← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

نعرف السننَ الإلهيةَ، ونهيىءَ أنفسَنا لمقاومتها، فإن من تقع به المصيبة فجأةً على غير انتظار يعظم عليه الأمر، ويحيط به الغمُّ حتى كاد ليقتله في بعض الأحايين، لكنه إذا استعد لها اضطَلَع بها وقويَ على حملها. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ أيها المؤمنون على ما سيحل ويقع بكم من البلاء في أموالكم، وأنفسكم، وعلى ما تسمعون من أهل الكتاب، والمشركين من الأذى ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما يجب اتقاؤه، وتحترزوا عما لا ينبغي كالمداهنة مع الكفار، والسكوت عن إظهار الإنكار ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ الصبرَ والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: من معزومات الأمور؛ أي: من الأمور الواجبة التي ينبغي أن يعزمَها ويفعلَها كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف، أو مما عزم الله تعالى عليه، وأمر به، وبالغ فيه، وأوجب، يعني أن ذلك عزمة من عزمات الله، وواجب من واجبات الله التي أوجبها على عباده. ١٨٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد لأمتك قصة إذ أخذ الله العهدَ المؤكدَ باليمين من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: من علماء اليهود، والنصارى على لسان أنبيائهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ بالتاء حكاية لمخاطبتهم؛ أي: لتبينن ذلك الكتاب الذي أوتيتم للناس، ولتظهرن جميع ما فيه من الأحكام، والأخبار التي من جملتها نبوة محمَّد ﷺ للناس ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تكتمون، ولا تخفون ذلك الكتاب عن الناس، ولا تؤولونه، ولا تلقون الشبه الفاسدة، والتأويلات المزيفة إليهم، وذلك بأن يوضحوا معانيه كما هي، ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها، ويذكروا مقاصده التي أنزل لأجلها حتى لا يقع اضطراب ولا لبس في فهمه. فإن لم يفعلوا ذلك .. فإما أن يبينوه على غير وجهه، ولا يكون هذا بيانًا، ولا كشفًا لأغراضِه ومقاصده، وأما أن لا يبينوه أصلًا، ويكون هذا كتمانًا له. وتبيين الكتاب على ضربين: الأول: تبيينه لغير المؤمنين به لدعوتهم إليه. الثاني: تبيينه للمؤمنين به لهدايتهم، وإرشادهم بما أنزل إليهم من ربهم،

стр. 2172

وكل منهما واجب على العلماء لا هوادة (١) فيه، وكفى بهذه الآية حجة عليهم، وهي آكد من قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية. ﴿فَنَبَذُوُه﴾؛ أي: نبذ علماؤهم ذلك الكتابَ، أو الميثاقَ وطرحوه ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: خَلْفَ ظهورهم، فلم يعملوا به، ولم يبالوا به، ولم يهتموا بشأنه، وقد كان من الواجب عليهم أن يجعلوه نصب أعينهم، لا شيئًا ملقى مرميًّا وراء الظهور، لا ينظر إليه، ولا يفكر في أمره، فقد كان منهم الذين لا يستفيدون منه شيئًا، ويحملونه كما يحمل الحمار الأسفار، ومنهم الذين يحرفونه عن مواضعه، ومنهم الذين لا يعلمونه إلا أماني يتمنونها، وقراءة يقرؤونها. وإن هذا والله لينطبق على المسلمين اليوم أتمَ الانطباق، فهم قد اتبعوا سنن من قبلهم، ونهجوا نهجهم حذو القذة بالقذة، فما بالهم عن التذكرة معرضين، وكتاب الله بين أيديهم شاهد عليهم، وهو يتلى بين ظهرانيهم، فإنهم مع حفظهم لكتابهم، وتلاوتهم إياه في كل مكان في الشوارع، والأسواق، ومجتمعات الأفراح والأحزان، تركوا تبيينه للناس والعمل به، ففقدوا هدايته وعميت عليهم عظاته، وزواجره وحكمه وأسراره، واعترفوا بأنهم انحرفوا عنه، وصار القابض على دينه بينهم كالقابض على الجمر، والضمير في قوله: ﴿وَاَشتَرَوْا بِهِ﴾ عائد إلى الكتاب الذي أمروا ببيانه، ونهوا عن كتمانه؛ أي: وأخذوا بكتمانه ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وعوضًا يسيرًا من حطام الدنيا، وأغراضها من المآكل والمشارب، والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم، وسفلتهم يعني أخذوا عوضًا منه فائدة دنيويةً حقيرة، فغبنوا في هذا البيع والشراء، وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرؤسين من حطام الدنيا، ليتمتعوا بلذاتها الفانية، وشهواتها الفاسدة، وكانوا يؤولون الكتابَ، ويحرفونه، لأغراض كثيرة كالخوف من الحكام، أو الرجاء فيهم، فيصرفون نصوصه إلى معان توافق هوى الحاكم ليأمنوا شره، أو لإرضاء

стр. 2173

العامة، أو الأغنياء بموافقة أهوائهم لاستفادة جاههم ومالهم، وهذا كله أيضًا مما ابتلي به علاء المسلمين الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾؛ أي: قبح ذلك الثمن شيئًا يشترونه، والمخصوص بالذم ذلك الثمن فكل من لم يبين الذي علم للناس، وكتم شيئًا منه لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب قلوبهم، أو لجر نفعة، أو لحياء، أو لبخل للعلم، فهو داخل تحت هذا الوعيد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من سئل علمًا يعلمه، فكتمه، ألجم بلجام من نار. أخرجه الترمذي، ولأبي داود "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة. وقال قتادة: طوبى لعالم ناطق، ومستمع واع، هذا علم علمًا فبذله، وهذا سمع خيرًا فقبله ووعاه. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخَذَ على أهل العلم أن يُعلِّموا، وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم، وتلا هذه الآية. وعن الحسن أنه قال: لولا الميثاقُ الذي أخذَه الله تعالى على أهل العلم، ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه. وقرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو بالياء على الغيبة في الفعلين أعني ﴿ليبيننه﴾ ﴿ولا يكتمونه﴾ إسنادًا لأهل الكتاب إذ قبله الذين أوتوا الكتاب وبعده، فنبذوه. وقرأ باقى السبعة بالتاء للخطاب حكايةً لمخاطبتهم. وقرأ عبد الله ﴿ليبنونه﴾ بغير نون التوكيد، وقرأ ابن عباس ﴿ميثاق النبيين لتبيننه للناس﴾ فيعود الضمير في ﴿فنبذوه﴾ على الناس، إذ يستحيل عوده على النبيين، أي: فنبذه الناس المبين لهم الميثاق. ١٨٨ - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾؛ أي: لا تظنن يا محمَّد أو أيها المخاطب اليهودَ الذين يسرون بما فعلوا من تحريف نصوص التوراة، وتفسيرها بتفسيرات باطلة ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا﴾، ويُوصفوا ﴿بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾؛ أي: بقول الناس لهم علماء، وليسوا بأهل علم؛ أي: يحبون أن يصفهم الناس ويمدحوا لهم بما ليس فيهم من الصدق، والعفاف، والفضل، والدين؛ أي: لا تحسبنهم

стр. 2174

ناجينَ من العذاب الدنيوي، وهو العذاب الذي يصيب الأمم التي فسدت أخلاقها، وساءت أعمالها، وألفت الفسادَ، والظلمَ وهو ضربان (١): الأول: عذاب هو أثر طبيعي للحال التي يكون عليها المبطلون بحسب سنة الله في الاجتماع البشري بخذلان أهل الباطل، والإفساد وذهاب استقلالهم، ونصرة أهل الحق عليهم، وتمكينهم من رقابهم، وديارهم وأموالهم ليحل الإصلاح محل الإفساد، والعدل مكان الظلم ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. والضرب الثاني: عذاب يكون سخطًا سماويًّا، كالزلازل، والخسف، والطوفان وغير ذلك من الجوائح المدمرة التي نزلت ببعض أقوام الأنبياء الذين كفروا بربهم، وكذبوهم، وآذوهم عند اشتداد عتوهم، وإيذائهم لرسلهم. روي أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء في التوراة فكتموا الحق، وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوا، واستحمدوا إليه، وفرحوا بما فعلوا، فأطلع الله رسوله على ذلك، وسلاه بما أنزل من وعيدهم. وهذا المعنى على قراءة التاء، فالمفعول الأول عليها الموصول، والثاني قوله الآتي: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. وقرىء بالياء فعلى هذه القراءة يكون الموصول فاعلًا، والمفعول الأول محذوف، وهو فَرحهم، والمفعول الثاني ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. والمعنى: عليها لا يحسبن الفارحون فرحَهم منجيًّا لهم من العذاب وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد للفعل الأول على القراءتين. وقد عهد هذا في الأساليب العربية من إعادة الفعل، إذا طال الفصل بينه وبين معموله. قال الزجاج: العرب إذا أطالت القصة تعيد حسبت، وما أشبهها إعلامًا بأن الذي جرى متصل بالأول، فتقول: لا تظنن زيدًا إذا جاءك، وكلمك بكذا، وكذا، فلا تظننه صادقًا، فيفيد لا تظنن توكيدًا، وتوضيحًا والفاء زائدة كما في قوله: فَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِي

