الدرهمَ الجيدَ، ويجعل مكانَه الزيف، ويقول: شاة بشاة، ودرهم بدرهم، فذلك تبديلهم فنهوا عنه، وقال عطاء: هو الربح في مال اليتيم، وقيل: هو أكل مال اليتيم عوضًا عن أكل أموالهم فنهوا عنه.
وخلاصة ذلك (١): واحفظوا أيها الأولياء والأوصياء أموالَ اليتامى، ولا تتعرضوا لها بسوءٍ، وسلموها لهم متى آنستم منهم رشدًا ولا تتمتعوا بأموالهم في المواضع، والحالات التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم، فإذا فعلتم ذلك .. فقد جعلتم مالَ اليتيم بدلًا من مالكم.
﴿وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي: أموال اليتامى مخلوطةً ومضمومةً ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في الانتفاع بها؛ لأن في ذلك قلة مبالاة بما لا يحل، وتسوية بين الحرام والحلال، فإنه لا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم.
والمراد بالأكل هنا: سائر التصرفات المهلكة للأموال، وإنما ذكر الأكلَ؛ لأن معظم ما يقع من التصرفات؛ فهو لأجله ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن أكل أموال اليتامى بغير حق ﴿كَانَ﴾ عند الله تعالى ﴿حُوبًا﴾؛ أي: ذنبًا ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا، وإثمًا شديدًا.
والمعنى (٢): أن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم، وخطأُ كبير فاجتنبوه.
فإن اليتيم ضعيفٌ لا يقدر على حفظ ماله، والدفاع عنه، فهو في حاجة إلى رعاية، وحماية، وظلم الضعيف عند الله عظيم. وقرأ الجمهور (٣) ﴿حُوبًا﴾ بضم الحاء، وقرأ الحسن ﴿حُوبًا﴾ بفتح الحاء، وهي لغة تميم، وغيرهم وقرأ أبي بن كعب ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ بالألف، وكلها مصادر كقال قولًا وقالًا.
٣ - ثم أرشد تعالى إلى ترك التزوج من اليتيمة إذا لم يعطها مهر أمثالها فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يا أولياء
стр. 2242
اليتامى وعلمتم من أنفسكم ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛ أي: أن لا تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ إذا نكحتموهن ﴿فَانْكِحُوا﴾؛ أي: فاتركوهن، وتزوجوا ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الأجنبيات؛ أي: فتزوجوا من استطابتها، وأحبتها أنفسكم، ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات، أو فانكحوا ما حل لكم من النساء؛ لأن منهن ما حرم الله تعالى كاللاتي في آية التحريم، وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بدل من ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ والواو فيه بمعنى، أو التي للتخيير؛ أي: فانكحوا اثنين اثنين من النساء الأجنبيات، أو ثلاثةً ثلاثةً منها، أو أربعةً أربعةً منها، ولا تزيدوا على أربع؛ أي: فيجوز لكل أحد أن يختار لنفسه قسمًا واحدًا من هذه الأقسام بحسب حاله، فإن قدر على نكاح اثنين فاثنتان، وإن قدر على ثلاث فثلاث، وإن قدر على أربع فأربع، لا أنه يضم عددًا منها إلى عدد آخر، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد على أربع نسوة، وأن الزيادة على أربع من خصائص النبي ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد من الأمة، ويدل على أن الزيادة على أربع غير جائزة، وأنها حرام ما روي عن الحارث بن قيس أو قيس بن الحارث قال: أسلمت، وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اختر منهن أربعًا". أخرجه أبو داود.
وعن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعًا. أخرجه الترمذي.
قال العلماء (١): فيجوز للحر أن يجمع بين أربع نسوة حرائر، ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه خطاب لمن ولي وملك، وذلك للأحرار دون العبيد، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه، وربيعة: يجوز للعبد أن يتزوج بأربع نسوة، واستدل بهذه الآية. وأجاب الشافعي بأن هذه الآية مختصة بالأحرار، ويدل عليه آخر الآية، وهو قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا
стр. 2243
فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ والعبد لا يملك شيئًا، فثبت بذلك أن المراد بحكم الآية الأحرار دون العبيد ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ أي: خشيتم، وقيل: علمتم ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ بين الأزواج الأربع أو ما دونها من هذه الأعداد في القسمة، والنفقة ﴿فـ﴾ تزوجوا ﴿واحدة﴾ واقتصروا عليها، ولا تزيدوا ﴿أَوْ﴾ استفرشوا ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وأيديكم من الإماء من غير حصر؛ لأنه لا قسمة لهن عليكم، ولكن لهن حق الكفاية في نفقات المعيشة بما يتعارفه الناس، والمراد استفراشهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرةَ لقبض الأموال، وإقباضها، ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الاقتصار على الواحدة، أو على التسري بالإماء ﴿أَدْنَى﴾، وأقرب إلى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ ولا تميلوا من الحق، ولا تجوروا؛ أي: اختيار الواحدة، أو التسري أقرب من عدم الجور والظلم.
والخوف (١) من عدم العدل يصدق بالظن والشك في ذلك، فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو من يشق من نفسه بالعدل ثقة لا شك فيها.
والخلاصة: أن البعد من الجور سبب في تشريع الحكم، وفي هذا إيماء إلى اشتراط العدل، ووجوب تحريه، وإلى أنه عزيز المنال كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
والعدل إنما يكون فيما يدخل تحت طاقة الإنسان، كالتسوية في المسكن، والملبس، ونحو ذلك، أما ما لا يدخل في وسعه من ميل القلب إلى واحدة دون أخرى، فلا يكلف الإنسان بالعدل فيه، وقد كان النبي ﷺ في آخر عهده يميل إلى عائشة أكثر من سائر نسائه، لكنه لا يخصها بشيءٍ دونهن إلا برضاهن، وإذنهن وكان يقول: "اللهم إنّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يريد ميل القلب، وقد استبان لك مما سبق أن إباحة تعدد الزوجات مضيق فيها أشد التضييق، فهي ضرورة تباح لمن يحتاج إليها بشرط الثقة بإقامة العدل،
стр. 2244
والأمن من الجور.
وصفوة القول (١): أن تعدد الزوجات يخالف المودة، والرحمة، وسكون النفس إلى المرأة، وهي أركان سعادة الحياة الزوجية؛ فلا ينبغي لمسلم أن يقدم عليه إلا لضرورة مع الثقة بما أوجبه الله تعالى من العدل، وليس وراء ذلك إلا ظلم المرء لنفسه، وامرأته وولده وأمته.
وأن من يرى الفساد الذي يدب في الأسر التي تتعدد فيها الزوجات .. ليحكم حكمًا قاطعًا؛ بأن البيت الذي فيه زوجتان أو أكثر لرجل واحد لا تستقيم له حال، ولا ينتظم له نظام.
فإنك ترى إحدى الضرتين تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وكثيرًا ما يطيع أحب نسائه إليه فيدب الفساد في الأسرة كلها.
وربما جر ذلك إلى السرقة، والزنا، والكذب، والقتل فيقتل الولد والدَه، والوالد ولده، والزوجة زوجَها، والعكس بالعكس كما دونت سجلات المحاكم.
فيجب على رجال القضاء والفتيا الذين يعلمون أن درء المقاصد مقدم على جلب المصالح، وأن من أصول الدين منع الضرر والضرار، أنْ ينظروا إلى علاج ذلك، ويضعوا من الزواجر ما يكفل منع هذه المقاصد على قدر المستطاع.
مزايا تعدد الزوجات وفوائده عند الحاجة إليه
الأصل في السعادة الزوجية: أن يكون للرجل زوج واحدة، وذلك منتهى الكمال الذي ينبغي أن يربى عليه الناس، ويقنعوا به، لكن قد يعرض ما يدعو إلى مخالفة ذلك لمصالح هامة تتعلق بحياة الزوجين، أو حاجة الأمة؛ فيكون التعدد ضربة لازب لا غنى عنه، ومن ذلك:
стр. 2245
١ - أن يتزوج الرجل امرأةً عاقرًا، وهو يود أن يكون له ولد، فمن مصلحتها أو مصلحتهما معًا أن تبقى زوجًا له، ويتزوج بغيرها، ولا سيما إذا كان ذَا جاء وثروة كأن يكون ملكًا أو أميرًا.
٢ - وأن تكبر المرأة، وتبلغ سن اليأس، ويرى الرجل حاجتَه إلى العقب، وهو قادر على القيام بنفقة غير واحدة، وكفاية الأولاد الكثيرين، وتعليمهم.
٣ - وأن يرى الرجل أن امرأةً واحدةً لا تكفيه لإحصانه؛ لأن مزاجه الخاص يدفعه إلى الحاجة إلى النساء، ومزاجها بعكس هذا، أو يكون زمن حيضها طويلًا، يأخذ جزءًا كبيرًا من الشهر، فهو حينئذ أمامَ أحد أمرين: إما التزوج بثانية، وإما الزنا الذي يضيع الدين، والمال، والصحة، ويكون هذا شرًّا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما، كما هو شرط الإباحة في الإِسلام.
