← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكمَ ما إذا لم يكن ولد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كان لكم ولد .. فأقول لكم: ﴿إِنْ كَانَ﴾ إنْ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور لـ ﴿كان﴾ خبر مقدم على اسمها. ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فَلَهُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة. ﴿لهن﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الثُّمُنُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور حال من ﴿الثُّمُنُ﴾. ﴿تَرَكْتُمْ﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: مما تركتموه. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿الرُّبُعُ﴾ و ﴿الثمن﴾ تقديره: حالة كون كل منهما مستحقًا من بعد تنفيذ وصية، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبرًا لمحذوف تقديره: واستحقاق ما ذكر كائن بعد تنفيذ وصيةٍ كما أشرنا إليه في مبحث التفسير. ﴿تُوصُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو ضمير المخاطبين في محل الرفع فاعل ﴿بِهَا﴾ متعلق به، والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿رَجُلٌ﴾ اسمها. ﴿يُورَثُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٌ﴾ والجملة الفعلية صفة لـ ﴿رجل﴾. ﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ الواو حالية. ﴿له﴾ خبر مقدم. ﴿أَخٌ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة ظاهرة على لغة النقص. ﴿أَوْ أُخْتٌ﴾ معطوف عليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب حال من رجل، وصح مجيء الحال منه، لوصفه بالجملة المذكورة بعده، والمعنى؛ وإن كان رجل

стр. 2312

مورث متكللًا؛ أي: خاليًا من ولد، ووالد، والحاصل أن له أخًا فقط، أو أختًا فقط. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿لكل﴾ ﴿وَاحِدٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿واحد﴾. ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها ﴿جوابًا﴾ لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، وفي هذا المقام أوجه كثيرة في إعراب الكلالة أعرضنا عنها صفحًا لئلا يطول الكلام. ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره إذا عرفتم حكمَ ما إذا كان له أخ أو أخت، وأردتم بيانَ حكم ما إذا كانوا أكثرَ .. فأقول لكم: ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها. ﴿أَكْثَرَ﴾ خبر ﴿كان﴾. ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أكثر﴾. ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿هم شركاء﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فِي الثُّلُثِ﴾ متعلق بـ ﴿شركاء﴾ والجملة الإسمية في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر لمحذوف تقديره: استحقاقهم ما ذكر من السدس، والثلث كائن من بعد تنفيذ وصية. ﴿يُوصَى﴾ بالبناء للفاعل وفاعله ضمير يعود على المحتضر. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿يوصى﴾ والجملة صفة لـ ﴿وصية﴾ ولكنها سببية، أو بالبناء للمفعول والجار والمجرور على هذا نائب فاعل قال ابن مالك: وَقَابِلْ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِيْ والجملة صفة حقيقية لـ ﴿وصية﴾ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل حال من نائب

стр. 2313

فاعل ﴿يُوصَى﴾ على البناء للمفعول، والمعنى حالةَ كون ما ذكر من الوصية، والدين غيرَ مضار بها. ﴿وَصِيَّةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره: يوصيكم الله بقسمة الميراث على الكيفية المبينة لكم، والجملة المحذوفة مستأنفة، أو منصوب على المفعولية المطلقة بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿وصية﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثان. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بمن وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابَ الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿والهاء﴾ في محل النصب مفعول أول. ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثان. ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تجري﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جنات﴾. ﴿خالدين﴾ حال من ﴿هاء﴾ ﴿يدخله﴾ وجمعه نظرًا لمعنى ﴿من﴾. ﴿فيها﴾ متعلق بـ ﴿خالدين﴾. ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة للفوز، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿يَعْصِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الواو

стр. 2314

عاطفة. ﴿يتعد﴾ معطوف على ﴿يُطِعِ﴾. ﴿حُدُودَهُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بمن على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿والهاء﴾ مفعول أول. ﴿نَارًا﴾ مفعول ثان، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿خَالِدًا﴾ حال من ضمير ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وأفرده نظرًا للفظ ﴿من﴾ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خالدًا﴾. ﴿وَلَهُ﴾ الواو عاطفة. ﴿له﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا﴾، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ مضارع أوصى الرباعي، من باب: أفعلَ يقال: أوصى الشيء بالشيء، ووصاه به إذا أوصى له به؛ لأن الموصي أوصل خير عُقْبَاهُ بخير دنياه، وأوصى الله بكذا، إذا أَمرَ به، وأوجبه، والمعنى: هنا يأمركم الله في إرث أولادِكم بأن يُعطَى الذكرُ الواحد مثلَ حظ الأنثيين. ﴿حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الحظ: النصيب من الخير، والفضل، وقد يطلق على النصيب من الشر، واليسر، والسعادة يجمع على حظوظ، وحظاظ، وأحظ يقال حظ يحظ من باب: فتحَ إذا كان ذا حظ .. فهو حظيُّ، وحَظِيظ ومَحْظوظ. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مثنى الأنثى، والأنثى خلافُ الذكر، يُجمع على إناث، وأناثي، والمؤنث خلاف المذكر مأخوذة من أَنَثَ الحديدُ يَأنُثُ أَنْثًا من باب: نصر إذا لاَنَ، وكان غير شَديدٍ وصلبٍ، وسميت المرأة بأنثى للين بشرتها، وجسمها، ولضعفها خلقةً. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يقال: فرض الله كذا على عباده، إذا أوجبه عليهم من باب: ضرب، والفريضةُ: الشيءُ الذي أوجبه عليهم، يُجمع على فرائض ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ مضارع درى يدري دريًا، ودراية من باب: رمى، وهو من أفعال

стр. 2315

القلوب، يتعدى إلى مفعولين قال الشاعر: دَرَيْتَ ألوَفِيَّ العَهْدِ يَا عُرْوَ فَاغْتَبِطْ ... فَإِنَّ اغْتِبَاطًا بَالوَفَاءِ حَمِيْدُ ولكن علقها هنا اسم الاستفهام عن العمل في لفظه، لأن اسمَ الاستفهام لا يعملُ فيه ما قبله، كما هو معلومٌ عندهم. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾، واختلف (١) في اشتقاق ﴿الكلالة﴾، قيل: من الكَلاَل وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ واعْيَاءٍ قال الأعشى: فَآلَيْتُ لاَ أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ ... وَلاَ وَجِيٍ حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا قال الزمخشري: والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو: ذهاب القول من الإعياء، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد، والوالد؛ لأنها بالإضافة إلى قرابتها كالَّة ضعيفة انتهى. وقيل: هي مشتقة من تكلله النسب إذا أحاط به، فإذا لم يترك والدًا، ولا ولدًا .. فقد انقطع طرفاه، وهما عمودا نسبه وبقيَ موروثُه لمن يتكلل نسبه أي يحيط به من نواحيه كالإكليل، ومنه روض مكلل بالزهر، وقال الفرزدق: وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ ... عَنِ ابْنَي مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ وقال الأخفش: الكلالة من لا يرثه أب ولا أم، والذي عليه الجمهور أن الكلالةَ الميت الذي لا والدَ له، ولا مولودَ، وهو قول جمهور أهل اللغة: صاحب "العين"، وأبي منصوب اللغوي، وابن عرفة، وابن الأنباري، والعيني، وأبي عبيدة، وقال الراغب: الكلالَةُ اسم لكل وارث، قال الشاعر: وَالْمَرْءُ يَجْمَعُ لِلْغِنَى ... وَللْكَلاَلَةِ مَا يَسِيْمْ وقال الطبريُّ (٢) الصواب: أنَّ الكلالَةَ هم الذين يرثون الميتَ مَنْ عدا ولده ووالدَه لصحة خبر جابر، فقلت: يا رسول الله، إنما يرثني كلالةٌ أَفأُوصي بمالي

стр. 2316

كلِّه؟ قال: لا "انتهى". ﴿شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ جمع شريك ككرماء جمع كريم ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل من ضَار يضار ضرارًا، ومضاررةً من باب فاعل إذا أدخل عليه الضررَ إن بنيَ يوصى للفاعل، واسمُ مفعول إن بني للمفعول كما مرت الإشارة إليه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الشيء أطرافه التي يمتاز بها من غيره، ومنه حدودُ الدار، سميت بها الشرائع التي أمر الله باتباعها، ونَهَى عن تركها، فمدارُ الطاعة على البقاء في دائرة هذه الحدود، ومَدارُ العصيان على اعتدائها. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ من أطاع الرباعي، يقال: أطاع الله يُطيع إطاعةً، وطاعة من باب: أعان: إذا امتثل ما أمرَ به، ونُهيَ عنه، وأطاع الرسولَ. إذا تمسَّك ما أتَى به وبيَّن. البلاغة قال أبو حيان (١): وقد تضمنت هذه الآيات من أصناف البديع: منها: التفصيلُ في الوارث والأنصباء بعد الإبهام في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية. ومنها: العُدول من صيغة يأمركم الله إلى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ لما في الوصية من التأكيد، والحرص على اتباعها. ومنها: الطباقُ في لفظ الذكر والأنثى في قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وفي ﴿من يطع﴾ و ﴿من يعص﴾ وفي ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾. ومنها: إعادة الضمير على غير مذكور لقوة الدلالة على ذلك في قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: ترك الموروث. ومنها: التكرارُ في لفظ ﴿كَانَ﴾، وفي قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾

стр. 2317

و ﴿ولد وأبواه﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و ﴿وصية من الله إن الله﴾، وفي ﴿نِصْفُ مَا﴾، وفي ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ومنها: جناسُ الاشتقاق في قوله: ﴿وَصِيَّةٍ يُوصَى﴾. ومنها: المبالغةُ في قوله: ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. ومنها: تلوينُ الخطاب في من قرأ ﴿ندخله﴾ بالنون. ومنها: الحذف في مواضع انتهى. فائدة: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿أو﴾ هنا (١) لإباحة الشيئين قال أبو البقاء: ولا تدل على ترتيب؛ إذ لا فرق بين قولك: جاءني زيد، أو عمرو، وبين قولك: جاءني عمرو، أو زيد؛ لأن أو لأحد الشيئين، والواحد لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول من قال: التقدير: من بعد دين أو وصية، وإنما يقع الترتيب فيما إذا اجتمعا، فيقدم الدين على الوصية، وقال الزمخشري فإن قلتَ: فما معنى أو؟ قُلْتُ: معناها للإباحة، وإنه إن كان أحدهما، أو كلاهما قُدِّم على قسمة المواريث، كقوله: جالس الحسنَ، أو ابنَ سيرين، فإن قلتَ لم قدمت الوصية على الدين في الذكر، والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت: لمَّا كانت الوصية مشبهةً للميراث في كونها مأخوذةً من غير عِوَضٍ كان إخراجها مما يشق على الورثة بخلاف الدين، فإن نفوسَهم مطمئنةُ إلى أدائه فلذلك قدمَتْ على الدين حثًّا على وجوبها، والمسارعةِ إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جِيء بكلمة ﴿أو﴾ للتسوية بينهما في الوجوب اهـ "سمين". والله أعلم * * *

стр. 2318

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبةُ (١) هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بالإحسان إلى النساء، فذكر إيتاءَ صدقاتهن، وتوريثهن، وقد كنُ لا يورثنَ في الجاهلية .. ذَكَرَ التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، وفي الحقيقة: هو إحسان إليهن؛ إذ هو نظر في أمر آخرتهن؛ ولئلا يتوهمَ أنَّ من الإحسان إليهن أن لا تُقام عليهن الحدودُ، فيصيرُ ذلك سببًا لوقوعهن في أنواع المفاسد، ولأنه تعالى لمَّا ذكر حدودَه، وأشار بتلك إلى جميع ما وقع من أول السورة إلى موضع الإشارة؛ فكان في مبدأ السورة التحضُّنُ بالتزويج، وإباحةُ ما أباح من نكاح أربع لمن أباح ذلك، استطردَ بعد ذلك إلى

стр. 2319

حكم مَنْ خالف ما أمر الله به من النكاح من الزواني، وأفردهنَ بالذكر أولًا؛ لأنهن على ما قيل: أدخلُ في باب الشهوة من الرجال، ثم ذكرهن ثانيًا مع الرجال الزانينَ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ فصار ذكر النساء الزواني مرتين: مرةً بالإفراد ومرةً بالشمول. وقال المراغي (١): المناسبة في هذه الآية: لمَّا أوصى الله بالإحسان إلى النساء ومعاشرَتهن، بالمعروف، والمحافظة على أموالهنَ وعدَم أخذ شيء منها إلا إذا طابت أنفسهن بذلك؛ ذكَرَ هنا التشديدَ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، وهو في الحقيقة إحسان إليهن، إذ الإحسانُ في الدنيا تارةً يكون بالثواب، وأخرى بالزجر والعقاب لكف العاصي عن العصيان، الذي يوقعه في الدمار والبَوار، ومبنَى الشرائع على العدل، والإنصاف، والابتعاد من طرفي الإفراط والتفريط، ومن أقبح العصيان الزنَا، ولا سيما في النساءِ؛ لأن الفتنةَ، بهن أكثر، والضرر منهن أخطر؛ لما يفضي إليه من توريث أولاد الزنا، وانتسابهم إلى غير آبائهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ...﴾ الآية، مناسبتها (٢) لما قبلها: أنه لمَّا ذَكَر أن من تاب وأصلح، تركت عقوبته، وأُزيل الأذى عنه، وأنه هو التواب الذي هو يقبل التوبةَ عن عباده .. ذكَرَ هنا وقت التوبة، وشرط قبولها، ورغبتَه في تعجيلها حتى لا يأتيَ الموت، وهو مصر على الذنب، فلا تنفعه التوبة، وأرشَدَ أولياءَ الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم، وتأديبهم، فأمر هنا بالإعراض عن أذى مَن تاب وأصلح العمل، بعد أَنْ فرض عقوبةَ مرتكبي الفواحش في الآية السالفة، فهذه شرح لذلك الإصلاح في العمل. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ...﴾ الآيات، هذه الآيات مناسبتها لما قبلها: أنه لما نهى الله فيما

стр. 2320

تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامَى، وأموالِهم .. أعقبَه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء، وأموالهن، وقد كانوا يحتقرون النساءَ، ويعدونَهن من قبيل المتاع، حتى كان الأقربون، يرثون زوجةَ من يموتُ منهم، كما يرثون مالَه؛ فحَرَّم الله عليهم هذا العمل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ...﴾ سبب نزولها (١): ما روى البخاري وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم. تزوَّجها، وإن شاؤوا زوجوها، فهم أحق بها من أهلها؛ فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم بسند حسن، عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حُنيف قال: لمَّا تُوفي أبو قيس بن الأصلت أراد ابنُه أن يتزوَّج امرأتَه، وكان لهم ذلك في الجاهلية؛ فنزلت هذه الآية. وفي "الخازن" (٢): نزلت هذه الآية في أهل المدينة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية، وفي أول الإِسلام، إذا مات الرجل، وخلَّف امرأةً جاء ابنه من غيرها، أو قَرِيبُه من ذوي عصبته، فألقى ثوبَه على تلك المرأة، أو على خبائها، فصار أحقَ بها من نفسها، ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداقَ الأول، الذي أصدقَها الميتُ، وإن شاء زوَّجها غيَره وأخذ هو صداقها، وإن شاء .. عضلها، ومنعها من الأزواج يُضارُّها بذلك لتفتديَ منه بما ورثت من الميت، أو تموتَ هي فيرثُها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقيَ عليها وَلِيُّ زوجها ثوبَه .. كانت أحقَّ بنفسها، وكانوا على ذلك حتى توفّي أبو قيس بن الأصلت الأنصاري، وتَركَ امرأتَه كُبيشة بنتَ مَعْنٍ الأنصارية، فقام ابن له من غيرها، يقال له حصنُ: وقيل: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبَه عليها؛ فورث نكاحها، ثم تركها، فلم ينفق عليها يُضَارّها بذلك لتفتدي منه، فأتَتْ كبيشة رسول الله ﷺ

стр. 2321

فقالت: يا رسول الله: إن أبا قيس تُوفي، وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق علي، ولا هو يدخل بي، ولا يخلي سبيلي، فقال: "اقْعُدي في بيتك، حتى يأتي أمر الله فيك"، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ يعني: ميراثَ نكاح النساء، وقيل: معناه أن ترثوا أموالَهن كرهًا، يعني وهن كارهاتُ. التفسير وأوجه القراءة ١٥ - ﴿و﴾ النسوة ﴿اللاتي﴾ جمع التي في المعنى دون اللفظ؛ أي: والنسوة اللاتي ﴿يَأتِينَ﴾، ويفعلن ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ والزنا حالةَ كونهن كائنات ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وأزواجكم المؤمنات المحصنات، وفي التعبير عن الإقدام على الفواحش بهذه العبارات معنى دقيقٌ، وهو أنَّ الفاعلَ لها ذهب إليها بنفسه، واختارَها بطبعه، والفاحشةُ: الفعلة القبيحة والمراد بها هنا: الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فأشهدوا أيها المسلمون على فعلهن الفاحشة؛ أي: على العَورتَينِ ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾؛ أي: أربعة رجال أحرار كائنين منكم أيها المؤمنون، أو المعنى: أطلبوا أربعة رجال منكم يشهدون على زَناهنَ، ويشترط في هذه الشهادة: المذكورة، والعدالة. قال الزهري: مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أنْ لا تُقبل شهادة النساء في الحدود. والحكمة في هذا (١): إبعاد النساء عن مواقع الفواحش، والجرائم، والعقاب، والتعذيب رغبةً في أن يكنَّ دائمًا غافلات عن القبائح، لا يفكرنَ فيها، ولا يخضنَ مع أربابها، والظاهر: أنه يجوز الاستشهاد لمعاينة الزنا، وأن تعمدَ النظر إلى الفرج، لا يقدَحُ في العدالة؛ إذا كان ذلك؛ لأجل الزنا. وقرأ عبد الله ﴿واللاتي يأتين بالفاحشة﴾ ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾؛ أي: فإن شهد

стр. 2322

أربعة رجال منكم على زناهن، برؤية العورتَين يتداخلان كالعُود في المكحلة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾؛ أي: فاحبسوهن في بيوتكم، وامنعوهن من الخروج منها، حتى لا يَعُدْنَ إلى ارتكابها مرة أخرى؛ لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز إلى الرجال، فإذا حُبست في البيت لم تقْدِرُ على الزنا ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾؛ أي: إلى أن يقبض أرواحهن ملك الموت، ويمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: أو إلى أن يبين الله، ويشرع لهن طريقًا، وحكمًا، وعقوبةً على ارتكابهن الفواحشَ، وهذا الحكم كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت، حتى تموت، ثم نسخ الحبسُ بالحدود، وجعل لهن سبيلًا، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا الثيب ترجم، والبكر تجلد، وتنفى". وفي الآية (١) إشارة إلى أن منعَ النساء عن الخروج عند الحاجة إليه في غير هذه الحالة لمجرد الغيرة، أو لمجرد الهَوى والتحكم من الرجال لا يجَوزُ، وكذلك في الآية إيماء إلى أن هذه العقوبة مقرونة بما يدل على التوقيت، وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي الله ﷺ إذا نزل عليه حكم كرب لذلك، وتربد وجهه فأنزل الله عليه ذاتَ يوم، فبقي كذلك فلما سُري عنه قال: "خُذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيبُ بالثيب جلدُ مائة، ورَجْمُ بالحجارة، والبكر بالبكر جلدُ مائة، وتغريب عام". أخرجه مسلم. ومن هذا تعلَمُ أنَّ السبيل كان مجملًا أولًا، فبينه الحديث المذكورُ، وخصص الحديثُ أيضًا، عُمومَ آية الجلد الآتية في سورة النور، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب، وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنة رسول الله ﷺ فقد صح أن رسول الله رَجَم ماعزًا، وكان قد أُحْصِنُ وسواء في هذا الحكم المسلم، واليهودي؛ لأنه ثَبتَ في الصحيح أن النبي ﷺ رَجَم يهوديين زَنَيا، وكانا قد أحصنا. ١٦ - ثم بين عِقابَ كل من الزانيين البكريَنِ فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾؛ أي: والبكران اللذان يفعلان الفاحشةَ

