الدال الأولى تاء ﴿كَرْهًا﴾ الكُره: بفتح الكاف، وضمها مع سكون الراء فيهما مصدران لكره الثلاثي المكسور العين، معناه الإباءُ والمشقُة، وما أكره عليه الإنسان، وقيل: هو بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهَكَ عليه غيرك، ويقال: شيء كره؛ أي: مكروه، ورجلُ كره؛ أي: متكره، ووجه كره، أي: قبيح، وفعله كَرهًا، أي إكراهًا.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقال: عضل من باب نصر، والعضل التضييق، والشدة، ومنه: الداء العضال؛ أي: الشديد الذي لا نجاةَ منه، والفاحشةُ الفعلةُ الشنيعةُ الشديدة القبح كما مر آنفًا. والمبينة الظاهرة الفاضحة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقال: عاشرَه معاشرةً وعشرةً وتعاشَروا واعتشَروا عشرةً، والعِشرةُ الصحبةُ، والمخالطة، والمعروف هو مَا تألفه الطباعُ ولا يستنكره الشرعٌ ولا العرفُ ولا المروءةُ ﴿قِنْطَارًا﴾ القنطار: المالُ الكثيرُ، وقد تقدم الكلام عليه في أول سورة آل عمران فراجعه.
﴿بُهْتَانًا﴾ يقال: بهت يبهت وبهتًا وبهتانًا من باب فتح إذا افترى عليه الكذبَ، فهو بهاتُ، وبَهُوت، والبُهتان الكذب الذي يبهِّتُ المكذوبَ عليه، ويسكته متحيِّرًا.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: وصل إليها الوصول الخاص الذي يكون بين الزوجين، فيلابس كلُّ منهما الآخرَ حتى كأنهما شيء واحد، والإفضاء (١) إلى الشيء الوصول إلى فضاء منه؛ أي: سعة غير محصورة، كقولهم: الناس فوضَى فَضَى؛ أي: مختلطون يباشر بعضهم بعضًا، ويقال: أفضى إليه إفضاءً، وهو رباعي من الثلاثي المزيد فيه بحرف، يقال: فضا يفضو فضاءً من باب دعا إذا اتسع، فألف أفضى منقلبة عن ياءٍ أصلها واو، والميثاق الغليظ: العهدُ المؤكدُ الذي يربطكم بهن أقوى رباط وأحكمه.
стр. 2347
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البيان والبديع:
منها: التجوزُ (١) باطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ لأن أل في الفاحشة تستغرق كل فاحشةٍ، وليس مرادًا، وإنما أطلق اسمُ الكل على البعض تعظيمًا لقبحة، وفحشه؛ كأنه لا فاحشةَ إلّا هو، فإنَّ كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكونُ الألفُ واللام فيه للعهد.
ومنها: التجوزُ بأن يُرادَ من المطلق بعض مدلوله في قوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ إذا فسر بالتعيير، أو بالضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ والمراد الجلد، أو رجمُ المحصن، وبقوله ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: أي: اتركوهما.
ومنها: المجاز العقليُّ بإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: والمرادُ يتوفاهن اللهُ أو ملائكته، وفي قوله: حَتَّى إذا حضر أحدهم الموت؛ أي: علاماتُه ومقدماتُه.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾.
ومنها: التجنيسُ المماثل في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾.
ومنها: التكرار - أي: الإطناب - في اسم الله في مواضع، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، وفي قوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾.
ومنها: إطلاق المستقبل على الماضي في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ و ﴿وَاللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾، و ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ و ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾.
ومنها: الإشارة والإيماء في قوله: ﴿كَرْهًا﴾ فإن تحريمَ الإرث كُرْهًا يوميء إلى جوازه طوعًا، وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾.
ومنها: الإيماء أيضًا في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾
стр. 2348
ففيه إشارة إلى أن له أن يَعْضلَها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلَّقُ بها، أو بمالها.
ومنها: المبالغةُ في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ عظم الأمر حتى يُنتهى عنه.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ استعار الأخذ للوثوق بالميثاق، والتمسك، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقةً، وفيه أيضًا استعارة لفظ الميثاق للعقد الشرعي، كما قال مجاهد: الميثاقُ الغليظُ: عُقدةُ النكاح، وفي هذا (١) الإسناد أيضًا مجاز عقلي؛ لأنَّ الآخِذَ للعهد هو الله؛ أي: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن، وبسببهن فهو مجازَ عقلي من الإسناد إلى السبب كما مرَّ.
ومنها: تسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ سمي تزويجُ النساء أو مَنْعُهن للأزواج إرثًا، لأن ذلكَ سببُ الإرث في الجاهلية.
ومنها: الطباق المعنوي في قوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
ومنها: الحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.
والله أعلم
* * *
стр. 2349
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ مناسبة هاتينَ الآيتين لِمَا قبلهما: أنه لما بين (١) الله ، وذَكَرَ في أوائل السورة حكم نكاح اليتامَى، وعددَ مَنْ يحل من النساء، والشرطَ في ذلك، وبيَّن حكم استبدال زوج مكان زوج، وما يجبُ عن لمعروف في معاشرتهن .. أَرْدَف ذلك ببيان ما يحرمُ نكاحه من النساء اللواتي، لا يجوز الزواجُ بهن بسبب القرابة، أو الرضاع، أو المصاهرة، أو بغير ذلك.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولِها: ما أخرجه (٢) ابن جرير، قال: حَدَّثَني محمَّد بن عبد الله المخرمي قال: حدثنا قراد، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأةَ الأب والجمعَ بين الأختين، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
стр. 2350
وأخرج الطبراني (١) أيضًا، وابن أبي حاتم، والفريابي، عن عدى بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال توفي أبو قيس بن الأصلت، وكان من صالحِي الأنصار فَخَطَب ابْنُه قيس امرأتَه، فقالت: إنما أعَدُك ولدًا، وأنت من صالحي قومك، فأتت النبي ﷺ فأخبرته فقال: ارجعي إلى بيتك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ...﴾ سبب نزولها (٢). ما أخرجه ابن جرير، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ما سببها قال: كنا نتحدث أنها نزلت في محمَّد ﷺ حِينَ نكح امرأةَ زيد بن حارثة، قال: المشركون في ذلك فنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ونزلت ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
التفسيرُ وأوجه القراءة
٢٢ - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾؛ أي: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون ﴿مَا نَكَحَ﴾، وتزوج ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ من نسب أو رضاع، حقيقةً أو بواسطة، فيشمل الأجدادَ، وإن علوا ﴿مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وسَبَقَ منكم في الجاهلية قبل نزول آية التحريم من نكاح زوجات الآباء فإنه معفوٌّ عنه لا مؤاخذةَ عليكم به.
والخلاصة: أنكم تستحقُّون العقابَ بنكاح ما نكح آباءكم إلا ما قد سلف، ومَضَى فإنه مفعو عنه، وهذا شروع (٣) منه في بيان من يحرم نكاحها من النساء، ومن لا يحرم، وإنما خَصَّ هذا النكاحَ بالنهي، ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرّينَ على تعاطيه، وكانَ فاشيًا في الجاهلية، وقد ذَمَّهُ الله أقبحَ ذم، فسماه فاحشةً، وجَعَلَه مبغوضًا أشدَّ البغض، قال ابن عباس ﵄: وجمهور المفسرين كان أهلُ الجاهلية
стр. 2351
يتزوجون بأزواج آبائهم فنهُوا عن ذلك.
ومن المعلوم أنَّ المحومات بالمصاهرة أربعُ: زوجةُ الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنتُ الزوجة، وكلُّها يحصل فيها التحريمُ بمجرد العقد، وإن لم يحصل دخول إلا الربيبةَ، فلا تحرم إلا بشرط الدخول بأمها، وهذا يُستفاد من الآية، فإنها لم تقيد بالدخول إلا في الربيبة على ما سيأتي.