٤ - وأن تكثر النساء في الأمة كثرةً فاحشة، كما يحدث عقب الحروب التي تجتاح البلاد، فتذهب بالألوف المؤلفة من الرجال فلا وسيلة للمرأة في التكسب في هذه الحال إلا بيع عفافها، ولا يخفى ما بعد هذا من شقاء على المرأة التي تقوم بالإنفاق على نفسها، وعلى ولد ليس له والد يكفله، ولا سيما عقبَ الولادة ومدة الرضاعة، والمشاهد أن اختلاط النساء بالرجال في المعامل، ومحال التجارة وغيره من الأماكن العامة قد جر إلى كثير من هتك الأعراض، والوقوع في الشقاء والبلاء، فهذه مصيبة أي مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
حكمة تعدد زوجات النبي ﷺ (١)
راعى النبي ﷺ النصيحة في اختيار كل زوجة من زوجاته، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترامَ النساء وإكرام كرائمهن، والعدلَ بينهن. وترك من بعده تسعَ أمهات للمؤمنين، يعلمن نساءَهم الأحكامَ الخاصة بالنساء،
стр. 2246
مما ينبغي أن يعلمنه منهن لا من الرجال، ولو كان قد ترك واحدة ما كان فيها الغناء، كما لو ترك التسعَ.
وقصارى القول: إنه ﵇، ما أراد بتعدد الزوجات ما يريده الملوك والأمراء، والمترفون من التمتع بالنساء، إذ لو كان قد أراد ذلك لأختارهن من حسان الأبكار، لا من الكهلات الثيبات، كما قال لمن اختار ثيبًا: "هلا بكرًا تلاعبها، وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك". رواه الشيخان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ بضم التاء من أقسط الرباعي بمعنى عدل، وقرأ النخعي، وابن وثاب تقسطوا بفتح التاء من قسط الثلاثي، بمعنى جار ويقال: قسط بمعنى أقسط؛ أي: عدل، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿من طاب﴾ وقرأ الجمهور ﴿مَا طَابَ﴾ فقيل ﴿ما﴾ بمعنى من، وقيل عبر بـ ﴿ما﴾ عن النساء؛ لأن إناثَ العقلاء لنقصان عقولهن يجرين مجرى غير العقلاء.
وقرأ ابن أبي إسحاق، والجحدري، والأعمش ﴿طاب﴾. بالإمالة، وفي مصحف أبي. ﴿طيب﴾ بالياء، وهو دليل الإمالة وقرأ النخعي، ويحيى بن وثاب ﴿ثلث وربع﴾ بغير ألف، وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر، وابن هرمز ﴿فواحدة﴾ بالرفع، ووجه ذلك ابن عطية على أنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: فواحدة كافية وقرأ ابن أبي عبلة ﴿أو من ملكت أيمانكم﴾ وقرأ الجمهور ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أي: تجوروا من عال الرجل يعول إذا مال، وجار، وقرأ طلحة بن مصرف ﴿أن لا تعيلوا﴾ بفتح التاء؛ أي: لا تفتقروا من العيلة، وقرأ طاووس ﴿أن لا تعيلوا﴾ من أعال الرجل إذا كثر عياله.
٤ - ولما أذن الله في نكاح الأربع، وما دونها أمر الأزواج باجتناب ما كانوا عليه في الجاهلية، قيل: كان الرجل منهم يتزوج بلا مهر، ويقول: أرثك وترثيني، فتقول: نعم، فأمروا بأن يسرعوا إعطاء المهور، فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: وأعطوا أيها الأزواج النساء اللواتي تعقدون عليهن
стр. 2247
﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾؛ أي: مهورهن حالة كونها ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: عطية من الله فرضها لها بلا مقابلة مال؛ ليكون رمزًا للمودة التي ينبغي أن تكون بينكما، وآية من آيات المحبة، ودليلًا على وثيق الصلة، والرابطة التي تجب أن تكنفكما، وتحيط بسماء المنزل الذي تحلان فيه، وقد جرى عرف الناس بعدم الاكتفاء بهذا العطاء، فتراهم يردفونه بأصناف الهدايا والتحف من مآكل، وملابس، ومصوغات إلى نحو ذلك مما يعبر عن حسن تقدير الرجل للمرأة التي يريد أن يجعلها شريكته في الحياة.
وسمي (١) الصداق نحلة من حيث أنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عوض مالي، وقيل (٢): معناه: فريضة كما قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، وإنما فسروا النّحلة بالفريضة؛ لأن النحلة في اللغة معناها: الديانة، والملة، والشرعة، والمذهب فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ أي: أعطوهن مهورهن؛ لأنها شريعة، ودين، ومذهب، وما هو كذلك، فهو فريضة ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ النساء المتزوجات ﴿لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾؛ أي: من الصداق المعين فوهبن لكم شيئًا منه بطيب نفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن؛ أي: فإن طابت نفوسهن بإعطائكم شيئًا من الصداق من غير ضرار، ولا خديعة ﴿فَكُلُوهُ﴾؛ أي: فخذوا ذلك الشيء وتصرفوا فيه، وانتفعوا به، وهو أمر إباحة، وعبر بالأكل؛ لأنه معظم الانتفاع؛ أي: ﴿فَكُلُوهُ﴾ أكلًا ﴿هَنِيئًا﴾؛ أي: حلالًا لا إثم عليه في الدنيا ﴿مَرِيئًا﴾؛ أي: طيبًا لا مؤاخذة عليه في الآخرة.
ومن ثم (٣): لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته، إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا وحملها الخوف أو الخجل على إعطاء ما طلب، فلا يحل له، ألا ترى أن الله نهى عن أخذ شيء، من المرأة، في طور المفارقة فقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ
стр. 2248
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فالتحذير من أخذه في طور الرغبة والتحبب وإظهار القدرة على ما يجب عليه من أعباء الزوجية من كفالة المرأة، والإنفاق عليها يكون أشد، وآكد، ولكن حب المال جعل الرجال يماكسون في المهر كما يماكسون في سلع التجارة، وصار حبهم للمحافظة على الشرف والكرامة دون حبهم للدرهم والدينار. وذهب الأوزاعي (١) إلى أنه لا يجوز تبرعها ما لم تلد، أو تقم في بيت زوجها سنة، فلو رجعت بعد الهبة فقال شريح، وعبد الملك بن مروان: لها أن ترجع، وروى مثله عن عمر بن الخطاب، فقد روي عنه أنه كتب إلى قضاته: أن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها، ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك، قال شريح: لو طابت نفسها لما رجعت.
قال الشوكاني (٢): فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها لم يحل للزوج، ولا للولي، وإن كانت قد تلفظت بالهبة، أو النذر، أو نحوهما، وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب انتهى.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ بفتح الصاد، وضم الدال جمع صدقة على وزن سمرة، وقرأ قتادة وغيره، بإسكان الدال وضم الصاد جمع صدقة على وزن غرفة، وقرأ مجاهد، وموسى بن الزبير، وابن أبي عبلة، وفياض بن غزوان، وغيرهم: ﴿صدقاتهن﴾ بضمهما، وقرأ النخعي، وابن وثاب: ﴿صدقتهن﴾ بضمهما، وبالإفراد، وهو تثقيل صدقة، كظلمة في ظلمة.
وقرأ الحسن، والزهري ويزيد، وكذا حمزة في الوقف ﴿هنيا مريا﴾ بلا همزة، أبدلوا الهمزة التي هي لام الكلمة ياءً، وأدغموا فيها ياء المدح، وهمزهما الباقون.
стр. 2249
٥ - ولما أمر الله في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاء النساءِ مهورهن .. أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين جميعًا، وهو: أن لا يكون كل منهما سفيهًا مع بيان أنهم يرزقون فيها، ويكسون ما دامت في أيديهم مع قول المعروف لهم حتى تَحسن أحوالُهم، وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد، وأنهم لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى، فمن كان من الأولياء غنيًّا. فليعف عن الأكل من أموالهم، ومن كان فقيرًا .. فليأكل بما يبيحه الشرع، ويستجيزه أهل المروءة، كما مر هذا الكلام بعينه في بحث المناسبة، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾؛ أي: ولا تعطوا أيها الأولياء ﴿السُّفَهَاءَ﴾؛ أي: الضعفاء العقول المبذرين للأموال بصرفها في غير مصارفها ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ﴾ ﴿لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: حياة ومعيشة تنتعشون بها، وتقومون بها، وهذا نهي للأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم، فيضيعوها، وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، ولم يقل: أموالهم مع أن الخطاب للأولياء، والمال مال السفهاء الذين في ولايتهم؛ لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم ولينبهنا إلى أنه إذا ضاع هذا المال وجب على الولي أن ينفق عليه من مال نفسه، فإضاعته مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله، وإلى أن الأمة متكافلة في المصالح، فمصلحة كل فرد فيها، كأنها مصلحة للآخرين، والحاصل: أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، والمراد بالسفهاء: الصغار، والبالغون المبذرون من الأولاد، وهذا القول هو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة.
وقيل (١): المراد بالسفهاء: امرأتك، وابنك السفيه. قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خوله الله لك، وجعله لك معيشةً فتعطيه امرأتَك، وابنك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما بين أيديهم، أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم، ومؤونتهم.
стр. 2250
وقال الكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهةٌ مفسدة، وأن ولده سفيهٌ مفسد، لا ينبغي له أن يسلط واحدًا منهما على ماله، فيفسده، وإنما سماهم سفهاء استخفافًا بعقلهم، واستهجانًا لجعلهم قوامًا على أنفسهم، وعلى هذا فالإضافة في قوله ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ على ظاهرها وحقيقتها.
ومعنى جعل الأموال قيامًا للناس (١): أن بها تقوم وتثبت منافعهم، ومرافقهم، فمنافعُهم الخاصة ومصالحهم العامة، لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالهم في أيدي الراشدين المقتصدين منهم، الذين يحسنون تثميرها، وتوفيرَها، ولا يتجاوزون حدودَ المصلحة في الإنفاق.