стр. 2175

وقوله: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ مفعول ثان على القراءتين، أي: فلا تظنهم بمنجاة؛ أي: فائزين بالنجاة من العذاب الذي أعده الله لهم في الدنيا من القتل، والأسر، وضرب الجزية، والذلة، والصغار، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع في الآخرة. وناسبَ وصفه بـ ﴿أليم﴾ لأجل فرحهم، ومحبتهم المحمدة على ما لم يفعلوا. وهذه الآية (١) وإن كانت قد نزلت في اليهود، أو المنافقين خاصةً فإن حكمَها عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والصلاح، ويُنسَب إلى العلم، وليس كذلك، فيفرح به فَرح إعجاب، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من سَدَاد السيرة، واستقامة الطريقة، والزهد والإقبال على طاعة الله. وفي الحديث الصحيح: "المتشح بما ليس فيه، كلابس ثوبي زور". وقرأ حمزة، وعاصم (٢)، والكسائي ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ ﴿وتحسبنهم﴾ بالتاء الفوقية، وكلاهما إما بفتح الباء، والتقدير: لا تحسبن يا محمَّد، أو أيها المخاطب، وإما بضم الباء، والخطاب للمؤمنين، والمفعول الأول: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثاني: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾. وقوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد، والفاء مقحمة، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر بالياء التحتية، وكلاهما إما بفتح الباء والفاعل للرسول، وإما بضمها، والفاعل من يتأتى منه الحسبان، أو بفتح الباء في الأول، وضمها في الثاني، وهي قراءة أبي عمرو. والفاعل: هو الموصول، والمفعول الأول محذوف، والتقدير ولا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معًا اختصارًا لدَلاَلة مفعولي الفعل الثاني عليهما، أي: لا يحسبن هؤلاء أنفسهم فائزين، أو على أن الفعل الأول مسند للرسول، أو لكل حاسب، ومفعوله الأول الموصول، والثاني محذوف لدلالة مفعول الفعل الثاني عليه، والفعل الثاني مسندٌ إلى ضمير الموصول، والفاء للعطف لظهور تفرع عدم حسبانهم على عدم حسبانه ﷺ ، ومفعولاه ما بعده. وقرأ النخعي، ومروان بن الحكم، والأعمش ﴿بما آتوا﴾ بالمد، أي: يفرحون بما

стр. 2176

أعطوا. وقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم ﴿أَتَوْا﴾ بالقصر. وقرأ ابن جبير، والسلمي ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ مبنيًّا للمفعول. ١٨٩ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وتدبيرهما، وخزائنهما فكيف يكون من له ملك السموات والأرض فقيرًا، وفيه تكذيب لمن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ﴿واللَّهَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه، ومنه عقاب هؤلاء الكفرة ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر على تعجيل العقوبة لهم على ذلك القول؛ لكنه تفضل على خلقه بإمهالهم، وعلى إظهار دينكم ونصركم عليهم. والمعنى: لا تحزنوا (١) أيها المؤمنون، ولا تضعفوا، وبينوا الحق، ولا تكتموا منه شيئًا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ولا تفرحوا بما عملتم، فإن الله يكفيكم ما أهمكم، ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها، فإن لله ملك السموات والأرض، يعطي من يشاء، وهو على كل شيء قدير، لا يعز عليه نصركم على من يؤذونكم بأيديهم، وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين. وفي هذا إيماء إلى أن الخير في اتباع ما أرشد إليه، وفيه تسلية للنبي ﷺ وللمؤمنين، ووعد له بالنصر، وفيه تعريض بذم أولئك المخالفين، ووصفهم بأنهم لا يؤمنون إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في أخلاقهم وأعمالهم؛ إذ لو كانوا كذلك، ما تركوا العمل بكتابه، وآثروا عليه ما يستفيدونه من حطام الدنيا. الإعراب ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿سَمِعَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوفة مستأنفةٌ. ﴿قَوْلَ الَّذِينَ﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾

стр. 2177

اسمها منصوب ﴿فَقِيرٌ﴾ خبرها مرفوع، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿ـقالوا﴾. ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. ﴿سَنَكْتُبُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما قالوه، ويصح كون ﴿ما﴾ مصدرية، والمصدر المؤول منها مفعول به لـ ﴿نكتب﴾ تقديره: سنكتب قولهم ذلك. ﴿وَقَتْلَهُمُ﴾ بالنصب معطوف على ﴿ما﴾ أو على المصدر المؤول منها على كونه مفعولًا لـ ﴿نكتب﴾. وبالرفع معطوف على ﴿ما﴾ أيضًا على كونه نائب فاعل لـ ﴿كتب﴾ على قراءة الياء ﴿قتل﴾ مضاف. والهاء مضاف إليه، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ مفعول المصدر أعني ﴿قتلهم﴾ منصوب به. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قتلهم﴾ أو حال منه. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ﴿وَنَقُولُ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿نقول﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿نكتب﴾. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ مقول محكي لـ ﴿نقول﴾، وإن شئت قلت ﴿ذُوقُوا﴾: فعل، وفاعل. ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿ـنقول﴾. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل البحر بالباء، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائن بسبب الذي قدمته أيديكم، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿قَدَّمَتْ﴾: فعل ماض، وتاء تأنيث. ﴿أَيْدِيكُمْ﴾: فاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما قدمته أيديكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: الواو

стр. 2178

عاطفة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ناقص، واسمها ضمير يعود على الله. ﴿بِظَلَّامٍ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة في خبر ﴿لَيْسَ﴾. ﴿بِظَلَّامٍ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾: منصوب بفتحة مقدرة. ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ جار ومجرور متعلق ﴿بِظَلَّامٍ﴾ وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر معطوف على ﴿ما﴾ في قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ تقديره: ذلك العذاب كائن بسبب الذي قدمته أيديكم، وبسبب عدم كون الله ظلامًا للعبيد. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأكُلُهُ النَّارُ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ نعت (١) للذين في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾. فالسماع مسلط عليه، والتقدير: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله عهد إلينا إلخ، أو منصوب على الذم بفعل محذوف تقديره: أذم الذين قالوا إن الله عهد إلينا إلخ. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿تَأكُلُهُ النَّارُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾. وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسهما. ﴿عَهِدَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿إِلَيْنَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عهد﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قالوا﴾. ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، ويجوز أن تكتب أن مفصولة وموصولة، ومنهم من يحذفها في الخط اكتفاءً بالتشديد. قاله العكبري. ﴿لا﴾ نافية. ﴿نُؤْمِنَ﴾ منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على الكفار القائلين. ﴿لِرَسُولٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿ـنُؤمِن﴾ والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: بعدم إيماننا لرسول، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿عهد﴾. ﴿حَتَّى يَأتِيَنَا﴾ ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية بمعنى إلى ﴿يأتي﴾ فعل

стр. 2179

مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى. بمعنى: إلى. و ﴿نا﴾ ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿رسول﴾. ﴿بِقُرْبَانٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يأتى﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾، بمعنى إلى تقديره: إلى إتيانه إيانًا. ﴿بِقُرْبَانٍ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نؤمن﴾. ﴿تَأكُلُهُ النَّارُ﴾ فعل ومفعول به، وفاعل، والجملة في محل البحر، صفة لـ ﴿ـقربان﴾ ولكنها صفة سببية. ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ رُسُلٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾ ﴿مِنْ قَبْلِي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿رسل﴾. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾. ﴿وَبِالَّذِي﴾ جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره، قلتموه، والخطاب في قوله ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ وبقوله: ﴿قُلْتُمْ﴾ وبقوله: ﴿قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ وبقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ لمن في عصر نبينا ﷺ ، وإن كان الفعل لأجدادهم، لرضاهم به. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ الفاء زائدة. ﴿لم﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر. ﴿م﴾ اسم استفهام في محل الجر باللام مبني، بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة. الجار والمجرور متعلق بما بعده، أعني ﴿قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، ﴿قَتَلْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ إن حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم ﴿بإن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿صَادِقِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إن﴾ معلوم ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين، فلم قتلتموهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.