واختلفوا في ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ والظاهر أنها موصولة كما فسَّرْنَا أوَّلًا، والمعنى، ولا تنكحوا المرأةَ التي نَكَحَهَا آباؤكم من النساء، فإنه موجب للعقاب، إلا ما قد مضى قبل نزول آية التحريم، فإنه معفو عنه، وقيل: ﴿ما﴾ مصدرية. والمعنى حينئذٍ: ولا تنكحوا نكاح آبائكم؛ أي: نكاحًا كنكاح آبائكم في البطلان، فإن أنكحتَهم كَانَتْ بِغَيْرِ وليّ وشهود وكانت مؤقَّتة، وعلى سبيل القهر، وهذا الوجه منقول، عن محمَّد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية.
وقيل: لا تزوجُوا امرأةً وطِئها أباؤكم بالزنا إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة، فإنه يجوز للابن تزوجُها كما نُقِل هذا المعنى عن ابن زيد، وكما قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوَّجَ بمزنِيَّةِ أبيه، لهذه الآية. وقال الشافعي: لا يحرم؛ لأنه لا اعتبار بوطء الزنا ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن نكاح زوجات الآباء وحلائِلهم ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾؛ أي: قبيحًا من أقبح الفواحش لأنَّ زوجةَ الأب بمنزلة الأم، فكانت مباشرتُها كمباشرة الأم، فهي من أقبح المعاصي، وأفحش الفواحش تمجه الأذواقُ السليمةُ، وتقشعرّ منه العقول الصحيحة، ﴿و﴾ كان ﴿مقتًا﴾؛ أي: ممقوتًا مبغوضًا عند الله، وعند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم، وأنه لم يَزَلْ في حكم الله تعالى، وعلمه موصوفًا بذلك ما رَخَّص فيه لأُمةٍ من الأمم من لدن آدم، وكانت العربُ تقول لولد الرجل من امرأة أبيه. مقتيّ نُسبة إلى المقت، وهو أشدُّ الغضب، وكان منهم (١) الأشعثُ
стр. 2352
بن قيس، وأبو معيط ابن أبي عمرو بن أمية، ﴿وَسَاءَ﴾ ذلك النكاح، وقَبُحَ ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا، ومَسْلَكًا تَسْلُكه الجاهليةُ، روى (١) البغوي بسنده عن البراء بن عازب، قال: مر بي خالي، ومعه لواء فقلت أين تذهَب؟ قال: بعثني النبي ﷺ إلى رجل تزوَّج امرأةَ أبيه آتيهِ برأسه.
قيل: مراتب القبح (٢) ثلاث: القبح العقلي، والقبح الشرعي، والقبح العادي، وقد وصف الله تعالى هذا النكاح بكل ذلك، فقوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ مرتبة قبحه العقليِّ، وقوله: ﴿وَمَقْتًا﴾ مرتبة قبحه الشرعي، وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ مرتبة قبحه العادي، وما اجتمعَتْ فيه هذه المراتبُ. فقد بَلغ أَقْصى مراتب القبح.
٢٣ - ثم بيَّن الله المحرمات من النساء فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ أي: نكاحهن، وتلك المحرمات أربعةُ أقسام:
القسمُ الأول: المحرماتُ بالنسب، وهي سبع مذكورة، كُلُّها في الآية الأمهاتُ، والبناتُ، والأخواتُ، والعمَّاتُ، والخالات، وبناتُ الأخ، وبنات الأخت.
والقسم الثاني: المحرمات بالرضاع، وهي السبع المذكورة في النسب لحديث عائشة ﵂ إن رسول الله ﷺ قال: "يحَرمُ من الرضاع ما يحرم من الولادة". أخرجاه في "الصحيحين". ذَكَر منها في هذه الآية اثنتين: الأمهاتُ من الرضاع، والأخوات من الرضاع.
والقسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة، وهي أربعة أصناف: ذكر منها في هذه الآية ثلاثةً: أمهاتُ النساء، والربائبُ، وحلائلُ الأبناءِ، والرابعةُ: منها حلائلُ الآباء، وذكرها في الآية قبل هذه بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾.
والقسم الرابع: المحرماتُ بسبب عارض إذا زال السببُ، وهو الجَمْعُ زال التحريمُ، وهي ثلاثة، ذَكَرَ منها في الآية واحدة، وهي الجمعُ بين الأختين،
стр. 2353
والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
فجملة المحرمات المذكورة إحدى وعشرون، والثانية والعشرون، أزواجُ النبي ﷺ وذكرها في سورة الأحزاب بقوله جلّ وعلا ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
فجملةُ المحرمات بنصِّ الكتاب خمسةَ عَشَرَ، ذَكَرَ منها أربعةَ عشرَ في هذه الآية، والتي قبلها، وواحدةً في سورة الأحزاب. فقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وهي جمع أم، والأم (١) هي كل امرأة رجع نسبك إليها، سواء كانت من جهة الأم، أو من جهة الأب، وسواء كانت بدرجة، وهي الأم حقيقةً أو بدرجات، وهن الجدات، وإن عَلوْنَ فيحرم نكاحُ الأم، وجميع الجدات، وإن لم تكن وارثةً كأم أبي الأم ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ جمع بنت، وهي كل أنثى رَجَعَ نسَبُها إليكَ بالولادة بدرجة كبنت الصلب، أو بدرجات بإناث خلص، كبنت بنت البنت، وإن سفلت، أو بذكور كبنت ابن الابن، وإن سفل ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع أخت، وهي كل امرأة شاركتك في أصلك، فتدخل فيها الأخوات الأشقاء، والأخوات لأب، والأخوات لأم ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمع عمة، وهي كل امرأة شاركَتْ أبَاك في أصله، وإن علا، فتدخل فيها جميع أخوات الأب، وأخوات آبائه، وإن علوا، وقد تكون العمة من جهة الأم أيضًا، وهي أخت أبي الأم ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ جمع خالة، وهي كل امرأة شاركَتْ أمك في أصلها، فيدخل فيها جميع أخوات الأم، وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالةُ من جهة الأب أيضًا، وهي أخت أم الأب ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾، وهي كل امرأة لأخيك عليها ولادة، ويرجع نسبها إلى الأخ، فيدخل فيها جميعُ بنات أولاد الأخ، وإن سفلنَ ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ وهي كلُّ امرأة لأختك عليها ولادة، ويرجع نسبُها إلى الأخت، فيدخل فيها جميع بنات أولاد الأخت، وإن سفلنَ، فهذه الأصناف السبعة محرمة بالنسب بنص الكتاب، وهي القسمُ الأول من الأقسام الأربعة السابقة.
стр. 2354
والقسم الثاني: المحرماتُ بالرضاع، وهي السبع المذكورة في النسب كما سبق.
وذَكَرَ الأولى منها بقوله: ﴿و﴾ حرمت عليكم ﴿أمهاتكم التي أرضعنكم﴾ في الحولين خمسَ رضعاتٍ متفرقات عند الشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة ومالك: يحصل التحريمُ بمصة واحدة، وفاقًا للأوزاعي، والثوري، وعبد الله بن المبارك، كما هو مذهب ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب.
وأم الرضاع هي (١) كل امرأة أرضعَتْك، أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعَتْ من ولدك بواسطة، أو بغيرها، أو ولدت مرضعتَك، أو ذا لبنها، وهو الفحلُ بواسطة أو غيرها.
وذكَرَ الثانيةَ منها بقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وهي كل امرأة أرضعَتْها أمك، أو ارتضعت بلبن أبيك، أو ولدَتْها مرضعتُك أو الفحلُ.
وإنما نص الله على ذكر الأم، والأخت من الرضاع، ليَدُلَّ بذلك على بقية المحرمات من الرضاع، وتنبيهًا على أن الرضاع يجري مجرى النسب في التحريم كما بينته السنة.
والثالثة من محرمات الرضاع: العمة، وهي (٢) أخت الفحل، وأختُ ذكر ولده بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع.
والرابعة منها: الخالة وهي أختُ المرضعة، وأخت أنثى ولدَتْها بواسطة، أو بغيرها من نسب، أو رضاع.
والخامسة منها: بنت الرضاع، وهي كل من ارتضعَتْ بلبنك، أو بلبن من ولدته بواسطة أو بغيرها.