وفي هذا حث عظيم على الاقتصاد بذكر فوائده، وتنفير من الإسراف والتبذير ببيان مغبته (٢)، فإن الأموال إذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين، فات ما كان من تلك المنافع قائمًا، ومن ثم وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ وقد ورد في السنة النبوية حث كثير على الاقتصاد من ذلك: ما رواه أحمد عن ابن مسعود "ما عال من اقتصد" وما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم".
وإن من أشد العجب أن يكون حال المسلمين اليومَ ما نرى من الإسراف والتبذير، بإنفاق أموالهم في غير مصارفها، من المغنيات، والملاهي، وسائر وجوه المحرمات، وكتابهم يهديهم إلى ما للاقتصاد من فوائد، وما للتبذير من مضار، انظر إلى ما للمال في هذا الزمن من المنزلة التي لا يقدر قدرها حتى صارت جميع المرافق موقوفة على المال، وأصبحت الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد، وليس في أيديها المال مستذلة مستعبدة للأمم الغنية ذات البراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد، وجمع المال، ولا سبب لهذا إلا أنا نبذنا هدي
стр. 2251
القرآن وراء ظهورنا، وأخذنا بآراء الجاهلين الذين لبسوا على الناس ونفثوا سمومهم، وبالغوا في التزهيد، والحث على إنفاق ما تصل إليه الأيدي، مع أن السلف الصالح كانوا من أشد الناس محافظةً على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الكسب الحلال، وليت هذا التزهيد أتى بالغرض المسوق لأجله من الترغيب في الآخرة، والعمل لها، لكنهم زهدوهم في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة، فخسروهما معًا، وما ذاك إلا لجهلهم بهدي الإِسلام، وهو السعي للدنيا، والعمل للآخرة كما ورد في الأثر "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا" وكانوا يقولون: اتجروا، فإنكم في زمان، إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.
وقرأ الحسن (١)، والنخعي ﴿اللاتي جعل الله لكم قيامًا﴾ وهو في المعنى جمع التي، وقرأ الجمهور ﴿الَّتِي﴾ بالإفراد، قال ابن عطية: والأموال جمع لا يعقل، فالأصوب فيه قراءة الجماعة انتهى كما قال بعضهم:
وَجَمْعُ كَثْرَةٍ لِمَا لاَ يَعْقِلُ ... الأفْصَحُ الإِفرَادُ فِيهِ يَا فُلُ
وقرىء شاذًا ﴿اللواتي﴾، وهو أيضًا في المعنى جمع التي.
وقرأ نافع، وابن عامر ﴿قيمًا﴾ وجمهور السبعة ﴿قِيَامًا﴾ ولما انكسرت القاف في قوام، أبدلوا الواو ياءً. وعبد الله بن عمر ﴿قوامًا﴾ بكسر القاف، والحسن، وعيسى بن عمر ﴿قوامًا﴾ بفتحها، ورويت عن أبي عمرو، وقرىء شاذًا ﴿قومًا﴾ فأما ﴿قيمًا﴾ فمصدر كالقيام، والقوام، قاله الكسائي، والفراء، والأخفش، وليس مقصورًا من قيام، وقيل: هو مقصور منه. قالوا: حذفت الألف كما حذفت في خيم وأصله خيام.
﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾؛ أي: وأطعموا السفهاء، واليتامى ﴿فِيهَا﴾؛ أي: من أموالهم التي في أيديكم، وأنفقوا عليهم منها ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾؛ أي: ألبسوهم منها، وإنما قال الله ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها. كما هو ظاهر السياق، لئلا يكون ذلك أمرًا بجعل
стр. 2252
بعض أموالهم رزقًا لهم، بل أمرهم بأن يجعلوا أموالَهم مكانًا لرزقهم، وكسوتهم بأن يتجروا فيها، ويثمروها، فيجعلوا أرزاقَهم من الأرباح لا من أصول المال، فيأكلها الإنفاق.
والمعنى: أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال اليتامى والسفهاء، وتثميرها حتى كأنها أموالكم، عليكم أن تنفقوا عليهم فتقدموا لهم كفايتَهم من الطعام، والثياب وغير ذلك.
والرزق (١) من الله تعالى: هو العطية من غير حد، ولا قطع، ومعنى الرزق من العباد: هو الأجر الموظف المعلوم لوقت معلوم محدود.
والرزق يعم وجوه الإنفاق كلها، كالأكل، والكسوة، والسكن، والزواج، وإنما خص الكسوةَ بالذكر؛ لأن الناس يتساهلون فيها أحيانًا ﴿وَقُولُوا﴾: أيها الأولياء ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لليتامى، والسفهاء ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ أي: جميلًا، حسنًا، شرعًا، وعقلًا وهو كل ما سكنت إليه النفس، واطمأنت به؛ لأن القول الجميل يؤثر في القلب، ويزيل السفَهَ، كأن يقول الولي له: إذا كان صغيرًا المال مالك، وأنا أمين عليه، وخازن له لك، وإذا كبرت ورشدتَ سلمت إليك أموالك، وإذا كان سفيهًا وعظه، ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبةَ ذلك الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى نحو ذلك، كما يعلمه كل ما يوصله إلى الرشد، وبذا قد تحسن حاله، فربما كان السفه عارضًا لا فطريًّا، فبالنصح والإرشاد، والتأديب يزول ذلك العارض، ويصبح رشيدًا.
وأين هذا مما يفعله الأولياء والأوصياء من أكل أموال السفهاء ومدهم في غيهم، وسفههم حتى يحولوا بينهم وبين أسباب الرشد. وما مقصدهم من ذلك إلا بقاء الأموال تحت أيديهم يتمتعون بها، ويتصرفون فيها بحسب أهوائهم وشهواتهم!.
٦ - وبعد أن أمر الله بإيتاء اليتامى أموالَهم، وكان هذا مجملًا
стр. 2253
ذكر كيفية ذلك الإيتاء، ووقته فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية (١) نزلت في ثابت بن رفاعة، وفي عمه، وذلك أن رفاعة مات، وترك ابنه ثابتًا، وهو صغير فجاء عمه إلى النبي ﷺ وقال له: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾؛ أي: واختبروا أيها الأولياءُ الصغارَ الذين لا أب لهم قبل البلوغ، في عقولم، وأديانهم، وتصرفهم في أموالهم بما يليق بحالهم، بأن تجربوا ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماكسة فيهما، وولد الزراع بالزراعة، والنفقة على القوام بها، والأنثى فيما يتعلق بالغزل، والقطن، وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها، وحفظ متاع البيت، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها.
قال أبو حنيفة ﵀ (٢): تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم، وقال الشافعي: ولا يصح عقد الصبي المميز بل يُمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد .. عقد الولي؛ لأنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر، فثبت عدمُ جواز تصرفه حالَ الصغر ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾؛ أي: اختبروهم في عقولهم، وجربوهم في تصرفاتهم إلى وقت بلوغهم زمن صلاحية النكاح، والزواج، والوطء بأن يبلغ بالاحتلام، أو باستكمال خمس عشرة سنة، عند الشافعي، أو ثماني عشرة سنة عند أبي حنيفة، وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ؛ لأنه يصلح للنكاح عنده، فإذا بلغوا، ووصلوا زمنَ صلاحية النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ وعلمتم ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من اليتامى الذين وصلوا زمن النكاح والزواج ﴿رُشْدًا﴾؛ أي: هداية في التصرفات، وصلاحًا في المعاملات من غير تبذير، وعجز عن خديعة الغير، وقيل: معنى رشدًا؛ أي: عقلًا، وصلاحًا في الدين، وحفظًا للمال، وعلمًا بما يصلحه ﴿فَادْفَعُوا﴾، وسلموا ﴿إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ التي عندكم من غير تأخير عن وقت البلوغ، وإنما تدفع إليهم أموالهم بعد بلوغهم، وإيناس الرشد منهم.
стр. 2254
وقال ابن سيرين (١): لا يدفع إليه المال بعد الإيناس والاختبار المذكورين حتى تمضيَ عليه سنة كاملة، وتداوله الفصول الأربع، وظاهر الآية أنه إن لم يونس منه رشد، بقي محجورًا عليه دائمًا، ولا يدفع إليه المال، وبه قال الجمهور. وقال النخعي، وأبو حنيفة: ينتظر به خمس وعشرون سنة، ويدفع إليه ماله، أُونس منه الرشد أو لم يؤنس، وظاهر الآية يدل على استبداد الوصي بالدفع والاستقلال به، وقالت طائفة: يفتقر إلى أن يدفعه إلى السلطان، ويثبت رشدَه عنده.
وظاهر عموم اليتامى اندراج البنات في هذا الحكم، فيكون حكمهن حكم البنين في ذلك، فقيل: يعتبر رشدها، وإن لم تتزوج بالبلوغ.
وقال المراغي (٢) والمعنى: أيها الأولياء، ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وهو الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدًا، فادفعوا إليهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء حتى تأنسوه منهم، ويرى أبو حنيفة دَفعَ مال اليتيم إليه، إذا بلغ خمسًا وعشرين سنةً، وإن لم يرشد. انتهى.
وقرأ (٣) ابن مسعود ﴿فإن أحستم منهم رشدًا﴾ يريد أحسستم فحذف عين الكلمة، وهذا الحذف شذوذ، لم يرد إلا في ألفاظ يسيرة، وحكى غير سيبويه أنها لغة سليم، وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن، وأبو السمال، وعيسى الثقفي ﴿رشدًا﴾ بفتحتين، وقرىء شاذًا ﴿رشدًا﴾ بضمتين، قيل: هما لغتان، وقيل: هو بالضم مصدر رشد، من باب: قعد، وبالفتح مصدر رَشِدَ من باب: طرب، وقراءة الجمهور ﴿رُشْدًا﴾ بضم الراء، وسكون الشين.