стр. 2180

﴿فإن﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلت لهم يا محمَّد ما أمرتك به، وكذبوك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿إن كذبوك﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿كَذَّبُوكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بإن على كونه فعلَ شرط لها، وجواب الشرط محذوف جوازًا دل عليه السياق تقديره: فاصبر، وتسل على تكذيبهم إياك، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كُذِّبَ رُسُلٌ﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿رسل﴾، والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وإنما أمرتك يا محمَّد بالصبر على تكذيبهم لتكذيب رسل من قبلك، وصبرهم على إذاية قومهم. ﴿جَاءُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاؤوا﴾. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ معطوف على البينات. وكذلك ﴿والكتاب﴾ معطوف عليه. ﴿الْمُنِيرِ﴾ صفة للكتاب، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿رُسُلٌ﴾ وصح مجىء الحال منه لتخصصه بالصفة أعني الجار والمجرور، أو في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿رسل﴾. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ خبر ومضاف إليه، وإنما أُنث الخبر لاكتساب المبتدأ التأنيث من المضاف إليه والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ﴾ الواو استئنافية. ﴿إنما﴾ ما أداة حصر بمعنى ﴿ما﴾ النافية وإلّا المثبتة، والمعنى: وما توفون أجوركم إلا يوم القيامة. ﴿تُوَفَّوْنَ﴾ فعل مغير، ونائب فاعل. ﴿أُجُورَكُمْ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، والمفعول الأول جعل نائبًا عن الفاعل، والأصل: وإنما يوفيكم الله. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿توفون﴾. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن توفية الأجور يوم

стр. 2181

القيامة، وأردتم بيان من فاز فيه، ومن لم يفز .. فأقول لكم: من زحزح. ﴿من زحزح﴾ ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما. ﴿زُحْزِحَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم، بـ ﴿من﴾ الشرطية، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿عَنِ النَّارِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿زحزح﴾. ﴿وَأُدْخِلَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿أدخل﴾ فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم معطوف على ﴿زُحْزِحَ﴾ على كونه فعل شرط لمن، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿الْجَنَّةَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿أدخل﴾ أو منصوب على التوسع بإسقاط الخافض. ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿فَازَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة من الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿الْحَيَاةُ﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة له. ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ إلا أداة استثناء مفرغ. ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ خبر، ومضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿تبلون﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وإنما أعرب مع اتصال نون التوكيد به لِعَدَمِ مباشَرَتِها له لفصلها عنه بضمير الفاعل، والواو ضمير لجماعة المذكور المخاطبين في محل الرفع نائب فاعل. و ﴿نون التوكيد﴾ الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب، وسيأتي الإعلال الجاري فيه في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى. والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القمسم المحذوف مستأنفة ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تبلون﴾. ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ معطوف على ﴿أَمْوَالِكُمْ﴾. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.

стр. 2182

﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿تسمعن﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين مع نون التوكيد في محل الرفع فاعل ونون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، والقسم المحذوف معطوف على جملة القسم المحذوف في قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تسمعن﴾ ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. ﴿أُوتُوا﴾ فعل، ونائب فاعل. ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أوتوا﴾ لأنه بمعنى أعطوا. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أوتوا﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلَ لها من الإعراب. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. ﴿أَشْرَكُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿أَذًى﴾ مفعول ﴿تسمعن﴾ منصوب بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لـ ﴿أذى﴾. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ الواو استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تَصْبِرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تَصْبِرُوا﴾. ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية. ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿ذَلِكَ﴾ في محل النصب اسمها. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل: فإن ذلك من الأمور المعزومة؛ أي: المفروضة. الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إن﴾، وجملة إن في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾.

стр. 2183

﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾ الواو استئنافية. ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمَّد قصة إذا أخذ الله. ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، والتقدير: واذكر يا محمَّد لأمتك قصة وقت أخذ الله ميثاق الذين ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. ﴿أُوتُوا﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أوتوا﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ﴿اللام﴾ واقعة في جواب قسم دل عليه أخذ الميثاق؛ لأن الميثاق العهد المؤكد باليمين، تقديره: وعزتي وجلالي لتبيننه للناس. ﴿تبينن﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل؛ لأن أصله لتبينوننه كما سيأتي لك في بحث التصريف إن شاء الله تعالى. و ﴿الهاء﴾ ضمير الغائب في محل النصب مفعول به. ﴿لِلنَّاسِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تبينن﴾، والجملة الفعلية جواب للقسم المقدر لا محلَ لها من الإعراب، وجملة القسم المقدر جملة معترضة لا محلَ لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَكْتُمُونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ على كونها جوابَ القسم المقدر. ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿نبذوه﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ﴾ على كونها مضافًا إليه. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ﴿وَرَاءَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿نبذوه﴾، وهو مضاف. ﴿ظهور﴾ مضاف إليه ﴿ظهور﴾ مضاف. و ﴿الهاء﴾ ضمير الغائبين في محل الجر مضاف إليه. ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ﴾ الواو عاطفة. ﴿وَاشْتَرَوْا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾ متعلق به. ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول به لـ ﴿اشتروا﴾. ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لـ ﴿ثمنا﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿نبذوه﴾. ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية. ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه، وجوبًا لشبهه بالمثل تقديره: هو يعود على الثمن القليل. ﴿ما﴾ نكرة موصوفة في محل النصب تمييز لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿يَشْتَرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صفة لما، والرابط محذوف، تقديره: فبئس هو أي ذلك

стр. 2184

الثمن شيئًا يشترونه. وجملة ﴿بئس﴾ في محل الرفع خبر للمخصوص بالذم المحذوف وجوبًا، تقديره: فبئس شيئًا يشترونه، هو، أي: ذلك الثمن، والجملة الإسمية مستأنفة، ويحتمل كون ﴿مَا﴾ مصدرية، وجملة ﴿يَشْتَرُونَ﴾ صلتها، و ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لبئس تقديره: فبئس شراؤهم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: شراؤهم هذا. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ فعل مضارع. في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ونون التوكيد: حرف لا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت: يعود على محمَّد ﷺ ، أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿حسب﴾ والثاني: محذوف دل عليه قوله الآتي ﴿بِمَفَازَةٍ﴾؛ تقديره: لا تحسبن الذين يفرحون فائزين ناجينَ من العذاب ﴿يَفْرَحُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَفْرَحُونَ﴾. ﴿أَتَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما أتوه، وفعلوه. ﴿وَيُحِبُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَفْرَحُونَ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿أَنْ يُحْمَدُوا﴾ ﴿أن﴾ حرف مصدر. ﴿يُحْمَدُوا﴾ فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة صلة ﴿أن﴾ المصدرية و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ويحبون حمد الناس إياهم. ﴿بما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُحْمَدُوا﴾. ﴿لَمْ يَفْعَلُوا﴾ فعل وفاعل وجازم، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صلة لها، والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: بما لم يفعلوه. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ زائدة. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ فعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ . ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان لـ ﴿حسب﴾ تقديره: فلا تحسبنهم كائنين بمنجى من العذاب، والجملة الفعلية

стр. 2185

مؤكدة لجملة حسب الأولى. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مفازة﴾. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لهم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿تحسبن﴾ الأولى، وهنا أوجه كثيرة من الإعراب، تتعدد بتعدد القراءات، أعرضنا عنها صفحًا؛ لئلا يطول الكلام، وفيما ذكرنا كفاية لمن له عناية. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السموات والجملة الإسمية مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ وهو خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ على كونها مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ يقال: ذاق الطعام، إذا أدرك طعمه من حلاوة، أو حموضة، أو مرارة. وأصل الذوق: وجود الطعم في الفم، ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات. ﴿الْحَرِيقِ﴾ المحرق، فهو فعيل بمعنى: مفعل، كأليم بمعنى مؤلم، وإضافة العذاب إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع. ﴿بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ أي: بذي ظلم، فـ ﴿ظلام﴾ من صيغ النسب على حد قول ابن مالك: ومع فاعل وفعال وفعل ... في نسب أغنى عن اليا فقبل ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ يقال: عهد إليه بكذا، إذا أمره به، وأوصاه إليه. ﴿بِقُرْبَانٍ﴾ و ﴿القربان﴾: مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو ما يتقرب به إلى الله من حيوان، ونقد، وغيرهما. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور (١) كرسول ورسل، وهو

стр. 2186

الكتاب مأخوذ من الزبر، وهو الكتابة يقال: زبرت بكذا إذا كتبته، فالزبور فعول بمعنى مفعول؛ أي: مزبور بمعنى مكتوب، كالركوب بمعنى المركوب، وقال امرؤ القيس: لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي ... كَخَطِّ زَبُوْرٍ في عَسِيْبٍ يَمَانِ ويقال: زبرته إذا قرأته، وزبرته إذا حسنته، وتزبرته إذا زجرته، وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة. وقيل: أصله (١) من الزبر بمعنى الزجر، وسمي الكتاب الذي فيه الحكمة زبورًا؛ لأنه يزبر أي يزجر عن الباطل ويدعو إلى الحق. وفي المختار الزبرُ الزجرُ والانتهار، وبابه نَصَر والزبرُ أيضًا الكتابة، وبابه ضرب انتهى. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾؛ أي: الواضح المعنى من أنار الشيء إذا وضح. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ تطلق النفس على الروح، وعلى مجموع الجسد، والروح الذي هو الحيوان، وهذا المعنى الثاني هو الأقرب المتبادر هنا. وفي المختار: النفس الروح، يقال: خرجت نفسه، والنفس الجسد، ويقولون: ثلاثة أنفس فيذكرونه لأنهم يريدون به الإنسان انتهى. وفي المصباح أن النفس تطلق على جملة الحيوان والنفس إن أريد بها الروح تؤنث وإن أريد بها الشخص تذكر انتهى. والموت أمر وجودي يضاد الحياة. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ الزحزحة الإبعاد والتنحية وهو من ملحق الرباعي على وزن فعلل أصله من الزح وهو الجذب بعجلة ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ يقال: فاز فوزًا من باب قال إذا ظفر، والفوز: النجاة مما يحذر والظفر بما يؤمل. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةُ﴾ العيش، وهي المعيشة. والمعيشة: كسب الإنسان، وتحصيله ما يعيش به من مطعم ومشرب وملبس وغيرها. ﴿الدُّنْيَا﴾: بمعنى القربى، وهي صفة مؤنث مذكره أدنى؛ لأنه من دنا يدنو دنوًا فهو أدنى، وهي دنيا بوزن فعلى. ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ والمتاع: كل ما استمتع به الإنسان من مال وغيره، وفي "السمين" يجوز أن يكون الغرور فعولًا بمعنى مفعول؛ أي: متاع

