ المؤخر، والخبر المقدم، مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو في محل الرفع خبر لقوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ إن قلنا إنه مبتدأ.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول لفعل محذوف، تقديره: أمدح الذين قال لهم الناس، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمُ﴾ متعلق به. ﴿النَّاسُ﴾ فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير لهم. ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾ وإن شئت قلت ﴿إنَّ﴾ حرف نصب. ﴿النَّاسَ﴾ اسمها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَمَعُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول لـ ﴿قال﴾. ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية. ﴿اخشوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جيملة ﴿قَدْ جَمَعُوا﴾. ﴿فَزَادَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿زادهم﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير مستتر فيه، تقديره: هو يعود على القول المذكور ﴿إِيمَانًا﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾. ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ
стр. 2147
مؤخر. ﴿حَسْبُنَا﴾ خبر مقدم، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ والمخصوص بالمدح محذوف وجوبًا تقديره: هو يعود على ﴿اللَّهُ﴾.
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَانْقَلَبُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف تقديره: وخرجوا مع النبي ﷺ إلى سوق بدر، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ﴿انقلبوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف. ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ جار ومجرور حال من ﴿واو﴾ ﴿انقلبوا﴾ تقديره حالة كونهم ملتبسين بنعمة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نعمة﴾. ﴿وَفَضْلٍ﴾ معطوف على ﴿نعمة﴾. ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ جازم وفعل، ومفعول، وفاعل والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿انقلبوا﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ الواو عاطفة. ﴿اتبعوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أو في محل النصب حال من فاعل ﴿انقلبوا﴾. ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ خبر ومضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿فضل﴾، والجملة مستأنفة.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ونفي بمعنى ما النافية، وإلا المثبتة حرف لا محل له من الإعراب. ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ فعل ومفعول ثان، ومضاف إليه، وفاعله ضمير مستتر يعود على اسم الإشارة، أو على الشيطان، والمفعول الأول محذوف، تقديره: يخوفكم أولياءه؛ أي: أصحابه الكفار، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من ﴿الشيطان﴾، والعامل فيه اسم الإشارة. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن ذلك المخوف هو الشيطان، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول: ﴿لا تخافوهم﴾ ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَخَافُوهُمْ﴾ فعل وفاعل
стр. 2148
ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَخَافُونِ﴾ الواو عاطفة. ﴿خافوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل. و ﴿النون﴾ للوقاية، ﴿وياء﴾ المتكلم المحذوفة اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به. وفي "الفتوحات": هذهِ الياء التي بعد النون اختلف القراء السبعة في إثباتها لفظًا، واتفقوا على حذفها في الرسم؛ لأنها من ياءات الزوائد، وكلها لا ترسم، وجملتها في القرآن اثنان وستون اهـ شيخنا. والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فلا تخافوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ محذوف معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم مؤمنين، فخافون، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾.
﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَحْزُنْكَ﴾ فعل، ومفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يُسَارِعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يسارعون﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب. و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول. ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، أي: ضررًا شيئًا، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَّا يَجْعَلَ﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَجْعَلَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الأول لـ ﴿جعل﴾. ﴿حَظًّا﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ صفة لـ ﴿حظًّا﴾ أو متعلق بـ ﴿جعل﴾، وجملة ﴿جعل﴾ صلة أن المصدرية وأن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يريد﴾ تقديره: يريد الله عدم جعل حَظّهم في
стр. 2149
الآخرة. ﴿وَلَهُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿وَلَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها. ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ متعلق بـ ﴿اشتروا﴾. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول به. ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة ﴿وَلَهُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿لهم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، و ﴿نون﴾ التوكيد حرف لا محل له، مبني على الفتح، ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿ما﴾ مصدرية، فهي كلمة مستقلة، وكان المناسب أن تكتب مفصولة من ﴿أن﴾ لكن طريقة المصحف كتابتها موصولة. ﴿نُمْلِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه اسم ﴿أن﴾ تقديره أن إملاءنا. ﴿خَيْرٌ﴾ خبر ﴿أن﴾. ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بخير، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها، في تأويل مصدر ساد مسدّ مفعولي ﴿حسب﴾، تقديره: ولا يحسبن الذين كفروا خيرية إملائنا لهم، أو ساد مسد المفعول الثاني على قراءة التاء في ﴿تحسبن﴾، والمفعول الأول ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والفاعل ضمير المخاطب، وهو النبي ﷺ أو غيره، والتقدير: ولا تحسبن يا محمَّد الذين كفروا خيرية إملائنا لهم. ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ﴿إن﴾ أداة حصر. ﴿نُمْلِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة
стр. 2150
استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: ما بالهم يحسبون الإملاء خيرًا، فقيل: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾. ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿يزدادوا﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي والواو فاعل. ﴿إِثْمًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المضمرة. وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: إنما نملي لهم لإرادة ازديادهم إثمًا، الجار والمجرور متعلق بنملي، ﴿وَلَهُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾ صفة له والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
﴿مَا﴾ نافية. ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لِيَذَرَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وجحود. ﴿يذر﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، تقديره: ما كان الله ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة، وإنما أولنا كذلك، لأن ﴿يذر﴾ فعل جامد، لا مصدر له فأخذنا مصدر ما هو بمعناه، وهو ترك. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه ﴿اللام﴾: تسمى لام الجحود، وينصب المضارع بعدها بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها، والفرق بينها وبين لام كي أن هذه على المشهور شرطها أن تكون بعد كون منفي بما، إن كان ماضيًا، أو بلم إن كان مضارعًا، وعرفها بعضهم في بيت واحد فقال:
وَكُلِّ لاَمٍ قَبْلَهُ مَا كَانَا ... أَوْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْجُحُوْدِ بَانَا
وفي خبر ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضع، وما أشبهه قولان، أحدهما: وهو قول البصريين، أنه محذوف، وأن اللام مقوية لتعدية ذلك الخبر المقدر لضعفه، والتقدير: ما كان الله مريدًا، لأن ﴿يذر﴾، فأن يذر، هو مفعول مريدًا، والتقدير: ما كان الله مريدًا ترك المؤمنين على ما أنتم عليه. والثاني: قول الكوفيين أن ﴿اللام﴾ زائدة لتأكيد النفي، وأن الفعل بعدها هو خبر ﴿كاَنَ﴾ و ﴿اللام﴾ عندهم هي العاملة النصب في الفعل بنفسها، لا بإضمار أن، والتقدير: عندهم: ما كان
стр. 2151
الله يذر المؤمنين. وضعف أبو البقاء مذهب الكوفيين؛ لأن ما بعدها قد انتصب، فإن كان النصب باللام نفسها فليست زائدة، وإن كان النصب بأن فسد المعنى؛ لأن أن وما في حيزها في تأويل مصدر، والخبر في باب كان هو الاسم في المعنى، فيلزم أن يكون المصدر الذي هو معنى من المعاني صادقًا على اسمها، وهو محال، انتهت بتصرف وزيادة. وقد أشبعنا الكلام في لام الجحود على كلا المذهبين بما لا مزيد عليه في كتابنا "الخريدة البهية في إعراب أمثلة الآجرومية" فراجعه.