والسادسة منها: بنت أخ الرضاع، وهي بنت ولد المرضعة، أو الفحل من نسب، أو رضاع، وإن سفلَتْ ومَن ارتضعت بلبن أخيك، وبنتُها بنسب أو رضاع،
стр. 2355
وإن سفلَتْ.
والسابعةَ: بنت أخت الرضاع، وهي بنتُ بنت المرضعة، أو الفحل من نسب أو رضاع، وإن سفلت، ومن ارتضعت أختَك، وبنتُها من نسب أو رضاع، وإن سفلت، وكذا بنت أنثى أرضعَتْها أُمُّك أو ارتضعت بلبن أبيك.
وقرأ الجمهور ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وقرأ عبد الله ﴿اللايَ﴾ بالياء، وقرأ ابن هُرْمُز التي، وقرأ أبو حَيْوة من الرِّضاعة بكسر الراء.
فصل في ذكر نبذة من أحكام الرضاع وأحاديثه
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: "إنها لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإنها ابنةُ أخي من الرضاعة". متفق عليه. فدل الحديث بمنطوقه على حرمة بنت أخ الرضاع، فكُلُّ مَنْ حرُمت بسبب النسب حُرِّمَ نظيرُها بسبب الرضاعة.
وإنما سمَّى الله تعالى المرضعات أمهات، لأجل الحرمة، فيحرم عليه نكاحُها، ويحلُّ له النظر إليها، والخلوة بها والسفرُ معها، ولا يترتَّبُ عليه جميعُ أحكام الأمومة من كل وَجه، فَلاَ يتوارثان، ولا تَجِبُ على كل واحد منهما نفقةُ الآخر، وغير ذلك من الأحكام وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين:
أحدهما: أن يكونَ إرضاع الصبي في حال الصغر، وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾.
وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاءَ في الثدي، وكان قبل الفطام". أخرجه الترمذي.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: لا رضاعةَ إلا ما كان في الحولين. أخرجه مالك في الموطأ بأطْوَل من هذا، وأخرجه أبو داود مختصرًا قال: قال عبد الله بن مسعود لا رضاعَ إلا ما شَدَّ اللحم وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع
стр. 2356
ثلاثون شهرًا لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وحمله الجمهور على أقلِّ مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع؛ لأن مدةَ الحمل داخلة فيه، وأقله ستة أشهر.
والشرط الثاني: أن يوجد خمسُ رضعات متفرقات، رويَ ذلك عن عائشة ﵂ وبه قال عبد الله بن الزبير، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصةُ ولا المصَّتَان". أخرجه مسلم.
وعن أم الفضل ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم الإملاجَةُ ولا الإملاجَتَان". أخرجه مسلم أيضًا. وفي رواية: إن رجلًا من بني عامر بن صعصعة قال: يا نبي الله، هل تحرّم الرضعة الواحدة، قال: "لا".
وعن عائشة ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن، عشرُ رضعات معلومات، يُحَرِّمْنَ، ثم نُسخت؛ أي: حكمُها بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنَّ فيما يُقْرأُ من القرآن، أخرج مسلم.
يحتمل أنه لم يبلغها نسخ تلاوتها، وأجمعوا على أن هذا لا يُتْلَى فهو ممَّا نسخ تلاوتُه، وبقي حُكْمُه وقد غَلَب على الناس التساهلُ في أمر الرضاعة، فيُرضِعُون الولدَ من امرأة، أو من عدة نسوة، ولا يهتمونَ بمعرفة أولاد المرضعة، وأخواتها، ولا أولاد زوجها من غيرها، وإخوته ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الأحكام، كحرمة النكاح، وحقوق القرابة الجديدة التي جعلَها الشارع كالنسب، فكثيرًا ما يتزوَّج الرجل أختَه، أو عمَّتَه، أو خالتَه من الرضاعة، وهو لا يَدْرِي.
والقسمُ الثالث من المحرمات: ما يحرم بالمصاهرة، وهي أربعةُ أصناف، كما سبق:
الأولى منها: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ حرمت عليكم ﴿أمهات نسائكم﴾؛ أي: أمهات حلائلكم من نسب، أو رضاع بواسطة، أم بغير واسطة، سواء دخل بزوجته أم لم يدخل بها، بل يكفي مجرد العقد عليها، وبهذا قال جمهور
стр. 2357
الصحابة ومن بعدهم، وعليه المذاهب الأربعة.
والثانية منها: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ حُرِّمَت عليكم ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾؛ أي: بَنَاتُ نسائكم ﴿اللَّاتِي﴾ ربيتموهن وأدبتموهن ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾، وبيوتكم حالةَ كونهن كائنات ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ أي: جامعتموهن سواءٌ كانَ بعقد صحيح، أو فاسد يجب لها به الصداقُ، وتجبُ عليها العدةُ وَيلحَقُ به الولدُ. والربائب جمع ربيبة، وهي بنتُ المرأة من رجل آخر، سُمِّيَتْ رَبيبةً لتربيتِها في حجر الرجل، وقوله: دخلتم بهن كنايةٌ عن الجماع، لا نفسُ العقد، فيحرم على الرجل بناتُ امرأته، وبناتُ أولادها، وإن سَفلْنَ من النسب، أو الرضاع بعد الدخول بالزوجة، فلو فارق زوجتَه قبل الدخول بها، أو ماتَتْ قبل دخوله بِهَا جَازَ له أن يتزوَجَ بنتَها، ولا يجوز أن يتزوجَ أمَّهَا؛ لأنَّ الله أطلق تحريمَ الأمهات، وعلَّق تحريمَ البنات بالدخول بالأم، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ أي؛ بنسائكم، كأن عَقَدَ عليها النكاحَ، وفارقها قبل الدخول، أو ماتَتْ كما مر آنفًا ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: لا حَرَجَ ولا منعَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح الربائب بعد طلاق أمها أو موتها.
والثالثة منها: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ حرمت عليكم ﴿حلائل أبنائكم﴾، أي نساءُ أولادِكم ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؛ أي: من أولاد فِرَاشِكم دُونَ نساء الأولاد الأدعياء الذين تبنيتم، وأمَّا حلائل أبناء الرضاع فعلم تحريمهن بالسنة، وإن كان مقتضَى مفهوم الآية تحليلهن، والحلائلُ جمع حليلة، وهي الزوجةُ، والرجل حليلُ سميا بذلك؛ لأن كلَّ واحد منهما يَحِلُّ لصاحبه، وقيل: لأنَّ كل واحد منهما يَحُلَّ إزارَ صاحبه من الحَلِ بفتح الحاء بمعنى الفكّ.
ويدخل في الأبناء أبناءُ الصلب مباشرةً أو بواسطة كابن الابن، وابن البنت، فحلائلُهما تحرم على الجد كما يدخل الابن من الرضاعة، فتحرم حليلته لما تقدم من قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
والرابعة: من هذا القسم حلائل الآباءِ، وذكرها بقوله: في الآية السابقة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾.
стр. 2358
والقسم الرابع من المحرمات: ما يحرم بسبب عَارِض، وقد تقدم لك أنه ثلاثة أصناف: ذَكَرَ منها واحد: في هذه الآية بقوله: ﴿و﴾ حرم عليكم ﴿أن تجمعوا بين الأختين﴾؛ أي: وحرم عليكم أيها المؤمنون الجمع بين الأختين بنسب، أو رضاع في الاستمتاع الذي يراد به الولد، وهو الجماع لا في نفس ملك اليمين، والمذاهب الأربعة متفقة على تحريم الاستمتاع بالأختين بملك اليمين، أو بالنكاح، أو بالنكاح والملك كأن يكون مالكًا لأحدهما، ومتزوجًا للأخرى، فيحرم عليه أن يَسْتَمْتِعَ بهما، ويجب عليه أن يحرم إحداهما على نفسه، كأن يعتق المملوكة، أو يهبها. وقال الشافعي: نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز؛ لأنه لم يوجد الجمع.
والثانية منها: الجمع بين المرأة وعمتها.
والثالثة: الجمع بين المرأة وخالتها. ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها". أخرجاه في "الصحيحين".