стр. 2187

المغرور؛ أي: المخدوع. وأصل الغرور الخِداع انتهى. والغرور في الأصل: إما مصدر غره يغره غرورًا إذا خدعه، وإما جمع غار. ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ أصله لتبلوونن بواوين أولاهما لام الكلمة؛ لأنه من بلا يبلو من باب غزا، وثانيهما: واو الضمير فحذفت النون الأولى التي هي علامة الرفع، لتوالي الأمثال مع نون التوكيد، وتحركت الواو الأولى التي هي لام الكلمة، وانفتح ما قبلَها، فقلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، الألف وواو الضمير، فحذفت الألف لئلا يلتقيَ ساكنان، وضمت الواو دلالةً على المحذوف، وإن شئت قلت استثقلت الضمة على الواو الأولى، فحذفت فالتقى ساكنان، وهما: الواوان فحذفت الواو الأولى، وحركت الواو الثانية التي هي واو الضمير بحرة مجانسة دلالةً على المحذوف، فعلم من مجموع هذين التصريفين: أن الواوَ المحذوفةَ هي لام الكلمة، وأن هذه الواوَ الموجودةَ هي ضمير الجمع، وهي نائب الفاعل. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ أصله لتسمعونن حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين مع نون التوكيد ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ والصبر تلقي المكروه بالاحتمال، وكظم النفس عليه مع دفعه بروية، ومقاومة ما يحدث من الجزع، والتقوى الابتعاد عن المعاصي ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ مأخوذ من قولهم: عزمت عليك أن تفعل كذا؛ أي: ألزمتك إياه على وجه لا يجوز الترخص فيه، وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: المعزوم عليه بمعنى أنه يجب العزم عليه، والتصميم للقلب عليه، وأصله ثبات في الرأي على الشيء إلى إمضائه ﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الميثاق العهد المؤكد باليمين، وأصله: موثاق قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة؛ لأنه من وثق يثق وثوقًا وميثاقًا ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ المفازة المفعلة من فَازَ بمعنى مكان الفوز؛ أي: النجاة من المكروه، وأصلها مفوزة تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الآن، فقلبت ألفًا فصار مفازةً. ﴿لله ملك﴾ الملك بضم الميم ما يملكه الإنسان، ويتصرف به، والعظمة، والسلطَة يجمع على أملاك، وملوك.

стр. 2188

البلاغة ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ أكدت اليهود الجملة التي نسبوها إلى الله بـ ﴿إن﴾ واسمية الجملة، مبالغةً في نسبة الفقر إلى الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولم يؤكدوا في الجملة التي نسبوها إلى أنفسهم، كأنهم خرجوا تلك الجملة مخرج ما لا يحتاج إلى تأكيد، كان الغنى وصف لازم لهم، لا يمكن فيه نزاع فيحتاج إلى تأكيد، وهذا دليل على تعنتهم وتعمقهم في الكفر والطغيان. ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ فيه مجاز عقلي من الإسناد إلى الآمر، لأنه تعالى لا يكتب ذلك بنفسه، بل يأمر الملائكة بالكتابة. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فيه مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل لعلاقة الجزئية. ﴿تَأكُلُهُ النَّارُ﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأنه شبه الإحراق بالأكل، لأن الأكل إنما يكون في الإنسان والحيوان. ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فيه استعارة تبعية؛ لأن حقيقة الذوق ما يكون بحاسة اللسان. ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ قال الزمخشري: شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام، ويغر به حتى يشتريه، والشيطان هو المدلس الغرور فهو من باب الاستعارة. ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأنه شبَّه عدمَ التمسك، والعمل به، بإلقاء شيء مرمي خَلْفَ ظهر الإنسان. وفي "الفتوحات" نَبَذَ الشيء وراء الظهر مثل في الاستهانة به، والإعراض عنه بالكلية، وشبه أيضًا أخذ عوض حقير من حطام الدنيا على كتم آيات الله باشتراء ثمنٍ قليلٍ على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. وقال أبو حيان (١): لقد تضمنت هذه الآياتُ من ضروب الفصاحة والبلاغة

стр. 2189

والمحسنات البديعية: منها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿قَالُوا﴾، و ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ و ﴿كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿فَقِيرٌ﴾ و ﴿أَغْنِيَاءُ﴾، و ﴿الْمَوْتِ﴾ و ﴿الْحَيَاةُ﴾ و ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ و ﴿نَقُوْل﴾ و ﴿أجوركم﴾، إذ تقدمه كل نفس. ومنها: التكرار في لفظ الجلالة، وفي البينات. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ على قول من لم يجعل الكتابة حقيقةً، ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ و ﴿تَأكُلُهُ النَّارُ﴾، ﴿وذوقوا﴾ ﴿وذائقة﴾. ومنها: المذهب الكلامي في قوله: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿أيديكم﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿ذلك﴾ والشرط المتجوز فيه. ومنها: الزيادة للتوكيد في قوله: ﴿بالزبر﴾ و ﴿بالكتاب﴾ في قراءة من قرأ كذلك. ومنها: الحذف في مواضع انتهى. والله أعلم * * *

стр. 2190

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها واضحة؛ لأنه تعالى لما ذكر أنه مالك السموات والأرض، وذكر قدرتَه، ذكرَ أن في خلقهما دلالات واضحةً لذوي العقول. قال الرازي: واعلم أنه لما كان المقصود من هذا الكتاب الكريم جَذبَ القلوب، والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الإله الحق، وطال الكلامُ في تقرير الكلام، والجواب عن شبهات المبطلين، عاد إلى إثَارةٍ

стр. 2191

القلوب بذكر ما يدلُّ على التوحيد، والألوهية والكبرياء والجلال، فذكر هذه الآية. وأيضًا في ختم هذه السورة بهذه الآية مناسبة لمبدئها؛ لأنه لمَّا بَدأَ هذه السورةَ الكريمة بذكر أدلة التوحيد، والألوهية، والنبوة .. خَتَمَها بذكر دلائل الوحدانية، والقدرة ودلائل الخلق، والإيجاد؛ ليستدل منها الإنسان على البعث والنشور، فكان ختامها مسكًا، كابتدائها، فيتأمل الإنسان في كتاب الله المنظور - الكون الفسيح - بعد أن تأمل في كتاب الله المسطور القرآن العظيم. قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾. مناسبتها لما قبلها: أنه لما وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم، وكانوا في الدنيا في غاية الفقر، والشدة، والكفار كانوا في رخاء ولَيْنِ عيش ذَكر في هذه الآية ما يسليهم، ويصبرهم على تلك الشدة، فبين لهم حقارةَ ما أُوتيَ هؤلاء من حظوظ الدنيا، وذَكَر أنها متاعٌ قليل زائل، فلا ينبغي للعاقل أن يوازن بينه وبين النعيم الخالد المقيم، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أحوالَ الكفار وأحوالَ أهل الكتاب، وأن مصيرهم إلى النار، ذَكَرَ حَالَ من آمن من أهل الكتابِ، وأنَّ مصيرَهم إلى الجنة فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الطبراني، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهودَ فقالوا بمَ جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه، ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه، والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبيَّ ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربَّه فنزلت الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ والمعنى: تفكروا واعتبروا أيها الناس: فيما خلقته وأنشأته من

стр. 2192

السموات، والأرض لمعاشكم، وأرزاقكم. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ...﴾ الآية (١)، سبب نزولها: ما أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والترمذي والحاكم، وابن أبي حاتم، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله: لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ...﴾ إلى آخر الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روى النسائي عن أنسٍ قال: لما جاء نعي النجاشي قال رسول الله ﷺ "صلوا عليه، فقالوا: يا رسول الله نصلي على عبد حبشي، فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ...﴾ الآية. وروى ابن جرير نَحوه عن جابر. وفي المستدرك عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت في النجاشي هذه الآية ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وقيل (٢): نزلت في أربعين رجلًا من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على دين عيسى ﵇ فآمنوا بالنبي ﷺ وصدقوه. وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام، وأصحابه الذين آمنوا بالنبيِّ ﷺ . وقيل: نزلت في جميع مؤمني أهل الكتاب، وهذا القول أولى وأشمل. قوله تعالى (٣): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ...﴾ أخرج ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أما إنه لم يكن في زمن النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجدَ، يصلون الصلوات في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها. وقد ثبت في "الصحيح" وغيره من قول النبي ﷺ " ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا

стр. 2193

إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباطُ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". التفسير وأوجه القراءة ١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: إن فيما خلقَ في السموات من الملائكة، والشمس والقمر، والنجوم، والسحاب ﴿و﴾ فيما خلق في ﴿الأرض﴾ من الجبال، والبحور، والشجر، والدواب، هذا إن جعلنا ﴿خَلْقِ﴾ مصدرًا بمعنى اسم المفعول، والمعنى: إن في مخلوقات السموات، والأرض، ويصح إبقاؤه على مصدريته، والمعنى حينئذ: إن في إيجاد السموات والأرض، وإنشائهما على ما هما عليه في ذواتهما، وصفاتهما من إبداع لأحكام، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ وبالجملة: فَفِيْ كُلِّ شَيءٍ لَه آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ ﴿و﴾ في ﴿اختلاف الليل والنهار﴾ وتعاقبهما في وجه الأرض بكون كل منهما خلفة عن الآخر، بمجيء الليل عقبَ النهار، والنهار عقبَ الليل، فليس أحد يقدر على الإتيان بالليل في النهار، ولا العكس أو في اختلافهما بزيادة أحدهما بقدر ما نَقَصَ من الآخر بحسب اختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربًا، وبعدًا ﴿لَآيَاتٍ﴾ واضحةً وبراهينَ قطعيةً ودلالات دالة على وجوده تعالى، وباهر قدرته، ووحدانيته، وعظيم علمه، وسلطانه. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكاملة الخالصة عن شوائب النقص الذين (١) خلص عقلهم عن الهوى خلوص اللب عن القشر، فيرون أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر؛ لأنَّ جوهرًا ما لا ينفك عن عرض حادثٍ؛ وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، ثم حدوثها يدل على محدثها، وذا قديم، وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى، وحسن

стр. 2194

صنعه يدل على علمه، وإتقانه يدل على حكمته، وبقاؤه يدل على قدرته، وروي أنه ﷺ قال: "ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها". ١٩١ - قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ نعت ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ويجوز قطعه إلى الرفع، أو إلى النصب، بتقدير أمدح مثلًا؛ أي: أولو الألباب هم الذين يكررون ذكر الله من التهليل، والتسبيح، والتحميد، مثلًا بألسنتهم، ويستحضرون عظمة الله في قلوبهم، ويتذاكرون حكمته وفضله وجليلَ نعمه في جميع أحوالهم في حال كونهم ﴿قِيَامًا﴾؛ أي: قائمين ﴿و﴾ في حال كونهم ﴿قعودًا﴾؛ أي: قاعدين، ﴿و﴾ في حال كونهم مضطجعين ﴿على جنوبهم﴾ جمع جنب ومستلقين على ظهورهم. والخلاصة: أنهم هم الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره، واستغراق سرائرهم بمراقبته. وفي الحديث "من أحب أن يرتعَ في رياض الجنة، فليكثر ذكرَ الله". وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه". وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترةً، وما مشى أحد ممشىً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه من الله ترة". أخرجه أبو داود. والترة: النقص، وقيل: هي هنا: التبعة. وقال (١) علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس ﵃، وقتادة: هذا في الصلاة؛ يعني هم الذين يصلون قيامًا، فإن عجزوا فقعودًا، فإن عجزوا .. فعلى جنوبهم، والمعنى: أنهم لا يتركون الصلاةَ في حال من الأحوال، بل يصلون في كل حال، ويدومون عليها. وأخرج البخاري عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي

стр. 2195

بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". وأخرجه الترمذي، وقال فيه: سألته عن صلاة المريض، وذكر نحوه. وذكر الله وحده لا يكفي في الاهتداء، بل لا بد معه من التفكر في بديع صنعه، وأسرار خليقته، ومن ثمَ قال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على قوله: ﴿يَذْكُرُونَ﴾. وأصل الفكر: إعمالُ الخاطر في الشيء، وتردد القلب في ذلك الشيء، وهو قوة متطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكُّر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، ولا يمكن التفكر إلا فيما له صورة في القلب، ولهذا قيل: تفكروا في ألاء الله، ولا تفكروا في ذات الله تعالى، إذ الله منزه أن يوصف بصورة؛ أي: ويتفكرون إستدلالًا، واعتبارًا في بديع صنعهما، وإتقانهما، مع عِظَمِ أجرامهما، وما أبدع الله فيهما من عجائب مصنوعاته، وغرائب مبتدعاته، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع ، ويعلموا أن لهما خالقًا، قادرًا، مدبرًا، حكيمًا؛ لأن عظم آثاره، وأفعاله، تدل على عظم خالقه . وَفِيْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ وإنما ذَكَر (١) التفكرَ في خلق الله؛ لورود النهي عن التفكر في الخالق؛ لعدم الوصول إلى حقيقة ذاته، وصفاته، فقد أخرج الأصبهاني، عن عبد الله بن سلام، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يتفكرون، فقال: "تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق". وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "تفكروا في آلاءِ الله، ولا تفكروا في الله تعالى". وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ هو على تقدير القول؛ أي: يقولُ الذاكرون المتفكرون: ربنا ما خلقت هذا الذي نشاهده من العوالم العلوية، والأرضية باطلًا، ولا أبدعته عبثًا سبحانك رَبَّنا، تنزهت عن

стр. 2196

الباطل والعبث، بل كل خلقك حق مشتمل على حكَم جليلةٍ، ومصالحَ عظيمة، والإنسان بعض خلقك، لم يخلق عبثًا، فإن لحقه الفناءُ، وتفرقت منه الأجزاء بعد مفارقة الأرواح للأبدان. فإنما يهلك منه كونه الفاسدَ؛ أي: الجسم، ثم يعود بقدرتك في نشأة أخرى، كما بدأته في النشأة الأولى، فريق أطاعَكَ، واهتدى، وفريقٌ حقت عليه الضلالة، فالأول يدخل الجنة؛ بصالح أعماله، والآخر يكب في النار، بما اجترح من السيئات، وما عمل من الموبقات جزاءً وفاقًا. وقيل معناه (١): ويتفكرون في خلق السموات والأرض قائلينَ ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿مَا خَلَقْتَ﴾، وأوجدت ﴿هَذَا﴾ الخلق، وأخرجته إلى الوجود من العدم ﴿بَاطِلًا﴾ وعبثًا ضائعًا بلا حكمة بل خلقتَهُ دليلًا على وحدانيتك، وكمال قدرتك ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: تنزيهًا لك عن أن تخلق شيئًا عبثًا لغير حكمة، وهو اعتراض، وقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء (٢) دخلت فيه لمعنى الجزاء، تقديره: إذا نزهناك. فقنا عذاب النار؛ لأنه جزاء من عصى، ولم يُطع، والمعنى: فوفقنا بعنايتك لصالح العمل بما فهمنا من الدلائل، حتى يكون ذلك وقايةً لنا من عذاب النار. والمقصود من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ تعليم عباده كيفيةَ الدعاء، فمن أراد أن يدعو .. فليقدم الثناء على الله أولًا، ويدل عليه قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، وبعد ذلك الثناء يأتي بالدعاء، ويدل عليه قوله: ﴿فَقِنَا﴾ ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾. واعلم (٣): أنه تعالى لما حَكَى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله ... وأبدانَهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله؛ ذكَر أنهم مع هذه الطاعة يطلبون من الله أن يقيهَم عذاب النار؛ لأنه يجوز على الله تعذيبهم؛ لأنه لا يقبحُ من الله شيء أصلًا. واعلم (٤): أن دلائلَ التوحيد في خلق هذا العالم محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائلُ الأنفس، ولا شك أن دَلائل الآفاق أعظمُ وأعجب، فلو أن الإنسان نظَر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة. رأى في تلك الورقة عرقًا