فصل في بيان البلوغ
البلوغ يحصل بأربعة أشياء: اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان
стр. 2255
يختصان بالنساءِ. أما اللذان يشترك فيهما الرجال والنساءِ:
فأحدهما: السن، فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنةً حكم ببلوغه غلامًا كان أو جاريةً، ويدل عليه ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: عرضت على رسول الله ﷺ عام أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني ثم عرضت عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. أخرجه الشيخان في "الصحيحين".
وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة سنة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة.
والثاني: الاحتلام، وهو إنزال المني الدافق سواء أنزل باحتلام أو جماع؛ فإذا وجد ذلك من الصبي أو الجارية حكم ببلوغه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ولقوله ﷺ لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارًا" أما إنبات الشعر الخشن حول الفرج، فهو يدل على البلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبط قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أثبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت، وهل يكون ذلك علامة على البلوغ في أولاد المسلمين؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يكون بلوغًا كما في أولاد المشركين.
والثاني: لا يكون ذلك بلوغًا في حق أولاد المسلمين؛ لأنه يمكن الوقوف على مواليد أولاد المسلمين، والرجوع إلى قول آبائهم بخلاف الكفار، فإنه لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل في ذلك قول آبائهم لكفرهم فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغًا في حقهم.
وأما الذي يختص بالنساء: فهو الحيض والحبل، فإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع سنين، حكم ببلوغِهَا، وكذلك إذا ولدت حكم ببلوغها، قبل الوضع بستة أشهر؛ لأنها أقل مدة الحمل. قيل (١): ومن علامات البلوغ الحيض
стр. 2256
كما ذكر، وكبر الثدي للإناث، ونبات العانة، ونتن الإبط، وفرق الأرنبة، وغلظ الحنجرة للذكور، فإذا وجدت تلك العلامات حكم ببلوغه عند مالك، وأما عند الشافعي فلا يحكم بالبلوغ إلا بالاحتلام، أو الحيض، أو كمال خمس عشرة سنة، وما عدا ذلك علامة على البلوغ، ولا يحكم عليه به.
﴿وَلَا تَأكُلُوها﴾؛ أي: ولا تأكلوا أيها الأولياء، والأوصياء أموالَ اليتامى حالةَ كونكم ﴿إِسْرَافًا﴾؛ أي: مسرفين، ومجاوزين الحد الشرعي، في الإنفاق، ولو على اليتيم نفسه ﴿و﴾ حالة كونكم ﴿بدارًا﴾؛ أي: مبادرينَ ومسرعين إلى إنفاقها ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أي: مخافة كبرهم، رشداءَ فيمنعوكم عن ذلك، ويلزمكم تسليمها إليهم، وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى، فينزعوها من أيدينا.
ولما كانت هاتان الحالتان الإسراف ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف من مواطن الضعف التي تعرض للإنسان نهى الله عنهما، ونبه الأولياء إلى خطرهما حتى يراقبوا ربهم إذا عرضتا لهم، أما الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوفَ أخذها عند البلوغ، فقد ذكر الله تعالى حكمه بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ منكم أيها الأولياء ﴿غَنِيًّا﴾؛ أي: غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أي: فليعف نفسه عن الأكل من ماله، وليتنزه عن أكله، وليقنع بما آتاه الله من الرزق، إشفاقًا على اليتيم، وإبقاءً على ماله، ولا ينقص منه شيئًا قليلًا ولا كثيرًا ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ منكم ﴿فَقِيرًا﴾؛ أي: محتاجًا لا يستغنى عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم الذي يشغل بعض وقته في تثميره، وحفظه ﴿فَلْيَأكُلْ﴾ منه ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا، وعند الناس وهو ما يبيحه الشرع، ولا يستنكره أرباب المروءة، ولا يعدونه خيانةً، وطمعًا، وقيل (١): ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بقدر أجرة خدمته لليتيم، وعمله في ماله، وقيل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالقرض، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات، ولم يقدر على القضاءِ، فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن
стр. 2257
جبير، ومجاهد، وأبي العالية، وهذا القرض في أصول الأموال، أما نحو ألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدواب، فمباح لنحو الوصي، إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأنه أعم وجوه الانتفاعات، ومحل ذلك في غير الحاكم، أما هو: فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه، بخلاف غيره، حتى أمينه كما صرح به المحاملي، وله الاستقلال بالأخذ منه من غير مراجعة الحاكم، ومعلوم أنه إذا نقصت أجرة الأب، أو الجد، أو الأم إذا كانت وصية عن نفقتهم، وكانوا فقراء يتمونها من مال محجورهم؛ لأنها إذا وجبت بلا عمل فمعه أولى، ولا يضمن المأخوذَ؛ لأنه بدل عمله. قال ابن جرير: إن الأمة مجمعة على أن مال اليتيم ليس مالًا للولي؛ فليس له أن يأكل منه شيئًا، ولكن له أن يستقرض منه عند الحاجة، كما يستقرض له، وله أن يؤاجر نفسَه لليتيم بأجرة معلومة، إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك، كما يستأجر له غيره من الأجراء غير مخصوص بها حالَ غنى، ولا حالَ فقر، وهكذا الحكم في أموال المجانين، والمعاتيه: جمع معتوه ناقص العقل من غير جنون.
وقد روى أحمد عن ابن عمر ﵄ أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: ليس لي مال وإني ولي يتيم، فقال: "كل (١) من مال يتيمك، غير مسرف، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك بماله".
والحكمة في هذا: أن اليتيم يكون في بيت الولي كولده، والخير له في تربيته أن يخالط الولي وأهله في المؤاكلة والمعاشرة، فإذا كان الولي غنيًّا لا طمع له في ماله، كانت المخالطة مصلحة لليتيم، وإن كان ينفق فيها شيء من ماله فبقدر حاجته، وإن كان فقيرًا .. فهو لا يستغني عن إصابة بعض ما يحتاج إليه من مال اليتيم الغني الذي في حجره، فإن أكل من طعامه ما جرى به العرف بين الخلطاء غير مصيب من صلب المال شيئًا، ولا متأثل لنفسه منه عقارًا، ولا مالًا
стр. 2258
آخر، ولا منفق مالَه في مصالحه ومرافقه كان بعمله هذا آكلًا بالمعروف.
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ﴾ وسلمتم أيها الأولياء، والأوصياء ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى اليتامى ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد البلوغ، والرشد، ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على استلامهم إياها، منكم بإقباضكم إياهم، وبراءة ذممكم منها كي لا يكون نزاع بينكم، فإنه أنفى للتهمة، وأبعد من الخصومة.
وهذا (١) الإشهاد واجب عند الشافعية، والمالكية؛ إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم، والتقاضي كما هو مشاهد، وجعله الحنفية مندوبًا، لا واجبًا ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾؛ أي: وكفى الله محاسبًا، ومجازيًا للمحسنين، والمسيئين، وشاهدًا عليهم، فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب فإنه يحاسبكم على ما تسرون، وما تعلنون، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حَدَّ لكم.
وقد جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد، ليرشدنا إلى أن الإشهاد، وإن أسقط الدعوى بالمال عند القاضي فهو لا يسقط الحق عند الله، إذا كان الولي خائنًا. فإن الله لا يخفى عليه ما يخفى على الشهود، والحُكّام، وعلى الجملة فإنك ترى أن الله تعالى حاط أموالَ اليتامى بضروب من الصيانة، والحفظ، فأمر باختبار اليتيم، قبل دفع ماله إليه، ونهى عن أكل شيء منه بطرق الإسراف، ومبادرة كبره، وأمرَ بالإشهاد عليه عند الدفع، ونبه إلى مراقبة الله تعالى في جميع التصرفات الخاصة به.
٧ - ﴿لِلرِّجَالِ﴾؛ أي: للذكور من أولاد الميت، وأقربائه صغارًا أو كبارًا ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: من الميراث الذي تركه ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾؛ أي: وللإناث من بنات الميت، وقراباته، ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون قيل: سبب نزول هذه الآية: خبر أم كحلة زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، وقد تقدم في أسباب النزول.
стр. 2259
قال المروزي (١): كان اليونان يعطون جميع المال للبنات؛ لأن الرجال لا يعجز عن الكسب، والمرأة تعجز، وكانت العرب لا يعطون البنات، فرد الله على الفريقين، والمعنى بالرجال المذكور، وبالنساء الإناث، وقال الشوكاني (٢): لما ذكر الله حكم أموال اليتامى وصله بأحكام المواريث، وكيفية قسمتها بين الورثة، وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب، للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، وللاعتناء بأمرهن، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء، ولم يستفد من الآية الرد عليهم في حرمان الزوجة؛ لأن الزوج ليس والدًا، ولا قريبًا لها، فكأن حكمها أستفيد مما سيأتي، ومن السنة، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمى القرابة من دون تخصيص، وقوله ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي مما تركوه أي من المال المخلف من الميت ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ منه بدل من قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ بإعادة الجار، والضمير في قوله ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى المبدل منه، وأتى بهذا البدل لتحقيقِ أن لكل من الفريقين حقًّا من كل ما جل ودق، ولدفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل، وآلات الحرب للرجال حالة كون نصيب كل من الفريقين ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: حظًّا مقدرًا لهم مقطوعًا بتسليمه إليهم؛ فلا يسقط بإسقاطهم، ففي الآية (٣) دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض.
