← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الذين اتقوا، وخافوا عقاب ربهم بفعل المأمورات، واجتناب المنهيات، وإن أخذوا في التجارات، والمكاسب لهم جنات وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ من الماء، واللبن، والخمر، والعسل حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات أبدًا لا يموتون، ولا يخرجون منها، فلا يضرهم التبسط في الدنيا، إذا كان على الوجه المعروف في الشرع، فذم الدنيا ومعيشتها للكافر خاصة كما قال بعضهم: مَا أَحْسَنَ الدِّيْنَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... لاَ بَارَكَ اللهُ فِيْ دُنْيَا بِلاَ دِيْنِ حالة كون تلك الجنات ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: جزاء وثوابًا، وعطاءً، وإكرامًا، واقعًا لهم ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ضيافة معدةً لهم من فضله، وكرمه . والنزل في الأصل ما يهيأ للضيف النازل من القِرَى والطعام، والشراب النفيس، وفي الآية: إيماء إلى أن النازلينَ فيها ضيوف عند ربهم، يحفهم بلطفه، ويخصهم بكرمه، وجوده، وهذه الجنات نعيم جسماني لهم، وهناك نعيم روحاني أعطاه الله بمحض الفضل والإحسان، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الكرامة فوق ما تقدم كرؤية الله ، أو من الثواب الدائم ﴿خَيْرٌ﴾ وأفضل ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾؛ أي: للموحدين مما يتقلب فيه الكفار، والفجار في الدنيا من المتاع القليل السريع الزوال. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ فإذا هو في مشربة، وإنه لعلَى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند رأسه أُهَبٌ معلقة، فرأيت أثَر الحصير في جنبه، فبكيت فقال: "ما يبكيك"؟ قلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت رسول الله. فقال: "أمَا ترضَى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة". متفق عليه. وهذا لفظ البخاري. والمشربة الغرفة والعليةُ والمشاربُ العلالي. ١٩٩ - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وإن من اليهود والنصارى ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويصدق ﴿بـ﴾ وحدانية ﴿الله﴾ تعالى كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والنجاشي، وأصحابه ﴿و﴾ يؤمن بـ ﴿ما أنزل إليكم﴾ من القرآن ﴿و﴾ يؤمن بـ ﴿ما أنزل إليهم﴾

стр. 2207

من التوراة، والإنجيل، والزبور حالةَ كونهم ﴿خَاشِعِينَ﴾؛ أي: متواضعين ﴿لِلَّهِ﴾ بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ أي: لا يأخذون (بـ) كتمان ﴿آيات الله﴾ من أمر محمَّد ﷺ ونعته من سَفَلتهم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ كما يفعله غيرهم من أهل الكتاب، يعني لا يغيرون كتبهم، ولا يحرفونها، ولا يكتمون صفة محمَّد ﷺ لأجل الرئاسة، والمآكل، والرشا كما يفعلُه رؤساء اليهود. والحاصلُ (١): أنه لما بين حال المؤمنين، وما أعد لهم من الثواب، وحالَ الكافرين، وما هيأ لهم من العقاب .. ذكر هنا حالَ فريق من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا من قبله مهتدين بما عندهم من هديِ الأنبياءِ، وقد وصفهم الله تعالى بصفات كلها تستحق المزيَةَ والشرفَ: الأولى: الإيمان بالله إيمانًا لا تشوبه نزعات الشرك، ولا يفارقه الإذعانُ الباعثُ على العمل، لا كمن قال الله فيهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. الثانية: الإيمان بما أنزل إلى المؤمنين، وهو ما أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمَّد ﷺ . الثالثة: الإيمان بما أنزل إليهم، وهو ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائهم، والمراد به: الإيمان به إجمالًا وما أرشد إليه القرآن تفصيلًا فلا يضيرُ في ذلك ضياع بعضه، ونسيان بعضه الآخر. الرابعة: الخشوع، وهو الثمرة للإيمان الصحيح؛ فإن الخشوع أثر خشية الله في القلب، ومنه تفيض على الجوارح والمشاعر، فيخشعُ البصر بالانكسار، ويخشع الصوت بالخفوت والتهدج (٢).

стр. 2208

الخامسة: عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله، وهذا أثر لما قبله. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات الحميدة المذكورة ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: لهم ثواب أعمالهم، وأجر طاعتهم حالَ كونه مدخرًا لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الذي رباهم بنعمه، وهداهم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: سريع لإيصال الأجر الموعود إليهم من غير حاجة إلى تأمل؛ لكونه عالمًا بجميع الأشياء، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب، فهو يحاسب الناسَ جميعَهم في وقت قصير، فيتمثل لهم ما كسبته أيديهم، وانطوت عليه جوانحهم، وهو مكتوب في صحائف أعمالهم، فما أحرانا أن نشبهها بالصور المتحركة الأفلام التي تعرض فيها الحوادث والوقائع في عصرنا الحاضر، وقد ختم الله هذه السورةَ بوصية للمؤمنين، إذا عملوا بها كانوا أهلًا لاستجابة الدعاء، وأحق بالنصر في الدنيا وحسن المثوبة في الآخرة فقال: ٢٠٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ على (١) شدائد الدنيا وآلامها من مرض، وفقر، وخوف، أو على تكاليف دينكم، وأدائها، وعلى مشقة الاحتراز عن المنهيات ﴿وَصَابِرُوا﴾؛ أي: تحملوا المكارهَ التي تلحقكم من غيركم، ويدخل في ذلك احتمالُ الأذى من الأهل والجيران، وترك الانتقام ممن يسىء إليكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإيثار غيركم على أنفسكم كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ والعفو عمن ظلمكم كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ودفع شبه المبطلين، وحل شكوكهم، والإجابة عن شبههم. ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: اربطوا خيلكم في الثغور كما يربط العدو خيله استعدادًا للقتال، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ويدخل في هذا كل ما ولده العلم في هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات، وقاذفات للقنابل، ودبابات، ومدافع رشاشة، وبنادق، وأساطيل بحرية، ونحو

стр. 2209

ذلك مما صار الآن ضروريًّا من آلات الحروب الحديثة، وصار من فقدها يشبه أن يكون أعزلَ من السلاح، وإن كان مدججًا به، ويلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب، والخطط العسكرية بارعين في العلوم الطبيعية، والرياضية، فكل ذلك واجب على المسلمين في هذا العصر؛ لأن الاستعدادَ المأمور به في الآية لا يتم إلا به. وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها". متفق عليه. وعن سلمان الخير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه. جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان". رواه مسلم. وفي سنن أبي داود قال: "كل الميت يختم على عمله، إلا المرابط، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتاني القبر". وقيل: المراد بالمرابطة: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمن النبي ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات" قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". أخرجه مسلم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ونهيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تظفروا السعادةَ الأبديةَ في الدنيا والآخرة، قال (١) محمَّد بن كعب القرظي يقول الله عز

стр. 2210

وجل: واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني. وقال (١) بعضهم في معنى هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا اصبروا على بلائي، وصابروا على نعمائي، ورابطوا على مجاهدة أعدائي، واتقوا محبة سوائي لعلكم تفلحون بلقائي. وقيل: اصبروا على النعماء، وصابروا على البأساء، والضراء، ورابطوا في دار الأعداء، واتقوا إله الأرض والسماء، لعلكم تفلحون في دار البقاء. وقيل: اصبروا على الدنيا ومحنها، رجاءَ السلامة، وصابروا عند القتال بالثبات والاستقامة، ورابطوا على مجاهدة النفس اللوامة، واتقوا ما يعقبكم الندامةَ لعلكم تفلحون غدًا في دار الكرامة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ولقد (٢) أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر التقوى، ويراد بها الوقاية من سخط الله وغضبه، ولا يكون هذا إلا بعد معرفته، ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله، وعَرَفَ سنةَ نبيه وسيرة السلف الصالح من الأمة الإِسلامية، ومن فعل كل ما تقدم فصبرَ، وصابَرَ، ورابطَ لحماية الحق، وأهله، ونشَرَ دعوته، واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أفلح، وفاز بالسعادة عند ربه. الإعراب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا لـ ﴿إنَّ﴾ تقديره: إن آيات دالات على وحدانية الله لكائنة لأولي الألباب في خلق السموات ﴿وَالْأَرْضِ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ معطوف على ﴿خَلْقِ﴾، وهو مضاف. ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالنَّهَارِ﴾