стр. 2197

واحدًا ممتدًا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق، عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخرى حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصرُ، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكمًا بالغة، وأسرارًا عجيبة، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة .. لعجز، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقه تلك الورقةَ الصغيرة، فإذا قاس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمسِ، والقمر، والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار، والجبال، والمعادن، والنبات والحيوان .. عَرفَ أن تلك الورقةَ بالنسبة إلى هذه الأشياءِ كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير .. عرف أنه لا سبيل له إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض، وإذا عرف بهذا البرهان قصور عقله .. لم يبقَ معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل من أن يحيط به، وصف الواصفين، ومعارف العارفين، بل يسلم أن في كل ما خلقه الله تعالى حكمًا بالغةً، وأسرارًا عظيمةً، ولا سبيل له إلى معرفتها، فعند هذا يقول ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ الخلق العجيب ﴿بَاطِلًا﴾؛ أي: بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة، وهي أن تجعلها مساكنَ للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك، وتحرزوا عن معصيتك، ومدارًا لمعايش العباد، ومنارًا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد ﴿سُبْحَانَكَ﴾ وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة، بآثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض؛ أي: إن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة. لم يعرفوا منها إلا هذا القدر، وهو أن خالِقَها ما خلقَها باطلًا، بل خلقها لحكم عجيبةٍ، وأسرار عظيمةٍ، وإن كانت العقول قاصرةً عن معرفتها ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ للإخلال (١) بالنظر فيه، والقيام بما يقتضيه، وفائدة هذه الفاء: هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقتَ السموات والأرض، حملهم على الاستعاذة. ثم إنهم بعد أن يدعو ربهم أن يقيهم دخولَ النار يتوجهون إليه قائلين:

стр. 2198

١٩٢ - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وأهنته بيانًا للسبب الذي حملهم على دعائه، بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار .. فقد أخزاه؛ أي: أذله، وأهانه غايةَ الإذلال، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يمنعونهم من عذاب الله تعالى. والظالم: هو الذي يتنكب الطريقَ المستقيم، وقد وصف الله من يدخل النار بالظلم؛ للدلالة على أن سبب دخوله إياها: هو جوره، وظلمه، وللتشنيع عليه بهذا العمل القبيح؛ أي: إن هؤلاء المتفكرين الذاكرين، ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار، والحكم، فيعلمون أنه لا يمكن أحدًا أن ينتصر عليه، وأن من عاداه. فلا ملجأ له إلا إليه، ويقولون: ١٩٣ - ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا مالك أمرنا ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾، وأصغينا ﴿مُنَادِيًا﴾؛ أي: نداء مناد ﴿يُنَادِي﴾، ويدعو ﴿لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: إلى الإيمان والتوحيد ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾؛ أي: ينادي بأن آمنوا وصدقوا، ووحدوا بمتولي أموركم، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه ﴿فَآمَنَّا﴾؛ أي: سمعنا نداءه فأجبناه، وصدقناه، واتبعناه فيما دعانا إليه من التوحيد والطاعة. قال ابن عباس (١) وأكثر المفسرين: المنادي هو محمَّد ﷺ ويدل على صحة هذا القول. قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ قال محمَّد بن كعب القرظي: المنادي هو القرآن، قال: إذ ليس كل أحد لقي النبي ﷺ . ووجه هذا القول أنَّ كل أحد يسمع القرآن، ويفهمه فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به. فقد فاز به، وذلك لأن القرآن مشتمل على الرشد، والهدى، وأنواع الدلائل الدالة على الوحدانية فصار كالداعي إليها. وفي توطئة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم، وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة، والابتهال إلى من عودهم الإحسانَ والأفضالَ. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ﴾؛ أي: فاستر لنا ﴿ذُنُوبَنَا﴾ الكبائرَ، أو الماضية، ولا تفضحنا

стр. 2199

بها ﴿وَكَفِّرْ﴾؛ أي: وغط وامح بفضلك ورحمتك ﴿عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ الصغائر، أو المستقبلة. وقيل: المراد (١) بالأول ما يزول بالتوبة، وبالثاني ما تكفره الطاعة العظيمة، وقيل: المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصيةً، وبالثاني ما أتى به الإنسان مع جهله بذلك. والظاهر (٢): عدمُ اختصاص أحد اللفظين بأحد الأمرين، والآخر بالآخر، بل يكون المعنى في الذنوب والسيئات واحدًا، والتكرير للمبالغة، والتأكيد كما أن معنى الغفر، والتكفير واحد. والغفران: الستر، والتغطية، يقال: رجل مكفر بالسلاح؛ أي: مغطى به، قال لبيد: في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُوْمَ ظَلاَمُهَا وكذلك التكفير معناه الستر، فهما بمعنى واحد، وإنما ذكرَهما للتأكيد؛ لأن الإلحاحَ في الدعاء، والمبالغةَ فيه مندوب إليه، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: أمتنا مصاحبين وملتبسينَ بأعمال الأبرار والأخيار المتمسكين بالسنة والطريقة المستقيمة من الأنبياء، والمرسلين، والصديقين، والصالحين، حتى نكون في درجاتهم يوم القيامة، أو المعنى: وتوفنا على الإيمان، واجمعنا مع أرواح النبيينَ والصالحين. والحاصل: أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثةَ أشياء: غفرانَ الذنوب المتقدمة، وتكفيرَ السيئات المستقبلة، وأن تكون وفاتهم مع الأبرار؛ بأن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، كما يقال: فلان في العطاء مع أصحاب الألوف؛ أي: هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفًا، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ وفي هذا رمز إلى أنهم كانوا يحبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله. أحب الله لقاءَه. ١٩٤ - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾؛ أي: أعطنا ﴿مَا وَعَدْتَنَا﴾ من حسن الجزاء كالنصر في الدنيا، والنعيم في الآخرة جزاءً ﴿عَلَى﴾ تصديق ﴿رُسُلِكَ﴾ واتباعهم، فالجار والمجرور، إمَّا متعلق بوعدتنا؛ أي: وعدتنا على تصديق رسلك، أو متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف مؤكد للعامل، تقديره: وعدتنا وعدًا كائنًا على ألسنة رسلك.

стр. 2200

وخلاصة ذلك (١): أنهم قالوا: أعطنا ذلك بتوفيقنا للثبات على ما نستحق به ذلك، إلى أن تتوفانا مع الأبرار. وفي هذا استشعار بتقصيرهم، وعدم الثقة بثباتهم، إلا بتوفيق الله، ومزيد عنايته. وقرأ الأعمش على ﴿رسْلك﴾ بإسكان السين. ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾؛ أي: لا تهنا، ولا تفضحنا، ولا تهتك سترنا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بإدخالنا النارَ التي يخزى من دخلها، ﴿إِنَّكَ﴾ يا إلهي ﴿لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: لا تخلف ما وعدتَ به على الإيمان، وصالح العمل، فقد وعدتَ المؤمنين بسيادة الدنيا في قولك: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقلت: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ووعدت بسعادة الآخرة، فقلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فإن قلتَ (٢): كيف سألوا الله إنجازَ ما وَعَد، والله لا يخلف الميعاد؟ قلتُ: معناه أنهم طلبوا من الله تعالى التوفيقَ فيما يحفظ عليهم أسبابَ إنجاز الميعاد، وقيل: هو من باب اللجاء إلى الله تعالى، والتذلل له، وإظهار الخضوع والعبودية؛ كما أن الأنبياء عليهم الصلاة واللام يستغفرون الله مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذللَ لربهم ، والتضرعَ إليه، واللجاء إليه، الذي هو سيما العبودية. وقيل: معناه ربنا، واجعلنا ممن يستحق ثوابكَ، وتؤتيهم ما وعدتَهم على ألسنة رسلك؛ لأنهم لم يتيقنوا استحقاقَهم لتلك الكرامة؛ فسألوه أن يجعلَهم مستحقين لها. وقيل: إنما سألوه تعجيلَ ما وعدهم من النصر على الأعداء، قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صَبْرَ لنا على حلمِك فعجل هلاكهم، وأنصرنا عليهم. قال العلماء (٣): ويستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر آيات، اقتداء بالنبي ﷺ ثبت ذلك في "الصحيحين"، وغيرهما ثم يصلي ما كتب له، فيجمع بين التفكر والعمل. وفي الآثار عن جعفر الصادق: من حزبه أمرٌ فقال: ربنا خمس مرات أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما

стр. 2201

أراد، ١٩٥ - بهذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾؛ أي: أجاب لهم ربهم دَعاءهم بـ ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾، ولا أبطل، ولا أحبط ﴿عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، سواء كان ذلك العامل ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بل أثيبكم على ما فعلتم من الخيرات؛ فلا تفاوت في الإجابة، وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا في التمسك بالسنة والعمل بالطاعة على السواء ﴿بَعْضُكُمْ﴾ أيها المؤمنون والمؤمنات ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: كبعض في الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية؛ لأن تكليفي عام لكل من النوعين. وقيلَ: بعضُكم من بعض في الدين، والنصرة، والموالاة. وقيل: الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، فكلكم من آدَمَ وحواء. وهذه الجملة معترضة، بيَّن الله بها شركةَ النساءَ الرجالَ فيما وعده الله عبادَه العاملين. وقرأ الجمهور (١) ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة، وإسقاط الباءِ، أي: بأني، وهو مطرد إذا أمن اللبس كما قال ابن مالك: نَقْلًا وَفِيْ أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ ... مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوْا وقرأ أبي ﴿بأنى﴾ بإثبات الباء، وهي للسببية؛ أي: فاستجاب لهم ربهم؛ بسبب أنه لا يضيع عملَ عامل منهم، والمراد بالإضاعة تركُ الإثابة، وقرأ عيسى بن عمر ﴿إنِّي﴾ بكسر الهمزة، فيكون على إضمار القول على قول البصريين، أو على الحكاية بقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ﴾ لأن فيه معنى القول على طريقة الكوفيين. وقرأ الجمهور ﴿أُضِيعُ﴾ من أضاع الرباعي، وقرأ بعضهم ﴿أُضِيعُ﴾ بالتشديد من ضيع المضعف، والهمزة، والتشديد فيه: للنقل. ويستنبط من هذه الآية أمور كثيرة: منها: أن الاستجابة يصح أن تكون بغير ما طلبَ، فقد سألوه غفرانَ الذنوب وتكفيرَ السيئات، والوفاةَ مع الأبرار، فأجابهم بأن كل عامل سيوفَى جزاءَ

