← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

والجمع أيتام، وصغيرة يتيمة، والجمع يتامى، وفي غير الناس من قبل الأم، وأيتمت المرأة أيتامًا، فهي مؤتم، صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لطِيم، وإن ماتت الأم فقط فهو عَجَمي انتهى. ﴿الْخَبِيثَ﴾: هو مال اليتيم، وإن كان جيدًا، فهو خبيث لكونه حرامًا ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ وهو مال الولي، فهو طيب لكونه حلالًا، وإن كان رديئًا ﴿حُوبًا﴾ الحوب الذنب، والإثم فهو مصدر: حاب يحوب حوبًا من باب قال: وفي "المصباح" حاب حوبًا من باب قال: إذا اكتسب الإثم، وبضم الحاء أيضًا. ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ من أقسط الرباعي بمعنى عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وفي "المصباح" قسط يقسط من باب: ضرب قسطًا، وقسوطًا إذا جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، ويأتي بمعنى عدل أيضًا، فهو حينئذ من الأضداد، قاله ابن القطاع. ويقال: أقسط بالألف إذا عدلَ، والاسم منه: القِسط بالكسر، وقرىء هنا بفتح التاء من قسط الثلاثي، إذا جار، فتكون هذه القراءة محمولة على تقدير زيادة لا، كأنه قال: وإن خفتم أن تقسطوا. ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾؛ أي: ما مال إليه القلب منهن ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ واعلم (١) أن هذه الألفاظَ المعدولةَ فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس، أو يقتصر فيها على السماع؛ قولان. قول البصريين: عدم القياس، وقول الكوفيين، وأبي إسحاق: جوازه، والمسموع من ذلك أحدَ عشرَ لفظًا أحاد، وموحد، وثناء، ومثنى، وثلاث، ومثلث، ورباع، ومربع، ومخمس، وعشار، ومعشر، ولم يسمع خماس، ولا غيره من بقية العقد، واختلفوا أيضًا في صرفها، وعدمه فجمهور النحاة على منعه، وأجاز الفراء صرفَها، وإن كان المنع عنده أولى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ﴿أَدْنَى﴾ اسم تفضيل من دنا يدنو دنوًا إلى الشيء إذا قرب إليه، ودنا يتعدى بإلى، وباللام وبمن تقول: دنوت إليه، وله، ومنه ﴿تَعُولُوا﴾ من عال يعول من باب: قال إذا مال عن الحق، وجار فيه، والمصدر العول، والعيالة، وعال الحاكم إذا جار.

стр. 2277

﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾؛ أي: أعطوا (١) من آتى الرباعي إيتاء بمعنى أعطاه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لا من أتى بالقصر إتيانًا إذا جاء، ﴿صَدُقات﴾ جمع صدقة بفتح الصاد، وضم الدال اسم للمهر، وله أسماء كثيرة منها صَدَقة بفتحتين، وبفتح فسكون، وصَدَاق بالفتح والكسر ﴿نِحْلَةً﴾ مصدر من غير لفظ الفعل بل من معناه؛ لأن معنى آتوهن بمعنى أنحلوهن، فهو على حد جلست قعودًا وقمت وقوفًا، وفي "المصباح" ونحله بفتحتين نحلًا مثل قفل إذا أعطيته شيئًا من غير عوض عن طيب نفس، ونحلت المرأة مهرها نحلةَ بالكسر أعطيتها ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الهنيء هو ما يستلذه الآكل، والمريء، ما تُحمَد عاقبته، كأن يسهلَ هضمه، وتحسُنَ تغذيته، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المريء، وهو ما بين الحلقوم إلى فم المعدة، سمي بذلك لمرور الطعام فيه؛ أي: انسياغه ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ﴿هَنِيئًا﴾ (٢) مصدر جاء على وزن فعيل، وهو نعت لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا هنيئًا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهناء، والتقدير: مهنا أو طيبًا ومثله ﴿مَرِيئًا﴾ والمريء، فعيل بمعنى مفعل؛ لأنك تقول: أَمْرَأَني الشيء رباعيًّا إذا لم تستعله مع هَنَاني، فإن قلت هَنَانِي ومَراني لم تأت بالهمزة في مَرَاني؛ لتكون تابعةً لهناني ثلاثيًّا. ذكره أبو البقاء. وقال أبو حيان (٣): ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، ويقال: هَنَا يهنا بغير همز قيل: واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به من الجرب، ويُوضع في عقره، والمريء ما يساغ في الحلق كما مر آنفًا انتهى. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ وأصل: ﴿تُؤْتُوا﴾ تؤتيوا بوزن تكرموا أستثقلت الضمة على الياء، فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان الياء وواو الضمير، فحذفت الياء؛ لئلا يلتقي ساكنان. والسفهاء (٤) جمع سفيه، وهو المبذر للمال المنفق له فيما لا ينبغي، وأصل السفه الخفة والاضطراب، ومنه قيل: زمان سفيه؛ إذا كان كثير

стр. 2278

الاضطراب، وثوب سفيه رديء النسج، ثم استعمل في نقصان العقل، وهو المراد هنا ﴿قِيَامًا﴾؛ أي: تقوم بها أمور معايشكم، وتمنع عنكم الفقر؛ قال الراغب: القيامُ والقوامُ ما يقوم به الشيء، ويثبت كالعماد، والسناد ما يعمد، ويسند به. و ﴿قِيَامًا﴾ بالياء، والألف مصدر قام، والياء بدل من الواو، وأبدلَت منها لما أعلت في الفعل، وكانت قبلها كسرة ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، والقول المعروف هو ما تطيبُ به النفوسُ، وتألفه كإفهام السفيه أنَّ المال مَالُه لا فضلَ لأحد عليه، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ أي: علمتم منهم حسن التصرف في الأموال، وفي "المصباح"، وآنستُ الشيء بالمد، علمته، وآنسته أبصرته. انتهى، وفيه أيضًا الرشد: خلاف العيّ والضلال، وهو إصابةُ الصواب، ورشد رشدًا من باب تعب، ورشد يَرُشُد من باب قتل، فهو راشد، والاسم: الرشاد اهـ. ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ الإسراف: مجاوزة الحد في التصرف في المال، والبدار المبادرة والمسارعة إلى الشيء، يقال: بادرت إلى الشيء، وبدرت إليه، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين؛ لأن اليتيم مار إلى الكبرَ، والولي مار إلى أخذ ماله فكأنهما يستبقان، ويجوز أن يكون من واحد، وفي "المصباح": كبر الصبي، وغيره يكبر من باب: تعب مكبرًا مثلَ مسجد، وكبرًا وزانَ عِنب، فهو كبير، وجمعه كبار، والأنثى كبيرة ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أي: فليعف نفسَه عن مال اليتيم، فـ ﴿السين﴾ و ﴿التاء﴾ فيه زائدتان، والعفة تركُ ما لا ينبغي من الشهوات، وفي "المختار": عفَّ عن الحرام يَعِفُّ بالكسر عِفةً وعَفًّا، وعفا إذا كف عنه، فهو عف، وعفيف، والمرأة عفة، وعفيفة ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: سهمًا مقدرًا مَحْتُومًا لا بد لهم أن يأخذوه ﴿وَلْيَخْشَ﴾ الخشية: الخوف في محل الأمن ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ والسديد: العدل، والصواب، والسداد بالكسر: ما يسد به الشيء كالثغر موضع الخوف من العدو، والقارورة ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ يقال: صلى اللحم صليًا، إذا شواه، فإذا أراد إحراقه يقال: أصلاه إصلاءً، وصلاه تصليةً وصلى يده بالنار - من باب رضي - أدفأها، واصطلى استدفأ، وفي "المختار" صليت اللحم وغيره؛ من باب: رمَى شويته، ويقال: صليت الرجلَ نارًا؛ أي: أدخلته النار، وجعلته يصلاها. اهـ. والسعير: النار المستعرة المشتعلة، يقال: سَعرت النار، وسعرتُهَا، أوقدتُها.

стр. 2279

البلاغة قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة: منها: الطباق في قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾ و ﴿زَوْجَهَا﴾ و ﴿غنيًّا﴾ و ﴿فقيرًا﴾ و ﴿قل﴾ ﴿أو كثر﴾ و ﴿رِجَالًا﴾ ﴿وَنِسَاءً﴾ و ﴿الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. ومنها: التكرار المسمى بالإطناب عندهم في قوله: ﴿اتقوا﴾، و ﴿خلق﴾، و ﴿خِفْتُمْ﴾، و ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾، و ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ منه جهة المعنى و ﴿اليتامى﴾، و ﴿النساء﴾، و ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ و ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ و ﴿خافوا﴾ من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين. ومنها: إطلاق اسم المسبب على السبب في قوله: ﴿ولا تأكلوا﴾ لأن الأخذَ سبب للأكل. ومنها: تسمية الشيء باسم ما كان عليه في قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ سماهم يتامى بعد البلوغ. ومنها: التأكيد بالإتباع في قوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. ومنها: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه في قوله: ﴿نصيب مما ترك﴾، و ﴿نارا﴾ على قول من زعم أنها حقيقة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عنبًا يؤول إلى خمر. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿فَادْفَعُوا﴾ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ﴾ والمغاير في قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا﴾. ومنها: الزيادة للزيادة في المعنى في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. ومنها: إطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿الأقربون﴾ إذ المراد أرباب الفرائض.