стр. 2211

معطوف على الليل. ﴿لَآيَاتٍ﴾ اللام حرف ابتداء. ﴿آيات﴾ اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر منصوب بالكسرة. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر صفة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿قِيَامًا﴾ حال من فاعل ﴿يذكرون﴾. ﴿وَقُعُودًا﴾ معطوف عليه. ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الواو عاطفة. ﴿على جنوبهم﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف معطوف على ﴿قِيَامًا﴾ على كونه حالًا من فاعل ﴿يَذْكُرُونَ﴾، تقديره: وحالة كونهم مضطجعين على جنوبهم، ففي الآية عطف الحال المؤولة على الحال الصريحة عكسَ قوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾، و ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿يَذْكُرُونَ﴾ على كونه صلة الموصول. ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾، جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يتفكرون﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ مقول محكي لقول محذوف تقديره: يقولون: ربنا ما خلفت هذا باطلًا، وجملة القول المحذوف حال من فاعل ﴿يتفكرون﴾، تقديره: ويتفكرون في خلق السموات والأرض حالةَ كونهم قائلينَ ربنا ما خلقت هذا باطلًا. ﴿رَبَّنَا﴾ رب منادى مضاف. ﴿نا﴾ مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول للقول المحذوف كما سبق آنفًا. ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ ﴿ما﴾ نافية. ﴿خَلَقْتَ﴾ فعل وفاعل. ﴿هَذَا﴾ مفعول به ﴿بَاطِلًا﴾ حال من اسم الإشارة، وهو الأحسن في إعرابه، وهي حال لا يستغنى عنها إذ لو حذفت للزم نفي الخلق، وهو لا يصح أو مفعول من أجله؛ أي: ما خلقت هذا للباطل، والعبث، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المذكور. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: سبحناكَ، ونزهناك عن كل ما لا يليق بك

стр. 2212

سبحانك، وجملة التسبيح جملة معترضة بين قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وبين قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿فَقِنَا﴾ الفاء حرف عطف وسبب؛ لأن ما بعدها متسبب عن قوله ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأن المعنى فحيث وحدناك، ونزهناك عن النقائص فقنا عذاب النار؛ لأن النار جزاء من عَصَى، ولم يوحد. ﴿قنا﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ على كونها مقولًا للقول المحذوف. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿ربَّ﴾ منادى مضاف و ﴿نا﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّكَ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الكاف﴾ في محل النصب اسمها. ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ من اسم شرط في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تدخل﴾ وجوبًا لكونه مما يلزم الصدارة. ﴿تُدْخِلِ النَّارَ﴾ فعل ومفعولِ ثان في محل الجزم على كونه فعل شرط لمن، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فَقَدْ﴾ الفاء رابطة لجواب من وجوبًا لكونه مقرونًا بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الواو عاطفة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ﴿من﴾ زائدة. ﴿أَنصَارٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقولًا للقول المحذوف. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿ربَّ﴾ منادى مضاف و ﴿نا﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّنَا﴾ إن حرف نصب و ﴿نا﴾ اسمها. ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿مُنَادِيًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿سَمِعْنَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها جواب النداء ﴿يُنَادِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المنادي، والجملة في محل النصب صفة ﴿مُنَادِيًا﴾. ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ جار ومجرور

стр. 2213

متعلق بـ ﴿ينادى﴾. ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ أن تفسيرية بمعنى؛ أي: ﴿آمِنُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آمنوا﴾ والجملة الفعلية جملة مفسرة لـ ﴿ينادى﴾ لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت: ﴿أن﴾ مصدرية. ﴿آمِنُوا﴾ فعل وفاعل في محل النصب، وجملة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة المتعلقة بـ ﴿ينادي﴾ تقديره. ينادي بطلب إيمانكم. ﴿فَآمَنَّا﴾ الفاء حرف عطف وتعقيب. ﴿آمنا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿سَمِعْنَا﴾ على كونها مقولًا للقول المحذوف. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف ومضاف إليه. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء حرف عطف وترتيب. ﴿اغفر﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَنَا﴾ متعلق بـ ﴿اغفر﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أمنا﴾. ﴿ذُنُوبَنَا﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿وَكَفِّرْ﴾ فعل دعاء معطوف على ﴿فَاغْفِرْ﴾. ﴿عَنَّا﴾ متعلق به. ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَتَوَفَّنَا﴾: فعل ومفعول به وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿فاغفر﴾. ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿توفنا﴾، أو بمحذوف حال من ضمير المفعول تقديره: حالة كوننا مصاحبينَ للأبرار. ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف ومضاف إليه. ﴿وَآتِنَا﴾ الواو عاطفة ﴿آتنا﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاغْفِرْ﴾، ﴿مَا وَعَدْتَنَا﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان ﴿لآتنا﴾ لأنه بمعنى أعطنا. ﴿وَعَدْتَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذرف تقديره: وعدتناه. ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بوعدتنا؛ ولكنه على حذف مضاف تقديره: على ألسنة رسلك كما مر في بحث التفسير. ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية.

стр. 2214

﴿تُخْزِنَا﴾ فعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاغْفِرْ﴾. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تخزنا﴾. ﴿إِنَّكَ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب ومصدر و ﴿الكاف﴾ اسمها. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿تُخْزِنَا﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْمِيعَادَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها معللة لقوله ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. ﴿فَاسْتَجَابَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة (١) إما على مقدر، تقديره: دعوا ربهم بهذا الدعاء، فاستجاب لهم، والجملة المحذوفة مستأنفة، وإما على قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿استجاب﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿رَبُّهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف. ﴿أَنِّي﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، والياء اسمها. ﴿لَا أُضِيعُ﴾ لا نافية. ﴿أُضِيعُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَمَلَ عَامِلٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿عامل﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر ﴿أن﴾؛ وجملة ﴿أن﴾. في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة، تقديره: بعدم إضاعة عمل عامل. ﴿مِنْكُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿استجاب﴾ هذا على قراءة فتح الهمزة، وأما على قراءة كسرها، فمقول لقول محذوف تقدير: فاستجاب لهم ربهم بقوله: أني لا أضيع عمل عامل منكم. ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾ جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ بدل تفصيل من مجمل بإعادة العامل، أو بدل ﴿من﴾ لفظ ﴿عامل﴾ على جعل ﴿من﴾ زائدة، كأنه قال: لا أضيع عمل ذكر. ﴿أَوْ أُنْثَى﴾ معطوف على ذكر. ﴿بَعْضُكُمْ﴾ مبتدأ، ومضا إليه. ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، فالجملة معترضة لاعتراضها بين المجمل أعني قوله: ﴿عَمَلَ

стр. 2215

عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾، وبين ما فصل به عمل العاملين من قوله ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾. ولذلك قال الزمخشري ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾، تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم. وقيل (١): هي في محل التعليل للتعميم في قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ فكأنه قيل: إنما سوى بين الفريقين في الثواب لاشتراكهم في الأصل، والدين، والمعنى: كما أنكم من أصل واحد، وأن بعضكم مأخوذ من بعض، فكذلك أنتم سواء في ثواب العمل، لا يثاب رجل عامل دونَ امرأة. ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. ﴿فَالَّذِينَ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنّي لا أضيع عمل عامل منكم، وأردت بيانَ كيفية عدم الإضاعة، فأقول لك. ﴿الذين﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿هَاجَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَأُخْرِجُوا﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أخرجوا﴾. ﴿وَأُوذُوا﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾ أيضًا. ﴿فِي سَبِيلِي﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق ﴿بأوذوا﴾. ﴿وَقَاتَلُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿هاجروا﴾. و ﴿وَقُتِلُوا﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة لقسم محذوف تقديره: وعزتي وجلالي لأكفرن. ﴿لأكفرن﴾ فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ونون التوكيد: حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أكفرن﴾. ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا مفصلة لعملِ العاملين المجمل أولًا.