﴿عَلَى مَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يذر﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿عَلَيْهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿عليه﴾. ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ﴿حَتَّى﴾ حرف جر، وغاية. ﴿يَمِيزَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حتى﴾ بمعنى إلى، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْخَبِيثَ﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ متعلق بـ ﴿يميز﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى ميزه أو تمييزه الخبيث من الطيب، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يذر﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وجحود. ﴿يطلعكم﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ متعلق بـ ﴿يطلع﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: وما كان الله لإطلاعكم الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا لـ ﴿ـكان﴾ تقديره: وما كان الله مريدًا لإطلاعكم على الغيب، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ الواو عاطفة. ﴿لكن﴾ حرف استدراك على ما فهم من قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ من أنه لا يطلع أحدًا على الغيب حتى الأنبياء؛ لعموم الخطاب فيه. ولفظ الجلالة اسمها. ﴿يَجْتَبِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿مِنْ رُسُلِهِ﴾ جار
стр. 2152
ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يجتبى﴾. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿يَشَاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء اجتباءه، وجملة ﴿يَجْتَبِي﴾ في محل الرفع خبر لكن، وجملة لكن معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿فَآمِنُوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن الله لا يطلع على غيبه إلا من اجتبى من رسله، وأردتم بيان ما الأصلح لكم؛ فأقول ﴿أمنوا﴾. ﴿أمنوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق ﴿بأمنوا﴾. ﴿وَرُسُلِهِ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ الواو استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿تُؤْمِنُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ـإِنْ﴾. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ معطوف عليه. ﴿فَلَكُمْ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿لكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية في محل الجزم بأن على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ الواو استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية. ﴿يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَبْخَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبخلون﴾. ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ فعل، ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه؛ لأن آتى بمعنى: أعطى يتعدى إلى مفعولين. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف، وجملة ﴿آتى﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط الضمير المحذوف، ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ هو ضمير فصل. ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿حسب﴾؛ والمفعول الأول محذوف تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من
стр. 2153
فضله بخلهم هو خيرًا لهم. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خيرًا﴾ هذا على قراءة الياء، وأما على قراءة التاء: فالفاعل ضمير المخاطب يعود على النبي ﷺ ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول أول، ولكنه على تقدير مضاف تقديره: ولا تحسبن يا محمَّد بخل ﴿الَّذِينَ﴾ يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم.
فائدة: وكون ﴿هو﴾ هنا ضمير فصل متعين؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون مبتدأ، أو بدلًا، أو توكيدًا، والأول منتف لنصب ما بعده، وهو خيرًا، وكذا الثاني؛ لأنه كان يلزم أن يوافق ما قبله في الإعراب، فكان ينبغي أن يقال: إياه لا هو، وكذا الثالث. اهـ "سمين" ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ ﴿بَلْ﴾ حرف ابتداء وإضراب، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ. ﴿شَرٌّ﴾ خبر. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به.
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿طوق﴾. ﴿بَخِلُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾ متعلق، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير به. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يطوقون﴾ ﴿وَلِلَّهِ﴾ الواو استئنافية. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خبير﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما تعملونه. ﴿خَبِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ من باب استفعل من الاستبشار، والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة، وأصله: من البشرة؛ لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه، وقال ابن عطية: وليس استفعل هنا بمعنى طلب البشارة، وإنما هو بمعنى الفعل
стр. 2154
المجرد، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ بمعنى غني، ويقال: بشر الرجل بكسر الشين. فيكون استبشر بمعناه، ولا يتعين هذا المعنى بل يجوز أن يكون مطاوعًا لأفعل، وهو الأظهر، أي: أبشره الله فاستبشر، كقولهم: فأكانه فاستكان، وأراحه فاستراح، وإنما كان هذا الأظهر هنا؛ لأنه من حيث المطاوعة يكون منفعلًا عن غيره، فحصلت له البشرى بإبشار الله له بذلك، ولا يلزم هذا المعنى. إذا كان بمعنى المجرد؛ لأنه لا يدل على المطاوعة ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿استجاب﴾ من باب استفعل الـ ﴿سين﴾ و ﴿التاء﴾ فيه زائدتان، فهو بمعنى ﴿أجابوا﴾ ﴿القرح﴾ بفتح ﴿الفاء﴾، وسكون ﴿العين﴾ مصدر قرح من باب فتح يقال: قرحه إذا جرحه، قرحًا يجمع على قروح، والقرح أثر السلاح بالبدن، والقرحة بضم أوله، وفتحه مع سكون ثانيه فيهما الجراحة المتقادمة التي اجتمع فيها القيح.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حسب في الأصل مصدر حسبه حسبًا إذا كفاه. فهو مصدر أريد به اسم الفاعل، فهو بمعنى المحسب؛ أي: الكافي، وقال في "الكشاف" والدليل على أنه بمعنى المحسب أنه يوصف به، فتقول: مررت برجل حسبك من رجل، أي: كافيك منه، فتصف به النكرة إذ إضافته غيرُ محضة؛ لكونه بمعنى اسم الفاعل غير الماضي المجرد من أل، قال الشاعر:
فَتَمْلأُ بَيْتَنَا أُقُطًا وَسَمْنَا ... وَحَسْبُكَ مِنْ غِنَىً شِبَعٌ وَرِيُّ
والوكيل فعيل، بمعنى مفعول؛ أي: الموكول إليه الأمور؛ أي: نعم الموكول إليه أمورنا، أو الكافي، أو الكافل.
﴿حَظًّا﴾ ﴿الحظ﴾ النصيب: ويستعمل في الخير، والشر، وإذا أطلق يكون للخير ﴿نُمْلِي﴾ الإملاء التأخير، والإمهال. قال القرطبي: والمراد بالإملاء هنا طول العمر، ورغد العيش. وفي "المصباح" أمليت له في الأمر، أخرت، وأمليت للبعير في القيد، أرخيت له، ووسعت ﴿لِيَذَرَ المؤمنينَ﴾ ﴿يذر﴾ فعل جامد، لا يتصرف كيدع استغناء عنه بتصرف مرادفه، وهو يترك، ولم يستعمل منه ماض استغناء عنه بترك، وأصل يذر: يوذر، فحذفت الواو منه من غير موجب تصريفي،
стр. 2155
تشبيهًا له بيدع إذ لم تقع الواو في ﴿يذر﴾ بين ياء وكسرة، ولا ما هو في تقدير الكسرة؛ إذ الواو فيه، وقعت بين ياء وفتحة أصلية، بخلاف يدع، فإن الأصل فيه يودع، فحذفت الواو، لوقوعها بين الياء، وبين ما هو في تقدير الكسرة، إذ أصله يودع مثل يوعد، وإنما فتحت الدال منه؛ لأن لامه حرف حلقي، فيفتح له ما قبله، ومثله يطأ، ويسع، ويقع، ونحو ذلك.
﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾ يقرأ بالتخفيف من ماز يميز، من باب باع، وبالتشديد من ميز من باب فعل، وهما بمعنى واحد، بمعنى فصل الشيء من الشيء، وقيل: لا يكون ماز إلا في كثير من كثير، فأما واحد من واحد، فيتميز على معنى يعزل، ذكره أبو حيان، وليس التشديد لتعدي الفعل مثل فرح، وفرحته؛ لأن ماز وميز يتعديان إلى مفعول واحد ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾ ﴿اجتبى﴾ من باب افتعل من جبوت الماء أو المال وجبيته، وهما لغتان؛ فـ ﴿الياء﴾ في ﴿يَجْتَبِي﴾ تحتمل أن تكون على أصلها، وأن تكون منقلبة من واوٍ لانكسار ما قبلها. ﴿مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ﴾ أصل ﴿ميراث﴾ موراث فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، والميراث مصدر ميمي كالميعاد. قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركًا فيه، وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ لأنه انفرد بذلك بعد أن كان داود مشاركًا له فيه.
البلاغة
قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات فنونًا من البلاغة والبديع:
منها: الاختصاص في قوله: ﴿أجر المؤمنين﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ و ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وفي اسمه في عدة مواضع، و ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي ذكر الإملاء.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ و ﴿لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾.
стр. 2156
ومنها: الاستعارة في ﴿يُسَارِعُونَ﴾ و ﴿اشْتَرَوُا﴾ و ﴿نُمْلِي﴾، و ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، و ﴿الخبيث﴾ و ﴿الطيب﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿فَآمِنُوا﴾ ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿أنتم﴾ إن كان خطابًا للمؤمنين، إذ لو جرى على لفظ المؤمنين لقال على ما هم عليه، وإن كان خطابًا لغيرهم. كان من تلوين الخطاب، وفي ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيمن قرأ بتاء الخطاب.
ومنها: الحذف في مواضع انتهى.
قوله (١): ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تعليل للنهي، وتكميل للتسلية بتحقيق نفي ضررهم؛ أي: لن يضروا بفعلهم ذلك أولياء الله ألبتة، وتعليق نفي الضرر به تعالى لتشريفهم، وللإيذانِ بأن مضارتَهم بمنزلة مضارته تعالى، وفيه مزيد مبالغة في التسلية.
ووصف تعالى (٢) عذابه في مقاطع هذه الآيات الثلاث بـ ﴿عظيم﴾، و ﴿أليم﴾ و ﴿مهين﴾، ولكل من هذه الصفات، مناسبة تقتضي ختم الآية بها:
أما الأولى: فإن المسارعة في الشيء، والمبادرة في تحصيله، والتحلي به يقتضي جلالة ما سورع فيه، وأنه من النفاسة، والعظم، بحيث يتسابق فيه، فختمت الآية بعظم الثواب، وهو جزاؤهم على المسارعة في الكفر، إشعارًا بخساسة ما سابقوا فيه.
وأما الثانية: فإنه ذكر فيها اشتراء الكفر بالإيمان، ومن عادة المشتري الاغتباطُ بما اشتراه، والسرورُ به عند كون الصفقة رابحةً، وتألمه عند كونها خاسرة فناسبها وصف العذاب بالأليم.
وأما الثالثة: فإنه ذكر الإملاء، وهو الامتاع بالمال، والبنين، والصحة،
стр. 2157
وكان هذا الإمتاع سببًا للتعزز، والتمتع، والاستطالة، فختمت الآية بإهانة العذاب لهم، وأنّ ذلك الإملاءَ المنتج عنه في الدنيا التعزز، والاستطالة، مآله في الآخرة إلى إهانتهم بالعذاب الذي يهين الجبابرة.
والله أعلم
* * *
стр. 2158
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: لما ذكر الله في الآيات السابقة معركة أحد، وما فيها من الأحداث العجيبة، وتناولت تلك الآيات ضمن ما تناولت مكائدَ المنافقين، ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإسلام، والغدر بالمسلمين، وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله .. أعقبَ ذلك بذكر دسائس اليهود، وأساليبهم الخبيثة في مُحاربة الدعوة الإِسلامية، بطريق التشكيك، والبلبلة، والكيد، والدس ليحذر المؤمنين من خطرهم كما حذرهم من المنافقين، والآيات الكريمة، تتحدث عن اليهود، وموقفهم المخزي من الذات الإلهية، واتهامهم لله بأشنع الاتهامات بالبخل والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم
стр. 2159
للأنبياء، وخيانتهم الأمانة التي حملهم الله تعالى إياها إلى آخر ما هنالك من جرائمَ وشنائعَ اتصف بها هذا الجنسُ الملعونُ.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ...﴾ الآيات، مناسبتُها (١) لما قبلها: أن الله لما سلى نبيه ﷺ فيما سلف عن تكذيب قومه له بأن كثيرًا من الرسل قبلك، قد كذبوا كما كذبت، ولاَقُوا من أقوامهم من الشدائد مثلَ ما لاقيتَ بل أشد مما لاقيت، فقد قتلوا كثيرًا منهم كيحيى، وزكرياء ﵉ .. زاده هنا تسلية، وتعزية أخرى، فأبان أن كل ما تراه من عنادهم فهو منته إلى غاية، وكل آت قريب، فلا تضجَرْ ولا تحزَن على ما تَرى منهم، وأنهم سيجازون على أعمالهم في دار الجزاء، كما تجازى، وحسبك ما تصيب من حسن الجزاء، وحسبهم ما أصيبوا به، وما يُصابون به من الجزاء في الدنيا، وسيوفون الجزاء كاملًا يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ...﴾ الآية، مناسبتها (٢) لما قبلها أن الله لما حكى عن اليهود شبهًا، ومطاعنَ في نبوة محمَّد ﷺ وأجاب عنها بما علمتَ فيما سلف .. أردفه هذه الآية لبيان عجيب حالهم، وغريب أمرهم، وأنه لا يليق بهم أن يطعنوا في نبوته، ولا أن يوجهوا شبهًا لدينه ذاك أن اليهود، والنصارى، أمروا بشرح ما في التوراة، والإنجيل، وبيان ما فيهما من الدلائل الناطقة بنبوة محمد ﷺ وصدق رسالته، فكيف يليق بهم بعد هذا إيراد تلك المطاعن، والشبه، وكانوا أجدر الناس بدفعها، وأحقهم بتأييده، والذود عن دينه لما في كتابيهما من البشارة به، وتوكيد دعوته فالعقل قاض بأن يظاهروه ودينهم حاكم بأن يؤيدوه، ومن العجب العاجب أن يطرحوا حكم العقل والنقل وراءهم ظهريًّا، وهل مثل هؤلاء يجدي معهم الحجاج والجدال، أو تقنعهم قوة الدليل والحجة.