وقد أجمل الله في هذه الآية قدر النصيب المفروض ثُمَّ أنزل قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فبين ميراث كل فرد، ومعنى الآية (٤) أنه إذا كان لليتامى مالُ مما تركه لهم الوالدان والأقربون، فهم فيه سواء لا فرق بين الرجال والنساء، ولا فرق بين كونه كثيرًا أو قليلًا، وأتى بقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لبيان أنه حق معين مقطوع به، ليس لأحد أن ينقص منه شيئًا، ولا أن يحابى فيه.
٨ - ﴿وَإِذَا حَضَرَ﴾ وجاء ﴿الْقِسْمَةَ﴾؛ أي: محل قسمة التركة بين الورثة ﴿أُولُو
стр. 2260
الْقُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب قرابة الميت ممن لا يرث، لكونه عاصبًا، محجوبًا كالأخ لأب مع الأخ الشقيق، والعم مع الأب، أو لكونه من ذوي الأرحام، كالخال والخالة، ﴿وَالْيَتَامَى﴾؛ أي: يتامى المؤمنين الأجانب ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾؛ أي: مساكين المؤمنين الأجانب ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾؛ أي: فأعطوا ندبًا أيها الورثة الكاملون هؤلاء الأصناف الثلاثة الحاضرين محل القسمة ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من المال المقسوم بينكم قبل القسمة شيئًا، ولو قليلًا؛ أي: إذا حضر قسمة التركة أحد من هؤلاء الأصناف الثلاثةِ المذكورينَ فأعطوهم أيها الورثة الكاملون بشيء من الرزق الذي أتاكم من غير كد ولا نصب، فلا ينبغي أن تبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وتتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ﴿وَقُولُوا﴾ أيها الورثة الكاملون مع الإعطاء المذكور ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء الأصناف الحاضرين محل القسمة ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ أي: قولًا لينًا طيبًا تطيب به نفوسهم عندما يعطون، حتى لا يثقل على أبيِّ النفس منهم ما يأخذ، ويرضي الطامع في أكثر مما أخذ بما أخذ بالتودد، والتلطف في القول، وعدم التغليظ فيه.
وقيل: الخطاب في الآية على التوزيع، فالخطاب في الرزق للورثة الكاملين، وفي القول لأولياء الورثة غير الكاملين، والمعنى حينئذ. فارزقوهم أيها الورثة الكاملون من المال المقسوم شيئًا من الرضخ، وقولوا: يا أولياء الورثة غير الكاملين لهؤلاء الأصناف الحاضرين قولًا معروفًا جميلًا كأن يقول الولي لهم: هذا المالُ لهؤلاء الضعفاء، الذين لا يعقلون، وليس لي فيه حق فأعطيكم، ولكن إذا كبروا فيعرفون حقوقكم، فيعطوكم، أو يقول: سأوصيهم ليعطوكم شيئًا إذا كبروا.
والسر في إعطائهم شيئًا من التركة: أنه ربما يسري الحسدُ إلى نفوسهم، فينبغي التودد إليهم، واستمالتهم باعطائهم قدرًا من هذا المال هبةً، أو هدية، أو إعداد طعام لهم يوم القسمة، ليكون في هذا صلة للرحم، وشكر للنعمة.
قال سعيد بن جبير: هذا الأمر أعني أمر الإعطاء للوجوب، وقد هجره الناس كما هَجروا العملَ بالاستئذان عند دخول البيوت، والمعتمد أنه ندبُ.
стр. 2261
وقال الحسن، والنخعي، إن الذي أمرنا أن نرزقهم منه عند القسمة هو الأعيانُ المنقولة كالذهب، والفضة، وأما الأرضون، والرقيق، وما أشبه ذلك فلا يجب أن يعطوا منها شيئًا، بل يكتفي حينئذ بقول المعروف، أو بإطعام الطعام.
٩ - قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ هو خطاب (١) مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون له: إن ذريَتك وورثتَك لن يغنوا عنك من عذاب الله شيئًا، فأوص مالَك لفلان، ولفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يَبْقَى من ماله للورثة شيءٌ أصلًا.
وحاصل الكلام: أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم، وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ "لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
والمعنى: وليخف الله تعالى الذين يجلسون عند المريض، ويأمرونه بإيصاء كل ماله، وليْتَّقُوا الضياعَ والفقرَ على أولاد ذلك المريض، الذي أمروه بإيصاء كل ماله؛ كما أنهم يخافون الضياع، والفقر على أولاد أنفسهم، لو أوصوا بجميع مالهم، وتركوا من بعد موتهم ذريةً ضِعافًا، وقوله: ﴿ضِعَافًا﴾ بمعنى صغارًا لا يقومون بأمرهم، يقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة لأجل الكسرة، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء؛ لأنه مكسور مقدم، ففيه انحدار، وقوله: ﴿خَافُوا﴾ يقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة؛ لأن الخاء تنكسر في بعض الأحوال، وهو خفت، وهو جواب لو، ومعناها إن. ذكره أبو البقاء. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فليخافوا عقابَ الله في أمر ذلك المريض بإيصاء كل ماله، وترك أولاده عالة يتكففون الناسَ ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ لذلك المريض ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: قولًا عدلًا صوابًا بأن يقولوا له: إنك إن تذَر ورثتَك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، فالقول السديد: هنا أن يأمروه أن يخلفَ ماله لولده، ويتصدق بما دون الثلث، أو الثلث، ويأمروه أن يتخلص من حقوق الله، وحقوق العباد، وأن
стр. 2262
يُوصي بالقرب المقربة إلى الله .
قال (١) ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموتُ فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسددَه للصواب، فينظرَ لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته، إذا خشي عليهم الضيعةَ، وهكذا قال مجاهد، وغير واحد، وثبت في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: لا قال: فالشطر، قال: لا. قال: فالثلث. قال: "الثلثُ والثلثُ كثير"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إنك تذرَ ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس" انتهى.
والمعنى (٢): كما أنكم تكرهون بقاءَ أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله، ولا تحملوا المريضَ على أن يحرم أولادَه الصغارَ من ماله.
وحاصل الكلام: كما أنك لا ترضى مثلَ هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. قيل: الآية تحتمل أن تكون خطابًا لمن حضر أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية، لئلا تبقى ورثته فقراءَ ضعافًا ضائعينَ بعد موته، والمعنى على هذا القول؛ أي: وليخش الله في تكثير الوصية: المُوصُونَ الذين يخافون على أولادهم الضياعَ والفقرَ لو تركوهم من خلفهم ذريةً، ضعافًا صغارًا بلا مال، فليتقوا عقابَ الله في حرمانهم، وليقولوا في إيصائهم قولًا سديدًا، بأن اقتصروا في إيصائهم على الثلث، أو نَقَصُوا عنه.
وقيل: الآية (٣) خطاب لأولياء اليتامى، والمعنى: وليخش من خاف على ولده من بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره، إذا كان في حجره، والمقصود من الآية: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، سواءً كان
стр. 2263
وليه أو وصيه، وليفعل به ما يحب أن يفعلَ بأولاده من بعده، ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾ عقاِب ﴿اللهَ﴾ في أمر اليتامى ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ لهم: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: سهلًا لينًا بأن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة والتأديب، ويخاطبونهم بقولهم: يا ولدي يا بني.
وعبارة البيضاوي هنا: قوله تعالى (١): ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ الآية. أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى، فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم، الضعاف بعد وفاتهم، أو أمر للحاضرين المريضَ عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض، ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم، أو أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى، والمساكين متصورينَ أنهم لو كانوا أولادَهم بقوا خلفهم ضِعَافًا مثلهم هل يجوزون حرمانهم؟ أو أمر للموصين بأن ينظروا للورثة، فلا يسرفوا في الوصية انتهت. فالقول (٢) السديد من الجالسين عند المريض هو أن يأمروه أن يتصدق بدون الثلث، ويترك الباقيَ لولده وورثته، وأن لا يحيف في وصيته، والقول السديد من الأوصياء، وأولياء اليتامى أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم، ولا يؤذوهم بقول ولا فعل. وقرأ الزهري والحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر بكسر لام الأمر في ﴿ولِيخش﴾، وفي ﴿فلِيتقوا﴾، وفي ﴿ولِيقولوا﴾ وقرأ الجمهور بالإسكان.
١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾، وينتفعون بها ﴿ظُلْمًا﴾؛ أي: حالةَ كونهم ظالمينَ، أو على سبيل الظلم وهضم الحقوق لا أكلًا بالمعروف عند الحاجة إلى ذلك، أو تقديرًا لأجرة العمل ﴿إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي﴾ ملء ﴿بُطُونِهِمْ نَارًا﴾؛ أي: حرامًا يكون سببًا لعذاب النار. ونبه بقوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ على نقصهم، ووصفهم بالشره في الأكل، والتهافت في نيل الحرام بسبب البطن ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾؛ أي: وسيدخلون يوم القيامة ﴿سَعِيرًا﴾؛ أي: نارًا متقدة ذات لهب
стр. 2264
شديد، لا يعرف قدر حرارتها إلا الله تعالى يحترقون فيها.
وإنما خص الأكل بالذكر، وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات، وجميع التصرفات الرديئة المتلفة للمال؛ لأن الضررَ يحصل بكل ذلك لليتيم، فعبر عن جميع ذلك بالأكل؛ لأنه معظم المقصود، وإنما ذكر البطون للتأكيد؛ فهو كقولك رأيت بعيني، وسمعت بأذني.