стр. 2216

﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لأدخلنهم﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿أدخلن﴾ فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بـ ﴿نون التوكيد﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. و ﴿الهاء﴾ ضمير الغائبين في محل النصب مفعول أول. ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثان، وجملة القسم المحذوف في محل الرفع معطوفة على جملة القسم في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ﴾. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿جنات﴾ ولكنها سببية. ﴿ثَوَابًا﴾ حال من ﴿جَنَّاتٍ﴾، ولكنها مؤولة بمشتق تقديره: حالة كونها مثابًا بها، أو حال من ضمير المفعول في قوله: ﴿لأدخلنهم﴾ تقديره، حالة كونهم مثابين. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه صفة لـ ﴿ثَوَابًا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ﴾ ظرف، ومضاف إليه خبر مقدم للمبتدأ الثاني. ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ مبتدأ ثان، ومضاف إليه، والتقدير: والله الثواب الحسن كائن عنده، والجملة الإسمية مستأنفة. وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ الأحسن: أنه فاعل بما تعلق به ﴿عِنْدَهُ﴾؛ أي: مستقر عنده؛ لأن الظرف قد اعتمد بوقوعه خبرًا، والإخبار بالمفرد أولى. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾. ﴿لَا﴾ ناهية. ﴿يغرن﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد: حرف لا محل له من الإعراب، مبني على الفتح. ﴿الكاف﴾ ضمير المخاطب في محل النصب مفعول به مبني على الفتح. ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل.

стр. 2217

﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾. ﴿مَتَاعٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو متاع يعود على تقلبهم. ﴿قَلِيلٌ﴾ صفة لـ ﴿متاع﴾ والجملة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، وترتيب مع تراخ. ﴿مَأوَاهُمْ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الواو استئنافية. ﴿بئس المهاد﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر للمبتدأ المحذوف وجوبًا، الذي هو المخصوص بالذم تقديره، هي يعود على جهنم، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره، جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾. ﴿لَكِنِ﴾ حرف استدراك. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ. ﴿اتَّقَوْا﴾ فعل وفاعل. ﴿رَبَّهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ ثان مؤخر عن خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره، في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول، وخبره جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿جنات﴾، ولكنها سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير في قوله ﴿لَهُمْ﴾، والعامل فيه معنى الاستقرار. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خالدين﴾. ﴿نُزُلًا﴾ حال من ﴿جَنَّاتٌ﴾ لتخصصه بالصفة، والمعنى حال كون تلك الجنات ضيافةً وإكرامًا من الله لهم، أعدها كما يعد القرى للضيف إكرامًا له. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه صفة لـ ﴿نزلا﴾. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿ما﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ ظرف، ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿خَيْرٌ﴾ خبر للمبتدأ. ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾ صفة لـ ﴿خير﴾ أو متعلق به، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إنَّ﴾ هو حرف نصب وتوكيد. ﴿مِنْ أَهْلِ

стр. 2218

الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَمَنْ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتدأ. ﴿مِنْ﴾ اسم موصول في محل النصب، اسم إن مؤخر، والتقدير: وإن من يؤمن بالله .. لكائن من أهل الكتاب، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿يُؤْمِنُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، وفيه مراعاة للفظ ﴿من﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يؤمن﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر معطوف على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿إِلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أنزل﴾. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر معطوف على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿خَاشِعِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يُؤْمِنُ﴾ في قوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ وفيه مراعاة لمعنى ﴿من﴾ لأنه راعى معنى ﴿من﴾ في يسبعة مواضع أولها ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ وآخرها ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خاشعين﴾ ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ إلا نافية. ﴿يَشْتَرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال ثانية من ضمير ﴿يُؤمِنُ﴾. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يشترون﴾ ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَشْتَرُونَ﴾. ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لـ ﴿ثَمَنًا﴾. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ الثاني. ﴿أَجْرُهُمْ﴾ مبتدأ ثان مؤخر، ومضاف إليه، والتقدير: أولئك أجرهم كائن لهم، والجملة مستأنفة. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه حال من أجرهم تقديره: حال كونه مدخرًا لهم عند ربهم ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ خبرها، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة بمنزلة التعليل.

стр. 2219

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أي﴾. منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿لأي﴾ وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿اصْبِرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. وكذلك ﴿وَصَابِرُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿اصْبِرُوا﴾. وكذلك جملة ﴿وَرَابِطُوا﴾ معطوف عليه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اصْبِرُوا﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لعل﴾ حرف نصب وترج وتعليل بمعنى كي. ﴿والكاف﴾ اسمها ﴿تُفْلِحُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة المعللة لجمل الأفعال المذكورة قبلها، والمعنى: اتصفوا بالصبر، وما بعده لطَلب فلا حكم ورجائه والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخلق: مصدر قياسي لخلق من باب فَعل المفتوح المعدَّى، وهو إما باق على مصدريته، فيكون بمعنى التقدير، والترتيب الدال على النظام، والإتقان، أو بمعنى اسم المفعول؛ أي: مخلوقهما، و ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جمع سماء، وهو ما علاك مما ترى فوقك، والأرض ما تعيش عليه. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ﴿والألباب﴾: جمع لب، كأقفال جمع قفل، وهو العقل. ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ جمعان لقائم، وقاعد، وأجيز (١) أن يكونا مصدرين، وحينئذ يتأولان على ذوي قيام وقعود، ولا حاجة إلى هذا ﴿بَاطِلًا﴾ الباطل: العبث الذي لا فائدة فيه، والشيء الزائل الذاهب، ومنه قول لبيد: أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ

стр. 2220

﴿سُبْحَانَكَ﴾ اسم مصدر لسبح الرباعي، وهو من الأسماء التي تلزم النصب على المصدرية، ومعناه تنزيهًا لك عما لا يليق بك ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ من أخزى الرباعي، من باب: أفعل من مزيد الثلاثي ﴿ذُنُوبَنَا﴾ جمع ذنب، وهو (١) التقصير في المعاملة بين العبد وربه ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ جمع سيئة، وهي التقصير في حقوق العباد، ومعاملة الناس بعضهم بعضًا. ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ جمع بار، كصاحب وأصحاب، وهو المحسن في العمل، أو جمع بر أصله برر، ككتف وأكتاف اهـ سمين ﴿لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ﴿الْمِيعَادَ﴾: مصدر ميمي، بمعنى الوعد، لا بمعنى المكان، والزمان ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ ﴿استجاب﴾ من باب: استفعل، فالسين والتاء فيه زائدتان؛ لأنه بمعنى أجاب الرباعي، ويتعدى بنفسه، وباللام ﴿أُضِيعُ﴾ من أضاع الرباعي، فهو من مزيد الثلاثي؛ لأن ثلاثيه ضاع من باب باع ﴿ثَوَابًا﴾ الثواب اسم مصدر، لأثاب الرباعي، يقال: أثابه إثابة، وثوابًا، والثواب. هنا بمعنى الإثابة، التي هي المصدر فهو مصدرَ معنوي مؤكد لمعنى لأكفرن، ولأدخلنهم، فمعنى المجموع لأثيبنهم إثابةً، وإن كان في الأصل إسمًا لما يثاب به كالعطاء اسم لما يعطى به. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ من غر الثلاثي المضاعف المعدي يقال: غرني ظاهره؛ أي: قبلته على غفلة عن امتحانه، ويقال في الثوب إذا نشر، ثم أعيد إلى طيه: رددته على غره ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والتقلب: مصدر لتقلب الخماسي الذي هو من باب تفعل؛ أي: تصرفهم في التجارات، وتنقلهم في البلاد آمنين لطلب المكاسب ﴿مَتَاعٌ﴾ اسم مصدر من أمتع الرباعي؛ أي: ذلك الكسب والربح الحاصل لهم متاع ﴿قَلِيلٌ﴾ وإنما وصفه بالقليل؛ لأنه قصير الأمد ﴿ومأواهم جهنم﴾، والمأوى اسم مكان من أوى يأوي، من باب رمي يقال: أوى الرجل البيتَ يأوي إواءً ومأوى بالفتح على القياس؛ إذا نزل فيه، والمأوى مكانُ النزول. وجهنم اسم لطبقة من طباق النار يجازي بها الكافرون في الآخرة، ﴿الْمِهَادُ﴾ اسم للمكان