стр. 2160
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ قال: "دخل أبو بكر بيت المدراس، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص فقال له: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيًّا عنا .. ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر فضرب وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا محمَّد انظر ما صنع صاحبك بي فقال: "يا أبا بكر ما حملك على ما صنعت"؟ قال يا رسول الله، قال قولًا عظيمًا، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء فجحد فنحاص فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ قال: أتت اليهود النبي ﷺ حين أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فقالوا: يا محمَّد افتقر ربك، يسأل عبادهُ، فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا ...﴾ الآية.
قوله تعالى (٢): ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ...﴾ الآيةَ، روى ابن أبي حاتم، وابن المنذر بسند حسن، عن ابن عباس، أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر، وفنحاص من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾.
وأخرج أبو داود (٣) ﵀ (ج ٣ ص ١١٤) بسنده إلى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه - وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قَدِمَ المدينةَ، وأهلها أخلاط منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود، وكانوا يؤذون النبي ﷺ وأصحابه، فأمر الله نبيه ﷺ
стр. 2161
بالصبر، والعفو، ففيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ الآية. فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أَذَى النبي ﷺ .. أمر النبي ﷺ سَعْدَ بن معاذ أن يبعث رَهْطًا يقتلونه، فبعث محمدَ بن مسلمة، وذَكَر قصة قتله، فلما قتلوه فزعت يهود، والمشركون، فغدوا على النبيِّ ﷺ فقالوا: طرق صاحبنا، فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه، وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم، وبين المسلمين عامةً صحيفة. الحديث.
وقال المنذري (١): قوله عن أبيه فيه نظر، فإن أباه عبد الله بن كعب ليست له صحبة، ولا هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، ويكون الحديث على هذا مرسلًا، ويحتمل أن يكون أراد بأبيه جده، وهو كعب بن مالك، فيكون الحديث على هذا مسندًا، إذ قد سمع عبد الرحمن من جده كعب بن مالك، وكعب: هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وقد وَقَع مثل هذا في الأسانيد في غير موضع اهـ من "عون المعبود" بتصرف.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ...﴾ الآية. سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالًا من المنافقين على عهد الرسول ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خِلافَ رسول الله ﷺ وإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الحديث، أخرجه مسلم أيضًا.
ولها أيضًا سبب آخر، وهو ما أخرجه البخاري عن ابن أبي مليكة، أن علقمة بن وقاص أخبره، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل
стр. 2162
له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا. لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لك ولهذه الآية، إنما دعا النبي ﷺ يهود، وسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾.
ويُمكن الجمعُ بين الحديثين بأن تكون الآية نزلَتْ في الفريقين معًا، قاله الحافظ ابن حجر في "الفتح" ولو رجح حديث أبي سعيد، لكان أولى، لأن حديث ابن عباس مما أنتقد على الشيخين، كما في مقدمة "الفتح".
وأخرج (١) عبد الرزاق في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج، وزيدَ بن ثابت كانا عند مروان، فقال مروان: يا رافع في أيِّ شيء نزلَتْ هذه الآية: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ قال رافع: أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي ﷺ اعتذروا، وقالوا: ما حَبَسَنا عنكم إلا شغل، فلوددنا أنا كنا معكم، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكان مروان أنكر ذلك، فجَزِعَ رافع من ذلك، وقال لزيد بن ثابت: أنشدك بالله هل تعلم ما أقول؟ قال: نعم، قال الحافظ ابن حجر: يجمع بين هذا، وبين قول ابن عباس بأَنَّه يمكن أن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا. قال: وحَكَى الفراء أنها نزلت في قول اليهود نحن أهلُ الكتاب الأول، والصلاة، والطاعة، ومع ذلك لا يقرون بمحمد، وروى ابن أبي حاتم من طرق عن جماعة من التابعين نحوَ ذلك، ورجحه ابن جرير، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك. انتهى.
التفسير وأوجه القراءة
١٨١ - وعزتي، وجلالي ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ وعلم، وأحصى ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ وهو فنحاص بن عازوراء، كما قاله ابن عباس، والسدي أو حيي بن أخطب، كما قاله
стр. 2163
قتادة، أو كعبُ بن الأشرف، كما نقله ابن عساكر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ علوًّا كبيرًا عما قالوا ﴿فَقِيرٌ﴾؛ أي: محتاج إلينا يطلب منا القرض على لسان محمَّد ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ لا نحتاج إلى قرضه، قالوا: هذه المقالة تمويهًا على ضعفائهم؛ لا أنهم يعتقدون ذلك؛ لأنهم أهل الكتاب، بل أرادوا أنه تعالى إن صح ما طلبه منا من القرض على لسان محمَّد، فهو فقير، ليشككوا على إخوانهم في دين الإِسلام، والمقصود من هذا تهديد القائلين ما ذكر، وإعلامهم أنهم لا يفوتهم من جزائه شيء ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ من هذه المقالة الشنيعة في صحائف (١) الملائكة ليقرأوا ذلك يومَ القيامة، أو سنحفظه، ونثبته في علمنا، لا ننساه ولا نهمله، أو المراد: سنكتب عنهم هذا الجهلَ في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدةَ جهلهم وطعنهم، في نبوة محمَّد ﷺ بكل ما قدروا عليه، وقيل: إن معنى سنكتب: سنوجب عليهم في الآخرة جزاءَ ما قالوه في الدنيا ﴿و﴾ نكتب ﴿قَتْلَهُمُ﴾؛ أي: قتل آبائهم ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾، وإنما نُسِبَ القتل إليهم مع أنه لم يقع منهم، ووعدوا العذابَ عليه لرضاهم بصنع آبائهم، والراضي بشيء، ينسب إليه ذلك الشيء، ويعاقب عليه إن كان شرًّا.
وإنما (٢) جعل ذلك القول قرينًا لقتل الأنبياء تنبيهًا على أنه من العظَم، والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ حتى في اعتقادهم كما في نفس الأمر، فكانوا يعتقدون أن قتلهم لا يجوز، ولا يحل، وحينئذ فيناسب شن الغارة عليهم؛ أي: نكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياءَ بغير جرم، أو المعنى: سنحفظ عن الفريقين معًا أقوالهم، وأفعالهم ﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على ﴿سنكتب﴾ أي: نقول لهم عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتاب، أو عند الإلقاء في النار؛ أي: ننتقم منهم بعد الكتابة بهذا القول الذي نقوله لهم، ويحتمل أن يكون هذا القول كنايةً عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: باشروا وادخلوا العذابَ المحرق البالغ النهاية في
стр. 2164
الحرق، والحريق (١) المحرق فهو فعيل بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم، وقيل: الحريق طبقة من طباق جهنم، وقيل: الحريقُ الملتهبُ من النار، والنار تشمل الملتهبة، وغير الملتهبةِ، والملتهبة: أشدها. وإطلاق الذوق على إحساس العذاب فيه مبالغة بليغة.