стр. 2202

عمله، وفي ذلك تنبيه على أن العبرةَ في النجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما تكون لإحسان العمل، والإخلاص فيه. ومنها: أن الذكر والأنثى متساويان عند الله في الجزاء متى تساويَا في العمل، حتى لا يغتر الرجل بقوته، ورياسته على المرأة، فيظن أنه أقربُ إلى الله منها. ومنها: أن الله قد بين علة هذه المساواة بقوله: بعضكم من بعض، فالرجل مولود من المرأة، والمرأة مولودة من الرجل، فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل إلا بالأعمال. ومنها: أنها رفعَتْ قَدْر النساء المسلمات في أنفسهن، وعند الرجال المسلمين. ومنها: أن هذا التشريع قد أصلح معاملةَ الرجل للمرأة، واعترَفَ لها بالكرامة، وأنكرَ تلك المعاملةَ القاسيةَ التي كانت تعاملها بها بعض الأمم، فقد كان بعضها يعدها كالبهيمة المسخرة لمصلحة الرجل، وبعضُها يعدها غير أهل للتكاليف الدينية؛ إذ زعموا أنه ليس لها روح خالد، فما زعمه الإفرنج من أنهم السباقون إلى الاعتراف بكرامة المرأة، ومساواتها للرجل؛ ليس مبنيًّا على أساس صحيح، فالإِسلام هو الذي سبق كل الشرائع في هذا، ولا تزال شرائعهم الدينيةُ، والمدنية يتميز الرجل من المرأة، نعم إن المسلمين قصروا في تعليم النساء، وتربيتهن، لكن هذا لا يصلح حجةً على الدين نفسه. ومنها: أن ما يفضل به الرجالُ النساء من العلم والعقل، وما يقومون به من الأعمال الدنيوية التي جرى عرف المجتمع على إسنادها إلى الرجال، وجعل حظ الرجل في الإرث مثلَ حظ الانثيين؛ لأنه يتحمل نفقة امرأته؛ فلا دخل لشيء منه في التفاضل عند الله بثواب ولا عقاب. ثم فصل الله العملَ الذي أجمله في قوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ﴾ بقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ وارتحلوا معه ﷺ أو بعده من مكة إلى

стр. 2203

المدينة، وفارقوا أوطانَهم التي ولدوا فيها طلبًا لرضا الله ورسوله ﷺ ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: ألجأهم الكفار إلى الخروج من منازلهم التي تربوا فيها ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ وديني، وطاعتي؛ أي: آذاهم وأضرهم المشركون بسبب إيمانهم باللهِ، وعملهم بما شرعه الله تعالى لعباده، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، فهاجر طائفة إلى الحبشة، وطائفة إلى المدينة قبل هجرة رسول الله ﷺ وبعد هجرته. فلما استقر رسول الله ﷺ في المدينة رجع إليه من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين ﴿وَقَاتَلُوا﴾ الكفار أعداءَ الله، وجاهدوهم لإعلاء كلمة الله، ونصر دينه مع رسوله ﷺ ﴿وَقُتِلُوا﴾ بالبناء للمفعول؛ أي: واستشهدوا في جهاد الكفار. وقرأ (١) جمهورُ السبعة ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وقرأ حمزة، والكسائي ﴿وقتلوا وقاتلوا﴾ يبدآنِ بالمبني للمفعول، ثم بالمبني للفاعل فتتخرَج هذه القراءة على أن الواو لا تدل على الترتيب، فيكون الثاني وقع أولًا، ويجوز أن يكون ذلك على التوزيع، فالمعنى قتل بعضهم، وقاتل باقيهم. وقرأ عمر بن عبد العزيز ﴿وقتلوا وقتلوا﴾ ببناء الأول للفاعل، وبناء الثاني للمفعول، وهي قراءة حسنة في المعنى مستوفية للحالين على الترتيب المتعارف، وقرأ محارب بن دثار ﴿وقتلوا﴾ بفتح القاف ﴿وقاتلوا﴾ وقرأ طلحة بن مصرف ﴿وقتلوا وقاتلوا﴾ بضم القاف الأولى، وتشديد التاء، وهي في التخريج كالقراءة الأولى. وقرأ أبو رجاء والحسن ﴿وقاتلوا وقتلوا﴾ بتشديد التاء، والبناء للمفعول؛ أي: قطعوا في المعركة. واللام في قوله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه خبر عن قوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: لأمحون عنهم ذنوبهم، ولأغفرنها لهم؛ أي: وعزتي وجلالي، لأسترن ذنوبَ هؤلاء الموصوفين بالصفات السابقة بمحض فضلي ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وبساتينَ ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من

стр. 2204

لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر لذة للشاربين. وقوله ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لمعنى قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ والمعنى: ولأثيبن هؤلاء المذكورين بالثواب المذكور إثابةً كائنةً من عند الله؛ أي: من فضل الله وإحسانه إليهم، لا وجوبًا عليه ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾؛ أي: الثواب الحسن، والجزاء الموفر، وهي الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعَت، ولا خطرَ على قلب بشر، وهذا تأكيد لكون ذلك الثواب الذي أعطاهم من فضله، وكرمه؛ لأنه جواد كريم. وقد وعد (١) الله تعالى هؤلاء الموصوفينَ بالصفات السابقة بأمور ثلاثة: الأول: هو السيئات، وغفران الذنوب، ودل على ذلك بقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ وذلك ما طلبوه بقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾. الثاني: إعطاء الثواب العظيم، وهو قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وهذا ما طلبوه بقولهم ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾. والثالث: أن يكون هذا الثواب عظيمًا مقرونًا بالتعظيم والإجلال، وهو قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهذا ما طلبوه بقولهم، ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. والمعنى: لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم الجنات، ولأثيبنهم بذلك ثوابًا من الله لا يقدر عليه غيره. ولما قال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، والسعة، والتمتع، والتقلب في البلاد في أسفارهم للتجارة، والمكاسب، ونحن في الجهد، والضيق، والفقر، والجوع .. ١٩٦ - نزل قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾، والخطاب فيه لرسول الله ﷺ والمراد غيره من الأمة؛ لأنه ﷺ معصوم عن الاغترار بذلك، والمعنى: لا يخدَعَنَك، ولا يغرنك أيها المخاطب ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: تنقلهم وضَرْبهُم في البلاد، وأرجاء الأرض، وأَمْنهم في تقلباتهم للتجارات، وطلب الأرباح، والمكاسب وتَبسُّطهم في المعاش والملاذ. وخلاصة المعنى: لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ كيف

стр. 2205

شاؤوا، وأنتم معاشرَ المؤمنين خائفون محصورون، فإنَّ ذلك لا يبقى إلا مدةً قليلة، ثم ينتقلون إلى أشدِّ العذاب؛ فعلى المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعده الله، فهو النعيم الحقيقي الباقي. ١٩٧ - وقرأ (١) ابن أبي إسحاق، ويعقوب لا يغرنك، ولا يصدنك، ولا يصدنكم، ولا يغرنكم، وشبهه بالنون الخفيفة ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر لمحذوف تقديره؛ ذلك التقلب، والتبسط شيء قليل، متعوا به، ومنفعة يسيرة زائلة، لا تدوم لا قدرَ لها في مقابلة ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، قال ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعَه في اليم، فلينظر بم يَرجع". رواه مسلم. ﴿ثُمَّ مَأوَاهُمْ﴾؛ أي: ثم المكان الذي يأوون إليه، وينزلون فيه إنما هو ﴿جَهَنَّمُ﴾، وعبر بالمأوى إشعارًا بانتقالهم عن الأماكن التي تقلبوا فيها، وكان البلاد التي تقلبوا فيها إنما كانت لم أماكن انتقال من مكان إلى مكان لا قرارَ لهم، ولا خلودَ، ثم المأوى الذي يأوون إليه، ويستقرون فيه هو جهنم ﴿وَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿الْمِهَادُ﴾ والفراش لهم، والمخصوص بالذم جهنم ١٩٨ - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ لما تضمن (٢) ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد، هو متاع قليل، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم، فدل على قلة ما متعوا به؛ لأن ذلك منقض بانقضاء حياتهم، ودل على استقرارهم في النار .. استدركَ بلكن الإخبارَ عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين، وذلك شيئان: أحدهما: مكان استقرار، وهي الجنات. والثاني: ذكر الخلود فيها، وهو الإقامة دائمًا، والتمتع بنعيمها سرمدًا فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود. الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع؛ لأنه آل معنى الجملتين إلى تعذيب الكفار، وإلى تنعيم المتقين فهي واقعة بين الضدين. وقرأ الجمهور ﴿لكن﴾ خفيفةَ النون، وقرأ أبو جعفر بالتشديد، ولم يظهر لها عمل؛ لأن اسمها مبني؛ أي: لكن المؤمنون