стр. 2323

من أحراركم، ويرتكبان جريمة الزنا، واللواط ﴿فَآذُوهُمَا﴾ بالسب باللسان، والضرب بالنعال بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة رجال منكم، وقيل: بالتهديد والتعيير، كأن يقال: بئس ما فعلتما، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتُما أنفسَكما عن اسم العدالة. وهذا (١) العقاب والإيذاء كان أول الإِسلام من قبيل التعزير، وأمره مفوض إلى الأمة في كيفيته، ومقداره، فلما نزلت آية النور التي تقدم ذكرها، وجاء الحديث الشريف السابق، بينا مقدارَ هذا الإيذاءِ، وحدداه، وبهما استبان أن عقاب المرأة الثيب، والرجل المتزوج، الرجم بالحجارة حتى يموتا، وعقابَ المرأة البكر، والرجل الذي لم يتزوج جلد مائة، ونفيُهُ سنةً. وقرأ الجمهور ﴿واللذان﴾ بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير بالتشديد، وقراءة عبد الله ﴿والذين يفعلونه منكم﴾ وهي قراءة مخالفة لسواد مصحف الإِمام، ومتدافعة مع ما بعدها؛ إذ هذا جمع وضميرُ جمع، وما بعدهما ضميرُ تثنية، وقرىء ﴿واللذأن﴾ بالهمزة وتشديد النون، وتوجيهُ هذه القراءة: أنه لما شدَّدَ النون التقى ساكنان، ففرَّ القارئ من التقائهما إلى إبدال الألف همزةً تشبيهًا لها بألف فاعل المدغم عينه في لامه، كما قرئ: ﴿ولا الضألين﴾ ﴿ولا جأن﴾. ثم بين أنَّ هذا الإيذاءَ، والعقاب: إنما يكون إذا لم يتوبَا، فإن تابا وأصلحا. رفع عنهما ذلك فقال ﴿فَإِنْ تَابَا﴾؛ أي: فإن تاب الزانيان، ورجعا عن فعل الفاحشةِ بعد زواجر الأذيَّةِ ونَدِمَا على ما فعلا ﴿وَأَصْلَحَا﴾ عملهما فيما بينهما، وبين الله، وغيّرا أحوالَهما كما هو شأن المؤمن، يطهر نفسه بالإقبال على الطاعة، ويزكيها من أدران المعاصي التي فَرطت منه، ويُقوي داعيةَ الخير حتى تغلب داعية الشر ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾؛ أي: فاتركوا إيذاءَهما، وكفوا الأذى عنهما بالقول والفعل، ثم علل الأمرَ بالإعراض عنهما بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ تَوَّابًا﴾؛ أي: كثير القبول لتوبة من تاب ﴿رَحِيمًا﴾؛ أي: كثيرَ الرحمة

стр. 2324

واسع الغفران، وقيل: ﴿تَوَّابًا﴾؛ أي: رجاعًا بعباده عن معصيته إلى طاعته، ﴿رَحِيمًا﴾ لهم بترك أذاهم إذا تابوا، وقيل: ﴿التوابُ﴾ هو الذي يعودُ على عبده بفضله، ومغفرته، إذا تاب إليه من ذنبه، ﴿والرحيم﴾ كثير الرحمة والغفران لأرباب العصيان. وهذه الجملةُ جاءت تعليلًا للأمر بالإعراض، والخطابُ هنا لأولي الأمر والحكام، وقد عُلم مما مر أن الإمساك في البيوت والإيذاءَ باللسان قد نسِخَا برجم المحصن وجلد البكر. وقال أبو مسلم الأصفهاني بن بحر، والمرادُ بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ السحاقات وحدُّهن الحبس إلى الموت، أو إلى أن يُسهلَ الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح، والمراد بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ أهل اللواط، وحَدُّهُمَا الأذى بالقول والفعل، والآية التي في سورة النور في الزانية والزاني، وخالف جمهور المفسرين، وبناه أبو مسلم على أصل له، وهو يرى أنه ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ. ١٧ - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ الواجهب قبولُها ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ بمقتضى وعده لعباده، وجوبُ تفضل وإحسان، لا وجوبُ استحقاق وإلزام، كائنة ثابتة ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ ويفعلون ﴿السُّوءَ﴾ والذنب حالةَ كونهم ملتبسين ﴿بِجَهَالَةٍ﴾، وسفه، فإنَّ ارتكابَ الذنب، ولومع العلم به سفه وتجاهل، أو المعنى: الذين يعملون المعصيةَ مع عدم علمهم بأنها معصية، لكنه يمكنه تحصيل العلم بأنها معصية ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾، ويرجعون إلى طاعة الله تعالى ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾؛ أي: في زمن قريب، والزمنُ القريب: هو الوقت الذي تسكن به ثَورةُ الشهوة، أو تنكسر به حدة الغضب، ويثوب فاعلُ السيئة إلى حلمه، ويرجعُ إليه دينه وعقله، وقيل: هو ما قبل معاينة سبب الموت وأهواله، وهذا القولُ ضعيف كما سيأتي الإشارة إليه قريبًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين فعلوا الذنوبَ بجهالة، وتابوا بعد قريب من الزمن ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقبل توبتَهم؛ لأن الذنوبَ لم ترسخ في نفوسهم، ولم يصروا على ما فعلوا، وهم يعلمون.

стр. 2325

وخلاصة المعنى: أن التوبةَ التي أوجب الله على نفسه قبولَها بوعده الذي هو أثر كرمه وفضله، ليست إلا لمن يجترحُ السيئةَ بجهالة تلابس نفسَه من سورة غضب أو تغلب شهوة، ثم لا يلبث أن يندم على ما فرط منه، وينيبَ إلى ربه، ويتوبَ ويقلع عن ذنبه. وما رواه أحمد عن ابن عمر من قوله ﷺ : "إن الله يقبل توبةَ العبد ما لم يغرغر"، فالمراد منه: أنه لا ينبغي لأحد أن يَقنط من رحمة الله، وييأس من قبول التوبة ما دام حيًّا، وليس معناه: أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبل الموت بساعة، فإن هذا مخالف لهدي الدين في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ولمثل قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾. قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ السوء: هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان عاقلًا سليم الفطرة، وهذا شاملٌ للصغائر والكبائر ﴿والجهالة﴾ الجهل: وتغلُّب السفه على النفس عند ثورة الشهوة، أو سورة الغضب، حتى يذهبَ عنها الحلم، وتنسى الحقَّ، وكل من عصى اللهَ يسمَّى جاهلًا، ويسمَّى فعله جهالةَ كما قال تعالى: إخبارًا عن يوسف ﵇ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وسر هذا أن العاصي لربه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب، والعقاب .. لما أقدم على المعصية؛ إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلًا بحقيقة الوعيد، ومنتظرًا لاحتمال العفو، والمغفرة، أو شفاعة الشفعاء التي تصد عنه العقابَ، وقيل: معنى الجهالة: أن يأتي الإنسانُ بالذنب مع العلم، بأنه ذنب، لكنه يجهل عقوبتَه، وقيل: معنى الجهالة: هو اختيار اللذة الفانية على اللذة الباقية. ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾؛ أي: يتوبون (١) بالإقلاع عن الذنب بزمان قريب، لئلا يعدَّ في زمرة المصرينَ، وقيل: القريب: أن يتوب في صحته قبل مرض موته، وقيل: قبل موته، وقيل: قبل معايَنةِ ملك الموت، ومعايَنةِ أهوال الموت،

стр. 2326

كما مَرَّ، وإنما سميت هذه المدة قريبة؛ لأن كلَّ ما هو آت قريب، وفيه تنبيه على أن عمرَ الإنسان، وإن طال. فهو قليل، وأن الإنسانَ يتوقع في كل ساعة ولحظة نزولَ الموت به، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى يقبل توبةَ العبد ما لم يغرغر". أخرجه الترمذي، وقد مرَّ الحديثُ بتأويله فلا تغفل. الغرغرة: أن يجعلَ المشروب في فم المريض، فيردِّدَه في الحَلْق، ولا يَصِلَ إليه، ولا يَقدِر على بلعه، وذلك عند بلوغ الروح الحلقومَ. وقيل في معنى الآية: إن القريب هو: أن يتوب الإنسانُ قبل أن يحيطَ السوء بحسناته فيحبطَها. والأصح كما قدمنا أن القريبَ أن يتوب بعدما سكنت ثورة الشهوة، وانكسرت حدَّةُ الغضب؛ إذ مَنْ كان قويَّ الإيمان لا تقع منه المعصية إلا عن بادرة غضبٍ، أو شهوةٍ هفوةً بعد هفوة، ثم لا يلبث أن يبادَر إلى التوبة. وقد قسموا التوابين إلى أقسام وطبقات (١) الأول: من هو سليم الفطرة عظيمُ الاستعداد للخير، فهو إذا وقع في خطيئة مرةً كان له منها أكبَرُ عبرة، فيندَمُ بعدها، ويحملُ نفسَه على الفضيلة، ويصرِفُها عن كل رذيلة. الثاني: مَنْ تكون داعية الشهوة أقوى في نفسه، وأرسخَ في قلبه .. فإذا أطاع نفسَه، وارتكب معصيةً. قامتْ الخواطرُ الإلهية تحاربه، وتوبِّخُه حتى تنتصرَ عليه، وتقهرَهُ قهرًا تامًّا، فلا يعودُ بعدَها إلى اجتراح إثم، ولا وقوع ذنب. الثالث: من تقوى نفسُه بالمجاهدة على اجتناب كبار الإثم، والفواحش، لا على صِغَارِ الذنوب والآثام، وهنَاكَ تكون الحربُ في نفوسهم سجالًا بينَ ما يلمون به من الصغائر، وبَيْنَ الخواطر الإلهية التي هي جندُ الإيمان. الرابع: من يقع في الذنب، فيتوبُ ويستغفر، ثم يَعْرُض له مرةً أخرى،