والعلة في تحريم جمع هؤلاء إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله تعالى بوصَله من الرّحم، لِمَا يوجد بينهما بسبب الجمع من التباغض، والتحاسُد، كما هو شأن الضرتَينِ كما يدل عليه قوله ﷺ : "فإنكم إن فعلتم ذلك قَطَعْتمُ أَرْحَامَكم".
والضابط لذلك: أنه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابةٌ لو كانت إحداهما ذكرًا. لحرُمَ عليه بها نكاح الأخرى. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: لكن ما قد مضى، ووقع منكم من الجمع بينهما قبلَ نزول التحريم، فمغفور لكم، لا تؤاخَذون عليه بعد الإِسلام، وقد كانوا في الجاهلية يجمعون بين الأختين مثلًا كما يدل على ذلك ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمتُ وتحتي أختان، قال: "طَلِّقِ أيتَهما شئتَ".
стр. 2359
وعن ابن عباس ﵄ قال: إن أهلَ الجاهلية كانوا يحرمونَ ما حرم الله إلا امرأةَ الأب والجَمعُ بين الأختين، كما سبق، ثم علَّل الاستثناء بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ غَفُورًا﴾ لكم بما وقع منكم في الجاهلية من المحرمات المذكورة ﴿رَحِيمًا﴾ بكم حيث سامَحَ وعَفا لكم ما قد وقع منكم في الجاهلية، فلا يؤاخِذُكم بما سلفَ منكم في زمن الجاهلية، إذا أَنتم عملتم بشريعة الإِسلام، ومِن مغفرته أَنْ يمحوَ من نفوسكم آثارَ الأعمال السيئة، ويغفرَ لكم ذنوبَكم إذا أنبتم إليه، ومن رحمته أنْ شَرَعَ لكم من أحكام النكاح ما فيه المصلحةُ لكم، وتوثيق الروابط بَيْنكم لتتراحَموا، وتتعاوَنُوا على البرّ والتقوى.
الإعراب
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية. ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَنْكِحُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿مَا نَكَحَ﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره ما نكحه أباؤكم ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ جار ومجرور، حال من ﴿ما﴾ الموصولة ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿إلا﴾ أداة استثناء منقطع، ووجه الانقطاع أن المستثنى ماض، والمستثنى منه مستقبل؛ لأن (١) النهي للمستقبل، وما سلف ماض، فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع: أنه لا يكون داخلًا في الأول، بل يكون في حكم المستأنف، وتُقدَّرُ إلا فيه بلكن، والتقدير هنا: ولا تتزوجوا مَنْ تزوَّجَه أباؤكم، ولا تطؤوا مَنْ وطئهُ أباؤكم، لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه ذكره أبو البقاء. ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿سَلَفَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على
стр. 2360
﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب. و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿الهاء﴾ في أنه العائد على نكاح نساء الآباء. ﴿فَاحِشَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة كان في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المعللة للنهي المذكور قبلها ﴿وَسَاءَ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿ساء﴾ فعل ماض من أفعال الذم وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا مبهم يفسره التمييز المذكور بعده تقديره: هو يعود على ﴿سبيل﴾ نكاح نساء الآباء ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز له، وجملة ﴿ساء﴾ في محل الرفع خبر مقدم لمبتدأ محذوف الذي هو المخصوص بالذم تقديره: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ذلك السبيل، والجملة الإسمية، أو جملةُ ﴿ساء﴾ من الفعل، والفاعل في محل الرفع معطوف على جملة ﴿كَانَ﴾ وقيل (١): إن الضمير في ﴿ساء﴾ عائد على ما عاد إليه الضميرُ قبلَ ذلك، و ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز منقول من الفاعل والتقدير: ساء سبيله.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.
﴿حُرِّمَتْ﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به. ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه والجملة مستأنفة ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وكذا قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾: معطوفات على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ ﴿اللَّاتِي﴾: صفة ﴿لأمهاتكم﴾: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾: معطوف أيضًا على ﴿أمهاتكم﴾ الأولى، جريًا على القاعدة المشهورة عندهم: أنه إذا كثرت
стр. 2361
المعطوفات، وكان العطف بالواو يكون العطف على الأول منها ﴿مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: جار ومجرور، حال ﴿من أخواتكم﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ﴾: معطوف أيضًا على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأولى، وهو مضاف ﴿نِسَائِكُمْ﴾: مضاف إليه ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾: معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أيضًا، ومضاف إليه ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لـ ﴿ربائبكم﴾ ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة الموصول تقديره: اللاتي رُبِّيْنَ في حجوركم ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من ﴿ربائبكم﴾ وإن شئت قلت: حال من الضمير في الجار والمجرور الذي هو صلة تقديره: اللاتي استقَرَرْنَ في حجوركم كائنات من نسائكم ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لـ ﴿نسائكم﴾ المذكور قبله المجرور بـ ﴿من﴾ ﴿دَخَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل ﴿بِهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة: صلة الموصول ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكم الربائب اللاتي دخلتم بأمهاتهن، وأردتم بيانَ حكم الربائب اللاتي لم تدخلوا بأمهاتهن .. فأقول لكم ﴿إن لم تكونوا﴾ إن حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَكُونُوا﴾؛ فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿دَخَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِنَّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾ تقديره: فإن لم تكونوا داخلين بهن وجملة ﴿تَكُونُوا﴾: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعْلَ شرط لها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ وجملة لا من اسمها وخبرها: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿وَحَلَائِلُ﴾ معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأولى وهو مضاف. ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾: مضاف إليه ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر صفة لأبنائكم ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه صلة الموصول تقديره: الذين كانوا من أصلابكم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾: الواو عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَجْمَعُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على
стр. 2362
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأولى تقديره: حرمت عليكم أمهاتكم وجمعكم ﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تجمعوا﴾ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: ﴿إلَا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿سَلَفَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على محمَّد والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والاستثناء منقطع كما مر نظيره ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الجلالة. ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المعللة للاستثناء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ يقال: سَلَفَ يَسْلُف سلفًا، وسُلوفًا من باب قعد: إذا مضى، وتقدم وسبق يقال سَلَف له عمل صالح إذا تقدم وسَبقَ ﴿فَاحِشَةً﴾؛ أي: شديدَ القبح ﴿مَقْتًا﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: ممقوتًا مبغوضًا عِندَ ذوي الطباع السليمة، ومن ثَمَّ كانوا يسمونه نكاح المقتِ، ويسمى الولد منه مقيتًا؛ أي: مبغوضًا محتقرًا، فالمقلت: البغض المقرونُ باستحقار حَصَل بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه. قاله أبو حيان. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: ساء من أفعال الذم بمعنى بئس، والمعنى: بئس طريقًا ذلك الطريقُ الذي اعتادوا سلُوكَهُ في الجاهلية، وبئس مَنْ يسلُكَهُ، لم يَزِدْهُ السيرُ فيه إلا قبحًا.