وقرأ الجمهور: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ ﴿وَقَتْلَهُمُ﴾ بالنصب و ﴿نقول﴾ بنون المتكلم المعظم، أو تكون للملائكة، وقرأ الحسن، والأعرج، ﴿سيكتب﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ حمزة ﴿سيكتب﴾ بالياء مبنيًّا للمفعول، ﴿وقتلهم﴾ بالرفع عطفًا على ﴿ما﴾ إذ هي مرفوعة بـ ﴿سيكتب﴾ و ﴿يقول﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ طلحة بن مصرف ﴿سنكتب ما يقولون﴾. وحكى الداني عنه ﴿ستكتب ما قالوا﴾ بتاء مضمومة على معنى مقالتهم. وقرأ ابن مسعود ﴿ويقال ذوقوا﴾ ونقلوا عن أبي معاذ النحوي أن في حرف ابن مسعود ﴿سنكتب ما يقولون، ونقول: لهم ذوقوا﴾
١٨٢ - ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب المحرق الذي تذوقون حَرارَتَهُ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: بسبب ما اقترفتموه، وعملتموه في الدنيا من الأفعال القبيحة، والأقوال الشنيعة كقتل الأنبياء، ووصف الله بالفقر وجميع ما كان منكم من ضروب الكفر، وفنون الفسق، والعصيان ﴿و﴾ بسبب ﴿أن الله ليس بظلام للعبيد﴾؛ أي: بذي ظلم لعباده، فيعذبهم بغير ذنب؛ أي: إن ذلك العذاب الذي أصابكم بسبب عملكم، وبسبب كونه تعالى عادلًا في حكمه، وفعله لا يجور، ولا يظلم، فلا يعاقب غير المستحق للعقاب، ولا يجعل المجرمين كالمتقين، والكافرين كالمؤمنين، وإنما أضاف العمل إلى الأيدي؛ لأن أكثر أعمال الإنسان تزاول باليد، وليفيدَ أن ما عذبوا عليه هو من عملهم على الحقيقة، لا أنهم أمروا به، ولم يباشروه.
١٨٣ - والخلاصة (٢): أن ترك عقاب أمثالكم مساواة بين المحسن والمسيء ووضع للشيء في غير موضعه، وهو ظلم كبير لا يصدر إلا ممن كان كثيرَ الظلم مبالغًا فيه ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ إما منصوب على الذم، أو مجرور على أنه نعت ﴿للذين﴾
стр. 2165
قبله، أي: لقد سمع قول الذين قالوا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾؛ أي: أمرنا في التوراة وأوصانا ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾؛ أي: بأن لا نصدق ﴿لِرَسُولٍ﴾؛ أي: رسول كان في دعواه الرسالة ﴿حَتَّى يَأتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأكُلُهُ النَّارُ﴾؛ أي: حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل، وهي أن يقرب بقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار سماوية، فتأكله، أي: تحرقه، والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله من أعمال البر من نسك، وصدقة، وذبح، وكل عمل صالح. وقرأ عيسى بن عمر ﴿بقربان﴾ بضم الراء قال ابن عطية: إتباعًا لضمة القاف، وليس بلغة، لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين.
وكانت (١) القرابين، والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانًا، أو غنموا غنيمة جمعوا ذلك، وجاءت نار بيضاء من السماء، لا دخان لها، ولها دوي فتأكل ذلك القربان، أو الغنيمة، وتحرقه فيكون ذلك دليلًا، وعلامة على القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله، ولم تنزل نار.
والمعنى: لن نؤمن لك يا محمَّد حتى تأتينا بنار تأكل القربان، كما كانت في زمن الأنبياء الأول، فإن جئتنا بها صدقناك في رسالتك.
قال ابن عباس (٢): نزلت هذه الآية في حق كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذ، وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحييّ بن أخطب، وغيرهم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا محمَّد: تزعم أنك رسول الله، وأنه تعالى أنزل عليك الكتاب، وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون لها دوي خفيف تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت الآية، لكن دعواهم هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم، وأكل النار للقربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزةً فهوَ وسائر المعجزات سواء، وما مقصدهم من تلك المفترَياتِ إلا عدمَ الإيمان برسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يأت بما قالوه، ولو أتى به لآمنوا فرد الله عليهم بقوله:
стр. 2166
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد موبخًا لهم، ومكذبًا ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ وأتاكم يا معشر اليهود ﴿رُسُلٌ﴾ كثير ﴿مِنْ قَبْلِي﴾ كزكريا، ويحيى، وغيرهما ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالعجزات الواضحة الدالة على صدقهم، وبكل ما تقترحونه منهم ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾؛ أي: وبالقربان الذي تأكله النار ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في مقالتكم إنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه، فإن زكريا ويحيى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء ﵈ قد جاؤوكم بما قتلم في معجزات أخرَ، فما بالكم لم تؤمنوا بهم بل اجترأتم على قتلهم، وهذا دليل على أنكم قوم غلاظ الأكباد - وبذلك وصفوا في التوراة - قساة القلوب لا تفقهون الحق، ولا تذعنون له، وإنكم لم تطلبوا هذه المعجزة استرشادًا، بل تعنتًا وعنادًا.
وقد نسب هذا الفعل إلى ما كان في عمر النبي ﷺ وقد وقع من أسلافهم؛ لأنهم راضون بما فعلوه، معتقدون أنهم على حق في ذلك، والأمة في أخلاقها العامة، وعاداتها كالشخص الواحد، وقد كان هذا معروفًا عند العرب، وغيرهم، يلصقون جريمةَ الشخص بقبيلته، ويؤاخذونها بها.
والخلاصة: أن أسلافكم كانوا متعنتين، وما أنتم إلا كأسلافكم، فلم يكن من سنة الله إجابتكم إلى ملتمسكم بالإتيان بالقربان، إذ لا فائدة منه.
١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمَّد في أصل النبوة والشريعة بعد أن جئتَهم بالبينات الساطعة، والمعجزات الواضحة، والكتاب الهادي إلى سواء السبيل مع استنارة الحجة، والدليل ﴿فـ﴾ تسل يا محمَّد على تكذيبك، ولا تأس عليهم، ولا تحزن لعنادهم وكفرهم، ولا تعجب من فساد طويتهم، وعظيم تعنتهم فتلكَ سنة الله في خليقته؛ لأنه ﴿قد كذب رسل من قبلك﴾؛ أي: كذبتهم أممهم حينما ﴿جَاءُوا﴾ هم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحات، ﴿و﴾ بـ ﴿الزبر﴾؛ أي: وبالصحف المشتملة على الترغيب، والترهيب، والزواجرَ، والعظات كصحف إبراهيم، وموسى، وغيرهما، والزبير: جمع زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا حبسته، وسمي الكتاب الذي فيه الحكمة زبورًا، لأنه يزبر عن الباطل، ويدعو إلى الحق ﴿و﴾ بـ ﴿الكتاب المنير﴾؛ أي: المضيء الذي أضاء،
стр. 2167
وأنار سبيل النجاة، وهو التوراة، والزبور، والإنجيل، وإنما عطف الكتاب المنير على الزبر لشرفه، وفضله باشتماله على الأحكام.