стр. 2327

فيعودُ إليه، ثم يَلوم نفسه، ويندم، ويستغفر وهلم جرًّا، وهؤلاء أدْنَى طبقات التوابين، والنفس الباقية عندهم أرخَصُ من النفس الفانية، وهم مع ذلك محل للرجاء؛ لأن لهم زاجرًا من أنفسهم يذكرهم دائمًا بالرجوع إلى الله، عَقِب كل خطيئة، وهكذا تكون الحرب سجالًا بينَهم وبينَ أنفسهم، فإما أن تنتصر دواعي الخير .. فتصحَّ توبتُهم، وإما أن تنكسر أمامَ جند الشهوة .. فتحيطَ بهم خطيئتهم، ويكونوا من المصرينَ الهالكينَ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بمن يطيع، ويعصي، ويتوب، ويعرض ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبره لخلقه بوضع الأشياء في مواضعها، فيقبلُ توبةَ من أناب إليه، لكنه لا يقبل إلا التوبةَ النصوح، دون حركات اللسان بالاستغفار، والإتيان ببعض المكفرات من الصدقات، والأذكار مع الإصرار على الذنوب، والأوزار، ومن ثمَّ جَمَعَ الله في الآية السابقة بين التوبة وإصلاح العمل. وقد فعلت الأمم السالفة مثلَ هذا، فاستثقلت التكاليفَ وفسقَت عن أمر ربها، واتبعَتْ هواهَا، وجعلَتْ حظَهَا من الدين مجموعَ حركات لسانيةٍ، وبدنِيَةِ لا تهذَب خُلقًا، ولا تصلح عملًا، ولا تمنع النفسَ من التمتع بشهواتها، وقد اتبع كثير من المسلمين سُنَنَ من قبلهم، وحَذَوا حَذْوَهم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع، فكانت الأغاني لهم دثارًا، والملاهي شعارًا فإنا لله وإنا إليه راجعون. ١٨ - وبعد أن بينَ حالَ من تقبل توبتهمُ ذَكَرَ حالَ أضَدادِهم الذين لا تقبل توبتهم، فقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: وليس قبولُ التوبة واجبًا على الله للذين يفعلون، ويرتكبون الذنوبَ، والمعاصيَ، ويستمرون عليها إلى حضور علامات الموت وقُرْبه ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: فإذا حضر أحدهم أوائلُ الموت، وَرَأى أشراطَها، وأيس من الحياة التي يتمتع بها، ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ إلى طاعة الله، ولذلك لم يُقْبَل إيمانُ فرعون حين أدركَه الغرقُ؛ أي: إن سنةَ الله قد مضَتْ بأن التوبة لا تكون للذين يعملون السيئات منهمكينَ فيها إلى حضور الموت، وصدور ذلك القول منهم؛ لأن هؤلاء قد أحاطَتْ بهم خطيئَاتُهم، ولم تَدَعْ للأعمال الصالحة مكانًا في نفوسهم، فهم

стр. 2328

أصروا عليها إلى أن حضرهم الموت، وَيئِسوا من الحياة التي يتمتعون بها، وحينئذ يقول أحدهم: إني تبتُ الآن، وما هو من التائبين بل من المدعين الكاذبين. والخلاصة: أن التوبةَ لمثل هؤلاء ليست مقبولةً حتمًا، فأمرهم مفوَّضٌ إلى الله تعالى، وهو العليمُ بحالهم، وحديثُ قبول التوبة "ما لم يغرغر" أو تَبلُغ روحه الحلقوم: المرادُ منه حصول التوبة النصوح، بأن يُدركَ المذنبُ قبحَ ما كان قد عمله من السيئات، ويندَمَ على مزاولتها، ويزولَ حبه لها، بحيث لو عاشَ لم يعدْ إليها، وقلَّما يحصل مثل هذا الإدراك للمصر على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة، وإنما يَحصل له إدراك العجز عنها، واليأس منها، وكراهةُ ما يتوقعه من قُرْبِ العقاب عليها عندَ الموت. ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؛ أي: وليس قبول التوبة للذين يموتون على الكفر إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب؛ أي: لا تقبل توبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، فقد سوى الله بين الذين سوفوا توبتَهم إلى أن حضر الموتُ، وبين الذين ماتوا على الكفر، في أنَّ توبتهم لا تقبل، فكما أن المائتَ على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، كذلك المسوف إلى حضور الموت فكلٌ منهما جَاوَزَ الحد المضروب للتوبة، إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختيار. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون من الفريقين ﴿أَعْتَدْنَا﴾ وهيأنا ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: مؤلمًا موجعًا في الآخرة؛ أي: هذان الفريقان اللذان استعبدَهما سلطان الشهوة، وخرَجَا عن نهج الفطرة، وهُدى الشريعةِ: أعدَدْنا وهيأنا لهم العذابَ الموجعَ في الآخرةِ، جزاءًا وفاقًا لما اكتسَبت أيديهم من السيئات مع إصرارهم عليها حتى المماتِ، إذ أنهم أفسدوا قلوبَهم، ودسوا نفوسَهم، فصارت تهبط بهم خَطَايَاهم إلى الدرك الأسفل من النيران، والهَوَان، وتعجز عن الصعود إلى معاهد الكرامةِ والرضوانِ، وهذه الجملة تأكيدٌ لعدم قبول توبتهم. ١٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله ﴿لَا يَحِلُّ﴾، ولا يجوز ﴿لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ عَيْنَ النساء وذاتها بنكاحِهن ﴿كَرْهًا﴾ أي مكرهات غيرَ راضيات له إذا

стр. 2329

مات أقاربُكم عنهن؛ أي: لا يحل لكم أيها المؤمنون: أن تسيروا على سنةِ الجاهلية في هضم حقوق النساء، فتجعلوهن ميراثًا لكم، كالأموال، والعبيد، وتتصرفوا فيهن كما تَشاءُون، وهنَّ كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوج امرأةَ من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها ومَنَعَها الزواجَ، كما مر بيان ذلك كله في أسباب النزول. ﴿و﴾ كذلك ﴿لا﴾ يحل لكم أيها المؤمنون أن: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وتحبسوهن في نكاحكم، وتضيّقوا عليهن بسوء العشرة، حتى أُلْجِئَت إلى الافتداء بمالها ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أي: لتأخذوا منهن، وتردوا عنهن بعضَ ما أعطيتموهن من المهور بسبب اختلاعهن، ومن باب أولى أَخَذُ الجميع. وقرأ ابن مسعود، ﴿ولا أن تعضلوهن﴾ وهذه القراءة تقوي احتمالَ النصب على احتمال الجزم، وقال ابن عطية: واحتمال النصب أقوى. انتهى؛ أي: لا يحل لكم أيها المؤمنون إرثُ ذاتِ نساءِ أقاربكم، إذا ماتوا عنهن بتزوجها كُرهًا من غير رِضَاهَا، ولا يحل لكم أيضًا العضل، والتضييق على أزواجكم اللاتي في نكاحكم، ومضارتُهن بسوء العشرة لِيُكْرِهْنَكُم، ويَضْطَرِرْنَ إلى الافتداء منكم بالمال، والصداق الذي أَخَذْنَ منكم أو بالمال الذي وَرِثَتْ من زوجها الأول، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حَسْنُها، ويزوِّجون من لا تعجبهم، أو يمسكونها حتى تفتدِيَ بما كانت وَرِثَتْ من قريب الوارث، أو بما كانت أخذت من صداق ونحوه، أو بكلّ هذا، وربما كلفوها الزيادةَ إن علموا أنها تَسْطِيعها. أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأةَ الشريفةَ فلعلها، ما توافِقُهُ فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها؛ فإذا خَطَبَها خاطبٌ، فإن أعطَتْه وأَرْضَتْهُ أذِنَ لها، وإلا عَضَلها، وكثيرًا ما كانوا يضيّقون عليهن ليفتدِينَ منهم بالمال. وقرأ حمزة والكسائي ﴿كَرْهًا﴾ بضم الكاف هنا، وكذا في التوبة، وفي الأحقاف، وقرأ عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر في الأحقاف بالضم، والباقون بالفتح، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الفراء:

стр. 2330

الكره بالفتح: الإكراه، وبالضم: المشقةُ، فما أُكرِه عليه فهو كَرُه بالفتح، وما كان من قِبَلِ نفسه، فهو كُرْهُ بالضم. ﴿إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بفتح الياء؛ أي: بينها من يدَّعِيها، ويوضحها والباقون بالكسرة؛ أي: بينةٍ في نفسها، ظاهرة من النشوز وشَكاسة الخلق، وإيذاء الزوج وأهلِه بالبذاء والسلاطة، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب إلا أن يفحشن عليكم، وقرأ ابن عباس ﴿مبينة﴾ بكسر الباء وسكون الياء: من أبانَ الشيء فهو مبين؛ أي: لا تعضلوهن في حال من الأحوال، إلا في الحال التي يفعلنَ فيها بالفاحشة، المبينة، الواضحة الظاهرة، الفاضحة دون الظنة والشبهةِ، فإذا نشزن عن طاعتكم وسَاءَتْ عشرتهن، ولم ينفع معهن التأديبُ، أو تبيَّنَ ارتكابهن للزنا، أو السرقة، أو نحو ذلك من الأمور الفاحشة الممقوُتة عند الناس، فلكم حينئذ أن تعضلوهن، وتضيقوا عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق وغيره من المال؛ لأن الفُحْشَ قد أتى من جانبها، فقد عُذِرْتُم حينئذ في طلب الخلع، وإنما اشترِطَ في الفاحشة أن تكونَ مبينةً؛ أي: ظاهرةً فاضحةً لصاحبها؛ لأنه رُبَّما ظلَمَ الرجل المرأةَ بإصابتها الهفوةَ الصغيرةَ، أو بمجرد سوء الظن، والتهمة، فمن الرجال الغَيور السيء الظنّ الذي يؤاخذ بأتفه الأمور، ويعده عظيمًا. وإنما أبيح للرجل أن يضيِّق على امرأته إذا أتت بهذه الفاحشة المبينة؛ لأنها ربما كَرِهته، ومالَت إلى غيره فتؤذيه بفاحش القول، أو الفعل؛ ليملها، ويسأم معاشرتها؛ فيطلقها؛ فتأخذ ما كان أعطاها، وتتزوج غيره، وتتمتع بمال الأول، وربما فعلت مع الثاني ما فعلت مع الأول، فإذا عَلِمَ النساء أن العضلَ والتضييقَ بيد الرجال، ومما أبيح لهم إذا هن آذينَهُم وأهنَّهم؛ فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها، والاحتيالِ بها على أرذلِ أنواعِ الكسب. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: وعاشروا أيها: الأزواج، وساكنوا مع زوجَاتِكم بالوجه المعروف في هذه الشريعة، وبَيْنَ أهلها من حسن المعاشرة؛ أي: وعليكم أيها الأزواجُ أن تحسنوا معاشرةَ نسائِكم فتُخَالطُوهُنَّ بما تألُفُه

стр. 2331

طباعهن، ولا يستنكرهُ الشرعُ، ولا العرفُ، ولا تضيقوا عليهن في النفقة، ولا تؤذوهن بقولٍ ولا فعلٍ، ولا تقابلوهنَ بعبُوسٍ الوجه، ولا تقطيب الجَبين، والمعاشرة بالمعروفِ هو: الإنصافُ في الفعل المبيت والنفقة والإجمال في القول، وفي المَثلِ: المرأة تَسْمُنُ مِن أُذنها. وفي كلمة المعاشرة: معنى المشاركة، والمساواة؛ أي: عاشروهنَ بالمعروف. وليعاشِرْنكم كذلك، فيجب أن يكونَ كل من الزوجين مدْعَاةً لسرور الآخر، وسبب هناءته وسعادته في معيشته، ومنزله، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي فإن كرهتم أيها الأزواج صحبةَ زوجَاتكِم لعيب في أخلاقِهن أو دَمامةِ في خلقهن مما ليس لهن فيه كسب، أو لتقصير في العمل الواجب عليهنَّ كخِدمةِ البيت، والقيام بشُؤونه مما لا يخلو عن مِثلِه النساء في أعمالهنَ أو لميل منكم إلى غيرهن، فَاصْبِرُوا، ولا تَعْجلُوا بمضارتهن، ولا بمفارقتهن ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ويؤولَ الأمرُ إلى ما تحبونه من ذهابِ الكراهة وتبدلِها بالمحبة ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك المكروه لكم ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ونفعًا كبيرًا لكم، فجواب الشرط محذوف، والفاء في عسى معلِّلُة لذلك المحذوف، وعسَى هنَا للتحقق، لا للرجاء، والمعنَى: فإن كرهتموهن .. فاصبرُوا، ولا تفارقُوهن؛ لأنه قد ثبَتَ وحقَّ كراهتكم شيئًا وجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. وفي "القاموس" (١) عسى للترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، واجتمَعا في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية. وللشك واليقين، وقد تشبه بكاد ومن الله للإيجاب انتهى. ومن الخير الكثير: الأولادُ الأَنْجابُ فرُبَّ امرأة يملها زوجها، ويَود فراقَها ثم يجيئه منها مَنْ تقرُّ به عَينه من الأولاد النجباء، فيَعْلَو قَدْرُها عنده بذلك. ومن ذلك أن يصلُحَ حالها بصبره وحسن معاشرته فتكون من أعظم أسباب

стр. 2332

سعادته، وسروره في انتظام معيشته، وحسن خدمته، ولا سيما إذا أصيب بالأمراض، أو بالفقر، والعَوَزِ فتكون خَيْرَ سلوى وعون في هذه الأحوال، فيجب على الرجل أن يتذكر مثلَ ذلك كما يذكر أنه قلما يخلو من عيب تصبر عليه امرأته في الحال، والاستقبال، وقيل (١) أن ترى مُتَعَاشِرَين يرضى كل واحد منهما جميعَ خلق الآخر، ويقال: ما تعاشر اثنان إلا وأحدهما يتغامض عن الآخر، وفي صحيح مسلم "لا يفرك مؤمن مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضيَ منها آخر" وأنشدوا في هذا المعنى: وَمَنْ لاَ يُغَمِّضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيْقِهِ ... وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيْهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ... يَجِدْهَا وَلاَ يَسْلَمُ لَهُ الْدَّهْرَ صَاحِبُ وقد جاء (٢) قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ في سِياق حديث النساء دستورًا كاملًا، وحاكمًا عادلًا إذا نحن اتبعناه كان له الأثرُ الصالح في جميع أعمالنا، وهَدَانا إلى الرشد في جميع شؤوننا فكثيرٌ ممَّا يكرهُه الإنسانُ يكون له فيه الخَيْرُ، ومتى جاء ذلك الخير .. ظهرَتْ فائدةُ ذلك الشيء المكروه، والتجارب أصدَقُ شاهد على ذلك، فالقتال لأجل حماية الحقِ والدِّفاع عنه، يكرهه الطبع لما فيه من المشقة، لكن فيه إظهار الحق، ونصرُه ورفعة أهله، وخذلان الباطل وحزبه، على أنَّ الصبرَ على احتمالِ المكروه يمرن النفسَ على احتمال الأذى، ويعودها تحملَ المشاق في جسيم الأمور، وبالجملة: فالإحسان إلى النساء من مكارم الأخلاق، وإن وقعَتْ منهن الإساءَةُ لما في الحديث "يغلبن كريمًا، ويغلبهن لئيم، فأحب أن أكون كريمًا مغلوبًا، ولا أحب أن أكون لئيمًا غالبًا". والخلاصة: أن الإِسلام وصى أهلَه بحسن معاشرة النساء، والصبر عليهن، إذا كَرِهَهُنَّ الأزواجُ رجاءَ أن يكون فيهن خير كثير، ولا يبيحُ عضلَهن افتِدَاؤهن أنفسهن بالمال، إلا إذا أتين بفاحشة مبينة بحيث يكون إمساكهن سببًا في مهانة

стр. 2333

الرجل، واحتقاره أو إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، وفيما عدا ذلك يجبُ عليه إذا أراد فراقُها أن يعطَيها جميعَ حقوقها، ٢٠ - وهذا ما أشار إليه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ﴾ وقصدتم أيُّها الأزواجُ ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾؛ أي: تزوجَ زوجة جديدة ترغبون فيها، وأخذَها ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: بدلَ زوجة قديمة كرهتموها، وأردتم تطليقَها لعدم طاقتكم الصبرَ على معاشرتها، وهي لم تأت بفاحشة مبينة، ﴿و﴾ قد ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾؛ أي: إحدى الزوجات؛ أي: والحال أنكم قد أعطيتم تلك القديمةَ التي تريدون تطليقَا ﴿قِنْطَارًا﴾؛ أي: مالًا كثيرًا من الصداق ﴿فَلَا تَأخُذُوا مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك القنطار ﴿شَيْئًا﴾؛ أي: يسيرًا، ولا كثيرًا، وقرأ أبو السمال (١) وأبو جعفر ﴿شَيْئًا﴾ بفتح الياء وتنوينها حذف الهمزة وألقى حركتها على الياء والمعنى (٢): وإذا رغبتم أيها الأزواج في استبدال زوجٍ جديدةٍ مكانَ زوج سابقةٍ كرهتموهَا لِعَدَمِ طاقَتِكم الصبرَ على معاشِّرتِها، وهي لم تأت بفاحشة مبينة، وقد آتيتموها المالَ الكثيرَ مقبوضًا، أو ملتزمًا دفعه إليها، فصار دينًا في ذمتكم؛ فلا تأخذوا منه شيئًا، بل عليكم أن تدفعوه لها؛ لأنكم إنما استبدلتم غيرهَا بها لأغراضكم ومصالحكم بدون ذَنْب، ولا جَرِيرة تُبيح أَخْذَ شيء منها، فبأي حق تستحلون ذلك، وهي لم تَطْلُب فِراقَكَم، ولم تُسيء العشرةَ إليكم، فتحملَكم على طلاَقِها. وإرادةُ الاستبدال ليسَتْ شرطًا في عدم حل أخذ شيءٍ من مالها، إذا هو كره عشرتها، وأراد الطلاقَ لكنه ذكر لأنه هو الغالب في مثل هذا الحال، ألا ترى: أنه لو طلقها، وهو لا يريد تزوَّجَ غيرها، بأن أراد الوَحْدةَ وعدمَ التقيد بالنساء، ومؤنتهن، فإنه لا يحل له شيء من مالها. ثم أنكر عليهم هذا الفعلَ، ووبخهم عليه أشد التوبيخ فقال: ﴿أَتَأخُذُونَهُ﴾ استفهام إنكاري فيه معنى التوبيخ؛ أي: هل تأخذون ذلك القنطار منها