стр. 2280

ومنها: إقامة الظرف المكاني مقام الزماني في قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: من بعد وفاتهم. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿بُطُونِهِمْ﴾ خصها دون غيرها؛ لأنها محل للمأكولات. ومنها: التعريضُ في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ عرض بذكر البطون لخستهم، وسقوط هممهم، والعرب تذم بذلك قال شاعرهم: دَعِ الْمَكَارِمَ لاَ تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِيْ ومنها: تأكيد الحقيقة بما يرفع احتمالَ المجاز في قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ رفع المجازَ العارضَ في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ على قول من حمله على الحقيقة، ومَنْ حملَه على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز، ونظيره في كونه رافعًا للمجاز قوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، وقوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ والحذف في عدة مواضعَ مثل قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾؛ أي: كثيرًا. ومنها: المقابلة اللطيفة بَيْنَ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فائدة: وفي قوله تعالى: ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إشارة إلى ترك المفاخرة، والكبر لتعريفه إياهم، بأنهم من أصل واحد، ودلالة على المعاد؛ لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفينَ من شخص واحد، فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى، و ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حواء، وظاهر منها ابتدأ خلق حواء من نفسه، وأنه هو أصلها الذي اخترعت، وأنشئت منه، ويدل عليه الحديث الصحيح في قوله ﷺ : "إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تُقِيمُها كسرتها، وكسرها طلاقها" انتهى. والله أعلم * * *

стр. 2281

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾. المناسبة لما (١) بين الله حُكْمَ الميراث مجملًا في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ذكر هنا تفصيلَ ذلك المجمل فبيَّن أحكامَ المواريث، وفرائضها، لإبطال ما كان عليه العربُ من نظام التوارث في الجاهلية من منع الأنثى، وصغار الأولاد، وتوريث بعض مَنْ حَرَمه الإِسلامُ من الميراث. وقد كانت أسبابُ الإرث في الجاهلية ثلاثةً: الأول: النّسبُ، وهو لا يكون إلا للرجال الذين يركبون الخيلَ، ويقاتلون

стр. 2282

العدوَّ، ويأخذون الغنائم، وليس للضعيفَيْنِ المرأة والطفل من ذلك شيء. والثاني: التبني فقد كان الرجلُ يتبنَّى ولدَ غيره، فيكون له أحكام الولد في الميراث وغيره. والثالث: الحِلْفُ والعهدُ، فقد كان الرجل يقول لآخرَ: دمي دمك، وهدمي هدمك؛ أي: إذا أهدر دمي أهْدِر دمك، وترثني وأرثك، وتطلَبُ بي وأطلَبُ بك، فإذا فعلًا ذَلك، ومات أحدهما قبل الآخر كان للحيّ ما اشترط من مال الميت. فلما جاء الإِسلام أقرهم على الأول، والثالث دون الثاني، فقال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ والمراد به: التوارث بالنسب، وقال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ والمراد به التوارثُ بالعهد، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ والمراد به: التوارث بالتبني، وزاد شيئين آخرين: الأول: الهجرةُ، فكان المهاجر يرثُ من المهاجر، وإن كان أجنبيًّا عنه، إذا كان بينهما مخالطة، وود، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه. والثاني: المؤاخاةُ كان رسول الله ﷺ يؤاخي بين كل اثنين من الرجال، وكان ذلك سببًا للتوارث، ثم نسخ التوارثُ بهذين السببين بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. ثم استقر الأمر بعد نزول أحكام الفرائض على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب، والنكاح، والولاء. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ مناسبتها لما قبلها (١): لما بين الله حدوده التي حدها لعباده، قَسَمَ الناس إلى عامل بها، مطيع، وإلى غير عامل بها، عاص، وبدأ بالمطيع؛ لأن الغالبَ على مَنْ كان مؤمنًا بالله تعالى الطاعة، إذ السورة مفتتحة بخطاب الناس عامةً، ثم أردف بخطاب من يتصف بالإيمان إلى آخر المواريث، وبدأ بالمطيع؛ لأن قسم الخير ينبغي أن يبتدأ

стр. 2283

به، وأن يعتنَى بتقديمه، وحَمَل أوَّلًا على لفظ ﴿من﴾ في قوله: ﴿يُطِعِ﴾ و ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فأفرد، ثم حملَ على المعنى في قوله: ﴿خالدين﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾، مناسبتها لما قبلها: لمَّا ذكر ثَوابَ مراعي الحدود .. ذَكَرَ عقابَ من يتعداها، وغلظ في قسم المعاصي، ولم يكتف بالعصيان بل أكَّدَ ذلك بقوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ وناسب الختم بالعذاب المهين؛ لأن العاصيَ المتعدي للحدود؛ برز في صورة من اغترَّ، وتجاسرَ على معصية الله تعالى، وقد تقل المبالاة بالشدائد، ما لم ينضمَّ إليها الهوانُ، ولهذا قالوا: المنية ولا الدنيَّةُ. قيل: وأفرد خالدًا هنا، وجمع في خالدين فيها؛ لأن أهلَ الطاعةِ، أهل الشفاعة، وإذا اشفع في غيره دخلها، والعاصي لا يدخل النار به غيره، فبقي وحيدًا. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ...﴾ الآية، سبب (١) نزولها: ما أخرجه الأئمة الستة وغيرُهم عن جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة، مَاشِيينْ فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئًا، فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم رش علي فأفقت، فقلتُ ما تأمرني أن أصنع في مالي؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وللآيةِ سببٌ آخر: وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن جابر ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وأن عمهما أخَذَ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالًا، ولا تنكحَان إلا ولهما

стр. 2284

مالٌ، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيةَ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: أعط بنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمنَ، وما بقي فهو لك، قالوا وهذه أول تركة قسِمَتْ في الإِسلام. وقصة جابر أصح؛ لأنها متفق عليها، وأما قصة بنات سعد بن الربيع ففيها عبدُ الله بن محمَّد بن عقيل، وهو صدوق ضعيفُ الحفظ على أنه لا تنافيَ بين القصتين، فيحتمل أنها نزلت فيهما معًا. قال الحافظ بن حجر في "الفتح": تمسَّك بهذا الحديث الأخير مَنْ قال: إن الآية نَزلت في قصة ابنتي سعد، ولم تنزل في قصة جابر خصوصًا أنَّ جابرًا لم يكن له يومئذ ولد، قال الحافظ: والجواب أنها نزلت في الأمرين معًا، ويحتمل أن يكون: نزولُ أولها في قصة البنتين، وآخرها، وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر بقوله: فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ أي: ذكر الكلالة المتصلُ بهذه الآية، والله أعلم. انتهى. وأقولُ في كلام الحافظ ﵀: نظر، فإنَّ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ في ميراث الإخوة لأم، فالأَوْلى أن يقال: لا مانع من نزول الآية في الأمرين معًا كما قرره هو قبل، والله أعلم. وقد ورد (١) في الآية سببُ ثالثٌ: وهو ما أخرجه ابن جرير، عن السدي قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواريَ ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجلَ منْ ولده إلا من أطاق القتالَ، فمات عبد الرحمن أخو حسَّان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كحلة، وخمسَ بنات، فجاء الورثة يأخذون مالَه، فشكَتْ أمَّ كحلة ذلك إلى النبيِّ ﷺ فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ثم قال في أمّ كحلةَ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾.

стр. 2285

فصول في فضل علم الفرائض وذكر نبذة من أحكامه وقبل الشروع في تفسير هذه الآيات الكريمة، نقدم فصولًا تتضمن أحكامَ الفرائض، وأصولَ قواعدها. الفصل الأول: في فضله والحث على تعلمه وتعليمه اعلم أن علم الفرائض من أعظم العلوم قدرًا، وأشرفها ذخرًا، وأفضلها ذكرًا، وهي ركن من أركان الشريعة، وفرع من فروعها في الحقيقة، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها، وتكلموا في فروعها، وأصولها، ويكفي في فضلها أن الله تَولَّى قسمتَها بنفسه، وأنزلها في كتابه مبينةً من فوق سمواته، وقد حث رسول الله ﷺ على تعليمها فيما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا الفرائضَ والقرآنَ، وعلموا الناسَ، فإني مقبوض" أخرجه الترمذي، وقال: فيه اضطراب، وأخرجه أحمد بن حنبل، وزاد فيه "فإني امرؤ مقبوض" والعلمُ مرفوع، ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة فلا يَجدَانِ أحدًا يخبرهما". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا الفرائض وعلّموها، فإنه نصف العلم، وهو أول علم يُنْسَى، وهو أول شيء يُنْزَعُ من أمتي". أخرجه ابن ماجه والداقطني. الفصل الثاني: في بيان الورثة وأقسامها إذا مات الميت، وله مال يبدأ بتجهيزه من ماله، ثم تُقضى ديونه، إن كان عليه دين، ثم تنفَّذ وصايَاه، وما فَضَل بعد ذلك من ماله يقسم بين ورثته. والوارثون من الرجال عشرة بالاختصار، الابن وابن الابن، وإن سفل، والأب، والجد وإن علا، والأخ سواء كان لأب وأم، أو لأب فقط، أو لأم فقط، وابن الأخ للأب والأم، أو للأب وإن سفل، والعم للأب والأم، أو للأب فقط، وابناهما، وإن سفلوا، والزوج، والمعتق. والوارثات من النساء سبع بالاختصار: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت، والأخت من كل الجهات، والزوجة، والمعتقة.