والمعنى: فقد كذب رسل من قبلك جَاءُوا بمثل ما جئت من باهر المعجزات، وهزوا القلوبَ بالزواجر، والعظات، وأناروا بالكتاب سبيلَ النجاة، فلم يغن ذلك عنهم شيئًا، فصبروا على ما نالهم من الأذى، وما نالهم من السخرية، والاستهزاء، ذلك أسوة بهم. وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ وبيان بأن طباع البشر في كل الأزمنة سواء، فمنهم من يتقبل الحق، ويقبل عليه بصدر رحب ونفس مطمئنة، ومنهم من يقاوم الحقَ، والداعي إليه ويسفه أحلام معتنقيه؛ فليس بالعجيب منهم أن يقاوموا دعوتك، ولا أن يفندوا حجتك، فإن نُفُوسَهم منصرفة عن طلب الحق، وتحري سبل الخير.
وقر الجمهور (١) ﴿والزبور والكتاب﴾ بغير الباء فيهما، وقرأ ابن عامر، ﴿وبالزبر﴾ بإعادة ﴿الباء﴾ كقراءة ابن عباس، للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات، وكذا هي في مصاحف أهل الشام، وقرأ هشام بخلاف عنه، ﴿وبالكتاب﴾ وإعادة ﴿الباء﴾ وإعادة حرف البحر في المعطوف للتأكيد.
١٨٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: كل روح من حيوان حاضر في دار التكليف ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: ذائقة موت (٢) أجسادها إذ النفس بمعنى الروح، لا تموت، ولو ماتت لما ذاقت الموت في حال موتها؛ لأن الحياة شرط في الذوق، وسائر الإدراكات. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: حين موت أجسادها، والمعنى كل نفس تذوق طعمَ مفارقة البدن، وتحس به. وقرأ الجمهور (٣) ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ بالإضافة، وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وابن أبي إسحاق، ﴿ذائقةٌ الموت﴾ بالتنوين، ونصب الموت، وقرأ الأعمش فيما نقله الزمخشري ﴿ذائقة﴾ بغير تنوين الموت بالنصب، وخرج على حذف التنوين لالتقاء
стр. 2168
الساكنين، كقراءة من قرأ ﴿هل هو الله أحد الله الصمد﴾ بحذف التنوين من أحد، وقرىء أيضًا شاذًا ﴿ذائقة الموت﴾ على جعل الهاء ضمير ﴿كلٍ﴾ على اللفظ، وهو مبتدأ وخبر كما ذكره أبو البقاء ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾؛ أي: وإنما تعطون جزاء أعمالكم كاملًا، وافيًا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يوم قيام الخلق من القبور، وذلك عند النفخة الثانية، وفي ذكر لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبل يوم القيامة، ويؤيده ما أخرجه الترمذي، والطبراني مرفوعًا "القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران" ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ وأبعد ﴿عَنِ النَّارِ﴾ يوم القيامة ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾؛ أي: فقد ظفر بالمحبوب، ونجا من المكروه؛ أي: فمن نجا، وخلص من العذاب والنار يوم القيامة، ووصل إلى الثواب والجنة، فقد ظفر بالمقصد الأسنى، والغاية القصوى، التي لا مطلبَ بعدها.
وقد روي (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته، وهو يؤمن باللهِ واليوم الآخر، وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه". رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص وقد رواه الإِمام أحمد في "مسنده" عن وكيع بسنده.
والخلاصة (٢): أن هناك جنة ونارًا، وإن من الناس من يلقى في هذه، ومنهم من يلقى في تلك، وإن هولَ النار عظيم، وعبر عن النجاة عنها بالزحزحة، كأن كلَّ شخص كان مشرفًا على السقوط فيها؛ لأن أعمالهم سائقةٌ لهم إلى النار؛ لأنها أعمال حيوانية، تسوق إليها، ولا يدخل الجنة أحدٌ إلا إذا زحزح، فالزحزحة عنها فوز عظيم، فأولئك المزحزحون هم الذين غلبت صفاتهم الروحية على الصفات الحيوانية، فأخلصوا في إيمانهم، وجاهدوا في الله حق جهاده، ولم يبق في نفوسهم شائبة من إشراك غير الله معه في عمل من أعمالهم.
والمعنى: فمن بعد عن النار يومئذ ونحي عنها. فقد فاز؛ أي: ظفر بما يريد، ونجا مما يخاف، وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوزَ يقاربه، فان كل
стр. 2169
فوز وإن كان بجميع المطالب دون الجنة، ليس بشيء بالنسبة إليها، اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة، ولا عيش إلا عيشها، ولا نعيم إلا نعيمها، فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارض عنا رضًا لا سخط بعده أبدًا، واجمع لنا بين الرضا منك علينا والجنة.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: وما حياتنا القربى إلى الزوال، أو الدنيئة التي نحن فيها، ونتمتع بلذاتها الحسية من مأكل، ومشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب، والسيادة ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ومواعين الخداع؛ لأنَّ صاحبَها دائمًا مغرور بها، مخدوع لها تشغله كل حين بجلب لذاتها، ودفع آلامها، فهو يتعب لما لا يستحق التعب به، ويشقى لتوهم السعادة فيها.
والمتاع: كل ما يتمتع به الإنسان، وينتفع به، ثم يزول، ولا يبقى، والغرور ما يغرُّ الإنسان مما لا يدوم، وقيل: الغرور الباطل الفاني، الذي لا يدوم.
ومعنى الآية (١) أن منفعةَ الإنسان بالدنيا كمنفعته بهذه الأشياء التي يستمتع بها، ثم تزول عن قريب، وقيل: هي متاع متروك، يوشك أن يضمحل ويزولَ، فخذوا من هذا المتاع، واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم. قال سعيد بن جبير: هي متاع الغرور، لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، وأما من اشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع، وبلاغ إلى ما هو خير منها.
والخلاصة: أن الدنيا ليست إلا متاعًا من شأنه أن يغرَ الإنسانَ، ويشغله عن تكميل نفسه بالمعارف، والأخلاق التي ترقى بروحه إلى سعادة الآخرة. فينبغي له أن يحذر من الإسراف في الاشتغال بمتاعها عن نفسه، وإنفاق الوقت فيما لا يفيد إذ ليس للذاتها غاية تنتهي إليها، فلا يبلغ حاجةً منها إلا طلب أخرى.