стр. 2221

الموطأ كالفراش والنزلُ بضمتين ما يهيأ للضيف النازل. وفي "السمين": النزاع ما يهيأ للضيف، هذا أصله ثم اتسع فيه، فأطلق على الرزق والغذاء، وإن لم يكن ضيف، ومنه ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وفيه قولان: هل هو مصدر، أو جمع نازل. انتهى ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾ جمع بار، وهو المتصف بالبر؛ أي: الإحسان كما مر ﴿وَصَابِرُوا﴾؛ أي: غالبوا أعداءكم بالصبر على شدائد القتال والحرب، وهو من باب: فاعل الرباعي فيدل على المفاعلة ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: أقيموا في الثغور رابطين خُيولَكم حابسينَ لها، مترصدينَ للغزو، فهو من باب: فاعل قال على المفاعلة أيضًا. وأصل (١) المرابطة: أن يربط هؤلاء خيولَهم، وهؤلاء خيولَهم بحيث يكون كل من الخصمين مستعدًا لقتال الآخر، ثم قيل لكل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه مرابط، وإن لم يكن له مركوب مربوط. والتقوى: اسم من اتقى يتقى إتقاء ثلاثيه تقى يتقي، كقضى يقضي، والتقوى أن تقي نفسك وتحفظها من غضب الله وسخطه. والفلاح: اسم مصدر من أفلح، وهو الفوز، والظفر بالبغية المقصودة من العمل. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع أنواعًا (٢): منها: الاختصاص في قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، و ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، و ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، و ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ فكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما لهم، أو وما له، مراعاةً لمعنى ﴿من﴾ أو لفظها. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿أن آمنوا فآمنا﴾، و ﴿عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. ومنها: المغايرُ في قوله: ﴿مُنَادِيًا يُنَادِي﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.

стр. 2222

ومنها: التنكير للتفخيم في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ودخلت اللام في خبر إن لزيادة التأكيد. ومنها: الالتفات إلى التكلم والخطاب في قوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ لإظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف الداعين. ومنها: الطباق في قوله: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ و ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فالسماء جهة العلو، والأرضُ جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة، والنهار: عبارة عن النور، و ﴿قِيَامًا﴾ و ﴿قُعُودًا﴾ و ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ حيث كرر خمس مرات، والغرض منه: المبالغة في التضرع، وفي ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ إن كان المعنى واحدًا، وفي ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ وفي ﴿ثَوَابًا﴾ و ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾؛ أي: على ألسنة رسلك، وكذلك في قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: قائلين ربنا. والاستعارة بسماع المنادى إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وبالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان، وتغير معالمه عن خضوعهم، وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته. قيل: ويحتمل أن يكون الحساب أستعير للجزاء كما استعير ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾؛ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. ومنها: الحذف في مواضع. فإن قلت (١): ما الفائدة في الجمع بين ﴿مُنَادِيًا﴾ و ﴿يُنَادِي﴾؟

стр. 2223

قلتُ: أجاب الزمخشري بأنه ذكر النداء مطلقًا، ثم مقيدًا بالإيمان تفخيمًا لشأن المنادي، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان، وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، أو لإطفاء السائرة، أو لإغاثة الملهوف، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع، فإذا قلت ينادي للإيمان فقد رفعت شأنَ المنادي وفخمته ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وأتى هنا بالصلة مستقبلةً، وإن كان ذلك قد مَضَى دلالةً على الاستمرار والدوام (١). والله أعلم * * *

стр. 2224

سورة النساء (١) سورة النساء: مدنية كلها على الصحيح، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما نزلت سورة النساء، إلا وأنا عند رسول الله ﷺ وقد بَنَى النبي ﷺ بعائشة في المدينة، في شوال من السنة الأولى من الهجرة. وآياتُها مئة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية، وكلماتها ثلاثة آلاف وخمس وأربعون كلمة، وحروفها ستةَ عشرَ ألف حرف، وثلاثون حرفًا. التسمية: وسميت سورة النساء لكثرة ما ورد فيها من الأحكام التي تتعلق بهن، بدرجة لم توجد في غيرها من السور، ولذلك أطلق عليها سورةُ النساء الكبرى في مقابلة سورة النساء الصغرى التي عرفت في المصحف بسورة الطلاق. مناسبتها: والمناسبة بينها وبين سورة آل عمران من أوجه (٢): منها: أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة بذلك، وهذا من آكد المناسبات في ترتيب السورة. ومنها: أن في السابقة ذكرَ قصة أحد مستوفاة، وفي هذه ذيل لها، وهو قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فإنه نزل في هذه الغزوة على ما ستعرفه بعد. ومنها: أنه ذكر في السالفة الغزوة التي بعد أحد، وهي غزوة حمراء الأسد بقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وأشير إليها هنا في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ الآية. وقال أبو حيان (٣): مناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر أحوال

стр. 2225

المشركين، والمنافقين، وأهل الكتاب، والمؤمنين أولي الألباب، ونبه تعالى بقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ على المجازاة، وأخبر أن بعضهم من بعض في أصل التوالد، نبه تعالى في أول هذه السورة على إيجاد الأصل، وتفرع العالم الإنساني منه ليحث على التوافق، والتوادد، والتعاطف، وعدم الاختلاف، ولينبه بذلك على أن أصل الجنس الإنساني، كان عابدًا لله مفردَه بالتوحيدَ والتقوى، طائعًا له، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه، فنادى تعالى دعاءً عامًّا للناس، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سببًا للتقوى تذكاره تعالى إياهم بأنه أوجدهم، وأنشأهم من نفس واحدة، ومن كان قادرًا على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع، وإعدام هذه الأشكال، والنفع، والضر .. فهو جدير بأن يتقى انتهى. ذكر ما حوته هذه السورة من الموضوعات (١) ١ - الأمر بتقوى الله تعالى في السر والعلن. ٢ - تذكير المخاطبين بأنهم خلقوا من نفس واحدة. ٣ - أحكام القرابة والمصاهرة. ٤ - أحكام الأنكحة والمواريث. ٥ - أحكام القتال. ٦ - الحجاج مع أهل الكتاب. ٧ - بعض أخبار المنافقين. ٨ - الكلامُ مع أهل الكتاب إلى ثلاث آيات في آخرها. وبالجملة: اشتملت هذه السورة على ذكر حقوق النساءِ والأيتام، وخاصةً اليتيمات اللاتي في حجور الأولياء، والأوصياء، فقررت حقوقَهن في الميراث،