стр. 2286

وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير، وهم: الأبوان، والولدان، والزوجان، لأنه ليس بينهم، وبين الميت واسطة. ثم الورثة ثلاثة أصناف: صنف يرث بالفرض فقط، وهم الزوجان، والبنات، والأخوات، والأمهات، والجدات، وأولاد الأم، وصنف يرث بالتعصيب فقط، وهم البنون والإخوة الأشقاء أو لأب وبنوهم والأعمام وبنوهم وصنف يرث بالتعصيب تارة وبالفرض أخرى وهما الأب والجد، فيرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد، فإن كان له ابن، ورث الأب بالفرض السدس، وإن كانت بنت ورث السدس بالفرض، وأخذ الباقيَ بالتعصيب والعصبة: هو من يأخذ جميع المال إذا انفرد، ويأحذ ما فَضَل عن أصحاب الفروض إذا كان معهم. الفصل الثالث: في أسباب الإرث وموانعه وأسباب الإرث ثلاثة: نسب، ونكاح، وولاء، فالنسب القرابةُ يرث بعضهم بعضًا، والنكاح هو أن يرث أحد الزوجين من صاحبه بسبب النكاح، والولاء هو أن المعتقَ وعصباته يرثون المعتقَ. والأسباب التي تمنع الإرث أربعة: الأول: اختلاف الدين، فالكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر؛ لما روي عن أسامة بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". أخرجاه في "الصحيحين". فأما الكفار فيرث بعضهم بعضًا مع اختلاف مللهم، وأديانهم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل والكفر يمنع التوارث أيضًا، حتى لا يرث اليهودي من النصراني، ولا النصراني من المجوسي، وإلى هذا ذهب الزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا توارث بين أهل ملتين". أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ -

стр. 2287

قال: "لا يتوارث أهل ملتين شتى". أخرجه أبو داود، وحمله الآخرون على الإِسلام والكفر؛ لأن الكفر عندهم ملة واحدة، فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين ملتين شتى. والثاني: الرق، فإنه يمنع الإرث، لأن الرقيق ملك، ولا ملك له، فلا يرث، ولا يورث. والثالث: القتل، فإنه يمنع الإرث مطلقًا محمدًا كان القتل، أو خطأً؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "القاتل لا يرث". أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث لا يصح، والذي العمل عليه عند أهل العلم أن القاتل لا يرث، سواءً كان القتل عمدًا أو خطأً. وقال بعضهم: إذا كان القتل خطأً. فإنه يرث، وهو قول مالك. والرابع: إبهام الموت، وهو أن يخفى موت المتوارثين، وذلك بأن غرقا أو انهدم عليهما بناء، فلم يدر أيهما سبق موته، فلا يرث أحدهما الآخر، بل يكون إرث كل واحد منهما لمن كانت حياته يقينًا بعد موته من ورثته. الفصل الرابع: في بيان الفروض وأهلها والسهام المقدرة في المواريث المذكورة في كتاب الله ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس: فالنصف: فرض الزوج عند عدم الولد الوارث، وفرض البنت الواحدة للصلب، أو بنت الابن عند عدم بنت الصلب، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم، وفرض الأخت الواحدة للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم. والربع: فرض الزوج مع الولد، وفرض الزوجة مع عدم الولد. والثمن: فرض الزوجة مع الولد. والثلثان: فرض البنتين فصاعدًا، أو بنات الابن عند عدم بنات الصلب، وفرض الأختين فصاعدًا للأب والأم، أو للأب.

стр. 2288

والثلث: فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد، ولا اثنان من لإخوة والأخوات إلا في مسألتين: تسمى بالغراوين: إحداهما زوج، وأبوان، والأخرى: زوجة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث الباقي بعد نصيب الزوج، أو الزوجة، وفرض الاثنين فصاعدًا من أولاد الأم ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، وفرض الجد مع الإخوة إذا لم يكن في المسألة صاحب فرض، وكان الثلث خيرًا له من المقاسمة مع الإخوة. والسدس: فرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد، وفرض الأم إذا كان للميت ولد، أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة، والأخوات، وفرض الجد إذا كان للميت ولد، ومع الإخوة إذا كان في المسألة صاحب فرض، وكان السدس خيرًا له من المقاسمة مع الإخوة، وفرض الجدة والجدات، وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرًا كان أو أنثى، وفرض بنات الابن مع بنت الصلب تكملةَ الثلثين، وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم تكملةَ الثلثين. وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فَجَعَلَ للذكر مثل حظ الأثنيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما: السدس، أو الثلث، وجعل للمرأة الثمن، أو الربع، وللزوج الشطر أو الربع، رواه البخاري. الفصل الخامس: في الحجب روي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: ولَدُ الأبناء بمنزلة الأبناء، إذا لم يكن دونه ابن، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون ويَحجبون كما يَحجبون، ولا يرث ولد ابن مع ابن ذكر، فإن ترك بنتًا، وابن ابن .. كان للبنت النصف، ولابن الابن ما بقي لقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". ففي هذا الحديث دلالة على أن بعض الورثة يحجب البعض،

стр. 2289

والعجيب قسمان: حجبُ نقصان، وحجبُ حرمان: أمَّا الأول: وهو حجب النقصان: فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوجَ من النصف إلى الربع، والزوجةَ من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، وكذلك الاثنان من الإخوة والأخوات يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. وأما الثاني: وهو حجب الحرمان. فهو أن الأم تسقط الجدات، وأولاد الأم، وهم الإخوة للأم يسقطون بأربعة: بالأب، والجد، وإن علا، وبالولد، وولد الابن، وأولاد الأب والأم، وهم الإخوة للأب والأم يسقطون بثلاثة: بالأب، والابن، وابن الابن وإن سفلوا، ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي وابن مسعود، وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة، وبالأخ للأب والأم. وذهب قوم إلى أن الإخوة يسقطون جميعًا بالجد كما يسقطون بالأب، وهو قول أبي بكر الصديق، وابن عباس، ومعاذ، وأبي الدرداء، وعائشة، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاووس، وأبو حنيفة. الفصل السادس: في العصبات والأقرب من العصبات يسقط الأبعدَ منهم، فأقربُهم الابن، ثم ابن الابن، وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد، وإن علا، فإن كان مع الجد أحد من الإخوة، والأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث، فإن لم يكن جد فللأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم بنوا الأخوة يقدم أقربهم، سواء كان لأب وأم، أو لأب، فإن استويا في الدرجة، فالذي هو لأب وأم أولى، ثم العم لأب، وأم، ثم لأب ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة، ثم عم الأب، ثم عم الجد على الترتيب السابق في الإخوة، فإن لم يكن أحد من عصبات النسب، وعلى الميت ولاء، فالميراث للمعتق، فإن لم يكن حيًّا فلعصبات المعتق، وأربعة من الذكور يعصبون الإناث: الابن، وابن الابن، والأخ للأب والأم، والأخ للأب، فلو مات عن ابن، وبنت، أو عن أخ، وأخت لأب وأم، أو لأب، يكون المال

стр. 2290

بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يفرض للبنت والأخت وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته الإناث، ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئًا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن، فللبنتين الثلثان، ولا شيءَ لبنت الابن، فإن كان في درجتها ابن ابن، أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأثنيين، والأخت للأب والأم، أو للأب تكون مع البنت عصبة حتى لو مات عن بنت وأخت كان للبنت النصف، والباقي: وهو النصف للأخت، ولو مات عن بنتين، وأخت، كان للبنتين الثلثان، والباقي للأخت. ويدل على ذلك ما روي عن هذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأتت بنت الابن ابن مسعود، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى فقال ابن مسعود: لقد ضللت وما أنا من المهتدين، ثم قال: أقضى فيها بقضاء رسول الله ﷺ للبنت النصف، ولبنت الابن السدس. تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت فأخبر أبو موسى بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. أخرجه البخاري. التفسير وأوجه القراءة ١١ - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وهذا شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الخ، وإنما بَدَأَ الله بإرث الأولاد، لأنهم أقرب الورثة إلى الميت، وأكثر بقاء بعد المورث؛ ولأن تعلق قلب الإنسان بولده أشد من تعلقه بغيره. والخطاب فيه للمؤمنين، وقرأ ابن أبي عبلة، والحسن ﴿يوصيكم﴾ بالتشديد، والوصية ما تعهد به إلى غيرك من العمل، كما تقول: أوصيت المعلم أن يراقب آدابَ الصبي، ويؤدبه على ما يسيء فيه، وهي في الحقيقة: أمر له بعمل ما عهد إليه به. والمعنى: يأمركم الله ﴿فِي﴾ إرث ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ الوارثين الذكور والإناث كبارًا كانوا أو صغارًا مما تتركونه من أموالكم، بأن يُعْطَى ﴿لِلذَّكَرِ﴾ الواحد منهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: قَدْرُ نصيب اثنتين من إناثهم، إذا كانوا ذكورًا وإناثًا، واختير هذا التعبيرُ، ولم يقل: للأنثى نصف حظ الذكر،