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الأمهات (١) جمع أم، فالهاء زائدة في الجمع، فرقا بين العقلاء، وغيرهم. يقالَ في العقلاء: أمهات، وفي غيرهم أمات، وقد يقال: أمات في العقلاء، وأمهات في غيرهم، وقد سمع أمهه في أم بزيادة ﴿الهاء﴾ قبل ﴿هاء﴾ التأنيث، وعلى هذا يجوز أن تكون ﴿أمهات﴾ جمع أمهه المزيد فيها الهاء، والهاء قد أتت زائدة في مواضع ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ لام (٢) الكلمة محذوف،
стр. 2363
ووزنه فعاتكم، والمحذوف واو أو ياء فَأَمْا بنت. فالتاء فيها بدل من اللام المحذوفة، وليسَت تاءَ التأنيث؛ لأن تاءَ التأنيث لا يسكَّن ما قبلها، وتقلب هاءً في الوقف، فبناتُ ليس بجمع بنت، بل جمع بَنَةٍ، وكسرت الباء تنبيهًا على المحذوف هذا عند الفراء، وقال غيره: أصلها الفتح، وعلى ذلك جاء جمعها ومذكرها. وهو بنون، وهو مذهب البصريين ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع (١) أخت، فالتاء فيها بدل من الواو؛ لأنها من الأخوة؛ فإن قيل: لم ردَّ المحذوف في أخوات، ولم يردَّ في بناتٍ؟
أجيب: بأنه حمل كل واحد من الجمعَين على مذكره، فمذكرُ بنات لم يَزدَّ فيه المحذوفُ بل جَاءَ نَاقصًا، قالوا: بَنون، وقالوا: في جمع أخ، إخوَةٌ، وإخوانُ فَردَّ المحذوف ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾: جمع عمة، والعمة تأنيث العم، وهي أخت الأب ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾: جمع خالة، والخالة تأنيث الخال، وألفه منقلبة عن واو لقولهم في جمع خال: أخوال، ورجل مخول؛ أي: كريمُ الأخوال ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾: جمع ربيبة، والربيبة بنت زوج الرجل من غيره ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾: جمع (٢) حِجْرٍ، بفتح الحاء وكسرها، والحجر مقدم ثوب الإنسان، وما بين يديه في حال اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ؛ لأن اللابس إنما يحفظ طفلًا، وما أشبهه في ذلك الموضع من الثوب، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: جمع (٣) حليلة، والحليلة: الزوجة، والحليل: الزوج. قال الشاعر:
أَغْشَى فَتَاةَ الْحَيِّ عِنْدَ حَلِيْلِهَا ... وَإِذَا غَزَا فِيْ الْجَيْشِ لاَ أغْشَاهَا
سميت حليلة؛ لأنها تَحُلُّ مع الزوج حيث حَلَّ، فهي فعيلة، بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وغيره، إلى أنها من لفظ الحلال، فهي حليلة بمعنى مُحلَّله، وقيل: يَحُلُّ كلُّ واحد منهما إزارَ الآخر.
﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: جمع صلب، والصلب: الظهر، ويقال: صَلُب صلابةً من باب فَعُل المضموم إذا قوي، واشتدَّ، وذكر الفراء في كتاب لغات القرآن، له أنَّ
стр. 2364
الصُّلْبَ، وهو الظهر على وزن قُفْلَ، هو لغة أهل الحجاز، ويقول فيه تميمُ وأسْدَ الصَلَبُ بفتح الصاد واللام.
البلاغة
وقد تضمنت هاتان الآيتان، أنواعًا من البديع والبيان:
منها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾.
ومنها: المغاير في قوله: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ﴿مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ لأن إسناد التحريم إلى الذوات لا يَصح، وإنما يتعلَّق بالفعل، فهو على حذف مضاف، والمعنى: حرمت عليكم نكاح أمهاتكم إلخ، وهذا هو الذي يفهم من تحريمهن كما يفهم من تحريم الخمر، تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير، تحريم أكله.
ومنها: الاحتراس (١) في قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ احترز به من اللاتي ليست في الحجور، ولكنَّ هذا القيدَ خَرَجَ مَخْرَج الغالبِ، فلا مفهومَ له.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فهو كناية عن الجماع كقولهم بني عليها، وضرب عليها الحجابَ.
ومنها: الطباق اللفظي في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ لأنه نَسَق المحرمات أولًا ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
والله أعلم
* * *
стр. 2365
الحمد لله على إفضاله، والشكر له على نواله، والصلاة والسلام على حبيبه محمَّد وصحبه، وآله ما تطارَدَ الجَدِيدَان وتطاوَلَ المَدى والزمانُ (١).
стр. 2366
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد السادس»
стр. 2367
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 2368
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على إنعامه، والشكرُ له على إحسانه، والصلاة والسلام على نبيه محمَّد وآله، ما سطر المؤلفون أسطار الحكم بمداد الجود والكرم.
أما بعد: فلما فرغت بحمد الله من شرح الجزء الرابع من القرآن .. أخذت - بعون الله تعالى - في شرح الجزء الخامس منه فقلت:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ إلى آخر الآيتين، مناسبتُهما لما قبلهما: أنهما (١) من تتمةِ ما قبلهما من جهة المعنى، فقَدْ ذكَرَ في أولاهما بقية ما
стр. 2372
يحرم من النساء، وحل سِوى من تقدم، ووجوب إعطاء المهور، وذكر في الآية الثانية حكم نكاح الإماء، وحُكم حدهن عند ارتكاب الفاحشة. لكن من قسموا القرآن ثلاثين جزءًا جعلوهما أولَ الجزء الخامس مراعاهّ للفظِ دون المعنى؛ إذ لو راعوا المعنى .. لجعلُوا أولَ الجزء الخامس قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ لأنه كلام مستأنف.
أسبابُ النزول
قولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ سببُ نزول هذه الآية: ما أخرجه سلم عن أبي سعيد الخدري: (أن رسول الله ﷺ يوم حُنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلَقُوا عدوًّا فقاتَلُوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أَجْلِ أزواجهن من المشركين، فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: فإن لكم حلال إذا انقضَتْ عدتهن. الحديثُ أخرجه الترمذي - وقال: حديث حسن صحيح - وأبو داود والنسائي والإمامُ أحمد وابن جرير.
وأخرج الطبراني (١) عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت يوم حنين، لما فتَحَ الله حنينًا .. أصاب المسلمون نساءً من نساء أهل الكتاب لهن أزواجٌ، وكان الرجل إذا أراد أن يأتيَ المرأةَ قالت: إن لي زوجًا، فسُئِلَ ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ الآيةَ.
قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ...﴾ سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن معمر عن سليمان عن أبيه قال: زعم حضري أنَّ رجالًا كانوا يفوضون المهر ثُمَّ عسى أن تدرك أحدهم العسرةُ، فنزلت: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
стр. 2373
التفسير وأوجهُ القراءة
٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ معطوف على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ أي: وحُرِّم عليكم أيها المؤمنون نكاحُ المتزوجات اللاتي أَحصنَّ أنفسَهن من الزنا بالزواج، أو أزواجَهن من الزنا إن قرئ بكسر الصاد، أو ذاتِ الأزواج اللاتي أَحْصنهن الأزواجُ من الزنا، إنّ قرئ بفتح الصاد حالةَ كونهن من جميع النساء مسلماتٍ كُنّ أو كتابياتٍ. قال الشوكاني (١): وقد قرئ المحصنات - بفتح الصاد وكسرها - فالفتح على أن الأزواج حصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن من غير أزواجهن، أو أَحصَن أزواجَهن انتهى. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأيديكم إما بسبي، فإنَّ المسبيَّات حلال لكم بعد ما استبرأتُم أرحامَهن بحيضةٍ، وإن كان لهن أزواج في دار الحرب، أو بشراءٍ فإنَّها تحل للمشتري بعد الاستبراء ولو كانت مزوَّجة، وينفسخُ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملكِ سيدها الذي زوَّجها.
والمعنى: وحُرِّم (٢) عليكم نكاحُ المتزوجات إلا ما ملكت الأيمان والأيدي بالسبي في حُروب دينية، تدافعون بها عن دينكم، وأزواجُهن كفارٌ في دار الكفر، وقد رأيتُم من المصلحة أن لا تُعاد السبايا إلى أزواجهن، فحينئذ يَنْحَلُّ عَقدُ زوجيَّتهنَّ، وَيكُنَّ حلالًا بالشروط المذكورة في كُتب الفقه.
والحكمةُ في حِلّيِّة السبايا: أنه لما كان الغالبُ في الحروب أن يُقْتَل بعضُ أزواجهن، ويفر بعضهم الآخر ولا يعود إلى بلاد المسلمين، وكان من الواجب كفالةُ هؤلاء السبايا بالإِنفاق عليهن، ومنعهن من الفِسق، كان من المصلحة لهن وللمجتمع أن يكون لكل واحدة منهن أو أكثر كافل يكفيها البحث عن الرزق؛ أَيْ: عن طلب المؤنة، أو بذل العرض، وفي هذا ما لا يخفى من الشقاء على النساء. وقال الحنفية: إن من سبي معها زوجها. لا تَحلُّ لغيره؛ إذ لا بُدَّ من اختلاف الدار بَيْنَ الزوجين، دارِ الإِسلام ودار الحرب.