فَمَا قَضَى أحَدٌ مِنْهَا لُبَانَتَهُ ... وَلاَ انْتَهَى أَرَبٌ إلّا إِلَى أَرَبِ
فعليه أن يسعى لكسب علم يرقى به عقله، أو عمل صالح ينتفع به، وينفع عباده مع إصلاح السريرة، وخلوص النية، وقد قال بعضهم: عليك بنفسك إن لم
стр. 2170
تشغلها شغلتك.
١٨٦ - ولما سلى الله نبيه ﷺ والمؤمنين بما سبق آنفًا .. زاد في تسليتهم بهذه الآية فقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وأبان لهم أنه كما لقي هو ومن معه من الكفار أذى يوم أحد، فسيلقون منهم أذى كثيرًا بقدر ما يستطيعون من الإيذاء في النفس أو في المال.
والمقصود من هذا الإخبار: أن يوطنوا أنفسَهم على الصبر، وترك الجزع حتى لا يشق عليهم النبلاء عند نزوله بهم. والمعنى: وعزتي، وجلالي لتمتحنن، ولتختبرن في أموالكم بذهابها بالمهلكات، والآفات، كالغرق، والحرف والبرد، وبالتكاليف كالزكاة، والإنفاق في الجهاد، وبذلِها في جميع وجوه البر، التي ترفع شأنَ الأمة الإِسلامية وتدفع عنها أعداءها، وترد عنها المكارهَ، وتدفع عنها غوائلَ الأمراض والأوبئة، ولتختبرَن في أنفسكم بما يصيبها من البلايَا كالأمراض، والأوجاع، والقتل، والضرب، ومن التكاليف كالصلاة وبذلها في الجهاد في سبيل الله، والصبر فيهما، وبموت من تحب من الأهل، والأصدقاء ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لتسمعن أيها المؤمنون ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: من اليهود والنصارى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: ومن مشركي العرب، والمراد بهم سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾؛ أي: أنواعًا كثيرةً من الإيذاء كالطعن في أعراضكم، والطعن في الدين الحنيف، والقدح في أحكام الشرع الشريف، وقد من أراد أن يؤمن وتخطئة من آمن، وما كان من كعب بن الأشرف، وأضرابه من هجاء المؤمنين، وتشبيب (١) نسائهم وتحريض المشركين على معاندة رسول الله ﷺ ونحو ذلك مما لا خير فيه.
وفائدة الابتلاء (٢): تمييز الخبيث من الطيب وفائدة الإخبار كما مر آنفًا، أن
стр. 2171
نعرف السننَ الإلهيةَ، ونهيىءَ أنفسَنا لمقاومتها، فإن من تقع به المصيبة فجأةً على غير انتظار يعظم عليه الأمر، ويحيط به الغمُّ حتى كاد ليقتله في بعض الأحايين، لكنه إذا استعد لها اضطَلَع بها وقويَ على حملها.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ أيها المؤمنون على ما سيحل ويقع بكم من البلاء في أموالكم، وأنفسكم، وعلى ما تسمعون من أهل الكتاب، والمشركين من الأذى ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما يجب اتقاؤه، وتحترزوا عما لا ينبغي كالمداهنة مع الكفار، والسكوت عن إظهار الإنكار ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ الصبرَ والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: من معزومات الأمور؛ أي: من الأمور الواجبة التي ينبغي أن يعزمَها ويفعلَها كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف، أو مما عزم الله تعالى عليه، وأمر به، وبالغ فيه، وأوجب، يعني أن ذلك عزمة من عزمات الله، وواجب من واجبات الله التي أوجبها على عباده.
١٨٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد لأمتك قصة إذ أخذ الله العهدَ المؤكدَ باليمين من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: من علماء اليهود، والنصارى على لسان أنبيائهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ بالتاء حكاية لمخاطبتهم؛ أي: لتبينن ذلك الكتاب الذي أوتيتم للناس، ولتظهرن جميع ما فيه من الأحكام، والأخبار التي من جملتها نبوة محمَّد ﷺ للناس ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تكتمون، ولا تخفون ذلك الكتاب عن الناس، ولا تؤولونه، ولا تلقون الشبه الفاسدة، والتأويلات المزيفة إليهم، وذلك بأن يوضحوا معانيه كما هي، ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها، ويذكروا مقاصده التي أنزل لأجلها حتى لا يقع اضطراب ولا لبس في فهمه.
فإن لم يفعلوا ذلك .. فإما أن يبينوه على غير وجهه، ولا يكون هذا بيانًا، ولا كشفًا لأغراضِه ومقاصده، وأما أن لا يبينوه أصلًا، ويكون هذا كتمانًا له.
وتبيين الكتاب على ضربين:
الأول: تبيينه لغير المؤمنين به لدعوتهم إليه.
الثاني: تبيينه للمؤمنين به لهدايتهم، وإرشادهم بما أنزل إليهم من ربهم،
стр. 2172
وكل منهما واجب على العلماء لا هوادة (١) فيه، وكفى بهذه الآية حجة عليهم، وهي آكد من قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية.
﴿فَنَبَذُوُه﴾؛ أي: نبذ علماؤهم ذلك الكتابَ، أو الميثاقَ وطرحوه ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: خَلْفَ ظهورهم، فلم يعملوا به، ولم يبالوا به، ولم يهتموا بشأنه، وقد كان من الواجب عليهم أن يجعلوه نصب أعينهم، لا شيئًا ملقى مرميًّا وراء الظهور، لا ينظر إليه، ولا يفكر في أمره، فقد كان منهم الذين لا يستفيدون منه شيئًا، ويحملونه كما يحمل الحمار الأسفار، ومنهم الذين يحرفونه عن مواضعه، ومنهم الذين لا يعلمونه إلا أماني يتمنونها، وقراءة يقرؤونها.
وإن هذا والله لينطبق على المسلمين اليوم أتمَ الانطباق، فهم قد اتبعوا سنن من قبلهم، ونهجوا نهجهم حذو القذة بالقذة، فما بالهم عن التذكرة معرضين، وكتاب الله بين أيديهم شاهد عليهم، وهو يتلى بين ظهرانيهم، فإنهم مع حفظهم لكتابهم، وتلاوتهم إياه في كل مكان في الشوارع، والأسواق، ومجتمعات الأفراح والأحزان، تركوا تبيينه للناس والعمل به، ففقدوا هدايته وعميت عليهم عظاته، وزواجره وحكمه وأسراره، واعترفوا بأنهم انحرفوا عنه، وصار القابض على دينه بينهم كالقابض على الجمر، والضمير في قوله: ﴿وَاَشتَرَوْا بِهِ﴾ عائد إلى الكتاب الذي أمروا ببيانه، ونهوا عن كتمانه؛ أي: وأخذوا بكتمانه ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وعوضًا يسيرًا من حطام الدنيا، وأغراضها من المآكل والمشارب، والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم، وسفلتهم يعني أخذوا عوضًا منه فائدة دنيويةً حقيرة، فغبنوا في هذا البيع والشراء، وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرؤسين من حطام الدنيا، ليتمتعوا بلذاتها الفانية، وشهواتها الفاسدة، وكانوا يؤولون الكتابَ، ويحرفونه، لأغراض كثيرة كالخوف من الحكام، أو الرجاء فيهم، فيصرفون نصوصه إلى معان توافق هوى الحاكم ليأمنوا شره، أو لإرضاء
стр. 2173
العامة، أو الأغنياء بموافقة أهوائهم لاستفادة جاههم ومالهم، وهذا كله أيضًا مما ابتلي به علاء المسلمين الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾؛ أي: قبح ذلك الثمن شيئًا يشترونه، والمخصوص بالذم ذلك الثمن فكل من لم يبين الذي علم للناس، وكتم شيئًا منه لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب قلوبهم، أو لجر نفعة، أو لحياء، أو لبخل للعلم، فهو داخل تحت هذا الوعيد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من سئل علمًا يعلمه، فكتمه، ألجم بلجام من نار. أخرجه الترمذي، ولأبي داود "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة. وقال قتادة: طوبى لعالم ناطق، ومستمع واع، هذا علم علمًا فبذله، وهذا سمع خيرًا فقبله ووعاه.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخَذَ على أهل العلم أن يُعلِّموا، وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم، وتلا هذه الآية. وعن الحسن أنه قال: لولا الميثاقُ الذي أخذَه الله تعالى على أهل العلم، ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه.
وقرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو بالياء على الغيبة في الفعلين أعني ﴿ليبيننه﴾ ﴿ولا يكتمونه﴾ إسنادًا لأهل الكتاب إذ قبله الذين أوتوا الكتاب وبعده، فنبذوه. وقرأ باقى السبعة بالتاء للخطاب حكايةً لمخاطبتهم. وقرأ عبد الله ﴿ليبنونه﴾ بغير نون التوكيد، وقرأ ابن عباس ﴿ميثاق النبيين لتبيننه للناس﴾ فيعود الضمير في ﴿فنبذوه﴾ على الناس، إذ يستحيل عوده على النبيين، أي: فنبذه الناس المبين لهم الميثاق.
١٨٨ - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾؛ أي: لا تظنن يا محمَّد أو أيها المخاطب اليهودَ الذين يسرون بما فعلوا من تحريف نصوص التوراة، وتفسيرها بتفسيرات باطلة ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا﴾، ويُوصفوا ﴿بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾؛ أي: بقول الناس لهم علماء، وليسوا بأهل علم؛ أي: يحبون أن يصفهم الناس ويمدحوا لهم بما ليس فيهم من الصدق، والعفاف، والفضل، والدين؛ أي: لا تحسبنهم
стр. 2174
ناجينَ من العذاب الدنيوي، وهو العذاب الذي يصيب الأمم التي فسدت أخلاقها، وساءت أعمالها، وألفت الفسادَ، والظلمَ وهو ضربان (١):
الأول: عذاب هو أثر طبيعي للحال التي يكون عليها المبطلون بحسب سنة الله في الاجتماع البشري بخذلان أهل الباطل، والإفساد وذهاب استقلالهم، ونصرة أهل الحق عليهم، وتمكينهم من رقابهم، وديارهم وأموالهم ليحل الإصلاح محل الإفساد، والعدل مكان الظلم ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
والضرب الثاني: عذاب يكون سخطًا سماويًّا، كالزلازل، والخسف، والطوفان وغير ذلك من الجوائح المدمرة التي نزلت ببعض أقوام الأنبياء الذين كفروا بربهم، وكذبوهم، وآذوهم عند اشتداد عتوهم، وإيذائهم لرسلهم.
روي أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء في التوراة فكتموا الحق، وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوا، واستحمدوا إليه، وفرحوا بما فعلوا، فأطلع الله رسوله على ذلك، وسلاه بما أنزل من وعيدهم. وهذا المعنى على قراءة التاء، فالمفعول الأول عليها الموصول، والثاني قوله الآتي: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. وقرىء بالياء فعلى هذه القراءة يكون الموصول فاعلًا، والمفعول الأول محذوف، وهو فَرحهم، والمفعول الثاني ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. والمعنى: عليها لا يحسبن الفارحون فرحَهم منجيًّا لهم من العذاب وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد للفعل الأول على القراءتين. وقد عهد هذا في الأساليب العربية من إعادة الفعل، إذا طال الفصل بينه وبين معموله. قال الزجاج: العرب إذا أطالت القصة تعيد حسبت، وما أشبهها إعلامًا بأن الذي جرى متصل بالأول، فتقول: لا تظنن زيدًا إذا جاءك، وكلمك بكذا، وكذا، فلا تظننه صادقًا، فيفيد لا تظنن توكيدًا، وتوضيحًا والفاء زائدة كما في قوله:
فَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِي
стр. 2175
وقوله: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ مفعول ثان على القراءتين، أي: فلا تظنهم بمنجاة؛ أي: فائزين بالنجاة من العذاب الذي أعده الله لهم في الدنيا من القتل، والأسر، وضرب الجزية، والذلة، والصغار، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع في الآخرة. وناسبَ وصفه بـ ﴿أليم﴾ لأجل فرحهم، ومحبتهم المحمدة على ما لم يفعلوا.
وهذه الآية (١) وإن كانت قد نزلت في اليهود، أو المنافقين خاصةً فإن حكمَها عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والصلاح، ويُنسَب إلى العلم، وليس كذلك، فيفرح به فَرح إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من سَدَاد السيرة، واستقامة الطريقة، والزهد والإقبال على طاعة الله.
وفي الحديث الصحيح: "المتشح بما ليس فيه، كلابس ثوبي زور". وقرأ حمزة، وعاصم (٢)، والكسائي ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ ﴿وتحسبنهم﴾ بالتاء الفوقية، وكلاهما إما بفتح الباء، والتقدير: لا تحسبن يا محمَّد، أو أيها المخاطب، وإما بضم الباء، والخطاب للمؤمنين، والمفعول الأول: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثاني: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾. وقوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد، والفاء مقحمة، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر بالياء التحتية، وكلاهما إما بفتح الباء والفاعل للرسول، وإما بضمها، والفاعل من يتأتى منه الحسبان، أو بفتح الباء في الأول، وضمها في الثاني، وهي قراءة أبي عمرو. والفاعل: هو الموصول، والمفعول الأول محذوف، والتقدير ولا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معًا اختصارًا لدَلاَلة مفعولي الفعل الثاني عليهما، أي: لا يحسبن هؤلاء أنفسهم فائزين، أو على أن الفعل الأول مسند للرسول، أو لكل حاسب، ومفعوله الأول الموصول، والثاني محذوف لدلالة مفعول الفعل الثاني عليه، والفعل الثاني مسندٌ إلى ضمير الموصول، والفاء للعطف لظهور تفرع عدم حسبانهم على عدم حسبانه ﷺ ، ومفعولاه ما بعده. وقرأ النخعي، ومروان بن الحكم، والأعمش ﴿بما آتوا﴾ بالمد، أي: يفرحون بما