وروى السدي (١): يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة، ولهبُ النار يخرج منْ فيه، ومن مسامعه، وأنفه، وعينيه يعرفه كل من رآه بآكل مال اليتيم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية: انطلق من كان عنده يتيم فعزلَ طعامَه من طعامه، وشرابَه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكلَه، أو يفسدَ فاشتدَ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.
وقرأ الجمهور ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ مبنيًّا للفاعل من الثلاثي، من صلي النار يصلاها من باب رضي، والصلي هو التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، وقرأ (٢) ابن عامر، وأبو بكر، وعاصم بضم الياء وفتح اللام مبنيًّا للمفعول من الثلاثي. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد، واللام مشددةً، مبنيًّا للمفعول من التصلية بكثرة الفعل مرة بعد أخرى.
وعبر بالصلي بالنار عن العذاب الدائم بها؛ إذ النار لا تذهب ذواتَهم بالكلية، بل كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وهذا وعيد عظيم على هذه المعصية، والسعير: الجمر المشتعل.
стр. 2265
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
﴿يَا﴾ حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد، تعويضًا عما فات ﴿أي﴾ من الإضافة. ﴿النَّاسُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿اتَّقُوا﴾ فعل وفاعل والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿رَبَّكُمُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿ربكم﴾. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة له، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ نَفْسٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلق﴾. ﴿وَاحِدَةٍ﴾ صفة لـ ﴿نفس﴾.
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
﴿وَخَلَقَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿خلق﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿منها﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلق﴾. ﴿زَوْجَهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَبَثَّ﴾ الواو عاطفة. ﴿بث﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بث﴾. ﴿رِجَالًا﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرًا﴾ صفة له ﴿وَنِسَاءً﴾ معطوف على ﴿رِجَالًا﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اتقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿اتقوا ربكم﴾. ﴿الَّذِي﴾ صفة للجلالة. ﴿تساءلون﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تساءلون﴾، وهو العائد على الموصول. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب معطوف على الجلالة، والمعنى: اتقوا الله بطاعته، واتقوا الأرحامَ التي تساءلون بها بصلتها، فإنها مما أمر الله تعالى أن يوصلَ، وقيل: معطوف على محل الجار والمجرور، في قوله ﴿بِهِ﴾ كقولك مررت بزيد وعمرًا، والمعنى: اتقوا الله الذي تساءلون به، وتتساءلون بالأرحام،
стр. 2266
وبالجر عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾ كما مر في بحث التفسير. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَقِيبًا﴾. ﴿رَقِيبًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ ناهية. ﴿تَتَبَدَّلُوا﴾ فعل، وفاعل مجزوم. بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿الْخَبِيثَ﴾ مفعول به. ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَآتُوا﴾. ﴿وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ ناهية. ﴿تَأكُلُوا﴾ فعل، وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتُوا﴾ ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ تقديره: حالة كونها مضافة ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الهاء﴾ ضمير عائد على المصدر المفهوم من ﴿لا تأكلوا﴾ تقديره: إن أكلها في محل النصب اسمها ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾. ﴿حُوبًا﴾ خبرها. ﴿كَبِيرًا﴾ صفته، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تقسطوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿في اليتامى﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: وإن خفتم عدم
стр. 2267
إقساطكم في اليتامى. ﴿فَانْكِحُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة طلبية. ﴿انكحوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب الشرط. ﴿مَا طَابَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿انكحوا﴾. ﴿طَابَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿طاب﴾ وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿طَابَ﴾. ﴿مَثْنَى﴾ حال من ﴿ما﴾ في قوله ﴿مَا طَابَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف منع مع ظهورها التعذر؛ لأنه اسم قصور، ولم ينون؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف: علتان، فرعيتان، معتبرتان، من علل تسع، ترجع إحداهما إلى اللفظ، والأخرى إلى المعنى، وهما العدل، والوصف وهو جامد مؤول بمشتق تقديره، حالة كونه معدودًا باثنين اثنين. ﴿وَثُلَاثَ﴾ ﴿وَرُبَاعَ﴾ معطوفان على ﴿مَثْنَى﴾ معدولان من ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والأصل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين اثنين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم جواز نكاح مثنى وثلاث ورباع، وأردتم بيانَ حكم ما إذا خفتم أن لا تعدلوا بينهن .. فأقول لكم ﴿إن خفتم﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أن حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تعدلوا﴾ فعل وفاعل منصوب بإن، وجملة ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ عدم عدلكم فيما فوق الواحدة ﴿فَوَاحِدَةً﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية المحذوف تقديره: ﴿فانكحوا﴾ واحدة. ﴿واحدة﴾ مفعول لذلك المحذوف، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
стр. 2268
﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب معطوف على واحدة، أو منصوب بعامل محذوف تقديره: أو تسروا ما ملكت أيمانكم على حد علفتها تبنًا، وماءَ باردًا. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: أو ما ملكته أيمانكم. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿أَدْنَى﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿أن﴾ حرف مصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَعُولُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإلى محذوفًا، تقديره: ذلك الاقتصار على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم أقرب إلى عدم عولكم وجوركم في الاثنتين، وما فوقهما.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
﴿وَآتُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿آتوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿النِّسَاءَ﴾ مفعول أول. ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه. ﴿نِحْلَةً﴾ حال من صدقاتهن أو منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه مصدر معنوي لـ ﴿آتُوا﴾. ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم وجوب إيتاء الصداق للنساء، وأردتم بيان حكم ما إذا وهبن لكم فأقول لكم: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ إن حرف شرط ﴿طِبْنَ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿طبن﴾ ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿نَفْسًا﴾ تمييز محول عن فاعل ﴿طِبْنَ﴾ منصوب به. ﴿فَكُلُوهُ﴾ الفاء رابطة الجواب. ﴿كلوه﴾ فعل وفاعل، ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ حالان من ضمير المفعول، أو منصوبان على المفعولية المطلقة تقديره أكلا هنيئًا مريئًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تُؤْتُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿السُّفَهَاءَ﴾ مفعول أول. ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة.
стр. 2269
﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿أموالكم﴾. ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به. ﴿قِيَامًا﴾ مفعول ثان. لـ ﴿جعل﴾، والأول محذوف تقديره جعلها الله لكم قيامًا، والجملة صلة الموصول، والعائد الضمير المحذوف.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ارزقوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿ارزقوا﴾ و ﴿في﴾ بمعنى من الابتدائية. ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾. ﴿وَقُولُوا﴾ الواو عاطفة. ﴿قولوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قولوا﴾. ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة لـ ﴿قولا﴾.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
﴿وَابْتَلُوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ابتلوا اليتامى﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف ابتداء لدخولها على الجملة، فلا عمل لها، وإنما دخلت على الكلام لمعنى الغاية، كما تدخل على المبتدأ، أو حرف جر وغاية لكون ما بعدها غايةً لما قبلها، و ﴿إذا﴾ حينئذ مجردة عن معنى الشرط. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط. ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إذا لكون الجواب جملة شرطية ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿آنَسْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق به. ﴿رُشْدًا﴾ مفعول به. ﴿فَادْفَعُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿ادفعوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، وجملة إن الشرطية من فعل شرطها وجوابها جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب على القول بأن ﴿حَتَّى﴾ حرف ابتداء، أو في محل الجرب ﴿حتى﴾ على القول بأن ﴿حتى﴾ حرف جر
стр. 2270
وغاية، والمعنى على الأول: أعني كونها حرف ابتداء إذا بلغوا النكاحَ راشدينَ، فادفعوا إليهم أموالهم. والمعنى على الثاني: أعني كونها حرف جر وغاية، وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم بشرط إيناس الرشد.
﴿وَلَا تَأكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَأكُلُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ حالان من الفاعل، ولكن بتأويلهما بمشتق؛ أي: حالة كونكم مسرفينَ، ومبادرينَ إلى أكلها، أو مفعولان لأجله؛ أي: لأجل الإسراف، والمبادرة لهم إلى أكلها. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ فعل، وفاعل منصوب ﴿بأن﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر، تقديره: مَخَافة كبرهم، والمصدر المقدر منصوب على المفعولية لأجله، أو الجملة في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعول ﴿وَبِدَارًا﴾ تقديره: ومبادرين كبرهم. ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، واسمه ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿غَنِيًّا﴾ خبرها. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الفاء رابطة لجواب من الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿من﴾ اسم شرط مبتدأ. ﴿كَانَ فَقِيرًا﴾ فعل شرط لها ﴿فَلْيَأكُلْ﴾ في محل الجزم جوابها، والجملة معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق بـ ﴿يأكل﴾ أو صفة لمصدر محذوف تقديره؛ أي: أكلًا ملتبسًا بالمعروف. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم وجوبَ الدفع إليهم عند إيناس الرشد منهم، وأردتم بيانَ ما ينبغي لكم عند الدفع فأقول: ﴿إذا دفعتم﴾ إذا ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿دَفَعْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به. ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه،
стр. 2271
والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعلَ شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَأَشْهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إذا﴾. ﴿شهدوا﴾ فعل وفاعل جواب ﴿إذا﴾ لا محل له من الإعراب. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ الواو استئنافية. ﴿كفى﴾ فعل ماض. ﴿باِللهَ﴾ الباء (١) زائدة. ولفظ الجلالة فاعل، ودخلت عليه ﴿الباء﴾؛ لتدل على معنى الأمر، إذ التقدير اكتف بالله، وقيل: إن الفاعل مضمر، والتقدير: كفى الإكتفاء بالله، فبالله على هذا في موضع نصب مفعولًا به. ﴿حَسِيبًا﴾ حال، وقيل: تمييز، وكفى يتعدى إلى مفعولين، وقد حذفا هنا، والتقدير: كفاك الله شرهم، ونحو ذلك، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ذكره أبو البقاء.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾.