стр. 2206

الذين اتقوا، وخافوا عقاب ربهم بفعل المأمورات، واجتناب المنهيات، وإن أخذوا في التجارات، والمكاسب لهم جنات وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ من الماء، واللبن، والخمر، والعسل حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات أبدًا لا يموتون، ولا يخرجون منها، فلا يضرهم التبسط في الدنيا، إذا كان على الوجه المعروف في الشرع، فذم الدنيا ومعيشتها للكافر خاصة كما قال بعضهم: مَا أَحْسَنَ الدِّيْنَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... لاَ بَارَكَ اللهُ فِيْ دُنْيَا بِلاَ دِيْنِ حالة كون تلك الجنات ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: جزاء وثوابًا، وعطاءً، وإكرامًا، واقعًا لهم ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ضيافة معدةً لهم من فضله، وكرمه . والنزل في الأصل ما يهيأ للضيف النازل من القِرَى والطعام، والشراب النفيس، وفي الآية: إيماء إلى أن النازلينَ فيها ضيوف عند ربهم، يحفهم بلطفه، ويخصهم بكرمه، وجوده، وهذه الجنات نعيم جسماني لهم، وهناك نعيم روحاني أعطاه الله بمحض الفضل والإحسان، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الكرامة فوق ما تقدم كرؤية الله ، أو من الثواب الدائم ﴿خَيْرٌ﴾ وأفضل ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾؛ أي: للموحدين مما يتقلب فيه الكفار، والفجار في الدنيا من المتاع القليل السريع الزوال. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ فإذا هو في مشربة، وإنه لعلَى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند رأسه أُهَبٌ معلقة، فرأيت أثَر الحصير في جنبه، فبكيت فقال: "ما يبكيك"؟ قلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت رسول الله. فقال: "أمَا ترضَى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة". متفق عليه. وهذا لفظ البخاري. والمشربة الغرفة والعليةُ والمشاربُ العلالي. ١٩٩ - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وإن من اليهود والنصارى ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويصدق ﴿بـ﴾ وحدانية ﴿الله﴾ تعالى كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والنجاشي، وأصحابه ﴿و﴾ يؤمن بـ ﴿ما أنزل إليكم﴾ من القرآن ﴿و﴾ يؤمن بـ ﴿ما أنزل إليهم﴾

стр. 2207

من التوراة، والإنجيل، والزبور حالةَ كونهم ﴿خَاشِعِينَ﴾؛ أي: متواضعين ﴿لِلَّهِ﴾ بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ أي: لا يأخذون (بـ) كتمان ﴿آيات الله﴾ من أمر محمَّد ﷺ ونعته من سَفَلتهم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ كما يفعله غيرهم من أهل الكتاب، يعني لا يغيرون كتبهم، ولا يحرفونها، ولا يكتمون صفة محمَّد ﷺ لأجل الرئاسة، والمآكل، والرشا كما يفعلُه رؤساء اليهود. والحاصلُ (١): أنه لما بين حال المؤمنين، وما أعد لهم من الثواب، وحالَ الكافرين، وما هيأ لهم من العقاب .. ذكر هنا حالَ فريق من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا من قبله مهتدين بما عندهم من هديِ الأنبياءِ، وقد وصفهم الله تعالى بصفات كلها تستحق المزيَةَ والشرفَ: الأولى: الإيمان بالله إيمانًا لا تشوبه نزعات الشرك، ولا يفارقه الإذعانُ الباعثُ على العمل، لا كمن قال الله فيهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. الثانية: الإيمان بما أنزل إلى المؤمنين، وهو ما أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمَّد ﷺ . الثالثة: الإيمان بما أنزل إليهم، وهو ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائهم، والمراد به: الإيمان به إجمالًا وما أرشد إليه القرآن تفصيلًا فلا يضيرُ في ذلك ضياع بعضه، ونسيان بعضه الآخر. الرابعة: الخشوع، وهو الثمرة للإيمان الصحيح؛ فإن الخشوع أثر خشية الله في القلب، ومنه تفيض على الجوارح والمشاعر، فيخشعُ البصر بالانكسار، ويخشع الصوت بالخفوت والتهدج (٢).

стр. 2208

الخامسة: عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله، وهذا أثر لما قبله. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات الحميدة المذكورة ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: لهم ثواب أعمالهم، وأجر طاعتهم حالَ كونه مدخرًا لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الذي رباهم بنعمه، وهداهم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: سريع لإيصال الأجر الموعود إليهم من غير حاجة إلى تأمل؛ لكونه عالمًا بجميع الأشياء، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب، فهو يحاسب الناسَ جميعَهم في وقت قصير، فيتمثل لهم ما كسبته أيديهم، وانطوت عليه جوانحهم، وهو مكتوب في صحائف أعمالهم، فما أحرانا أن نشبهها بالصور المتحركة الأفلام التي تعرض فيها الحوادث والوقائع في عصرنا الحاضر، وقد ختم الله هذه السورةَ بوصية للمؤمنين، إذا عملوا بها كانوا أهلًا لاستجابة الدعاء، وأحق بالنصر في الدنيا وحسن المثوبة في الآخرة فقال: ٢٠٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ على (١) شدائد الدنيا وآلامها من مرض، وفقر، وخوف، أو على تكاليف دينكم، وأدائها، وعلى مشقة الاحتراز عن المنهيات ﴿وَصَابِرُوا﴾؛ أي: تحملوا المكارهَ التي تلحقكم من غيركم، ويدخل في ذلك احتمالُ الأذى من الأهل والجيران، وترك الانتقام ممن يسىء إليكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإيثار غيركم على أنفسكم كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ والعفو عمن ظلمكم كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ودفع شبه المبطلين، وحل شكوكهم، والإجابة عن شبههم. ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: اربطوا خيلكم في الثغور كما يربط العدو خيله استعدادًا للقتال، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ويدخل في هذا كل ما ولده العلم في هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات، وقاذفات للقنابل، ودبابات، ومدافع رشاشة، وبنادق، وأساطيل بحرية، ونحو

стр. 2209

ذلك مما صار الآن ضروريًّا من آلات الحروب الحديثة، وصار من فقدها يشبه أن يكون أعزلَ من السلاح، وإن كان مدججًا به، ويلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب، والخطط العسكرية بارعين في العلوم الطبيعية، والرياضية، فكل ذلك واجب على المسلمين في هذا العصر؛ لأن الاستعدادَ المأمور به في الآية لا يتم إلا به. وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها". متفق عليه. وعن سلمان الخير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه. جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان". رواه مسلم. وفي سنن أبي داود قال: "كل الميت يختم على عمله، إلا المرابط، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتاني القبر". وقيل: المراد بالمرابطة: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمن النبي ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات" قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". أخرجه مسلم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ونهيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تظفروا السعادةَ الأبديةَ في الدنيا والآخرة، قال (١) محمَّد بن كعب القرظي يقول الله عز

стр. 2210

وجل: واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني. وقال (١) بعضهم في معنى هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا اصبروا على بلائي، وصابروا على نعمائي، ورابطوا على مجاهدة أعدائي، واتقوا محبة سوائي لعلكم تفلحون بلقائي. وقيل: اصبروا على النعماء، وصابروا على البأساء، والضراء، ورابطوا في دار الأعداء، واتقوا إله الأرض والسماء، لعلكم تفلحون في دار البقاء. وقيل: اصبروا على الدنيا ومحنها، رجاءَ السلامة، وصابروا عند القتال بالثبات والاستقامة، ورابطوا على مجاهدة النفس اللوامة، واتقوا ما يعقبكم الندامةَ لعلكم تفلحون غدًا في دار الكرامة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ولقد (٢) أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر التقوى، ويراد بها الوقاية من سخط الله وغضبه، ولا يكون هذا إلا بعد معرفته، ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله، وعَرَفَ سنةَ نبيه وسيرة السلف الصالح من الأمة الإِسلامية، ومن فعل كل ما تقدم فصبرَ، وصابَرَ، ورابطَ لحماية الحق، وأهله، ونشَرَ دعوته، واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أفلح، وفاز بالسعادة عند ربه. الإعراب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا لـ ﴿إنَّ﴾ تقديره: إن آيات دالات على وحدانية الله لكائنة لأولي الألباب في خلق السموات ﴿وَالْأَرْضِ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ معطوف على ﴿خَلْقِ﴾، وهو مضاف. ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالنَّهَارِ﴾
следующие страницы →