стр. 2226

والكسب، والزواج، واستنقذتهن من أسر الجاهلية، وتقاليدها الظالمة المهينة. وتعرضت لموضوع المرأة فصانت كرامتَها، وحفظت كيانها، ودعت إلى إنصافها بإعطائها، حقوقها التي فرضها الله تعالى لها كالمهر، والميراث وإحسان العشرة. وتعرضت لأحكام المواريث على الوَجْهِ الدقيق العادلِ الذي يكفل العدالةَ، ويحقق المساواة، وأفصحت عن المحرمات من النساء بالنسب، والرضاع، والمصاهرة. واشتملت على تنظيم العلاقات الزوجية، وبينت أنها ليست علاقةَ جسد، وإنما هي علاقة إنسانية، وأن المهر ليس أجرًا ولا ثمنًا، وإنما هو عطاء يوثق المحبةَ، ويديم العشرةَ وبربط القلوبَ. وذكرت حق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، وأرشدَتْ إلى الخطوات التي ينبغي أن يسلكها الرجل لإصلاح الحياة الزوجية عندما يبدأ الشقاقُ، والخلاف بين الزوجين، وبينت معنى قوامة الرجل، وأنها ليست قوامةَ استعباد، وتسخير، وإنما هي قوامة نصح، وتأديب التي تكون بين الراعي ورعيته. ثم انتقلت من دائرة الأسرة إلى دائرة المجتمع، فأمرت بالإحسان في كل شيء، وبينت أن أساس الإحسان التكافل، والتراحم والتناصح، والتسامح، والأمانة، والعدل حتى يكون المجتمع راسخَ البنيان قوي الأركان، ومن الإصلاح الداخلي انتقلت الآيات إلى الاستعداد للأمن الخارجيّ الذي يحفظ على الأمة استقرارها، وهدوءها، فأمرت بأخذ العدة لمكافحة الأعداء. ثم وضعت بعض قواعد المعاملات الدولية بين المسلمين، والدول الأخرى المحايدة، أو المعادية، واستتبع الأمر بالجهاد جملةً ضخمةً على المنافقين، فهم نابتة السوء، وأصول الشر التي ينبغي الحذر منها، وقد تحدثت السورة الكريمة عن مكايدهم وخطرهم، كما أومأت إلى خطر أهل الكتاب، وخاصة اليهود وموقفهم من رسل الله الكرام.

стр. 2227

ثم ختمت السورة ببيان ضلالات النصارى، في أمر المسيح عيسى ابن مريم، حيث غالوا فيه حتى عبدوه، ثم صلبوه؛ أي: جعلوه صليبًا مصورًا معبودًا لهم مع اعتقادهم بألوهيته، واخترعوا فكرة التثليث فأصبحوا كالمشركين الوثنيين، وقد دعتهم الآيات إلى الرجوع عن تلك الضلالات إلى العقيدة السمحة الشافعية عقيدة التوحيد وصدق الله تعالى حيث قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قيل (١): وجعل هذا المطلع مطلعًا لسورتين إحداهما: هذه، وهي الرابعة من النصف الأول، والثانية: سورة الحج، وهي الرابعة من النصف الثاني، وعلل هنا الأمر بالتقوى بما يدل على معرفة المبدأ، وهناك بما يدل على معرفة المعاد. فضلها: وقد ورد (٢) في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن مسعود قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، و ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. ثم قال: هذا إسناد صحيح، إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وقد اختلف في ذلك. الناسخ والمنسوخ منها: قال أبو عبد الله محمَّد بن حزم (٣): سورة النساء مدنية تحتوي على أربع وعشرين آية منسوخة: الأولى منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ مدنية النساء نسخت بأية المواريث وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية ١١ مدنية النساء.

стр. 2228

والثانية منها: قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية ٩ النساء نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية ١٨٢ مدنية البقرة. والثالثة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ ١٠ مدنية النساء، وذلك أنه لما نزلت هذه الآية امتنعوا من أموال اليتامى، وعزلوهم فدخل الضررُ على الأيتام، ثم أَنْزَل (١) الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٢٢٠ البقرة. من المخالطة ركوب الدابة، وشرب اللبن فرخص في المخالطة، ولم يرخص في أكل الأموال بالظلم ثم قال : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٦ النساء، فهذه الآية نسخت الأولى، والمعروف هنا: القرض فإذا أيسر رده، فإن مات قبل ذلك. فلا شيءَ عليه. والرابعة منها: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية ١٥ مدنية النساء. كانت المرأة إذا زنت، وهي محصنة حبست في بيت، فلا تخرج منه حتى تموت، قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن السبيلَ الثيبُ بالثيب الرجمُ، والبكر جلد مائة، وتغريب عام" فهذه الآية منسوخة بعضها بالكتاب، بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ١٥ مدنية النساء. وبعضها بالسنة، وكني فيها بذكر النساء عن ذكر النساء والرجال. والخامسة منها: قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ١٦ مدنية النساء. كان البكران إذا زنيا عيرا وشتما فنسخ الله ذلك بالآية التي في سورة النور، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢ مدنية النور.

стр. 2229

والسادسة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ الآية. ١٧ مدنية النساء، وذلك أن الله تعالى ضمن لأهل التوحيد أن يقبلَ قبل أن يغرغروا، وقال رسول الله ﷺ : "كل من كان قبل الموت" ثم استثنى في الآية بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فصارت ناسخة لبعض حكمها لأهل الشرك، ثم قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى آخرها ١٨ النساء. والسابعة منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ إلى قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ١٩ النساء، ثم نسخت بالاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١٩ النساء. والثامنة منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ نسخت بالاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٢٢ النساء؛ أي: من أفعالهم فقد عفوت عنه. والتاسعة منها: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٢٣ النساء، نسخت بالاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني عفوت عنه. والعاشرة: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ٢٤ مدنية النساء. نسخت بقوله ﷺ : "إني كنت أحللت هذه المتعةَ، ألا وإن الله ورسوله قد حرمَاها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب"، ووقع ناسخها من القرآن موضعَ ذكر ميراث الزوجة الثمنَ، أو الربعَ فلم يكن لها في ذلك نصيب. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: موضع تحريمها في سورة المؤمنين، وناسخها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٥ مكية المؤمنون، وأجمعوا على أنها ليست بزوجة، ولا ملك اليمين، فنسخها الله بهذه الآية. والحادية عشرة منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية ٢٩ مدنية النساء. نسخت بقوله تعالى في سورة النور:

стр. 2230

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ٦١ مدنية النور، وكانوا يجتنبونهم في الأكل، فقال تعالى: ليس على من أكل مع الأعرج والمريض حرج، فصارت هذه الآية ناسخة لتلك الآية. الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ الآية ٣٣ مدنية منسوخة، وناسخها قوله تعالى في آخر الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية ٧٥ مدنية الأنفال. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ الآية ٦٣ مدنية نسخت بآية السيف. الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ الآية ٦٤ مدنية النساء. نسخت بقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية ٨٠ مدنية التوبة. الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الآية ٧١ مدنية النساء. نسخت بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ١٢٢ مدنية التوبة. السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ الآية ٨٠ مدنية النساء. نسختها آية السيف. السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٨١ مدنية النساء. نسخ الإعراض عنهم بآية السيف. الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٩٠ مدنية النساء. نسخها الله بآية السيف. التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأمَنُوكُمْ وَيَأمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ١٩١ النساء. نسخها الله بآية السيف. العشرون منها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ الآية ٩٢ مدنية

стр. 2231

النساء. نسخها الله تعالى بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ مدنية التوبة. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية. ٩٣ مدنية النساء. نسخت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٤٨، ١١٦ النساء. وبالآية التي في الفرقان، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ ٦٨ مدنية. الفرقان. الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١٤٥ النساء. نسخ الله بعضها بالاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا﴾ الآية ١٤٦ النساء. الثالثة والعشرون، والرابعة والعشرون. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ٨٨ النساء. وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ ٨٤ النساء نسخهما آية السيف، فتكون مع هاتين أربعًا وعشرين آية. انتهى. والله أعلم * * *

стр. 2232

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ...﴾ مناسبتها للآية التي في آخر السورة السابقة - أعني قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ - ظاهرةٌ؛ لأن كلا الآيتين آمرة بالتقوى كما سبق. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها (١) لما قبلها: أنه لما وصل الأرحام .. أتبع بالأيتام؛ لأنهم صاروا بحيث لا كافلَ لهم، ففارق