стр. 2334

﴿بُهْتَانًا﴾؛ أي: حالة كونكم باهتينَ وكاذبينَ عليها برميها بالفاحشة، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: وحالة كونكم آثمين إثمًا مبينًا؛ أي: ظالمينَ لها ظلمًا، بينًا، ظاهرًا، بأخذ مالها بغير استحقاق له؛ أي: لا تفعلوا ذلك، وقد كان من دَأبهم أنهم إذا أرادوا تطليقَ الزوجة، رَمَوها بفاحشة، حتى تَخافَ وتشتريَ نَفْسَها منه بالمهر الذي دَفَعه إليها، وأصل البهتان (١) الكذب الذي يواجهُ به الإنسان صاحبَه على جهة المكابرة، فيبْهَتُ المكذوبُ عليه؛ أي: يتحيَّرُ ثُمَّ سميَ كلُّ باطل يتحيّر من بطلانه بُهْتَانًا. ٢١ - ثم زاده إنكارًا آخر مبالغةً في التنفير من ذلك فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ﴾؛ أي: وبأي وجه وسبب تأخذُون ذلك القنطار ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: والحال: أنه قد وَصَلَ، وألصقَ بعضكم أيُّها الأزواجُ والزوجات إلى بعض بالجماع الموجب للمهر، واجتمعتم في لحاف واحدٍ، ولاَبَس بعضكم بعضًا ملابسةً يتكوَّنُ منها الولد، فإنها قد بذلَتْ نفسَها لك، وجعلَتْ ذاتَها مَلاذك ومتمتعك، وحصلَت الألفة التامَّةُ بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئًا، فهذا لا يليق بمَنْ له طَبْعٌ سليم، وذوقٌ مستقيم؛ أي: إنَّ حالَ هؤلاء الذين يستحلون أخذَ مهور النساء إذا أرادوا مُفارقتَهن بالطلاق، لا لذنب جَنيْنَهُ، ولا لإثم اجترحنَه من الإتيان بفاحشة مبينة، أو عدم إقامة حدود الله، وإنما هو الرأي والهَوى، وكراهةُ معاشرَتِهن عجيب أيما عجيب، فكيف يستطيبون ويجُوزون أخذَ ذلك منهن بعد أن تأكَّدَت الرابطة بين الزوجين بأقوى رباط حيوي بين البشر، ولابس كل منهما الآخر حتى صار كل منهما من الآخر بمنزلة الجزء المتمم لوجوده، فَبعد أن أفضى كل منهما إلى الآخر إفضاء، ولابسه ملابسةً يتكون منها الولد يقطع تلك الصلة العظيمة، ويطمع في مالها وهي المظلومة الضعيفة، وهو القادر على اكتساب المال بسائر الوسائل، التي هدَى الله إليها البشرَ. وجملة قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ معطوفة على جملة قوله:

стр. 2335

﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: وكيف تأخذونه، والحاصل: أن هؤلاء النساء، يعني زوجاتَهم قد أخذن وجعلن عليكم ميثاقًا، وعهدًا غليظًا؛ أي: شديدًا وعاشرن معكم بذلك العهد. قال ابن عباس، ومجاهد: الميثاق الغليظ: كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وهي الكلمة التي تستحلُّ بها الفروجُ، ويدل على ذلك ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وقيل: هو قولُ العاقد عند العقد زوجتكها على ما أخَذَ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، قاله قتادة. وهذا الإسناد (١) مجاز عقلي من الإسناد للسبب؛ لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله ، لكن بولغ فيه حتى جَعَل كأنهن الآخذاتُ له، والمعنى فكيف تأخذونه، والحاصل أنَّ الله قد أخذ وجعل عليكم أيُّها الأزواج بسببهن ميثاقًا غليظًا، وعهدًا شديدًا على التقوى في حقوقهن حيث قال: على لسان نبيه محمد ﷺ : "اتقوا الله في النساء" الحديث. وقيل: الميثاق الغليظُ: المودةُ والرحمةُ المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فالإسناد على هذا حقيقي، والمعنى حينئذ: فكيف تأخذونه وقد أخذنَ وحَمَلْنَ أزواجكم بسببكم مودةً شديدةً وشفقة عجيبة. فهذه آية من (٢) آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمدُ عليها المرأَةُ في ترك أبوَيْها، وإخوتها وسائر أهلها، والاتصال برجل غريب عنها تسَاهِمُهُ السرَّاءَ والضراءَ، وتسكن إليه ويَسْكُن إليها، ويكون بينهما من المودة أقوَى مما يكون بين ذوي القربى ثقةً منها بأنَّ صِلَتَها به أقوى من كل صلة، وعيشتَها معه أَهْنَأُ مِن كلِّ عيشة.

стр. 2336

هذه الثقة، وذلك الشعورُ الفطري الذي أودعَ في المرأة وجعلها تحسُّ بصلة لم تَعْهَدْ من قَبْلُ لا تَجِدُ مثلَها لدى أحد من الأهل، وبها تعتقد أنها بالزواج مقبلة على سعادة ليس وراءَها سعادة في الحياة، هذا هو المركوز في أعماق النفوس، وهذا هو الميثاق الغليظ، فما قيمة مَنْ لا يَفِي بهذا الميثاق، وما هي مَكانتُه من الإنسانية. وقد استدلوا (١) بذكر القنطار على جواز التغالي في المهور، وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى على المنبر، أن يزاد في الصداق على أربع مائة درهم، ثم نَزلَ فاعترضَتْه امرأةٌ من قريش فقالت: أما سمعْتَ الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال: اللهم عَفْوًا كلُّ الناس أَفْقَهُ من عُمَر، ثُمَّ رَجَع فركب المنبرَ، فقال إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربع مائة درهم، فَمَنْ شاء أن يعطِيَ من ماله، فله ما أحبَّ. هذا وإن الشريعة لم تحدِّدْ مقدار الصداق، بل تركَتْ ذلك للناس لتفاوتهم في الغنى والفقر، فكل يعطي بحسب حاله، لكن جاء في السنة: الإرشاد إلى اليسْر في ذلك، وعدم التغالي فيه. فمن ذلك ما رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي عن عائشة إنَّ مِنْ يُمْنِ المرأة تيسيرَ خِطْبَتِهَا، وتَيسِيرَ صداقها. وإن التغالِيَ في المُهور الآن، قد صار من أسباب قلة الزواج، وقلَّةِ الزواج: تُفْضِي إلى كثرة الزنا والفساد، والغَبْنُ أخيرًا على النساء أكثَرُ، وإنّك لَتَرى هذه العادةَ متمكنة لدى بعض الناس، حتى إن وليَّ المرأة؛ ليمتنع عن تزويج بنته للكفء الذي لا يرجى من هو خيرٌ منه، إذا كان لا يعطيه ما يراه لائقًا بكرامته، ويزوجها لمن هو دونه دينًا وخُلُقًا ومن لا يَرجُو لها سعادة عنده إذا هو أعطاه الكثيرَ الذي يراه محققًا لأغراضه، وهكذا تَتَحكم التقاليد والعادات حتى تفسدَ على الناس سعادتَهم، وتقوضَ نَظْمَ بيوتهن، وهم لها منقادون بلاَ تفكير في العواقب، فيا لَها مصيبةً في دِيننا، ودُنيانا، وإنَّا للهِ وإنا إليه راجعون.

стр. 2337

الإعراب ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. ﴿وَاللَّاتِي﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللاتي﴾ اسم موصول للجمع المؤنث في محل الرفع، مبتدأ مبني على السكون ﴿يَأتِينَ﴾ فعل وفاعل. ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ مفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَأتِينَ﴾ ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ، جوازًا على رأي الجمهور لشبه المبتدأ بالشرط في كونه موصولًا عامًّا، صلته فعل مستقبل. استشهدوا فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ متعلق به لـ ﴿أَرْبَعَةً﴾ مفعول به ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿أربعة﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة، ويجوز (١) أن يكون الخبر محذوفًا، والتقدير: فيما يتلى عليكم حكم اللاتي فحذف الخبر، والمضاف إلى المبتدأ، للدلالة عليهما، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه في نحو ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾؛ أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ويكون قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ وقوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ دالًّا على ذلك المحذوف؛ لأنه بيان له اهـ "سمين". ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا امتثلتم ما أمرتكم به من الاستشهاد، وأردتم بيانَ حكم ما إذا أشهدوا .. فأقول لكم. ﴿إن﴾ ﴿شَهِدُوا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿شَهِدُوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعلَ شرط لها. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿أمسكوهن﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿فِي

стр. 2338

الْبُيُوتِ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية من فعل شرطِها وجوابِها في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ فعل ومفعول وفاعل منصوب بـ ﴿إن﴾ مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى، تقديره. فأمسكوهن في البيوت إلى توفي الموت إياهن، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أمسكوا﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف بمعنى إلى ﴿أو﴾ بمعنى إلا. ﴿يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد، ﴿أَوْ﴾ التي بمعنى إلى ﴿أو﴾ بمعنى إلا. ﴿لَهُنَّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَجْعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿سَبِيلًا﴾ مفعول أول لجَعَل، والجملة الفعلية صلةُ أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها، تقديره: فأمسكوهن في البيوت إلى توفي الموت إياهن أو جعل الله لهنَّ سبيلًا. ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. ﴿وَاللَّذَانِ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية أو عاطفة. ﴿اللذان﴾ اسم موصول للمثنى المذكر في محل الرفع مبتدأ، مبني على ﴿الألف﴾ و ﴿النون﴾ حرف زائد لشبه التثنية، أو مرفوع بـ ﴿الألف﴾ على الخلاف المذكور في محله، هذا على قراءة تخفيف النون على أصل التثنية، ويقرأ (١) بتشديدها على أن إحدى النونين، عوض من اللام المحذوفة؛ لأن الأصلَ اللذيان مثل العَمَيَان والشجَيَان، فحذفت الياء؛ لأن الاسمَ مبهمُ، والمبهمات لا تثنى التثنيةَ الصناعيةَ، والحذف مؤذن بأن التثنيةَ هنا مخالفة للقياس، وقيل: حذفت لطول الكلام بالصلة، ذكره أبو البقاء. ﴿يَأتِيَانِهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ضمير الفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فَآذُوهُمَا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ

стр. 2339

جوازًا لما في المبتدأ من العموم. ﴿آذوهما﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والرابط ضميرُ المفعول، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿واللاتي﴾ على كونها مستأنفة. ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾. ﴿فَإن﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذَا امتثلتم ما أمرتكم به من الإيذاء لهما، وأردتم بيانَ حكم ما بعد الإيذاء .. فأقول لكم. ﴿إن تابا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تَابَا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعلَ شرط لها. ﴿وَأَصْلَحَا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم معطوف على ﴿تَابَا﴾. ﴿فَأَعْرِضُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿أعرضوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابَ الشرط. ﴿عَنْهُمَا﴾ جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿إِنَّ﴾ اسمها. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الجلالة. ﴿تَوَّابًا﴾ خبر أول لها. ﴿رَحِيمًا﴾ خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة معللة للإعراض في محل الجر بلام التعليل المقدرة. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿التَّوْبَةُ﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، تقديره: إنما التوبة ثابتة، وواجبة على الله وجوبَ تفضل منه، وإنجاز وعد منه لا وجوبَ إلزام، وكلفة عليه، ولكن الكلامُ على حذف مضاف، تقديره: إنما قبول التوبة؛ لأن التوبةَ هنا مصدر لتاب عليه إذا قبل توبته، لا مصدر تاب العبد إلى الله، إذا رجعَ إلى طاعته، والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر، تقديره: إنما التوبة ثابتة، هي على الله حالةَ كونها كائنة للذين يعملون السوء. ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ فعل وفاعل ومفعول،

стр. 2340

والجملة صلة الموصول. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ جار ومجرور حال من ضمير الفاعل، تقديره: حالةَ كونهم ملتبسين ﴿بجهالة﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب، ولكن التراخي المفهوم من ﴿ثم﴾ منفي بقوله: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾. ﴿يَتُوبُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتوبون﴾ قال أبو حيان (١): و ﴿من﴾ في قوله: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ تتعلق بـ ﴿يتوبون﴾ وفيها وجهان: أحدهما: أنها للتبعيض؛ أي: بعضَ زمان قريب، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة .. فهو تائب من قريب، والثاني: أن تكون لابتداء الغاية؛ أي: يبتدىء التوبة من زمان قريب من المعصية لئلا يقع في الإصرار. ومفهومُ ابتداء الغاية. أنه لو تاب من زمان بعيد .. فإنه يخرج عن من خص بكرامة حتم قبول التوبة على الله المذكورة في الآية بـ ﴿على﴾ بقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ انتهى. ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية. ﴿أولئك﴾ مبتدأ. ﴿يَتُوبُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكنه خبر سببي، والجملة الإسمية معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. ﴿وَكَانَ﴾ الواو استئنافية. ﴿كان الله عليمًا﴾ فعل ناقص، واسمه وخبره. ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان له، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. ﴿وَلَيْسَتِ﴾ الواو استئنافية. ﴿ليست التوبة﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿ليس﴾ وجملة ﴿ليس﴾ مستأنفة. ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ﴾ ﴿حتى﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿حَضَرَ﴾ فعل ماض. ﴿أَحَدَهُمُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿الْمَوْتُ﴾ فاعل،

стр. 2341

والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعلَ شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على أحدهم، وجملة ﴿قَالَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها غاية لما قبل ﴿حَتَّى﴾، والتقدير: وليست التوبة لقوم يعملون السيئات، ويستمرون على ذلك، فإذا حضر أحدهم. قال كيتَ وكيتَ، وهذا (١) هو الوجه الحسن، ولا يجوز في ﴿حَتَّى﴾ أن تكون جارةً لـ ﴿إذا﴾؛ أي: يعملون السيئات إلى وقت حضور الموت من حيث إنها شرطية، والشرط لا يعمل فيه ما قبله، للزومه الصدارةَ، وإذا جعلنا ﴿حتى﴾ جارة تعلقت بـ ﴿يعملون﴾ وأدوات الشرط لا يعملُ فيها ما قبلَها، ولأنَ ﴿إِذَا﴾ لا تتصرف على المشهور، ذكره في "الفتوحات" ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾ منصوب بفتحة مقدرة، منع من ظهورها اشتغالُ المحل بحركة الحكاية، وإن شئت قلت ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿والياء﴾ في محل النصب اسمها. ﴿تُبْتُ﴾ فعل وفاعل. ﴿الْآنَ﴾ ظرف للزمن الحاضر في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح لشبهه بالحرف، شبهًا معنويًّا، لتضمنه معنى حرف التعريف، والظرف متعلق بـ ﴿تبت﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿وَلَا الَّذِينَ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجر معطوف على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. ﴿يَمُوتُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو حالية. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿كُفَّارٌ﴾ خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَمُوتُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اعتدنا﴾. ﴿عَذَابًا﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا﴾ صفة له.

стр. 2342

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة ﴿والهاء﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع، أو في محل النصب صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة النداء مستأنفة. ﴿لَا يَحِلُّ﴾ ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يَحِلُّ﴾ فعل مضارع مرفوع. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به. ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لـ ﴿يحل﴾ تقديره: لا يحل لكم إرث النساء كرهًا، وجملة ﴿لَا يَحِلُّ﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿كَرْهًا﴾ حال من النساء منصوب، ولكنه بعد تأويله بالمشتق تقديره مكرهات. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تَرِثُوا﴾ منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مرفوع معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها. على كونه فاعلًا لـ ﴿يحل﴾ تقديره: لا يحل لكم إرث النساء كرهًا ولا عضلهن. ﴿لِتَذْهَبُوا﴾ ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿تذهبوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿بِبَعْضِ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وتعدية. ﴿بعض﴾ مجرور بـ ﴿الباء﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تذهبوا﴾، وجملة ﴿تذهبوا﴾ صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تعضلوا﴾ والتقدير: ولا تعضلوهن لذهابكم، وأخذكم بعض ما آتيتموهن من المهور، ﴿بعض﴾ مضاف. ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: ببعض ما آتيتموهن إياه؛ لأن ﴿آتى﴾ هنا بمعنى أعطى، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط الضمير المحذوف الذي هو المفعول الثاني. ﴿إِلَّا أَنْ يَأتِينَ﴾ ﴿إلا﴾ أداة استثناء من أعم الأحوال. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَأتِينَ﴾ فعل مضارع في حل النصب بأن المصدرية مبني على السكون لاتصاله ﴿بنون﴾ الإناث، و ﴿نون﴾ الإناث في محل الرفع فاعل

стр. 2343

﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ صفة لـ ﴿فاحشة﴾ والجملة الفعلية صلة أن المصدرية ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير مضاف، والتقدير: ولا يحل لكم أن تعضلوهن في حال من الأحوال إلا حالَ إتيانهن بفاحشة مبينة. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿عاشروهن﴾ فعل وفاعل، ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ جار ومجرور متعلق به، أو متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿عاشروا﴾ تقديره: حالةَ كونكم ملتبسينَ بالمعروف. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصَحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما أمرتكم به من المعاشرة بالمعروف، وأردتم بيانَ حكمِ ما إذا كرهتموهن، فأقول لكم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فعل وفاعل، ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعلَ شرط لها. ﴿فَعَسَى﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة جامدة. ﴿عسى﴾ فعل ماض تام. ﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿عسى﴾ تقديره: فعسى وحق كراهتكم شيئًا. ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية؛ لأنه معطوف على ﴿تَكْرَهُوا﴾. ﴿فيه﴾ جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾. ﴿خَيْرًا﴾ مفعول أول له. ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لـ ﴿خَيْرًا﴾ والتقدير: فعسى كراهتكم شيئًا، وجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، وجملة عسى في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿أَرَدْتُمُ﴾ فعل

стр. 2344

وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها. ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿استبدال﴾ ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ الواو واو الحال. ﴿آتيتم﴾ فعل وفاعل. ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ مفعول أول، ومضاف إليه. ﴿قِنْطَارًا﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَرَدْتُمُ﴾ ولكنه على تقدير قد، كما أشرنا إليه في بحث التفسير. ﴿فَلَا تَأخُذُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية جوازًا. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَأخُذُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿ـلا﴾ الناهية. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿ـإن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿أَتَأخُذُونَهُ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي. ﴿تأخذونه﴾ فعل وفاعل ومفعول مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية، جملة استفهامية لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿بُهْتَانًا﴾ حال من ضمير الفاعل. ﴿وَإِثْمًا﴾ معطوف عليه. ﴿مُبِينًا﴾ صفة لإثم محذوف تقديره: أتأخذونه حالةَ كونكم باهتينَ آثمينَ إثمًا مبينًا، ويجوز نصبهما على المفعول لأجله؛ كما ذكره أبو البقاء. ﴿وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. ﴿وَكَيْفَ﴾ الواو استئنافية. ﴿كيف﴾ اسم استفهام عن الحال في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تأخذون﴾ مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والاستفهام أيضًا للإنكار والتوبيخ. ﴿تَأخُذُونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والمعنى أتأخذونه حالة كونكم ظالمينَ. قال أبو البقاء (١): ﴿كيف﴾ في موضع نصب على الحال، والتقدير: أتأخذونه جائرينَ وهذا يتبين لك بجواب ﴿كيف﴾، فإذا قلت: كيف أخذت مال زيد، كان الجواب حالًا تقديره: أخذته ظالمًا، أو عادلًا، ونحو ذلك، ويكون موضع كيف في الإعراب مثلَ موضع جوابها أبدًا.