стр. 2374
والإِسلام لم يَفرُض السَّبْيَ، ولم يُحْرِّمه؛ لأنه قد يكون من الخير للسبايا أنفسِهن في بعض الأحوال، كما إذا استأصلَتْ الحرب جميعَ الرجال مِن قبيلة محدودةِ العدد، فإِنْ رَأَى المسلمون أنَّ من الخير أن تُردَّ السبايا إلى قومهن .. جاز لهم ذلك، عملًا بقاعدةِ "دَرْءُ المفاسد مقدم على جلب المصالح" وإن كانت الحرب لمطامع الدنيا، وحظوظِ المُلُوك .. فلا يباح فيها السبي.
والاسترقاقُ (١) المعروفُ في هذا العصر في بلاد السودان، وبلادِ الحجاز وغيرِها غير شرعي، وهو محرم لأن أولئك اللواتي تسترققن حرائرُ من بناتِ المسلمين الأحرار، فلا يجوز الاستمتاع بهن بغيرِ عقدِ النكاح، والإِسلامُ بَريء من هذا.
وقولُه: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَيْدٌ جِيءَ به لإفادةِ التعميم، وبيانِ أنَّ المرادَ كلُّ متزوجة لا العفيفات والمسلمات، وقد جاء الإِحصان في القرآن لأربعةِ معان (٢):
١ - التزوّج كما في هذه الآية.
٢ - العفةُ كما في قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
٣ - الحريةُ كما في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.
٤ - الإِسلام كما في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾؛ أي: أسلَمْنَ على قراءة البناء للفاعل.
واختلف القراء (٣) في كلمةِ ﴿المحصنات﴾ سواء كانت معرَّفة بأل أم نكرة، فقرأ الجمهور بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في جميع القرآن، إلا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا فيها على الفتح، والمعنى: أحصنهن الأزواجُ بالتزوج؛ أي:
стр. 2375
أعفوهن عن الوقوع في الحرام، والأولياءُ أعفُّوهن عن الفساد بالتزويج، وهن يحصن أزواجَهن عن الزنا، ويُحصن فروجَهن من غير أزواجهن بعفافهن.
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكد لمضمون قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ منصوب بعامل محذوف؛ تقديره: كَتَب الله عليكم تحريمَ هذه الأنواع المذكورة، كتابًا مؤكَّدًا، وفرضه فرضًا ثابتًا محكمًا لا هَوادَةَ فيه؛ لأنْ مصلحتكم فيه ثابتةً لا يدخلها شك ولا تغيير، أو المعنى: الزموا كتاب الله وحُكْمه المذكور.
وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع اليماني (١): ﴿كتب الله عليكم﴾ على صيغة الفعل الماضي الرافع ما بعده، وروي عن ابن السميقع أيضًا، أنه قرأ: ﴿كتب الله عليكم﴾ جمعًا ورفعًا؛ أي: هذه كتب الله عليكم؛ أي: فرائضه ولازماته.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ بالبناء للمفعول، عطفًا على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بالبناء للفاعل، عطفًا على كتاب الله؛ أي كتب الله عليكم تحريم هذه الأصناف السابقة، وأحل الله لكم ما وراء ذلكم؛ أي: ما سوى تلك المحرمات السابقة.
وظاهر هذه الآية يقتضي (٢) حل ما سوى المذكورات من المحرمات السابقة، لكن قد دل الدليل من السنة أو الكتاب على تحريم أصناف أخرى سوى ما ذكر، فمن ذلك أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ومن ذلك المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجًا غيره، ومن ذلك نكاح المعتدة، فلا تحل للأزواج حتى تنقضي عدتها، ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة، والقادر على طول الحرة لم يجز له أن
стр. 2376
يتزوج بالأمة، ومن ذلك أن من كان عنده أربع نسوة حرم عليه أن يتزوج بخامسة، ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن علي التأبيد، ومن ذلك بيعض أصناف محرمات الرضاع، فهذه أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآية، على هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ورد بلفظ العموم، لكن العموم دخله التخصيص، فيكون عامًّا مخصوصًا. وقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ في محل رفع على البدل من ما على القراءة الأولى بدل اشتمال.
والمعنى: وأحل لكم ما سوى المحرمات السابقة أن تبتغوه وتطلبوه؛ أي: أحل لكم ابتغاء ذلك السوى وطلبه بأموالكم التي تدفعونها مهرًا للزوجة، أو ثمنًا للأمة، أو في محل نصب على البدل أيضًا على القراءة الثانية، والمعنى وأحل الله لكم ما سوى تلك المحرمات السابقة، أن تبتغوه بأموالكم؛ أي: أحل لكم ابتغاءَهُ وطلبه بأموالكم المصروفة في المهور، في النكاح وفي الأثمان وفي التسري، حالة كونكم ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أي: متعففين أنفسكم من الزنا، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ أي: غير زانين، وهذا تكرير للتأكيد؛ لأن الإحصان لا يجامع السفاح؛ أي: عافين أنفسكم من الزنا، ومانعين لها من الاستمتاع بالمحرم، باستغناء كل منكما بالآخر؛ إذ الفطرة تدعو الرجل إلى الاتصال بالأنثى، والأنثى إلى الاتصال بالرجل، ليزدوجا وينتجا، وإنما اقتصر هنا على غير مسافحين، ولم يقل متخذي أخدان؛ لأنه في الحرائر المسلمات، وهنَّ إلى الخيانة أبعد من بقية النساء، وزاد فيما بعد ﴿مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ لأنه في الإماء، وهن إلى الخيانة أقربُ من الحرائر المسلمات، فالإحصان هو هذا الاختصاص الذي يمنع النفس أن تذب أي مذهب، فيتصلُ كل ذكر بأي امرأة، وكل امرأة بأيِّ رجل، إذ لو فعلا ذلك .. لما كان القصد من هذا إلا المشاركة في سفح الماء الذي تفرزه الفطرة، إيثارًا للذة على المصلحة؛ إذ المصلحة تدعو إلى اختصاص كل أنثى بذكر معين، حتى تتكون بذلك الأسرة، ويتعاون الزوجان على تربية أولادهما.
فإذا انتفى هذا المقصد .. انحصرت الداعية الفطرية في سفح الماء وصبه، وذلك هو البلاء العام الذي تصطلي بناره الأمة كلها، فإن بعض الدول الأوروبية
стр. 2377
التي كثر فيها السفاح، وقلّ النكاح بضعف الدين وقلته، وقف نموها، وقلّ نسلها، وضعفت حتى اضطرت إلى الاعتزاز بمحالفة بعض الدول الأخرى.
وفي الآية: دليل على أن الصداق لا يتقدر بشيء، فيجوز على القليل والكثير، لإطلاق قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: فأي امرأة انتفعتم بها بالعقد عليها، أو تلذذتم بوطئها من تلك النساء الحلالات لكم، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: فأعطوهن مهورهن التي فرضتم لهن ﴿فَرِيضَةً﴾ وقدرتموها لهن تقديرًا، وسميتموها لهن في عقد النكاح، وإنما سمي المهر أجرًا لأنه بدل المنافع، لا بدل الأعيان، كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجرًا؛ أي: وأي امرأة من النساء اللواتي أُحلِلْن لكم تزوجتموها فأعطوها الأجر، وهو المهر بعد أن تفرضوه في مقابلة ذلك الانتفاع.
وسر هذا: أن الله لما جعل للرجل على المرأة حق القيام، وحق رياسة المنزل الذي يعيشان فيه، وحق الاستمتاع بها .. فرض لها في مقابلة ذلك جزاءًا وأجرًا تطيب به نفسها، ويتم به العدل بينها وبين زوجها.