﴿لِلرِّجَالِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نصيب﴾. ﴿تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ فعل وفاعل. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليه، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: مما تركه الوالدان. ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ الواو عاطفة. ﴿للنساء﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ صفة لـ ﴿نصيب﴾. ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ﴾ بإعادة الجار، وجملة ﴿قَلَّ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط ضمير الفاعل. ﴿والهاء﴾ في ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، وهذا البدل مقدر أيضًا في الجملة الأولى، أعني قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ محذوف لعلمه من المذكور، ويجوز (٢) أن يكون الجار والمجرور في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ حالًا من الضمير
стр. 2272
المحذوف في ﴿تَرَكَ﴾؛ أي: وللنساء نصيب مما تركه الوالدان، والأقربون حالة كونه قليلًا. أو كثيرًا، أو مستقرًا مما قلَّ ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ معطوف على ﴿مما قلّ﴾ منصوب على المصدرية بعامل محذوف تقديره: نصبهم نصيبًا؛ أي: أعطاهم الأنصباء عطاءً مقدرًا بما لا يزيد، ولا ينقص، وقيل: هو حال مؤكدة، والعامل فيها: معنى الاستقرار في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ وقيل: هو حال من الفاعل في ﴿قَلَّ﴾ ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ وقيل: هو مفعول لفعل محذوف تقديره: أوجب لهم نصيبًا، وقيل: هو منصوب على إضمار أعني، ذكره أبو البقاء. ﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة لـ ﴿نصيبا﴾.
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ فعل ومفعول وفاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ معطوف على ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ معطوف عليه أيضًا ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إذا﴾. ﴿ارزقوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿ارزقوهم﴾. ﴿وَقُولُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ارزقوهم﴾ ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور، متعلق به. ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المصدرية. ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة له.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾.
﴿وَلْيَخْشَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ حرف أمر وجزم مبني على السكون، تخفيفًا لاتصالها بالواو. ﴿يخشى الذين﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة مستأنفة، ومفعول (١) الخشية محذوف تقديره: وليخش الله الذين
стр. 2273
لو تركوا، ويجوز أن تكون المسألة من باب التنازع، فإن قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يطلب الجلالة، وكذلك ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾، ويكون من أعمال الثاني للحذف من الأول. اهـ "سمين". ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم بمعنى ﴿إن﴾. ﴿تَرَكُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تركوا﴾، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿ذُرِّيَّةً﴾ كما ذكره أبو البقاءِ. ﴿ذُرِّيَّةً﴾ مفعول به لـ ﴿تركوا﴾. ﴿ضِعَافًا﴾ صفة لـ ﴿ذرية﴾. ﴿خَافُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾. لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ من فعل شرطها، وجوابها صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل في ﴿تَرَكُوا﴾. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. و ﴿اللام﴾ لام الأمر، مبني على السكون تخفيفًا لاتصالها بـ ﴿الفاء﴾ ﴿يتقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعود مجزوم بلام الأمر، والجملة معطوفة على جملة ﴿يخش﴾. ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يتقوا﴾. ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المصدرية. ﴿سَدِيدًا﴾ صفة له.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ فعل وفاعل ومفعول، ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿ظُلْمًا﴾ مفعول لأجله، وشروط النصب موجودة فيه، أو منصوبُ على الحالية من فاعل ﴿يَأكُلُونَ﴾، ولكن بتأويله بمشتق تقديره: يأكلونه حالَ كونهم ظَالِمينَ. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿يَأكُلُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يأكلون﴾ أو بمحذوف حال من ﴿نَارًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليه، فانتصب حالًا. ﴿نَارًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وفي ذلك (١) دلالة على وقوع خبر
стр. 2274
﴿إن﴾ جملة مصدرةً بـ ﴿إن﴾، وفي ذلك خلاف، وحسنه هنا وقوع اسم إن موصولًا فطال الكلام بصلة الموصول، فلما تباعد ما بينهما لم يبال بذلك. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ الواو عاطفة. ﴿سيطلون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَأكُلُونَ﴾. ﴿سَعِيرًا﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يصلون﴾، وجاء (١) ﴿يَأكُلُونَ﴾ بالمضارع دون سين الاستقبال، ﴿سيصلون﴾ بالسين، فإن كان الأكل للنار حقيقةً فهو مستقبل، واستغنى عن تقييده بالسين بعطف المستقبل عليه، وإن كان مجازًا فليس بمستقبل؛ إذ المعنى يأكلون ما يجر إلى النار، ويكون سببًا إلى العذاب بها، ولما كان لفظ ﴿نَارًا﴾ مطلقًا، في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ قيد في قوله: ﴿سَعِيرًا﴾ إذ هو الجمر المتقد. ذكره أبو حيان.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿النَّاسُ﴾ (٢) اسم للجنس البشري، وهو الحيوان الناطق، المنتصب القامة، الذي يُطلَق عليه اسم إنسان ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
بحث في حقيقة النفس والروح على اختلاف آراء الناس فيها
اختلف المسلمون في حقيقة النفس، أو الروح الذي يحيا به الإنسانُ، وتتحقق به وحدة جنسه على اختلاف أصنافه، وأشهر آرائهم في ذلك الرأي القائل: إنها جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثارِ التي تفيض عليها من هذا الجسم اللطيف، وجد الحس والحركةَ الإراديةَ والفكر وغيرها، وإذا فسدت هذه الأعضاء، وعجزت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدنَ وانفصل إلى عالم الأرواح.
ومما يثبت ذلك أن العقلَ، والحفظَ، والتذكر وهي أمور ثابتة قطعًا. ليست
стр. 2275
من صفات هذا الجسد، فلا بد لها من منشأ وجوديّ عبرَ عنه الأقدمون بالنفس، أو الروح.
وما مثلها إلا مثل الكهرباء، فالماديون الذين يقولون: لا روحَ إلا هذه الحياة يكون مثل الجسد عندهم مثل المستودع الكهربائي، فهو بوضعه الخاص، وبما يودع فيه من المواد تتولد فيه الكهرباء، فإذا زال شيءُ مما أودع فيه أو أزيل تركيبه الخاص فقد الكهرباء، وهكذا حال الجسم تتولد فيه الحياة بتركيب مزاجه بكيفية خاصة، وبزوالها تزول الحياة.
والذين يقولون: إن للأرواح استقلالًا عن الجسد يكون مثلُ الجسد مثل الآلة التي تدار بكهرباء تأتي إليها من المولد الكهربائي، فإذا كانت الآلة على وضع خاص في أجزائها، وأداوتها كانت مستعدة لقبول الكهرباء التي توجه إليها، حتى تؤدي وظيفتَها، وإن فقدت منها بعض الأجزاء الرئيسية، أو اختل وضعها الخاص تصبح غير قابلة للكهرباء، ومن ثم لا تؤدي وظيفتَها الخاصة بها. ذكره المراغي.
﴿وَبَثَّ﴾ بمعنى نشَرَ وفرق، ومنه ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ فهو من المضاعف المتعدي فقياسه ضم عين مضارعه، ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ جمع رحم، والرحم: القرابة، وإنما استعير اسم الرحم للقرابة؛ لأن الأقارب يتراحمون، ويعطف بعضهم على بعض، والرحم في الأصل: مكان يكون فيه الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة. ﴿رَقِيبًا﴾ الرقيب: فعيل بمعنى فاعل؛ أي: بمعنى المراقب، وهو المشرف من مكان عال، والمرقب مفعل بمعنى المكان الذي يشرف منه الإنسان على ما دونه، والمراد بالرقيب هنا الحافظ المطلع على الأعمال؛ لأن ذلك من لوازمه.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، لغة من مات أبوه مطلقًا، لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، وفي "المصباح" (١) يتم ييتم من باب تعب، وضرب يتمًا بضم الياء وفتحها، لكن اليتم في الناس من قبل الأب: فيقال: صغير يتيم،
стр. 2276
والجمع أيتام، وصغيرة يتيمة، والجمع يتامى، وفي غير الناس من قبل الأم، وأيتمت المرأة أيتامًا، فهي مؤتم، صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لطِيم، وإن ماتت الأم فقط فهو عَجَمي انتهى.
﴿الْخَبِيثَ﴾: هو مال اليتيم، وإن كان جيدًا، فهو خبيث لكونه حرامًا ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ وهو مال الولي، فهو طيب لكونه حلالًا، وإن كان رديئًا ﴿حُوبًا﴾ الحوب الذنب، والإثم فهو مصدر: حاب يحوب حوبًا من باب قال: وفي "المصباح" حاب حوبًا من باب قال: إذا اكتسب الإثم، وبضم الحاء أيضًا.
﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ من أقسط الرباعي بمعنى عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وفي "المصباح" قسط يقسط من باب: ضرب قسطًا، وقسوطًا إذا جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، ويأتي بمعنى عدل أيضًا، فهو حينئذ من الأضداد، قاله ابن القطاع. ويقال: أقسط بالألف إذا عدلَ، والاسم منه: القِسط بالكسر، وقرىء هنا بفتح التاء من قسط الثلاثي، إذا جار، فتكون هذه القراءة محمولة على تقدير زيادة لا، كأنه قال: وإن خفتم أن تقسطوا.
﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾؛ أي: ما مال إليه القلب منهن ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ واعلم (١) أن هذه الألفاظَ المعدولةَ فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس، أو يقتصر فيها على السماع؛ قولان. قول البصريين: عدم القياس، وقول الكوفيين، وأبي إسحاق: جوازه، والمسموع من ذلك أحدَ عشرَ لفظًا أحاد، وموحد، وثناء، ومثنى، وثلاث، ومثلث، ورباع، ومربع، ومخمس، وعشار، ومعشر، ولم يسمع خماس، ولا غيره من بقية العقد، واختلفوا أيضًا في صرفها، وعدمه فجمهور النحاة على منعه، وأجاز الفراء صرفَها، وإن كان المنع عنده أولى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ﴿أَدْنَى﴾ اسم تفضيل من دنا يدنو دنوًا إلى الشيء إذا قرب إليه، ودنا يتعدى بإلى، وباللام وبمن تقول: دنوت إليه، وله، ومنه ﴿تَعُولُوا﴾ من عال يعول من باب: قال إذا مال عن الحق، وجار فيه، والمصدر العول، والعيالة، وعال الحاكم إذا جار.
стр. 2277
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾؛ أي: أعطوا (١) من آتى الرباعي إيتاء بمعنى أعطاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لا من أتى بالقصر إتيانًا إذا جاء، ﴿صَدُقات﴾ جمع صدقة بفتح الصاد، وضم الدال اسم للمهر، وله أسماء كثيرة منها صَدَقة بفتحتين، وبفتح فسكون، وصَدَاق بالفتح والكسر ﴿نِحْلَةً﴾ مصدر من غير لفظ الفعل بل من معناه؛ لأن معنى آتوهن بمعنى أنحلوهن، فهو على حد جلست قعودًا وقمت وقوفًا، وفي "المصباح" ونحله بفتحتين نحلًا مثل قفل إذا أعطيته شيئًا من غير عوض عن طيب نفس، ونحلت المرأة مهرها نحلةَ بالكسر أعطيتها ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الهنيء هو ما يستلذه الآكل، والمريء، ما تُحمَد عاقبته، كأن يسهلَ هضمه، وتحسُنَ تغذيته، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المريء، وهو ما بين الحلقوم إلى فم المعدة، سمي بذلك لمرور الطعام فيه؛ أي: انسياغه ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ﴿هَنِيئًا﴾ (٢) مصدر جاء على وزن فعيل، وهو نعت لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا هنيئًا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهناء، والتقدير: مهنا أو طيبًا ومثله ﴿مَرِيئًا﴾ والمريء، فعيل بمعنى مفعل؛ لأنك تقول: أَمْرَأَني الشيء رباعيًّا إذا لم تستعله مع هَنَاني، فإن قلت هَنَانِي ومَراني لم تأت بالهمزة في مَرَاني؛ لتكون تابعةً لهناني ثلاثيًّا. ذكره أبو البقاء.
وقال أبو حيان (٣): ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، ويقال: هَنَا يهنا بغير همز قيل: واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به من الجرب، ويُوضع في عقره، والمريء ما يساغ في الحلق كما مر آنفًا انتهى.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ وأصل: ﴿تُؤْتُوا﴾ تؤتيوا بوزن تكرموا أستثقلت الضمة على الياء، فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان الياء وواو الضمير، فحذفت الياء؛ لئلا يلتقي ساكنان. والسفهاء (٤) جمع سفيه، وهو المبذر للمال المنفق له فيما لا ينبغي، وأصل السفه الخفة والاضطراب، ومنه قيل: زمان سفيه؛ إذا كان كثير
стр. 2278
الاضطراب، وثوب سفيه رديء النسج، ثم استعمل في نقصان العقل، وهو المراد هنا ﴿قِيَامًا﴾؛ أي: تقوم بها أمور معايشكم، وتمنع عنكم الفقر؛ قال الراغب: القيامُ والقوامُ ما يقوم به الشيء، ويثبت كالعماد، والسناد ما يعمد، ويسند به.
و ﴿قِيَامًا﴾ بالياء، والألف مصدر قام، والياء بدل من الواو، وأبدلَت منها لما أعلت في الفعل، وكانت قبلها كسرة ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، والقول المعروف هو ما تطيبُ به النفوسُ، وتألفه كإفهام السفيه أنَّ المال مَالُه لا فضلَ لأحد عليه، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ أي: علمتم منهم حسن التصرف في الأموال، وفي "المصباح"، وآنستُ الشيء بالمد، علمته، وآنسته أبصرته. انتهى، وفيه أيضًا الرشد: خلاف العيّ والضلال، وهو إصابةُ الصواب، ورشد رشدًا من باب تعب، ورشد يَرُشُد من باب قتل، فهو راشد، والاسم: الرشاد اهـ. ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ الإسراف: مجاوزة الحد في التصرف في المال، والبدار المبادرة والمسارعة إلى الشيء، يقال: بادرت إلى الشيء، وبدرت إليه، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين؛ لأن اليتيم مار إلى الكبرَ، والولي مار إلى أخذ ماله فكأنهما يستبقان، ويجوز أن يكون من واحد، وفي "المصباح": كبر الصبي، وغيره يكبر من باب: تعب مكبرًا مثلَ مسجد، وكبرًا وزانَ عِنب، فهو كبير، وجمعه كبار، والأنثى كبيرة ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أي: فليعف نفسَه عن مال اليتيم، فـ ﴿السين﴾ و ﴿التاء﴾ فيه زائدتان، والعفة تركُ ما لا ينبغي من الشهوات، وفي "المختار": عفَّ عن الحرام يَعِفُّ بالكسر عِفةً وعَفًّا، وعفا إذا كف عنه، فهو عف، وعفيف، والمرأة عفة، وعفيفة ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: سهمًا مقدرًا مَحْتُومًا لا بد لهم أن يأخذوه ﴿وَلْيَخْشَ﴾ الخشية: الخوف في محل الأمن ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ والسديد: العدل، والصواب، والسداد بالكسر: ما يسد به الشيء كالثغر موضع الخوف من العدو، والقارورة ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ يقال: صلى اللحم صليًا، إذا شواه، فإذا أراد إحراقه يقال: أصلاه إصلاءً، وصلاه تصليةً وصلى يده بالنار - من باب رضي - أدفأها، واصطلى استدفأ، وفي "المختار" صليت اللحم وغيره؛ من باب: رمَى شويته، ويقال: صليت الرجلَ نارًا؛ أي: أدخلته النار، وجعلته يصلاها. اهـ. والسعير: النار المستعرة المشتعلة، يقال: سَعرت النار، وسعرتُهَا، أوقدتُها.
стр. 2279
البلاغة
قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة:
منها: الطباق في قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾ و ﴿زَوْجَهَا﴾ و ﴿غنيًّا﴾ و ﴿فقيرًا﴾ و ﴿قل﴾ ﴿أو كثر﴾ و ﴿رِجَالًا﴾ ﴿وَنِسَاءً﴾ و ﴿الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
ومنها: التكرار المسمى بالإطناب عندهم في قوله: ﴿اتقوا﴾، و ﴿خلق﴾، و ﴿خِفْتُمْ﴾، و ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾، و ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ منه جهة المعنى و ﴿اليتامى﴾، و ﴿النساء﴾، و ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ و ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ و ﴿خافوا﴾ من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين.
ومنها: إطلاق اسم المسبب على السبب في قوله: ﴿ولا تأكلوا﴾ لأن الأخذَ سبب للأكل.
ومنها: تسمية الشيء باسم ما كان عليه في قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ سماهم يتامى بعد البلوغ.
ومنها: التأكيد بالإتباع في قوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
ومنها: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه في قوله: ﴿نصيب مما ترك﴾، و ﴿نارا﴾ على قول من زعم أنها حقيقة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عنبًا يؤول إلى خمر.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿فَادْفَعُوا﴾ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ﴾ والمغاير في قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا﴾.
ومنها: الزيادة للزيادة في المعنى في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
ومنها: إطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿الأقربون﴾ إذ المراد أرباب الفرائض.
стр. 2280
ومنها: إقامة الظرف المكاني مقام الزماني في قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: من بعد وفاتهم.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿بُطُونِهِمْ﴾ خصها دون غيرها؛ لأنها محل للمأكولات.
ومنها: التعريضُ في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ عرض بذكر البطون لخستهم، وسقوط هممهم، والعرب تذم بذلك قال شاعرهم:
دَعِ الْمَكَارِمَ لاَ تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِيْ
ومنها: تأكيد الحقيقة بما يرفع احتمالَ المجاز في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ رفع المجازَ العارضَ في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ على قول من حمله على الحقيقة، ومَنْ حملَه على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظيره في كونه رافعًا للمجاز قوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، وقوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ والحذف في عدة مواضعَ مثل قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾؛ أي: كثيرًا.
ومنها: المقابلة اللطيفة بَيْنَ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فائدة: وفي قوله تعالى: ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إشارة إلى ترك المفاخرة، والكبر لتعريفه إياهم، بأنهم من أصل واحد، ودلالة على المعاد؛ لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفينَ من شخص واحد، فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى، و ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حواء، وظاهر منها ابتدأ خلق حواء من نفسه، وأنه هو أصلها الذي اخترعت، وأنشئت منه، ويدل عليه الحديث الصحيح في قوله ﷺ : "إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تُقِيمُها كسرتها، وكسرها طلاقها" انتهى.
والله أعلم
* * *