стр. 2291

إيماء إلى أنَّ إرثَ الأنثى كأنه مقرر معروف، وللذكر مثله مرتين، وإشارةً إلى إبطال ما كانت عليه العرب في الجاهلية من منع توريث النساء. والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين: أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه، وعلى زوجه فجُعل له سهمان، وأما الأنثى فهي تنفق على نفسها، فحسب، وإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها، ويدخل في عموم الأولاد: ١ - الكافرُ لكن السنة بينت أن اختلاف الدين مانعٌ من الإرثِ، قال ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين" كما مر. ٢ - والقاتل عمدًا لأحد أبويه مثلًا، ويخرج بالسنة والإجماع. ٣ - والرقيق، وقد ثبت منعه بالإجماع؛ لأن المملوك لا يملك بل كل ما يصل إلى يده من المال، فهو ملك لسيده، ومالكه فلو أعطيناه من التركة شيئًا، كنا معطين ذلك للسيد فيكون هو الوارث بالفعل. ٤ - والميراث من النبي ﷺ فقد استثني بحديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث". ولا خلاف في أن ولد الولد يقوم مقامه عند فقده، أو عدم إرثه لمانع كقتل مورّثه، قال شاعرهم: بَنُونَا بَنُوْ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوْهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ فإذا خلف الميت ذكرًا واحدًا وأنثى واحدةً فللذكر سهمان، وللأنثى سهم، وإذا كان الوارث جماعةً من المذكور وجماعةً من الإناث كان لكل ذكر سهمان، ولكل أنثى سهم. وإذا كان مع الأولاد أبوان وأحد الزوجين، فالباقي بعد سهام الأبوين، وأحد الزوجين بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين. ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾؛ أي: فإن كانت البنات المتروكات من الأولاد ﴿نِسَاءً﴾؛ أي: إناثًا خلصا ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: بنتَيْنِ فأكثر مهما بَلَغ عددُهن ﴿فَلَهُنَّ﴾؛ أي:

стр. 2292

فلتلك البنات سواءً كانت ثنتينِ فأكثر ﴿ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ أي: ثلثا ما ترك والدُهن المتوفَّى أو والدتُهن. وأجمعت (١) الأمة على أن للبنتين الثلثين إلا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه ذهبَ إلى ظاهر الآية، وقال الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فجعل الثلثين للنساء إذا زدن على الثنتين، وعنده أن فرض الثنتين النصف كفرض الواحدة، وأجيب عنه بأجوبة فيها حجة لمذهب الجمهور كما ذكروها: منها: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير فإن كن نساءً اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان. ومنها: أن الجمع يطلق على ما فوق الواحد؛ لأنَّ العرب تطلق الجمع على الاثنين كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. ومنها: أن لفظةَ فوق صلَةُ هنا، والتقدير: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ اثنتين. ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ المولودة الوارثةُ بنتًا ﴿وَاحِدَةً﴾؛ أي: منفردةً ليس معها أخ، ولا أختَ ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ مما ترك الوالد الميتُ أو الوالدة، والباقي لسائر الورثة بحسب الاستحقاق كما يعلم من أحكام المواريث. وخلاصة ذلك: أنه إذا كان الأولاد ذكورًا وإناثًا كان للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان المولود أنثى واحدةً. كان لها النصفُ، وإن كن ثنتين أو ثلاثًا فصاعدًا. كان لهن الثلثان. وقد عُلم من ذلك أنَّ البنات لا يستغرق فرضهن التركةَ، والولد الذكر إذا انفرد. يأخذ التركة كلَّها، وإذا كان معه أخ له فأكثرُ .. كانت قسمة التركة بينهما، أو بينهم بالمساواة. قرأ الجمهور (٢) ﴿وَاحِدَةً﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿كان﴾؛ أي: وإن كانت هي؛ أي: البنت فذةً ليس معها أخرى، وقرأ نافع ﴿واحدة﴾ بالرفع على أن كان تامة، ﴿وواحدة﴾ فاعلها، وقرأ السلمي النصف بضم النون، وهي قراءةٌ علي وزيد في جميع القرآن.

стр. 2293

ولما فرغ الله من ذكر الفروع، ومقدار ما يرثون أخَذَ في ذكر الأصول، ومقدارِ ما يرثون، فقال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾؛ أي: ولأبوي الميت وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ بدل منه بتكرير العامل، وفائدته (١): التنصيص على استحقاق كل واحد منهما السدسَ والتفصيل بعد الإجمال تأكيد، وأبواه هما أبوه وأمه وغلَّب لفظَ الأب في التثنية كما قيل: القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس؛ أي: لكل واحد من الأبوين ﴿السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ الميت على السواء في هذه الفريضة، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: لهذا الميت ﴿وَلَدٌ﴾ ذكر أو أنثى واحد، أو أكثر، والباقي بعد هذا الثلث أعني سدسيهما يقتسمه الأولاد؛ أي: فإن كان مع الأبوين ولد ذكر، فأكثر أو بنتان فأكثر، فلكل واحد من الأب والأم السدس، وإن كان مَعهما بنت .. فلها النصف، وللأم السدس، وللأب السدس بحكم هذه الآية، والسدس الباقي للأب أيضًا بحكم التعصيب. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾؛ أي: للميت ﴿وَلَدٌ﴾ ولا ولد ولد ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فرضًا لها، والباقي للأب كما هو معلوم من انحصار الإرث، فيأخذ السدسَ بالفريضة، والنصفَ بالتعصيب، وإذا انفرد أخذ كل المال كما هو شأنُ العصبة، وإذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، فللأم ثُلُثُ ما يبقى بعد فرضه، والباقي للأب وتسمى هذه المسألة الغراوين، وقد أشار إليها صاحبُ "الرحبية": وَإِنْ يَكُنْ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَبُ ... فَثُلُثُ الْبَاقِيْ لَهَا مُرَتَّبُ وهَكَذَا مَعْ زَوْجَةٍ فَصَاعِدَا ... فَلاَ تَكُنْ عَنِ الْعُلُوْمِ قَاعِدَا وثلث الباقي في الحقيقة إما ربعٌ أو سدسٌ، وقد انعقد الإجماعُ على ذلك إلا ما شَذَّ عن ابن عباس فإنه قال: يأخذ الزوجُ نصيبه، وتأخذ الأم ثُلُثَ التركة كلَّها، ويأخذ الأب ما بقي، وقال: لا أجدُ في كتاب الله ثلثَ الباقي، والسر في تساوي الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد الإشارة إلى وجوب احترامهما على السواء.

стр. 2294

والحكمة في أن حظ الوالدين من الإرث أقل من حظ الأولاد مع عظم حقهما على الولد: أنهما يكونان في الغالب أقل حاجة إلى المال من الأولاد، إما لكبرهما، وإما لتموُلهما، وإما لوجود من تَجِبَ عليه نفقتهما من أولادهما الأحياء، وأما الأولاد فإما أن يكونوا صغارًا لا يقدرون على الكسب، وإما أن يكونوا على كبرهم محتاجينَ إلى نفقات كثيرة في الحياة، كالزواج، وتربية الأطفال، ونحو ذلك ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت مع أرث أبويه له ﴿إِخْوَةٌ﴾ اثنان فصاعدًا ذكور أو إناث أشقاء كانوا أو لأب أو لأم وارثين كانوا أو محجوبين بالأب ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ مما ترك والباقي للأب، ولا شيءُ للإخوة، وأما السدس الذي حجبوها عنه .. فهو للأب عند وجوده، ولهم عند عدمه. والمعنى: أنه إن كان أب وأم وإخوة .. كان نصيبُ الأم السدسَ وحظها الإخوة من الثلث إلى السدس، وصار الأب يأخذ خمسةَ الأسداس كرجل مات عن أبوين وأخوين، فإن للأم السدس والباقي، وهو خمسةُ أسداس للأب، سدس بالفريضة، والباقي بالتعصيب، فكل جمع منهم يحَجب الأم من الثلث إلى السدس، ولا شيء لهم لكونهم محجوبين بالأب. قال صاحبُ "التلمسانية": وَفِيْهِمُ فِيْ الْحَجْبِ أَمْرٌ عَجَبُ ... لِكَوْنِهِمْ قَدْ حَجَبُوْا وَحُجِبُوْا وإنما حجب الإخوة الأمَّ من غير أن يرثوا مع الأب شيئًا؛ معونة للأب؛ لأنه يقوم بشأنهم، وينفق عليهم دون الأم، ولكن هذا يدلُّ على خستهم. وعلم مما ذكر في مسألة الغراوين: أن (١) حقوقَ الزوجية في الإرث مقدمة على حقوق الوالدين؛ إذ أنهما يتقاسمان ما بقي بعد أخذ الزوج حصتَه، وسر هذا أن صلة الزوجية أشد وأقوى من صلة البنوة؛ ذاك أنهما يعيشان مجتمعينِ وجودُ كل منهما متمم لوجود الآخر، حتى كأنه نصف شخصه، وهما حينئذ منفصلان عن الوالدين أشد الانفصال؛ فبهذا كانت حقوق المعيشة بينهما آكد، ومن ثم جعل الشارع حق المرأة على الرجل في النفقة هو الحق الأولَ؛ فإذا لم يجد