والخلاصة: أن أي امرأة طلبتم أن تتمتعوا وتنتفعوا بتزوجها، فأعطوها المهر الذي تتفقون عليه عند العقد، حالة كونه فريضة فرضها الله عليكم، وذلك أن المهر يفرض ويعين في عقد النكاح، ويسمى ذلك إيتاءً وإعطاءً، فيتعين بفرضه في العقد، ويصير في حكم المعطى، وقد جرت العادة أن يعطى كله أو أكثره قبل الدخول، ولكن لا يجب كله إلا بالدخول، فمن طلق قبله وجب عليه نصفه لا كله، ومن لم يعط شيئًا قبل الدخول وجب عليه كله بعده، وقيل إن هذه الآية واردة في نكاح المتعة الذي كان في صدر الإِسلام، حيث كان الرجل ينكح المرأة وقتًا معلومًا ليلة أو ليلتين أو أسبوعًا بثوب أو غيره، ويقضي منها وطره ثم يسرحها. وفي "الخازن": وقال قوم: المراد من حكم هذه الآية نكاح المتعة، وهو أن ينكح امرأةً إلى مدة معلومة بشيء معلوم، فإذا انقضت تلك المدة .. بانت منه من غير طلاق، وتستبرىء رحمها بحيضة. وفي "القرطبي": وقال ابن
стр. 2378
العربي: وأما متعة النساء: فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أبيحت في صدر الإِسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القِبْلَة، فإن النسخ طرأ عليها مرتين، ثم استقرت كما سيأتي ذلك كله مع بيان أدلة تحريمها.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولا حرج ولا منع ولا تضييق عليكم ولا عليهن، ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: فيما اتفقتم عليه أيها الأزواج والزوجات من النقص في المهر، أو تركه كله، أو الزيادة فيه؛ أي: اتفقتم عليه، ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، والتقدير أولًا في عقد النكاح: فلا جناح عليكم في الزيادة، ولا عليهن في الحط؛ أي: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الزوج للمرأة المطلقة قبل الدخول تمام المهر، أو فيما تراضيا عليه من النفقة ونحوها، من غير ذكر المقدار المعين في العقد؛ إذ ليس الغرض من الزوجية إلا أن يكونا في عيشة راضية، يستظلان فيها بظلال المودة والرحمة والهدوء والطمأنينة، والشارع الحكيم لم يصنع لكم إلا ما فيه سعادة الفرد والأمة، ورقي الشؤون الخاصة والعامة.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ بمصالح العباد ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرعه لهم، فلا يشرع الأحكامَ إلا على وفق الحكمة، وذلك يوجب التسليم لأوامره، والانقياد لأحكامه، وقد وضع لعباده من الشرائع بحكمته ما فيه صلاحهم ما تمسَّكوا به، ومن ذلك أنه فرض عليهم عقد النكاح الذي يحفظ الأموال والأنساب، وفرض على من يريد الاستمتاع بالمرأة مهرًا يكافؤها به على قبولها قيامه ورياسته عليها، ثم أذن للزوجين أن يعملا ما فيه الخير لهما بالرضا، فيحطا المهر كله أو بعضه أو يزيدا عليه.
ونكاح المتعة: وهو نكاح المرأة إلى أجل معين ليوم أو أسبوع أو شهر، فإذا انقضت تلك المدةُ .. بانت منه بغير طلاق، ويستبرىء رحمها وليس بينهما ميراث. وكان مرخصًا فيه في بدء الإِسلام، وأباحه النبي ﷺ لأصحابه في بعض
стр. 2379
الغزوات؛ لبعدهم عن نسائهم، فرخص فيه مرة أو مرتين خوفًا من الزنا، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين، ثم نهى عنه نهيًا مؤبدًا - كما مر - لأن المتمتع به لا يكون مقصده الإحصانُ، وإنما يكون مقصده المسافحةُ - للأحاديث المصرحة بتحريمه تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة:
فمنها: ما أخرجه مسلم عن سَبْرة بن معبد الجهني ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإنَّ الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء .. فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".
ومنها: ما أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية).
ولنهي عمر في خلافته وإشادته بتحريمه على المنبر وإقرار الصحابة له على ذلك. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم؛ أي: إنَّ نكاح المتعة حرام. وقال قوم: المراد من حكم الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي ﷺ أجاز المتعة أولًا ثم منع منها، فحرمها فكان قوله منسوخًا بقوله، وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح، فليس فيها دلالة على المتعة.
٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: ومن لم يقدر منكم أيها الأحرار ﴿طَوْلًا﴾؛ أي: مهرًا يكون له وصلة وسببًا إلى ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: إلى نكاح الحرائر ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بأن لم يجد ما يمهره للحرة، أو وجده ولم ترض به، لعيب في خُلقه أو خَلقه، أو عجزٍ عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة، من النفقة وغيرها، فإن لها حقوقًا كثيرة، وليس للأمة مثل هذه الحقوق. ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: فلينكح أمة كائنة من الإماء اللاتي ملكتهن أيمانكم وأيديكم، حالة كونها ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾؛ أي: من إمائكم ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة .. فليتزوج الأمة المؤمنة دون
стр. 2380
الكتابية، فلا يجوز نكاحها؛ لأن فيها نقصين: الرق والكفر. وقال الشوكاني: الطَّول: الغنى والسعة، ومعنى الآية: فمن لم يستطع منكم غنىً وسعةً في ماله، يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات .. فلينكح من فتياتكم المؤمنات انتهى.
والفتيات جمع فتاة، وهي المرأة الحديثة السنِّ، ويقال للشابة: فتاة، وللغلام فتى، والأمة تسمى فتاة، سواء كانت عجوزًا أو شابة؛ لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.
وعبر عن (١) الإماء بالفتيات تكريمًا لهن، وإرشادًا لنا إلى أن لا ننادي بالعبد والأمة، بل بلفظ الفتى والفتاة. وقد روى البخاري قوله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: عبدي أمتي، ولا يقل المملوك: ربي، ليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون والرب هو الله ". ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾؛ أي: بمراتبكم في الإيمان، وهو العلم بحقيقة الإيمان ودرجة قوته وكماله فرب أمة يفوق إيمانها إيمان الحرائر، فتكون أفضل منهن عند الله تعالى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فاعملوا على الظاهر في الإيمان، فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر والحقائق. والمعنى: فلا يشترط في نكاحها أن يُعلم إيمانُها علمًا يقينيًّا، فإنَّ ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: أنتم وأرقائكم متناسبون، نسبكم من آدم ودينكم الإِسلام وما أحسن قول عليّ ﵁:
النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيْلِ أَكْفَاءُ ... أَبُوْهُمُ آدَمُ وَالأُمُّ حَوَّاءُ
والمعنى: كلكم مشتركون في الإيمان، وهو أعظم الفضائل، فإذا حصل الاشتراك في ذلك .. كان التفاوت فيما وراءه غير معتبر، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء" فلا ينبغي أن تعدوا نكاح الأمة عارًا عند الحاجة إليه، وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد رفع شأن الفتيات المؤمنات، وساوى بينهن وبين
стр. 2381
الحرائر. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ أي: فاخطبوهن بإذن سادتهن، واطلبوا منهم نكاحهن، فقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل؛ لأن الله تعالى جعل إذن السيد شرطًا في جواز نكاح الأمة.
وقال بعضُ الفقهاء: المرادُ من الأهل من لهم علين ولاية التزويج، ولو غير المالكين كالأب والجد والقاضي والوصي، إذ لكل منهم تزويج أمة اليتيم. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: وأعطوهن مهورهن، وأدوها إليهن بإذن أهلهن، أو أدوها إلى مواليهن، وأجمعوا إلا مالكًا على أن المهر للسيد؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف إيتاء المهر إلى الإماء لأنه ثمن بضعهن.
وقال مالك (١): المهر حق للزوجة على الزوج، وإن كانت أمة فهو لها لا لمولاها، وإن كان الرقيق لا يملك شيئًا لنفسه، لأن المهر حق الزوجة تصلح به شأنها، ويكون تطييبًا لنفسها في مقابلة رياسة الزوج عليها، وسيد الأمة مخير بين أن يأخذه منها بحق الملك، أو يتركه لها لتصلح به شأنها، وهو الأفضل الأكمل.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف؛ أي: من غير ضرار، ولا مطل ولا نقصان، وقيل: معناه وآتوهن مهور أمثالهن، اللاتي يساوينهن في الحال والحسب. وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ حال من مفعول فانكحوهن؛ أي: فانكحوهن حال كونهن محصنات؛ أي: عفائف من الزنا ندبًا بناء (٢) على المشهور من جواز نكاح الزواني، ولو كن إماء وقيل المعنى: أعطوهن أجورهن حالة كونهن متزوجات لكم، ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾؛ أي: غير مجاهرات بالزنا؛ أي: غير مؤجرة نفسها مع أي رجل أرادها كالمومسات، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾؛ أي: غير متخذات أخلاء معينين يزنون بهنَّ سرًّا، وهو حال مؤكدة كالذي قبله؛ لأن الإحصان لا يجامع السفاح كما مر.