стр. 2233

حالهم حال من له رحم. ذكره أبو حيان. وقيل: مناسبتها أنه لما (١) افتتح السورة بذكر ما يجب على العبد أن ينقادَ له من التكاليف؛ ليبتعد عن سخطه وغضبه في الدنيا والآخرة .. شرع يذكر أنواعها، وأولها: إيتاء اليتامى أموالهم، وثانيها: حكم ما يحل عدده من الزوجات، ومتى يجب الاقتصار على واحدةٍ، ثم أوجب إيتاء الصداق لهن. قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها أنه ، لما أمر في الآيات السالفة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاءِ النساء مهورهن .. أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين معًا، وهو أن لا يكون كل منهما سفيهًا مع بيان أنهم يرزقون فيها، ويكسون ما دامت في أيديهم مع قول المعروف لهم، حتى تحسن أحوالهم، وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد، وأنه لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى، فمن كان من الأولياء غنيًّا .. فليعف عن الأكل من أموالهم، ومن كان فقيرًا .. فليأكل بما يبيحه الشرع، ويستجيزه أرباب المروءة. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها، أنه لما ذكر في الآيات السابقة حرمة أكل أموال اليتامى، وأمر بإعطائهم أموالَهم إذا رشدوا، ومنع أكل مهور النساء أو تزويجَهن بغير مهر .. ذكر هنا أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى، يشترك فيه الرجال والنساء، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، والأولاد الصغار، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وحاز بالغنيمة، ثم أمر بإحسان القول إلى اليتامى؛ لأن اليتيم مرهف الحس، يألم للكلمة تهينه، ولا سيما ذكر أبيه، وأمه بسوء، وقلما يوجد يتيم لا يمتهن، ولا يقهر بالسوء من القول، ثم طلب الإشفاقَ عليهم ومعاملتَهم بالحسنى، فربما يترك الميت ذريةً ضعافًا يود أن غيره

стр. 2234

يعاملهم بمثل هذه المعاملة، وبعد ذلك شدد في الوعيد، ونفر من أكل أموال اليتامى ظلمًا، وجعل أكله كأكل النار. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روى عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالُها، فيريد وليها أن يتزوجَها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيَها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك، إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طَابَ لهم من النساء سواهن، وإن الناس استفتوا رسولَ الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ...﴾ الآية. أخرجه البخاري ومسلم. وأخرج البخاري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنّ رجلًا كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. الحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره بنحوه، وأخرجه مسلم أيضًا. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ...﴾ سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوح ابنتَه أَخذَ صداقها، دونها، نهاهم الله عن ذلك فأنزل ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ...﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إنها نزلت في مال اليتيم إذا كان

стр. 2235

فقيرًا، فإنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف. أخرجه البخاري ومسلم. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ...﴾ سبب نزولها: ما أخرجه (١) أبو الشيخ، وابن حبان في كتاب الفرائض من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الصغار من المذكور، حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار، يقال له: أوس بن ثابت، وترك ابنتين وابنًا صغيرًا، فجاء ابنا عمه خالد، وعرفطة، وهما عصبة، فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: ما أدري ما أقول: فنزلت ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ ...﴾ الآية. وقال المراغي (٢): وقد روي في سبب نزول هذه الآية ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ...﴾ أن أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحلة، وثلاث بنات له منها، فزوى ابنا عمه سويد، وعرفطة ميراثه عنهن، على سنة الجاهلية، فجاءت امرأته إلى رسول الله ﷺ في مسجد الفضيخ مسجد بالمدينة كان سكنه أهل الصفة - فشكت إليه أن زوجها أوسًا قد مات وخلف ثلاث بنات، وليس عندها ما تنفق عليهن منه، وقد ترك أبوهن مالًا حسنًا عند ابني عمه لم يعطياها مثله شيئًا، وهن في حجري لا يطعمنَ ولا يسقينَ، فدعاهما رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسًا، ولا يحمل كلا، ولا ينكأُ عدوا نكسب عليها، ولا تكسب، فنزلت الآية فأثبتت لهن الميراث فقال رسول الله ﷺ : لا تفرقا من مال أوس شيئًا، فإن الله جعل لبناته نصيبًا مما ترك، ولم يبين فنزلتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلخ فأعطى زوجتَه الثمن، والبنات الثلثين، والباقي لبني العم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ...﴾ سبب نزولها (٣) ما روي عن مقاتل بن حيان أن رجلًا من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولي مال يتيم

стр. 2236

صغير، وكان اليتيم ابن أخيه، فأكله فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - افتتح الله سورةَ النساء بخطاب الناس جميعًا، ودعوتهم إلى تقواه وعبادته وحده منبهًا على قدرته، ووحدانيته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يا بني آدم ﴿اتَّقُوا﴾ وخافوا ﴿رَبَّكُمُ﴾؛ أي: عقاب من رباكم بإحسانه، وتفضل عليكم بجوده بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في حقه، وحق بعضكم على بعض، والخطاب فيه عام للمكلفين الموجودين، وقت نزول الآية ذكورًا وإناثًا، والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة بدليل خارجي، وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون، أو تغليب الموجودين على من لم يوجد كما غلب المذكور على الإناث في قوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ لاختصاص ذلك بجمع المذكر ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأنشأكم، وأوجدكم بطريق التناسل والتوالد ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم، قرأ الجمهور واحدة بالتاء على تأنيث لفظ النفس، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿واحد﴾ بغير هاء على مراعاة المعنى، إذ المراد به آدم، فالتأنيث باعتبار اللفظ، والتذكير باعتبار المعنى، وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك النفس الواحدة التي هي آدم ﴿زَوْجَهَا﴾؛ أي: أمكم حواء قيل (١): هو معطوف على مقدر يدل عليه المقام؛ أي: خلقكم من نفس واحدة خلقها أولًا، وخلق منها زوجها ثانيًا، وقيل: على خلقكم فيكون الفعل الثاني مع الأول داخلًا في حيز الصلة. وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء، فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية له، والأختية لنا فيها، فلا يقال: إذا كانت مخلوقةً من آدم، ونحن مخلوقون منه أيضًا تكون نسبتها إليه نسبة الولد، فتكون أختًا لنا لا أمًّا، روي (٢) أن الله لما خلق آدم ﵇، ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو قصير، فلما استيقظ رآها جالسة عند رأسه

стр. 2237

فقال لها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: لماذا خلقت؟ قالت: خلقت لتسكن إلي؟ فمال إليها، وألفها؛ لأنها خلقت منه. واختلفوا في أي وقت خلقت حواء، فقال كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق: خلقت قبل دخولها الجنة، وقال ابن مسعود، وابن عباس ﵃: إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها، والله أعلم. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾؛ أي: نشر من تلك النفس الواحدة، وزوجها بطريق التوالد؛ أي: أظهر وفرق من آدم وحواء ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾، وذكورًا عديدًا، ﴿وَنِسَاءً﴾ كثيرةً، ونشرهم في أقطار الأرض على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. إنما وصف الرجال بالكثرة دون النساء؛ لأن حال الرجال أتم، وأكمل، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الظهور، والاشتهار، وبحال النساء الاختفاء، والخمول، وإنما أمرهم بتقوى خالقهم الذي خلقهم على هذا النظام؛ لأن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الداعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته، وذلك لأنه ينبىء عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم، وعن نعمة كاملة لا يقدر قدرها. فالتقوى نوعان: تقوى في حقه تعالى، وتقوى فيما بينهم من الحقوق، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ استدعاء للتقوى الأولى، وقوله ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ استدعاء للتقوى الثانية، فالناس جميعًا من أصل واحد، وهم أخوة في الإنسانية، والنسب، ولو أدرك الناس هذا .. لعاشوا في سعادة، وأمان، ولما كان بينهم حروب طاحنة مدمرة تلتهب الأخضر واليابس وتقضي على الكهل والوليد. وقرىء (١) ﴿وخالق منها زوجها وباث منهما﴾ على صيغة اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهو خالق ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله الذي تتحالفون، وتتناشدون به؛ أي: يناشد، ويسأل بعضكم بعضًا به حيث