стр. 2295

الرجلِ إلا رغيفَين سد رَمَقهُ بِأحَدِهِما، ووجب عليه أن يعطيَ الثانيَ لامرأته لا لأحد أبَويه، ولا لغيرهما من أقَارِبِه. قرأ الجمهور (١): ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ هنا في الموضعين، وفي قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ في الزخرف، وفي قوله: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ في القصص، وفي قوله: ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في النحل، والزمر، وفي قوله: ﴿فيِ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في النور ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في النجم بضم الهمزة من أم، وهو الأصل. وقرأ الأخوان - أعني الكسائيَ وحمزة - جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من أمهات في الأماكن المذكورة، هذا كله في الدرج أما في الابتداء بهمزة الأم والأمهات، فإنه لا خلاف في ضمها، أما وجه قراءة الجمهور، فظاهر؛ لأنه الأصل كما تقدم. وأما قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبة الكسرة، أو الياء، التي قبل الهمزة، فكسرت الهمزة إتباعًا لما قبلها، ولاستثقالهم الخروجَ من كسر أو شبهه إلى ضم، ولذلك إذا ابتدىء بالهمزة ضمَّاها لزوال الكسر، أو الياء، وأما كسرُ حمزةَ الميمَ من أمهات في المواضع المذكورة، فللإتباع، أتبع حركة الميم لحركة الهمزة، فكسرةُ الميم تبع التبع، ولذلك إذا ابتدىءَ بها ضمت الهمزة، وفَتح الميم لما تقدم من زوال موجب ذلك، وكسر همزةِ أم بعد الكسرة، أو الياء، حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراءُ إلى هوازن، وهذيل اهـ "سمين". وقرأ الحسن (٢) ونعيم بن ميسرة ﴿السدْس﴾ بسكون الدال، وكذلك قرأ ﴿الثلْث﴾ و ﴿الرْبع﴾ إلى العشر بالسكون، وهيَ لغةُ بني تميم، وربيعة، وقرأ الجمهور بالتحريك ضمًّا، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد في جميعها. وقد اختلف العلماء في الجد هل هو بمنزلة الأب فتسقط به الإخوة أم لا؟ فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحدٌ من الصحابة في أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال بقول أبي بكر ابن عباس،

стр. 2296

وعبد الله بن الزبير، وعائشة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وغيرهم. وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وابن مسعود، إلى توريث الجد مع الإخوة للأبوين، أو لأَب، ولا ينقصَ معهم من الثلث، ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس. وأجمع العلماء على أن للجدة السَّدُسَ إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأبَ لا يُسقِطُ الجدةَ أم الأم، واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي. هذه الأنصباء المذكورة إنما تقسم للورثة ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تنفيذ ﴿وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ الميت، وإخراجها من ثلث ما بقي بعد الدين ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: ومن بعد قضاء دين عليه إن كان، وأو هنا لمطلق الجمع بمعنى الواو، لا تفيد ترتيبًا؛ لأن الدين مقدم على الوصية، ولا بد هنا من تقدير محذوف كما يُعلم مما سيأتي، تقديره: حالةَ كونه غير مَضار للورثة بالوصية والدين؛ بأن كان في كل منهما مصلحة، وإنما قدمت الوصية على الدين في الذكر في الآية مع أن الدينَ مقدم عليها في الوفاء، كما قضى به رسول الله ﷺ فيما رواه علي كرم الله وجهه، وأخرجه عنه جماعة قال - أعني عليًّا -: إنكم تقرؤون الوصيةَ قبل الدين، وبدأ رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية للاهتمام بها؛ لأنها تؤخذ كالميراث بلا عوض، فيشق على الورثة إخراجها. وأجمعت الأمة على تقديم الدين، والوصية على الإرث لهذه الآية، وإنما قدما على الإرث؛ لأنَّ الدينَ حق على الميت، والوصية حق له، وهما يتقدمان على حق الورثة. وإنما عطف (١) الدينَ على الوصية، بـ ﴿أو﴾ دون الواو إشارة إلى أنهما متساويان في الوجوب متقدمان على قسمة التركة مجموعين، أو منفردين. والحاصل: (٢) أن أول ما يخرج من التركة مؤونة تجهيزه، ثم الدين، حتى لو استغرق الدين جميعَ التركة .. لم يكن للورثة فيها حق، فأما إذا لم يكن دين

стр. 2297

أو كان إلا أنه قضي، وفضل بعده شيء. فإن أوصى الميت بوصية أخرجت من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثًا على حكم فرائض الله تعالى. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم ﴿يُوصِي﴾ بفتح الصاد، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بكسر الصاد. ثم أتى بجملة معترضة بين ذكر الوارثين، وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ولا تعلق لمعناها بمعنى الآية للتنبيه على جهل المرء بعواقب الأمور فقال: ﴿أَبْنَاؤُكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ﴾، ولا تعرفون ﴿أَيُّهُمْ﴾؛ أي: أي الفريقين ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ وأكثر لكم فائدةً في الدنيا بالإحسان إليكم، وفي الآخرة في الدعاء لكم، والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح، "أو ولد صالح يدعو له"؛ أي: إنكم لا تدرون أي الفريقين أقرب لكم نفعًا هل هم أباؤكم أو أبناؤكم، فمنكم فريق ظان أن ابنَه أنفع له، فيعطيه، فيكون الأب أنفع له في نفس الأمر، ومنكم فريق ظان، ومعتقد أن أباه أنفع له، فيعطيه الميراثَ وحدَه مع كون ابنه في نفس الأمر أنفع له، فلا تتبعوا في قسمة التركة ما كان يتعارفه أهل الجاهلية من إعطائها للأقوياء، الذين يحاربون الأعداء، وحرمان الأطفال، والنساء؛ لأنهم من الضعفاء، بل اتبعوا ما أمركم الله به، فهو أعلم منكم بما هو أقرب لكم نفعًا مما تقوم به في الدنيا مصالحكم، وتعظم به في الآخرة أجوركم، روى الطبراني؛ أن أحد المتوالدين إذا كان أرفعَ درجةً من الآخر في الجنة ... سأل أن يرفع الآخر إليه، فيرفع بشفاعته. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: فرَضَ الله ما ذكر من الأحكام ﴿فَرِيضَةً﴾ لا هوادة أي لا مسامحة في وجوب العمل بها، وفي هذا إشارة إلى وجوب الانقياد، لهذه القسمة التي قدرها الشرع، وقضى بها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ بالمصالح، والرتب ﴿حَكِيمًا﴾ في كل ما قضى وقدر؛ أي: لم يزل متصفًا بذلك. قال ابن عباس (١) إن الله ليشفع

стр. 2298

المؤمنين بعضَهم في بعض، فأطوعكم لله تعالى من الأبناءِ، والآباءِ أرفعكم درجةً في الجنة، وإن كان الوالد أرفعَ درجةً في الجنة من ولده، رفع الله إليه ولده بمسألته؛ لتقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجةً في الجنة من والديه، رفع الله إليه والديه، ولذا قال تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾؛ لأن أحد المتوالدَين لا يعرف أنَّ انْتِفَاعَه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك. وقيل (١): معناه كانَ عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخص الكبارَ بالميراث، كما كانت العرب تفعل. ١٢ - وبعد أن بين الله فرائض الأولاد، والوالدين، وقدم الأهمَ منهما من حيث حاجته إلى الأموال المتروكة، وهم الأولاد ذكر هنا فرائض الزوجين، فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ أي: ولكم أيها المؤمنون نصف ما تركته زوجاتكم من المال ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ﴾؛ أي: لتلك الزوجات ﴿وَلَدٌ﴾ سواءُ أكان منكم أم من غيركم، ولو من زنا، فإن ولد الزنا ينسب لأمه، وسواء أكان ذكرًا أم أنثى، وسواءٌ أكان واحدًا أم أكثر، وسواء أكان من بطنها، أو صلب بنيها، أو بني بنيها، وباقي التركة لأولادها، ووالديها على ما بينه الله في الآية السالفة، ولا يشترط في الزوجة أن تكون مدخولًا بها، بل يكفي مجرد العقد ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ وارث واحد، أو متعدد ﴿فَلَكُمُ﴾ أيها الأزواج ﴿الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾؛ أي: مما تركته الزوجات من المال، والباقي من التركة للأقرب إليها من ذوي الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال، إن لم يكن وارث آخر. واعلم: أنه لما جعل الله في الموجب النسبي حظ الرجل مثلَ حظ الأنثيين، جعل الله في الموجب السببي للرجل مثلَ حظ الأنثيين ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: هذه الأنصباء إنما تدفع لكم أيها الأزواج في الحالين من بعد تنفيذ وصية يوصين الزوجات بها غير مضارات بها،

стр. 2299

ومن بعد قضاء دين عليهن إن كان؛ إذ لا يأخذ الوارث شيئًا من التركة إلا ما فضل عنهما إن وجدا، أو وجد أحدهما، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾؛ أي: وللزوجات الربع من المال الذي تركتموه أيها الأزواج ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ ذكر، أو أنثى واحد، أو متعدد منهن، أو من غيرهن على التفصيل السابق في أولادهن، فإن كانت واحدةً .. فلها هذا الربع وحدها، وإن كان له زوجان فأكثر .. اشتركتا أو شتركن فيه على طريق التساوي، والباقي يكون لبقية ورثتكم من أصحاب الفروض، والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث آخر أصلًا ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ﴿وَلَدٌ﴾ وارث على التفصيل السابق، ولا فرق بين الولد، وولد الابن، وإن سفل في ذلك، وسواء كان الولد للرجل من الزوجة، أو من غيرها ﴿فَلَهُنَّ﴾؛ أي: لزوجاتكم ﴿الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ من الأموال، والباقي لبقية الورثة. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: هذه الأنصباء: إنما تدفع لأزواجكم من بعد تنفيذ وصية توصون بها، أيها الأزواج، حَالَ كونكم غير مضارينَ بها، وبعد قضاء دين عليكم إذا وجدا، أو وجد أحدهما. وبهذا (١) تعلم أن فرَضَ الرجل بحق الزواج ضعف فرض المرأة كما في النسب، ولم يعط الله تعالى للزوجات في الميراث إلا مثل ما أعطى للزوجة الواحدة؛ لإرشادنا إلى أن الأصل الذي ينبغي أن نسيرَ عليه في الزوجية، أن تكون للرجل امرأة واحدةٌ، وإنما يباح الأكثر بشروط مضيقة، وأن التعدد من الأمور النادرة التي تدعو إليها الضرورة، فلم يراعها الشارع في الأحكام، إذ الأحكام إنما توضع للأصل الذي عليه العمل، والنادرُ لا حكمَ له. وبعد أن بين الله حكمَ ميراثِ الأولاد، والوالدين، والأزواج ممن يتصل بالميت مباشرةً شرع يبين من يتصل به بالواسطة، وهو الكلالة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ من أورث صفة رجل؛ أي: إن كان الميت المورث