والمسافحون (٣) هم الزانون المبتذلون، وكذلك المسافحات من الزواني
стр. 2382
المبتذلات، اللواتي هن سوق الزنا، ومتخذوا الأخدان هم الزناة المتسترون، الذين يصحبون واحدة واحدة، وكذلك متخذات الأخدان من الزواني المتسترات، اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا، ويزنين خفية، وهذان نوعان كانا في الجاهلية، قاله ابن عباس والشعبي والضحاك وغيرهم. وقد كان الزنا في الجاهلية قسمين: سريًّا وعلنيًّا، فالسري: يكون خاصًّا، فيكون للمرأة خدن يزني بها سرًّا، ولا تبذل نفسها لكل أحد، والعلني: يكون عامًّا، وهو المراد بالسفاح، قاله ابن عباس، وكان البغايا من الإماء ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن، ولا تزال هذه العادة متبعةً إلى الآن في بلاد السودان والحبشة والصومال وغيرها، فتوجد بيوت خاصة لشراب المسكر، وفيها البغاء العلني.
وروي عن ابن عباس (١): أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر من الزنا، ويقولون: إنه لؤم، ويستحلون ما خفي، ويقولون إنه لا بأس، وقد نزل في تحريم النوعين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وهذان النوعان فاشيان في بلاد الإفرنج، والبلاد التي تقلدهم في شرورهم، كمصر والصومال وجيبوتي وبعض بلاد الهند، بل عم الآن كل من النوعين مشارق الأرض ومغاربها، تقليدًا للإفرنج، فيا لها من مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقصارى القول: أن الله فرض في نكاح الإماء مثل ما فرض في نكاح الحرائر، من الإحصان والعفة لكل من الزوجين، لكن جعل الإحصان وعدم السفاح في نكاح الحرائر من قبل الرجال، فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ لأن الحرائر ولا سيما الأبكار أبعد من الرجال من الفاحشة، وأقل انقيادًا لطاعة الشهوة، على أن الرجال هم الطالبون للنساء والقوامون عليهن.
وجعل قيد الإحصان في جانب الإماء، فاشترط على من يريد أن يتزوج أمة أن يتحرى فيها أن تكون محصنة، مصونة في السر والجهر، فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ وذلك أن الزنا كان غالبًا في الجاهلية على الإماء،
стр. 2383
وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن، حتى إن عبد الله بن أبيٍّ كان يكره إماءه على البغاء، بعد أن أسلمن، فنزل في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على أنهن لذلهن وضعفهن وكونهن مظنة للانتقال من يد إلى أخرى، لم تمرن نفوسهن على الاختصاص برجل واحد، يرى لهن عليه من الحقوق ما تطمئن به نفوسهن في الحياة الزوجية، التي هي من شؤون الفطرة.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالبناء للفاعل، ومعناه: حفظن فروجهن، وقيل معناه أسلمن، كما قال عمرو بن مسعود، والشعبي والنخعي والسدي، قالوا: الإحصان هنا (١) الإِسلام، والمعنى: أن الأمة المسلمة عليها نصف حد الحرة المسلمة، وقد ضعف هذا القول، بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت في قوله من فتياتكم المؤمنات، فكيف يقال في المؤمنات فإذا أسلمن، قاله إسماعيل القاضي. وقرأ الباقون بالبناء للمفعول إلا عاصمًا فاختلف فيه ومعناه زُوِّجن. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾؛ أي: فإن فعلن ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾؛ أي: بالزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فعلى الإماء اللاتي زنين ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: نصف ما على الحرائر الأبكار، إذا زنين من العقاب؛ أي: من الجلد، فيجلدن خمسين جلدة، ويجلد العبد للزنا إذا زنى خمسين جلدة، ولا فرق في المملوك بين المتزوج وغير المتزوج، فإنه يجلد خمسين مطلقًا، ولا رجم عليه، هذا قول أكثر العلماء.
والمعنى: أنّ الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزواج .. فعليهن من العقاب نصف ما على المحصنات الكاملات، وهنَّ الحرائر إذا زنين، وهذا العقاب ما بينه بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة، وتجلد الحرة مائة، ولا ترجم لأن الرجم لا يتنصف.
والحكمة في ذلك: ما قدمناه فيما سلف، وهو كون الحرة أبعد عن داعية الفاحشة، والأمة ضعيفة عن مقاومتها، فرحم الله ضعفها وخفف العقاب عنها.
стр. 2384
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذاك الذي ذكرنا لكم، من إباحة نكاح الإماء عند العجز عن الحرائر جائز، ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾ وخاف ﴿الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: خاف الوقوع في الزنا بسبب العزوبة وشدة الشهوة، والمعنى: ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الغلمة وشدة الشهوة على الزنا، وإنما سمي الزنا بالعنت لما يعقبه من المشقة، وهو الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فأباح الله تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط: عدم القدرة على نكاح الحرة، وخوف العنت، وكون الأمة مؤمنة. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عن فكاح الإماء متعفِّفين، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكاحهن كي لا يكون الولد رقيقًا. والمعنى (١): وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، لما في ذلك من تربية قوة الإرادة، وتنمية ملكة العفة، وتغليب العقل على عاطفة الهوى، ومن عدم تعرض الولد للرق، وخوف فساد أخلاقه، بإرثه منها المهانة والذلة؛ إذ هي بمنزلة المتاع والحيوان، فربما ورث شيئًا من إحساسها ووجدانها وعواطفها الخسيسة.
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا نكح العبد الحرة .. فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الحر الأمة .. فقد أرق نصفه. ورحم الله القائل:
إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيْ مَنْزِلِ الْمَرْءِ حُرَّةٌ ... تُدَبِّرُهُ ضَاعَتْ مَصَالِحُ دَارِهِ
وسر هذا: ما شرحناه من قبل، من أن معنى الزوجية حقيقة واحدة مركبة من ذكر وأنثى، وكل منهما نصفها فهما شخصان صورةً واحدةً، اعتبارًا بالإحساس والشعور والوجدان والمودة والرحمة، ومن ثم ساغ أن يطلق على كل منهما لفظ: زوج؛ لاتحاده بالآخر، وإن كان فردًا في ذاته ومستقلًا في شخصه.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: غفار لمن صدرت منه الهفوات، كاحتقار الإماء المؤمنات، والطعن فيهن عند الحديث في نكاحهن، وعدم الصبر على معاشرتهن بالمعروف، وسوء الظن بهن، ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده حيث رخص لهم فيما رخص فيه بإباحته لهم نكاح الإماء، وإن كان يؤدي إلى إرقاق الولد، مع أن
стр. 2385
هذا يقتضي المنع لاحتياجهم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة.
وهذه الجملة (١) كالتوكيد لما تقدم، يعني أنه تعالى كفر لكم، ورحمكم حيث أباح لكم ما أنتم محتاجون إليه.
الإعراب
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: الواو: عاطفة. ﴿المحصنات﴾: معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾، من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ على كونه نائب فاعل لـ ﴿حُرِّمَ﴾. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿المحصنات﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ملكته أيمانكم. ﴿كِتَابَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف تقديره: كتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو مضاف. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بالفعل المحذوف، لا (٢) بالمصدر المذكور؛ لأن المصدر هنا فضلة، وقيل: هو متعلق بنفس المصدر؛ لأنه نائب عن الفعل، حيث لم يذكر معه، فهو كقولك: مرورًا يزيد؛ أي: أمرر به، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتأكيد مضمون جملة قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ لأنه لمّا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...﴾ علم أن ذلك مكتوب، فأكده بهذه الجملة.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
﴿وَأُحِلَّ﴾: الواو عاطفة. ﴿أحل﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. ﴿وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ظرف ومضاف