стр. 2238

يقول: أسألك باللهِ، وأنشدك بالله؛ أي: أقسم وأحلف عليك به، والتساؤل (١) بالله هو كقولك: أسألك باللهِ، وأحلف عليك بالله، واستشفع إليك بالله. وإنما كرر (٢) الأمر بالتقوى؛ لأجل بيان بعض آخر من موجبات الامتثال؛ لأن سؤال بعضهم لبعض بالله يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وقرأ الجمهور من السبعة ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ قرأ أهل الكوفة منهم: بحذف التاء الثانية، تخفيفًا لاجتماع المثلين، وأصله: تتساءلون، وقرأ أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بالتشديد بإدغام التاء الثانية في السين. وقرأ عبد الله ﴿تسألون به﴾ مضارع سأل الثلاثي، وقرىء ﴿تسلون﴾ بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى السين. قال ابن عباس: معنى تساءلون به؛ أي: تتعاطفون، وقال الضحاك، والربيع، تتعاقدون، وتتعاهدون، وقال الزجاج: تتطلبون به حقوقكم. ﴿و﴾ اتقوا ﴿الأرحام﴾؛ أي: خافوا عقاب قطيعة مودة الأرحام، فإني قد أوجبت عليكم صلَتَها، فإن قطع الأرحام من أكبر الكبائر وصلتَها باب لكل خير، فتزيد في العمر، وتبارك في الرزق وقطعها سبب لكل ضر، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى الله، وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس، فتارة تكون عادته مع رحمه الصلةَ بالإحسان، وتارةً بالخدمة، وقضاء الحاجة، وتارةً بالمكانية، وتارة بحسن العبارة وغير ذلك، ولا فرق في الرحم؛ أي: القريب بين الوارث وغيره، كالخالة والخال والنعمة وبنتها، والأم والجد والجدة، وفي الآية دليل على تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها، ويدل على ذلك أيضًا، الأحاديث الواردة في ذلك، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". متفق عليه. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سره أن يبسط عليه من رزقه، وينسأ في أثره، فليصل رحمه"، متفق عليه. قوله: يُنسأ في أثره؛ أي:

стр. 2239

يؤخر له في أجله. وعن جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة قاطع". قال سفيان في روايته: يعني قاطع رحم. متفق عليه. وعن الحسن قال: من سألك بالله .. فأعطه، ومن سألك بالرحم. فأعطه .. وعن ابن عباس قال: الرحم معلقة بالعرش، فإذا أتاها الواصل .. بشت به، وكلمته، وإذا أتاها القاطع .. احتجبت عنه. وقرأ جمهور (١) السبعة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب على أن يكون معطوفًا على لفظ الجلالة؛ أي: اتقوا الله، واتقوا الأرحام فصلوها، ولا تقطعوها، أو معطوفًا على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيدِ وعمرًا. وقرأ حمزة بالجر، وهي قراءة النخعي، وقتادة، والأعمش عطفًا على الضمير المجرور، والمعنى عليه: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام؛ لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم، فيقول: أسألك باللهِ، والرحم، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم، وهو ضعيف عند البصريين؛ لأنه كالعطف على بعض الكلمة؛ لأن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة خافض، وإن كان لغةً فصيحةً فهو خلاف الكثير، كما أشار إلى ذلك ابن مالك بقوله: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ علَى ... ضَمِيْرِ خَفْضٍ لاَزِمًا قَدْ جُعِلاَ وَلَيْسَ عِنْدِيْ لاَزِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ... فِيْ النَّظْمِ وَالنَثْرِ الصَّحِيْحِ مُثْبَتَا وأشار بالنثر الصحيح إلى الآية، وبالنظم إلى قول الشاعر: فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تَهْجُوْنَا وَتَشْتِمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ وقرأ عبد الله بن يزيد بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: والأرحام كذلك؛ أي: مما يتقى أو يتساءل به ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: حافظًا مطلعًا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال،

стр. 2240

وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدًا لمجازاتكم على ذلك. والرقيب في صفته هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أمر خلقه، فبين بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أنه يعلم السر وأخفَى، ومن كان كذلك .. فهو جدير بأن يخاف ويتقى. ٢ - ثم ذكر تعالى اليتامى فأوصى بهم خيرًا، وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي: وأعطوا اليتامى والصغارَ الذين لا أب لهم، أموالهم التي في أيديكم، إذا بلغوا رشداء، والخطاب فيه للأولياءِ، والأوصياء واليتامى الصغار الذين مات آباؤهم، وإن كان لهم أجداد وأمهات. وإطلاق (١) اسم اليتامى عليهم عند إعطائهم أموالَهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتيم عنهم بالبلوغ مجاز باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى: المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة، والكوسة لا دفعها جميعها، وهذه الآية مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ولا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مجوزًا لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنَسَ منهم الرشد. وقال أبو السعود (٢)؛ أي: لا تتعرضوا لأموال اليتامى بسوءٍ حتى تأتيَهم، وتصلَ سالمةً، سواء أريد باليتامى الصغار، أو ما يعم الصغارَ والكبارَ، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾؛ أي: لا تتبدلوا الحرامَ الذي هو مال اليتامى ﴿بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي: بالحلال الذي هو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب، بأن تتركوا أموالكم الطيبَ لكم، وتأكلوا أموالَ اليتامى من الخبيث عليكم لجودتها على أموالكم، واختلفوا (٣) في هذا التبدل، فقال سعيد بن المسيب، والنخعي، والزهري، والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيدَ من مال اليتيم، ويجعلون مكانَه الرديء، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة، ويجعل مكانَها الهزيلةَ، ويأخذ

стр. 2241

الدرهمَ الجيدَ، ويجعل مكانَه الزيف، ويقول: شاة بشاة، ودرهم بدرهم، فذلك تبديلهم فنهوا عنه، وقال عطاء: هو الربح في مال اليتيم، وقيل: هو أكل مال اليتيم عوضًا عن أكل أموالهم فنهوا عنه. وخلاصة ذلك (١): واحفظوا أيها الأولياء والأوصياء أموالَ اليتامى، ولا تتعرضوا لها بسوءٍ، وسلموها لهم متى آنستم منهم رشدًا ولا تتمتعوا بأموالهم في المواضع، والحالات التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم، فإذا فعلتم ذلك .. فقد جعلتم مالَ اليتيم بدلًا من مالكم. ﴿وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي: أموال اليتامى مخلوطةً ومضمومةً ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في الانتفاع بها؛ لأن في ذلك قلة مبالاة بما لا يحل، وتسوية بين الحرام والحلال، فإنه لا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. والمراد بالأكل هنا: سائر التصرفات المهلكة للأموال، وإنما ذكر الأكلَ؛ لأن معظم ما يقع من التصرفات؛ فهو لأجله ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن أكل أموال اليتامى بغير حق ﴿كَانَ﴾ عند الله تعالى ﴿حُوبًا﴾؛ أي: ذنبًا ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا، وإثمًا شديدًا. والمعنى (٢): أن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم، وخطأُ كبير فاجتنبوه. فإن اليتيم ضعيفٌ لا يقدر على حفظ ماله، والدفاع عنه، فهو في حاجة إلى رعاية، وحماية، وظلم الضعيف عند الله عظيم. وقرأ الجمهور (٣) ﴿حُوبًا﴾ بضم الحاء، وقرأ الحسن ﴿حُوبًا﴾ بفتح الحاء، وهي لغة تميم، وغيرهم وقرأ أبي بن كعب ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ بالألف، وكلها مصادر كقال قولًا وقالًا. ٣ - ثم أرشد تعالى إلى ترك التزوج من اليتيمة إذا لم يعطها مهر أمثالها فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يا أولياء