стр. 2300

﴿كَلَالَةً﴾ خبر كان، أو يورث خبره و ﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير فيه؛ أي: مكللا مكتنفا محاطًا بحواشي النسب، متجردًا خاليًا عن أصوله، وفروعه، وذلك بأن كان له أخ أو أخت، وليس له ولد، ولا والد. و ﴿الكلالة﴾ لغةً: الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، وسمي من عدا الوالد، والولد بالكلالة؛ لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان، وكالإكليل المحيط برأسه، أما قرابة الولادة. ففيها يتفرع بعض من بعض كالشيء الذي يتزايد على نسق واحد، ﴿أَوِ﴾ كانت ﴿امْرَأَةٌ﴾ تورث ﴿كَلَالَةً﴾ ﴿وَلَهُ﴾؛ أي: لذلك الرجل الموروث ﴿كَلَالَةً﴾ أو للمرأة الموروثة ﴿كَلَالَةً﴾ ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ من أم؛ لأن الأخوين من العصبة سيأتي حكمهما في آخر السورة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الخ، ويشهد لهذا المعنى قراءة أبي وسعد بن أبي وقاص ﴿وله أخ أو أخت من أم﴾ وإنما استشهدنا بهذه القراءة مع كونها شاذةً؛ لأنها بمنزلة رواية الآحاد، ورواية الآحاد يستدل بها؛ لأنها منقولة عن النبي ﷺ ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾؛ أي: فلكل من الأخ، والأخت المذكورين ﴿السُّدُسُ﴾ من غير تفضيل للذكر على الأنثى، لأنه لا تعصيب فيمن أدلوا به، وهي الأم ﴿فَإِنْ كَانُوا﴾؛ أي: فإن كان من يرث من الإخوة للأم ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: من الواحد ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: الزائدون على الواحد، كيفما كانوا ﴿شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فالذكر والأنثى فيه سواء، والباقي لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات. وقرأ (١) الجمهور ﴿يُورَثُ﴾ بفتح الراء مبنيا للمفعول من أورثَ مبنيًّا للمفعول، وقرأ الحسن بكسرها مبنيًّا للفاعل من أورث أيضًا، وقرأ أبو رجاء، والحسن أيضًا، والأعمش بكسر الراء وتشديدها من ورث. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾؛ أي: هذه الأنصباء المذكورة للإخوة من الأم، إنما تدفع لهم من بعد تنفيذ وصية يوصي بها الميت حالةَ كونه غير مدخل بها الضرر على ورثته؛ بأن يوصيَ بأكثر من الثلث، أو يوصي بالثلث لغرض

стр. 2301

تنقيص حقوق الورثة ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾؛ أي: ومن بعد قضاء دين عليه، إن كان حالةَ كونه ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ به؛ أي: غير مدخل الضرر على الورثةِ بذلك الدين؛ بأن يقر على نفسه بدين لا حقيقةَ له لحرمان الورثة. والحاصل (١): أن الضرار في الوصية، والدين يقع على وجوه: الأول: أن يوصي بأكثر من الثلث، وهو لا يصح، ولا ينفذ، وعن ابن عباس: إنّ الضِرَارَ فيها من الكبائر. الثاني: أن يوصي بالثلث فما دونه، لا لغرض من القربة، والتصدق لوجه الله بل لغرض تنقيص حقوق الورثة. الثالث: أن يقر بدين لأجنبي يستغرق المالَ كله، أو بعضَه، ولا يريد بذلك إلا مضارة الورثة، وكثيرًا ما يفعله المبغضون للورثة، ولا سيما إذا كانوا كلالةً، ومن ثم جاء ذكر هذا القيد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ في وصية ميراث الكلالة؛ لأن القصد إلى مضارة الوالدَين، أو الأولاد، وكذا الأزواج نادرٌ. الرابع. أن يقر بأن الدينَ الذي كان له على فلان، قد استوفاه، ووَصَلَ إليه. الخامس: أن يبيع شيئًا بثمن بخس، أو يشتري شيئًا بثمن غال. والمعنى: تدفع الأنصباء لأصحابها بعد إخراج وصية، وقضاء دين لم يحصل بهما ضرر للورثة، وإن حصل الضرر بهما، فلا اعتبار بهما. قال الشوكاني (٢): فما صَدَرَ من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له، أو التي لا مقصد لصاحِبِهَا إلا المضارةَ لورثته، فهو باطل مردود، لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه، وإنما كرر الوصية أربعَ مرات لاختلاف الموصين، فالأول: الأولاد؛ والثاني: الزوجة، والثالث: الزوج، والرابع: الكلالة. قال النخعي: قبض رسول الله ﷺ ولم يوص، وقبض أبو بكر، وقد وصى

стр. 2302

فإن أوصى الإنسان. فحسن، وإن لم يوص .. فحسن أيضًا، ومن الحسن أن ينظر الإنسان في قدر ما يخلف، ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك، فإن كان ماله قليلًا، وفي الورثة كثرة .. لم يوص، وإن كان في المال كثرة .. أوصى بحسب ماله، وبحسب حاجتهم بعده كثرةً وقلةً، وقد روي عن علي أنه قال: لأن أوصي بالخمس، أحب إلى من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع، أحب إلى من أن أوصي بالثلث. وقرأ ابن كثير (١) وابن عامر وعاصم ﴿يُوصَى﴾ بفتح الصاد، وقرأ الباقون بكسرها، واختار الكسر أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأنه جرى ذكرُ الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله ﴿يُوصِينَ﴾ و ﴿تُوصُونَ﴾ وقرأ الحسن ﴿غير مضار وصية﴾ بالإضافة، وفيه وجهان: أحدهما: تقديره: غير مضار أهل وصية، أو ذي وصية، فحذف المضاف، والثاني تقديره: غير مضار وقتَ وصية، فحذف، وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب من ذلك قولهم: هو فارس حرب؛ أي: فارس في الحرب، ذكره أبو البقاء ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: يوصيكم الله بذلك، ويأمركم به وصيةً منه ، فهي جديرة أن يعتنى بها، ويذعن للعمل بموجبها، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما ينفعكم، وبنياتِ الموصين منكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بعقوبتكم بمخالفة أحكامه، ولا بالجزاء على مخالفتها عسى أن تتوبوا؛ كما لا يبيح لكم أن تعجلوا بعقوبة من تبغضونه، فتضاروه في الوصية، كما لا يرضى لكم بحرمان النساءِ، والأطفال من الإرث. وفي هذا إشارة إلى أنه تعالى قد فرضها، وهو يعلم ما فيها من الخير، والمصلحة لنا، فمن الواجب أن نذعن لوصاياه، وفرائضه، ونعمل بما ينزلُ علينا من هدايته؛ كما لا ينبغي أن يغر الطامع في الاعتداء، وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل، فيظن أنهم بمنجاة من العذاب، فيتجرأ على مثل ما تجرؤوا عليه من الاعتداء، فإنه إمهال يقتضيه الحلم، لا إهمالُ من العجز، وعدم العلم.

стр. 2303

١٣ - ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة من شؤون الأيتام، وأحكام الأنكحة، وأحوال المواريث يعني من أول السورة إلى هنا ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: أحكام الله التي حدها، وبينها، وشرَعَها لعباده، وسماها حُدَودًا؛ لكونها لا تجوز مجاوزتها، ولا يحل تعديها ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ويمتثلهما في جميع الأوامر، والنواهي التي منها قسمة المواريث ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ نصب على الظرفية عند الجمهور، وعلى المفعولية عِندَ الأخفش؛ أي: يسكنه بساتينَ ﴿تَجْرِي﴾ وتسيلُ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي من تحت قصورِها، وأشجارِها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ من الماء واللبن، والخمر، والعسل ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، وهي عائدة على مَنْ، وهو مفرد في اللفظ جمع في المعنى، فلهذا صح الوجهان؛ أي: حالةَ كونهم مقدرين - الخلود - في تلك الجنات، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها ﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: دخولُ الجنة على وجه الخلود هو: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم الذي: لا فوزَ وراءه، ولا يذكَرُ بجانبه الفوز بحظوظ الدنيا القصيرة المنغصة بالأكدار، والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، نُؤَمن بها، ونعتقد أنها أرفع مما نَرى في هذه الدنيا، وليس لنَا أن نبحَثَ عن كيفيتها؛ لأنها من عالم الغيب. واعلم: أن طاعةَ الله هي اتباع ما شرعه من الدين على لسان رسوله ﷺ ، وطاعةُ الرسول هي اتباع ما جاءَ به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله، كما قال في هذه السورة ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه اللهُ بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذَكَرَها مع طاعة الله للإشارة إلى أنَّ الإنسان لا يستغني بعقله، وعلمه عن الوحي، وأنه لا بُدّ له من هداية الدين؛ إذ لم يكن العقل وحده في عَصْر في العصور كافيًا لهداية أمة، ولا مرقيًّا لها بدون معرفة الدين، فاتباعُ الرسل، والعملُ بهديهم هو أساس كلّ مدنية، والارتقاء المعنويُّ هو الذي يَبْعَثُ على الارتقاء الماديّ، فالآداب، والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على العلم والعقل ١٤ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ويخالفهما، ولو في بعض الأوامر؛ بأن لم يرض بما قَسَم الله ورسوله ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾؛ أي: يتجاوز أحكامه التي حدها