стр. 2345

انتهى. والجملة الفعلية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تأخذون﴾. ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أفضى﴾. ﴿وَأَخَذْنَ﴾ الواو عاطفة. ﴿أخذن﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَفْضَى﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخذن﴾. ﴿مِيثَاقًا﴾ مفعول به. ﴿غَلِيظًا﴾ صفة له. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿اللاتي﴾ جمع (١) التي بحسب المعنى دون اللفظ؛ كما مر في بحث التفسير، وفيه لغات: اللاتي: بإثبات التاء، والياء، واللات: بحذف الياء، وإبقاء الكسرة لتدل عليها، واللائي: بالهمزة، والياء. واللاء: بكسر الهمزة، وحذف الياء، ويقال في جمع الجمع: اللواتي واللوات واللواء والفاحشة الفعلية القبيحة وهي مصدر كالعافية، والعاقبة، وإتيانها فعلها، ومباشرتُها يقال: أتى الفاحشةَ يأتي إتيانًا إذا فعلها وبَاشَرها. ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ﴿الذان﴾ (٢) تثنية الذي وكان القياس: أن يُقال: اللذَيان كرحَيَان. قال سيبويه: حذفت الياء ليُفرقَ بين الأسماء المتمكنة، وبين الأسماء المبهمة، وقال أبو علي: حُذفت الياء، تخفيفًا، وقرأ ابن كثير ﴿اللذان﴾ بتشديد النون، وهي لغة قريش، وفيه لغة أخرى وهي: اللذا بحذف النون ﴿فَآذُوهُمَا﴾ أمر للجماعة من آذى الرباعي، يقال: آذى الرجلَ يؤذيه إيذاءَ أوصلَ إليه الأَذى، ثلاثيه أُذِيَ من باب شَجِيَ، يقال: أذِيَ زيد يأذى أذىً، وأذاةً إذا أصيبَ بأذى، والأذى والأذية والأذاة الضرر اليسير. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ التوبة: مصدر تاب الله عليه توبةً إذا قبلَ توبتَه لا مصدر تاب العبد إلى الله بمعنى رجع إلى طاعته ﴿السُّوءَ﴾ يعم الكفر والمعاصيَ وغيرهما سمي بذلك، لأنه تسوء عاقبته ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أصل أعتدنا أعددنا، فأبدلت

стр. 2346

الدال الأولى تاء ﴿كَرْهًا﴾ الكُره: بفتح الكاف، وضمها مع سكون الراء فيهما مصدران لكره الثلاثي المكسور العين، معناه الإباءُ والمشقُة، وما أكره عليه الإنسان، وقيل: هو بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهَكَ عليه غيرك، ويقال: شيء كره؛ أي: مكروه، ورجلُ كره؛ أي: متكره، ووجه كره، أي: قبيح، وفعله كَرهًا، أي إكراهًا. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقال: عضل من باب نصر، والعضل التضييق، والشدة، ومنه: الداء العضال؛ أي: الشديد الذي لا نجاةَ منه، والفاحشةُ الفعلةُ الشنيعةُ الشديدة القبح كما مر آنفًا. والمبينة الظاهرة الفاضحة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقال: عاشرَه معاشرةً وعشرةً وتعاشَروا واعتشَروا عشرةً، والعِشرةُ الصحبةُ، والمخالطة، والمعروف هو مَا تألفه الطباعُ ولا يستنكره الشرعٌ ولا العرفُ ولا المروءةُ ﴿قِنْطَارًا﴾ القنطار: المالُ الكثيرُ، وقد تقدم الكلام عليه في أول سورة آل عمران فراجعه. ﴿بُهْتَانًا﴾ يقال: بهت يبهت وبهتًا وبهتانًا من باب فتح إذا افترى عليه الكذبَ، فهو بهاتُ، وبَهُوت، والبُهتان الكذب الذي يبهِّتُ المكذوبَ عليه، ويسكته متحيِّرًا. ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: وصل إليها الوصول الخاص الذي يكون بين الزوجين، فيلابس كلُّ منهما الآخرَ حتى كأنهما شيء واحد، والإفضاء (١) إلى الشيء الوصول إلى فضاء منه؛ أي: سعة غير محصورة، كقولهم: الناس فوضَى فَضَى؛ أي: مختلطون يباشر بعضهم بعضًا، ويقال: أفضى إليه إفضاءً، وهو رباعي من الثلاثي المزيد فيه بحرف، يقال: فضا يفضو فضاءً من باب دعا إذا اتسع، فألف أفضى منقلبة عن ياءٍ أصلها واو، والميثاق الغليظ: العهدُ المؤكدُ الذي يربطكم بهن أقوى رباط وأحكمه.

стр. 2347

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البيان والبديع: منها: التجوزُ (١) باطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ لأن أل في الفاحشة تستغرق كل فاحشةٍ، وليس مرادًا، وإنما أطلق اسمُ الكل على البعض تعظيمًا لقبحة، وفحشه؛ كأنه لا فاحشةَ إلّا هو، فإنَّ كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكونُ الألفُ واللام فيه للعهد. ومنها: التجوزُ بأن يُرادَ من المطلق بعض مدلوله في قوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ إذا فسر بالتعيير، أو بالضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ والمراد الجلد، أو رجمُ المحصن، وبقوله ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: أي: اتركوهما. ومنها: المجاز العقليُّ بإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: والمرادُ يتوفاهن اللهُ أو ملائكته، وفي قوله: حَتَّى إذا حضر أحدهم الموت؛ أي: علاماتُه ومقدماتُه. ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾. ومنها: التجنيسُ المماثل في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾. ومنها: التكرار - أي: الإطناب - في اسم الله في مواضع، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، وفي قوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾. ومنها: إطلاق المستقبل على الماضي في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ و ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾، و ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ و ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾. ومنها: الإشارة والإيماء في قوله: ﴿كَرْهًا﴾ فإن تحريمَ الإرث كُرْهًا يوميء إلى جوازه طوعًا، وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾. ومنها: الإيماء أيضًا في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾

стр. 2348

ففيه إشارة إلى أن له أن يَعْضلَها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلَّقُ بها، أو بمالها. ومنها: المبالغةُ في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ عظم الأمر حتى يُنتهى عنه. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ استعار الأخذ للوثوق بالميثاق، والتمسك، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقةً، وفيه أيضًا استعارة لفظ الميثاق للعقد الشرعي، كما قال مجاهد: الميثاقُ الغليظُ: عُقدةُ النكاح، وفي هذا (١) الإسناد أيضًا مجاز عقلي؛ لأنَّ الآخِذَ للعهد هو الله؛ أي: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن، وبسببهن فهو مجازَ عقلي من الإسناد إلى السبب كما مرَّ. ومنها: تسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ سمي تزويجُ النساء أو مَنْعُهن للأزواج إرثًا، لأن ذلكَ سببُ الإرث في الجاهلية. ومنها: الطباق المعنوي في قوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب. ومنها: الحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها. والله أعلم * * *

стр. 2349

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ مناسبة هاتينَ الآيتين لِمَا قبلهما: أنه لما بين (١) الله ، وذَكَرَ في أوائل السورة حكم نكاح اليتامَى، وعددَ مَنْ يحل من النساء، والشرطَ في ذلك، وبيَّن حكم استبدال زوج مكان زوج، وما يجبُ عن لمعروف في معاشرتهن .. أَرْدَف ذلك ببيان ما يحرمُ نكاحه من النساء اللواتي، لا يجوز الزواجُ بهن بسبب القرابة، أو الرضاع، أو المصاهرة، أو بغير ذلك. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولِها: ما أخرجه (٢) ابن جرير، قال: حَدَّثَني محمَّد بن عبد الله المخرمي قال: حدثنا قراد، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأةَ الأب والجمعَ بين الأختين، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.

стр. 2350

وأخرج الطبراني (١) أيضًا، وابن أبي حاتم، والفريابي، عن عدى بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال توفي أبو قيس بن الأصلت، وكان من صالحِي الأنصار فَخَطَب ابْنُه قيس امرأتَه، فقالت: إنما أعَدُك ولدًا، وأنت من صالحي قومك، فأتت النبي ﷺ فأخبرته فقال: ارجعي إلى بيتك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ...﴾ سبب نزولها (٢). ما أخرجه ابن جرير، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ما سببها قال: كنا نتحدث أنها نزلت في محمَّد ﷺ حِينَ نكح امرأةَ زيد بن حارثة، قال: المشركون في ذلك فنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ونزلت ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. التفسيرُ وأوجه القراءة ٢٢ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾؛ أي: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون ﴿مَا نَكَحَ﴾، وتزوج ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ من نسب أو رضاع، حقيقةً أو بواسطة، فيشمل الأجدادَ، وإن علوا ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وسَبَقَ منكم في الجاهلية قبل نزول آية التحريم من نكاح زوجات الآباء فإنه معفوٌّ عنه لا مؤاخذةَ عليكم به. والخلاصة: أنكم تستحقُّون العقابَ بنكاح ما نكح آباءكم إلا ما قد سلف، ومَضَى فإنه مفعو عنه، وهذا شروع (٣) منه في بيان من يحرم نكاحها من النساء، ومن لا يحرم، وإنما خَصَّ هذا النكاحَ بالنهي، ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرّينَ على تعاطيه، وكانَ فاشيًا في الجاهلية، وقد ذَمَّهُ الله أقبحَ ذم، فسماه فاحشةً، وجَعَلَه مبغوضًا أشدَّ البغض، قال ابن عباس ﵄: وجمهور المفسرين كان أهلُ الجاهلية
следующие страницы →