стр. 2242

اليتامى وعلمتم من أنفسكم ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛ أي: أن لا تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ إذا نكحتموهن ﴿فَانْكِحُوا﴾؛ أي: فاتركوهن، وتزوجوا ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الأجنبيات؛ أي: فتزوجوا من استطابتها، وأحبتها أنفسكم، ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات، أو فانكحوا ما حل لكم من النساء؛ لأن منهن ما حرم الله تعالى كاللاتي في آية التحريم، وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بدل من ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ والواو فيه بمعنى، أو التي للتخيير؛ أي: فانكحوا اثنين اثنين من النساء الأجنبيات، أو ثلاثةً ثلاثةً منها، أو أربعةً أربعةً منها، ولا تزيدوا على أربع؛ أي: فيجوز لكل أحد أن يختار لنفسه قسمًا واحدًا من هذه الأقسام بحسب حاله، فإن قدر على نكاح اثنين فاثنتان، وإن قدر على ثلاث فثلاث، وإن قدر على أربع فأربع، لا أنه يضم عددًا منها إلى عدد آخر، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد على أربع نسوة، وأن الزيادة على أربع من خصائص النبي ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد من الأمة، ويدل على أن الزيادة على أربع غير جائزة، وأنها حرام ما روي عن الحارث بن قيس أو قيس بن الحارث قال: أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اختر منهن أربعًا". أخرجه أبو داود. وعن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعًا. أخرجه الترمذي. قال العلماء (١): فيجوز للحر أن يجمع بين أربع نسوة حرائر، ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه خطاب لمن ولي وملك، وذلك للأحرار دون العبيد، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه، وربيعة: يجوز للعبد أن يتزوج بأربع نسوة، واستدل بهذه الآية. وأجاب الشافعي بأن هذه الآية مختصة بالأحرار، ويدل عليه آخر الآية، وهو قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا

стр. 2243

فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ والعبد لا يملك شيئًا، فثبت بذلك أن المراد بحكم الآية الأحرار دون العبيد ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ أي: خشيتم، وقيل: علمتم ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ بين الأزواج الأربع أو ما دونها من هذه الأعداد في القسمة، والنفقة ﴿فـ﴾ تزوجوا ﴿واحدة﴾ واقتصروا عليها، ولا تزيدوا ﴿أَوْ﴾ استفرشوا ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وأيديكم من الإماء من غير حصر؛ لأنه لا قسمة لهن عليكم، ولكن لهن حق الكفاية في نفقات المعيشة بما يتعارفه الناس، والمراد استفراشهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرةَ لقبض الأموال، وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الاقتصار على الواحدة، أو على التسري بالإماء ﴿أَدْنَى﴾، وأقرب إلى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ ولا تميلوا من الحق، ولا تجوروا؛ أي: اختيار الواحدة، أو التسري أقرب من عدم الجور والظلم. والخوف (١) من عدم العدل يصدق بالظن والشك في ذلك، فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو من يشق من نفسه بالعدل ثقة لا شك فيها. والخلاصة: أن البعد من الجور سبب في تشريع الحكم، وفي هذا إيماء إلى اشتراط العدل، ووجوب تحريه، وإلى أنه عزيز المنال كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. والعدل إنما يكون فيما يدخل تحت طاقة الإنسان، كالتسوية في المسكن، والملبس، ونحو ذلك، أما ما لا يدخل في وسعه من ميل القلب إلى واحدة دون أخرى، فلا يكلف الإنسان بالعدل فيه، وقد كان النبي ﷺ في آخر عهده يميل إلى عائشة أكثر من سائر نسائه، لكنه لا يخصها بشيءٍ دونهن إلا برضاهن، وإذنهن وكان يقول: "اللهم إنّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يريد ميل القلب، وقد استبان لك مما سبق أن إباحة تعدد الزوجات مضيق فيها أشد التضييق، فهي ضرورة تباح لمن يحتاج إليها بشرط الثقة بإقامة العدل،

стр. 2244

والأمن من الجور. وصفوة القول (١): أن تعدد الزوجات يخالف المودة، والرحمة، وسكون النفس إلى المرأة، وهي أركان سعادة الحياة الزوجية؛ فلا ينبغي لمسلم أن يقدم عليه إلا لضرورة مع الثقة بما أوجبه الله تعالى من العدل، وليس وراء ذلك إلا ظلم المرء لنفسه، وامرأته وولده وأمته. وأن من يرى الفساد الذي يدب في الأسر التي تتعدد فيها الزوجات .. ليحكم حكمًا قاطعًا؛ بأن البيت الذي فيه زوجتان أو أكثر لرجل واحد لا تستقيم له حال، ولا ينتظم له نظام. فإنك ترى إحدى الضرتين تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وكثيرًا ما يطيع أحب نسائه إليه فيدب الفساد في الأسرة كلها. وربما جر ذلك إلى السرقة، والزنا، والكذب، والقتل فيقتل الولد والدَه، والوالد ولده، والزوجة زوجَها، والعكس بالعكس كما دونت سجلات المحاكم. فيجب على رجال القضاء والفتيا الذين يعلمون أن درء المقاصد مقدم على جلب المصالح، وأن من أصول الدين منع الضرر والضرار، أنْ ينظروا إلى علاج ذلك، ويضعوا من الزواجر ما يكفل منع هذه المقاصد على قدر المستطاع. مزايا تعدد الزوجات وفوائده عند الحاجة إليه الأصل في السعادة الزوجية: أن يكون للرجل زوج واحدة، وذلك منتهى الكمال الذي ينبغي أن يربى عليه الناس، ويقنعوا به، لكن قد يعرض ما يدعو إلى مخالفة ذلك لمصالح هامة تتعلق بحياة الزوجين، أو حاجة الأمة؛ فيكون التعدد ضربة لازب لا غنى عنه، ومن ذلك:

стр. 2245

١ - أن يتزوج الرجل امرأةً عاقرًا، وهو يود أن يكون له ولد، فمن مصلحتها أو مصلحتهما معًا أن تبقى زوجًا له، ويتزوج بغيرها، ولا سيما إذا كان ذَا جاء وثروة كأن يكون ملكًا أو أميرًا. ٢ - وأن تكبر المرأة، وتبلغ سن اليأس، ويرى الرجل حاجتَه إلى العقب، وهو قادر على القيام بنفقة غير واحدة، وكفاية الأولاد الكثيرين، وتعليمهم. ٣ - وأن يرى الرجل أن امرأةً واحدةً لا تكفيه لإحصانه؛ لأن مزاجه الخاص يدفعه إلى الحاجة إلى النساء، ومزاجها بعكس هذا، أو يكون زمن حيضها طويلًا، يأخذ جزءًا كبيرًا من الشهر، فهو حينئذ أمامَ أحد أمرين: إما التزوج بثانية، وإما الزنا الذي يضيع الدين، والمال، والصحة، ويكون هذا شرًّا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما، كما هو شرط الإباحة في الإِسلام. ٤ - وأن تكثر النساء في الأمة كثرةً فاحشة، كما يحدث عقب الحروب التي تجتاح البلاد، فتذهب بالألوف المؤلفة من الرجال فلا وسيلة للمرأة في التكسب في هذه الحال إلا بيع عفافها، ولا يخفى ما بعد هذا من شقاء على المرأة التي تقوم بالإنفاق على نفسها، وعلى ولد ليس له والد يكفله، ولا سيما عقبَ الولادة ومدة الرضاعة، والمشاهد أن اختلاط النساء بالرجال في المعامل، ومحال التجارة وغيره من الأماكن العامة قد جر إلى كثير من هتك الأعراض، والوقوع في الشقاء والبلاء، فهذه مصيبة أي مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. حكمة تعدد زوجات النبي ﷺ (١) راعى النبي ﷺ النصيحة في اختيار كل زوجة من زوجاته، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترامَ النساء وإكرام كرائمهن، والعدلَ بينهن. وترك من بعده تسعَ أمهات للمؤمنين، يعلمن نساءَهم الأحكامَ الخاصة بالنساء،
следующие страницы →