стр. 2304

لعباده بالجور فيها، ولو في بعض النواهي، فالفرق بين العصيان، والتعدِّي: أن العصيان بترك المأمورات كقسمة المواريث، والتعدِّي بفعل المنهيات كالزنا ونحوه ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ عظيمةً هائلةً حالة كونهِ ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ لا يموتُ، ولا يخرج منها، والمراد بالخلود: طولُ المكث إن مات مسلمًا، وعلى حقيقته إن مات كافرًا ﴿وَلَهُ﴾؛ أي: لذلك العاصي المتعدي حدودَ الله مع عذاب الحريق الجسماني ﴿عَذَابٌ﴾ شديدٌ روحاني ﴿مُهِينٌ﴾ له أي ذو إهانة وإذلال له، فمعنى المهين: المذل له، وهو عذاب الروح، فللعصاة عذابان عذاب جسماني للبدن العاصي باعتباره، حيوانًا يتألم، وعذاب روحاني باعتباره إنسانًا يشعر بالكرامة، والشرف، ويتألم بالإهانة والخزي. وحكمة الإفراد في جانب العذاب بقوله: خالدًا: الإشارة إلى أنه كما يعذب بالنار، يعذب بالغربة، والوحشة، فإن له من العذاب ما يمنعه من الإنس، فكأنه وحيدٌ لا يجد لذةً الاجتماع بغيره، ولا أنسًا به، وحكمة الجمع في جانب النعيم، بقوله: ﴿خَالِدًا﴾ الإشارة إلى أنه كما ينعم بالجنة ينعم باجتماعه مع أحبائه فيها، ويزورهم، ويزورونه، ويتنعَّمُ بذلك الاجتماع. وقرأ نافع وابن عامر (١): ﴿ندخله﴾ بنون العظمة، في الموضعين، والباقون بالياء. واعلم (٢): أن تعديَ الحدود الموجب للخلود في النار، هو الإصرارُ على الذنب، وعدمُ التوبة عنه، فللمذنب حالتان: الأولى: غلبة الباعث النفسي من الشهوة، أو الغضب على الإنسان حتى يغيبَ عن ذهنه الأمر الإلهي، فهو يقع في الذنب، وقلبه غائب عن الوعيد، لا يتذكره أو يتذكره ضعيفًا كأنه نور ضئيل، يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب، ثم لا يلبث أن يزولَ، أو يختفيَ حتى إذا سكنت الشهوة، أو سكن الغضب، وتذكر النهيَ والوعيدَ ندم، وتاب، ولام نفسَه أشد اللوم، ومثل هذا، جدير بالنجاة إذ هو من المسارعين إلى الجنة كما قال تعالى في: أوصافهم ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا

стр. 2305

عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. الثانية: أن يقدم المرء على الذنب جريئًا عليه، متعمدًا فعلَه، عالمًا بتحريمه مؤثرًا له على الطاعة لا يصرفه عنه تذكر النهي، والوعيد عليه، ومثل هذا أحاطَت به خطيئته، فآثر شهوتَه على طاعة الله ورسوله، فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إذ من يصر على المعصية، عامدًا عالمًا بالنهي، والوعيد، لا يكون مؤمنًا بصدق الرسول، ولا مذعنًا لشرعه الذي تنال الرحمة والرضا بالتزامه، والعذاب والنكال بتعدي حدوده، فالإصرار على العصيان، وعدم استشعار الخوف، والندم لا يجتمعان في قلب المؤمن الإيمانَ الصحيحَ المصدِّق بوعد الله، ووعيده. الإعراب ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يوصيكم﴾. ﴿لِلذَّكَرِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِثْلُ﴾. مبتدأ مؤخر وهو مضاف. ﴿حَظِّ﴾ مضاف إليه وهو مضاف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مفعول ﴿يُوصِيكُمُ﴾. والمعنى: يأمركم الله بإعطاء مثل حظ الأنثيين للذكر الواحد، وقيل: الجملة مستأنفة. ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفصيلية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنَّ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث: في محل الرفع اسم ﴿كان﴾. ﴿نِسَاءً﴾ خبرها. ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿نساء﴾ تقديره: كائنات فوق اثنتين، وهذه الصفة (١) هي التي تحصل فائدة

стр. 2306

الخبر، ولو اقتصر عليه لم تحصل فائدة. ﴿فَلَهُنَّ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿ثُلُثَا﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿مَا تَرَكَ﴾ ﴿ما﴾ وموصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تَرَكَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الميت، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تركه، والجملة من المبتدأ والخبر، في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية: معطوفة على جملة قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ على كونها مفصلَةً لها مستأنفة. ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَتْ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط، واسمها ضمير يعود على الوارثة. ﴿وَاحِدَةً﴾ خبرها. ﴿فَلَهَا﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿لها﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿النِّصْفُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ الواو مستأنفة، أو عاطفة. ﴿لأبويه﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿لِكُلِّ﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه بدل من الجار والمجرور قبله، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس. لكان ظاهره اشتراكهما فيه؛ ولأن في الإبدال، والتفصيل بعد الإجمال تأكيدًا، وتقويةً كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿واحد﴾. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور، حال من ﴿السدس﴾ ﴿تَرَكَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الميت، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركه الميت ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم

стр. 2307

لـ ﴿كان﴾ ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر وجواب الشرط معلوم مما قبله تقديره: إن كان له ولد فلأبويه السدس، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن لأبويه السدس إذا كان له ولد، وأردت بيان حكم ما إذا لم يكن له ولد .. فأقول لك ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿لَمْ﴾ حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم لـ ﴿يكن﴾. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل الجزم بإن الشرطية على كونها فِعْلَ شرط لها. ﴿وَوَرِثَهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿ورثه﴾ فعل ومفعول. ﴿أَبَوَاهُ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة الشرط. ﴿فلأمه﴾ الفاء رابطة الجواب. ﴿لأمه﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الثُّلُثُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مقول لجواب إذا المقدرة وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنهَا أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت فرض الأم مع وجود الولد، وعدمه، وأردت بيان فرضها مع الإخوة .. فأقول لك: ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم. ﴿لَهُ﴾ خبرها مقدم. ﴿إِخْوَةٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿لأمه﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفةٌ. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه حال من السدس تقديره: حال كونه مستحقًا من بعد تنفيذ وصية، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: وإرث مَن ذكر بما ذُكِرَ مستحقٌ من بعد تنفيذ وصية. ﴿يُوصِي بِهَا﴾ ﴿يُوصِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الميت. ﴿بِهَا﴾ جار

стр. 2308

ومجرور متعلق بـ ﴿يوصى﴾ والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ معطوف عليه. ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَدْرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿أَيُّهُمْ﴾ أي اسم استفهام مبتدأ مرفوع. ﴿والهاء﴾ مضاف إليه. ﴿أَقْرَبُ﴾ خبر لـ ﴿أي﴾. ﴿لَكُمْ﴾ جار مجرور متعلق بـ ﴿أقرب﴾. ﴿نَفْعًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ تقديرهُ: نفع أيهم أقرب، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿تَدْرُونَ﴾. وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ وما في حيزه في محل رفع خبر له، و ﴿أيهم﴾ فيه وجهان: أشهرهما عند المعربين: أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأَ وهو اسم استفهام، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب بـ ﴿تدرون﴾؛ لأنها من أفعال القلوب فعلقها اسم الاستفهام عن أن تعمل في لفظه؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، والثاني: أنه يجوز أن تكون ﴿أي﴾ اسم موصول بمعنى الذي، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبر مبتدأ محذوف هو عائد على الموصول، وجاز حذفه؛ لأنه يجوز ذلك مع ﴿أي﴾ مطلقًا؛ أي: سواء طالت الصلة أم لم تطل، والتقدير: أيهم هو أقرب، وهذا الموصول وصلته في محل نصب على أنه مفعول به نصبه ﴿تَدْرُونَ﴾، وإنما بني لوجود شرطي البناء، وهما: أن يضاف ﴿أي﴾ لفظًا، وأن يحذف صدر صلتها، وصارت هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقرب. قال الشيخ: ولم أر من ذكر هذا الوجه منهم، ولا مانع منه، لا من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة، فعلى القول الأول: تكون الجملة سادةً مسدَّ

стр. 2309

المفعولين، ولا حاجةَ إلى تقدير حذف، وعلى القول الثاني يكون الموصول في محل نصب مفعولًا أول، ويكون الثاني: محذوفًا، تقديره: لا تدرون الذي هو أقرب لكم نفعًا آباؤكم أو أبناؤكم اهـ "سمين" انتهت. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿فَرِيضَةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره: فرض الله ذلك التوريث فريضة، والجملة مستأنفة مؤكدة لمضمون ما قبلها. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿فريضة﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَلِيمًا﴾ خبر أول لـ ﴿كان﴾. ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾. ﴿وَلَكُمْ﴾ الواو استئنافية. ﴿لكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نِصْفُ﴾ مبتدأ مؤخر وهو مضاف. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما تركه أزواجكم، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿لَمْ﴾ حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُنَّ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يكن﴾. ﴿ولد﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن لم يكن لأزواجكم ولد فلكم نصف ما تركن، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا لم يكن لهن ولد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كان لهن الولد. فأقول لكم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَهُنَّ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كان﴾. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلَكُمُ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية.

стр. 2310

﴿لكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الرُّبُعُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مقول لجواب، إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، من ﴿الرُّبُعُ﴾ تقديره: حالَ كون الربع مأخوذًا ﴿مِمَّا تَرَكْنَ﴾. ﴿تَرَكْنَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركنه. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿النصف﴾ و ﴿الربع﴾ تقديره: حالةَ كونهما معتبرين مأخوذين مما بقي بعد تنفيذ وصية، وقضاء دين. ﴿يُوصِينَ﴾ فعل وفاعل؛ لأن ﴿النون﴾ فيه ضمير جماعة الإناث. ﴿بِهَا﴾ متعلق به والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾. ﴿وَلَهُنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو استئنافية. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الرُّبُعُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور حال من ﴿الرُّبُعُ﴾. ﴿تَرَكْتُمْ﴾ فعل وفاعل والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: تركتموه. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿لَمْ﴾. حرف جزم ﴿يَكُنْ﴾ مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم لـ ﴿يكن﴾. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن لم يكن لكم ولد: فلهن الربع مما تركتموه، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.

стр. 2311

﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكمَ ما إذا لم يكن ولد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كان لكم ولد .. فأقول لكم: ﴿إِنْ كَانَ﴾ إنْ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور لـ ﴿كان﴾ خبر مقدم على اسمها. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلَهُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الثُّمُنُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور حال من ﴿الثُّمُنُ﴾. ﴿تَرَكْتُمْ﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركتموه. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿الرُّبُعُ﴾ و ﴿الثمن﴾ تقديره: حالة كون كل منهما مستحقًا من بعد تنفيذ وصية، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبرًا لمحذوف تقديره: واستحقاق ما ذكر كائن بعد تنفيذ وصيةٍ كما أشرنا إليه في مبحث التفسير. ﴿تُوصُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو ضمير المخاطبين في محل الرفع فاعل ﴿بِهَا﴾ متعلق به، والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿رَجُلٌ﴾ اسمها. ﴿يُورَثُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٌ﴾ والجملة الفعلية صفة لـ ﴿رجل﴾. ﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ الواو حالية. ﴿له﴾ خبر مقدم. ﴿أَخٌ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة ظاهرة على لغة النقص. ﴿أَوْ أُخْتٌ﴾ معطوف عليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب حال من رجل، وصح مجيء الحال منه، لوصفه بالجملة المذكورة بعده، والمعنى؛ وإن كان رجل

стр. 2312

مورث متكللًا؛ أي: خاليًا من ولد، ووالد، والحاصل أن له أخًا فقط، أو أختًا فقط. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿لكل﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿واحد﴾. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها ﴿جوابًا﴾ لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، وفي هذا المقام أوجه كثيرة في إعراب الكلالة أعرضنا عنها صفحًا لئلا يطول الكلام. ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره إذا عرفتم حكمَ ما إذا كان له أخ أو أخت، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كانوا أكثرَ .. فأقول لكم: ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها. ﴿أَكْثَرَ﴾ خبر ﴿كان﴾. ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أكثر﴾. ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿هم شركاء﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فِي الثُّلُثِ﴾ متعلق بـ ﴿شركاء﴾ والجملة الإسمية في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر لمحذوف تقديره: استحقاقهم ما ذكر من السدس، والثلث كائن من بعد تنفيذ وصية. ﴿يُوصَى﴾ بالبناء للفاعل وفاعله ضمير يعود على المحتضر. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿يوصى﴾ والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية، أو بالبناء للمفعول والجار والمجرور على هذا نائب فاعل قال ابن مالك: وَقَابِلْ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِيْ والجملة صفة حقيقية لـ ﴿وصية﴾ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل حال من نائب

стр. 2313

فاعل ﴿يُوصَى﴾ على البناء للمفعول، والمعنى حالةَ كون ما ذكر من الوصية، والدين غيرَ مضار بها. ﴿وَصِيَّةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره: يوصيكم الله بقسمة الميراث على الكيفية المبينة لكم، والجملة المحذوفة مستأنفة، أو منصوب على المفعولية المطلقة بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿وصية﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثان. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بمن وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابَ الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿والهاء﴾ في محل النصب مفعول أول. ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثان. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تجري﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جنات﴾. ﴿خالدين﴾ حال من ﴿هاء﴾ ﴿يدخله﴾ وجمعه نظرًا لمعنى ﴿من﴾. ﴿فيها﴾ متعلق بـ ﴿خالدين﴾. ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة للفوز، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يَعْصِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الواو

стр. 2314

عاطفة. ﴿يتعد﴾ معطوف على ﴿يُطِعِ﴾. ﴿حُدُودَهُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بمن على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿والهاء﴾ مفعول أول. ﴿نَارًا﴾ مفعول ثان، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿خَالِدًا﴾ حال من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وأفرده نظرًا للفظ ﴿من﴾ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خالدًا﴾. ﴿وَلَهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿له﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا﴾، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ مضارع أوصى الرباعي، من باب: أفعلَ يقال: أوصى الشيء بالشيء، ووصاه به إذا أوصى له به؛ لأن الموصي أوصل خير عُقْبَاهُ بخير دنياه، وأوصى الله بكذا، إذا أَمرَ به، وأوجبه، والمعنى: هنا يأمركم الله في إرث أولادِكم بأن يُعطَى الذكرُ الواحد مثلَ حظ الأنثيين. ﴿حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الحظ: النصيب من الخير، والفضل، وقد يطلق على النصيب من الشر، واليسر، والسعادة يجمع على حظوظ، وحظاظ، وأحظ يقال حظ يحظ من باب: فتحَ إذا كان ذا حظ .. فهو حظيُّ، وحَظِيظ ومَحْظوظ. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مثنى الأنثى، والأنثى خلافُ الذكر، يُجمع على إناث، وأناثي، والمؤنث خلاف المذكر مأخوذة من أَنَثَ الحديدُ يَأنُثُ أَنْثًا من باب: نصر إذا لاَنَ، وكان غير شَديدٍ وصلبٍ، وسميت المرأة بأنثى للين بشرتها، وجسمها، ولضعفها خلقةً. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يقال: فرض الله كذا على عباده، إذا أوجبه عليهم من باب: ضرب، والفريضةُ: الشيءُ الذي أوجبه عليهم، يُجمع على فرائض ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ مضارع درى يدري دريًا، ودراية من باب: رمى، وهو من أفعال

стр. 2315

القلوب، يتعدى إلى مفعولين قال الشاعر: دَرَيْتَ ألوَفِيَّ العَهْدِ يَا عُرْوَ فَاغْتَبِطْ ... فَإِنَّ اغْتِبَاطًا بَالوَفَاءِ حَمِيْدُ ولكن علقها هنا اسم الاستفهام عن العمل في لفظه، لأن اسمَ الاستفهام لا يعملُ فيه ما قبله، كما هو معلومٌ عندهم. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾، واختلف (١) في اشتقاق ﴿الكلالة﴾، قيل: من الكَلاَل وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ واعْيَاءٍ قال الأعشى: فَآلَيْتُ لاَ أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ ... وَلاَ وَجِيٍ حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا قال الزمخشري: والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو: ذهاب القول من الإعياء، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد، والوالد؛ لأنها بالإضافة إلى قرابتها كالَّة ضعيفة انتهى. وقيل: هي مشتقة من تكلله النسب إذا أحاط به، فإذا لم يترك والدًا، ولا ولدًا .. فقد انقطع طرفاه، وهما عمودا نسبه وبقيَ موروثُه لمن يتكلل نسبه أي يحيط به من نواحيه كالإكليل، ومنه روض مكلل بالزهر، وقال الفرزدق: وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ ... عَنِ ابْنَي مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ وقال الأخفش: الكلالة من لا يرثه أب ولا أم، والذي عليه الجمهور أن الكلالةَ الميت الذي لا والدَ له، ولا مولودَ، وهو قول جمهور أهل اللغة: صاحب "العين"، وأبي منصوب اللغوي، وابن عرفة، وابن الأنباري، والعيني، وأبي عبيدة، وقال الراغب: الكلالَةُ اسم لكل وارث، قال الشاعر: وَالْمَرْءُ يَجْمَعُ لِلْغِنَى ... وَللْكَلاَلَةِ مَا يَسِيْمْ وقال الطبريُّ (٢) الصواب: أنَّ الكلالَةَ هم الذين يرثون الميتَ مَنْ عدا ولده ووالدَه لصحة خبر جابر، فقلت: يا رسول الله، إنما يرثني كلالةٌ أَفأُوصي بمالي
следующие страницы →